← История

История · id 6638

تاريخ الدولة العلية العثمانية

محمد فريد بك

Полный текст (661 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٢٨ - السُّلْطَان الْغَازِي سليم خَان الثَّالِث ابْن السُّلْطَان مصطفى الثَّالِث الْمَوْلُود سنة ١١٧٥ هـ سنة ١٧٦٢ م تولى وجو السياسة مكفهر ورحى الْحَرْب دَائِرَة بِلَا انفطاع فبذل جهده فِي تَقْوِيَة الجيوش وارسال الْمُؤَن والذخائر لَكِن كَانَ الياس قد استولى على الْجنُود وغادر كثير مِنْهُم مراكزهم وَفِي هَذِه السّنة اتَّحد الْقَائِد الروسي مَعَ قَائِد الجيوش النمساوية فِي الاعمال الحربية وضما جيوشهما لبعضهما فاستظهرا على العثمانيين فِي ٣١ يوليو وَفِي ٢٢ سبتمبر سنة ١٧٨٩ م وَكَانَت عَاقِبَة ذَلِك ان استولى الروس على مَدِينَة بندر الحصينة واحتلوا مُعظم بِلَاد الفلاخ والبغدان وبسارابيا وَدخل النمساويون مَدِينَة بلغراد وفتحوا بِلَاد الصرب معاهدتي زشتوي وياش فَكَانَت الدولة فِي خطر عَظِيم وَلَو اسْتمرّ اتِّحَاد النمسا والروسيا لفقدت اغلب املاكها لَكِن من حسن حظها توفّي الامبراطور يُوسُف فِي ٢٠ فبراير سنة ١٧٩٠ م وَخَلفه ليوبولد الثَّانِي فشغلته الثورة الفرنساوية الَّتِي قَامَت على الْملك لويس السَّادِس عشر حوفا من امتداد لهبها وسعت فِي مصالحة الدولة

стр. 317

بتوسط بعض الدول المعادية لفرنسا وامضى مَعهَا فِي سبتمبر سنة ١٧٩٠ م شُرُوط صلح ابتدائية صَارَت نهائية بِمُقْتَضى معاهدة ابرمت بَينهمَا فِي ٢٢ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٠٥ هـ ٢٢ اغسطس سنة ١٧٩١ م بِمَدِينَة ستووا الَّتِي تسمى فِي كتب التّرْك زشتوي وَلم تتْرك الدولة بمقتضاها الا مَا لَا يذكر من بلادها وَردت اليها النمسا بِلَاد الصرب ومدينة بلغراد وَجَمِيع فتوحاتها تَقْرِيبًا وَهَذَا نَص معاهدة زشتوي مترجمة عَن احدى المجموعات السياسية المحفوظة بالكتبخانة الخديوية البند الاول سَيكون الصُّلْح من الان بَين الدولة الْعلية وامبراطور النمسا صلحا ابديا برا وبحرا بَينهمَا وَبَين متبوعيهما وَمن يكون لَهما حق السِّيَادَة عَلَيْهِم وَيكون الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي غَايَة الاحكام وَيمْنَع كل من الطَّرفَيْنِ حُصُول التَّعَدِّي والاهانة على الآخر وَيَعْفُو عَمَّن اشْترك فِي الْحَرْب من رعايا اُحْدُ الطَّرفَيْنِ ضد الآخر وعَلى الاخص جَمِيع صنوف اهالي الْجَبَل الاسود والبوسنه والصرب والافلاق والبغدان بِحَيْثُ يكون لَهُم الْحق بِمُقْتَضى هَذَا الكفو العمومي فِي الرُّجُوع إِلَى اوطانهم والتمتع بِجَمِيعِ املاكهم وحقوقهم ايا كَانَت بِدُونِ ان يسْأَلُوا أَو يحاكموا أَو يعاقبوا على عصيانهم ضد ملكهم صَاحب السِّيَادَة عَلَيْهِم الْخَلِيفَة الاعظم أَو لاظهار ولائهم للحكومة الامبراطورية الملوكية النمسا

стр. 318

البند الثَّانِي يتَّخذ كل من الطَّرفَيْنِ العاليين الْمُتَعَاقدين مَا كَانَت عَلَيْهِ الْحَالة العمومية قبل اشهار الْحَرْب فِي ٩ فبراير سنة ١٧٨٨ اساسا للمعاهدة الحالية وَلذَلِك فانهما يجددان ويؤيدان بِتَمَامِهَا مَعَ مُرَاعَاة مَعْنَاهَا ومبناها بغاية الضَّبْط والدقة بِدُونِ ادنى تَغْيِير فِيهَا أَو عمل أَو اتيان أَي امْر مُنَاقض لما جَاءَت بِهِ معاهدة بلغراد الرقيمة ١٨ سبتمبر سنة ١٧٣٩ واتفاق ٥ نوفمبر من السّنة الْمَذْكُورَة واتفاق ٢ مارس سنة ١٧٤١ الْمُفَسّر لمعاهدة بلغراد واتفاق ٥ مايو سنة ١٧٤٧ الَّذِي جعل الصُّلْح المبرم فِي بلغراد دَائِم الْوُجُود واتفاق ٧ مايو سنة ١٧٧٥ الْخَاص بالتنازل عَن اقليم بوكووين واتفاق ١٢ مايو سنة ١٧٧٦ الْمُبين لحدود هَذَا الاقليم بِحَيْثُ ان جَمِيع المعاهدات والاتفاقات السالف بَيَانهَا يكون مَعْمُولا بهَا والاجراء على مُوجبهَا إِلَى مَا شَاءَ الله كَمَا لَو كَانَت مسطرة حرفيا فِي هَذِه المعاهدة البند الثَّالِث إِن الْبَاب العالي يجدد وَيُؤَيّد بِالصّفةِ الْمَشْرُوعَة اعلاه الِاتِّفَاق الرقيم ٨ اغسطس سنة ١٧٨٣ الَّذِي تعهدت الدولة الْعلية بِمُقْتَضَاهُ بحماية جَمِيع المراكب الالمانية التجارية المختصة بِأحد ثغور المانيا من تعديات قراصين بِلَاد الْمغرب وَبَاقِي رعايا الدولة وان تعوض على اصحابها كل مَا يعود عَلَيْهِم من الضَّرَر وَكَذَا يجدد الِاتِّفَاق الرقيم ٢٤ فبراير سنة ١٧٨٤ الْخَاص بمنح تجار الْحُكُومَة الامبراطورية الملوكية حريَّة التِّجَارَة والملاحة فِي جَمِيع بِلَاد الدولة وبحارها وانهارها وفرمان ٤ ديسمبر ١٧٨٨ الْخَاص بمرور واقامة وعودة الْمَاشِيَة ورعاتها من اقليم ترنسلفانيا إِلَى ولايتي الافلاق والبغدان وَجَمِيع الفرمانات والاتفاقيات واللوائح الوزارية الَّتِي كَانَت مُعْتَبرَة لَدَى الطَّرفَيْنِ ومعمولا بهَا قبل ٩ فبراير سنة ١٧٨٨ لوُجُود الرَّاحَة واستتباب الامن على الْحُدُود والخاصة بِصَالح وراحة وَفَائِدَة رعايا النمسا وتجارتها وملاحتها بِحَيْثُ أَن جَمِيع هَذِه الاتفاقات والفرمانات واللوائح تكون مَعْمُولا بهَا كَمَا لَو كَانَت مَنْسُوخَة حرفيا فِي هَذِه المعاهدة

стр. 319

البند الرَّابِع ان الْحُكُومَة الامبراطورية الملوكية تتعهد بِأَن ترد إِلَى الْبَاب العالي العثماني جَمِيع مَا احتلته من الاقاليم والاراضي والمدن والقلاع والحصون الَّتِي احتلتها جيوش الامبراطور اثناء هَذِه الْحَرْب بِمَا فِيهَا امارة الافلاق والاجزاء المحتلة من بِلَاد البغدان حَتَّى تعود الْحَالة وحدود المملكتين إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ يَوْم ٩ فبراير سنة ١٧٨٨ ولمقابلة تساهل الْبَاب العالي واجرآته المبنية على الْمحبَّة وَالْعَدَالَة بِمِثْلِهَا وتتعهد الْحُكُومَة الْمَذْكُورَة برد القلاع والحصون بالحالة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَقت احتلالها مَعَ المدافع العثمانية الَّتِي كَانَت بهَا اذ ذَاك البند الْخَامِس اما قلعة شوتيم واقليمها الْمُسَمّى على لِسَان الْعَوام باسم ريا فَيصير اخلاؤها وتسليمها للدولة العثمانية بِالشُّرُوطِ السَّابِقَة المختصة بباقي القلاع لَكِن لَا يكون تَسْلِيمهَا الا بعد ان يتم الصُّلْح بَينهَا وَبَين امبراطور جَمِيع الروسيا وَفِي الْوَقْت الذذي يعين لاخلاء جنود الروسيا لما فَتحته فِي هَذِه الحروب وَإِلَى هَذَا الْوَقْت تبقى الجيوش الامبراطورية الملوكية محتلة لهده القلعة واقليمها بِصفة وَدِيعَة حرَّة بِدُونِ ان تشترك فِي الْحَرْب الْحَاضِرَة أَو تقدم أَي مساعدة لحكومة الروسيا ضد الْبَاب العالي العثماني بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت البند السَّادِس بعد مُبَادلَة التَّصْدِيق على هَذِه المعاهدة يَبْتَدِئ الْفَرِيقَانِ فِي اخلاء وَتَسْلِيم مَا تعاهدا باخلائه وتسليمه إِلَى الْفَرِيق الآخر لارجاع الْحُدُود إِلَى ماكانت عَلَيْهِ فِي المواعيد المحدودة بعد ثمَّ يعين كل مِنْهُمَا مندوبين كَمَا جَاءَ فِي الْمَادَّة الثَّالِثَة عشرَة من معاهدة بلغراد يخصص بَعضهم بِمَا يتَعَلَّق بالفلاخ واقاليم البغدان الْخَمْسَة وَعَلَيْهِم انهاؤها فِي ظرف ثَلَاثِينَ يَوْمًا تمْضِي من تَارِيخ التوقيع على المعاهدة ويخصص الْبَاقُونَ لارجاع حُدُود البوسنة والصرب وقرية حرصو الْقَدِيمَة وضواحيها إِلَى الْحَالة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا قبل ٩ فبراير سنة ١٧٨٨ وَيُعْطى للفريق الآخر مُدَّة شَهْرَيْن من التَّارِيخ السَّابِق ذكره لضَرُورَة هَذَا الميعاد لتدمير

стр. 320

مَا أنشئ من الاستحكامات الجديدة فِي القلاع المُرَاد ارجاعها وتسليمها فِي الْحَالة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَقت فتحهَا ولنقل مَا بهَا من المدافع والمؤن والذخائر البند السَّابِع حَيْثُ ان الْحُكُومَة الامبراطورية الملوكية قد اخلت سَبِيل كل من أسر من رعايا الدولة الْعلية الملكيين والعسكريين فِي الْحَرْب الاخيرة وسلمتهم إِلَى مندوبين العثمانيين فِي روستجق وودين وبوسنه وَلم تسلمها الْحُكُومَة العثمانية فِي مُقَابل ذَلِك الا رعايا الْحُكُومَة الامبراطورية وعساكرها الَّذين كَانُوا موجودين فِي السجون العمومية أَو فِي حوزة بعض امراء البشناق حَيْثُ أَنه يُوجد مِنْهُم عدد عَظِيم فِي حَالَة الرّقّ بالممالك المحروسة فيتعهد الْبَاب العالي اتبَاعا لقاعدة ارجاع كل شَيْء إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل الْحَرْب ولمحو كل مَا نَشأ عَنْهَا من المصائب بِأَن يرد إِلَى الْحُكُومَة الامبراطورية الملوكية فِي ظرف شَهْرَيْن من تَارِيخ التوقيع على المعاهدة كل من يُوجد من رعاياها فِي حَالَة الرّقّ أَو اخذ اثناء الْحَرْب ذكرا كَانَ أَو انثى ايا كَانَ سنه أَو حَالَته وَفِي حورة من كَانَ وَفِي أَي جِهَة من املاك الدولة يكون مجَّانا بِدُونِ دفع فديَة أَو غَيرهَا بِحَيْثُ لَا يُوجد من الْآن فَصَاعِدا رعايا لآحد الطَّرفَيْنِ تَحت حكم الآخر الا الَّذين يدْخلُونَ فِي الدّين الاسلامي من جِهَة وَفِي الدّين المسيحي من جِهَة اخرى بِاخْتِيَارِهِ وَبعد الاثبات بالطرق المقررة لمثل هَذِه الْحَالة البند الثَّامِن وَمَعَ ذَلِك فان الرعايا الَّذين يكونُونَ قد تركُوا الدولة التَّابِعين اليها قبل هَذِه الْحَرْب أَو فِي اثنائها واقاموا باراضي الدولة الاخرى وَلَا يزالون مقيمين بهَا باختيارهم لَا يجوز لحاكمهم الاصلي طَلَبهمْ بل يبقون تابعين لحَاكم الْبِلَاد الَّتِي هَاجرُوا اليها يعاملون كباقي رعاياه وَمن جِهَة أُخْرَى فان من يكون لَهُ عقارات فِي كل من الدولتين يكون لَهُ الْخِيَار فِي الاقامة فِي ظلّ الدولة الَّتِي يريدها بِشَرْط أَن لَا يكون لَهُم الا حَاكم وَاحِد وَلذَا فَيجب عَلَيْهِ بيع عقاراته الكائنة فِي الدولة الَّتِي لَا يروم الْبَقَاء تَحت لوائها البند التَّاسِع قد تعاهد الْفَرِيقَانِ المتعاقدان رَغْبَة مِنْهُمَا فِي احياء التِّجَارَة الَّتِي

стр. 321

هِيَ ثَمَرَة السّلم فِي اقْربْ وَقت وَفِي مُعَاملَة التُّجَّار الَّذين لَا تخفى منفعتهم على الْعمرَان بقاعدة ارجاع كل شَيْء لاصله المقررة فِي البندين الثَّانِي وَالثَّالِث على ان لَا يلْحق برعاياهم الضَّرَر بِسَبَب هَذِه الْحَرْب بل يكون لَهُم الْحق فِي العودة إِلَى اعمالهم فِي النقطة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَقت اعلان الْحَرْب والتمسك بِمَا لَهُم من الْحُقُوق والطلبات السَّابِقَة للحرب ايا كَانَت والمحافظة على دُيُونهم ومطالبة مديونيهم والمطالبة بالتعويضات الَّتِي تسْتَحقّ لَهُم بِسَبَب عدم دفع بعض دُيُونهم أَو الضَّرَر الَّذِي لحق بهم عِنْد اعلان الْحَرْب خلافًا لما جَاءَ بالمادة السَّابِعَة عشر ة من معاهدة بلغراد وَالثَّامِنَة عشرَة من معاهدة بساروفتس التجارية وان يستعينوا فِي جَمِيع الاعمال بالمحاكم والحكومات المختصة وَعَلَيْهَا ان تنصفهم بالسرعة بِدُونِ مُحَابَاة وَبِدُون ان تعْتَبر الْحَرْب وَجها شَرْعِيًّا لرد طلباتهم البند الْعَاشِر تُعْطى الاوامر الْمُشَدّدَة الصارمة فِي اقْربْ وَقت إِلَى حكام وولاة الدولتين المتعاقدتين العاملين على المقاطعات الْوَاقِعَة على تخوم الدولتين باعادة السكينَة والطمأنينة العمومية ومراعاة حُقُوق الْجوَار على جَمِيع الْحُدُود واحترام مَا وَضعته لجان التَّحْدِيد من الْحُدُود وَعدم تعديها وارتكاب السَّلب والنهب فِيمَا وَرَاءَهَا والتعويض عَمَّا ينشأ عَنْهَا من الضَّرَر ومجازاة الْمُخَالفين لذَلِك والمذنبين بِنِسْبَة ذنوبهم وجرائمهم مَعَ مُرَاعَاة الْقَوَاعِد والمبادئ المقررة لذَلِك فِي المعاهدات والاتفاقات السَّابِقَة بَين الطَّرفَيْنِ الْمُتَعَاقدين وبالاختصار ترسل اليهم الاوامر بارجاع الْحَالة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من النظام والهدوء قبل الْحَرْب وجعلهم مؤولين عَن جَمِيع ذَلِك شخصيا البند الْحَادِي عشر وَيصير التَّنْبِيه ايضا على الْوُلَاة الْمَذْكُورين والتأكيد عَلَيْهِم بحماية رعايا الطّرف الآخر الَّذين تضطرهم تِجَارَتهمْ أَو اشغالهم إِلَى اجتياز الْحُدُود أَو السّفر فِي دَاخل الولايات وان يساعدوهم على السّفر فِي الانهار ذَهَابًا أَو ايابا بِكَمَال الْحُرِّيَّة مراعين وملزمين غَيرهم بمراعات وَاجِبَات الْوِفَادَة والضيافة وَجَمِيع بنود المعاهدات والاتفاقات وَغَيرهَا المؤيدة فِي البندين الثَّانِي وَالثَّالِث من هَذِه المعاهدة بِدُونِ ان يطلبوا أَو يسمحوا لأي اُحْدُ أَن يطْلب

стр. 322

مِنْهُم أَي مكوس أَو ضَرَائِب أُخْرَى على اشخاصهم أَو بضائعهم غير المحددة فِي المعاهدات الْمَذْكُورَة البند الثَّانِي عشر اما بِخُصُوص اجراء اصول الدّين الكاثوليكي المسيحي فِي الدولة العثمانية وحرية قسوسه والمتمسكين بِهِ وَحفظ واصلاح كنائسه وحرية التَّعَبُّد والمتعبدين والتردد على الاماكن المقدسة باورشليم وَغَيرهَا وحماية هَذِه الاماكن وَالْحج اليها فَإِن الْبَاب العالي السلطاني يجدد وَيُؤَيّد تبعا لقاعدة ارجاع كل امْر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ جَمِيع الامتيازات الممنوحة للدّين الكاثوليكي بِمُقْتَضى البند التَّاسِع من المعاهدة السَّابِقَة وبمقتضى جَمِيع الفرمانات والاوامر الاخرى الصادرة من بادئ امْرَهْ البند الثَّالِث عشر يُرْسل كل من الطَّرفَيْنِ إِلَى الطّرف الآخر سفراء من الدرجَة الثَّالِثَة لمناسبة هَذَا الصُّلْح وَعند تَبْلِيغ تولي جلالة مُلُوك الدولتين على كرْسِي اجدادهم وَيصير مُقَابلَة هَؤُلَاءِ السفراء على حسب الرسوم المتبعة وبالابهة وَالِاعْتِبَار والمعاملة الَّتِي كَانَت حَاصِلَة قبل الْحَرْب وَيكون لَهُم حق التَّمَتُّع بِمَا يخوله لَهُم قانون الْملَل وبالامتيازات الْمرتبَة بوظيفتهم بِمُقْتَضى المعاهدات السَّابِقَة وَيكون الْحَال كَذَلِك للسفراء المعينين الْآن لَدَى الْبَاب العالي العثماني وَمن يخلفهم مَعَ مُرَاعَاة اخْتِلَاف درجاتهم ورتبهم وبالنسبة لجَمِيع الموظفين المعينين مَعَهم وتابعيهم وخدامهم ومساكنهم وَبِمَا أَن كثيرا من السعاة الْمُكَلّفين بِحمْل الرسائل والمكاتبات من وَإِلَى الْحُكُومَة الامبراطورية الملوكية صَار التَّعَدِّي عَلَيْهِم وسلب مَا مَعَهم قبل الْحَرْب فالباب العالي العثماني لَا يتْرك أَي طَريقَة للتعويض عَلَيْهِم كَمَا انه سيتخذ الاحتياطات القوية الضامنة لذهاب هَؤُلَاءِ السعاة وايابهم تَحت حمايته بِكُل طمأنينة البند الرَّابِع عشر قد صَار تَحْرِير نسختين من هَذِه المعاهدة مطابقتين لبعضهما احداهما باللغة الفرنساوية الَّتِي اسْتعْملت لسُهُولَة التفاهم وَيصير التوقيع عَلَيْهَا من مندوبي ملك النمسا وامبراطور المانيا وَالثَّانيَِة باللغة التركية وَيصير امضاؤها من مندوبي جلالة السُّلْطَان الاعظم ثمَّ يصير مبادلتهما بِمَعْرِِفَة وكلاء

стр. 323

الدولة المتوسطة وارسالهما إِلَى الطَّرفَيْنِ العاليين الْمُتَعَاقدين وَبعد امضائهما بِثَلَاثِينَ يَوْمًا أَو اقل ان امكن يصير تبادل بَرَاءَة اعتمادهما محلاة بامضاء جلالة الْملكَيْنِ الافخمين بِوَاسِطَة سفراء الدولة المتوسطة وتسليمها إِلَى مندوبي الْمُتَعَاقدين مرفقة بصور المعاهدات والاوراق الَّتِي تَجَدَّدَتْ وتأيدت وَصَارَت ابدية الْوُجُود بِمُقْتَضى هَذِه المعاهدة مُصدقا عَلَيْهَا بانها طبق الاصل اهـ الا ان الروسيا لم تتبع النمسا حليفتها فِي طَرِيق الصُّلْح بل استمرت على محاربة الدولة بمفردها وَفِي ١٦ ربيع آخر سنة ١٢٠٥ ٢٣ دسمبر سنة ١٧٩٠ استولى الْقَائِد سوواروف على مَدِينَة اسماعيل عنْوَة وارتكبت فِيهَا من الاعمال الوحشية مَا تقشعر مِنْهُ الابدان من قتل وفتك وَسبي وَلم يرحموا النِّسَاء وَلَا الاطفال وَلما وصل خبر سُقُوط هَذِه الْمَدِينَة إِلَى الاستانة هاج الشّعب ضد حسن باشا البحري الَّذِي كَانَ مُكَلّفا بحمايتها وطلبوا من السُّلْطَان قَتله فامر بذلك ثمَّ توسطت انكلترا والبروسيا وهولاندا بَين الدولة والروسية ودارت المخابرات مُدَّة ثمَّ تمّ الصُّلْح بَين الطَّرفَيْنِ فِي ١٥ جُمَادَى الأولى سنة ١٢٠٦ ١٠ يناير سنة ١٧٩٢ على ان تمتلك الروسيا بِلَاد القرم نهائيا وجزء من بِلَاد القوبان وبسارابيا والاقاليم الْوَاقِعَة بَين نهري بوج ودينستر بِحَيْثُ يكون هَذَا النَّهر الاخير فاصلا بَين المملكتين وتتنازل لَهَا الدولة عَن مَدِينَة اوزي اوتشاكوف وامضيت بذلك معاهدة فِي مَدِينَة ياش اطلق عَلَيْهَا اسْم هَذِه الْمَدِينَة نِسْبَة اليها بعض اصلاحات داخلية وَبعد تَمام الصُّلْح مَعَ النمسا والروسيا اخذت الدولة فِي اصلاح داخليتها وخصوصا العسكرية والبحرية فعين اُحْدُ المتقربين من الذَّات السُّلْطَانِيَّة واسْمه كوشك حُسَيْن باشا قبودانا عَاما وَكَانَ من الشبَّان الاذكياء الَّذين درسوا احوال اوروبا ووقفوا على دخائل سياستها حَتَّى وثق بِهِ السُّلْطَان وثوقا تَاما وزوجه احدى اخواته فبذل جهده فِي مطاردة قراصنة الْبَحْر لتسهيل التِّجَارَة وشمر عَن ساعد الْجد فِي

стр. 324

اصلاح الثغور وَبِنَاء القلاع الحصينة لحمايتها ثمَّ انشأ عدَّة مراكب حربية على شاكلة احدث المراكب الفرنساوية والانكليزية واستحضر عددا عَظِيما من مهرَة المهندسين من السويد وفرنسا لصب المدافع فِي معامل الطوبخانة العامرة واصلح مدرسة البحرية ومدرسة الطوبجية الَّتِي اسسها البارون دي توت المجري وَترْجم لتلامذتها مؤلفات الْمعلم فوبان الفرنساوي فِي فن الاستحكامات واضاف إِلَى مدرسة الطوبجية مكتبة جمع فِيهَا اهم مَا كتب فِي الْفُنُون الحربية الحديثة والرياضيات لتَكون التلامذة على اطلَاع تَامّ فِي كل مَا يخْتَص بترقية شَأْن الطوبجية ثمَّ وضع نظاما للجنود المشاة وَشرع فِي تنسيق فرق جَدِيدَة وتدريبها على النظام الاوروبي فَأَنْشَأَ اول فرقة منتظمة فِي سنة ١٧٩٦ وَجعل عَددهَا ١٦٠٠ جندي تَحت قيادة ضَابِط انكليزي دخل فِي الدّين الاسلامي وَسمي انكليز مصطفى وَكَانَ الْقَصْد من تَرْتِيب العساكر النظامية الِاسْتِغْنَاء بهم عَن جنود الانكشارية الَّذين صَارُوا عَالَة على الدولة وَمن عوامل تاخرها بعد أَن كَانُوا اهم عوامل تقدمها وَقت الفتوحات المستمرة الَّتِي كَانُوا يعودون مِنْهَا بِكَثِير من الْغَنَائِم حَتَّى اعتادوا النهب وصاروا لما لم يَجدوا بلادا مفتتحة حَدِيثا لسلب اهاليها يتعدون على اهالي الاستانة والعواصم الاخرى بالسلب والنهب وَغير ذَلِك فضلا عَن عصيانهم الْمرة بعد الاخرى وعزلهم الصُّدُور والوزراء وتعديهم على السلاطين بِالْعَزْلِ أَو الْقَتْل لما يرَوْنَ مِنْهُم مُعَارضا لفسادهم أَو ضعفا فِي معاقبتهم هَذَا وَقد كَانَت الدولة فِي اشد الْحَاجة والافتقار لهَذِهِ الاصلاحات الداخلية فَإِن روابط الْوَلَاء بَين الْوُلَاة والعاصمة كَانَت ضعفت وسعى كل فِي الِاسْتِقْلَال أَو فِي عدم دفع الاموال الاميرية إِلَى الخزنة السُّلْطَانِيَّة مَعَ نضوبها بِسَبَب الحروب واغتيالهم لانفسهم واستبد المماليك بِمصْر برئاسة الامراء المصرية واشهرهم مُرَاد بك وابراهيم بك وَعُثْمَان بك البرديسي وَغَيرهم مِمَّا هُوَ مَذْكُور تَفْصِيلًا فِي تَارِيخ الجبرتي

стр. 325

عصيان بازوند اوغلي وَكَذَلِكَ ظَهرت فِي هَذِه الاثناء فتْنَة عُثْمَان باشا وَالِي وَدين الملقب ببازوند اوغلي وانضمام كثير من اهالي الصرب اليه واستظهاره على جنود الدولة الَّتِي ارسلت لاقماعه واخيرا سَافر اليه كوجك حُسَيْن باشا بِنَفسِهِ وَبعد عدَّة مناوشات كَانَ الْحَرْب فِيهَا سجالا بَينهمَا خشِي هَذَا الْوَزير من دسائس ارباب الغايات ان تعصى كَافَّة ايالات البلقان فتدارك الامر ومنح بازوند اوغلي ولَايَة وَدين طول حَيَاته وَبِذَلِك حسمت الْفِتْنَة سنة ١٢١٢ الْمُوَافقَة سنة ١٧٩٧ دُخُول الفرنساويين مصر وَفِي سنة ١٢١٣ سنة ١٧٩٨ امرت الجمهورية الفرنساوية بونابرت

стр. 326

الْقَائِد الشهير بِالْمَسِيرِ إِلَى مصر لفتحها بِغَيْر اعلان حَرْب على الدولة الْعلية واوصته بكتمان هَذَا الامر حَتَّى لَا تعلم بِهِ انكلترا فتسعى فِي احباطه مَعَ ان الْقَصْد مِنْهُ لم يكن الا منع مُرُور تِجَارَة الانكليز من مصر إِلَى الْهِنْد وَبِالْعَكْسِ فَجهز فِي مَدِينَة طولون جَيْشًا مؤلفا من ٣٦ الف مقَاتل اغلبهم من العساكر المدربين فِي الحروب الَّتِي جرت بَين فرنسا وايطاليا وانتهت بمعاهدة كامبوفورميو وَعشرَة آلَاف بحري تحملهم دونانمة مركبة من ٣٠ سفينة حربية ٧٢ قراويت و ٤٠٠ مركب حمل واضاف إِلَى جَيْشه ١٢٢ عَالما على اخْتِلَاف الْعُلُوم والمعارف لدرس الْقطر الْمصْرِيّ والبحث عمل يلْزم لاصلاحه واستغلاله وَفِي ١٩ مايو سنة ١٧٩٨ رَحل بونابرت بِهَذَا الْجَيْش بِدُونِ ان يعلم احدا بوجهته فوصل جَزِيرَة مالطه فِي ١٠ يونيو واحتلها بعد ان دَافع من فِيهَا من رُهْبَان القديس حنا الاورشليمي وَفِي ١٧ محرم سنة ١٢١٣ ١ يوليو وصل امام مَدِينَة الاسكندرية وَانْزِلْ عساكره على بعد ارْبَعْ فراسخ مِنْهَا وَبعد ان دَخلهَا عنْوَة ترك بهَا الْقَائِد كليبر وَسَار هُوَ قَاصِدا مَدِينَة الْقَاهِرَة عَن طَرِيق الصَّحرَاء الممتدة غرب فرع رشيد فقابله مُرَاد بيك بشرذمة من المماليك عِنْد مَدِينَة شبراخيت بالبحيرة فِي ٢٩ محرم الْمُوَافق ١٣ مِنْهُ فَهَزَمَهُ بونابرت وواصل السّير حَتَّى وصل إِلَى مَدِينَة انبابة مُقَابل الْقَاهِرَة وحصلت بَينه وَبَين ابراهيم بيك وَمُرَاد بيك امراء المماليك وَاقعَة الاهرام الشهيرة فِي ٧ صفر الْمُوَافق ٢١ يوليو الَّتِي اظهر فِيهَا المماليك من الشجَاعَة مَا ادهش الفرنساويين وَبعد ان بذلوا وسعهم فِي الدفاع عَن مصر لااقول بِلَادهمْ بل غنيمتهم تقهقروا امام المدافع الفرنساوية فَدخل بونابرت وجيوشه مَدِينَة الْقَاهِرَة بعد ان اعلن بهَا انه لم يَأْتِ لفتح مصر بل انه حَلِيف الْبَاب العالي اتى لتوطيد سلطته ومحاربة المماليك العاصين اوامره كَمَا قَالَ الانكليز عِنْد دُخُولهمْ مصر سنة ١٨٨٢ وارسل الْقَائِد دسكس إِلَى الصَّعِيد لاقتفاء اثر مُرَاد بك فَتَبِعَهُ حَتَّى وصل جَزِيرَة فيله قصر انس الْوُجُود فِي ٢٥ رَمَضَان سنة ١٢١٣ ٢ مارس

стр. 327

سنة ١٧٩٩ وَوجه فرقة اخرى احتلت مَدِينَة الْقصير على الْبَحْر الاحمر فِي ٢٤ ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة ٢٩ مايو من السّنة الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك صَار الْقطر الْمصْرِيّ من الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط إِلَى اقاصي الصَّعِيد فِي قَبضته ثمَّ اسس الْمجْلس العلمي للبحث عَمَّا يَجْعَل احتلاله بوادي النّيل دائميا لَكِن لم يلبث ان وَصله خبر وَاقعَة ابي قير البحرية الَّتِي دمر فِيهَا نلسن امير الْبَحْر الانكليزي الشهير جَمِيع المراكب والسفن الحربية الفرنساوية فِي ١٧ صفر سنة ١٢١٣ اول اغسطس سنة ١٧٩٨ وتسلطن الانكليز على الْبَحْر الْمُتَوَسّط وَقطع المواصلات بَينه وَبَين فرنسا وَذَلِكَ ان وَقت خُرُوج المراكب الفرنساوية من طولون كَانَ نلسن الْمَذْكُور يحاصر مَدِينَة قادس باسبانيا فَترك الْحصار واخذ يبْحَث عَن الدونانمة الفرنساوية فَلم يعثر عَلَيْهَا الا بعد ان احتلت جَزِيرَة مالطة ومدينة الاسكندرية كَمَا سبق وَلما علمت الدولة الْعلية باحتلال الفرنساويين الْقطر الْمصْرِيّ اخذت فِي الاستعداد لمحاربتهم لَا سِيمَا وانها كَانَت مطمئنة البال هادئة البلبال من جِهَة النمسا والروسيا اللَّتَيْنِ كَانَتَا مشتغلتين بمحاربة الجمهورية الفرنساوية خوفًا من امتداد مبادئها الْحرَّة إِلَى بلادهما فتفل عروشهما كَمَا حصل للويس السَّادِس عشر ملك فرنسا وَمن جِهَة اخرى عرضت عَلَيْهَا الدولة الانكليزية مساعدتها على اخراج الفرنساويين من مصر لَا رَغْبَة فِي حفظ املاك الدولة بل خوفًا على

стр. 328

طَرِيق الْهِنْد من أَن تكون فِي قَبْضَة دولة قَوِيَّة يُمكنهَا معاكستها فَقبلت الدولة الْعلية مساعدتها بِكُل ارتياح وَكَذَلِكَ عرضت عَلَيْهَا الروسيا امدادها بمراكبها الحربية وانضمام دونانماتها إِلَى الدونانماتين العثمانية والانكليزية فَقبلت ايضا واعلنت الْحَرْب رسميا على فرنسا فِي ٢١ ربيع الاول سنة ١٢١٣ ٢ سبتمبر سنة ١٧٩٨ واخذت فِي جمع الجيوش بِمَدِينَة دمشق وبجزيرة رودس لارسالها إِلَى مصر واتت الدونانمة الروسية من الْبَحْر الاسود إِلَى بوغاز الاستانة وَخرجت إِلَى الْبَحْر الابيض مَعَ الدونانمة العثمانية وَذَلِكَ بِمُقْتَضى معاهدة ابرمت بَين هَذِه الدول الثَّلَاث الَّتِي اتّفقت لاول مرّة على عمل حَرْبِيّ مَعَ مَا بَين الدولة الْعلية والروسية من الْعَدَاوَة الْقَدِيمَة المستمرة وَلما شعر بونابرت باجتماع الجيوش لمحاربته تحقق انه ان لم يفاجئ الدولة الْعلية فِي بِلَاد الشَّام قبل ان تتمّ استعداداتها الحربية تكون عواقب الْحَرْب وخيمة عَلَيْهِ وان من يحتل مصر لَا يكون آمنا عَلَيْهَا الا إِذا احتل الْقطر السوري فلهذه الدَّوَاعِي عزم بونابرت على فتح بِلَاد الشَّام وَقَامَ من مصر وَمَعَهُ ثَلَاثَة عشر الف مقَاتل قَاصِدا بِلَاد الشَّام من طَرِيق الْعَريش فاحتلها فِي اواخر شعْبَان سنة ١٢١٣ ثمَّ دخل مَدِينَة غَزَّة فِي ١٩ رَمَضَان وارتحل عَنْهَا فِي ٢٣ مِنْهُ وَوصل الرملة فِي ٢٥ مِنْهُ وَمِنْهَا إِلَى يافة فوصلها فِي سِتَّة وَعشْرين رَمَضَان ٧ مارس وَلما آنس مِنْهَا المقاومة حاصرها ودخلها عنْوَة فِي يَوْم اول شَوَّال ثمَّ رَحل مِنْهَا قَاصِدا مَدِينَة عكا وَقبل مزاولته ليافا ارْتكب امرا شنيعا لم يسْبق فِي التَّارِيخ وَهُوَ امْرَهْ بقتل جَمِيع الْجَرْحى والمرضى من عساكره حَتَّى لَا يعوقوه فِي سيره ثمَّ حاصر مَدِينَة عكا من جِهَة الْبر وهاجمها مرَارًا لَكِن لم يتَمَكَّن من فتحهَا لوصول المدد اليها تباعا من طَرِيق الْبَحْر واستيلاء الاميرال الانكليزي سدني سميث على مدافع

стр. 329

الْحصار الَّتِي ارسلها من مصر لاطلاقها على الاسوار ولتيقظ احْمَد باشا الجزار قَائِد حاميتها لافساد الالغام الَّتِي ينشئها الفرنساويون لنسفها وَفِي اوائل ابريل بلغه تحرّك جَيش دمشق العثماني لانجاد مَدِينَة عكا فارسل الْقَائِد كليبر مَعَ فرقة من الْجَيْش لمحاربته وَمنعه من الْوُصُول اليها فَالتقى هَذَا الْقَائِد بالعثمانيين عِنْد جبل طابور واحاطوا بِهِ احاطة السوار بالمعصم وكادوا يفوزون لَوْلَا مَجِيء بونابرت اليه بِثَلَاثَة آلَاف مقَاتل ومهاجمته لَهُم من الْخلف فَتفرق الْجَيْش الْمُجْتَمع فِي جَزِيرَة رودس فَقطع بِعَدَمِ النجاح وَعَاد بِمن بَقِي من جيوشه إِلَى الْقَاهِرَة ودخلها فِي ٢١ مايو من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي يوليو نزل جَيش رودس العثماني بَابي قير وتحصن بهَا وَكَانَ يبلغ عدده ١٨ الف مقَاتل فَسَار بونابرت من الْقَاهِرَة لمحاربتهم فتغلب عَلَيْهِم والتجأ من لم يقتل مِنْهُم إِلَى المراكب فِي ٢٤ صفر سنة ١٢١٤ ٢٨ يوليو واسر قائدهم الاكبر مصطفى باشا وَكَثِيرًا من الْجنُود وَفِي ٢٢ اغسطس سَافر بونابرت من الاسكندرية قَاصِدا فرنسا خُفْيَة مَعَ بعض قواده حَتَّى لايضبطه الانكليز القاطعون بمراكبهم سبل الْبَحْر الابيض على الفرنساويين وَذَلِكَ أَن الاميرال الانكليزي ارسل اليه عدَّة نسخ من الجرائد الفرنساوية الْمَذْكُور بهَا خبر تغلب النمساويين على فرنسا وَوُقُوع الفوضى فِي داخليتها فاراد بونابرت الرُّجُوع اليها لاستمالة الخواطر اليه وتأليف حزب يعضده فِي الْوُصُول إِلَى غَرَضه وَهُوَ ان يعين رَئِيسا للجمهورية اَوْ اكثر من ذَلِك خُصُوصا وَقد نَالَ اسْما عَظِيما فِي محاربات ايطاليا والنمسا قبل مَجِيئه لمصر وَحَازَ فخرا اثيلا بِسَبَب فَتحه وَادي النّيل فغادره تَارِكًا الْقَائِد كليبر وَكيلا عَنهُ وَيُقَال انه اذنه باخلاء الْقطر لَو رأى تغلب القوى الخارجية عَلَيْهِ لعدم امكان مساعدته بِالْمَالِ أَو الرِّجَال نظرا لوُجُود السفن الانكليزية تشق عباب الْبَحْر الابيض طولا

стр. 330

وعرضا فَبَقيَ الْجَيْش الفرنساوي بِمصْر بِدُونِ مراكب تحميه من نزُول الانكليز والعثمانيين على الثغور اَوْ تاتي اليه بالمدد اَوْ مُجَرّد الاخبار من فرنسا وَنقص عدده إِلَى خَمْسَة عشر الْفَا بعد من مَاتَ ببر الشَّام بالطاعون وَالْحَرب وَظَاهر ان هَذَا الْعدَد غير كَاف لحماية السواحل وَحفظ طَرِيق الصالحية والمحافظة على الامن فِي الدَّاخِل وَلذَلِك يئس الْقَائِد كليبر من حفظ مصر وَاتفقَ مَعَ الْبَاب العالي والاميرال سدني سميث فِي ٢٤ يناير سنة ١٨٠٠ على ان تنسحب العساكر الفرنساوية بسلاحها ومدافعها وَترجع فرنسا على مراكب انكليزية لَكِن بعد أَن ابْتَدَأَ الفرنساويون فِي اخلاء القلاع ارسل الاميرال كيث الانكليزي إِلَى كليبر يُخبرهُ ان الْحُكُومَة الانكليزية لم تقبل هَذَا الِاتِّفَاق الا إِذا القي الفرنساويون سِلَاحهمْ بَين ايادي الانكليز فاغتاظ الْقَائِد الفرنساوي لذَلِك وَسَار لمحاربة الْجَيْش التركي الَّذِي اتى إِلَى مصر تَحت قيادة الْوَزير يُوسُف باشا لاستلامها من الفرنساويين فتقابل الجيشان عِنْد المطرية فِي ٢٣ شَوَّال سنة ١٢١٤ ٢٠ مارس سنة ١٨٠٠ وَبعد محاربة عنيفة فَازَ كليبر بالنصر وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فَوَجَدَهَا فِي قَبْضَة ابراهيم بيك اُحْدُ الامراء المصرية وَكَانَ دَخلهَا حَال اشْتِغَال الفرنساويين بالمحاربة فاطلق القنابل عَلَيْهَا وَخرب مِنْهَا جُزْءا عَظِيما وَاسْتمرّ الْحَرْب فِي شوارعها نَحْو الْعشْرَة ايام مِمَّا هُوَ مَذْكُور فِي تَارِيخ الجبرتي تَفْصِيلًا عَن ذكر حوادث الشَّهْر الْمَذْكُور رَاجع جُزْء ثَالِث صحيفَة ٩٠ وَمَا بعْدهَا وَبعد ذَلِك سَاد الامن بِالْقَاهِرَةِ وَفِي ١٤ يونيه سنة ١٨٠٠ ٢١ محرم سنة ١٢١٥ قتل شخص حَلَبِيّ اسْمه سُلَيْمَان الْقَائِد كليبر فِي بُسْتَان سراي الالفي بالازبكية الْمَوْجُود محلهَا الْآن فندق شبرد وهرب فَبَحَثُوا عَلَيْهِ حَتَّى وجدوه مختفيا ببستان مجاور للبستان الَّذِي حصل فِيهِ الْقَتْل فضبطوه وَبعد تَحْقِيق طَوِيل قَتَلُوهُ هُوَ ورفاق لَهُ ثَلَاثَة اتهموا مَعَه فِي الْقَتْل وَبعد دفن الْقَائِد كليبر عين مَكَانَهُ الجنرال منو وَكَانَ قد اعتنق الدّين الاسلامي وَتسَمى عبد الله منو

стр. 331

خُرُوج الفرنساويين من مصر وَلما علم الانكليز والعثمانيون بِمَوْت كليبر وَخُرُوج بونابرت وَمَعَهُ امهر القواد من مصر ايقنوا بالغلبة عَلَيْهِم وانزلوا بَابي قير ثَلَاثِينَ الف مقَاتل تَحت قيادة الجنرال ابركرومبي فِي اوائل سنة ١٨٠١ فَسَار الْقَائِد منو لمحاربتهم فَانْهَزَمَ امامهم فِي ٢١ مارس وَرجع إِلَى مَدِينَة الاسكندرية ليتحصن بهَا فَقطع الانكليز سد ابي قير الْمَانِع لمياه الْبَحْر الابيض من الاغارة على ارْض مصر حَتَّى يحصر الْقَائِد منو وجيوشه فِي الاسكندرية غير مبالين بِمَا ينجم عَن قطع هَذَا السد من الخراب والدمار لجزء لَيْسَ بِقَلِيل من الْوَجْه البحري ثمَّ سَار الانكليز والاتراك إِلَى الْقَاهِرَة عَن طَرِيق الصالحية وحصروا من بَقِي مِنْهَا من الفرنساويين ولتحقق الْقَائِد بليار ان لَا مناص لَهُ من التَّسْلِيم خابر القائدين العثماني والانكليزي وَطلب مِنْهُمَا اخلاء وَادي النّيل بِالشُّرُوطِ السَّابِق تدوينها بِاتِّفَاق الْعَريش فِي ٢٤ يناير سنة ١٨٠٠ فَقبلا مِنْهُ وامضيا مَعَه اتِّفَاقًا بذلك فِي ١٦ صفر سنة ١٢١٦ ٢٨ يونيه سنة ١٨٠١ فاخلى الْمَدِينَة فِي ٢٨ صفر من السّنة الْمَذْكُورَة ١٠ يوليو وَخرج مِنْهَا بِجَمِيعِ اسلحته ومدافعه ومهماته وَبعد ان اقاموا فِي بر الجزيرة اربعة ايام سَارُوا إِلَى ثغر رشيد تتبعهم فرق من الْجنُود الاسلامية والانكليزية لمنع تعرض الاهالي لَهُم وَفِي اواخر ربيع الاول ابحروا من رشيد على مراكب انكليزية اما الْقَائِد منو فَبَقيَ محصورا فِي الاسكندرية وَلم يقبل التَّسْلِيم الا فِي ٢٢ ربيع الآخر سنة ١٢١٦ ١ من شهر سبتمبر سنة ١٨٠١ بعد ان وَقعت بَينه وَبَين العثمانيين والانكليز موقعة عَظِيمَة قتل فِيهَا كثير من الطَّرفَيْنِ فَخرج مِنْهَا مَعَ من بَقِي مَعَه وسافر إِلَى بِلَاده على مراكب الانكليز وَبِذَلِك انْتَهَت الْحَرْب وَرجعت الْبِلَاد إِلَى حاكمها الشَّرْعِيّ ومالكها الاصلي وَخَلِيفَة رَسُول رب الْعَالمين بعد ان وظئ هامتها الاجنبي وارتكب فِيهَا من الاعمال مَا يضيق نطاق هَذَا الْكتاب عَن وَصفه نَسْأَلهُ تَعَالَى ان يمن عَلَيْهَا بالتخلص من الاجانب المحتلين لَهَا الْآن عسكريا

стр. 332

ومدنيا كَمَا حررها من ربقة الفرنساويين فان مصر كنَانَة الله فِي ارضه من ارادها بِسوء اهلكه الله انه هُوَ السَّمِيع الْمُجيب وَبعد ذَلِك تخابر بونابرت الَّذِي كَانَ تعين رَئِيسا للجمهورية الفرنساوية بلقب قنصل مَعَ سفير الدولة الْعلية الْمَدْعُو اِسْعَدْ افندي واظهر لَهُ ضَرَر اتِّحَاد الدولة مَعَ الروسيا وانكلترا خُصُوصا وان الروسيا قد احتلت جزائر اليونان الْوَاقِعَة مَا بَين جنوب ايطاليا وبحيث جَزِيرَة موره وجنود انكلترا بَاقِيَة بِمصْر مماطلة فِي اخلائها هِيَ وَمَا احتلته من ثغور الشَّام واخيرا اقنعه بِوُجُوب تَجْدِيد العلاقات الودية مَعَ فرنسا فكاتب السفير العثماني دولته بذلك وَبعد الْحُصُول مِنْهَا على الاذن امضى مَعَ بونابرت مَشْرُوع معاهدة بتاريخ اول جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٢١٦ ٩ اكتوبر سنة ١٨٠١ و ١٧ فانديمير من الْعَام الْعَاشِر للجمهورية الفرنساوية اساسها اخلاء مصر وتأييد امتيازات فرنسا السَّابِقَة فِي الشرق وَهَذَا نَصهَا نقلا عَن قَامُوس فيليب جلاد البند الاول ينْعَقد السّلم وَالْوَلَاء فِيمَا بَين الجمهورية الفرنساوية وَالْبَاب

стр. 333

العالي فيزول بِنَاء على ذَلِك مَا كَانَ بَينهمَا من الْعدوان ابْتِدَاء من الْيَوْم الَّذِي تتبادل فِيهِ التصديقات على هَذِه البنود الابتدائية وَبعد ان تجْرِي مُبَادلَة التَّصْدِيق تنجلي فِي الْحَال العساكر الفرنساوية عَن مملكة مصر وَترد المملكة الْمَذْكُورَة إِلَى الْبَاب العالي المحفوظة اراضيه وممالكه لَهُ بالتمام والكمال كَمَا كَانَت فِي الْحَرْب الحالية على انه من الْمُقَرّر ان كل مَا يسمح بِهِ من الامتيازات فِي الممالك المصرية لسَائِر الممالك الاجنبية بعد انجلاء الفرنساويين عَنْهَا يكون مسموحا بهَا للفرنساويين ايضا البند الثَّانِي تعترف جمهورية فرنسا بتشكيل جمهورية السَّبع جزائر وبلاد البندقية السَّابِقَة وتكفل استمراره وَيقبل الْبَاب العالي كَفَالَة فرنسا وروميا بذلك البند الثَّالِث ستتفق الجمهورية الفرنساوية وَالْبَاب العالي العثماني على تعْيين طَريقَة نهائية تخْتَص باموال رعاياهما وامتعتهما الَّتِي حجزت اَوْ اخذت مصادرة اثناء الْحَرْب وَيُطلق سراح الوكلاء السياسيين والوكلاء التجاريين والاسرى على اخْتِلَاف درجاتهم حَال حُصُول التَّصْدِيق على هَذِه البنود الابتدائية البند الرَّابِع ان المعاهدات الكائنة فِيمَا بَين فرنسا وَالْبَاب العالي حَتَّى قبل الْحَرْب الْحَاضِرَة تَجَدَّدَتْ بِتَمَامِهَا وَبِنَاء على ذَلِك حق لجمهورية فرنسا ان تتمتع فِي كَافَّة انحاء الممالك العثمانية بِجَمِيعِ الْحُقُوق التجارية وَحُقُوق الملاحة الَّتِي كَانَت متمتعة بهَا قبلا أَو سيتمتع بهَا غَيرهَا من الدول الاكثر تَفْضِيلًا فِي مُسْتَقْبل الايام وتبادل التصديقات على هَذِه البنود فِي ظرف ثَمَانِينَ يَوْمًا وحرر عَن باريس فِي ١٧ فنديمير من الْعَام الْعَاشِر لجمهورية فرنسا الْمُوَافق يَوْم غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٢١٦ وعقب ذَلِك ابرم بونابرت مَعَ عَامل الجزائر معاهدة بتاريخ ١٧ ديسمبر سنة ١٨٠١ واخرى مَعَ تونس بتاريخ ٢٣ فبراير سنة ١٨٠٢ قاضيتين باحترام سفن فرنسا التجارية كَمَا كَانَ فِي زمن السُّلْطَان سُلَيْمَان القانوني وَلما دارت المخابرات بَين فرنسا وانكلترا للوصول إِلَى مصالحة أميان

стр. 334

ارادت انكلترا ادخال الْبَاب العالي فِيهَا حَتَّى تثبت اشتراكها وتحالفها مَعهَا بِصفة دولية فَلم تقبل الدولة وَلَا فرنسا بذلك واصر بونابرت على الِاتِّفَاق مَعَ الدولة رَأْسا وَتمّ الِاتِّفَاق بَينهمَا فِي ٢٣ صفر سنة ١٢١٧ ٢٥ يونيه سنة ١٨٠٢ على ان ترجع مصر إِلَى الدولة مَعَ كَافَّة مَا كَانَ لَهَا من الْحُقُوق وان يُقَام فِي جزائر اليونان جمهورية مُسْتَقلَّة تَحت حماية الْبَاب العالي وَكَانَ ذَلِك بالِاتِّفَاقِ مَعَ الروسيا وتعهدت الدولة الْعلية برد مَا صودر من املاك الفرنساويين ببلادها ومنح فرنسا جَمِيع امتيازاتها السَّابِقَة الْمَضْمُونَة لَهَا بمعاهدة سنة ١٧٤٠ وان يكون لمراكبها التجارية حق الملاحة فِي الْبَحْر الاسود اسوة بمراكب الروسيا وَبعد ذَلِك اخلت انكلترا جيوشها عَن مصر والاسكندرية فِي ذِي الْقعدَة سنة ١٢١٧ شهر فبراير سنة ١٨٠٣ وَفِي هَذِه الاثناء حصلت فِي داخلية الدولة بعض اضطرابات بِسَبَب شُرُوع السُّلْطَان سليم الثَّالِث فِي تنظيم الجيوش على النظام الْجَدِيد فان الانكشارية لم ينْظرُوا لهَذِهِ اللاصلاحات العسكرية بِعَين الارتياح لخوفهم من ان تكون مُقَدّمَة لالغاء وجاقاتهم فَلَمَّا مَاتَ الجنرال دوبايت الفرنساوي الَّذِي كَانَ استحضر لتدريب النظام فِي سنة ١٧٩٧ سعى الانكشارية مَعَ بعض الْعلمَاء المغايرين لكل امْر مستحدث بِدُونِ نظر إِلَى مَا يجره من النَّفْع لَدَى جلالة السُّلْطَان وتحصلوا على لَغْو الْفرق المنتظمة فاخذ القبودان كوجك حُسَيْن باشا نَحْو ٦٠٠ مِنْهُم وشكلهم على هَيْئَة اورطة منظمة على نَفَقَته الخصوصية واجزل اليهم الهبات حَتَّى آتى الشبَّان للانضمام

стр. 335

اليها باختيارهم واخذ الانكشارية يقفون امام سرايه وَقت تَعْلِيم العساكر ويهزؤون بهم تَارَة ويهددونهم اخرى وحسين باشا لَا يعبأ بهم بل جد فِي طَرِيقه وَسَار فِي مشروعه وَلما سَار بونابرت من مصر إِلَى الشَّام سَافر هُوَ إِلَى عكا مَعَ فرقته فَكَانَت العساكر النظامية فِي مُقَدّمَة المدافعين وَمن اشدهم بَأْسا على جيوش الفرنساويين وَلما عَادوا من مَدِينَة عكا تخفق عَلَيْهِم رايات النَّصْر امْر السُّلْطَان ان تكون نَفَقَتهم على الْحُكُومَة وان يُزَاد عَددهمْ لما تحَققه جلالته من فَائِدَة النظام فِي الجندية بِإِزَاءِ جيوش اوروبا المنتظمة ثمَّ انتهز فرْصَة وجود اكبر قواد الانكشارية بِمصْر لمحاربة الفرنساويين واصدر امرا ساميا خطّ شرِيف قَاضِيا بفصل المدفعية عَن الانكشارية وتنظيمها وَيكون مقرهم فِي الاستانة وان يكون لكل مِنْهُم موسيقى عسكرية وامام لتعليم الدّين واقامة الصَّلَاة وان يَبْنِي قشلاقان احدهما باسكدار وَالْآخر ببيو كدره وان يخصص للصرف عَلَيْهِم جَمِيع الاقطاعات العسكرية الَّتِي تنْحَل بِمَوْت اصحابها وتعود للحكومة ثمَّ اصدر اوامره إِلَى عبد الرَّحْمَن باشا وَالِي بِلَاد القرمان بتأليف عدَّة الايات وتدريبها على النظام الْجَدِيد فصدع بالامر بِكُل اهتمام حَتَّى لم تمض ثَلَاث سنوات الا وَقد تمّ تنظيم ثَمَانِيَة الايات كَامِلَة الْعدَد وَالْعدَد الْفِتَن الداخلية واسبابها ولنأت هُنَا على تَلْخِيص مَا كَانَ وَاقعا بِبِلَاد الصرب والارنؤد من الْفِتَن ليَكُون الْقَارئ مطلعا على حَالَة الدولة الداخلية وَمَا بهَا من مُوجبَات التقهقر الَّتِي اساسها الاصلي عدم السَّعْي وَقت الْفَتْح فِي محو عصبيات الامم الْمُخْتَلفَة بعد الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا ببذل الْجهد فِي اضعاف ثمَّ تلاشي لغتهم وعوائدهم حَتَّى يصير

стр. 336

الْكل امة وَاحِدَة عثمانية فَنَقُول لما فتحت بِلَاد الصرب نهائيا بعد وَاقعَة قوص اوه الشهيرة اعطيت كَافَّة اراضيها اقطاعات إِلَى الفرسان العثمانية سباه أَي انها تبقى تَحت يَد ملاكها الاصليين المسيحيين بِشَرْط دفع جعل اَوْ خراج معِين لمن اعطيت لَهُ وَترك لَهُم حق انتخاب مَشَايِخ بِلَادهمْ فاستبد مَعَهم ملتزمو الاقطاعات وعاملوهم مُعَاملَة نفرت قُلُوبهم واوجدت فيهم محبَّة الاسقلال فَكثر مِنْهُم قطاع الطّرق وَلما انتشبت الْحَرْب الاخيرة بَين الدولة والنمسا والروسيا هَاجر كثير مِنْهُم إِلَى بِلَاد المجر وانخرطوا فِي سلك الجندية النمساوية لمحاربة الدولة وَلما وضعت الْحَرْب اوزارها عَادوا إِلَى بِلَادهمْ بعد ان تمرنوا على فنون الْحَرْب وضروب الْقِتَال وَاشْرَبُوا حب الِاسْتِقْلَال الْحُرِّيَّة وَبعد عودتهم اضطهدهم الانكشارية لرفعهم السِّلَاح ضد دولتهم فِي صُفُوف اعدائها وَلَو ان الْبَاب العالي عَفا عَنْهُم عفوا عموميا الا ان هَذِه الفئة الْمفْسدَة اتَّخذت ذَلِك سَببا لنهب قرى الصرب والتعدي عَلَيْهِم بكافة انواع الاهانة وَلما اشْتَكَى الاهالي من هَذِه الْمَظَالِم امرت الدولة وَالِي بلغراد بمعاقبة الانكشارية واخراجهم من اراضي الصرب قاطبة فَلم يمتثلوا هَذِه الاوامر وَلذَا حاربهم الْوَالِي بمساعدة السباه وتغلب عَلَيْهِم واخرجهم من ولَايَة بلغراد بعد ان قتل رئيسهم دُلي احْمَد فالتجأوا إِلَى بازوند اوغلي الَّذِي سبق ذكر تمرده واستقلاله تَقْرِيبًا بِولَايَة وَدين وَهُوَ توَسط لَهُم لَدَى الْبَاب العالي واستحصل لَهُم على الاذن بالعودة إِلَى بلغراد بِشَرْط مُلَازمَة الهدوء والسكينة لكِنهمْ لم يرجِعوا عَن غيهم بل بِمُجَرَّد عودتهم استأنفوا اضطهادهم للصرب ثمَّ تطاولوا إِلَى محاصرة مَدِينَة بلغراد بمساعدة بازوند اوغلي ودخلوها عنْوَة وَقتلُوا واليها وانتشروا فِي اطراف الْبِلَاد يعيثون فِي الارض فَسَادًا وَلما ضَاقَ الصربيون ذرعا اجْتَمعُوا للدفاع عَن ارواحهم واموالهم واعراضهم وانتخبوا لَهُم رَئِيسا من اهلهم وَهُوَ جورج بتروفتش وطاردوا الانكشارية

стр. 337

حَتَّى ابعدوهم عَن الاراضي والقرى وَصَارَ لَا يُمكنهُم الْخُرُوج من المدن لتربص الاهالي لَهُم ثمَّ ارسل الْبَاب العالي إِلَى بكير باشا وَالِي بوسنه يَأْمُرهُ بمساعدة الصرب ومحاربة الانكشارية وطردهم ثَانِيَة من بلغراد فَأتى بجيشه وحاصرها مَعَ بتروفتش حَتَّى دخلاها واخرجا الانكشارية مِنْهَا وَبعد ذَلِك رَجَعَ باكير باشا إِلَى ولَايَته وَمن ذَلِك الْحِين لم ترجع السكينَة إِلَى بِلَاد الصرب بل تألبوا جماعات تَحت رئاسة بتروفتش للدفاع عَن انفسهم وَلم يهدأ لَهُم بَال حَتَّى تحصلوا على الِاسْتِقْلَال الاداري ثمَّ السياسي كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعه وَفِي هَذِه الاثناء كَانَت الاضطرابات سائدة فِي بِلَاد الارنؤود لقِيَام عَليّ باشا وَالِي يانيه على الْبَاب العالي واستئثاره بالسلطة حول ولَايَته اما عَليّ باشا الْمَذْكُور فَهُوَ ابْن اُحْدُ بيكوات الاروام الَّذين اعتنقت عائلاتهم الاسلام فِي بَدْء الْفَتْح العثماني ثمَّ صَار رَئِيسا لاحدى العصابات الَّتِي تألفت بايعاز الروسيا ودسائسها لقطع السبل وايقاف حَرَكَة التِّجَارَة فِي جبال اليونان والارنؤود بِدَعْوَى الوطنية وَمَا ذَلِك فِي الْحَقِيقَة الا للسلب والنهب ثمَّ رأى ان مُوالَاة الدولة انفع لصالحه فَعدل عَن طَرِيقَته الاولى ونبذ وَسْوَسَة الاجانب ظهريا وَطلب من الْبَاب العالي تَعْيِينه حَاكما على الْجِهَة الَّتِي ولد لَهَا من بِلَاد ابيروس الْعليا باليونان فَقبل مِنْهُ الْبَاب العالي هَذَا الطّلب رَغْبَة مِنْهُ فِي اطفاء الْفِتَن الداخلية وكلفه بمحاربة وَالِي

стр. 338

اشقودره ووالي دلوينو اللَّذين عصيا الدولة طَمَعا فِي الِاسْتِقْلَال فحاربهما وتغلب عَلَيْهِمَا ثمَّ بعد محاربة الروسيا عين فِي سنة ١٧٨٧ دربندباشي أَي محافظا على السبل والطرق من تعدِي العصب المتسلحة الَّتِي تكْثر عَادَة فِي الْبِلَاد اثناء الحروب وَبعدهَا وَفِي سنة ١٧٨٨ عين واليا على يانيه وَفِي سنة ١٧٩٧ لما استولت فرنسا على كَافَّة السواحل والثغور التابعة لجمهورية البندقية راسلهم عَليّ باشا مؤكدا لَهُم حسن ولائه لبونابرت وحكومته وَلم يكن ذَلِك مِنْهُ الا لحفظ الْبِلَاد العثمانية من تعدِي الفرنساويين وَلما اعلنت الدولة الْحَرْب على فرنسا بِسَبَب احتلال مصر احتل صَاحب التَّرْجَمَة ثغر بوترنتو وَسَار لفتح مَدِينَة بروازه فقابله عدد من الفرنساويين فحاربهم وفاز عَلَيْهِم بالنصر وَدخل الْمَدِينَة عنْوَة ثمَّ فِي سنة ١٨٠٢ كلفه الْبَاب العالي بمحاربة قَبيلَة السوليين الَّتِي عَصَتْ الدولة واعتصمت بالجبال المنيعة فَسَار اليها بجيشه الْمُؤلف من الارنؤود ومسلمي الاروام الناشئين بَين قلل الْجبَال ووهادها وحاصرهم من كل صوب حَتَّى إِذا لم يرَوا بدا من التَّسْلِيم أَو الْمَوْت طلبُوا الامان فِي غُضُون سنة ١٨٠٣ بِشَرْط أَن يُؤذن لَهُم بالمهاجرة إِلَى جزائر اليونان المستقلة فَأذن لَهُم وَفِي اثناء انسحابهم انْقَضتْ عَلَيْهِم جيوشه الْغَيْر منتظمة وَقتلت مِنْهُم خلقا كثيرا وَبِذَلِك سَاد الامن فِي كَافَّة بِلَاد الارنؤود وابيروس وجبالها وَضربت السكينَة اطنابها فِي جَمِيع الْبِلَاد ومفاوزها وطرقاتها وكافأه السُّلْطَان على ايجاد الامن فِي هَذِه المسالك الوعرة بَان قَلّدهُ رُتْبَة

стр. 339

رومللي واليس أَي وَالِي الرومللي وَبِمَا أَن هَذِه الرُّتْبَة تخول للحائز عَلَيْهَا حق قيادة الجيوش حَال اشْتِغَال الصَّدْر الاعظم فِي مهام الدولة الاخرى سَار عَليّ باشا فِي ثَمَانِينَ الف مقَاتل لمحاربة اهالي مقدونيا الَّذين ثَارُوا طلبا للاستقلال بِنَاء على ايعاز الروسيا وتغلب عَلَيْهِم بعد محاربات عنيفة وادخلهم كرها فِي طَاعَة الدولة وَكَانَت هَذِه الْخدمَة الجليلة من مُوجبَات زِيَادَة نُفُوذه فداخله الْغرُور وأوجست مِنْهُ الدولة خيفة لما ظهر لَهَا من ميله إِلَى الِاسْتِقْلَال وَلما احس هُوَ بذلك خشِي ان يَنَالهُ اذى مِنْهَا فتحصن فِي بِلَاد ابيروس واخضع لسلطانه من بهَا من الامراء وَصَارَ كحاكم مُسْتَقل بهَا وَسَنذكر مَا حل بِهِ من الدمار جَزَاء نبذه طَاعَة الدولة فِي حِينه وَلم تكن بِلَاد الرومللي خَالِيَة من الاضطرابات بل وصل اليها شَرّ العصابات المتسلحة وانتشرت فِيهَا ازيد من انتشارها فِي بَاقِي ولايات الدولة باوروبا حَتَّى لم يتَمَكَّن الانكشارية من كبح جماحهم بل فَازَ المفسدون عَلَيْهِم فِي عدَّة وقائع وَصَارَت الْبِلَاد فِي كرب عَظِيم وبلاء شَدِيد وهدد هَؤُلَاءِ الثائرون مَدِينَة ادرنه نَفسهَا مَعَ مناعتها فاراد السُّلْطَان تجربة الجيوش المنتظمة فِي محاربتهم وارسل فِي سنة ١٨٠٤ آلايا من الاستانة مَعَ فرقة من المدفعية واخرى من الخيالة وَثَلَاثَة الْآيَات من الَّتِي نظمها وَالِي بِلَاد القرمان فَقَامَتْ هَذِه الْجنُود بِمَا عهد اليها خير قيام وَلم تقو العصب على الْوُقُوف امامها كَمَا هُوَ مُحَقّق ومثبوت من ان العسكري المنتظم يُقَاوم عشرَة أَو اكثر من الْغَيْر منتظمين وَبعد قَلِيل طهرت بِلَاد الرومللي من ادران الْفساد وعادت السكينَة إِلَى ربوعها وَرجعت الْجنُود المنتظمة إِلَى الاستانة مكللة بالظفر فانشرح السُّلْطَان من نجاح مَشْرُوع هَذَا النظام الْجَدِيد واغدق عَلَيْهِم العطايا والهبات ثمَّ اصدر فِي شهر مارس سنة ١٨٠٥ امرا ساميا خطّ شرِيف إِلَى جَمِيع الولايات بتركية واوروبا بِجمع جَمِيع الشبَّان من الانكشارية والاهالي الْبَالِغين سنّ الْخَمْسَة وَالْعِشْرين وادخالهم العسكرية وتربيتهم على الننظام الْجَدِيد فَلم يقبل الانكشارية هَذَا الامر واظهروا التمرد وَلذَا ارسل السُّلْطَان إِلَى عبد الرَّحْمَن باشا وَالِي بِلَاد القرمان الَّذِي كَانَ من اكبر المعضدين للاصلاح العسكري ان ياتي إِلَى الاستانة

стр. 340

بجيوشه المنتظمة ليوجهوا إِلَى الْبِلَاد الَّتِي امْتنع بهَا الانكشارية عَن تَنْفِيذ الامر السلطاني فاتى إِلَى القسطنطينة فِي اوائل سنة ١٨٠٦ وَبعد أَن مكث نَحْو شهر استعرض السُّلْطَان فِي خلاله الْجنُود النظامية سَافر عبد الرَّحْمَن باشا وَجُنُوده قَاصِدا مَدِينَة ادرنه فِي اواسط يوليه من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما وصل اليها وجد اللانكشارية ثائرين وابوابها مؤصدة امامه فَعَاد إِلَى الاستانة بعد حُصُول عدَّة وقائع حربية بَينه وَبَين الثائرين وَلما رأى السُّلْطَان امتداد الثورة واتحاد بعض الْعلمَاء والطلبة ضد النظام الْجَدِيد اذعن لمطلب الانكشارية وارجع العساكر النظامية إِلَى ولايات آسيا وعزل الوزراء وَعين اغاة الانكشارية صَدرا اعظم وَمَعَ ذَلِك فَلم تَنْتَهِ هَذِه الْمَسْأَلَة بِسَلام بل جرت بعد قَلِيل إِلَى عزل السطلان كَمَا سَيَجِيءُ وَفِي غُضُون ذَلِك كَانَت بِلَاد الصرب قَائِمَة قَاعِدَة فِي طلب الِاسْتِقْلَال وحصلت بَين اهلها وَبَين العساكر الشاهانية عدَّة محاربات كَانَ النَّصْر فِيهَا تَارَة لفريق وطورا للفريق الآخر وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال إِلَى اواخر سنة ١٨٠٦ فَعرض عَلَيْهِم وَالِي اشقودره أَن الْبَاب العالي يمنحهم ادارة مُسْتَقلَّة لَكِن بِمَا أَن اغلب اراضيهم معطاة إِلَى العساكر السباه فَيدْفَع الصربيون تعويضا قدره سِتّمائَة الف فلورين لتوزع على اصحاب الالتزامات بِصفة تعويض على تَركهم التزاماتهم للادارة الصربية فَقبل زعيمهم جورج بتروفتش بذلك لَكِن رفض الْبَاب العالي هَذَا الاقتراح وابى الا ادخالهم فِي طَاعَته كَمَا كَانُوا وَعند ذَلِك انتشب الْحَرْب بَين الدولة الْعلية والروسيا الَّتِي سَيَأْتِي بَيَان اسبابها هَذَا ولنرجع إِلَى ذكر علاقات الْبَاب العالي وفرنسا والروسيا وانكلترا بعد خُرُوج الفرنساويين من مصر فَنَقُول إِن بونابرت ارسل إِلَى بِلَاد الشرق الجنرال سبستياني لتجديد ربط الِاتِّحَاد والوداد مَعَ الدولة الْعلية فسافر إِلَى الاستانة حَامِلا خطابا من بونابرت إِلَى السدة السُّلْطَانِيَّة وَفِي اثناء اقامته بالاستانة تمكن بمساعيه من عزل اميري الافلاق والبغدان المنحازين للروسيا فعزلا فِي ٥ جُمَادَى الثَّانِي سنة ١٢٢١ ٢٠ اغسطس سنة ١٨٠٦ وَعين بدلهما من المخلصين للدولة الْعلية فسَاء ذَلِك الروسيا وخشيت من امتداد نُفُوذ فرنسا فِي الشرق فَأرْسلت

стр. 341

جيوشها لاحتلال هَاتين الولايتين بِدُونِ اعلان حَرْب بِدَعْوَى أَن تَغْيِير اميريهما مُضر بِحُقُوق جوارها فانتشبت نيران الْقِتَال بَينهَا وَبَين الدولة واتحدت انكلترا مَعَ الروسيا فِي هَذِه الْحَرْب لتأييد طلباتها فَأرْسلت احدى دونانماتها تَحت قيادة اللورد دوق وَورث امام الدردنيل وارسل سفيرها السّير اربوثنوت بلاغا إِلَى الْبَاب العالي يطْلب مِنْهُ تحالف الدولة الْعلية وانكلترا وَتَسْلِيم الاساطيل العثمانية وقلاع الدردنيل إِلَى انكلترا والتنازل عَن ولايتي الافلاق والبغدان إِلَى الروسيا وطرد الجنرال سبستياني من الاستانة واعلان الْحَرْب على فرنسا والا تكن انكلترا مضطرة لاجتياز الدردنيل واطلاق مدافعها على الاستانة فَلم تقبل الدولة هَذِه المطالب بل اخذت فِي تحصين البوغاز واقامة القلاع على ضفتيه لَكِن لم يكن الْوَقْت كَافِيا لتحصينه بكيفية تجْعَل الْمُرُور مِنْهُ غير مُمكن وَفِي ١٢ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٢١ ٢٠ فبراير سنة ١٨٠٧ قرن الانكليز القَوْل بِالْفِعْلِ واجتاز الاميرال اللورد دوك وَورث بوغاز الدردنيل بِدُونِ أَن يحصل لمراكبه ضَرَر يذكر من مقذوفات القلاع وَوصل إِلَى فرضة جاليبولي وَدَمرَ كَافَّة السفن الحربية العثمانية الراسية بهَا وَمكث خَارج البوسفور ينْتَظر تَنْفِيذ لائحته الَّتِي سبق ذكرهَا وبورود الْخَبَر إِلَى الدولة بذلك وَقع الرعب فِي قُلُوب سكان الاستانة خشيَة من وُصُول السفن الانكليزية إِلَى البوسفور وَهُنَاكَ تكون الطامة الْكُبْرَى لوُجُود اغلب السرايات الملوكية ودواوين الْحُكُومَة على ضفتيه وَوَقع الوزراء فِي حيص بيص فأقروا بعد مداولات طَوِيلَة أَن يذعنوا لطلب انكلترا وارسلوا إِلَى الجنرال سبستياني يَدعُونَهُ لِلْخُرُوجِ من الاستانة خوفًا من تفاقم الْخطب فقابل الفرنساوي الرَّسُول العثماني محاطا بِجَمِيعِ مستخدمي السفارة والضباط الفرنساويين المستخدمين بجيوش الدولة وبحريتها واجابه قَائِلا اني لَا اخْرُج من الاستانة الا مكْرها ثمَّ طلب أَن يُقَابل السُّلْطَان مُقَابلَة خُصُوصِيَّة فَأُجِيب طلبه وَلما قابله اظهر لَهُ استعداد فرنسا لمساعدة الدولة وَأَن الامبراطور نابليون قد اصدر اوامره إِلَى جيوشه المعسكرة بسواحل الادرياتيك للسَّفر إِلَى الاستانة لمساعدة الدولة على مقاومة انكلترا ورفض طلباتها فاقتنع جلالته بِعَدَمِ جَوَاز الانصياع لطلبات الانكليز

стр. 342

وانها لَو رَأَتْ من الدولة الْعلية مقاومة اذعنت هِيَ لسحب مطالبها خوفًا على تجارتها من الْبَوَار لَو صدرت الاوامر بِعَدَمِ قبُولهَا فِي الممالك المحروسة فاخذ فِي تحصين العاصمة وَبِنَاء القلاع حولهَا وتسليحها بالمدافع الضخمة وشكل الفرنساويون النازلون بالاستانة فرقة من مِائَتي مقَاتل اغلبهم من المدفعية وَكَذَلِكَ الاسبانيون لمضادة سفيرهم المركيز دالمنييرا لسياسة انكلترا فِي الشرق واهتم كل من فِي الاستانة فِي هَذَا الْعَمَل الوطني حَتَّى الشُّيُوخ والاطفال وَالنِّسَاء وبذل الانكشارية من الاهتمام اكثر مِمَّا كَانَ يؤمل مِنْهُم وَكَانَ السُّلْطَان بِنَفسِهِ يناظر الاشغال ويحث المشتغلين بهَا على مُوَاصلَة اللَّيْل بِالنَّهَارِ لاتمام القلاع لصد هجمات الاعداء فَلم يمض بضعَة ايام حَتَّى صَارَت الْمَدِينَة فِي مأمن من كل طَارِئ ووقفت عدَّة سفن فِي مدْخل البوسفور لمنع كل مهاجم مَعَ اسْتِمْرَار الاشغال فِي بوغاز الدردنيل فَلَمَّا رأى الاميرال الانكليزي اسْتِحَالَة دُخُوله البوسفور وَقرب انْتِهَاء تحصينات الدردنيل خشِي من حصر مراكبه بَين البوغازين وقفل رَاجعا إِلَى الْبَحْر الابيض فِي ٢٠ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٢١ اول مارس سنة ١٨٠٧ فنجا مِنْهُ بمراكبه بعد ان قتل من رِجَاله سِتّمائَة وغرق من سفنه اثْنَتَانِ من مقذوفات قلاع الدردنيل وَاجْتمعَ بمراكب الروسيا عِنْد مدْخل البوغاز ثمَّ اراد الاميرال الانكليزي أَن يَأْتِي عملا يمحو مَا لحقه من الْعَار بِسَبَب فشله فِي هَذِه المأمورية فقصد ثغر الاسكندرية وَمَعَهُ خَمْسَة آلَاف جندي بري تَحت قيادة الجنرال فريذر فاحتلها فِي ١٠ محرم سنة ١٢٢٢ ٢٠ مارس سنة ١٨٠٧ ثمَّ سير فرقة إِلَى ثغر رشيد لاحتلاله فانهزمت وعادت بخفي حنين ثمَّ اعاد الكرة عَلَيْهَا فِي شهر ابريل وحاصر الْمَدِينَة فِي ٨ صفر ١٧ ابريل لَكِن لم يقو على فتحهَا لارسال مُحَمَّد باشا المدد اليها واخيرا رحلوا عَن الديار المصرية ونزلوا فِي مراكبهم فِي ١٠ رَجَب سنة ١٢٢٢ ١٣ سبتمبر سنة ١٨٠٧ لعدم امكانهم التفرغ لفتحها مَعَ اشتغالهم بالحروب فِي اوروبا ولوجود الْحُكُومَة المصرية فِي قَبْضَة ممدن مصر وباعثها من رمسها ومعيد مجدها من لَهُ عَلَيْهَا الايادي الْبيض طول الدَّهْر الامير الْجَلِيل المرحوم مُحَمَّد عَليّ باشا مؤسس العائلة

стр. 343

الْكَرِيمَة الخديوية وثالث جد لخديوينا الحالي افندينا عَبَّاس باشا حلمي الثَّانِي مُحَمَّد عَليّ باشا وَالِي مصر ولنأت هُنَا على كَيْفيَّة حُصُول مُحَمَّد عَليّ باشا على ولَايَة مصر بِعِبَارَة وجيزة وعَلى من يُرِيد معرفَة تَارِيخه بالتطويل أَن يرجع لمؤلفنا كتاب الْبَهْجَة التوفيقية فِي تَارِيخ مؤسس العائلة الخديوية المطبوع بمطبعة بولاق الاميرية سنة ١٣٠٨ هـ ولد هَذَا الرجل الْعَظِيم الشَّأْن فِي مَدِينَة قَوْله سنة ١١٨٢ هـ سنة ١٧٦٩ م وَتوفى وَالِده وَهُوَ صَغِير فرباه عَم لَهُ حَتَّى بلغ أشده فَزَوجهُ ابْنَته ثمَّ اشْتغل بِتِجَارَة الدُّخان وَربح مِنْهَا كثيرا وَلما دخل الفرنساويون مصر كَمَا سبق شَرحه اتى مُحَمَّد على مَعَ من ارسل من الْجنُود لمحاربتهم وَشهد وَاقعَة ابي قير وعينه خسرو باشا الَّذِي عين واليا بعد خُرُوج الفرنساويين برتبة سرجشمه أَي قَائِد فرقة تبلغ اربعة آلَاف مقَاتل وَمن ثمَّ اخذ فِي استمالة قُلُوب الْجند اليه للاستعانة بهم عِنْد سنوح الفرصة ثمَّ وَقع النفور بَينه وَبَين الْوَالِي لنسبة خسرو باشا اليه الِاتِّحَاد مَعَ المماليك فسعى الْوَالِي بالايقاع بِهِ لَكِن لم يتَمَكَّن من التَّنْفِيذ لقِيَام جنود الارنؤد عَلَيْهِ وَرُبمَا كَانَ ذَلِك بايعاز من مُحَمَّد عَليّ وطردهم اياه من الْقَاهِرَة لعدم دَفعه مرتباتهم وَاخْتَارَ الاهالي بعده طَاهِر باشا واليا مؤقتا حَتَّى يعين الْبَاب العالي بديلا لخسرو باشا لَكِن لم يلبث ان قَامَ الانكشارية عَلَيْهِ وقتلوه لدفعه مرتبات الارنؤود دونهم واراد الانكشارية تنصيب اُحْدُ الذوات العثمانيين واسْمه احْمَد باشا وَكَانَ آتِيَا لمصر قَاصِدا التَّوَجُّه إِلَى الاقطار الحجازية فَلم يقبل مُحَمَّد عَليّ بذلك واراد

стр. 344

انتهاز هَذِه الفرصة للحصول على مَا كَانَ يكنه صَدره وَهُوَ الاستئثار بوادي النّيل وَكَاتب امراء المماليك فَأتى عُثْمَان بيك البرديسي وَغَيره للقاهرة وَلما وجد مُحَمَّد على ان عدد من اتى مِنْهُم كَاف لمحاربة الانكشارية حاصر احْمَد باشا فِي منزله والزمه الْخُرُوج من مصر ثمَّ سلط الارنؤد على الانكشارية فحاربوهم فِي مصر الْقَدِيمَة وَقتلُوا اغلبهم وفر الْبَاقُونَ أَو بذلك لم يبْق بِمصْر مُنَازع لمُحَمد عَليّ ثمَّ سَار هُوَ والبرديسي إِلَى دمياط لمحاربة خسرو باشا الَّذِي كَانَ متحصنا بهَا فحارباه واسراه فِي ١٤ ربيع الاول سنة ١٢١٨ ٤ يوليو سنة ١٨٠٣ وعادا بِهِ إِلَى الْقَاهِرَة حَيْثُ سجناه بالقلعة وَبعد ذَلِك بِقَلِيل عَاد من انكلتره مُحَمَّد بيك الالفي اُحْدُ زعماء المماليك وَكَانَ ذهب اليها ليطلب مِنْهَا مساعدته على الِاسْتِقْلَال بِمصْر وَيُقَال إِنَّه وعدها بِتَسْلِيم بعض الثغور لَو حصل على مرغوبه فخشي مُحَمَّد عَليّ باشا من اتحاده مَعَ البرديسي وَعمد إِلَى ايجاد النفرة بَينهمَا وَلما احس الالفي بِمَا يدبره لَهُ سَافر إِلَى الصَّعِيد ثمَّ اهاج مُحَمَّد عَليّ الاهالي بِمصْر على البرديسي فحاصروه فِي منزله واطلق مُحَمَّد عَليّ المدافع عَلَيْهِ حَتَّى اخرجه من مصر هُوَ وكافة المماليك ثمَّ اخْرُج خسرو باشا من سجنه وارسله إِلَى رشيد وَمِنْهَا إِلَى اسلامبول بِنَاء على طلب الاعيان واقام الْجند مَكَانَهُ من يدعى خورشيد باشا وَمُحَمّد عَليّ وَكيلا لَهُ لَكِن لم يلبث أَن انتخب الاهالي مُحَمَّد عَليّ واليا وَكَتَبُوا إِلَى الْبَاب العالي فاصدر فرمانا بذلك وصل مصر فِي ١٠ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٢٠ ٨ يوليه سنة ١٨٠٥ ثمَّ سعى الانكليز لَدَى الْبَاب العالي وطلبوا عَزله أَو نَقله إِلَى ولَايَة لتوسمهم فِيهِ الْمُعَارضَة لمشروعاتهم المجحفة باستقلال مصر فصغى الْبَاب العالي إِلَى وساوسهم وامر بنقله إِلَى ولَايَة سلانيك فَلم يقبل عُلَمَاء مصر وَلَا قواد الجيوش بذلك وَكَتَبُوا إِلَى الدولة يَلْتَمِسُونَ مِنْهَا ابقاءه فِي ولَايَة مصر فَقبل السُّلْطَان وارسل اليه فرمانا بتثبيته وصل اليه فِي ٢٤ شعْبَان سنة ١٢٢١ ٦ نوفمبر سنة ١٨٠٦ وَفِي ٧ رَمَضَان ١٨ نوفمبر سنة ١٨٠٦ توفّي مُحَمَّد بيك الالفي وَفِي شَوَّال ٣١ دسمبر سنة ١٨٠٦ توفّي عُثْمَان بيك البرديسي وَبِذَلِك صفا الجو لمُحَمد عَليّ باشا وَلم يبْق لَهُ

стр. 345

مُنَازع من الامراء المماليك الا أَنه كَانَ مُضْطَرّا لمراعاة من بَقِي مِنْهُم وَمن جنودهم المنتشرين فِي اغلب جِهَات الْقطر للافساد لَا لحفظ الامن إِلَى أَن اجهز عَلَيْهِم فِي وَاقعَة القلعة الشهيرة الَّتِي حصلت فِي يَوْم الْجُمُعَة ٥ صفر سنة ١٢٢٦ ٢٩ فبراير ١٨١١ ولنرجع لذكر مَا حصل بالاستانة من الْحَوَادِث بعد خُرُوج المراكب الانكليزية من الدردنيل فَنَقُول عزل السُّلْطَان سليم الثَّالِث إِنَّه فِي هَذِه الاثناء كَانَت رحى الْحَرْب دَائِرَة بَين العثمانيين والروس فَدخل وَالِي بوسنه بجوشه إِلَى بِلَاد الصرب لمنع الثائرين من اللحاق بالجيش الروسي وَسَار الصَّدْر الاعظم وفرقتان من الانكشارية وجيوش آسيا المنتظمة إِلَى مَدِينَة شومله وَكَانَ مصطفى باشا البيرقدار حَاكم مَدِينَة روستجوق يستعد للاغارة على بِلَاد الافلاق بِخَمْسَة عشر الف جندي قَامَ هُوَ بتنظيمهم وتدريبهم وخصص نَفرا لَيْسَ بِقَلِيل من النظام الْجَدِيد للبقاء فِي قلاع الدردنيل والبوسفور لدفع الطوارئ البحرية وَفِي غُضُون ذَلِك توفّي الْمُفْتِي الَّذِي كَانَ معضدا للسُّلْطَان على ادخال الاصلاحات العسكرية وَتَوَلَّى مَكَانَهُ قَاضِي عَسْكَر الرومللي وَكَانَ على الضِّدّ من سلفه فاتحد مَعَ مصطفى باشا قَائِم مقَام الصَّدْر الاعظم المتغيب فِي محاربة الروس ولفيف من الْعلمَاء على السَّعْي فِي ابطال النظام العسكري الْجَدِيد قائلين انه بِدعَة مُخَالفَة للشَّرْع وللوصول إِلَى غايتهم هَذِه اخذوا يغرون العساكر الْغَيْر منتظمة الَّتِي كَانَت اضيفت إِلَى الْفرق المنتظمة حَتَّى إِذا الفوا النظام ادرجوا ضمن العساكر النظامية وادخلوا فِي آذانهم انهم لم ياتوا من بِلَادهمْ الا لاجبارهم على الانخراط فِي سلك النظام واكراههم على لبس الملابس الغربية والتزيي بزِي النَّصَارَى مَعَ مَا فِي ذَلِك من مُخَالفَة الْقُرْآن الشريف وَالشَّرْع المنيف على زعمهم وَلما ملات هَذِه الاوهام عقول هَؤُلَاءِ السذج واشربت قُلُوبهم هَذِه الاضاليل ارسل مصطفى باشا الْقَائِم مقَام إِلَى احدى القلاع الْمَوْجُود بهَا جنود منتظمة وَغير منتظمة رَسُولا اظهر أَنه آتٍ لالباس الْغَيْر منتظمين الملابس النظامية فهاجوا

стр. 346

وماجوا وقصدوا قتل الرَّسُول فَمَنعهُمْ المنتظمون وحصلت بَينهم معركة سَالَتْ فِيهَا الدِّمَاء ثمَّ انتشرت هَذِه الْفِتْنَة وامتد لهيبها إِلَى جَمِيع القلاع وحصلت عد معارك بَين الْفَرِيقَيْنِ كَانَت نتيجتها قتل رَسُول السوء والتجأ الْجنُود النظامية إِلَى ثكناتهم وَلما بلغ السُّلْطَان خبر هَذِه الْحَادِثَة ابهم عَلَيْهِ مصطفى باشا الْقَائِم مقَام الامر وافهمه انها حَادِثَة غير مهمة وَبعد هَذَا النجاح اخذت الْجنُود الْغَيْر منتظمة تستعد بإيعاز مهيجيها لامر آخر ذِي بَال واجتمعوا فِي الْجِهَة الْمَعْرُوفَة ببيوكدره وانتخبوا لَهُم رَئِيسا مِنْهُم اسْمه قباقجي أوغلي وَهُوَ اخذ فِي الاستعداد للدخول إِلَى الاستانة وَفِي صَبِيحَة يَوْم ٢٧ مايو سنة ١٨٠٧ دخل هُوَ وَمن مَعَه من الْجنُود الْغَيْر منتظمة وانضم إِلَيْهِم نَحْو مِائَتَيْنِ من البحرية وَثَمَانمِائَة من الانكشارية حَتَّى إِذا وصل هَذَا الْجمع إِلَى الْمحل الْمَعْرُوف باسم آتٍ ميدان اتوا بقدور الانكشارية وصفوها عَلامَة على الْعِصْيَان وَقُرِئَ عَلَيْهِم اسماء جَمِيع المعضدين لمشروع النظام العسكري من الوزراء أَو الذوات والاعيان فانتشر الثائرون إِلَى مَنَازِلهمْ وقتلوهم واتوا برؤوسهم ووضعوها امام الْقُدُور وَلما بلغ السُّلْطَان خبر هَذِه الثورة اصدر على الْفَوْر امرا بالغاء النظام الْجَدِيد وَصرف العساكر النظامية لَكِن لم يكتف الثائرون بل قرروا عزل السُّلْطَان خوفًا من ان يعود لتنفيذ مشروعه وساعدهم على ذَلِك الْمُفْتِي الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَة المحرك لهَذِهِ الثورة فَأفْتى بِأَن كل سُلْطَان يدْخل نظامات الافرنج وعوائدهم وَيجْبر الرّعية على اتباعها لَا يكون صَالحا للْملك واستمرت هَذِه الثورة يَوْمَيْنِ ثمَّ نُؤَدِّي فِي ٢١ ربيع الآخر سنة ١٢٢٢ ٢٨ يونيه سنة ١٨٠٧ بفصل السُّلْطَان سليم الثَّالِث فعزل وَكَانَت مُدَّة حكمه ١٩ سنة وَبَقِي إِلَى أَن توفّي فِي ٤ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٢٣ ٢٨ يونيو سنة ١٨٠٨ وعمره ٤٨ سنة تَقْرِيبًا واقيم بعده مصطفى الرَّابِع

стр. 347

٢٩ - السُّلْطَان الْغَازِي مصطفى خَان الرَّابِع ابْن السُّلْطَان عبد الحميد الاول الْمَوْلُود سنة ١١٩٣ هـ سنة ١٧٧٩ م وكلف الْمُفْتِي بتبليغ السُّلْطَان سليم خبر عَزله فَذهب اليه وبلغه ذَلِك مظْهرا اسفه من هَذِه الْحَادِثَة الجبرية فَقبل السُّلْطَان وَذهب إِلَى سرايه الخصوصية وتفرق الْجنُود النظامية شذر مذر واهمل هَذَا الْمَشْرُوع الْجَلِيل لعدم مُوَافَقَته لاغراض الانكشارية وَمن حازبهم وَلم يكن السُّلْطَان مصطفى الا كآلة يديرها مبغضو النظام الْجَدِيد كَيفَ شاؤا تبعا لاهوائهم فَثَبت الوزراء الَّذِي لم يقتلُوا فِي الثورة فِي وظائفهم وَاعْتمد تعْيين قباقجي اوغلي حَاكما لجَمِيع قلاع البوسفور فاعاد الانكشارية قدورهم إِلَى ثكناتهم دلَالَة على ارتياحهم مِمَّا حصل وخلودهم إِلَى الرَّاحَة والسكينة وَلما وصلت انباء هَذِه الثورة إِلَى الجيوش العثمانية المشتغلة بمحاربة الروس عِنْد نهر الطونة شَمل الانكشارية السرُور لابطال النظام الْجَدِيد وَلما رَأَوْا من قائدهم الْعَام وَهُوَ الصَّدْر الاعظم حلمي ابراهيم باشا عدم الِاسْتِحْسَان لما حصل قَتَلُوهُ واقاموا مَكَانَهُ جلبي مصطفى باشا فَوَقع الفشل فِي الجيوش وَلَوْلَا وجود اغلب جيوش الروسيا فِي المانيا لمحاربة الامبراطور نابليون الَّذِي كَانَت تَخِر عروش الْمُلُوك امامه سجدا لكَانَتْ نتائج هَذِه الحروب اوخم مِمَّا سبقها وَمن حسن الْحَظ ايضا أَن وصل فِي اثناء ذَلِك خبر انتصار نابليون على الروس ومحالفيهم فِي وَاقعَة فريدلاند فِي ٦ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٢٢ ٣ يونيه سنة ١٨٠٧

стр. 348

فتقهقرت الْجنُود الروسية المحتلة لولاية البغدان من غير مَا حَرْب وَلَا قتال وعقب ذَلِك حصل الصُّلْح بَين فرنسا والروسيا بِمُقْتَضى معاهدة تلسيت فِي اول جُمَادَى الاول سنة ١٢٢٢ ٧ يوليو سنة ١٨٠٧ الَّتِي جَاءَ البند الثَّانِي وَالْعِشْرين وَمَا بعده مِنْهَا أَن الروسيا تكف عَن محاربة الدولة حَتَّى يتوسط نابليون بَين الطَّرفَيْنِ وانه بِمُجَرَّد مَا امضيت الْهُدْنَة الابتدائية تخلي جيوش الروسيا ولايتي الافلاق والبغدان بِدُونِ أَن تدْخلهَا الجيوش العثمانية حَتَّى يتم الصُّلْح نهائيا وَجَاء فِي المعاهدة السّريَّة الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا نابليون واسكندر الاول قَيْصر الروسيا إِن لم يقبل الْبَاب العالي توَسط فرنسا بِسَبَب الْحَوَادِث الاخيرة الَّتِي حدثت بالاستانة أَو إِن لم يتم الْمَقْصُود بكيفية مرضية بعد قبُول هَذَا التَّوَسُّط بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا فتتحد فرنسا مَعَ الروسيا على سلخ جَمِيع الولايات العثمانية بأوروبا مَا عدا الاستانة وَمَا حولهَا وتقسيمها فِيمَا بَينهمَا مَعَ ارضاء النمسا بِجُزْء يسير وَكَيْفِيَّة ذَلِك التَّقْسِيم أَن يكون لفرنسا بِلَاد بوسنه والبانيا الارنؤود وابيروس وبلاد اليونان ومقدونيا وللنمسا بِلَاد الصرب وللروسيا الافلاق والبغدان والبلغار واقليم تراس لغاية نهر ماريتسا رَاجع مؤلف المسيو لافاليه على تَارِيخ الدولة الْعلية وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه المعاهدة من الاضرار بِحُقُوق الدولة الْعلية والتخلي عَنْهَا وَتركهَا بمفردها امام الروسيا رغما عَن وعود فرنسا السَّابِقَة الَّتِي كَانَت سَببا فِي اثارة هَذِه الْحَرْب وناهيك مَا جَاءَ فِي المعاهدة السّريَّة من تَقْسِيم الاملاك المحروسة فَيظْهر للمطالع أَن كل وعود الاجانب للشرقيين وعود عرقوبية وسراب كَاذِب يحسبه الظمآن مَاء وَإِن اظهارهم لنا الْوَلَاء والصداقة لم يكن إِلَّا لنوال امانيهم والفوز بغاياتهم فالعاقل من لم يتَمَسَّك بذيل وعودهم وَلَا يخالج فكره

стр. 349

أَن دولة اوروبية تود خيرا أَو تبغي صلاحا لدولة أَو أمة شرقية مُطلقًا والحوادث التاريخية الَّتِي ذكرت وستذكر فِي هَذَا الْكتاب اكبر شَاهد فلعلها تكون عِبْرَة لمن تذكر هَذَا ثمَّ ارسل نابليون فِي ٣ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٢٢ ٩ يوليو سنة ١٨٠٧ الجنرال جلليمينو اُحْدُ اركان حربه إِلَى الجيوش العثمانية والروسية المتحاربة لتبليغهم المعاهدة الْمَذْكُورَة وَعرض توَسط الدولة الفرنساوية عَلَيْهِم فَقبل الْفَرِيقَانِ بذلك وَفِي ١٩ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٢٢٢ ٢٤ اغسطس امضيت بَينهمَا بِحُضُور الْمَنْدُوب الفرنساوي هدنة ابتدائية وَمَعَ ذَلِك فَلم تخل الروسيا ولايتى الافلاق والبغدان وَهُوَ اول اخلال بِشُرُوط معاهدة تلسيت وَلذَا لم يُمكن الْفَرِيقَانِ أَن يتَّفقَا على شُرُوط الصُّلْح النهائي لَكِن لم يسْتَأْنف الْقِتَال إِلَّا بعد سنتَيْن لاشتغال كل فريق مِنْهُمَا بِمَا هُوَ اهم من ذَلِك ولنرجع إِلَى ذكر مَا حصل فِي الاستانة بعد نجاح ثورة قباقجي اوغلي فَنَقُول إِنَّه لم يمض قَلِيل حَتَّى وَقع الْخلاف بَين رُؤَسَاء الثورة فاتحد اولا قباقجي اوغلي مَعَ الْمُفْتِي على عزل الْقَائِم مقَام مصطفى باشا فعزل وَأبْعد إِلَى خَارج الْبِلَاد واقيم مَكَانَهُ من يدى طَاهِر باشا ثمَّ عزل لرغبته الْمُحَافظَة على حُقُوق وظيفته وسافر إِلَى روستجق والتجأ إِلَى حاكمها مصطفى باشا البيرقدار وَكَانَ هَذَا الاخير من محازبي السُّلْطَان سليم وَيَوَد ارجاعه لمنصة الاحكام فكاشف بذلك جلبي مصطفى باشا الصَّدْر الاعظم وَبَاقِي الوزراء واقنعهم بِوُجُوب مجازاة الْمُفْتِي وقباقجي مصطفى على تهييج الْجنُود الْغَيْر منتظمة وعزل السُّلْطَان والاستئثار بالسلطة فوافقه على هَذَا الامر كل من كاشفهم بِهِ واصدر الصَّدْر حكما على قباقجي مصطفى قَاضِيا باعدامه ووكل على تنفيذه اُحْدُ رجال المؤامرة واسْمه حاجي عَليّ وَهُوَ تعهد بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ عنْوَة وَسَار إِلَى الاستانة فِي مائَة فَارس بَيْنَمَا كَانَ البيرقدار قاصدها فِي سِتَّة عشر الف جندي عَن طَرِيق ادرنه وَلما وصل حاجي إِلَى ضواحي الاستانة علم أَن قباقجي مصطفى مُقيم فِي قصر لَهُ خَارج الْمَدِينَة فهاجمه وَقَتله ثمَّ ابرز لجنوده حكم الصَّدْر الاعظم اخبرهم أَنه عين قائدا لَهُم فَلم يقبلُوا بذلك بل احاطوا بِهِ وبمن مَعَه من الفرسان وكادوا يأسرونه لَوْلَا

стр. 350

مَا اظهره من الشجَاعَة الَّتِي تمكن بهَا من التَّخَلُّص واللحاق بالبيرقدار وَكَانَ قد وصل هُوَ والصدر الاعظم إِلَى الاستانة وعسكر خَارِجهَا وَلما علم السُّلْطَان بِهَذِهِ الوقائع خشِي من تعدِي الثورة عَلَيْهِ ووصول ضررها اليه وامر بعزل الْمُفْتِي وَصرف جنود قباقجي مصطفى الْغَيْر منتظمة الَّتِي عضدته على عزل السُّلْطَان سليم فأظهر البيرقدار الِاكْتِفَاء بِمَا حصل وَلم يكاشف احدا بعزمه على اعادة السُّلْطَان سليم إِلَى عرش الْخلَافَة الْعُظْمَى واشاع أَنه عازم على العودة إِلَى روستجق لَكِن فِي صَبِيحَة ٤ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٢٣ ٢٨ يونيو سنة ١٨٠٨ القي الْقَبْض على شلبي مصطفى باشا الصَّدْر الاعظم وَسَار بجيوشه إِلَى السراي السُّلْطَانِيَّة وَطلب ارجاع السُّلْطَان سليم الثَّالِث إِلَى الْملك فامر السُّلْطَان مصطفى بقتْله والقاء جثته إِلَى الثائرين كي يكفوا عَن الثورة لما يعلمُونَ ان الَّذِي يُرِيدُونَ ارجاعه قد دخل فِي خبر كَانَ لَكِن اتى الامر على عكس مَا كَانَ يؤمل فقد زَاد الثائرون هياجا وَنَادَوْا على الْفَوْر بعزل السُّلْطَان مصطفى الرَّابِع وحجزه فِي نفس السراي الَّتِي كَانَ محجوزا بهَا السُّلْطَان سليم فعزل بعد أَن حكم ثَلَاثَة عشر شهرا وَقتل فِي سرايه بعد ذَلِك بِقَلِيل واقيم بعده مَحْمُود الثَّانِي

стр. 351

٣٠ - السُّلْطَان الْغَازِي مَحْمُود خَان الثَّانِي ابْن السُّلْطَان عبد الحميد الاول ولد فِي ١٣ رَمَضَان سنة ١١٩٩ ٢٠ يوليو سنة ١٧٨٥ وافتتح اعماله بِأَن قلد مصطفى باشا البيرقدار منصب الصدارة الْعُظْمَى ووكل اليه امْر تنظيم الانكشارية واجبارهم على اتِّبَاع نظاماتهم الْقَدِيمَة المسنونة من عهد السُّلْطَان سُلَيْمَان القانوني واهملت شَيْئا فَشَيْئًا فَبعد أَن انتقم البيرقدار مِمَّن قاوموه عِنْد ارجاع السُّلْطَان سليم وَكَانُوا سَببا فِي قَتله استدعى جَمِيع ذَوَات الدولة ووزرائها واعيانها لمجلس حافل وَلما لبوا دَعوته قَامَ فيهم خَطِيبًا واظهر لَهُم مَا كَانَت عَلَيْهِ حَالَة الانكشارية وَمَا وصلت اليه وَمَا يجب أَن تكون عَلَيْهِ من النظام وضرورة تقليدهم الاسلحة النارية المخترعة حَدِيثا وَالَّتِي كَانَ اسْتِعْمَالهَا فِي جيوش الروسيا سَبَب انتصاراتهم الاخيرة على جيوش الدولة ثمَّ ختم كَلَامه بِأَن عرض عَلَيْهِم عدَّة اقتراحات مهمة مِنْهَا الزامهم بملازمة ثكناتهم العسكرية خُصُوصا غير المتزوجين مِنْهُم وَقطع علائف ومرتبات الساكنين خَارِجا عَنْهَا وَجعل تمرينهم على التعليمات العسكرية المسنونة فِي قانون السُّلْطَان سُلَيْمَان الزاميا وتسليحهم بالاسلحة الجديدة النارية وتمرينهم على الاصول العسكرية الجديدة المستعملة فِي جيوش اوروبا وَالَّتِي اكسبتهم قُوَّة عَظِيمَة وَغير ذَلِك من الاصلاحات والترتيبات الَّتِي لَو اتبعت لاصبح جَيش الانكشارية اقوى جيوش الْعَالم كَمَا كَانَ فِي بادئ الامر قبل تسلطن الْخلَل عَلَيْهِ وتدخله فِي الامور الداخلية والخارجية وَنصب الوزراء والملوك وعزلهم بِلَا حق مُطلقًا فَأقر الْجَمِيع على كل مَا جَاءَ فِي مَشْرُوع البيرقدار وحرروا محضرا بذلك ثمَّ لم يكتف هُوَ بذلك بل استحصل على فَتْوَى بضرورة تَنْفِيذ نظامات الانكشارية

стр. 352

بِكُل صرامة واصدر اوامره بذلك وادخل اغلب ضباط الجيوش المنتظمة الَّتِي امْر بابطالها فِي جَيش الانكشارية بالوظائف الْعَالِيَة فَأخذُوا تَنْفِيذ رغائبه بِكُل اعتناء وَشدَّة فاغتاظ الانكشارية لذَلِك واتحدوا على مقاومته وتضافروا على الايقاع بِهِ وَلم يكن للبيرقدار معِين فِي تَنْفِيذ قَرَار الجمعية الا سِتَّة عشر الف مقَاتل اتت مَعَه من روستجق وَثَلَاثَة آلَاف جندي تَحت قيادة عبد الرَّحْمَن باشا رَئِيس الْجنُود المنتظمة سَابِقًا وَبَعض سفن حربية تَحت امرة امير الْبَحْر رامز باشا ثمَّ لم يمض قَلِيل حَتَّى سَارُوا إِلَى فيليبه واظهروا التمرد والعصيان فارسل البيرقدار اثْنَي عشر الف مقَاتل من جيوشه لمحاربتهم وَلم يبْق الا اربعة آلَاف وَالثَّلَاثَة آلَاف الْقَائِد لَهُم عبد الرَّحْمَن باشا وَلذَلِك انتهز الانكشارية هَذِه الفرصة وَقَامُوا كَرجل وَاحِد فِي ٢٧ رَمَضَان سنة ١٢٢٣ ١٦ نوفمبر سنة ١٨٠٨ وَسَارُوا إِلَى سراي السُّلْطَان مصطفى بِقصد ارجاعه إِلَى عرش الْحُكُومَة فاعترضهم البيرقدار وقومهم مقاومة عنيفة وَلما احس بِأَن الضعْف قد دَاخل جيوشه وخشي من فوز الثائرين وعزل السُّلْطَان مَحْمُود أَمر بقتل مصطفى الرَّابِع وإلقاء جثته للثائرين كَمَا فعل مصطفى الرَّابِع مَعَ السُّلْطَان سليم الثَّالِث فَلَمَّا رأى الانكشارية جثة السُّلْطَان مصطفى زادوا هياجا واضرموا النَّار فِي السراي الملوكية لكَي يلجئوا البيرقدار على الْفِرَار مِنْهَا لَكِن فضل الصَّدْر الاعظم الْمَوْت على التَّسْلِيم لهَذِهِ الفئة الباغية والانصياع لطلباتها وَبَقِي يدافع هُوَ وَمن مَعَه حَتَّى مَاتَ حرقا وَيُقَال إِنَّه تحصن فِي اُحْدُ الابراج ثمَّ اشعل مَا كَانَ بِهِ من البارود وَمَات هُوَ وَمن مَعَه تَحت انقاضه وَلَو صحت هَذِه الرِّوَايَة أَو تِلْكَ فكلتاهما تشهدان على مَا كَانَ متصفا بِهِ من الشهامة والشجاعة وَأَنه يخْدم مبدأ لَا شخصا وَهَذَا المبدأ هُوَ اصلاح الجندية وتدريبها على النظامات المستحدثة لتحققه أَن الانكشارية مهما كَانَت قوتهم ومنعتهم لَا يقوون على الثَّبَات امام الجيوش المنتظمة المتقلدة اجود الاسلحة واتقنها هَذَا وَفِي اثناء دفاع البيرقدار كَانَ امير الْبَحْر رامز باشا قد احضر ثَلَاث سفن حربية واوقفها بممر البوسفور وسلط مدافعها على ثكنات الانكشارية ثمَّ نزل إِلَى الْبر مَعَ فريق من البحارة والمدفعية وَسَار بهم لمساعدة البيرقدار

стр. 353

بَيْنَمَا كَانَ عبد الرَّحْمَن باشا آتِيَا مَعَ فرقته الْمُؤَلّفَة من ثَلَاثَة آلَاف جندي لمؤازرة الْوَزير لَكِن كَانَ قد سبق السَّيْف العذل وَقتل مصطفى باشا البيرقدار الا أَن رامز باشا وَعبد الرَّحْمَن باشا وَمن مَعَهُمَا مَا فتؤا يُقَاتلُون الانكشارية حَتَّى انْهَزمُوا امامهم فِي جَمِيع الْجِهَات بعد أَن اسْتمرّ اطلاق البنادق والمدافع فِي الاستانة طول الْيَوْم وَفِي آخر النَّهَار ارتأى رامز باشا البحري الْعَفو عَن الثائرين جَمِيعًا لَو القوا سِلَاحهمْ وسلموا انفسهم لرحمة السُّلْطَان فَلم يُوَافقهُ عبد الرَّحْمَن باشا بل اراد اتِّخَاذ هَذِه الثورة وَسِيلَة لاعدام الانكشارية وابطال طائفتهم كُلية وَوَافَقَهُ السُّلْطَان مَحْمُود على ذَلِك وَبِنَاء على هَذَا الْقَرار سَارَتْ جيوش السُّلْطَان فِي صَبِيحَة الْيَوْم التَّالِي تتقدمها المدافع تقذف الصَّوَاعِق على الانكشارية من كل صوب وحدب وَلما رأى الثائرون أَن لَا مناص لَهُم من الْهَلَاك اضرموا النَّار فِي جَمِيع جَوَانِب الْمَدِينَة وَلما كَانَت اغلب اماكنها من الْخشب علا لهيب النيرَان وَكَاد الْحَرِيق يلتهمها بأجمعها فاضطر السُّلْطَان للاذعان لطلبات الانكشارية حَتَّى يُمكنهُ انقاذ الْمَدِينَة من الدمار العاجل مُؤَجّلا ابطال هَذِه الفئة الْمفْسدَة إِلَى فرْصَة اخرى وبذل جهده فِي اخماد النيرَان الَّتِي كَادَت تلتهم الْمَدِينَة بأسرها لَو لم يتداركها السُّلْطَان ممود بِحِكْمَتِهِ وَاسْتمرّ الانكشارية فِي ثورتهم وهيجانهم معاهدة بخارست مَعَ الروسيا وَبعد انْتِهَاء هَذِه الفئة وَجه السُّلْطَان اهتمامه لاصلاح الشؤون الداخلية والاستعداد لاهلاك طَائِفَة الانكشارية وللتفرغ لذَلِك عقد الصُّلْح مَعَ دولة الانكليز فِي ٢٤ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٢٤ ٨ يوليو سنة ١٨٠٩ وافتتح المخابرات مَعَ الروسيا بِدُونِ أَن يتَوَصَّل إِلَى اتِّفَاق مرض للطرفين فاستؤنفت الحركات العدوانية ودارت رحى الْحَرْب بَين الجيشين وَكَانَت نتيجتها أَن انهزم الصَّدْر الاعظم ضيا يُوسُف باشا الَّذِي عين فِي هَذَا المنصب الرفيع بعد موت مصطفى باشا البيرقدار مَعَ أَنه هُوَ الَّذِي انتصر الفرنساويون عَلَيْهِ بِمصْر بِالْقربِ من المطرية سنة ١٧٩٩ وَهَذَا مِمَّا يدل على عدم المامه بفنون الْحَرْب وَاسْتولى الروس على

стр. 354

مَدَائِن اسماعيل وسلستريه وروستجق ونيكوبلي وبازارجق فِي سنتي ١٨٠٩ و ١٨١٠ ثمَّ عزل وَتَوَلَّى مَكَانَهُ من يدعى احْمَد باشا وَهُوَ سَار إِلَى الروس فِي سِتِّينَ الف مقَاتل فِي سنة ١٨١١ وانتصر عَلَيْهِم واضطرهم لاخلاء مَدِينَة روستجق فأخلوها فِي ١٣ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٢٢٦ ٥ يوليو من السّنة الْمَذْكُورَة مكرهين بعد أَن هدموا قلاعها واسوارها بالالغام واضرموا النَّار فِي منازلها وعبروا نهر الطونة رَاجِعين إِلَى شاطئه الايسر فَتَبِعهُمْ احْمَد باشا بجيوشه وَبعد عدَّة وقائع لَا حَاجَة لذكرها تَفْصِيلًا عَاد الروس فاحتلوا روستجق ثَانِيَة وَفِي هَذِه الاثناء فترت العلاقات بَين الروسيا ونابليون لعدم تَنْفِيذ شُرُوط معاهدة تلسيت وَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا قاب قوسين أَو ادنى فسعت الروسيا فِي مصالحة الدولة وَلعدم وقُوف وزراء الدولة على ماجريات الامور السياسية باوروبا قبلوا افْتِتَاح المخابرات وعينت الدولة مندوبين من قبلهَا اجْتَمعُوا مَعَ مندوبي الروسيا فِي مَدِينَة بخارست وَبعد مداولات طَوِيلَة توصل الْفَرِيقَانِ إِلَى امضاء معاهدة عرفت فِي التَّارِيخ باسم معاهدة بخارست امضيت فِي ١٦ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٢٧ ٢٨ مايو سنة ١٨١٢ اهم شُرُوطهَا بَقَاء ولايتي الافلاق والبغدان تابعتين للدولة وَرُجُوع الصرب إِلَى حوزتها مَعَ بعض امتيازات قَليلَة الاهمية عديمة الجدوى وحفظت الروسيا لنَفسهَا اقليم بساربيا وَاحِد مصبات الدانوب وَلَقَد اعْتبرت فرنسا هَذِه المعاهدة خِيَانَة من الدولة للروابط الْقَدِيمَة الْمَوْجُودَة بَين الدولتين إِذْ بابرامها تمكنت الروسيا من اسْتِعْمَال الجيوش الَّتِي كَانَت مشتغلة بمحاربة العثمانيين فِي صد اغارات فرنسا عَن بلادها والزام نابليون الْقَهْقَرَى بعد حرق مَدِينَة موسكو واهلاك اغلب جيوشه عِنْد عبورهم نهر بيريزينا عائدين إِلَى بِلَادهمْ مكسورين مدحورين ونسى نابليون أَن الدولة لم تأت امرا جَدِيدا بل اقتدت بِمَا فعله هُوَ فِي تلسيت من التخلي عَنْهَا والزامها على ايقاف

стр. 355

الْحَرْب فضلا عَمَّا جَاءَ بمعاهدة تلسيت من الشُّرُوط السّريَّة القاضية بتجزئة الدولة الْعلية الامر الَّذِي كَاد يخرج من حيّز الْفِكر إِلَى حيّز الْوُجُود لَوْلَا طلب القيصر اسكندر الاول ضم مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَيْهِ ليَكُون لَهُ بوغاز البوسفور والدردنيل وبالتالي مَفَاتِيح اوروبا بل مَفَاتِيح الْعَالم بأسره وَعدم قبُول نابليون بذلك خوفًا على مَمْلَكَته الشاسعة من تعدِي الروس وَمن الْغَرِيب أَن جَمِيع دوَل اوروبا لَا تأنف من اسْتِعْمَال انواع الْغِشّ والخديعة فِي سياستهم حَتَّى صَارَت لَفْظَة سياسية عِنْدهم مرادفة للكذب والمين والتظاهر بِغَيْر الْحَقَائِق وَلَو عاملتهم احدى الدولة الشرقية لَا بِمثل هَذِه السياسة الَّتِي يتبرأ من الشرقيون بل بالصداقة مَعَ الْمُحَافظَة على الْحُقُوق فَمَا دَامَ حَقنا منافيا كَمَا هُوَ الْغَالِب لمطامعهم فِي بِلَادنَا رمونا بِمَا اتصفوا بِهِ وَنحن بُرَآء مِنْهُ هَذَا وَلما بلغ رُؤَسَاء ثورة الصرب خبر معاهدة بخارست القاضية بارجاعهم إِلَى سلطة الدولة الْعلية الْمُطلقَة بعد مَا بذلوه من الاموال والارواح فِي اعطائهم نوعا من الِاسْتِقْلَال الاداري ووعد قَيْصر الروسيا بمساعدتهم احتدموا غيظا وَلم يقبلُوا الرُّجُوع إِلَى حالتهم الاصلية وآثروا الفناء فِي الدفاع عَن استقلالهم فسيرت الدولة اليهم الجيوش فأخضعتهم إِلَى سلطانها قهرا وَعَاد الموظفون العثمانيون إِلَى مراكزهم كَمَا كَانُوا قبل الثورة واسترجع جنود السباه اقطاعاتهم الاصلية فَهَاجَرَ زعماء الثورة إِلَى النمسا والمجر منتظرين اول فرْصَة لاهاجة الامة ثَانِيَة طلبا للاستقلال الا احدهم الْمَدْعُو ميلوش اوبرينوفتش فانه بَقِي فِي بِلَاده واظهر الْوَلَاء للدولة حَتَّى عينته بوظيفة شيخ بلد لاحدى الْقرى وظل يهيج افكار الاهالي على الثورة ويبث فيهم روح الْحُرِّيَّة حَتَّى إِذا انس مِنْهُم الاستعداد للْقِيَام كَرجل وَاحِد انتهز فرْصَة عيد الزَّحْف فِي سنة ١٨١٥ الَّذِي يحتفل بِهِ المسيحيون
следующие страницы →