Полный текст (661 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
٣٠
- السُّلْطَان الْغَازِي مَحْمُود خَان الثَّانِي
ابْن السُّلْطَان عبد الحميد الاول ولد فِي ١٣ رَمَضَان سنة ١١٩٩ ٢٠ يوليو سنة ١٧٨٥ وافتتح اعماله بِأَن قلد مصطفى باشا البيرقدار منصب الصدارة الْعُظْمَى ووكل اليه امْر تنظيم الانكشارية واجبارهم على اتِّبَاع نظاماتهم الْقَدِيمَة المسنونة من عهد السُّلْطَان سُلَيْمَان القانوني واهملت شَيْئا فَشَيْئًا فَبعد أَن انتقم البيرقدار مِمَّن قاوموه عِنْد ارجاع السُّلْطَان سليم وَكَانُوا سَببا فِي قَتله استدعى جَمِيع ذَوَات الدولة ووزرائها واعيانها لمجلس حافل وَلما لبوا دَعوته قَامَ فيهم خَطِيبًا واظهر لَهُم مَا كَانَت عَلَيْهِ حَالَة الانكشارية وَمَا وصلت اليه وَمَا يجب أَن تكون عَلَيْهِ من النظام وضرورة تقليدهم الاسلحة النارية المخترعة حَدِيثا وَالَّتِي كَانَ اسْتِعْمَالهَا فِي جيوش الروسيا سَبَب انتصاراتهم الاخيرة على جيوش الدولة ثمَّ ختم كَلَامه بِأَن عرض عَلَيْهِم عدَّة اقتراحات مهمة مِنْهَا الزامهم بملازمة ثكناتهم العسكرية خُصُوصا غير المتزوجين مِنْهُم وَقطع علائف ومرتبات الساكنين خَارِجا عَنْهَا وَجعل تمرينهم على التعليمات العسكرية المسنونة فِي قانون السُّلْطَان سُلَيْمَان الزاميا وتسليحهم بالاسلحة الجديدة النارية وتمرينهم على الاصول العسكرية الجديدة المستعملة فِي جيوش اوروبا وَالَّتِي اكسبتهم قُوَّة عَظِيمَة وَغير ذَلِك من الاصلاحات والترتيبات الَّتِي لَو اتبعت لاصبح جَيش الانكشارية اقوى جيوش الْعَالم كَمَا كَانَ فِي بادئ الامر قبل تسلطن الْخلَل عَلَيْهِ وتدخله فِي الامور الداخلية والخارجية وَنصب الوزراء والملوك وعزلهم بِلَا حق مُطلقًا فَأقر الْجَمِيع على كل مَا جَاءَ فِي مَشْرُوع البيرقدار وحرروا محضرا بذلك ثمَّ لم يكتف هُوَ بذلك بل استحصل على فَتْوَى بضرورة تَنْفِيذ نظامات الانكشارية
стр. 352
بِكُل صرامة واصدر اوامره بذلك وادخل اغلب ضباط الجيوش المنتظمة الَّتِي امْر بابطالها فِي جَيش الانكشارية بالوظائف الْعَالِيَة فَأخذُوا تَنْفِيذ رغائبه بِكُل اعتناء وَشدَّة فاغتاظ الانكشارية لذَلِك واتحدوا على مقاومته وتضافروا على الايقاع بِهِ وَلم يكن للبيرقدار معِين فِي تَنْفِيذ قَرَار الجمعية الا سِتَّة عشر الف مقَاتل اتت مَعَه من روستجق وَثَلَاثَة آلَاف جندي تَحت قيادة عبد الرَّحْمَن باشا رَئِيس الْجنُود المنتظمة سَابِقًا وَبَعض سفن حربية تَحت امرة امير الْبَحْر رامز باشا
ثمَّ لم يمض قَلِيل حَتَّى سَارُوا إِلَى فيليبه واظهروا التمرد والعصيان فارسل البيرقدار اثْنَي عشر الف مقَاتل من جيوشه لمحاربتهم وَلم يبْق الا اربعة آلَاف وَالثَّلَاثَة آلَاف الْقَائِد لَهُم عبد الرَّحْمَن باشا وَلذَلِك انتهز الانكشارية هَذِه الفرصة وَقَامُوا كَرجل وَاحِد فِي ٢٧ رَمَضَان سنة ١٢٢٣ ١٦ نوفمبر سنة ١٨٠٨ وَسَارُوا إِلَى سراي السُّلْطَان مصطفى بِقصد ارجاعه إِلَى عرش الْحُكُومَة فاعترضهم البيرقدار وقومهم مقاومة عنيفة وَلما احس بِأَن الضعْف قد دَاخل جيوشه وخشي من فوز الثائرين وعزل السُّلْطَان مَحْمُود أَمر بقتل مصطفى الرَّابِع وإلقاء جثته للثائرين كَمَا فعل مصطفى الرَّابِع مَعَ السُّلْطَان سليم الثَّالِث فَلَمَّا رأى الانكشارية جثة السُّلْطَان مصطفى زادوا هياجا واضرموا النَّار فِي السراي الملوكية لكَي يلجئوا البيرقدار على الْفِرَار مِنْهَا لَكِن فضل الصَّدْر الاعظم الْمَوْت على التَّسْلِيم لهَذِهِ الفئة الباغية والانصياع لطلباتها وَبَقِي يدافع هُوَ وَمن مَعَه حَتَّى مَاتَ حرقا وَيُقَال إِنَّه تحصن فِي اُحْدُ الابراج ثمَّ اشعل مَا كَانَ بِهِ من البارود وَمَات هُوَ وَمن مَعَه تَحت انقاضه وَلَو صحت هَذِه الرِّوَايَة أَو تِلْكَ فكلتاهما تشهدان على مَا كَانَ متصفا بِهِ من الشهامة والشجاعة وَأَنه يخْدم مبدأ لَا شخصا وَهَذَا المبدأ هُوَ اصلاح الجندية وتدريبها على النظامات المستحدثة لتحققه أَن الانكشارية مهما كَانَت قوتهم ومنعتهم لَا يقوون على الثَّبَات امام الجيوش المنتظمة المتقلدة اجود الاسلحة واتقنها
هَذَا وَفِي اثناء دفاع البيرقدار كَانَ امير الْبَحْر رامز باشا قد احضر ثَلَاث سفن حربية واوقفها بممر البوسفور وسلط مدافعها على ثكنات الانكشارية ثمَّ نزل إِلَى الْبر مَعَ فريق من البحارة والمدفعية وَسَار بهم لمساعدة البيرقدار
стр. 353
بَيْنَمَا كَانَ عبد الرَّحْمَن باشا آتِيَا مَعَ فرقته الْمُؤَلّفَة من ثَلَاثَة آلَاف جندي لمؤازرة الْوَزير لَكِن كَانَ قد سبق السَّيْف العذل وَقتل مصطفى باشا البيرقدار الا أَن رامز باشا وَعبد الرَّحْمَن باشا وَمن مَعَهُمَا مَا فتؤا يُقَاتلُون الانكشارية حَتَّى انْهَزمُوا امامهم فِي جَمِيع الْجِهَات بعد أَن اسْتمرّ اطلاق البنادق والمدافع فِي الاستانة طول الْيَوْم وَفِي آخر النَّهَار ارتأى رامز باشا البحري الْعَفو عَن الثائرين جَمِيعًا لَو القوا سِلَاحهمْ وسلموا انفسهم لرحمة السُّلْطَان فَلم يُوَافقهُ عبد الرَّحْمَن باشا بل اراد اتِّخَاذ هَذِه الثورة وَسِيلَة لاعدام الانكشارية وابطال طائفتهم كُلية وَوَافَقَهُ السُّلْطَان مَحْمُود على ذَلِك
وَبِنَاء على هَذَا الْقَرار سَارَتْ جيوش السُّلْطَان فِي صَبِيحَة الْيَوْم التَّالِي تتقدمها المدافع تقذف الصَّوَاعِق على الانكشارية من كل صوب وحدب وَلما رأى الثائرون أَن لَا مناص لَهُم من الْهَلَاك اضرموا النَّار فِي جَمِيع جَوَانِب الْمَدِينَة وَلما كَانَت اغلب اماكنها من الْخشب علا لهيب النيرَان وَكَاد الْحَرِيق يلتهمها بأجمعها فاضطر السُّلْطَان للاذعان لطلبات الانكشارية حَتَّى يُمكنهُ انقاذ الْمَدِينَة من الدمار العاجل مُؤَجّلا ابطال هَذِه الفئة الْمفْسدَة إِلَى فرْصَة اخرى وبذل جهده فِي اخماد النيرَان الَّتِي كَادَت تلتهم الْمَدِينَة بأسرها لَو لم يتداركها السُّلْطَان ممود بِحِكْمَتِهِ وَاسْتمرّ الانكشارية فِي ثورتهم وهيجانهم
معاهدة بخارست مَعَ الروسيا
وَبعد انْتِهَاء هَذِه الفئة وَجه السُّلْطَان اهتمامه لاصلاح الشؤون الداخلية والاستعداد لاهلاك طَائِفَة الانكشارية وللتفرغ لذَلِك عقد الصُّلْح مَعَ دولة الانكليز فِي ٢٤ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٢٤ ٨ يوليو سنة ١٨٠٩ وافتتح المخابرات مَعَ الروسيا بِدُونِ أَن يتَوَصَّل إِلَى اتِّفَاق مرض للطرفين فاستؤنفت الحركات العدوانية ودارت رحى الْحَرْب بَين الجيشين وَكَانَت نتيجتها أَن انهزم الصَّدْر الاعظم ضيا يُوسُف باشا الَّذِي عين فِي هَذَا المنصب الرفيع بعد موت مصطفى باشا البيرقدار مَعَ أَنه هُوَ الَّذِي انتصر الفرنساويون عَلَيْهِ بِمصْر بِالْقربِ من المطرية سنة ١٧٩٩ وَهَذَا مِمَّا يدل على عدم المامه بفنون الْحَرْب وَاسْتولى الروس على
стр. 354
مَدَائِن اسماعيل وسلستريه وروستجق ونيكوبلي وبازارجق فِي سنتي ١٨٠٩ و ١٨١٠ ثمَّ عزل وَتَوَلَّى مَكَانَهُ من يدعى احْمَد باشا وَهُوَ سَار إِلَى الروس فِي سِتِّينَ الف مقَاتل فِي سنة ١٨١١ وانتصر عَلَيْهِم واضطرهم لاخلاء مَدِينَة روستجق فأخلوها فِي ١٣ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٢٢٦ ٥ يوليو من السّنة الْمَذْكُورَة مكرهين بعد أَن هدموا قلاعها واسوارها بالالغام واضرموا النَّار فِي منازلها وعبروا نهر الطونة رَاجِعين إِلَى شاطئه الايسر فَتَبِعهُمْ احْمَد باشا بجيوشه وَبعد عدَّة وقائع لَا حَاجَة لذكرها تَفْصِيلًا عَاد الروس فاحتلوا روستجق ثَانِيَة
وَفِي هَذِه الاثناء فترت العلاقات بَين الروسيا ونابليون لعدم تَنْفِيذ شُرُوط معاهدة تلسيت وَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا قاب قوسين أَو ادنى فسعت الروسيا فِي مصالحة الدولة وَلعدم وقُوف وزراء الدولة على ماجريات الامور السياسية باوروبا قبلوا افْتِتَاح المخابرات وعينت الدولة مندوبين من قبلهَا اجْتَمعُوا مَعَ مندوبي الروسيا فِي مَدِينَة بخارست وَبعد مداولات طَوِيلَة توصل الْفَرِيقَانِ إِلَى امضاء معاهدة عرفت فِي التَّارِيخ باسم معاهدة بخارست امضيت فِي ١٦ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٢٧ ٢٨ مايو سنة ١٨١٢ اهم شُرُوطهَا بَقَاء ولايتي الافلاق والبغدان تابعتين للدولة وَرُجُوع الصرب إِلَى حوزتها مَعَ بعض امتيازات قَليلَة الاهمية عديمة الجدوى وحفظت الروسيا لنَفسهَا اقليم بساربيا وَاحِد مصبات الدانوب
وَلَقَد اعْتبرت فرنسا هَذِه المعاهدة خِيَانَة من الدولة للروابط الْقَدِيمَة الْمَوْجُودَة بَين الدولتين إِذْ بابرامها تمكنت الروسيا من اسْتِعْمَال الجيوش الَّتِي كَانَت مشتغلة بمحاربة العثمانيين فِي صد اغارات فرنسا عَن بلادها والزام نابليون الْقَهْقَرَى بعد حرق مَدِينَة موسكو واهلاك اغلب جيوشه عِنْد عبورهم نهر بيريزينا عائدين إِلَى بِلَادهمْ مكسورين مدحورين ونسى نابليون أَن الدولة لم تأت امرا جَدِيدا بل اقتدت بِمَا فعله هُوَ فِي تلسيت من التخلي عَنْهَا والزامها على ايقاف
стр. 355
الْحَرْب فضلا عَمَّا جَاءَ بمعاهدة تلسيت من الشُّرُوط السّريَّة القاضية بتجزئة الدولة الْعلية الامر الَّذِي كَاد يخرج من حيّز الْفِكر إِلَى حيّز الْوُجُود لَوْلَا طلب القيصر اسكندر الاول ضم مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَيْهِ ليَكُون لَهُ بوغاز البوسفور والدردنيل وبالتالي مَفَاتِيح اوروبا بل مَفَاتِيح الْعَالم بأسره وَعدم قبُول نابليون بذلك خوفًا على مَمْلَكَته الشاسعة من تعدِي الروس
وَمن الْغَرِيب أَن جَمِيع دوَل اوروبا لَا تأنف من اسْتِعْمَال انواع الْغِشّ والخديعة فِي سياستهم حَتَّى صَارَت لَفْظَة سياسية عِنْدهم مرادفة للكذب والمين والتظاهر بِغَيْر الْحَقَائِق وَلَو عاملتهم احدى الدولة الشرقية لَا بِمثل هَذِه السياسة الَّتِي يتبرأ من الشرقيون بل بالصداقة مَعَ الْمُحَافظَة على الْحُقُوق فَمَا دَامَ حَقنا منافيا كَمَا هُوَ الْغَالِب لمطامعهم فِي بِلَادنَا رمونا بِمَا اتصفوا بِهِ وَنحن بُرَآء مِنْهُ
هَذَا وَلما بلغ رُؤَسَاء ثورة الصرب خبر معاهدة بخارست القاضية بارجاعهم إِلَى سلطة الدولة الْعلية الْمُطلقَة بعد مَا بذلوه من الاموال والارواح فِي اعطائهم نوعا من الِاسْتِقْلَال الاداري ووعد قَيْصر الروسيا بمساعدتهم احتدموا غيظا وَلم يقبلُوا الرُّجُوع إِلَى حالتهم الاصلية وآثروا الفناء فِي الدفاع عَن استقلالهم فسيرت الدولة اليهم الجيوش فأخضعتهم إِلَى سلطانها قهرا وَعَاد الموظفون العثمانيون إِلَى مراكزهم كَمَا كَانُوا قبل الثورة واسترجع جنود السباه اقطاعاتهم الاصلية فَهَاجَرَ زعماء الثورة إِلَى النمسا والمجر منتظرين اول فرْصَة لاهاجة الامة ثَانِيَة طلبا للاستقلال الا احدهم الْمَدْعُو ميلوش اوبرينوفتش فانه بَقِي فِي بِلَاده واظهر الْوَلَاء للدولة حَتَّى عينته بوظيفة شيخ بلد لاحدى الْقرى وظل يهيج افكار الاهالي على الثورة ويبث فيهم روح الْحُرِّيَّة حَتَّى إِذا انس مِنْهُم الاستعداد للْقِيَام كَرجل وَاحِد انتهز فرْصَة عيد الزَّحْف فِي سنة ١٨١٥ الَّذِي يحتفل بِهِ المسيحيون
стр. 356
فِي يَوْم الاحد السَّابِق لعيد الفصح حَيْثُ كَانَ جَمِيع اهالي قريته والقرى المحاورة مُجْتَمعين وَنشر بَينهم لِوَاء الْعِصْيَان ودعاهم إِلَى الثورة فلبوه مُسْرِعين وانضم اليهم جَمِيع الاهالي وَعَاد الْمُهَاجِرُونَ إِلَى اوطانهم وامتد الْعِصْيَان فِي جَمِيع انحاء بِلَاد الصرب
وَبعد أَن اسْتمرّ الْقِتَال سجالا بَينهم وَبَين الجيوش العثمانية نَحْو السنتين قبل ميلوش اوبرينوفتش بالنيابة عَن الامة الصربية الرُّجُوع إِلَى سُلْطَان الدولة بِشَرْط أَن لَا تتداخل فِي شؤونهم الداخلية وَلَا فِي تَحْصِيل الضرائب بل يعين لادارة الْبِلَاد وتوزيع الضرائب وتحصيلها مجْلِس مؤلف من اثْنَي عشر عضوا ينتخبهم الاهالي من اعيان الامة وهم ينتخبون رَئِيسا لَهُم من بَينهم يكون كحاكم عمومي وتكتفي الدولة بالمراقبة واحتلال الْحُصُون والقلاع فَقبل الْبَاب العالي هَذِه الشُّرُوط وَعين من يدعى مرعشلي باشا واليا للصرب واعطيت اليه تعليمات شَدِيدَة تقضي عَلَيْهِ بمعاملة الصربيين بالرفق واللين كي يحافظوا على وَلَاء الدولة وَلَا يسعوا فِي فَصم مَا بَقِي بَينهمَا من عرى التابعية سنة ١٨١٧ ثمَّ عين ميلوش اوبرينوفتش رَئِيسا لمجلس الصرب الَّذِي يمكننا أَن نُسَمِّيه من الْآن مجْلِس نوابهم واطلقوا عَلَيْهِ اسْم سوبرانيا وَصَارَت الصرب مُسْتَقلَّة تَقْرِيبًا واستبد ميلوش كملك مُطلق التَّصَرُّف لَا سلطة للوالي العثماني عَلَيْهِ مُطلقًا اكْتِفَاء باحتلال الْحُصُون والقلاع وَلم يكن لَهُ منافس فِي السلطة الا قره جورج اكبر زعماء الثورة الَّذِي هَاجر إِلَى بِلَاد الروسيا فَأكْرم القيصر مثواه ومنحه رُتْبَة جنرال عسكري ونشان سانت آن وَلذَلِك خشِي ميلوش من نُفُوذه ومساعدة الروسيا لَهُ فأصر على قَتله وتربص لَهُ حَتَّى إِذا حضر مختفيا إِلَى بِلَاد الصرب قَاصِدا بِلَاد اليونان بِنَاء على طلب زعمائها ارسل إِلَيْهِ ميلوش من قَتله ثمَّ ارسل رَأسه إِلَى الاستانة عَلامَة على حسن ولائه واخلاصه للدولة الْعلية صَاحِبَة السِّيَادَة الاسمية على بِلَاده
стр. 357
الوهابيون ومذهبهم
الوهابيون قوم من الْعَرَب اتبعُوا طَريقَة عبد الْوَهَّاب وَهُوَ رجل ولد بالدرعية بِأَرْض الْعَرَب من بِلَاد الْحجاز كَانَ من وَقت صغره تظهر عَلَيْهِ النجابة وعلو الهمة وَالْكَرم وشب على ذَلِك واشتهر بالمكارم عِنْد كل من يلوذ بِهِ
وَبعد أَن درس مَذْهَب ابي حنيفَة فِي بِلَاده سَافر إِلَى اصفهان ولاذ بعلمائها واخذ عَنْهُم حَتَّى اتسعت معلوماته فِي فروع الشَّرِيعَة وخصوصا فِي تَفْسِير الْقُرْآن ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده فِي سنة ١١٧١ هجرية فَأخذ يُقرر مَذْهَب ابي حنيفَة مُدَّة ثمَّ ادته المعيته إِلَى الِاجْتِهَاد والاستقلال فانشأ مذهبا مُسْتقِلّا لتلامذته فَاتَّبعُوهُ واكبوا عَلَيْهِ وَدخل النَّاس فِيهِ بِكَثْرَة وشاع امْرَهْ فِي نجد والاحساء والقطيف وَكثير من بِلَاد الْعَرَب مثل عمان وَبني عتبَة من ارْض السّمن وَلم يزل امرهم شَائِعا ومذهبهم متزايدا إِلَى أَن قيض الله لَهُم عَزِيز مصر مُحَمَّد عَليّ باشا فأطفأ سراجهم فِي سنة ١٢٣٢ وَكسر شوكتهم واخفى ذكرهم وهاك رِسَالَة من كَلَامهم تدل على بعض مَذْهَبهم ومعتقداتهم وَهِي منقولة حرفيا من الْجُزْء الثَّانِي عشر صحيفَة ٨٣ من كتاب الخطط الجديدة التوفيقية تأليف الْعَالم الْعَلامَة فقيد الوطن المرحوم عَليّ مبارك باشا المتوفي لَيْلَة الثَّلَاث ٥ جُمَادَى الاولى سنة ١٣١١ ١٤ نوفمبر سنة ١٨٩٣
اعْمَلُوا رحمكم الله أَن الحنيفية مِلَّة ابراهيم أَن نعْبد الله مخلصا لَهُ الدّين وَبِذَلِك امْر جَمِيع النَّاس وخلقهم لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون﴾ فَإِذا عرفت أَن الله خلق الْعباد لِلْعِبَادَةِ فَاعْلَم أَن الْعِبَادَة لَا تسمى عبَادَة الا مَعَ التَّوْحِيد كَمَا أَن الصَّلَاة لَا تسمى صَلَاة الا مَعَ الطَّهَارَة فَإِذا دخل الشّرك فِي الْعِبَادَة فَسدتْ كالحدث إِذا دخل فِي الطَّهَارَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ﴾
стр. 358
فَمن دَعَا غير طَالب مِنْهُ مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الا الله من جلب خير اَوْ دفع ضرّ اشرك فِي الْعِبَادَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أضلّ مِمَّن يَدْعُو من دون الله من لَا يستجيب لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وهم عَن دُعَائِهِمْ غافلون وَإِذا حشر النَّاس كَانُوا لَهُم أَعدَاء وَكَانُوا بعبادتهم كَافِرين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين تدعون من دونه مَا يملكُونَ من قطمير إِن تدعوهم لَا يسمعوا دعاءكم وَلَو سمعُوا مَا اسْتَجَابُوا لكم وَيَوْم الْقِيَامَة يكفرون بشرككم وَلَا ينبئك مثل خَبِير﴾ فاخبر ﵎ أَن دُعَاء غير الله شرك فَمن قَالَ يَا رَسُول الله أَو يَا ابْن عَبَّاس أَو يَا عبد الْقَادِر زاعما أَنه بَاب حَاجته إِلَى الله وشفيعه عِنْده ووسيلته اليه فَهُوَ الْمُشرك الَّذِي يهدر دَمه وَمَاله الا أَن يَتُوب من ذَلِك وَكَذَلِكَ الَّذين يحلفُونَ بِغَيْر الله أَو الَّذِي يتوكل على غير الله أَو يَرْجُو غير الله أَو يخَاف وُقُوع الشَّرّ من غير الله أَو يلتجئ إِلَى غير الله أَو يَسْتَعِين بِغَيْر الله فِيمَا لَا يقدر عَلَيْهِ الا الله فَهُوَ ايضا مُشْرك وَمَا ذكرنَا من أَنْوَاع هُوَ الَّذِي قَالَ الله فِيهِ إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَهُوَ الَّذِي قَاتل رَسُول الله الْمُشْركين عَلَيْهِ وَأمرهمْ باخلاص الْعِبَادَة كلهَا لله تَعَالَى وَيصِح ذَلِك أَي التشنيع عَلَيْهِم بِمَعْرِِفَة ارْبَعْ قَوَاعِد ذكرهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه اولها أَن تعلم أَن الْكفَّار الَّذين قَاتلهم رَسُول الله يقرونَ أَن الله هُوَ الْخَالِق الرازق المحيي المميت الْمُدبر لجَمِيع الامور وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿قل من يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض أم من يملك السّمع والأبصار وَمن يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وَمن يدبر الْأَمر فسيقولون الله فَقل أَفلا تَتَّقُون﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل فَأنى تسحرون﴾ إِذا عرفت هَذِه الْقَاعِدَة واشكل عَلَيْك الامر فَاعْلَم انهم بِهَذَا اقروا ثمَّ توجهوا إِلَى غير الله يَدعُونَهُ من دون الله فاشركوا الْقَاعِدَة الثَّانِيَة انهم يَقُولُونَ مَا نرجوهم الا لطلب الشَّفَاعَة عِنْد الله نُرِيد من الله لَا مِنْهُم وَلَكِن بشفاعتهم وَهُوَ شرك وَالدَّلِيل على ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله قل أتنبئون الله بِمَا لَا يعلم فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾
стр. 359
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى إِن الله يحكم بَينهم فِيمَا هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِن الله لَا يهدي من هُوَ كَاذِب كفار﴾ وَإِذا عرفت هَذِه الْقَاعِدَة فاعرف الْقَاعِدَة الثَّالِثَة وَهِي ان مِنْهُم من طلب الشَّفَاعَة من الاصنام وَمِنْهُم من تَبرأ من الاصنام وَتعلق بالصالحين مثل عِيسَى وامه وَالْمَلَائِكَة وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة أَيهمْ أقرب ويرجون رَحمته وَيَخَافُونَ عَذَابه إِن عَذَاب رَبك كَانَ محذورا﴾ وَرَسُول الله لم يفرق بَين من عبد الاصنام وَمن عبد الصَّالِحين بل كفر الْكل وَقَاتلهمْ حَتَّى يكون الدّين كُله لله وَإِذا عرفت هَذِه الْقَاعِدَة فاعرف الْقَاعِدَة الرَّابِعَة وَهِي انهم يخلصون لله فِي الشدائد وينسون مَا يشركُونَ وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا ركبُوا فِي الْفلك دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ واهل زَمَاننَا يخلصون الدُّعَاء فِي الشدائد لغير الله فَإِذا عرفت هَذَا فاعرف الْقَاعِدَة الْخَامِسَة وَهِي أَن الْمُشْركين فِي زمَان النَّبِي اخف شركا من عقلاء مُشْركي زَمَاننَا لآن اولئك يخلصون لله فِي الشدائد وَهَؤُلَاء يدعونَ مشائخهم فِي الشدائد والرخاء وَالله اعْلَم بِالصَّوَابِ انْتهى
محاربة مُحَمَّد عَليّ باشا للوهابيين
وَلما رأى السُّلْطَان مَحْمُود أَنه من الضَّرُورِيّ قمع هَذِه الفئة الَّتِي يخْشَى من امتدادها على تَفْرِيق كلمة الاسلام الامر الَّذِي جعله الاوروبيون مطمح انظارهم للتمكن من فَصم عرى اتحادهم وامتلاك بِلَادهمْ ولبعد ولايات الشَّام وبغداد عَن مَرْكَز الْفِتْنَة كلف مُحَمَّد عَليّ باشا وَالِي مصر ومؤسس عائلتها الخديوية بمحاربتها واسترجاع مَكَّة المشرفة وَالْمَدينَة المنورة من ايدي زعمائها وارسل اليه فرمانا بذلك فِي ذِي الْقعدَة سنة ١٢٢٢ دسمبر سنة ١٨٠٧ وَلما كَانَ ارسال الجيوش إِلَى بِلَاد الْعَرَب عَن طَرِيق الْبر امرا متعسرا ان لم يكن مستحيلا لانتشار الوهابيين فِي جَمِيع الطّرق وقطعهم المواصلات عزم مُحَمَّد عَليّ باشا على ارسالهم بطرِيق الْبَحْر الاحمر فَأمر بانشاء السفن فِي السويس لنقل الْجنُود إِلَى فرضة يَنْبع فَكَانَت
стр. 360
الاخشاب الصَّالِحَة لعمل المراكب تقطع فِي جَمِيع جِهَات الْقطر وَيُؤْتى بهَا إِلَى الورش الَّتِي اقيمت فِي بولاق فتجهز فِيهَا ثمَّ تنقل على ظُهُور الْجمال إِلَى السويس فتركب بِكُل سهولة
وَلما استعدت المراكب وجمعت الجيوش والكتائب اضمر هَذَا الشهم على ابادة طَائِفَة المماليك ليخلص الْبِلَاد من شرهم ويمكنه التفرغ لاصلاحها واخراج مشروعاته المفيدة من حيّز الْفِكر إِلَى حيّز الْعَمَل
ابادة المماليك
ولتتميم هَذَا الْمَشْرُوع اعد حفلة فِي القلعة فِي يَوْم الْجُمُعَة ٥ صفر سنة ١٢٢٦ اول مارس سنة ١٨١١ لتسليم وَلَده طوسن باشا الفرمان الْمُؤَذّن بتقليده قيادة الْجَيْش المزمع ارساله إِلَى بِلَاد الْعَرَب لمحاربة الوهابيين وَالسيف المهدى اليه من قبل الحضرة السُّلْطَانِيَّة وَفِي الْيَوْم الْمَعْهُود طلع جَمِيع رُؤَسَاء المماليك إِلَى القلعة فِي موكب مُنْتَظم وَلما دخل الْجَمِيع من بَاب الغرب وانحشروا فِي الْمضيق الْموصل مِنْهُ إِلَى الْبَاب الاوسط اغلقت الابواب واطلقت عَلَيْهِم البنادق من خلف الاسوار وَمن اعلاها حَتَّى قتلوا عَن آخِرهم وَفِي الْوَقْت نَفسه نهبت جنود مُحَمَّد عَليّ باشا مَنَازِلهمْ بِالْمَدِينَةِ وَقتلت من تخلف مِنْهُم عَن الْحُضُور ثمَّ ارسل إِلَى عماله فِي الاقاليم بقتل جَمِيع المماليك القاطنين خَارج العاصمة فَقَتَلُوهُمْ وصاروا يتنافسون فِي ارسال رؤوسهم اليه وبذل طهرت مصر من ادران هَذِه الفئة وَلَو لم يكن لمُحَمد عَليّ باشا من الايادي الْبيض على مصر سوى تَخْلِيصهَا من شَرّ المماليك لكفى لتخليد ذكره وتمجيد اسْمه
وَبعد ذَلِك سَافر طوسن بجيوشه إِلَى بِلَاد الْعَرَب وَحَارب الوهابيين واستخلص الْمَدِينَة المنورة بعد أَن نسف اسوارها بالالغام ودخلها عنْوَة وَكتب لوالده بذلك ثمَّ حصره الوهابيون فِي مَدِينَة الطَّائِف فسافر مُحَمَّد عَليّ باشا إِلَى مَدِينَة مَكَّة فِي ٢٨ شعْبَان سنة ١٢٢٨ ٢٦ اغسطس سنة ١٨١٢ وَقبض على الشريف غَالب شرِيف مَكَّة المكرمة وارسله إِلَى مصر واقام مَكَانَهُ الشريف يحيى ابْن سرُور واحتل عدَّة مراكز مهمة من مراكز الوهابيين فتضعضع حَالهم
стр. 361
خُصُوصا وَقد توفّي زعيمهم سعود فِي ١٩ ربيع الآخر سنة ١٢٢٩ ١٠ ابريل سنة ١٨١٤ فَسَاد الامن فِي طَرِيق الْحَج واتى النَّاس افواجا لتأدية فَرِيضَة الْحَج فِي الْحجَّة سنة ١٢٢٩ وَحج مُحَمَّد عَليّ باشا وَجَمِيع من مَعَه ثمَّ عَاد إِلَى مصر فوصلها فِي ١٥ رَجَب سنة ١٢٣٠ ٢٣ يونيو ١٨١٥
وَقبل عودته كَانَ قد سَار طوسن باشا إِلَى بِلَاد نجد لمهاجمة الوهابيين فِي مَدِينَة الدرعية عَاصِمَة زعيمهم فاحتل مَدِينَة الرس الْوَاقِعَة على مقربة من الدرعية ثمَّ راسله عبد الله بن سعود الَّذِي تولى زعامة الوهابيين بعد موت ابيه وارسل اليه رَسُولا يدعى الشَّيْخ احْمَد الْحَنْبَلِيّ يطْلب مِنْهُ الْكَفّ عَن الْقِتَال والخضوع لامير الْمُؤمنِينَ وَترك دعوتهم فَأَجَابَهُ طوسن باشا بِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ اجابة ملتمسه الا بعد اخذ رَأْي وَالِده واتفقا على مهادنة عشْرين يَوْمًا ريثما يخابر طوسن باشا وَالِده عِنْد ذَلِك اتى اليه خبر عودة وَالِده إِلَى مصر فَأخذ على نَفسه اتمام الصُّلْح واخبار وَالِده بعد اتمامه فاتفق مَعَ عبد الله بن سعود الوهابي على أَن يحتل طوسن باشا بجيوشه مَدِينَة الدرعية وَيرد الوهابيون مَا أَخَذُوهُ من المجوهرات والنفائس من الْحُجْرَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة خُصُوصا الْكَوْكَب الدُّرِّي الَّذِي زنته مائَة وَثَلَاثَة واربعون قيراطا من الماس وَكتب لوالده بذلك فَأتى اليه الرَّد بتكليف عبد الله بن سعود بالتوجه إِلَى الاستانة وان لم يقبل يُرْسل اليه جَيْشًا جَدِيدا لمحاربته
وَفِي هَذِه الاثناء جمع طوسن باشا خبر تمرد الْجنُود على وَالِده بالعاصمة ونهبهم الْمَدِينَة فَرجع هُوَ ايضا إِلَى العاصمة منيطا قيادة جيوشه لَاحَدَّ من كَانَ مَعَه من القواد وَوصل هُوَ إِلَى الْقَاهِرَة فِي غَايَة ذِي الْقعدَة سنة ١٢٣٠ ٣ نوفمبر سنة ١٨١٥
وَبعد استتباب الامن فِي العاصمة اخذ مُحَمَّد عَليّ باشا فِي تجهيز حَملَة جَدِيدَة لمحاربة الوهابيين فجهزها وَجعل قائدها بكر اولاده ابراهيم باشا فَسَار هَذَا الشبل إِلَى بِلَاد الْعَرَب من طَرِيق قِنَا فالقصير فجدة وابحر من فرضة بولاق فِي ١٢ شَوَّال سنة ١٢٣١ ٥ سبتمبر ١٨١٦ فوصل يَنْبع فِي ٩ ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة ١ اكتوبر ١٨١٦ وَمِنْهَا قصد الْمَدِينَة المنورة لزيارة قبر خَاتم الْمُرْسلين سيدنَا مُحَمَّد ﷺ ثمَّ سَار بجيوشه إِلَى بِلَاد نجد بعد أَن رتب النقط فِي خطّ رجعته
стр. 362
إِلَى فرضتي يَنْبع وَجدّة لعدم النقطاع وُصُول المدد اليه فاحتل الرس ومدينة عنيزة وَغَيرهَا وَفِي ٢٩ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٣٣ ٦ ابريل سنة ١٨١٨ وصل امام مَدِينَة الدرعية وَكَانَ بهَا عبد الله بن سعود ومعظم جُنُوده
وَلما كَانَت هَذِه الْمَدِينَة متسعة الارجاء وَلَا يُمكن لابراهيم باشا محاصرتها بكيفية تضطرها إِلَى التَّسْلِيم اشار عَلَيْهِ اُحْدُ اركان حربه من الفرنساويين الْمَدْعُو المسيو فسيير بحصار الْقرى الاربع المحيطة بِالْمَدِينَةِ الْوَاحِدَة بعد الاخرى حَتَّى إِذا احتلها امكنه محاصرة الْمَدِينَة الاصلية بِكُل سهولة فَاتبع ابراهيم باشا هَذَا الرَّأْي لما فِيهِ من الْمُطَابقَة على اصول الْحَرْب وَمَعَ ذَلِك فاستمر الْحصار عدَّة اشهر لَكِن لما رأى عبد الله بن سعود أَن المصريين قد احتلوا ثَلَاث قرى من ضواحي الْمَدِينَة مَال إِلَى التَّسْلِيم وَطلب من ابراهيم باشا فِي ٧ ذِي الْقعدَة سنة ١٢٣٣ ٩ سبتمبر سنة ١٨١٨ ايقاف الْقِتَال للمفاوضة فِي الصُّلْح فأوقفه واتى عبد الله بن سعود إِلَى ابراهيم باشا فِي مُعَسْكَره فَأكْرمه واحسن وفادته وَبعد محادثة طَوِيلَة قبل الوهابي تَسْلِيم مَدِينَة الدرعية اليه بِشَرْط عدم تعرضه للاهالي بِسوء وبالسفر إِلَى الاستانة كرغبة الحضرة السُّلْطَانِيَّة وَبرد الْكَوْكَب الدُّرِّي وَمَا بَقِي من المجوهرات والتحف الَّتِي اخذها الوهابيون حِين استيلائهم على الْمَدِينَة سنة ١٢٢٠ هجرية
ثمَّ سَافر عبد الله بن سعود إِلَى الاستانة من طَرِيق مصر فوصل الْقَاهِرَة فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ١٧ محرم سنة ١٢٣٤ ١٦ نوفمبر ١٨١٨
وَبعد أَن قَابل مُحَمَّد عَليّ باشا بسراي شبْرًا سَافر قَاصِدا الاستانة فِي ١٩ من الشَّهْر الْمَذْكُور ١٨ نوفمبر سنة ١٨١٨ وَقتل بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِمُجَرَّد وُصُوله
وَلما هدأت الْحَال فِي بِلَاد الْحجاز ونجد وَضرب الامن اطنابه بهَا واستؤصلت شأفة الوهابيين مِنْهَا عَاد ابراهيم باشا إِلَى مصر فوصل الْقَاهِرَة فِي يَوْم الْخَمِيس ٢١ صفر سنة ١٢٣٥ ٩ دسمبر سنة ١٨١٩
стр. 363
وَفِي يَوْم الْخَمِيس دَخلهَا بموكب حافل مارا من بَاب النَّصْر إِلَى القلعة وزينت الْمَدِينَة سَبْعَة ايام مُتَوَالِيَة
وَبعد ذَلِك امكن عَزِيز مصر التفرغ لاصلاح الْبِلَاد فننظم الجندية على النظامات الاوروبية وعاونه على ذَلِك الكلونيل سيف الفرنساوي الَّذِي تسمى فِيمَا بعد باسم سُلَيْمَان باشا ثمَّ شرع فِي فتح بِلَاد السودَان فَفَتحهَا وَلَده اسماعيل باشا الَّذِي مَاتَ بهَا حرقا وَبَطل الْحجاز ابراهيم باشا من سنة ١٨٢٠ إِلَى سنة ١٨٢٣
عصيان عَليّ باشا وَالِي يانيه
سبق لنا ذكر تحصن عَليّ باشا فِي اقليم ابيروس وَمَا جاورها واستخفافه بالدولة واوامرها ونقول إِن الدولة لم ترد المسارعة فِي مجازاته لاشتغالها بِمَا هُوَ اهم مِنْهُ من الشؤن الداخلية والخارجية فَحمل هَذَا التغاضي على الْخَوْف وَزَاد فِي عدم احترام الاوامر الَّتِي ترد اليه من الاستانة حَتَّى وصلت بِهِ الْحَالة إِلَى الِامْتِنَاع عَن دفع الْخراج وَعدم ارسال من يطْلب مِنْهُ من الشبَّان للعسكرية واخيرا ارسل اُحْدُ اتِّبَاعه إِلَى الاستانة لقتل بعض خَواص السُّلْطَان لعدم مساعدته لَهُ فِي الدِّيوَان السلطاني فَقتله رَسُول السوء فِي احدى شوارع الاستانة الْعلية وَلما ظهر أَن ذَلِك بإيعاز عَليّ باشا امْر السُّلْطَان بمحاكمته وَكتب بِطَلَبِهِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة لمعاقبته أَو تبرئته حسب مَا يظهره التَّحْقِيق فَامْتنعَ عَن الْحُضُور وجاهر بالعصيان غير مبال ببطش الدولة وراسل زعماء اليونان الَّذين كَانُوا ابتدأوا فِي الْهياج وَالِاضْطِرَاب طلبا للحرية لَكِن تداركت الدولة الامر قبل تفاقم الْخطب وارسلت اليه جيوشا كَافِيَة لقمعه تَحت قيادة من يَدعِي خورشيد باشا فحاربه هَذَا الْقَائِد وحصره يانيا مُدَّة وضايق عَلَيْهِ الْحصار حَتَّى يئس من وُصُول المدد اليه من زعماء اليونان
وَلما رأى أَن لَا مناص لَهُ من التَّسْلِيم فاتح خورشيد باشا فِي ذَلِك فِي يناير سنة ١٨٢٢ ثمَّ اجْتمع بِهِ فِي ١٣ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٣٧ ٥ فبراير التَّالِي للاتفاق على شُرُوط التَّسْلِيم فأبرز لَهُ خورشيد باشا الفرمان السلطاني القَاضِي بقتْله جَزَاء تمرده وعصيانه على الدولة الَّتِي والت عَلَيْهِ نعمائها ورفعته إِلَى اعلى الدَّرَجَات وَفِي الْحَال احاط بِهِ الْجند وقبضوا عَلَيْهِ واوردوه الْحمام ثمَّ جزوا رَأسه
стр. 364
وارسلوها إِلَى الاستانة وَبِذَلِك انْتَهَت فتنته وعادت السكينَة إِلَى ربوع بِلَاد الارنؤد
ثورة اليونان وطلبها الِاسْتِقْلَال
قد علم الْمطَالع من سِيَاق هَذَا الْكتاب أَن الدولة الْعلية كَانَت كلما فتحت اقليما اكتفت من اهله بالخراج غير متعرضة لَهُم فِي دينهم أَو لغتهم أَو عوائدهم واظهرنا مضار هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي تحفظ بهَا كل امة لغتها ورابطها وعصبيتها حَتَّى إِذا ساعدتها الظروف نشطت من عقالها وَقَامَت من رقدتها طالبة نصِيبهَا من شمس الِاسْتِقْلَال المنعشة فَلَمَّا قَامَت الثورة الفرنساوية على دعائم الْحُرِّيَّة والمساواة والاخاء وانتشرت مبادئها فِي جَمِيع انحاء اوروبا الَّتِي وَطئهَا نابوليون بجيوشه تعدت مِنْهَا إِلَى غَيرهَا ووصلت فصائلها إِلَى بِلَاد اليونان فَوجدت من افكار وَالْبَاب سكانها مغرسا طيبا فَنمت واينعت وامتدت فروعها إِلَى سهلها وجبلها وَاجْتمعَ تَحت ظلها الوارف زعماء الامة اليونانية لكِنهمْ ايقنوا انهم لَا يقوون على طلب الِاسْتِقْلَال الا إِذا كَانَ من ابنائهم شُبَّان متعلمون يبثون المبادئ الجديدة بَين جَمِيع طَبَقَات الامة فيعلمون أَن لَهُم عقوقا يطالبون بهَا وواجبات يطالبهم الْغَيْر بهَا وَلذَلِك عمد اغنياؤهم إِلَى ارسال اولادهم إِلَى مدارس الممالك الاوروبية ليتحلوا بالعلوم والمعارف وليكونوا رُؤَسَاء الامة ودعاة حريتها فِي الْمُسْتَقْبل ثمَّ الفوا عدَّة جمعيات لنشر الْعلم بهَا بَين افراد الامة وَبث روح الوطنية بَينهم وشكلوا جمعيات اخرى سياسية مَحْضَة وَجعلُوا مراكزها فِي الروسيا والنمسا واهم هَذِه الجمعيات الجمعية السّريَّة الْمُسَمَّاة هيتيري وَقيل أَن تشكيلها كَانَ
стр. 365
بتحريض من اسكندر الاول قَيْصر الروسيا لايجاد المشاكل الداخلية فِي الدولة كي يتسنى لَهُ تَنْفِيذ وَصِيَّة بطرس الاكبر القاضية بِجعْل مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة مِفْتَاح الممالك الروسية
وَكَانَت هَذِه الجمعية اشبه شَيْء بجمعيات الكربوناري الَّتِي انتشرت اثناء ذَلِك فِي الممالك اللاتينية أَي فرنسا والبرتغال واسبانيا وايطاليا لتحرير هَذِه الامم بمبادئ الثورة الفرنساوية وانتشرت جمعية الهتيري بَين جَمِيع اليونان المجتمعين فِي اقليم مورا والمتفرقين فِي بَاقِي املاك الدولة حَتَّى بلغ عدد اعضائها فِي اوائل سنة ١٨٢١ نيفا وَعشْرين الْفَا وجميعهم من الشبَّان الاقوياء القادرين على حمل السِّلَاح كاملي الْعدَد متأهبين للثورة عِنْد اول اشارة تبدو لَهُم من رُؤَسَائِهِمْ وَمِمَّا ساعد على امتداد جذورها بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة الغريبة اشْتِغَال الدولة بمحاربة عَليّ باشا وَالِي يانيا الَّذِي سبق ذكره
وانتهزوا فرْصَة تفرغها لقمعه لنشر لِوَاء الْعِصْيَان ومقاتلة الْجنُود العثمانية المحتلة لحصونهم وقلاعهم وبمجرد انْتِهَاء فتْنَة وَالِي يانيا بقتْله فِي ٥ فبراير سنة ١٨٢٢ كَمَا مر وجهت الدولة خورشيد باشا إِلَى بِلَاد اليونان لاحضاعها فتغلبوا عَلَيْهِ
стр. 366
فِي وَاقعَة الترموبيل وَفرقُوا شَمل جُنُوده فِي ذِي الْحجَّة سنة ١٢٣٧ اغسطس سنة ١٨٢٢ اما هُوَ فآثر الْمَوْت على تحمل عَار هَذِه الموقعة بعد مَا ناله من الْفَخر فِي قهر وَالِي يانيا فانتحر وَمَات مسموما
وَمِمَّا زَاد فِي اهمية انهزام خورشيد باشا أَن البحارة اليونانيين تمكنوا فِي يَوْم ٢٧ رَمَضَان سنة ١٢٣٧ ١٧ يونيو سنة ١٨٢٢ من حرق الدونانمة التركية فِي ميناء جَزِيرَة ساقز واستشهاد ثَلَاثَة آلَاف بحري بِسَبَبِهَا بعد أَن استخلصت جزائر ساموس وساقز وَغَيرهمَا من ايدي ثائري اليونان ومجازاة سكانها ومساعديهم بقتل الرِّجَال وَسبي النِّسَاء وارتكاب انواع السَّلب والنهب مِمَّا كَانَ لَهُ دوِي فِي اوروبا واستمال الرَّأْي الْعَام بهَا لمساعدة اليونان وَبَقِي الْحَرْب ذَلِك سجالا إِلَى سنة ١٨٢٤
سفر الْجنُود العثمانية إِلَى اليونان
وَلما رأى السُّلْطَان مَحْمُود مَا الم بجيوشه فِي هَذِه الحروب المستمرة والمناوشات الْغَيْر مُنْقَطِعَة وثبات اليونانيين امام الجيوش العثمانية واعتصامهم بالجبال وَعدم قدرَة الْجنُود على اللحاق بهم فِي جبالهم الوعرة اراد أَن يحِيل مأمورية محاربتهم على مُحَمَّد عَليّ باشا وَالِي مصر نظرا لما ابداه هُوَ وَولده الشهم الْهمام ابراهيم باشا فِي محاربة الوهابيين من جِهَة وليشغله عَمَّا كَانَ يظنّ أَنه ينويه من طلب الِاسْتِقْلَال من جِهَة اخرى إِذْ توهم الْبَاب العالي أَنه لَو لم تكن هَذِه وجهته
стр. 367
الْحَقِيقِيَّة لما بذل وَسعه فِي تنظيم جَيش جَدِيد مؤلف من الشبَّان المصريين الَّذين جعل اعْتِمَاده عَلَيْهِم بدل اخلاط التّرْك وتدريبهم على النظام الاوروبي بمساعدة ضباط من الفرنساويين فلهذه المناسبات اصدر السُّلْطَان فرمانا بتاريخ ٥ رَجَب سنة ١٢٣٩ ٦ مارس سنة ١٨٢٤ بِتَعْيِين مُحَمَّد عَليّ باشا واليا على جَزِيرَة كريد واقليم موره وهما بؤرتا هَذِه الثورة
فَلم يسع مُحَمَّد عَليّ باشا الا الاذعان لاوامر متبوعة الْأَعْلَى خوفًا من حمل امْتِنَاعه على الْعِصْيَان والاستقلال الامر الَّذِي مَا كَانَت قواه الحربية تساعده على اتمامه وَفِي الْحَال اصدر اوامره باستعداد سَبْعَة عشر الف جندي كلهم مصريون من المشاة للسَّفر وَعدد من الفرسان والمدفعية وَعين بكر اولاده مخضع الوهابيين وفاتح السودَان قائدا عَاما لهَذِهِ الحملة وارفقه بِسُلَيْمَان بيك هُوَ الكولونيل سيف الَّذِي سبق ذكره الفرنساوي منظم الجيوش ليساعده بمعلوماته العسكرية الَّتِي تحصل عَلَيْهَا اثناء وجوده ضمن جيوش نابوليون الشهيرة بِحسن التَّرْتِيب وَكَمَال النظام
فاستعدت هَذِه الارسالية للسَّفر من ثغر الاسكندرية وابحرت مِنْهُ تَحت قيادة بَطل مصر ابراهيم باشا ١٩ ذِي الْقعدَة سنة ١٢٣٩ ١٦ يوليو سنة ١٨٢٤ على سفن مصرية تكتنفها سفن حربية مصرية ايضا من سفن الدونانمة الَّتِي انشأها مُحَمَّد عَليّ باشا فِي الْبَحْر الابيض لحماية ثغور مصر من هجمات الاعادي كَمَا حصل من الانكليز سنة ١٨٠٧ فسارت السفن باسم الله مجرايها إِلَى جَزِيرَة رودس للاجتماع بالدونانمة العثمانية ثمَّ ترك ابراهيم باشا فِيهَا سُلَيْمَان بك الفرنساوي مَعَ حامية كَافِي من تعدِي الثائرين عَلَيْهَا وَقصد هُوَ جَزِيرَة كريد فاحتلها وَمِنْهَا قَامَ إِلَى سواحل بِلَاد موره يحاول انزال جُنُوده فِيهَا وَبعد العناء الشَّديد تمكن من انزالهم فِي ميناء مودون وَلم يكن بَاقِيا فِي ايدي العثمانيين إِذْ ذَاك من جَمِيع اليونان الا هَذِه الْمَدِينَة ومدينة كورون وَلَو لم تكن مساعدة اوروبا لليونانيين بِالْمَالِ وَالرِّجَال لما امكنهم مقاومة الْجنُود العثمانية فانه لما شرعت اليونان فِي طلب الِاسْتِقْلَال شكلت فِي اوروبا عدَّة جمعيات دعيت بجمعيات محبي اليونان وجمعت كثيرا من المَال ارسلت بِهِ إِلَى الثائرين كميات وافرة من الاسلحة
стр. 368
والذخائر وتطوع كثير من اعضائها فِي عدد الْمُحَاربين وَمن ضمنهم كثير من مشاهير اوروبا وامريكا مثل وشنطون ابْن مُحَرر امريكا الشهير واللورد بيرون الشَّاعِر الانكليزي وَغَيرهمَا من فحول الرِّجَال الَّذين وقفُوا حياتهم للدفاع عَن الْحُرِّيَّة فِي أَي زمَان وَمَكَان انتصارا لمبادئهم لَا لَامة مَعْلُومَة اَوْ رجل مَعْلُوم وَمِمَّا ساعد على دُخُول بعض الشبَّان الْمَشْهُورين فِي جيوش اليونان القصائد الحماسية الَّتِي نشرها فِيمَا بَينهم فيكتور هوجو الشَّاعِر المحلق الفرنساوي وكازيمير دلافين النَّاظِم الشهير
وَلم يلبث ابراهيم باشا ان امد مَدِينَة كورون الَّتِي كَانَ يحصرها اليونانيون بِالرِّجَالِ والذخائر فِي ٣ شعْبَان سنة ١٢٤٠ ٢٣ مارس سنة ١٨٢٥ ثمَّ فتح مَدِينَة ناورين الشهيرة بعد حِصَار شَدِيد ودخلها منصورا فِي ٢٨ رَمَضَان سنة ١٢٤٠ ١٦ مايو سنة ١٨٢٥ وَبعد قَلِيل فتح مَدِينَة كلاماتا وَفِي ٢٣ مايو احتل مَدِينَة تريبولتسا ثمَّ استدعاه رشيد باشا الَّذِي كَانَ محاصرا مَدِينَة ميسولونجي لمساعدته على فتحهَا وَكَانَت قد اعيته فِي ذَلِك الْحِيَل لوقوعها على الْبَحْر ووصول المدد اليها تباعا من جِهَة الْبر فَقَامَ ابراهيم باشا بجيوشه ملبيا دَعوته وَاتبع فِي فتحهَا الطَّرِيق الَّتِي ارشده سُلَيْمَان بيك الفرنساوي اليها فِي محاصرة
стр. 369
والمصريون فِي ١٤ رَمَضَان سنة ١٢٤١ ٢٢ ابريل سنة ١٨٢٦ وَفِي يونيو من السّنة التالية فتح العثمانيون مَدِينَة آتَيْنَا وقلعتها الشهيرة اكروبول رغما عَن دفاع اللورد كوشران الْقَائِد البحري الانكليزي الَّذِي عين من قبل اليونانيين قائدا عَاما لجيوشهم الْبَريَّة والبحرية لعدم اتِّفَاقهم على تعْيين احدهم
تدَاخل الدول
وبينما يستعد ابراهيم باشا لفتح مَا بَقِي من بِلَاد اليونان فِي ايدي الثائرين إِذْ تدخلت الدول بَين الْبَاب العالي ومتبوعيه بِحجَّة حماية اليونانيين فِي الظَّاهِر ولفتح الْمَسْأَلَة الشرقية وتقسيم بِلَاد الدولة بَينهم فِي الْبَاطِن وَبَيَان هَذَا التدخل ان الدولة لامت الروسيا اكثر من مرّة على مساعدتها الثائرين وحماية من يلتجئ مِنْهُم إِلَى بلادها وَهِي لَا تصغي لهَذَا اللوم وَلَا تنصت للحق بل استمرت على مساعدتهم طَمَعا فِي نوال بغيتها الاصلية وَهِي احتلالها الاستانة وَجعلهَا مركزا للديانة الارثوذكسي كَمَا ان مَدِينَة رومة مركزا للديانة الكاثوليكية ثمَّ استمرت المخابرات بَين الدولتين مُدَّة بِدُونِ فَائِدَة لرغبة الروسيا التدخل بَين التَّابِع والمتبوع وَعدم قبُول الْبَاب العالي أَي تدخل اجنبي فِي شؤونه الداخلية بَين رعاياه وَلما توفّي القيصر اسكندر الاول فِي ١٨ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٤١ اول دسمبر سنة ١٨٢٥ وَتَوَلَّى بعده نقولا الاول اهتم بِمَسْأَلَة اليونان مُتبعا خطة سلفه السياسية وباتحاده
стр. 370
مَعَ انكلترا الَّتِي كَانَ قَصدهَا منع الْحَرْب بَين الدولتين اضْطر الْبَاب العالي إِلَى التَّصْدِيق على معاهدة آق كرمان فِي ٢٨ صفر سنة ١٢٤٢ ١ اكتوبر سنة ١٨٢٦ وملخصها أَن يكون للروسيا حق الملاحة فِي الْبَحْر الاسود والمرور من البوغازين بِدُونِ أَن يكون للدولة وَجه فِي تفتيش سفنهاوأن تنتخب حكام ولايتي الافلاق والبغدان بِمَعْرِِفَة الاعيان لمُدَّة سبع سنوات مَعَ عدم جَوَاز عزلهما أَو احدهما الا باقرار الروسيا وَأَن تكون ولَايَة الصرب مُسْتَقلَّة تَقْرِيبًا وَأَن لَا تحتل العساكر التركية الا قلعة بلغراد وَثَلَاث قلاع اخرى وَلم يذكر بِهَذِهِ المعاهدة شَيْء عَن اليونان لايجاد سَبَب للاشكال فِي الْمُسْتَقْبل بل اتّفقت الروسيا وانكلترا على اسْتِعْمَال كل نفوذهما لوضع حد للحروب المستمرة بهَا وَلَو كره الْبَاب العالي ووافقتهما دوَل النمسا والبروسيا وفرنسا وَهَذَا نَص اتِّفَاق آق كرمان
اتِّفَاق آق كرمان
البند الاول جَمِيع قيود واشتراطات معاهدة الصُّلْح المبرمة فِي بخارست بتاريخ ٢٤ اكتوبر سنة ١٨٣١ قد تقررت بِهَذَا الِاتِّفَاق الحالي من حَيْثُ قوتها الجوهرية ومبناها كَمَا لَو كَانَت معاهدة بخارست هَذِه ذكرت فِيهِ كلمة فكلمة إِذْ أَن الْغَرَض من الايضاحات الَّتِي هِيَ مَوْضُوع هَذَا الِاتِّفَاق الحالي لَيْسَ الا تَحْدِيد معنى بنود المعاهدة الْمَذْكُورَة بالضبط وتقوية دعائمها
البند الثَّانِي حَيْثُ أَن مَا جَاءَ فِي البند الرَّابِع من معاهدة بخارست بِخُصُوص تَحْدِيد تخوم الدولتين فِي الجزيرتين العظيمتين الموجودتين بالدانوب امام مدينتي اسماعيل وكلي اللَّتَيْنِ مَعَ استمرارهما ملكا للباب العالي كَانَ تقرر بَقَاء جُزْء مِنْهُمَا قاحلا غير آهل بالسكان علم فِيمَا بعد عدم امكان تنفيذه نظرا للموانع الناشئة عَن فيضان النَّهر حَيْثُ ثَبت بالتجربة ضَرُورَة اقامة حد فاصل ثَابت ذِي امتداد كَاف بَين سكان الشواطئ الْمَمْلُوكَة للطرفين لمنع حُصُول أَي اخْتِلَاط بَينهم فتنقطع بِهَذِهِ الْوَاسِطَة كَافَّة المنازعات والارتباكات المستمرة الَّتِي تنْتج
стр. 371
عَنْهَا فتعهد الْبَاب العالي العثماني مجاملة لحكومة الروسيا الملوكية ورغبة فِي اظهار صَرِيح رغبته المخلصة فِي تَوْثِيق عري الصلات الحبية بَين الدولتين ومراعاة لحسن الْجوَار بِأَن يجْرِي ويحافظ على النظام الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ بِهَذَا الصدد فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة بَين مَبْعُوث الورسيا ووزراء الْبَاب العالي فِي المؤتمر المنعقد بتاريخ ٢١ اغسطس سنة ١٨١٧ وفقا للنصوص الْمُدَوَّنَة وعَلى ذَلِك فالنصوص الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْمحْضر بِالنِّسْبَةِ لموضوع بحثنا كَأَنَّهَا جُزْء متمم للاتفاق الحالي
البند الثَّالِث بِمَا أَن التعهدات والعقود المختصة بالامتيازات الَّتِي تتمتع بهَا البغدان والافلاق قد تقررت بِقَيْد خصوصي فِي البند الْخَامِس من معاهدة بخارست فالباب العالي يتعهدا تعهدا صَرِيحًا بِأَن يُرَاعِي تِلْكَ الامتيازات والتعهدات والعقود فِي كل حِين بالصداقة التَّامَّة ويعد بِأَن يجدد الخطوط الشَّرِيفَة المحررة فِي سنة ١٨٠٢ الَّتِي خصصت وضمنت الامتيازات الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ فِي مَسَافَة سِتَّة شهور تمْضِي من تَارِيخ التَّصْدِيق على الِاتِّفَاق الحالي وَزِيَادَة على ذَلِك فانه بِالنّظرِ إِلَى المصائب الَّتِي تحملتها هَاتَانِ الولايتان بِسَبَب الْحَوَادِث الاخيرة وبالنظر إِلَى اخْتِيَار بعض اشراف البغدانيين والافلاقيين لاجل أَن يَكُونُوا لهاتين الامارتين ونظرا لَان حُكُومَة الروسيا الملوكية قد قبلت هَذَا الانتخاب فقد حصل الِاعْتِرَاف من الْبَاب العالي والروسيا بِأَن الخطوط الشَّرِيفَة الْمَذْكُورَة سَابِقًا الصادرة فِي سنة ١٨٠٢ يجب من كل بُد تكملتها بِوَاسِطَة الْقُيُود الْمُدَوَّنَة بِالْعقدِ الْمُنْفَصِل الْمرْفق بِهَذَا الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ بَين مندوبي الطَّرفَيْنِ السياسيين وَالَّذِي يعْتَبر جُزْءا متمما للاتفاق الحالي
البند الرَّابِع اشْترط فِي البند السَّادِس من معاهدة بخارست أَن تحدد التخوم بَين الدولتين المتعاقدتين من جِهَة آسيا بالكيفية الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا سَابِقًا قبل الْحَرْب وَأَن تعيد حُكُومَة الروسيا الإمبراطورية إِلَى الْبَاب العالي الْحُصُون والقلاع الكائنة ضمن هَذِه التخوم الَّتِي فتحتها جنود الروسيا اثناء الْحَرْب فبناء على هَذَا الشَّرْط ونظرا لكَون حُكُومَة الروسيا الإمبراطورية قد اخلت واعادت بعد الصُّلْح مُبَاشرَة الْحُصُون الْمشَار اليها الَّتِي كَانَت اخذت فِي اثناء الْحَرْب من جنود الْبَاب العالي فقد اتّفق الطرفان بِأَنَّهُ من الْآن فَصَاعِدا تبقى التخوم الآسيوية
стр. 372
بَين المملكتين كَمَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن وَأَنه قد تحدد ميعاد سنتَيْن لاتخاذ الْوَسَائِل الناجعة من الطَّرفَيْنِ فِي الْمُحَافظَة على سكينَة وامن الرعايا التابعة لكل مِنْهُمَا
البند الْخَامِس بِمَا أَن الْبَاب العالي العثماني يرغب فِي أَن يبرهن للحكومة الروسية الامبراطورية على ميله الودي وتيقظه التَّام لاتمام كَافَّة شُرُوط معاهدة بخارست فسيشرع فِي اجراء جَمِيع قيود البند الثَّامِن من المعاهدة الْمَذْكُورَة المختصة بالامة الصربية الَّتِي لكَونهَا من قديم الزَّمَان تَابِعَة للباب العالي وتدفع لَهُ الْخراج تسْتَحقّ أَن تنَال فِي كل حِين بواعث رَحمته واكرامه فعلى هَذَا ينظم الْبَاب العالي مَعَ مندوبي الامة الصربية الطّرق الَّتِي يحكم بِأَنَّهَا اكثر مُوَافقَة لتأمين تِلْكَ الامة مُعلى الامتيازات الَّتِي اشْترطت لصالحها فَإِن التَّمَتُّع بِهَذِهِ الامتيازات يكون فِي آن وَاحِد مُكَافَأَة عادلة واعظم باعث لصداقتها الَّتِي برهنت عَلَيْهَا هَذِه الامة نَحْو المملكة العثمانية وَحَيْثُ رُؤِيَ أَن ميعاد ثَمَانِيَة عشر شهرا ضَرُورِيّ للشروع فِي التحقيقات الَّتِي يقتضيها هَذَا الْمَوْضُوع بِنَاء على العقد الْمُنْفَصِل الْمرْفق مَعَ هَذَا الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين مندوبي الطَّرفَيْنِ السياسيين فتقرر الطّرق السالف ذكرهَا بالِاتِّفَاقِ مَعَ الْوَفْد الصربي المنتدب إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة ويصدر بهَا فرمان عالي محلى بالخط الشريف الهمايوني وَيجْرِي مُقْتَضَاهُ بالدقة فِي اقصر مُدَّة مُمكنَة وغايتها مُدَّة الثَّمَانِية عشر شهرا السالف ذكرهَا وَهَذَا الفرمان يُرْسل لحكومة الروسيا الامبراطورية وَحِينَئِذٍ يعْتَبر كجزء متمم للاتفاق الحالي
البند السَّادِس حَيْثُ أَنه بِمُقْتَضى الاشتراطات الخصوصية الْمَذْكُورَة فِي البند الْعَاشِر من معاهدة بخارست جَمِيع قضايا وطلبات رعايا اُحْدُ الطَّرفَيْنِ الَّتِي كَانَت اخرت بِسَبَب حُصُول الْحَرْب يجب الشُّرُوع فِيهَا وانهاؤها ايضا وَحَيْثُ أَن الدُّيُون الَّتِي يُمكن أَن تكون لرعايا كل طرف على الطّرف الآخر وَكَذَا الْمسَائِل المختصة بالخراج يجب فحصها والفصل فِيهَا بالمطابقة للعدالة من كل الْوُجُوه وتصفيتها تَمامًا بالسرعة فقد اتّفق على أَن جَمِيع قضايا وطلبات الرعايا الروسيين بِسَبَب الخسائر الَّتِي تكبدوها بِأَسْبَاب غَزْو قراصنة المغاربة والمصادرات الَّتِي حصلت فِي وَقت انْقِطَاع العلاقات بَين الدولتين فِي سنة ١٨٠٦ والاجراءآت الاخرى الَّتِي من هَذَا الْقَبِيل بِمَا فِيهَا مَا وَقع مُنْذُ سنة ١٨٢١ يعْمل عَنْهَا تصفية
стр. 373
وَيُعْطِي عَنْهَا التعويضات العادلة وللوصول لهَذَا الْغَرَض ينتدب الطرفان بِدُونِ امهال مأمورين يحققون الخسائر ويعينون مِقْدَار التعويض اللَّازِم عَنْهَا وَلما تَنْتَهِي اعمال هَؤُلَاءِ المأمورين يُرْسل الْمَجْمُوع الَّذِي يتكون من التعويضات السَّابِق ذكرهَا اجماليا لسفارة الروسيا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي ميعاد ثَمَانِيَة عشر شهرا من ابْتِدَاء تَارِيخ التَّصْدِيق على الِاتِّفَاق الحالي وبمثل ذَلِك يكون الْحَال بِالنّظرِ لرعايا الْبَاب العالي
البند السَّابِع حَيْثُ أَن الْقيام بتعويض الخسائر الَّتِي حصلت لرعايا وتجار دولة الروسيا الامبراطورية بِسَبَب قراصنة ايالات الجزائر وتونس وطرابلس وَالْعَمَل بِشُرُوط المعاهدة التجارية بِكُل دقة وَصِحَّة وبالبند السَّابِع من معاهدة ياش من اهم وَاجِبَات الْبَاب العالي بِمُقْتَضى الْعبارَات الصَّرِيحَة الْمَذْكُورَة فِي البند الثَّانِي عشر من معاهدة بخارست الَّذِي بانضمامه إِلَى البند الثَّالِث يُقَوي ويؤكد جَمِيع الاتفاقات السَّابِقَة فالباب العالي يُكَرر بِكُل صَرَاحَة وعده باتمام تعهداته من الْآن فَصَاعِدا بالصداقة التَّامَّة للغاية وَيَنْبَنِي على ذَلِك مَا يَأْتِي
اولا يعتني الْبَاب العالي اعتناء تَاما بِمَنْع قراصنة الْمغرب من تَعْطِيل التِّجَارَة والملاحة الروسية بِأَيّ حجَّة كَانَت فَإِذا حصل مِنْهُم شَيْء فبمجرد علم الْبَاب العالي بحدوثه يتعهد من الْآن بِأَن يقوم بِإِعَادَة جَمِيع المأخوذات الَّتِي استولى عَلَيْهَا اولئك بِدُونِ ادنى تَأْخِير وَأَن يعوض على الرعايا الروسيين مَا لحقهم من الخسائر وَأَن يحرر بِهَذَا الصدد فرمانا صَارِمًا إِلَى بِلَاد المغاربة بِحَيْثُ لَا تَدْعُو الضَّرُورَة تكراره مرّة ثَانِيَة وَفِي حَالَة مَا إِذا لم ينفذ مفعول هَذَا الفرمان فَيدْفَع مِقْدَار التعويض من الخزينة الملوكية فِي مَسَافَة الشَّهْرَيْنِ الْمَنْصُوص عَنْهُمَا فِي البند السَّابِع من معاهدة ياش ابْتِدَاء من تَارِيخ يَوْم الطّلب الَّذِي يقدم بِهَذَا الشَّأْن من وَزِير الروسيا بِنَاء على التَّحْقِيق الَّذِي يكون قد اجراه
ثَانِيًا يعد الْبَاب العالي بِأَن يُلَاحظ بغاية الدقة جَمِيع شُرُوط المعاهدة التجارية السَّابِق ذكرهَا وَأَن يمحي جَمِيع الْمَوَانِع المضادة للمبنى الصَّرِيح لهَذِهِ الاشتراطات وَأَن لَا يتسبب فِي احداث العراقيل فِي طَرِيق ملاحة السفن التجارية الحاملة للْعلم الروسي فِي جَمِيع بحار ومياه المملكة العثمانية بِدُونِ اسْتثِْنَاء مُطلقًا وبالاختصار
стр. 374
أَن يسْعَى فِي تمتّع تجار الروسيا وقباطين مراكبها وَجَمِيع رعاياها عُمُوما بالامتيازات والخصوصيات وَكَذَلِكَ بِالْحُرِّيَّةِ التَّامَّة فِي التِّجَارَة بِمَا أَن هَذِه الامور نَص عَنْهَا نصا صَرِيحًا فِي المعاهدات الْمَوْجُودَة بَين الطَّرفَيْنِ
ثَالِثا حَيْثُ أَنه بِمُقْتَضى البند الاول من المعاهدة التجارية الَّذِي يضمن لجَمِيع الرعايا الروسيين عُمُوما حريَّة الملاحة وَالتِّجَارَة فِي جَمِيع ممالك الْبَاب العالي سَوَاء كَانَ برا أَو بحرا وَفِي كل مَكَان يُرِيدُونَ الملاحة وَالتِّجَارَة فِيهِ وَحَيْثُ انه بِالنّظرِ للقيود الْمَذْكُورَة فِي بندي ٣١ و ٣٥ من المعاهدة الْمشَار اليها الَّتِي تضمن حريَّة الْمُرُور من قنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة للسفن التجارية المشحونة بالمؤنات أَو بِبَضَائِع أُخْرَى أَو بمحصولات الروسيا أَو بمحصولات الممالك الاخرى الْغَيْر تَابِعَة للدولة العثمانية وَكَذَلِكَ حريَّة التَّصَرُّف فِي هَذِه المؤنات والبضائع والمحصولات فالباب العالي يتعهد بِأَن لَا يُقيم عقبات وَلَا مَوَانِع فِي أَن المراكب الروسية المشحونة بالغلال أَو بمؤنات أُخْرَى عِنْد وصولها فِي قنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَفِي وَقت الِاقْتِضَاء تتمكن من نقل مَا بهَا إِلَى مراكب اخرى سَوَاء كَانَت روسية أَو تَابِعَة لامم اخرى اجنبية لكَي تنقل خَارِجا عَن ممالك الْبَاب العالي
رَابِعا يُجِيز الْبَاب العالي بِنَاء على توَسط حُكُومَة الروسيا الامبراطورية قِيَاسا على مَا سبق دُخُول الْبَحْر الاسود لمراكب الحكومات المتحابة مَعَ الدولة العثمانية الَّتِي لم تحصل لغاية الْآن على هَذَا الامتياز بِحَيْثُ أَن توريد التِّجَارَة إِلَى الروسيا بِوَاسِطَة هَذِه السفن وتصدير المحصولات عَلَيْهَا لَا يُمكن أَن يحصل لَهُ ادنى تَعْطِيل
البند الثَّامِن بِمَا أَن الْغَرَض من الِاتِّفَاق الحالي هُوَ ايضاح وتكملة معاهدة بخارست فَيصدق عَلَيْهِ من جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا وَمن جلالة ملك وبادشاه العثمانيين بِوَاسِطَة اعتمادات صَرِيحَة موشاه على حسب الْعَادة بعلامتهما الخصوصية وَيصير تبادل التَّصْدِيق بَين مندوبي الطَّرفَيْنِ السياسيين فِي ميعاد اربعة اسابيع اَوْ اقل ان امكن ابْتِدَاء من الْيَوْم الَّذِي يتم فِيهِ هَذَا الِاتِّفَاق
стр. 375
العقد الْمُنْفَصِل الْمُخْتَص بالافلاق والبغدان
بِمَا أَن وُلَاة البغدان والافلاق يختارون من بَين اشراف الوطنيين فانتخابهم يكون فِي كل من هَاتين الولايتين من الْآن فَصَاعِدا بِتَصْدِيق وارادة الْبَاب العالي بِوَاسِطَة جمعيات الدِّيوَان العمومية بِحَسب عَادَة الْبِلَاد الْقَدِيمَة وديوان كل ولَايَة بِصفة انهم نائبون عَن الامة باتحادهم مَعَ عُمُوم السُّلْطَان ينتخبون لوظيفة وَال اُحْدُ الاشراف العريقين فِي الاقدمية وَالَّذين يكونُونَ اكثر كفاءة للْقِيَام جيدا بأعباء وَلَا يتهم ثمَّ انهم يقدمُونَ إِلَى الْبَاب العالي محضرا بِمن وَقع عَلَيْهِ الانتخاب فَإِذا قبل الْبَاب العالي تَعْيِينه فيعين واليا ويستلم بَرَاءَة تثبيته وَإِذا اتّفق أَنه لاسباب قَوِيَّة وجد الْمُنْتَخب غير مُوَافق لرغبة الْبَاب العالي فقي هَذِه الْحَالة بعد تَحْقِيق هَذِه الاسباب بِمَعْرِِفَة الدولة الْعلية والروسية يسمح للاشراف الْمَذْكُورين بِأَن يشرعوا فِي انتخاب شخص آخر مُوَافق وَمُدَّة تَوْلِيَة الْوَالِي تحدد دَائِما كَمَا فِي الْمَاضِي بِسبع سنوات كَامِلَة من تَارِيخ يَوْم التَّعْيِين وَلَا يُمكن رفعهم قبل هَذَا الميعاد وَإِذا ارتكبوا فِي مُدَّة حكمهم بعض جنايات فالباب العالي يخبر عَنْهَا وَزِير الروسيا وَبعد اجراء التَّحْقِيق بِوَاسِطَة الطَّرفَيْنِ وَظُهُور ادانة الْوَالِي يسمح بِرَفْعِهِ فِي هَذِه الحالية فَقَط
الْوُلَاة الَّذين يتمون مُدَّة تعيينهم الَّتِي هِيَ سبع سنوات بِدُونِ أَن يَبْدُو مِنْهُم أَي امْر يُوجب شكوى مهمة وحقيقية سَوَاء كَانَ بِالنِّسْبَةِ للدولتين أَو بِالنِّسْبَةِ لولايتهم يعينون من جَدِيد لسبع سنوات اخرى إِذا طلبت دواوين الْولَايَة تعيينهم من الْبَاب العالي وَإِذا اتَّضَح رضَا عُمُوم الاهالي عَنْهُم
إِذا اتّفق أَن اُحْدُ الْوُلَاة استعفى قبل انْتِهَاء ميعاد السَّبع سنوات بِسَبَب الْهَرم
стр. 376
أَو الْمَرَض أَو لأي سَبَب آخر فالباب العالي يخبر بذلك حُكُومَة الروسيا وَيحصل الاستعفاء بِمُوجب اتِّفَاق الدولتين عَلَيْهِ من قبل
عزل أَي وَال بعد انْتِهَاء مدَّته أَو تنازله يسْتَوْجب سُقُوط عنوانه ويمكنه أَن يعود ثَانِيًا إِلَى طبقَة الاشراف بِشَرْط أَن يبْقى ساكتا ومطمئنا وَلَكِن لَا يجوز لَهُ أَن يصير عضوا فِي الدِّيوَان وَلَا أَن يُؤَدِّي أَي وَظِيفَة عمومية وَلَا أَن ينتخب واليا ثَانِيًا
اولاد الْوُلَاة المعزولين اَوْ المسعفين يحفظون صفة الاشراف ويمكنهم أَن يشتغلوا بمصالح الْبِلَاد وَأَن ينتخبوا وُلَاة فِي حَالَة عزل أَو استعفاء اَوْ موت اُحْدُ الْوُلَاة ولغاية تعْيين خلف لَهُ يعين ديوَان تِلْكَ الْولَايَة قَائِم مقَام يُكَلف بادارة تِلْكَ الْولَايَة
من حَيْثُ أَن الْخط الشريف الْمُحَرر فِي سنة ١٨٠٤ الغى الاموال الاميرية والتعيينات السنوية والمطالب الرسمية الَّتِي ادخلت مُنْذُ سنة ١٧٨٣ فالولاة بالاشتراك مَعَ اشراف دواوينهم يعينون ويجددون الاموال الاميرية والضرائب السنوية فِي ولايتي البغدان والافلاق مَعَ اعْتِبَار الضرورات الَّتِي تدونت بِمُوجب الْخط الشريف الْمُحَرر فِي سنة ١٨٠٢ اساسا لذَلِك وَلَا يجوز للولاة فِي أَي حَالَة كَانَت أَن يقصروا فِي الاجراء بغاية الدقة بِمُقْتَضى هَذَا النظام وَعَلَيْهِم أَن يصغوا لملحوظات وَزِير جلالة السُّلْطَان وقناصل الروسيا على اوامرهم سَوَاء كَانَ فِي هَذَا الْمَوْضُوع اَوْ فِي الْمُحَافظَة على امتيازات الْبِلَاد وخصوصا فِي مُلَاحظَة الْقُيُود والبنود المدخلة فِي العقد الحالي
يعين الْوُلَاة بالاتحاد مَعَ دواوينهم عدد العساكر فِي كل ولَايَة بِمِقْدَار مَا كَانَ يُوجد مِنْهُم قبل حوادث سنة ١٨٢١ وَمَتى تعين هَذَا الْعدَد فَلَا يُمكن أَن يُزَاد فِيهِ بِوَجْه مَا لم يعْتَرف الطرفان بأهمية الضَّرُورَة الملجئة إِلَى ذَلِك وَمن الْوَاضِح أَن تكوين العساكر وتشكيلهم يسْتَمر بالكيفية الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قبل تِلْكَ الْحَوَادِث وَأَن يسْتَمر انتخاب الاغوات الضباط وتعيينهم على حسب الطَّرِيقَة المتبعة قبل الْوَقْت الْمَذْكُور واخيرا فان العساكر واغواتهم لَا يقومُونَ مُطلقًا الا بالوظائف الَّتِي تحددت لَهُم فِي حَال الاصل وَلَا يجوز لَهُم التدخل فِي امور الْبِلَاد وَلَا فِي أَي اعمال اخرى
стр. 377
الاغتصابات الَّتِي وَقعت فِي اراضي الافلاق من جِهَة ابرايل وجيرجيو أَو فِيمَا بعد نهر الاولتا يصير اعادتها لمالكيها ويحدد ميعاد لهَذِهِ الاعادة فِي الفرمانات المختصة بهَا الَّتِي تصدر لاصحاب الشَّأْن
الاشراف الَّذين رَأَوْا انفسهم مجبورين على ترك وطنهم بِسَبَب الْفِتَن الاخيرة يُمكنهُم أَن يعودوا اليها باختيارهم بِدُونِ أَن يحصل لَهُم ادنى تشويش من أَي شخص ويشرعون فِي التَّمَتُّع الْكَامِل الْمُطلق بحقوقهم واختصاصاتهم واموالهم واملاكهم كَمَا فِي الْمَاضِي
ويمنح الْبَاب العالي لولايتي البغدان والافلاق مُدَّة سنتَيْن يعفيهما فِي اثنائهما من الاموال الاميرية والتعيينات السنوية الملزمتين بدفعها اليه وَذَلِكَ بِالنّظرِ إِلَى المصائب الَّتِي اثقلت كاهلها بِسَبَب القلاقل الاخيرة وَمَتى انْتَهَت مُدَّة الاعفاء السالف ذكرهَا فالجزية والتعيينات الْمَذْكُورَة يصير تسديدها بِحَسب الْمعدل الْمعِين بالخط الشريف الْمُحَرر فِي سنة ١٨٠٢ وَلَا يُمكن زيادتها فِي حَال من الاحوال
ويمنح الْبَاب العالي ايضا لسكان الولايتين حريَّة الاتجار بِجَمِيعِ محصولات اراضيهم وصناعتهم فيتصرفون فِي ذَلِك كَيفَ يشاؤون مَا عدا الْقُيُود المختصة من جِهَة بالتعيينات الْوَاجِبَة سنويا للباب العالي الَّذِي يعْتَبر هَاتين الولايتين كمخازن لَهُ وَمن جِهَة اخرى بمؤونة الْقطر نَفسه اما جَمِيع تعليمات الْخط الشريف الْمُحَرر فِي سنة ١٨٠٢ المختصة بِهَذِهِ التعيينات وبتسديدها بالانتظام وبالاثمان الْجَارِيَة الَّتِي تخصم لَهُم على حِسَابهَا وَالَّتِي تحديدها فِي حَالَة التَّنَازُع يخْتَص بدواوين كل ولَايَة فَيجْرِي مقتضاها بِكُل دقة وَتعْتَبر فِي الْمُسْتَقْبل بضبط تَامّ
وينبه على الاشراف ان ينفذوا اوامر الْوُلَاة وان ينقادوا لَهُم تَمام الانقياد واما من جِهَة الْوُلَاة فانهم لَا يُمكنهُم أَن يعاملوا الاشراف بعنف بالميل مَعَ اهوائهم
стр. 378
وَأَن لَا يعاقبوهم بِدُونِ وَجه حق وَبِدُون أَن يَكُونُوا ارتكبوا جرائم مثبوتة وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِم عِقَاب الا بعد أَن يحاكموا بِحَسب قوانين وعوائد الْبِلَاد
بِمَا أَن الانقلابات الَّتِي وَقعت فِي السنين الاخيرة بولايتي البغدان والافلاق كَانَ لَهَا تَأْثِير سيء جدا بالنظام فِي فروع الادارة الْمُخْتَلفَة الداخلية فعلى الْوُلَاة أَن يشتغلوا بِدُونِ ادنى امهال مَعَ دواوينهم فِي اتِّخَاذ التدابير اللَّازِمَة لتحسين حَالَة الولايتين الْمَعْهُود ادارة شؤونهما إِلَى مهارتهم وَهَذِه التدابير يعْمل عَنْهَا نظام عمومي لكل ولَايَة يجْرِي مُقْتَضَاهُ بِدُونِ تَأْخِير اما الْحُقُوق والامتيازات الاخرى لولايتي البغدان والافلاق وَجَمِيع الخطوط الشَّرِيفَة الَّتِي تخْتَص بهما فانه يسْتَمر مراعاتها مَا دَامَ الِاتِّفَاق الحالي لَا يُغير مِنْهَا شَيْئا
فَلهَذَا نَحن الموقعين على هَذَا المفوضين السياسيين عَن جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا المؤيدين بالاوامر الجليلة الملوكية بالاتحاد مَعَ المفوضين السياسيين عَن الْبَاب العالي العثماني قد قَررنَا ونظمنا الاصول الْمَذْكُورَة اعلاه بِخُصُوص البغدان والافلاق وَتلك الاصول هِيَ نتيجة البند الثَّالِث من الِاتِّفَاق الْمُقَرّر لمعاهدة بخارست الَّذِي ابرم مُشْتَمِلًا على ثَمَانِيَة بنود فِي المؤتمرات المنعقدة بآق كرمان بَيْننَا وَبَين المفوضين السياسيين العثمانيين فبناء على ذَلِك الخ
العقد الْمُنْفَصِل الْخَاص بالصرب
بِمَا أَن قصد الْبَاب العالي الوحيد هُوَ أَن يجْرِي مفعول الاشتراطات الْمَذْكُورَة فِي البند ٨ من معاهدة بخارست بِكُل صداقة فقد سمح للمندوبين الصربيين فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة بِأَن يقدموا لَهُ طلبات امتهم بِخُصُوص المواضيع الاكثر مُوَافقَة لتشييد دعائم الاطمئنان ورفاهية الْبِلَاد فَكَانَ هَؤُلَاءِ المندوبون قد عرضوا فِي بادئ الامر فِي عريضتهم مَا تتمناه الامة بِالنِّسْبَةِ لبَعض هَذِه المواضيع مثل حريَّة الاديان وانتخاب رؤسائها واستقلال ادارتها الداخلية وانضمام الاقسام الْمُنْفَصِلَة عَنْهَا وتوحيد الاموال الاميرية المتنوعة إِلَى نوع وَاحِد وَتَسْلِيم ادارة استفلال العقارات الْمَمْلُوكَة لبَعض الْمُسلمين إِلَى الصربيين بِشَرْط أَن يدفعوا عَنْهَا جعلا معينا ضمن الْخراج وحرية التِّجَارَة وَالتَّصْرِيح للتجار الصربيين بِالسَّفرِ فِي الممالك العثمانية
стр. 379
ببطاقات الْجَوَاز الخصوصية بهم وتشييد الاسبتاليات المشافي والمدارس والمطابع واخيرا منع الْمُسلمين الْغَيْر داخلين فِي زمرة العسكرية من التوطن بالصرب لَكِن عِنْد فحص الطلبات المبينة سَابِقًا وتنظيمها قد حصلت مَوَانِع اوجبت تأجيلها وَبِمَا أَن الْبَاب العالي لَا يزَال ثَابتا للآن بعزم راسخ فِي ان يمنح الامة الصربية الْفَوَائِد المشترطة فِي البند ٨ من معاهدة بخارست فسيقرر بالاتحاد مَعَ المندوبين الصربيين بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ الطلبات الْمَذْكُورَة اعلاه الصادرة عَن امة صَادِقَة ومنقادة لَهُ وَكَذَا جَمِيع الطلبات الاخرى الَّتِي ترفع اليه بِوَاسِطَة الْوَفْد الصربي مَا دَامَت لَا تنَاقض فِي شَيْء لصفة التابعية للدولة العثمانية
على الْبَاب العالي أَن يخبر الدولة الروسية الامبراطورية عَن طَريقَة الاجراء الَّتِي يقتضيها البند ٨ من معاهدة بخارست وَأَن يُرْسل لَهَا الفرمان الْمحلى بالخط الشريف الَّذِي بِهِ تمنح الْفَوَائِد السَّابِق الْكَلَام عَلَيْهَا
فَلهَذَا نَحن الموقعين على هَذَا المفوضين السياسيين عَن جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا مؤيدين بالاوامر الجليلة الملوكية باتحادنا مَعَ المفوضين السياسيين عَن الْبَاب العالي العثماني قد قَررنَا ونظمنا الاصول الْمَذْكُورَة اعلاه الَّتِي هِيَ نتيجة البند ٥ من الِاتِّفَاق التفسيري والمقرر لمعاهدة بخارست المبرمة بَيْننَا وَبَين المفوضين السياسيين العثمانيين فِي المؤتمرات المنعقدة بآق كرمان والمشتمل على ثَمَانِيَة بنود فبناء على ذَلِك الخ
وَاقعَة ناورين
وَفِي ٨ رَجَب سنة ١٢٤٢ ٥ فبراير سنة ١٨٢٧ عرضت انكلترا رسميا على الدولة الْعلية توَسط جَمِيع الدولة بَينهَا وَبَين متبوعيها فَلم تقبل ذَلِك بل اجابت سفير الانكليز بتاريخ ١٥ ذِي الْقعدَة سنة ١٢٤٢ ١٠ يونيو سنة ١٨٢٧ بعد التروي والتأمل فِي عَاقِبَة هَذَا التدخل انها لم تسمح وَلنْ تسمح بِهِ مُطلقًا فاغتاظت الدول من هَذَا الْجَواب الْحق واتفقت كل من فرنسا وانكلترا والروسيا بِمُقْتَضى وفَاق تَارِيخه ١١ الْحجَّة سنة ١٢٤٢ ٦ يوليو سنة ١٨٢٧ على الزام الْبَاب العالي بِالْقُوَّةِ بمنح بِلَاد اليونان استقلالها الاداري بِشَرْط أَن يدْفع اليونانيون جِزْيَة
стр. 380
مُعينَة يتَّفق على مقدارها فِيمَا بعد كَمَا يتَّفق على حُدُود الْفَرِيقَيْنِ وامهل الْبَاب العالي شهرا لايقاف الحركات العدوانية ضد اليونان والا فتضطر الدول لاتخاذ طرق اخرى لنفاذ مرغوبها وَلما بلغت صُورَة هَذِه المعاهدة إِلَى الْبَاب العالي لم يحفل بهَا وَبعد انْقِضَاء الشَّهْر اصدرت الدولة الثَّلَاث اوامرها إِلَى قواد اساطيلها التَّوَجُّه لسواحل اليونان وَطلبت بعد ذَلِك من ابراهيم باشا الْكَفّ فَوْرًا عَن الْقِتَال فأجابهم أَنه لَا يتلَقَّى اوامر الا من سُلْطَانه أَو ابيه وَمَعَ ذَلِك فانه قبل ايقاف الْحَرْب مُدَّة عشْرين يَوْمًا ريثما تَأتيه تعليمات جَدِيدَة وتربص هُوَ وَجُنُوده على اهبة الْقِتَال وَاجْتمعت سفن الثَّلَاث دوَل المتحالفة فِي ميناء ناورين لمنع الدونانمتين التركية والمصرية من الْخُرُوج مِنْهَا
وَفِي ٢٨ ربيع اول سنة ١٢٤٣ ١٩ اكتوبر سنة ١٨٢٧ تَكَامل اجْتِمَاع سفن الدول المتحدة وَكَانَت الدونانمة الفرنساوية تَحت قيادة الاميرال ريني والروسية تَحت امرة الاميرال هيدن وَكَانَ اللورد كودرنجتون اميرالا للاساطيل الانكليزية وَقَائِدًا عَاما لمراكب الدول بِالنِّسْبَةِ لاقدميته فِي الْوَظِيفَة عَن زميليه الفرنساوي والروسي وَلم تلبث السفن مُقَابلَة لبعضها حَتَّى انتشبت نيران الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ لسَبَب واه وسلطت جَمِيع السفن الاوروبية مدافعها على المراكب التركية والمصرية بعد أَن اسْتمرّ الْقِتَال عدَّة سَاعَات وَالسَّبَب فِي حُدُوث هَذِه الموقعة على ماجاء بِهِ المؤرخون أَن احدى الحراقات التركية اقْتَرَبت فِي اثناء المناورات الابتدائية من احدى البوارج الانكليزية فَأرْسل قبطانها ضابطا فِي زورق ليستعلم عَن سَبَب اقترابها فَأطلق عَلَيْهِ اُحْدُ الْجنُود التركية رصاصة قتلته وَعند ذَلِك اقْتتلَتْ السفينتان وامتد لهيب الْحَرْب إِلَى بَاقِي السفن حَتَّى انْتَهَت بانتصار الدولة المتحدة وَمَا كَانَت تقصد فرنسا بتظاهرها هَذَا الا اكْتِسَاب الِاسْم وَالْفَخْر بعد مَا ألم بهَا عقب حروب نابوليون وارجاعها إِلَى حُدُودهَا الاصلية سنة ١٨١٥ وتدخلت انكلترا خوفًا من استئثار فرنسا بالنفوذ فِي الشرق وَلذَا فَلم تعد فَوَائِد هَذِه الْوَاقِعَة الا على الروسيا فَقَط
وَلما وصل خبر هَذِه الْحَادِثَة الَّتِي حصلت بِدُونِ اعلان حَرْب كَمَا هِيَ الْعَادة
стр. 381
بَين الدول المتمدنة إِلَى الْبَاب العالي ارسل بلاغا إِلَى سفراء هَذِه الدول الثَّلَاثَة يُقيم فِيهِ الْحجَّة ضد هَذَا الْعَمَل الْمُخَالف للقوانين الدولية وَيطْلب بِهِ أَن تمْتَنع الدولة كُلية عَن التدخل فِي شؤون الممالك المحروسة وَأَن تدفع لَهُ تعويضا عَن الخسائر الَّتِي نجمت من تدمير المراكب العثمانية فَلم يُجَاوب السفراء على هَذَا الْبَلَاغ بل قطعُوا العلائق مَعَ الْبَاب العالي ونزلوا إِلَى مراكبهم مُسْرِعين فِي ٨ دسمبر سنة ١٨٢٧ وَفِي ١٨ مِنْهُ نشر السُّلْطَان فِي جَمِيع الولايات منشورا عَاما خطّ شرِيف يبين فِيهِ سوء مَقَاصِد الدول عُمُوما والروسيا خُصُوصا نَحْو الدولة الْعلية أَي الدولة الاسلامية الوحيدة مثبتا للاهالي على أَن الْبَاعِث على هَذَا الْعدوان الدّين لَا السياية وختمه بحض الْمُسلمين على الْقِتَال دفاعا عَن الدّين وَالْملَّة والوطن فاغتاظت الروسيا لذَلِك واعلنت الْحَرْب على الدولة فِي ١١ شَوَّال سنة ١٢٤٣ ٢٦ ابريل سنة ١٨٢٨
خُرُوج العساكر المصرية من موره
هَذَا وَلما راى ابراهيم باشا تَأَلُّبُ الدول على الدولة الْعلية وَأَن فرنسا امرت بارسال جَيش عَظِيم لمحاربته وتتميم اسْتِقْلَال اليونان اتّفق فِي ٢١ محرم سنة ١٢٤٤ ٣ اغسطس سنة ١٨٢٨ بِنَاء على اوامر وَالِده مَعَ الدولة المتحدة على اخلاء موره وَالرُّجُوع إِلَى مصر على مَا بَقِي من السفن المصرية غير تَارِك فِيهَا سوى الف ومائتي جندي للمحافظة على مودون وكورون وناورين ريثما تستلمها العساكر العثمانية وَفِي ٢٦ صفر ٧ سبتمبر التَّالِي ابْتَدَأَ انسحاب الْجنُود المصرية وَكَانَت كلما اخلت محلا دخله الفرنساويون الَّذين نزلُوا بِبِلَاد اليونان فِي ١٧ صفر ٢٩ اغسطس تَحت قيادة الجنرال ميزون وَبِذَلِك انْتَهَت مأمورية ابراهيم باشا الَّتِي كَادَت تتمّ على يَدَيْهِ وَمن مَعَه من الْجنُود المصرية لَوْلَا اتِّفَاق الدولة على سلخ هَذِه الْولَايَة المهمة من املاك الدولة سعيا وَرَاء اضعافها حَتَّى يتمكنوا من تَنْفِيذ مآربهم وَفِي ٨ جماد اول سنة ١٢٤٤ ١٦ نوفمبر سنة ١٨٢٨ عقدت الدول الثَّلَاث مؤتمرا فِي مَدِينَة لندن لتقرير احوال اليونان ودعت اليه الدولة
стр. 382
فَأَبت عَن ارسال مَنْدُوب من طرفها حَتَّى لَا يعد ذَلِك اقرارا مِنْهَا على مَا يتَّفق عَلَيْهِ وَمَا فَعَلُوهُ من مساعدة اليونان على الِاسْتِقْلَال
فَلم تعيا الدول بِهَذَا الاباء بل اجْتمع مندوبوها فِي الْيَوْم الْمعِين وَاتَّفَقُوا على اسْتِقْلَال موره وجزائر سكلاده واجتماعها على هَيْئَة حُكُومَة مُسْتَقلَّة يحكمها امير مسيحي تنتخبه الدول وَيكون تَحت حمايتها على أَن تدفع الْحُكُومَة اليونانية للباب العالي جِزْيَة سنوية قدرهَا خَمْسمِائَة الف قِرْش فَلم يقبل الْبَاب العالي هَذَا الْقَرار الصَّادِر من دوَل غير مُخْتَصَّة فِيمَا يَقع بَينه وَبَين متبوعيه واشتغل بمحاربة الروسيا الَّتِي اعانت الْحَرْب عَلَيْهِ بعد أَن دمرت دونانمته وَقبل أَن يتم استعداد الْجَيْش النظامي الْجَدِيد الَّذِي اخذ فِي انشائه وتدريبه بعد الغاء ظائفة الانكشارية كُلية ولنقف هُنَا هنيهة نأتي فِيهَا بِذكر م حصل عِنْد الغائها من الحروب الداخلية وَكَيْفِيَّة الْوُصُول إِلَى هَذِه الْغَايَة الحميدة
الغاء طَائِفَة الانكشارية
لما تحقق السُّلْطَان مَحْمُود افضلية النظامات العسكرية المستعملة فِي جيوش اوروبا وَسمع بِمَا اتته الْجنُود المصرية المنتظمة من الاعمال الباهرة فِي محاربة موره وَعلم أَن انتصارات ابراهيم باشا على اليونانيين لم تكن الا نتيجة النظام العسكري زَاد تعلقه باصلاح العسكرية واراد اتمام الْمَشْرُوع الَّذِي لم يُمكن السُّلْطَان سليم الثَّالِث اتمامه فَجمع جَمِيع ذَوَات واعيان المملكة وكبار ضباط الانكشارية فِي بَيت الْمُفْتِي فِي اوائل سنة ١٨٢٦ مسيحية سنة ١٢٤١ هجرية
وَلما تَكَامل الْحُضُور خطب فيهم الصَّدْر الاعظم سليم مُحَمَّد باشا مظْهرا مَا وصلت اليه حَالَة الانكشارية من الضعة والانحطاط وَعدم الانقياد لرؤسائها حَتَّى صَارَت من اكبر دواعي تَأَخّر الدولة الْعلية بازاء تقدم الدول الاوروبية المستمر بعد أَن كَانَت هَذِه الفئة من اكبر عوامل تقدم الدولة وامتداد فتوحاتها ثمَّ ابان لَهُم ضَرُورَة ادخال النظام العسكري فِي اورط الانكشارية اذ لَا يُمكنهَا
стр. 383
بحالتها الحالية الْوُقُوف امام الجيوش الاوروبية المنتظمة
فَلَمَّا اقتنع الْحَاضِرُونَ باصابة فكره وضرورة اصلاح الجندية واقروا على هَذَا المبدأ الْحسن قَامَ كَاتب سر مكتوبجي الصَّدْر الاعظم وتلا عَلَيْهِم مَشْرُوعا محتويا على سِتَّة واربعين بندا ذكر بهَا بِكُل ايضاح كَيْفيَّة التنظيمات المُرَاد ادخالها وَبعد اقرار الجمعية عَلَيْهِ حرر بذلك محضرا خَتمه جَمِيع الْحَاضِرين حَتَّى ضباط الانكشارية وافتى بِجَوَاز الْعَمَل بهَا شرعا ومعاقبة من يُعَارض فِي انفاذها ثمَّ تَلا الْمَشْرُوع على جَمِيع ضباط الانكشارية فأقروا عَلَيْهِ لَكِن لم تكن موافقتهم الا ظاهرية فَقَط فانه لما ابتدئ فِي تَعْلِيم الضباط بِمَعْرِِفَة من تعين من ضباط الافرنج بِصفة معلمين تنبه الانكشارية إِلَى عواقب الامر وَعَلمُوا أَنه لَو تمّ هَذَا النظام كَانَ سَببا فِي ضيَاع كَافَّة امتيازاتهم من جِهَة والزموا بمراعاته مَعَ مَا فِيهِ من سلب حريتهم من جِهَة اخرى اخذوا يستعدون للثورة والعصيان ليوقفوا تنفيذه كَمَا فعلوا قبلا واستمالوا بعض الرعاع الَّذين اتَّبَعُوهُمْ طَمَعا فِي السَّلب والنهب
وَلما كَانَ يَوْم ٨ ذِي الْقعدَة سنة ١٢٤٠ ٢٤ يونيو سنة ١٨٢٦ تعرض بَعضهم للجند وَقت التمرين فأصدر السُّلْطَان امْرَهْ بمعاقبة كل متعرض لَهُم بِالْقَتْلِ وَلذَا تجمع المتعصبون فِي مسَاء ذَلِك الْيَوْم وَتَآمَرُوا على الْعِصْيَان
وَكَانَ السُّلْطَان فِي سراي بشكطاش فَحَضَرَ على الْفَوْر ساريته وَجمع الْعلمَاء واخبرهم بِمَا ينويه الانكشارية فاستقبحوا عَمَلهم وشجعوه على المقاومة فاستدعى الْآيَات الطوبجية الَّتِي نظمها نوعا عقب تَوليته واستعد لقِتَال الثائرين وعزم على عدم التساهل مَعَهم خوفًا من تفاقم شرورهم واسترسالهم فِي التمرد والطغيان
وَفِي صباح ٩ ذِي الْقعدَة ٢٥ يونيو اخْرُج السُّلْطَان الْعلم النَّبَوِيّ الشريف وَسَار بِجُنُود الطوبجية يتقدمه الْعلم إِلَى ساحة آتٍ ميداني حَيْثُ كَانَ الثائرون مُجْتَمعين فِي هرج ومرج لَا مزِيد عَلَيْهِمَا وَتَبعهُ كثير من الْعلمَاء والطلبة وَلم يمض قَلِيل حَتَّى احاطت الطوبجية بالميدان واحتلت جَمِيع المرتفعات المشرفة عَلَيْهِ وسلطت مدافعها على الانكشارية من كل صوب فَخرج جَمِيع الانكشارية وتجمهروا
стр. 384
قَاصِدين الهجوم على المدافع للاستيلاء عَلَيْهَا فَقَذَفْتُ عَلَيْهِم من صيب قللها مَا اوقعهم فِي الفشل وايقنوا مَعَه أَن لَا طَاقَة لَهُم على مقاومتها فعكفوا إِلَى ثكناتهم طَالِبين النجَاة لَكِن انى لَهُم ذَلِك وَقد سلطت افواه المدافع عَلَيْهَا فهدمتها واشعلت فِيهَا النيرَان حَتَّى دمرتها على من التجأ اليها وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الْفِتْنَة المريعة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي صدر فرمان سلطاني بابطال فئتهم كُلية وملابسها واصطلاحاتهاواسمها من جَمِيع الممالك المحروسة وَنُودِيَ بذلك فِي الشوارع وصدرت الاوامر إِلَى جَمِيع الولايات بالتفتيش على كل من بَقِي مِنْهُم واعدامه أَو نَفْيه إِلَى اطراف الْبِلَاد حَتَّى لَا تبقى مِنْهَا بَاقِيَة وَمن ثمَّ اخذ السُّلْطَان فِي تَرْتِيب وتنظيم الجيوش بهمة لم يمسسها ملال وَعين لادخال هَذِه التنظيمات لجنة من اكابر الوزراء وقلد حُسَيْن باشا الَّذِي كَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي ابادة الانكشارية قائدا عَاما لَهُم سر عَسْكَر وبذل السُّلْطَان ومشيروه اهتمامهم حَتَّى لم تمض السّنة الا وَقد تمّ تنظيم عشْرين الف وتمت المعدات لابلاغهم فِي ختام السّنة التالية مائَة وَعشْرين الْفَا
الْحَرْب مَعَ الروسيا ومعاهدة ادرنه
هَذَا ولنرجع إِلَى ذكر الدولة الروسية وَبَيَان مَا تمّ بِالنِّسْبَةِ لليونان واستقلالها فَنَقُول بِمُجَرَّد مَا اعلنت الروسيا الْحَرْب سَارَتْ جيوشها الَّتِي كَانَت منتظرة ومتأهبة على الْحُدُود واجتازت نهر بروث الْفَاصِل بَين املاك الدولتين واحتلت مَدِينَة ياش عَاصِمَة البغدان
وَفِي ٢٨ الْقعدَة سنة ١٢٤٣ ١٣ يونيو سنة ١٨٢٨ دخلت بوخارست عَاصِمَة الافلاق وقبضت على حاكمي الولايتين وَصَارَت ادارتهما فِي ايدي مندوبين من طرفهما وَبعد ذَلِك احتلت الجيوش الروسية الْبِلَاد العثمانية إِلَى نهر الطونه وعدة مدن وَاقعَة على ضفتيه واجتازته بِدُونِ كثير ممانعة ثمَّ حاصرت مَدِينَة وارنه برا وبحرا لعدم وجود مراكب عثمانية تحميها من جِهَة الْبَحْر بعد وَاقعَة ناورين واتى القيصر نقولا بِذَاتِهِ لمراقبة الْحصار وَبعد قَلِيل سَار فِي جَيش عَظِيم لمحاصرة السِّرّ عَسْكَر حُسَيْن باشا فِي مَدِينَة شومله واحتل مَدِينَة اسكي استانبول للتمكن من كَمَال محاصرتها لكم لم يلبث أَن رفع عَنْهَا
стр. 385
الْحصار لما شَاهده من انتظام الجيوش الجديدة وَجمع كل قواه حول مَدِينَة وارنه وَقد تمكن القبودان باشا عزت مُحَمَّد من ادخال المدد اليها بحرا رغما عَن مراقبة السفن الروسية وَدخل هُوَ ايضا اليها وَتَوَلَّى الدفاع عَنْهَا واتى من جِهَة الْبر السِّرّ عَسْكَر حُسَيْن باشا لاشغال المحاصرين لَهَا وَلذَلِك كَاد القيصر ييأس من دُخُولهَا لَوْلَا خِيَانَة اُحْدُ القواد الْمَدْعُو يُوسُف باشا فانه سلمهَا إِلَى الروس فِي اول ربيع الثَّانِي سنة ١٢٤٤ ١١ اكتوبر سنة ١٧٢٨ والتجأ إِلَى بِلَادهمْ فِرَارًا من الْعقَاب وليتمتع بثمرة خيانته وَمن جِهَة آسيا احتل الروس عدَّة قلاع وحصون اهمها قلعة قارص الشهيرة ثمَّ توقف الْقِتَال بِسَبَب اشتداد الْبرد وتراكم الثلوج اَوْ بالاختصار فقد شهد الروس انفسهم أَن نتائج الْحَرْب كَانَت اقل مِمَّا كَانُوا ينتظرون وَمَا ذَلِك الا لالغاء طَائِفَة الانكشارية وترتيب الجيوش الجديدة واطاعتها لاوامر رؤسائها اطاعة عمياء
وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا كتبه المسيو بوتزودي بورجو سفير الْحُكُومَة الروسية بباريس فِي رِسَالَة مؤرخة فِي نوفمبر سنة ١٨٢٨ وملخصها أَن الْجنُود الروسية لاقت من الجيوش العثمانية الجديدة مَا لم تعانه قبلا من الانكشارية وَلَو تَأَخَّرت الروسيا فِي اشهار الْحَرْب على الْبَاب العالي سنة وَاحِدَة لما امكنها أَن تتحصل على النتائج الَّتِي تحصلت عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة اهـ
وَفِي ذَلِك برهَان كَاف على اصابة رَأْي السُّلْطَان مَحْمُود الْغَازِي واصالة فكره فِي الغاء طَائِفَة الانكشارية لَكِن لم تكن الجيوش المنتظمة كَافِيَة لاستمرار الْقِتَال لقلَّة عَددهَا بِالنِّسْبَةِ لجيوش الروسية الْكَثِيرَة الْعدَد وَلذَلِك لما استؤنف الْقِتَال
стр. 386
فِي ربيع سنة ١٨٢٩ كَانَ الْفَوْز غَالِبا للجيوش الروسية رغما عَمَّا بذله القواد العثمانيون من المهارة فِي ضروب الْقِتَال وَمَا اظهرته الْجنُود المنتظمة من الثَّبَات والانتظام
ولنقل بِاخْتِصَار بِدُونِ تَفْصِيل جَمِيع الوقائع الَّتِي حصلت بَين الجيشين فِي فَصلي الرّبيع والصيف أَن الجيوش الروسية اجتازت نهر الطونه ثمَّ اخترقت جبال البلقان بعد أَن تغلبت على من عارضها من الجيوش العثمانية واخيرا وصلت إِلَى مَدِينَة ادرنه واحتلتها عنْوَة وَعند ذَلِك لم يبْق امامها عائق يوقفها عَن التَّقَدُّم إِلَى مَدِينَة الاستانة المحمية الا عدم رَغْبَة الدولة فِي سُقُوطهَا فِي ايدي الروسيا واتفاقها ضمنا على اضعاف الدولة الْعلية إِلَى حد لَا يُمكنهَا مَعَه التَّقَدُّم والارتقاء مَعَ بَقَائِهَا عقبَة فِي سَبِيل الروسيا وحاجزا بَينهَا وَبَين الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط وَلذَلِك لما رات أَن الروس قد اقتربوا مِنْهَا وصاروا على طريقها وسيصلون اليها لَا محَالة لَو لم يتدخلوا بِشدَّة تخابرت مَعَ الدولتين المتحاربتين فأوقفت الروسيا جيوشها ودارت المخابرات بَينهمَا بتوسط مملكة بروسيا حَتَّى تمّ الصُّلْح وامضينت بِهِ معاهدة بِمَدِينَة ادرنة فِي ١٥ ربيع الاول سنة ١٢٤٥ ١٤ سبتمبر سنة ١٧٢٩ هَذَا نَصهَا
البند ١ كل عَدَاوَة ومجافاة بقيت لغاية الْآن بَين الدولتين تَنْقَطِع من تَارِيخ هَذَا الْيَوْم سَوَاء كَانَت بَريَّة اَوْ بحريّة ويخلفها الصُّلْح الابدي والمحبة وَحسن الْمُوَافقَة بَين جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا وَبَين عَظمَة امبراطور وبادشاه العثمانيين وَكَذَا بَين الْوَارِثين والمتعاقبين على عرش المملكتين ويبذل الطرفان الساميان المتعاقدان مَا فِي وسعهما من الانتباه الزَّائِد لمنع جَمِيع مَا من شَأْنه توليد الشقاق بَين رعاياهما وَيقومَانِ بتنفيذ جَمِيع شُرُوط معاهدة الصُّلْح الحالية بغاية الْعِنَايَة ويعتنيان ايضا بِأَنَّهَا لَا تنكث بِأَيّ كَيْفيَّة سَوَاء كَانَت مُبَاشرَة أَو غير مُبَاشرَة
البند ٢ حَيْثُ ان جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا يُرِيد ان يبرهن لِعَظَمَة امبراطور وبادشاه العثمانيين على اخلاص ميوله الودية فَيُعِيد إِلَى الْبَاب العالي امارة البغدان بحدودها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا قبل ابْتِدَاء الْحَرْب الَّتِي انْتَهَت بالمعاهدة الحالية وامارة الافلاق ومقاطعة قره جه ادوه بِدُونِ أَي اسْتثِْنَاء والبلغار
стр. 387
واقليم دوبروجه من الدانوب لغاية الْبَحْر مَعَ مَدَائِن سيلستريه وحرصو وماجين وايزا كنجه وتولتتا وباباطاغ وبازارجق ووارنه وبرافودي وَجَمِيع المدن والضياع والقرى التابعة لَهَا وَجَمِيع بِلَاد البلقان من امينه بورنو لغاية قزار والاقليم الممتد من بِلَاد البلقان إِلَى الْبَحْر الاسود مَعَ مَدَائِن سليمنا وتشامبولي وايدا وكرنيات وميسيمبزيا واوكهيولي وبورجاس وسيزيبولي وقرق قلدس وادرنة ولوله وبورجاس واخيرا جَمِيع الْبِلَاد والضياع والقرى وعموما جَمِيع الامكنة الَّتِي احتلتها جنود الروسيا من بِلَاد الرومللي
البند ٣ يسْتَمر نهر بروث لِأَن يكون الْحَد الْفَاصِل بَين الدولتين من النقطة الَّتِي يمس فِيهَا تخوم البغدان لغاية التقائه مَعَ الدانوب وَمن هَذَا الْمَكَان تتجه التخوم بمحاذاة مجْرى الدانوب لغاية مصب ماري جرجس بِحَيْثُ أَن جَمِيع الجزائر المتكونة بِفُرُوع هَذَا النَّهر الْمُخْتَلفَة تكون ملكا للروسيا واما الشاطئ الايمن مِنْهُ فَيبقى تَابعا للباب العثمانية كالسابق وَمَعَ ذَلِك فقد اتّفق على أَن الشاطئ الايمن الْمَذْكُور من الْمَكَان الَّذِي فِيهِ ينْفَصل فرع ماري جرجس عَن فرع سولينيه يبْقى غير مسكون على بعد ساعتين من هَذَا النَّهر وَأَن لَا يشيد بِهِ مبان من أَي نوع كَانَ وَكَذَلِكَ فِي الجزائر الَّتِي تبقى فِي ملك دولة الروسيا وَيسْتَثْنى من ذَلِك الكورنتينات الَّتِي تعْمل فِيهَا وَلَا يسمح مُطلقًا بِأَن يشيد فِيهَا أَي بِنَاء آخر وَلَا استحكامات ومراكب الدولتين التجارية يكون لَهَا الْحق فِي الملاحة بالدانوب فِي جَمِيع طوله والمراكب الحاملة للْعلم العثماني يُمكنهَا أَن تدخل بِدُونِ ممانعة فِي مصبي قبلي وسولينيه اما مصب ماري جرجس فتمر فِيهِ مراكب الدولتين الحربية والتجارية وَلَكِن المراكب الحربية الروسية لَا يُمكنهَا عِنْد صعودها فِي الدانوب
стр. 388
أَن تتجاوز مَحل التقائه مَعَ البروث
البند ٤ بِمَا أَن مقاطعات الكرج والامريثيا ومنكريل وجوريل وَغَيرهَا من مقاطعات القوزاق منضمة من سِنِين عديدة وعَلى الدَّوَام إِلَى المملكة الروسية بِمَا ان هَذِه الدولة قد اكْتسبت بالمعاهدة المبرمة مَعَ دولة الْعَجم ببلدة تورامان جاي فِي ١٠ فبراير سنة ١٨٢٨ خلاف ذَلِك خانات اريفان وناخيتشيفان فالدولتان العليتان المتعاقدتان قد علمتا ضَرُورَة تَحْدِيد ممالكهما فِي هَذِه الْجِهَة بِحَيْثُ أَن هَذَا التَّحْدِيد يكون معينا تعيينا تَاما ضَامِنا لاجتناب كل اخْتِلَاف اَوْ نزاع فِي الْمُسْتَقْبل وَقد شرعتا من جِهَة اخرى فِي اتِّخَاذ الطّرق الفعالة لرد هجمات وَصد غارات الامم الْمُجَاورَة الَّتِي كَانَت تجريها لغاية الْوَقْت الْحَاضِر وَالَّتِي كَانَت غَالِبا السَّبَب الوحيد فِي نقض الصلات الودية وَحسن الْمُجَاورَة بَين الدولتين وَبِنَاء على ذَلِك فقد اتّفق بَين حكومتي الدولة الامبراطورية الروسية وَبَين الْبَاب العالي العثماني بِأَن تكون حُدُود ولايات المملكتين بآسيا من الْآن فَصَاعِدا خطا يتبع الْحُدُود الحالية لاقليم جوريل من ابْتِدَاء الْبَحْر الاسود ثمَّ يصعد لغاية حُدُود مقاطعة اميريثيا وَمن هُنَاكَ يعرج نَحْو الاتجاه الاكثر استقامة لغاية مَكَان التقاء حُدُود ولايات اخلتزيك وقارص مَعَ ولايات الكرج بِحَيْثُ تكون مَدِينَة اخلتزيك وقلعتها فِي شمال هَذَا الْخط على مَسَافَة لَيست بِأَقَلّ من ساعتين اما جَمِيع الْبلدَانِ الكائنة فِي الْجنُوب والغرب من خطّ التَّحْدِيد الْمَذْكُور الْقَرِيبَة من ولايتي قارص وطرابزون بِمَا فِيهَا الْجُزْء الاعظم من ولَايَة اخلتزيك فانها تبقى على الدَّوَام تَحت حكم الْبَاب العالي واما الْبِلَاد الكائنة فِي الشمَال والشرق من الْخط الْمَذْكُور الْقَرِيبَة من الكرج واميريثيا وجوريل وَكَذَلِكَ جَمِيع شواطيء الْبَحْر الاسود من مصب نهر قوبان لغاية ميناء ماري نقولا بِمَا فِيهَا هَذِه الميناء فانها تبقى إِلَى الابد تَحت حكم المملكة الروسية فبناء على ذَلِك ترد حُكُومَة الروسيا الامبراطورية إِلَى الْبَاب العالي بَاقِي ولَايَة اخلتزيك وَكَذَا مَدِينَة وَولَايَة قارص وايضا مَدِينَة وَولَايَة بايزيد ومدينة وَولَايَة ارضروم وَجَمِيع الاماكن المحتلة لَهَا جيوش الروسيا وَالَّتِي تُوجد خَارِجا عَن الْخط الْمَذْكُور اعلاه
البند ٥ حَيْثُ ان امارتي البغدان والافلاق قد قبلتا ان تَكُونَا تَحت سيادة
стр. 389
الْبَاب العالي بِمُقْتَضى القوانين الاساسية للامارتين وَبِمَا ان دولة الروسيا قد ضمنت نجاحهما فقد صَار الِاتِّفَاق على انهما تحفظان جَمِيع الامتيازات والاختصاصات الَّتِي ضمنت لَهما سَوَاء كَانَت بِمُقْتَضى القوانين الاساسية للبلاد اَوْ بِحَسب نَص المعاهدات المبرمة بَين الدولتين اَوْ المؤيدة بالخطوط الشَّرِيفَة الصادرة فِي ازمنة مُخْتَلفَة وَبِنَاء على ذَلِك تتمتع هَاتَانِ الدولتان بِالْحُرِّيَّةِ الدِّينِيَّة وبالامن العمومي وَيكون لَهما ادارة اهلية مُسْتَقلَّة بحريّة التِّجَارَة واما الْقُيُود اللَّازِم اضافتها إِلَى الاشتراطات الْمُتَقَدّمَة لضمان تمتّع هذَيْن الاقليمين بحقوقهما فقد اتّفق عَلَيْهَا فِي العقد الْمُنْفَصِل الْمرْفق بِهَذَا الْمُعْتَبر كجزء من المعاهدة الحالية
البند ٦ بِمَا ان الظروف الَّتِي حصلت من ابْتِدَاء عقد اتِّفَاق آق كرمان لم تسمح للباب العالي بالاهتمام فِي تَنْفِيذ مَا جَاءَ بِالْعقدِ الْمُنْفَصِل الْمُخْتَص بالصرب الملحق بالبند ٥ من الِاتِّفَاق الْمَذْكُور فَهُوَ يتعهد بكيفية جلية بِأَن يقوم بتتميمها بِدُونِ ادنى امهال وبالضبط الاتم وخصوصا فِي ان يُعِيد السِّتَّة اقسام الْمُنْفَصِلَة عَن الصرب اليها حَتَّى تتمتع هَذِه الامة الصادقة الطائعة بالراحة والرفاهية اما الفرمان الْمُوشى بالخط الشريف الَّذِي يصدر بتنفيذ الْقُيُود الْمَذْكُورَة فَيُرْسل إِلَى دولة الروسيا الامبراطورية وتعلن بِهِ رسميا فِي ميعاد شهر من تَارِيخ التَّصْدِيق على هَذِه المعاهدة
البند ٧ يتمتع رعايا الروسيا فِي سَائِر انحاء المملكة العثمانية برا وبحرا بحريّة التِّجَارَة التَّامَّة الَّتِي تكفلها لَهُم المعاهدات المبرمة سَابِقًا بَين الدولتين العظيمتين الْمُتَعَاقدين وَلَا يَصح مس حريَّة التِّجَارَة بِأَيّ وَجه كَانَ وَلَا يُمكن ان تعطل فِي أَي حَال من الاحوال وَلَا بِأَيّ حجَّة كَانَت وَلَا يضيق نطاقها مُطلقًا وَلَا بِسَبَب أَي قَرَار اَوْ تَعْدِيل سَوَاء كَانَ من جِهَة الادارة اَوْ من جِهَة الْقَضَاء فِي داخلية الْبِلَاد والرعايا والسفن والتجار الروسيون يكونُونَ فِي حمى من كل شدَّة فِي الْمُعَامَلَة وَيبقى الرعايا الروسيون تَحت السلطة القضائية والبوليس الخاصين بوزير وقناصل الروسية واما المراكب الروسية فَلَا يحصل بهَا مُطلقًا أَي تفتيش من جِهَة الْحُكُومَة العثمانية لَا فِي شاسع الْبحار وَلَا فِي دَاخل أَي ميناء اَوْ مورده مِمَّا
стр. 390
يدْخل تَحت حكم الْبَاب العالي وكل انواع المتجر اَوْ الغلال الْمَمْلُوكَة لَاحَدَّ رعايا الروسيا يُمكن بيعهَا بِكُل حريَّة بعد تسديد عوائد الجمارك عَنْهَا بِمُقْتَضى التعريفات اَوْ ان تنزل إِلَى الْبر فِي مخازن صَاحبهَا اَوْ عميله بل وَيصِح نقلهَا على سفن اخرى ايا كَانَت جنسيتها بِدُونِ ان يحْتَاج التَّابِع الروسي فِي هَذِه الْحَالة لَان يشْعر الْحُكُومَة الْمَحَلِّيَّة وَلَا ان يطْلب اذنا بذلك مُطلقًا وَقد اتّفق اتِّفَاقًا صَرِيحًا على ان انواع الْقَمْح الْآتِيَة من الروسيا تتمتع بِنَفس هَذِه الامتيازات وان نقلهَا من اراضي الدولة لأي جِهَة لَا يحصل فِيهِ اقل صعوبة اَوْ ممانعة مُطلقًا وَلَا بِأَيّ حجَّة وَمَا عدا ذَلِك فيتعهد الْبَاب العالي بِأَن يتيقظ بِكُل اعتناء إِلَى عدم حُصُول أَي تَعْطِيل مهما كَانَت طَبِيعَته للتِّجَارَة والملاحة فِي الْبَحْر الاسود على الْخُصُوص وللوصول إِلَى هَذَا الْغَرَض يعْتَرف ويعلن بِأَن الْمُرُور فِي قنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة وببوغاز الدردنيل يكون بحريّة تَامَّة وانهما مفتوحان للسفن الروسية الحاملة للْعلم التجاري سَوَاء كَانَت مشحونة اَوْ مصبرة وَسَوَاء كَانَت آتِيَة من الْبَحْر الاسود بِقصد الدُّخُول فِي الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط اَوْ عابرة من الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط تُرِيدُ الدُّخُول فِي الْبَحْر الاسود وَمَا دَامَت هَذِه السفن تجارية فمهما كَانَت كَبِيرَة وَمهما كَانَ قدرهَا لَا تكون معرضة لادنى مَانع اَوْ لأي تعد كَمَا تقرر ذَلِك اعلاه وتتفق الدولتان على اتِّخَاذ انجح الطّرق للتوقي من أَي تَأْخِير فِي تَخْلِيص المراسلات الضرورية فبناء على نفس هَذِه الْقَاعِدَة يعلن بِأَن الْمُرُور من قنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة وبوغاز الدردنيل يكون حرا ومفتوحا لجَمِيع المراكب التجارية التابعة للممالك الْمَوْجُودَة فِي حَالَة الصُّلْح مَعَ الْبَاب العالي سَوَاء كَانَت متوجهة نَحْو الموانئ الروسية الَّتِي على الْبَحْر الاسود اَوْ آتِيَة مشحونة اَوْ مصبرة وَذَلِكَ بِمُقْتَضى الشُّرُوط عينهَا الَّتِي اشْترطت بِخُصُوص السفن الحاملة للْعلم الروسي
واخيرا بِمَا ان الْبَاب العالي يعْتَرف بِمَا لحكومة الروسيا الامبراطورية من الْحق فِي ان تتأكد من الضمانة التَّامَّة لهَذِهِ الْحُرِّيَّة التجارية وَمن الملاحة فِي الْبَحْر الاسود بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّة فَهُوَ يعلن على رُؤُوس الاشهاد بِأَنَّهُ لَا يحصل فِي ذَلِك مُطلقًا من جِهَته ادنى عائق مهما كَانَ وَلَا بِأَيّ حجَّة كَانَت ويتعهد خُصُوصا بِأَنَّهُ لَا يستبيح لذاته من الْآن فَصَاعِدا ايقاف اَوْ القاء الْقَبْض على السفن المشحونة اَوْ المصبرة
следующие страницы →