Полный текст (661 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فِي ربيع سنة ١٨٢٩ كَانَ الْفَوْز غَالِبا للجيوش الروسية رغما عَمَّا بذله القواد العثمانيون من المهارة فِي ضروب الْقِتَال وَمَا اظهرته الْجنُود المنتظمة من الثَّبَات والانتظام
ولنقل بِاخْتِصَار بِدُونِ تَفْصِيل جَمِيع الوقائع الَّتِي حصلت بَين الجيشين فِي فَصلي الرّبيع والصيف أَن الجيوش الروسية اجتازت نهر الطونه ثمَّ اخترقت جبال البلقان بعد أَن تغلبت على من عارضها من الجيوش العثمانية واخيرا وصلت إِلَى مَدِينَة ادرنه واحتلتها عنْوَة وَعند ذَلِك لم يبْق امامها عائق يوقفها عَن التَّقَدُّم إِلَى مَدِينَة الاستانة المحمية الا عدم رَغْبَة الدولة فِي سُقُوطهَا فِي ايدي الروسيا واتفاقها ضمنا على اضعاف الدولة الْعلية إِلَى حد لَا يُمكنهَا مَعَه التَّقَدُّم والارتقاء مَعَ بَقَائِهَا عقبَة فِي سَبِيل الروسيا وحاجزا بَينهَا وَبَين الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط وَلذَلِك لما رات أَن الروس قد اقتربوا مِنْهَا وصاروا على طريقها وسيصلون اليها لَا محَالة لَو لم يتدخلوا بِشدَّة تخابرت مَعَ الدولتين المتحاربتين فأوقفت الروسيا جيوشها ودارت المخابرات بَينهمَا بتوسط مملكة بروسيا حَتَّى تمّ الصُّلْح وامضينت بِهِ معاهدة بِمَدِينَة ادرنة فِي ١٥ ربيع الاول سنة ١٢٤٥ ١٤ سبتمبر سنة ١٧٢٩ هَذَا نَصهَا
البند ١ كل عَدَاوَة ومجافاة بقيت لغاية الْآن بَين الدولتين تَنْقَطِع من تَارِيخ هَذَا الْيَوْم سَوَاء كَانَت بَريَّة اَوْ بحريّة ويخلفها الصُّلْح الابدي والمحبة وَحسن الْمُوَافقَة بَين جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا وَبَين عَظمَة امبراطور وبادشاه العثمانيين وَكَذَا بَين الْوَارِثين والمتعاقبين على عرش المملكتين ويبذل الطرفان الساميان المتعاقدان مَا فِي وسعهما من الانتباه الزَّائِد لمنع جَمِيع مَا من شَأْنه توليد الشقاق بَين رعاياهما وَيقومَانِ بتنفيذ جَمِيع شُرُوط معاهدة الصُّلْح الحالية بغاية الْعِنَايَة ويعتنيان ايضا بِأَنَّهَا لَا تنكث بِأَيّ كَيْفيَّة سَوَاء كَانَت مُبَاشرَة أَو غير مُبَاشرَة
البند ٢ حَيْثُ ان جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا يُرِيد ان يبرهن لِعَظَمَة امبراطور وبادشاه العثمانيين على اخلاص ميوله الودية فَيُعِيد إِلَى الْبَاب العالي امارة البغدان بحدودها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا قبل ابْتِدَاء الْحَرْب الَّتِي انْتَهَت بالمعاهدة الحالية وامارة الافلاق ومقاطعة قره جه ادوه بِدُونِ أَي اسْتثِْنَاء والبلغار
стр. 387
واقليم دوبروجه من الدانوب لغاية الْبَحْر مَعَ مَدَائِن سيلستريه وحرصو وماجين وايزا كنجه وتولتتا وباباطاغ وبازارجق ووارنه وبرافودي وَجَمِيع المدن والضياع والقرى التابعة لَهَا وَجَمِيع بِلَاد البلقان من امينه بورنو لغاية قزار والاقليم الممتد من بِلَاد البلقان إِلَى الْبَحْر الاسود مَعَ مَدَائِن سليمنا وتشامبولي وايدا وكرنيات وميسيمبزيا واوكهيولي وبورجاس وسيزيبولي وقرق قلدس وادرنة ولوله وبورجاس واخيرا جَمِيع الْبِلَاد والضياع والقرى وعموما جَمِيع الامكنة الَّتِي احتلتها جنود الروسيا من بِلَاد الرومللي
البند ٣ يسْتَمر نهر بروث لِأَن يكون الْحَد الْفَاصِل بَين الدولتين من النقطة الَّتِي يمس فِيهَا تخوم البغدان لغاية التقائه مَعَ الدانوب وَمن هَذَا الْمَكَان تتجه التخوم بمحاذاة مجْرى الدانوب لغاية مصب ماري جرجس بِحَيْثُ أَن جَمِيع الجزائر المتكونة بِفُرُوع هَذَا النَّهر الْمُخْتَلفَة تكون ملكا للروسيا واما الشاطئ الايمن مِنْهُ فَيبقى تَابعا للباب العثمانية كالسابق وَمَعَ ذَلِك فقد اتّفق على أَن الشاطئ الايمن الْمَذْكُور من الْمَكَان الَّذِي فِيهِ ينْفَصل فرع ماري جرجس عَن فرع سولينيه يبْقى غير مسكون على بعد ساعتين من هَذَا النَّهر وَأَن لَا يشيد بِهِ مبان من أَي نوع كَانَ وَكَذَلِكَ فِي الجزائر الَّتِي تبقى فِي ملك دولة الروسيا وَيسْتَثْنى من ذَلِك الكورنتينات الَّتِي تعْمل فِيهَا وَلَا يسمح مُطلقًا بِأَن يشيد فِيهَا أَي بِنَاء آخر وَلَا استحكامات ومراكب الدولتين التجارية يكون لَهَا الْحق فِي الملاحة بالدانوب فِي جَمِيع طوله والمراكب الحاملة للْعلم العثماني يُمكنهَا أَن تدخل بِدُونِ ممانعة فِي مصبي قبلي وسولينيه اما مصب ماري جرجس فتمر فِيهِ مراكب الدولتين الحربية والتجارية وَلَكِن المراكب الحربية الروسية لَا يُمكنهَا عِنْد صعودها فِي الدانوب
стр. 388
أَن تتجاوز مَحل التقائه مَعَ البروث
البند ٤ بِمَا أَن مقاطعات الكرج والامريثيا ومنكريل وجوريل وَغَيرهَا من مقاطعات القوزاق منضمة من سِنِين عديدة وعَلى الدَّوَام إِلَى المملكة الروسية بِمَا ان هَذِه الدولة قد اكْتسبت بالمعاهدة المبرمة مَعَ دولة الْعَجم ببلدة تورامان جاي فِي ١٠ فبراير سنة ١٨٢٨ خلاف ذَلِك خانات اريفان وناخيتشيفان فالدولتان العليتان المتعاقدتان قد علمتا ضَرُورَة تَحْدِيد ممالكهما فِي هَذِه الْجِهَة بِحَيْثُ أَن هَذَا التَّحْدِيد يكون معينا تعيينا تَاما ضَامِنا لاجتناب كل اخْتِلَاف اَوْ نزاع فِي الْمُسْتَقْبل وَقد شرعتا من جِهَة اخرى فِي اتِّخَاذ الطّرق الفعالة لرد هجمات وَصد غارات الامم الْمُجَاورَة الَّتِي كَانَت تجريها لغاية الْوَقْت الْحَاضِر وَالَّتِي كَانَت غَالِبا السَّبَب الوحيد فِي نقض الصلات الودية وَحسن الْمُجَاورَة بَين الدولتين وَبِنَاء على ذَلِك فقد اتّفق بَين حكومتي الدولة الامبراطورية الروسية وَبَين الْبَاب العالي العثماني بِأَن تكون حُدُود ولايات المملكتين بآسيا من الْآن فَصَاعِدا خطا يتبع الْحُدُود الحالية لاقليم جوريل من ابْتِدَاء الْبَحْر الاسود ثمَّ يصعد لغاية حُدُود مقاطعة اميريثيا وَمن هُنَاكَ يعرج نَحْو الاتجاه الاكثر استقامة لغاية مَكَان التقاء حُدُود ولايات اخلتزيك وقارص مَعَ ولايات الكرج بِحَيْثُ تكون مَدِينَة اخلتزيك وقلعتها فِي شمال هَذَا الْخط على مَسَافَة لَيست بِأَقَلّ من ساعتين اما جَمِيع الْبلدَانِ الكائنة فِي الْجنُوب والغرب من خطّ التَّحْدِيد الْمَذْكُور الْقَرِيبَة من ولايتي قارص وطرابزون بِمَا فِيهَا الْجُزْء الاعظم من ولَايَة اخلتزيك فانها تبقى على الدَّوَام تَحت حكم الْبَاب العالي واما الْبِلَاد الكائنة فِي الشمَال والشرق من الْخط الْمَذْكُور الْقَرِيبَة من الكرج واميريثيا وجوريل وَكَذَلِكَ جَمِيع شواطيء الْبَحْر الاسود من مصب نهر قوبان لغاية ميناء ماري نقولا بِمَا فِيهَا هَذِه الميناء فانها تبقى إِلَى الابد تَحت حكم المملكة الروسية فبناء على ذَلِك ترد حُكُومَة الروسيا الامبراطورية إِلَى الْبَاب العالي بَاقِي ولَايَة اخلتزيك وَكَذَا مَدِينَة وَولَايَة قارص وايضا مَدِينَة وَولَايَة بايزيد ومدينة وَولَايَة ارضروم وَجَمِيع الاماكن المحتلة لَهَا جيوش الروسيا وَالَّتِي تُوجد خَارِجا عَن الْخط الْمَذْكُور اعلاه
البند ٥ حَيْثُ ان امارتي البغدان والافلاق قد قبلتا ان تَكُونَا تَحت سيادة
стр. 389
الْبَاب العالي بِمُقْتَضى القوانين الاساسية للامارتين وَبِمَا ان دولة الروسيا قد ضمنت نجاحهما فقد صَار الِاتِّفَاق على انهما تحفظان جَمِيع الامتيازات والاختصاصات الَّتِي ضمنت لَهما سَوَاء كَانَت بِمُقْتَضى القوانين الاساسية للبلاد اَوْ بِحَسب نَص المعاهدات المبرمة بَين الدولتين اَوْ المؤيدة بالخطوط الشَّرِيفَة الصادرة فِي ازمنة مُخْتَلفَة وَبِنَاء على ذَلِك تتمتع هَاتَانِ الدولتان بِالْحُرِّيَّةِ الدِّينِيَّة وبالامن العمومي وَيكون لَهما ادارة اهلية مُسْتَقلَّة بحريّة التِّجَارَة واما الْقُيُود اللَّازِم اضافتها إِلَى الاشتراطات الْمُتَقَدّمَة لضمان تمتّع هذَيْن الاقليمين بحقوقهما فقد اتّفق عَلَيْهَا فِي العقد الْمُنْفَصِل الْمرْفق بِهَذَا الْمُعْتَبر كجزء من المعاهدة الحالية
البند ٦ بِمَا ان الظروف الَّتِي حصلت من ابْتِدَاء عقد اتِّفَاق آق كرمان لم تسمح للباب العالي بالاهتمام فِي تَنْفِيذ مَا جَاءَ بِالْعقدِ الْمُنْفَصِل الْمُخْتَص بالصرب الملحق بالبند ٥ من الِاتِّفَاق الْمَذْكُور فَهُوَ يتعهد بكيفية جلية بِأَن يقوم بتتميمها بِدُونِ ادنى امهال وبالضبط الاتم وخصوصا فِي ان يُعِيد السِّتَّة اقسام الْمُنْفَصِلَة عَن الصرب اليها حَتَّى تتمتع هَذِه الامة الصادقة الطائعة بالراحة والرفاهية اما الفرمان الْمُوشى بالخط الشريف الَّذِي يصدر بتنفيذ الْقُيُود الْمَذْكُورَة فَيُرْسل إِلَى دولة الروسيا الامبراطورية وتعلن بِهِ رسميا فِي ميعاد شهر من تَارِيخ التَّصْدِيق على هَذِه المعاهدة
البند ٧ يتمتع رعايا الروسيا فِي سَائِر انحاء المملكة العثمانية برا وبحرا بحريّة التِّجَارَة التَّامَّة الَّتِي تكفلها لَهُم المعاهدات المبرمة سَابِقًا بَين الدولتين العظيمتين الْمُتَعَاقدين وَلَا يَصح مس حريَّة التِّجَارَة بِأَيّ وَجه كَانَ وَلَا يُمكن ان تعطل فِي أَي حَال من الاحوال وَلَا بِأَيّ حجَّة كَانَت وَلَا يضيق نطاقها مُطلقًا وَلَا بِسَبَب أَي قَرَار اَوْ تَعْدِيل سَوَاء كَانَ من جِهَة الادارة اَوْ من جِهَة الْقَضَاء فِي داخلية الْبِلَاد والرعايا والسفن والتجار الروسيون يكونُونَ فِي حمى من كل شدَّة فِي الْمُعَامَلَة وَيبقى الرعايا الروسيون تَحت السلطة القضائية والبوليس الخاصين بوزير وقناصل الروسية واما المراكب الروسية فَلَا يحصل بهَا مُطلقًا أَي تفتيش من جِهَة الْحُكُومَة العثمانية لَا فِي شاسع الْبحار وَلَا فِي دَاخل أَي ميناء اَوْ مورده مِمَّا
стр. 390
يدْخل تَحت حكم الْبَاب العالي وكل انواع المتجر اَوْ الغلال الْمَمْلُوكَة لَاحَدَّ رعايا الروسيا يُمكن بيعهَا بِكُل حريَّة بعد تسديد عوائد الجمارك عَنْهَا بِمُقْتَضى التعريفات اَوْ ان تنزل إِلَى الْبر فِي مخازن صَاحبهَا اَوْ عميله بل وَيصِح نقلهَا على سفن اخرى ايا كَانَت جنسيتها بِدُونِ ان يحْتَاج التَّابِع الروسي فِي هَذِه الْحَالة لَان يشْعر الْحُكُومَة الْمَحَلِّيَّة وَلَا ان يطْلب اذنا بذلك مُطلقًا وَقد اتّفق اتِّفَاقًا صَرِيحًا على ان انواع الْقَمْح الْآتِيَة من الروسيا تتمتع بِنَفس هَذِه الامتيازات وان نقلهَا من اراضي الدولة لأي جِهَة لَا يحصل فِيهِ اقل صعوبة اَوْ ممانعة مُطلقًا وَلَا بِأَيّ حجَّة وَمَا عدا ذَلِك فيتعهد الْبَاب العالي بِأَن يتيقظ بِكُل اعتناء إِلَى عدم حُصُول أَي تَعْطِيل مهما كَانَت طَبِيعَته للتِّجَارَة والملاحة فِي الْبَحْر الاسود على الْخُصُوص وللوصول إِلَى هَذَا الْغَرَض يعْتَرف ويعلن بِأَن الْمُرُور فِي قنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة وببوغاز الدردنيل يكون بحريّة تَامَّة وانهما مفتوحان للسفن الروسية الحاملة للْعلم التجاري سَوَاء كَانَت مشحونة اَوْ مصبرة وَسَوَاء كَانَت آتِيَة من الْبَحْر الاسود بِقصد الدُّخُول فِي الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط اَوْ عابرة من الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط تُرِيدُ الدُّخُول فِي الْبَحْر الاسود وَمَا دَامَت هَذِه السفن تجارية فمهما كَانَت كَبِيرَة وَمهما كَانَ قدرهَا لَا تكون معرضة لادنى مَانع اَوْ لأي تعد كَمَا تقرر ذَلِك اعلاه وتتفق الدولتان على اتِّخَاذ انجح الطّرق للتوقي من أَي تَأْخِير فِي تَخْلِيص المراسلات الضرورية فبناء على نفس هَذِه الْقَاعِدَة يعلن بِأَن الْمُرُور من قنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة وبوغاز الدردنيل يكون حرا ومفتوحا لجَمِيع المراكب التجارية التابعة للممالك الْمَوْجُودَة فِي حَالَة الصُّلْح مَعَ الْبَاب العالي سَوَاء كَانَت متوجهة نَحْو الموانئ الروسية الَّتِي على الْبَحْر الاسود اَوْ آتِيَة مشحونة اَوْ مصبرة وَذَلِكَ بِمُقْتَضى الشُّرُوط عينهَا الَّتِي اشْترطت بِخُصُوص السفن الحاملة للْعلم الروسي
واخيرا بِمَا ان الْبَاب العالي يعْتَرف بِمَا لحكومة الروسيا الامبراطورية من الْحق فِي ان تتأكد من الضمانة التَّامَّة لهَذِهِ الْحُرِّيَّة التجارية وَمن الملاحة فِي الْبَحْر الاسود بِتِلْكَ الْكَيْفِيَّة فَهُوَ يعلن على رُؤُوس الاشهاد بِأَنَّهُ لَا يحصل فِي ذَلِك مُطلقًا من جِهَته ادنى عائق مهما كَانَ وَلَا بِأَيّ حجَّة كَانَت ويتعهد خُصُوصا بِأَنَّهُ لَا يستبيح لذاته من الْآن فَصَاعِدا ايقاف اَوْ القاء الْقَبْض على السفن المشحونة اَوْ المصبرة
стр. 391
سَوَاء كَانَت روسية اَوْ تَابِعَة للْمَالِك الَّتِي لَا تكون الدولة العثمانية مَعهَا فِي حَالَة حَرْب معلن حينما تكون مارة بقنال الْقُسْطَنْطِينِيَّة وبوغاز الدردنيل لأجل أَن تتَوَجَّه من الْبَحْر الاسود إِلَى الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط اَوْ بِالْعَكْسِ
وَإِذا حصل لَا سمح الله مُخَالفَة لبَعض الاشتراطات الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا البند الحالي بِدُونِ ان تنَال طلبات وَزِير الروسيا بِهَذَا الشَّأْن الترضية التَّامَّة فِي اسرع وَقت فالباب العالي يعْتَرف مقدما لحكومة الروسيا الامبراطورية بَان لَهَا الْحق فِي ان تعْتَبر هَذَا الْخلف كعمل عدائي وان لَهَا الْحق فِي ان تقَابل الدولة العثمانية بِمثلِهِ
البند ٨ بِمَا ان الوفاقات الَّتِي اشْترطت سَابِقًا فِي البند السَّادِس من اتِّفَاق آق كرمان الَّتِي موضوعها تنظيم وتصفية طلبات الرعايا والتجار التَّابِعين للطرفين بِخُصُوص تعويضات الخسائر الَّتِي نشأت فِي ازمنة مُخْتَلفَة من حَرْب سنة ١٨٠٦ لم تنفذ وَبِمَا ان التِّجَارَة الروسية من مُنْذُ عقد اتِّفَاق آق كرمان الْمُتَقَدّم ذكره قد حصل لَهَا خسائر جسيمة اخرى بِسَبَب الترتيبات الَّتِي صدرت بِخُصُوص الملاحة فِي البوسفور فقد اتّفق وتقرر بِأَن الْبَاب العالي العثماني يدْفع لحكومة الروسية الامبراطورية تعويض هَذِه الاضرار والخسائر فِي مُدَّة ثَمَانِيَة عشر شهرا وَفِي مواعيد تعين فِيمَا بعد مبلغ مليون وَخَمْسمِائة الف دوقة هولاندية بِحَيْثُ ان تسديد هَذَا الْمبلغ يمْنَع كل طلب اَوْ ادِّعَاء صادر من احدى الدولتين المتعاقدتين بِخُصُوص الظروف الْمَذْكُورَة اعلاه ضد الاخرى
البند ٩ بِمَا ان طول مُدَّة الْحَرْب الَّتِي انْتَهَت بِخَير بِعقد هَذِه المعاهدة قد تسبب عَنهُ لحكومة الروسيا الامبراطورية مصاريف جسيمة فالباب العالي يعْتَرف بضرورة تَقْدِيم تعويض مُوَافق لتِلْك الْحُكُومَة وَلِهَذَا فانه عدا عَن تنازله عَن قِطْعَة صَغِيرَة من الاراضي فِي آسيا الْمَذْكُورَة فِي البند ٤ وَالَّتِي قبلت حُكُومَة الروسيا باستلامها من اصل التعويض الْمَذْكُور فَإِن الْبَاب العالي يتعهد بِأَن يدْفع لَهَا مبلغا من النُّقُود يقدر فِيمَا بعد بِاتِّفَاق الطَّرفَيْنِ
البند ١٠ بِمَا ان الْبَاب العالي قد اعلن تمسكه التَّام باشتراطات المعاهدة المبرمة فِي لوندره بتاريخ ٦ يوليو سنة ١٨٢٧ بَين الروسيا وبريطانيا الْعُظْمَى
стр. 392
وفرنسا فَهُوَ يقبل ايضا بِالْعقدِ الَّذِي تقرر فِي ٢٢ مارس سنة ١٨٢٩ باتحاد جَمِيع هَذِه الممالك فِيمَا يتَعَلَّق بِخُصُوص اساس المعاهدة الْمَذْكُورَة وَهَذَا العقد يشْتَمل على التنظيمات القنصلية المختصة بتنفيذها نهائيا فَفِي حَال تبادل التَّصْدِيق على معاهدة الصُّلْح الحالية وَبعد استلام كل طرف نسخته يعين الْبَاب العالي مفوضين سياسيين لكَي يتفقوا مَعَ مفوضي حُكُومَة الروسيا الامبراطورية وحكومتي انكلتره وفرنسا بِقصد اجراء تَنْفِيذ الاشتراطات والتنظيمات الَّتِي سبق الْكَلَام عَلَيْهَا
البند ١١ بعد التوقيع على معاهدة الصُّلْح الحالية بَين الدولتين مُبَاشرَة وتبادل تَصْدِيق الْملكَيْنِ عَلَيْهَا يشرع الْبَاب العالي فِي اخذ الاحتياطات الضرورية لتنفيذ الاشتراطات الَّتِي تحتوي عَلَيْهَا بالسرعة وبوجه الدقة وخصوصا بندي ٣ و ٤ الخاصين بالحدود الْمعينَة لفصل المملكتين عَن تعضهما سَوَاء كَانَ فِي اوروبا اَوْ فِي آسيا وَكَذَا بندي ٥ و ٦ المختصين بامارات البغدان والافلاق والصرب وَمَتى جَاءَ الْوَقْت الَّذِي فِيهِ يُمكن اعْتِبَار هَذِه البنود الْمُخْتَلفَة كَأَنَّهَا تنفذت فَحُكُومَة الدولة الروسية الامبراطورية تشرع فِي الْجلاء عَن اراضي الدولة العثمانية بِنَاء على الْقَوَاعِد المقررة بِعقد مُنْفَصِل يكون جزئا متمما من معاهدة الصُّلْح الحالية اما ادارة ونظام الامور الَّتِي تكون قد تقررت فِي هَذِه الامارات فِي الْحَال تَحت رِعَايَة الدولة الروسية الامبراطورية فانها تبقى ثَابِتَة لغاية انجلائها انجلاء تَاما من الاقاليم المحتلة وَالْبَاب العالي العثماني لَا يُمكنهُ ان يتداخل فِيهَا بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت
البند ١٢ بعد التوقيع على معاهدة الصُّلْح الحالية تُعْطى الاوامر فِي الْحَال إِلَى قواد جيوش الطَّرفَيْنِ الْبَريَّة والبحرية بِمَنْع الْحَرْب اما الوقائع الَّتِي تحصل بعد التوقيع على المعاهدة الحالية فَتعْتَبر كانها لم تحصل وَلَا تستدعي ادنى تَغْيِير فِي الشُّرُوط الَّتِي تشْتَمل عَلَيْهَا وبمثل ذَلِك جَمِيع الاماكن الَّتِي تأخذها جيوش احدى الدولتين العظيمتين المتعاقدتين فِي هَذِه الْمدَّة فانها تُعَاد بِدُونِ ادنى امهال
البند ١٣ بِمَا ان الطَّرفَيْنِ الفخيمين الْمُتَعَاقدين قد اعادا فِيمَا بَينهمَا روابط الْمَوَدَّة الْخَالِصَة فانهما يمنحان عفوا عموميا لجَمِيع رعاياها مهما كَانَت ظروف احوالهم وجنسيتهم وَكَانُوا قد اشْتَركُوا فِي اثناء الْحَرْب الَّتِي انْتَهَت بِحَمْد الله
стр. 393
فِي هَذِه الايام فِي الاعمال العسكرية اَوْ تظاهروا سَوَاء بسلوكهم اَوْ بآرائهم بالميل نَحْو اُحْدُ الطَّرفَيْنِ الْمُتَعَاقدين
وَبِنَاء على هَذَا فَأَي شخص من اولئك لَا يحصل لَهُ تكدير وَلَا يحاكم لَا بِالنِّسْبَةِ لشخصه وَلَا فِي امواله بِسَبَب سلوكه السالف وَلكُل مِنْهُم ان يسْتَردّ الاملاك الَّتِي كَانَ يمتلكها سَابِقًا وان يتمتع بهَا مطمئنا تَحت حماية القوانين والا فَلهُ الْخِيَار بِأَن يتَخَلَّص مِنْهَا فِي مُدَّة ثَمَانِيَة عشر شهرا لكَي ينْتَقل بعائلته وامواله المنقولة إِلَى أَي قطر شَاءَ بِدُونِ ان يقاسي ظلما اَوْ مَوَانِع بِأَيّ وَجه كَانَ
وَمَا عدا ذَلِك فانه يمنح لرعايا الطَّرفَيْنِ القاطنين فِي الْبِلَاد الْمُعَادَة إِلَى الْبَاب العالي اَوْ المتنازل عَنْهَا لدولة الروسيا الملوكية مُدَّة ثَمَانِيَة عشر شهرا ايضا ابْتِدَاء من تَارِيخ تبادل التَّصْدِيق على معاهدة الصُّلْح لكَي يتصرفوا فِي مملوكاتهم المكتسبة سَوَاء كَانَ قبل الْحَرْب اَوْ فِي مُدَّة وُقُوعه مَتى رَأَوْا ذَلِك مُوَافق لَهُم وليخرجوا بنقودهم ومنقولاتهم من ممالك احدى الدولتين المتعاقدتين إِلَى ممالك الاخرى وَبِالْعَكْسِ
البند ١٤ جَمِيع اسرى الْحَرْب مَعَهُمَا كَانَت جنسيتهم وظروف احوالهم رجَالًا كَانُوا اَوْ نسَاء الَّذين يوجدون عِنْد الدولتين يجب اخلاء سبيلهم بِدُونِ اقل فديَة اَوْ دفع شَيْء عَنْهُم وَذَلِكَ بعد تبادل التَّصْدِيق على معاهدة الصُّلْح الحالية مُبَاشرَة وَيسْتَثْنى من ذَلِك النَّصَارَى الَّذين يعتنقون الدّيانَة المحمدية برضاهم واختيارهم فِي ممالك الْبَاب العالي وَكَذَلِكَ الْمُسلمُونَ الَّذين يعتنقون برضاهم واختيارهم الدّيانَة النَّصْرَانِيَّة فِي ممالك الدولة الروسية
وَهَكَذَا يكون الاجراء ايضا فِي شَأْن الرعايا الروسيين الَّذين يقعون بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت فِي الاسر بعد التوقيع على هَذِه المعاهدة ويوجدون فِي ممالك الْبَاب العالي وَكَذَا دولة الروسيا الامبراطورية تتعهد من جِهَتهَا ايضا بِأَن تعْمل بِمُوجب الطَّرِيقَة عينهَا بِالنّظرِ لرعايا الْبَاب العالي
وَلَا يَقْتَضِي مُطلقًا دفع المبالغ الَّتِي تكون انفقتها احدى الدولتين العظيمتين المتعاقدتين على الاسارى بل كل مِنْهُمَا يزودهم بِجَمِيعِ مَا يكون ضَرُورِيًّا لَهُم
стр. 394
لسفرهم لغاية الْحُدُود وَهُنَاكَ يحصل التبادل فيهم بِوَاسِطَة مأمورين مُعينين من كلا الطَّرفَيْنِ
البند ١٥ جَمِيع المعاهدات والاتفاقات والاشتراطات المقررة الَّتِي ابرمت فِي اعصار مُخْتَلفَة بَين حُكُومَة الروسيا الامبارطورية وَالْبَاب العالي العثماني مَا عدا البنود الَّتِي تخَالف المعاهدة الصلحية الحالية فانها تبقى مَعْمُولا بهَا بِكُل قُوَّة مَعَانِيهَا ومبانيها ويتعهد الطرفان الفخيمان المتعاقدان بِأَن يعتنيا بملاحظتها الملاحظة التَّامَّة وَعدم مخالفتها مُطلقًا
البند ١٦ المعاهدة الحالية هَذِه يصدق عَلَيْهَا الخ
مُلْحق مُخْتَصّ بولايتي الافلاق والبغدان تَارِيخه ١٤ سبتمبر سنة ١٨٢٩
زِيَادَة على اتِّفَاق الحكومتين العظيمتين المتعاقدتين على جَمِيع مَا اشْترط بِالْعقدِ الْمُنْفَصِل عَن الِاتِّفَاق المبرم فِي آق كرمان الْمُخْتَص بكيفية انتخاب وُلَاة البغدان والافلاق فقد اعترفنا بضرورة اعطاء ادارة هَاتين الامارتين اساسا اعظم ثباتا واكثر مُوَافقَة للصالح الْحَقِيقِيّ فِي هَاتين الولايتين وللوصول لهَذَا الْغَرَض قد اتّفق وتقرر نهائيا بِأَن مُدَّة حكم الْوُلَاة لَا تكون ابدا مَقْصُورَة على سبع سنوات كَمَا كَانَ حَاصِلا فِي الْمَاضِي بل انهم يتقلدون من الْآن فَصَاعِدا هَذَا المنصب مُدَّة حياتهم لما مَا عدا احوال الاستعفاء اَوْ الْعَزْل بِسَبَب الارتكابات الْمَنْصُوص عَنْهَا فِي العقد الْمُنْفَصِل الْمَذْكُور
ينظم الْوُلَاة الاحوال الداخلية لولاياتهم بِكَمَال الْحُرِّيَّة بالاستشارة مَعَ دواوينهم بِدُونِ ان يتمكنوا من مس الْحُقُوق الْمَضْمُونَة للقطرين بالخطوط الشَّرِيفَة بِأَدْنَى شَيْء وَبِدُون ان يَكُونُوا مشوشين فِي ادارتهم الداخلية بِأَيّ مُخَالف لهَذِهِ الْحُقُوق ثمَّ ان الْبَاب العالي يعد ويتعهد بِأَنَّهُ يتيقظ تيقظا تَاما إِلَى عدم مس الامتيازات الممنوحة إِلَى البغدان والافلاق بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت بِوَاسِطَة قواده المجاورين لحدودهما وَأَن لَا يتَحَمَّل أَي تدخل مِنْهُم فِي احوال الامارتين وان يمْنَع كل توغل من سكان الشاطئ الايمن من نهر الطونة فِي التخوم البغدانية اَوْ الافلاقية وَيعْتَبر كجزء مكمل لهَذِهِ التخوم جَمِيع الجزائر الْمُجَاورَة للشاطئ الايسر من الدانوب ومجرى
стр. 395
هَذَا النَّهر يعْتَبر حدا للامارتين من ابْتِدَاء مدخله فِي الممالك العثمانية لغاية التقائه مَعَ نهر البروت
ولاجل التثبت جيدا من عدم اسْتِبَاحَة تخوم البغدان والافلاق فان الْبَاب العالي يتعهد بِأَن لَا يبْقى بهَا أَي مَكَان مُحصن وان لَا يسمح بتشييد أَي بِنَاء لرعاياه الْمُسلمين على الشاطئ الايسر للدانوب وَبِنَاء على ذَلِك فقد تقرر تقريرا لَا تَغْيِير مَعَه فِي امتداد جَمِيع هَذَا الشاطيء وَفِي الافلاق الْكَبِيرَة اَوْ الصَّغِيرَة وَكَذَا فِي البغدان لَا يُمكن لأي مُسلم ان يتَّخذ مسكنا ثَابتا فِي بقْعَة مِنْهَا وانما يقبل فِيهَا التُّجَّار الحاملون لفرمانات فَقَط ليشتروا على حسابهم الْخَاص من تينك الولايتين المحصولات الضرورية لمقطوعية الْقُسْطَنْطِينِيَّة اَوْ اشياء اخرى
اما الْبِلَاد التركية الْوَاقِعَة على الشاطئ الايسر للدانوب فانها تسلم إِلَى الافلاق لتنضم من الْآن فَصَاعِدا إِلَى هَذِه الْولَايَة وَكَذَا الْحُصُون الْمَوْجُودَة من سَابق على هَذَا الشاطئ لَا يُمكن اعادتها ثَانِيًا وَيجْبر الَّذين يمتلكون عقارات غير مغتصبة من الْغَيْر سَوَاء كَانَت فِي هَذِه المدن اَوْ فِي أَي نقطة غَيرهَا على الشاطئ الايسر الْمَذْكُور على بيعهَا للوطنيين فِي مُدَّة ثَمَانِيَة عشر شهرا وَحَيْثُ ان حُكُومَة الامارتين متمتعة بِجَمِيعِ امتيازات الادارة الداخلية المستقلة فيمكنها بِكُل حريَّة ان تقيم كردونات حواجز صحية وقورنتينات محاجر بمحاذاة طول الدانوب وَفِي امكنة اخرى على حسب الْبِلَاد الَّتِي تحْتَاج لذَلِك بِدُونِ ان يتَمَكَّن اُحْدُ من الاجانب الآتين اليها سَوَاء كَانَ مُسلما اَوْ نَصْرَانِيّا ان يتخلى عَن مُلَاحظَة الْقَوَاعِد الصحية بِكُل دقة اما من جِهَة مصلحَة القورنتينات وَكَذَا من جِهَة التيقظ للامن بالحدود واستتباب النظام فِي المدن والارياف وتنفيذ القوانين والقرارات فانه يُمكن لحكومة كل ولَايَة ان تستخدم عددا من الحرس الْمُسلمين الَّذين تَدْعُو اليهم الضَّرُورَة ليقوموا بأعباء هَذِه الْوَظَائِف وَعدد هَؤُلَاءِ الحراس والاعتناء بشأنهم يُقرر بِمَعْرِِفَة الْوُلَاة بالِاتِّفَاقِ مَعَ دواوينهم بِمُقْتَضى الْقَوَاعِد الْقَدِيمَة
حَيْثُ ان الْبَاب العالي مشغوف برغبته المخلصة بِأَن يدْخل فِي الامارتين جَمِيع انواع الرَّاحَة الممكنة لَهما ولوقوفه على انواع الظُّلم والتعديات الَّتِي تحصل فيهمَا بِسَبَب الْمُؤَن الْمَطْلُوبَة للقسطنطينية وللقلاع الْقَائِمَة على ضفاف الدانوب
стр. 396
واحتياجات الترسخانة فَهُوَ قد تنازل بِالْكُلِّيَّةِ عَن حَقه فِي هَذَا الْخُصُوص وَبِنَاء عَلَيْهِ فالافلاق والبغدان قد عوفيتا ابديا من تَقْدِيم الْحُبُوب والمحصولات الاخرى والاغنام واخشاب الْبناء الَّتِي كَانَتَا ملزمتين بتوريدها سَابِقًا وبهذه المثابة لَا يُطَالب سكان هَاتين الولايتين فِي أَي حَال من الاحوال بعمال للاشتغال بتشييد الْحُصُون وَلَا لأي سخرة مهما كَانَ نوعها وَلَكِن لكَي تعوض الخزينة الملوكية عَن الخسائر الَّتِي يُمكن ان تتكبدها من ترك كل حُقُوقهَا الْمَذْكُورَة فقد تقرر ان يدْفع كل من البغدان والافلاق سنويا للباب العالي نَظِير ذَلِك مبلغا من النُّقُود يتَعَيَّن مِقْدَاره فِيمَا بعد بِاتِّفَاق الطَّرفَيْنِ هَذَا بِخِلَاف الْجِزْيَة السنوية الَّتِي يجب على الامارتين دَفعهَا إِلَى الْبَاب العالي باسم خراج وَغَيره بِمُقْتَضى عبارَة الخطوط الشَّرِيفَة المحررة فِي سنة ١٨٠٢ وَكَذَلِكَ فانه عِنْد تَجْدِيد الْوُلَاة بِسَبَب الْمَوْت اَوْ الاستعفاء والعزل القانوني للمقلد فالولاية الَّتِي يحصل فِيهَا ذَلِك تجبر بِأَن تدفع للباب العالي مبلغا مكافئا للخراج السنوي للولاية الْمُقَرّر بالخطوط الشَّرِيفَة وَمَا عدا هَذِه المبالغ فَلَا يطْلب من الْبِلَاد وَلَا من الْوُلَاة أَي خراج آخر وَلَا تعْيين وَلَا هَدِيَّة بِوَجْه من الْوُجُوه
بِمَا ان التوريدات المنوه عَنْهَا اعلاه قد الغيت فسكان الامارتين يتمتعون بحريّة التِّجَارَة تمتعا تَاما بمحصولات ارضهم وبصناعتهم الْمُشْتَرط ذَلِك بِالْعقدِ الْمُنْفَصِل من اتِّفَاق آق كرمان بِدُونِ ادنى تضييق مَا خلا التحوطات الَّتِي يتخذها الْوُلَاة بالاتحاد مَعَ دواوينهم ويرون انه من الضَّرُورِيّ تقريرها لعدم وُقُوع الْقَحْط فِي الْبِلَاد ويمكنهم ان يسافروا بحريّة على الدانوب بمراكبهم الخصوصية مصحوبين ببطاقة الْجَوَاز من حكومتهم ويتوجهوا للاتجار فِي المدن والموانئ الاخرى التابعة للباب العالي بِدُونِ ان يحصل لَهُم تَعب اَوْ نصب من جباة الْخراج وَلَا ان يَكُونُوا معرضين لأي امْر آخر ظلمي
وَزِيَادَة على ذَلِك فان الْبَاب العالي عِنْدَمَا تَأمل جَمِيع المصائب الَّتِي تحملتها البغدان والافلاق وتحركت فِيهِ عواطف الانسانية بكيفية خُصُوصِيَّة قد قبل بإعفاء سكان هَاتين الامارتين من دفع الْخراج السنوي وتوريده للخزينة مُدَّة سنتَيْن ابْتِدَاء من الْيَوْم الَّذِي تنجلي فِيهِ الجيوش الروسية تَمامًا عَن الامارتين
стр. 397
واخيرا فان الْبَاب العالي لما لَهُ من الرَّغْبَة فِي تَمْكِين الرَّفَاهِيَة فِي الْمُسْتَقْبل بالامارتين بِجَمِيعِ الكيفيات فَهُوَ يتعهد تعهدا صَرِيحًا بِأَن يُوَافق على اللوائح الادارية الَّتِي تقررت بِنَاء على رغبات مجَالِس اعيان السكان وَذَلِكَ فِي مُدَّة احتلال جيوش الدولة الامبراطورية للامارتين وَبِأَنَّهُ يعْتَبر اتِّخَاذ تِلْكَ القرارات فِي الْمُسْتَقْبل اساسا لسن الاحكام الداخلية فِي الولايتين مَا دَامَت هَذِه القرارات لَا تشْتَمل على ادنى مُخَالفَة لحقوق سيادة الْبَاب العالي كَمَا هُوَ مَفْهُوم
فَلهَذَا نَحن الموقعين على هَذَا المفوضين السياسيين عَن جلالة امبراطور وبادشاه جَمِيع الروسيا بالِاتِّفَاقِ مَعَ المفوضين السياسيين عَن الْبَاب العالي العثماني قد قَررنَا بِخُصُوص البغدان والافلاق الشُّرُوط الْمَذْكُورَة اعلاه الَّتِي هِيَ نتيجة البند ٥ من معاهدة الصُّلْح المبرمة فِي ادرنه بَيْننَا وَبَين المفوضين السياسيين العثمانيين وَبِنَاء على هَذَا فَالْعقد الحالي الْمُنْفَصِل قد تحرر الخ
فَيظْهر للمطالع ان اهم مَا جَاءَ بِهَذِهِ المعاهدة ان نهر البروث يبْقى حدا بَين المملكتين كَمَا كَانَ قبلا وان تتنازل الدولة الْعلية للروسيا عَن مصبات نهر الطونة وَمَا حولهَا من الاراضي وَعَن وَادي الخور والقلعة الَّتِي بِهِ فِي حُدُود الاناطول لتَكون مَانِعا للتواصل بَين بِلَاد الدولة وقبائل الجركس المستقلة لتتمكن الروسيا من الِاسْتِيلَاء على بِلَادهمْ فِي الْمُسْتَقْبل وان يكون للروسيا حق الملاحة من الْبَحْر الاسود إِلَى الْبَحْر الابيض أَي حق الْمُرُور من بوغازي البوسفور والدردنيل بِدُونِ ان يفتش عُمَّال الدولة مراكبهم وان تُعْطِي الدولة إِلَى تجار الروس الَّذين اصابهم ضَرَر بِسَبَب الحروب تعويضا ماليا قدره سِتَّة عشر مليون فرنك تَقْرِيبًا وان يكون تعْيين امراء ولايتي الافلاق والبغدان لمُدَّة حياتهم وَعدم عزلهم الا لأسباب قَوِيَّة وباتحاد الروسية والدولة مَعَ حفظ جَمِيع الْحُقُوق والامتيازات المعطاة لهاتين الولايتين بِمُقْتَضى العهود السَّابِقَة وان تمنح ولَايَة الصرب الامتيازات المبينة فِي معاهدة آق كرمان اما بِخُصُوص اليونان فَقبل السُّلْطَان التَّصْدِيق على كل مَا جَاءَ فِي الِاتِّفَاق الَّذِي امْضِي بَين الدول فِي لوندره سنة ١٧٢٧ م وان يعين بعد اتمام الصُّلْح مَنْدُوبًا مرخصا من طرفه للاتفاق مَعَ مندوبي فرنسا والروسيا
стр. 398
وانكلترا على حُدُود هَذِه المملكة اليونانية الجديدة الَّتِي اوجدتها رَغْبَة الدولة فِي اضعاف الدولة الاسلامية الوحيدة وتخليص جَمِيع المسيحيين الْمَوْجُودين ببلادها من سلطتها وتحريضهم على طلب الِاسْتِقْلَال مُكَافَأَة لَهَا على عدم تعرضها لدينهم وعوائدهم ومجازاة لَهَا على هَذِه الغلطة السياسية وَلَا اقول غير ذَلِك لِأَن عَملهَا هَذَا منطبق كل الانطباق على قَوَاعِد الْعدْل واصول الانسانية الا ان السياسة فِي عرف الدول الاوروبية لَا تعترف بِهَذِهِ المبادئ الجليلة بل تنظر إِلَى الْغَايَة الْمَقْصُودَة بِقطع النّظر عَن طَرِيق الْوُصُول اليها وَقد قَالُوا فِي امثالهم الْجَارِيَة حَتَّى على السّنة الاطفال ان الْغَايَة تبرر الْوَاسِطَة ايا كَانَت هَذِه الْوَاسِطَة وَلَو الحقت الخراب والدمار لَا بِبَعْض الافراد بل بِأمة بأجمعها اَوْ بِأَكْثَرَ من امة وَاحِدَة
هَذَا ثمَّ اضيف إِلَى هَذِه المعاهدة ذيل ذكر فِيهِ ان مبلغ التعويض الَّذِي اتّفق على دَفعه للتجار الروسيين يدْفع على ارْبَعْ سنوات وان تدفع الدولة مبلغ خَمْسَة ملايين جنيه انكليزي تعويضا حَرْبِيّا للروسيا على عشرَة اقساط سنوية مُتَسَاوِيَة وان تبقى الجيوش الروسية فِي الممالك العثمانية ثمَّ تنسحب مِنْهَا تدريجيا فتنجلي عَن مَدِينَة ادرنه بعد دفع الْقسْط الاول وَترجع إِلَى مَا وَرَاء جبال البلقان بعد دفع الثَّانِي وَإِلَى مَا وَرَاء نهر الطونه بعد دفع الثَّالِث وتخلي امارة البلغار وَلَا تتخلى تَمامًا عَن ولايتي الافلاق والبغدان الا بعد دفع آخر قسط أَي بعد عشر سنوات وان يرحل جَمِيع السكان الْمُسلمين القاطنين بِهَاتَيْنِ الولايتين ويبيعوا مَا لَهُم بهَا من الْعقار وَالْمَنْقُول فِي مَسَافَة ثَمَانِيَة عشر شهرا
واخيرا فِي ٧ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٤٥ ٣٠ مايو سنة ١٨٣٠ اعلن الْبَاب العالي بتصديقه على الشُّرُوط الْمُدَوَّنَة فِي الِاتِّفَاق الَّذِي امْضِي بَين الدولة فِي لوندره فِي نوفمبر سنة ١٨٢٨ القَاضِي باستقلال اليونان
يَتَّضِح للمطالع من ذَلِك ان الروسيا وان لم تَأْخُذ شَيْئا يذكر من املاك الدولة بِمُقْتَضى هَذِه المعاهدة الا ان مَا وَضعته فِيهَا من الشُّرُوط كَانَت تقصد بهَا اضعاف الدولة بكيفية لَا يُمكنهَا مَعهَا اتمام النظامات العسكرية وَلَا تَجْدِيد عمارتها البحرية الَّتِي دمرت فِي وَاقعَة ناورين كَمَا سبق واتى لَهَا ذَلِك وَهِي ملتزمة بِدفع هَذِه الغرامة الحربية الفادحة بِالنِّسْبَةِ لماليتها والجيوش الاجنبية محتلة جُزْءا عَظِيما من
стр. 399
بلادها وفصلت عَنْهَا اليونان تَمامًا والافلاق والبغدان والصرب تَقْرِيبًا وَمَا بَقِي لَهَا اثقلت كَاهِله الضرائب اللَّازِمَة للحرب الداخلية والخارجية
هَذَا ثمَّ سَار السُّلْطَان فِي خطة الاصلاحات الداخلية بهمة لَا يعتريها ملال وعزيمة لَا يقعدها كلال فَأبْطل طوائف السلاحدارية والعلوفه جيه وَبَاقِي الطوائف الْغَيْر منتظمة وَصَارَ الْجَيْش كُله مؤلفا من جنود منتظمة مسلحة باتقن الاسلحة والغيت جَمِيع الامتيازات السَّابِقَة وَلم تُؤثر على السُّلْطَان أَي مُعَارضَة بل كَانَ يجازي كل من آنس مِنْهُ اقل انتقاد على الاصلاحات الجديدة باشد الْعقَاب وصارم الْعَذَاب حَتَّى انه لما رأى ان جمَاعَة البكطاشية محازبة للانكشارية واستعملت نفوذها فِي تهييج الاهالي امْر بالغائها وابطال جَمِيع تكاياها فالغيت وشتت اعضاؤها فِي اطارف الدولة حَتَّى لَا يخْشَى من تجمعهم بالاستانة وَقتل ثَلَاثَة من رؤسائها النافذي الْكَلِمَة بِنَاء على فَتْوَى شَرْعِيَّة وَمن جِهَة اخرى اخذ فِي تغير العوائد الْقَدِيمَة وَاتِّبَاع المستحسن من عوائد اوروبا فاستبدل الْعِمَامَة بالطربوش الروني وتزيى بالزي الاوروبي وامر بِأَن يكون هُوَ الزي الرسمي فِي العسكرية والمدنية واسس وساما دَعَاهُ وسام الافتخار واخيرا تجول بِذَاتِهِ فِي ممالكه باوروبا ليسبطلع احوالها وَيقف على حقائق الامور وشكاوة الاهالي وبالاختصار فانه سَار سير من يردي مجاراة اوروبا فِي نظاماتها وَعدم الْوُقُوف حَال تقدم الدولة الاخرى بِسُرْعَة لعلمه ان الْوُقُوف فِي مثل هَذِه الظروف هُوَ عين التَّأَخُّر وَلَو لم يكن لَهُ من الايادي الْبيض على الممالك المحروسة الا الغاء طَائِفَة الانكشارية لكفى ذَلِك لتخليد اسْمه فِي بطُون التَّارِيخ مشكورا ممدوحا إِلَى ابد الآبدين وَزِيَادَة على ذَلِك احيا مَا اقامه السُّلْطَان مصطفى الثَّالِث من مدارس الطوبجية بعد ان صَارَت دوارس وانشاء مدرسة حربية لتخريج الضباط على مِثَال مدرسة سانسير الفرنساوية الَّتِي اسسها نابوليون الاول بفرنسا لتربية اولاد
стр. 400
الضباط والاشراف على النظامات العسكرية الحديثة
احتلال فرنسا لجزائر الغرب
وَفِي اواسط سنة ١٨٣٠ نفذت فرنسا مَا كَانَت تنويه من مُدَّة ضد ولَايَة الجزائر بِدَعْوَى منع تعدِي قراصنة الْبَحْر الْمُسلمين على مراكبها التجارية والحقيقة ليَكُون لَهَا مَرْكَز حَرْبِيّ بشمال افريقيا حَتَّى لَا تكون انكلترا صَاحِبَة السِّيَادَة بمفردها على الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط باحتلالها معاقل جبل طَارق وجزيرة مالطة واتخذت لذَلِك سَبِيلا وُقُوع الْخلاف بَينهَا وَبَين عَامل الدولة الْعلية عَلَيْهَا الْمَدْعُو حُسَيْن باي بِسَبَب بعض دُيُون كَانَت مَطْلُوبَة لبَعض تجار الجزائريين على الْحُكُومَة الفرنساوية وحجزها جزأ مِنْهَا بِدَعْوَى ان هَؤُلَاءِ التُّجَّار مديونون لتجار فرنساويين وَخُرُوج المسيو دوفال قنصل فرنسا عَن حد الادب مَعَ الامير حُسَيْن باي فِي حفلة عمومية بِحَضْرَة جُمْهُور من الامراء والوزراء حَتَّى اضْطر حُسَيْن باي حفظا لناموسه ان يضْرب القنصل بمنشة كَانَت بِيَدِهِ فبمجرد ماحصل خبر هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى آذان وُلَاة الامور بباريس عدوها اهانة لشرفهم وارادوا اتخاذها وَسِيلَة لتنفيذ مَا كَانُوا مضمرين عَلَيْهِ من مُدَّة وقرروا فِي مجْلِس الوزراء المنعقد تَحت رئاسة الْملك نَفسه فِي ١٣ شعْبَان سنة ١٢٤٥ ٧ فبراير سنة ١٨٣٠ وجوب الِاسْتِيلَاء على هَذَا الاقليم ثمَّ ارسل اليها جَيْشًا مؤلفا من نَحْو ثَمَانِيَة وَعشْرين الف مقَاتل وَعمارَة بحريّة مؤلفة من مائَة سفينة وَثَلَاثَة سفن تحمل سَبْعَة وَعشْرين الف جندي بحري وَلما علمت انكلترا بذلك خشيت على نفوذها من مُشَاركَة فرنسا واحتجت ضد هَذَا الْمَشْرُوع وَلما لم يفد احتجاجها شَيْئا اوعزت إِلَى الْبَاب العالي ان يَأْمر عَامله على الجزائر بالتساهل مَعَ فرنسا وَتَقْدِيم مَا تطلبه من الترضية والتعويضات فَأرْسل الْبَاب العالي مَنْدُوبًا من طرفه لتبليغ هَذِه التعليمات إِلَى عَامل الجزائر لَكِن لم يصل هَذَا الْمَنْدُوب إِلَى مَحل مأموريته بل قبضت السفن الفرنساوية على الْمركب الحاملة لَهُ واوصلتها إِلَى ميناء طولون تَحت الْحِفْظ وَلم تسمح لَهَا بِالْخرُوجِ الا بعد اتمام مقصدهم وَفِي ٢٠ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٤٥ ١٢ يونيو سنة ١٨٣٠ نزلت عَسَاكِر فرنسا بِالْقربِ من مَدِينَة الجزائر وانتشب الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي
стр. 401
١٩ - يونيو وَبعد محاربة شَدِيدَة فَازَ الفرنساويون بالغلبة وَفِي ١٤ محرم سنة ١٢٤٦ ٥ يوليو احتلوا القلعة الْمُسَمَّاة سلطانية قلعة سي الْوَاقِعَة امام مَدِينَة الجزائر وَفِي تلوه دخلت الجيوش مَدِينَة الجزائر نَفسهَا بعد خُرُوج حُسَيْن باي مِنْهَا واعلنت فرنسا امتلاكها لَهَا وَبعد ذَلِك اخذت ترسل الجيوش تباعا إِلَى الجزائر لفتحها وَمَا زَالَ الاهالي يقاومونها تَحت امرة الوطني الشهير السَّيِّد عبد الْقَادِر الجزائري الَّذِي دَافع عَن بِلَاده مُدَّة سبع عشرَة سنة وَسلم نَفسه فِي ٢٤ رَجَب سنة ١٢٦٣ ٨ يوليو سنة ١٨٤٧ م وَلم تزل الاهالي غير راضية عَن الاحتلال الفرنساوي حَتَّى الْآن وَلم تدع فرْصَة للتخلص مِنْهُ الا اتخذتها لَكِن لم تقو حَتَّى الْيَوْم على التَّخَلُّص من ربقة الاجنبي
مُحَمَّد عَليّ باشا وَحرب الشَّام الاولى
لم يكن اهتمام وَالِي مصر ومؤسس العائلة الْكَرِيمَة الخديوية بشؤون بِلَاده وادخال النظامات الجديدة فِيهَا بِأَقَلّ من اهتمام السُّلْطَان مَحْمُود فِي اصلاح داخلية مَمْلَكَته الَّتِي مصر لَا تزَال وَلنْ تزَال ان شَاءَ الله جُزْءا مِنْهَا فَأَنْشَأَ عدَّة ترع عَظِيمَة لاصلاح الرّيّ اهمها ترعة المحمودية الْخَارِجَة من النّيل وواصلة إِلَى اسكندرية لتسهيل الملاحة وَشرب اهل الثغر واقام جسورا على النّيل لحفظ الْبِلَاد من الْغَرق ونظم واقام الْمدَارِس والورش الصناعية حَتَّى صَار لَا يَأْتِي بلوازم جيوشه من الْخَارِج بل يصنع جَمِيعه بالورش المصرية من المركوب والطربوش إِلَى البندقية والمدفع وَأَنْشَأَ عدَّة سفن حربية بدل الَّتِي دمرها التمدن الاوروبي فِي ناورين لَكِن لم تكن مَالِيَّته تَكْفِي لمصاريف هَذِه الاعمال فاستعان على اتمامها
стр. 402
بالضرائب الفادحة وَاسْتِعْمَال الانفار تسخيرا بِلَا عوض العونة ولجهل الاهالي بِأَن فَوَائِد اتعابهم ستعود عَلَيْهِم آجلا باضعاف مَا يدفعونه عَاجلا تمكن بعض ارباب الغايات من استمالتهم للمهاجرة إِلَى بِلَاد الشَّام فَهَاجَرَ مِنْهُم خلق كثير التجأوا إِلَى عبد الله باشا وَالِي عكا الْمَشْهُور بالجزار
وَلما طلب مِنْهُ مُحَمَّد عَليّ باشا ارجاعهم خوفًا من كَثْرَة عدد من يتبعهُم إِلَى الشَّام امْتنع من ذَلِك بِدَعْوَى ان الاقليمين تابعان لسلطان وَاحِد وَسَوَاء اقام بعض سكان احدهما فِي الآخر اَوْ بِالْعَكْسِ مَا دَامَ اُحْدُ الاقليمين لم يكن حائزا على امتيازات مَخْصُوصَة كحالة مصر الْآن
وَلذَلِك امْر مُحَمَّد عَليّ باشا فِي سنة ١٢٤٧ سنة ١٨٣١ باعداد الجيوش وَالتَّأَهُّب للسَّفر إِلَى بِلَاد الشَّام عَن طَرِيق الْعَريش وَعَن طَرِيق الْبَحْر فِي آن وَاحِد لمحاصرة عكا من الْجِهَتَيْنِ قبل ان يَأْتِيهَا المدد وَعين وَلَده ابراهيم باشا قائدا عَاما للجيوش المزمع سفرها وَسليمَان بيك الفرنساوي قَائِم مقَام لَهُ فَسَار هَذَا الشبل بحرا فِي ٢٦ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٤٧ ٢ نوفمبر سنة ١٨٣١ إِلَى مَدِينَة حيفا تحف بِهِ الدونانمة المصرية فِي اكمل نظام واتم هندام وَكَانَت الجيوش الْبَريَّة قد سبقته من طَرِيق الْعَريش وَفتحت فِي مسيرها مَدَائِن غَزَّة ويافا وَبَيت الْمُقَدّس ونابلس وَجعل ابراهيم باشا مَدِينَة حيفا مقرا لاعماله ومركزا لاركان حربه ومستودعا للمؤن والذخائر ثمَّ ارتحل عَنْهَا لمحاصرة مَدِينَة عكا فحاصرها برا وبحرا فِي ٢٠ جُمَادَى آخر سنة ١٢٤٧ ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٣١ حَتَّى لَا يَأْتِيهَا المدد بحرا فَلَا يقوى على فتحهَا كَمَا حصل لبونابرت من قبل حِين حاصرها سنة ١٧٩٩
فَلَمَّا علم الْبَاب العالي بِدُخُول الجيوش المصرية إِلَى بِلَاد الشَّام وحصارها لمدينة عكا اعْتبر ذَلِك عصيانا من مُحَمَّد عَليّ باشا واوعز إِلَى وَالِي حلب الْمَدْعُو عُثْمَان باشا بالسير لمحاربة المصريين وبالحري ابراهيم باشا ورده إِلَى حُدُود مصر فَجمع هَذَا الْوَالِي نَحْو عشْرين الف جندي وَقصد مَدِينَة عكا لَكِن لم يمهله ابراهيم باشا ريثما يَأْتِي اليها بل ترك حول عكا عددا قَلِيلا من الْجنُود لاستمرار الْحصار وَسَار هُوَ بمعظم الْجَيْش لملاقاة الْجَيْش العثماني فَالتقى الْجَمْعَانِ بِالْقربِ
стр. 403
من مَدِينَة حمص وانتصر المصريون على العثمانيين بِسَبَب استعدادهم وَكَمَال نظامهم
ثمَّ عَاد ابراهيم باشا إِلَى مَدِينَة عكا وشدد عَلَيْهَا الْحصار ودخلها عنْوَة فِي ٢٧ الْحجَّة سنة ١٢٤٧ ٢٨ مايو سنة ١٨٣٢ واخذ عبد الله باشا الجزار سَبَب هَذِه الْحَرْب اسيرا وارسله إِلَى مصر
وبمجرد وُصُول خبر سُقُوط مَدِينَة عكا فِي ايدي المصريين امْر السُّلْطَان مَحْمُود بِجمع كل مَا يُمكن جمعه من الجيوش المنتظمة فَجمع فِي اقْربْ وَقت نَحْو سِتِّينَ الف مقَاتل وَعين حُسَيْن باشا الَّذِي امتاز فِي مكافحة الانكشارية قائدا لَهَا فَسَار إِلَى بِلَاد الشَّام بِكُل تأن وبطء حَتَّى امكن ابراهيم باشا الاستعداد لملاقاته فتغلب اولا على مقدمته وانتصر عَلَيْهَا فِي ١٠ صفر سنة ١٢٤٨ ٢٩ يونيو سنة ١٨٣٢ واقتفى اثرها حَتَّى دخل مَدِينَة حلب الشَّهْبَاء فِي ١٨ صفر ٧ يوليو الْمَذْكُور
وَلما علم حُسَيْن باشا بانهزام الْمُقدمَة تقهقر بِمن مَعَه من الجيوش وتحصن فِي اهم مضايق جبال طوروس الفاصلة بَين الشَّام والاناطول وَيُسمى هَذَا الْمضيق بمضيق بيلان وَهُوَ مَشْهُور فِي التَّارِيخ لمرور الاسكندر المقدوني مِنْهُ حِين اتى لفتح بِلَاد الشَّام ومصر ومرور الافرنج حِين اتوا من طَرِيق الْقُسْطَنْطِينِيَّة لفتح بَيت الْمُقَدّس واستخلاصه من ايدي الْمُسلمين اثناء الحروب الصليبية فَلحقه ابراهيم باشا وفاز عَلَيْهِ فوزا عَظِيما وَفرق شَمل جيوشه فِي غرَّة ربيع اول سنة ١٢٤٨ ٢٩ يوليو من السّنة الْمَذْكُورَة وَتبع من بَقِي مِنْهُم إِلَى ان نزلُوا بمراكبهم فِي ميناء اسكندرونة فَجمع السُّلْطَان جَيْشًا آخر وقلد رئاسته إِلَى رشيد باشا الَّذِي امتاز مَعَ ابراهيم باشا فِي حَرْب موره خُصُوصا فِي محاصرة وَفتح مَدِينَة ميسولونجي وارسله إِلَى بِلَاد الاناطول لصد هجمات ابراهيم باشا عَن الْقُسْطَنْطِينِيَّة نَفسهَا إِذْ كَانَ ابراهيم باشا قد اجتاز جبال طوروس واحتل اقليم اطنه وَمَا وَرَاءه إِلَى مَدِينَة قونية فِي وسط الاناطول والتقى بِالْقربِ من هَذِه الْمَدِينَة برشيد باشا وجيشه فانتصر عَلَيْهِ واخذه اسيرا فِي ٢٧ رَجَب سنة ١٢٤٨ ٢٠ دسمبر سنة ١٨٣٢ وَعند ذَلِك سَاد القلق فِي الاستانة وَخيف تقدم ابراهيم باشا بجيوشه المصرية اليها اما هُوَ فسافر حَتَّى وصل إِلَى ضواحي مَدِينَة بورصة
وَلما تَوَاتَرَتْ اخبار انتصار المصريين على العثمانيين خشيت الدول ان يكون
стр. 404
قصد مُحَمَّد عَليّ باشا احتلال الاستانة واسقاط عائلة بني عُثْمَان والاستئثار بالخلافة الاسلامية فَيحصل اضْطِرَاب عمومي فِي التوازن الاوروبي وَكَانَت الروسيا اشد قلقا من غَيرهَا لخوفها من سُقُوط الاستانة فِي قَبْضَة من يُمكنهُ الذب عَنْهَا اكثر من الْمُلُوك العثمانيين فَلَا يُمكنهَا تَنْفِيذ وَصِيَّة بطرس الاكبر وَلذَلِك عرضت على الدولة الْعلية مساعدتها بِالرِّجَالِ وانزلت فعلا على شواطئ الاناطول خَمْسَة عشر الف جندي لحماية الاستانة فاضطربت فرنسا وانكلترا وخشيت سوء عَاقِبَة تدَاخل الروسيا بِصفة عسكرية والحت على الْبَاب العالي بِسُرْعَة الِاتِّفَاق مَعَ مُحَمَّد عَليّ باشا قبل تفاقم الْخطب واتساع الْخرق على الراقع وتوسطت بَينهمَا فَقبل الْبَاب الهمايوني بِهَذَا التَّوَسُّط
معاهدة كوتاهيه
وَبعد مخابرات ومداولات لاحاجة لتفصيلها اتّفق الطرفان على ان يخلي المصريون اقليم الاناطول وَترجع جيوشهم إِلَى مَا وَرَاء جبال طوروس وتعطى لمُحَمد عَليّ باشا ولَايَة مصر مُدَّة حَيَاته ويعين هُوَ واليا على ولايات الشَّام الاربع عكا وطرابلس وحلب ودمشق وعَلى جَزِيرَة كريد وان يعين ابْنه ابراهيم باشا واليا على اقليم اطنه وصدرت بذلك ارداة سنية فِي ٥ مايو سنة ١٨٣٣ ودعيت هَذِه المعاهدة بمعاهدة كوتاهيه نِسْبَة إِلَى الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ بهَا ابراهيم باشا عِنْد اتمامها وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الْمَسْأَلَة مؤقتا اذ لم يقبل السُّلْطَان بِهَذِهِ التَّسْوِيَة الا ليتَمَكَّن من الاستعداد للحرب وارجاع مَا اخذ مِنْهُ قهرا
معاهدة خونكار اسكله سي
وَلَقَد تمكنت الروسيا اثناء وجود عساكرها بِأَرْض الدولة من ابرام معاهدة هجومية ودفاعية مَعَ الْبَاب العالي فِي ١٨ محرم سنة ١٢٤٩ ٧ يونيو سنة ١٨٣٣ دعيت بمعاهدة خونكار اسكله سي تعهدت بهَا الروسيا بالدفاع عَن الدولة لَو هاجمها المصريون اَوْ غَيرهم ليَكُون لَهَا بذلك سَبِيل فِي شؤون الدولة الداخلية
стр. 405
حَرْب الشَّام الثَّانِيَة
وَلم تكن هَذِه التَّسْوِيَة الا وقتية فان مُحَمَّد عَليّ باشا لم يقبل بهَا الا خوفًا من اجبار الدولة لَهُ على ترك فتوحاته مَعَ كَونه عَازِمًا على تتميم مشروعه وَهُوَ الِاسْتِقْلَال التَّام عِنْد سنوح الفرصة وَكَذَلِكَ لم يقبل السُّلْطَان مَحْمُود بهَا الا لتفريق جيوشه وَعدم امكانه صد هجمات ابراهيم باشا عَن الاستانة الا بمساعدة الروسيا الامر الَّذِي سعى فِي تلافيه بابرام هَذِه المعاهدة حَتَّى إِذا استعد لاسترداد مَا فقد كرها اغار على بِلَاد الشَّام وَجعل مصر ولَايَة عثمانية بِدُونِ اقل امتياز
وَلما كَانَت هَذِه افكار كل فريق مِنْهُمَا كَانَ لَا بُد من اشتعال نَار الْحَرْب بَينهمَا ثَانِيَة عَاجلا اَوْ آجلا وَلَقَد كَانَ من اهم دواعي اسْتِئْنَاف هَذِه الحروب عصيان اهل الشَّام على مُحَمَّد عَليّ باشا ومعاملته اياهم بِكُل صرامة لاخضاعهم لسلطانه ثمَّ عصيان الدروز وامدادهم بِالْمَالِ وَالسِّلَاح من الْخَارِج سرا لاضعاف شوكته وَفِي اثناء ذَلِك فاتح مُحَمَّد عَليّ باشا بعض وكلاء الدول بِمصْر بِأَنَّهُ يرغب ان تكون مصر وَالشَّام وبلاد الْعَرَب لَهُ ولاولاده من بعده فأبلغ الوكلاء ذَلِك لدولهم وَهِي خابرت الدولة الْعلية بذلك بكيفيات مُخْتَلفَة فعضدت فرنسا مطالبه وَحسنت لَهُ الدول الاخرى محاربته بِكُل شدَّة واخضاعه خوفًا من تطلعه إِلَى غير مَا فِي يَده من الاقاليم ولتغلب نُفُوذ سفير فرنسا قبل الْبَاب العالي ارسال مَنْدُوب من طرفه إِلَى مُحَمَّد عَليّ باشا للاتفاق على حل مرض للطرفين وارسل إِلَى مصر من يدعى سارين افندي اُحْدُ موظفي الخارجية فَأتى هَذَا الْمَنْدُوب إِلَى مصر فِي غُضُون سنة ١٢٥٣ سنة ١٨٣٧ وقابله واليها بِكُل تَجِلَّةً واكرام
وَبعد مداولات طَوِيلَة اتفقَا على ان تُعْطى لَهُ ولايتي مصر وَالْعرب ارثا لاولاده وبلاد الشَّام إِلَى جبال طوروس مُدَّة حَيَاته وَعَاد سارين افندي إِلَى الاستانة بِهَذَا الْوِفَاق فَلم يقبله الْبَاب العالي بل اصر على ان تكون جبال طوروس ومفاوزها فِي ايدي العثمانيين لَا المصريين وصمم مُحَمَّد عَليّ باشا على عكس ذَلِك بِمَا ان هَذِه المفاوز بِمَثَابَة ابواب لبلاد الشَّام بأجمعها فَلَو احتلتها الدولة الْعلية امكنها الاغارة على بر الشَّام فِي أَي وَقت ارادت
стр. 406
وَاقعَة نَصِيبين
وَبِذَلِك عَاد الْخلف إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَصَارَت الْحَرْب قاب قوسين اَوْ ادنى واوعز الْبَاب العالي إِلَى حَافظ باشا الَّذِي عين سر عَسْكَر الجيوش المجتمعة فِي سيواس بارمينية بعد موت رشيد باشا اسير قونية الَّذِي مَاتَ قبل ان ياخذ بثار هَذِه الْوَاقِعَة ويمحو مَا لحقه فِيهَا من الفشل إِلَى ان يتَقَدَّم إِلَى ولايات الشَّام بِكُل سرعَة فَتقدم اليها فِي اوائل سنة ١٢٥٥ الْمُوَافقَة سنة ١٨٣٩ وَعبر نهر الْفُرَات عِنْد مَدِينَة بلاجيق فِي ابريل من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ التقى الجيشان بعد عدَّة مناورات بِالْقربِ من بَلْدَة تدعى نَصِيبين وَهِي الْمَشْهُورَة فِي جَمِيع كتب الافرنج باسم نزيب فِي ١١ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٥٥ ٢٤ يونيو سنة ١٨٣٩ وفاز المصريون بالنصر وتقهقر الْجَيْش العثماني تَارِكًا فِي ايدي المصريين ١٦٦ مدفعا وَعشْرين الف بندقية وَغَيرهَا من الذَّخَائِر والمؤن وَكَانَ هَذَا الْيَوْم مشهودا يَجْعَل الْولدَان شيبا
وَمن غَرِيب المصادفة ان المسيو دي مولتك الْقَائِد البروسياني الَّذِي طَار صيته فِي الْآفَاق وملا ذكره الاوراق فِي الْحَرْب الَّتِي حصلت بَين فرنسا والبروسيا فِي سنة ١٨٧٠ كَانَ من ضمن اركان حَرْب الْجَيْش العثماني وَولى الادبار
стр. 407
مَعَ بَاقِي الضباط بِدُونِ ان يتَمَكَّن من اخذ ملابسه واوراقه الخصوصية
وَلم يصل خبر هَذِه الْحَادِثَة إِلَى آذان السُّلْطَان مَحْمُود الثَّانِي فانه توفّي إِلَى رَحْمَة الله وانتقل من دَار الشَّقَاء إِلَى دَار الهناء فِي يَوْم ١٩ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٥٥ ٢ يوليو سنة ١٨٣٩ فَجْأَة بِدُونِ ان يعلم بهَا لعدم وجود الاسلاك البرقية فِي هَذَا الْعَهْد بَالغا من الْعُمر ٥٥ سنة وَتَوَلَّى بعده ابْنه عبد الْمجِيد
стр. 408
٣١
- السُّلْطَان الْغَازِي عبد الْمجِيد خَان
وَكَانَت مُدَّة خلَافَة السُّلْطَان مَحْمُود احدى وَثَلَاثِينَ سنة وَعشرَة شهور وَمَات عَن ارْبَعْ وَخمسين سنة تَقْرِيبًا وَكَانَت ولادَة السُّلْطَان عبد الْمجِيد فِي ١٤ شعْبَان سنة ١٢٣٧ ٦ مايو سنة ١٨٢٢ وَكَانَ اذ ذَاك سنه ١٧ فَتَوَلّى الْخلَافَة وَلم يبلغ الثَّامِنَة عشرَة من عمره وَكَانَت الْحُكُومَة فِي غَايَة الِاضْطِرَاب بِسَبَب انتصار جيوش مُحَمَّد عَليّ باشا بنصيبين كَمَا مر واحتلال جيوشه لمدائن عين تَابَ وقيصرية وملطية
وَمِمَّا زَاد احوال الدولة ارتباكا وشغل الخواطر باوروبا ان احْمَد باشا القبودان الْعَام للدونانمة التركية خرج بِجَمِيعِ مراكبه الحربية واتى بهَا إِلَى ثغر الاسكندرية وَسلمهَا إِلَى مُحَمَّد عَليّ باشا فِي ٢ جماد اول سنة ١٢٥٥ ١٤ يوليو سنة ١٨٣٩ وَكَانَ فعل احْمَد باشا القبودان مسببا عَن تَوْجِيه منصب الصدارة الْعُظْمَى إِلَى خسرو باشا الَّذِي كَانَ قد سبق تَعْيِينه واليا على مصر وَخرج مِنْهَا بِنَاء على رَغْبَة الاهالي فِي تعْيين مُحَمَّد عَليّ باشا واليا عَلَيْهَا وخوفه من الايقاع بِهِ بِسَبَب مَا كَانَ بَينه وَبَين مُحَمَّد عَليّ باشا من علائق الارتباط والمحبة
لما علم قناصل الدول بالاستانة بِتَسْلِيم الدونامة التركية إِلَى مُحَمَّد عَليّ باشا خَشوا رحف ابراهيم باشا على الْقُسْطَنْطِينِيَّة فترسل الروسيا جيوشها لمحاربته بِنَاء على معاهدة خونكار اسكله سي لَا سِيمَا وَقد فقدت الدولة جَمِيع جيوشها الْبَريَّة وسفنها الحربية فأرسلوا إِلَى الْبَاب العالي لائحة اشتراكية بتاريخ ١٦ جماد اول سنة ١٢٥٥ ٢٨ يوليو سنة ١٨٣٩ ممضاة من سفراء فرنسا وانكلترا والروسيا والنمسا والبروسيا يطْلبُونَ مِنْهُ ان لَا يقر شَيْئا فِي امْر الْمَسْأَلَة المصرية الا باطلاعهم
стр. 409
واتحادهم وانهم مستعدون للتوسط بَينه وَبَين مُحَمَّد عَليّ باشا لحل هَذِه الْمَسْأَلَة المهمة فَقبل الْبَاب العالي هَذِه اللائحة وَاجْتمعَ السفراء عِنْد الصَّدْر الاعظم فِي ١٨ جماد اول ٣٠ من الشَّهْر الْمَذْكُور وتداولوا فِيمَا يجب اعطاؤه لمُحَمد عَليّ باشا فأبدى سفيرا انكلترا والنمسا ضَرُورَة ارجاع الشَّام للدولة الْعلية وعارضهم فِي هَذَا الرَّأْي سفيرا فرنسا والروسيا وطلبا ان يمنح مُحَمَّد عَليّ باشا ملك مصر وولايات الشَّام الاربع لَكِن انحاز سفير البروسيا إِلَى الرَّأْي الاول فتقرر بالاغلبية ثمَّ طلب المسيو دي مترنيخ اكبر وزراء النمسا ان يعْقد مؤتمر دولي فِي مَدِينَة فيينا اَوْ لوندره لاتمام المداولات بشأن الْمَسْأَلَة المصرية فَلم يقبل مِنْهُ ذَلِك عِنْد الْكل سِيمَا فرنسا وانكلترا فَلم يقبلا ذَلِك وَلم يميلا لهَذَا الطّلب لعدم ثقتهم بالمسيو دي مترنيخ وَكَذَلِكَ الروسيا لم تقبل تخويل مؤتمر دولي حق تَحْدِيد علاقاتها مَعَ الْبَاب العالي بل اعلنت انها مصرة على التَّمَسُّك بنصوص معاهدة خونكار اسكله سى وَهِي حماية الدولة بعساكرها ومراكبها وبالتالي احتلال مُعظم املاكها بِدُونِ حَرْب لَو تعدى ابراهيم باشا حُدُود الشَّام فَعِنْدَ ذَلِك طلبت كل من فرنسا وانكلترا من الْبَاب العالي التَّصْرِيح لمراكبها بالمرور من بوغاز الدردنيل لحمايته عِنْد الضَّرُورَة من الروسيا وَمن العساكر المصرية وَجَاء الاميرال ستوبفورد بِنَفسِهِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة للحصول على هَذَا التَّصْرِيح وَلما علم بَاقِي السفراء بِهَذَا الطّلب اضْطَرَبُوا وخشوا حُصُول شقَاق بَين الدول المتوسطة واعلن سفير الروسيا بِأَنَّهُ إِذا دخلت المراكب الفرنساوية والانكليزية البوغاز يقطع علاقاته السياسية مَعَ الْبَاب العالي ويسافر فِي الْحَال وَكَانَت حكومته ارسلت لَهُ مركبا حَرْبِيّا ليسافر عَلَيْهِ إِذا اقْتضى الْحَال
стр. 410
ذَلِك وكتبت النمسا إِلَى وزارتي لوندره وباريس بِأَن طلبهما هَذَا مخل بسلم اوروبا وانهما لَو اصرا عَلَيْهِ تخرج من التَّحَالُف وَتحفظ لنَفسهَا حريَّة الْعَمَل فَلَمَّا علم الْبَاب العالي بذلك خَافَ من تفاقم الْخطب ورفض طلب حكومتي فرنسا وانكلترا وَطلب مِنْهُمَا ابعاد مراكبهما عَن مدْخل البوغاز فلهذه الاسباب وَعدم الِاتِّفَاق بَين وزراء الدول توقفت المخابرات إِلَى اوائل شهر رَجَب سنة ١٢٥٥ سبتمبر سنة ١٨٣٩ حَتَّى عرض اللورد بونسونبي سفير انكلترا على الْبَاب العالي ان دولته مستعدة لاكراه مُحَمَّد عَليّ باشا على رد الدونانمة التركية بِشَرْط ان يكون لَهَا حق ادخال مراكبها فِي خليج اسلامبول لصد الروسيا عِنْد الضَّرُورَة فَلَمَّا علمت بذلك حُكُومَة فرنسا ارسلت إِلَى الاميرال لالاند قَائِد اسطولها فِي مياه تركيا امرا بتاريخ ١٨ دسمبر سنة ١٨٣٩ أَنه لَا يشْتَرك مَعَ مراكب انكلترا فِي أَي حَرَكَة عدوانية ضد حُكُومَة مُحَمَّد عَليّ باشا فَعلم الْكل أَنه لَا بُد من حُصُول خلاف بَين فرنسا وانكلترا بِخُصُوص الْمَسْأَلَة المصرية واخذت الدول حذرها مِمَّا عساه يحصل من الامور الَّتِي تنشأ بِسَبَب هَذَا الْخلاف فأعلنت النمسا بِأَنَّهَا لَا ترغب التَّدَاخُل لعدم نجاح طلبَهَا الْمُخْتَص بانعقاد مؤتمر دولي فِي فيينا اَوْ برلين واعلنت بروسيا والروسيا بِأَنَّهُمَا يقبلان كل مَا تقرره الدول فِي هَذَا الشَّأْن بِشَرْط ان يكون مُوَافقا لرغبة الْبَاب العالي وان يكون قبُوله لهَذَا الْقَرار صادرا عَن كَمَال الْحُرِّيَّة فَكَأَن الدول قبلت مَا اتّفقت عَلَيْهِ فرنسا وانكلترا بالاتحاد مَعَ الْبَاب العالي وَلَكِن لم يتم الِاتِّفَاق بَين هَاتين الدولتين لسعي انكلترا فِي ارجاع المصريين إِلَى حدودهم الاصلية وَعدم قبُول فرنسا ذَلِك ورغبتها فِي مساعدة مُحَمَّد عَليّ باشا وَذَلِكَ ان فرنسا كَانَت تود ان تكون ولايتا مصر وَالشَّام لَهُ ولذريته واقليما اطنه وطرسوس لَهُ مُدَّة حَيَاته واما انكلترا فَكَانَت لَا تُرِيدُ ان يعْطى الا ولَايَة مصر لَكِن رَغْبَة فِي ارضاء فرنسا قبلت ان يعْطى مُدَّة حَيَاته نصف بِلَاد الشَّام الجنوبي بِشَرْط ان لَا تكون مَدِينَة عكا من هَذَا النّصْف فرفضت فرنسا هَذَا الاقتراح وَقَالَت كَيفَ نحرمه من كل فتوحاته خُصُوصا بعد ان قهر الجيوش العثمانية فِي وَاقعَة نَصِيبين واننا لَو جردناه مِنْهَا لتركنا لَهُ بَابا للحرب مرّة اخرى وَهُوَ امْر لَا تكون عاقبته حَسَنَة لِأَنَّهُ يُوجب تدَاخل حُكُومَة الروسيا فِي امْر الدولة الْعلية بِمُقْتَضى
стр. 411
العهود وَلَا تكون نتيجة ذَلِك الا حَربًا عَامَّة فالاولى منعا لسفك دِمَاء الْعباد ان تُعْطى لمُحَمد عَليّ باشا الْبِلَاد الَّتِي فتحهَا لِأَنَّهُ اقوم بادارتها واحق بهَا لما تكبده فِي فتحهَا من المشاق الصعبة والمصاريف الزَّائِدَة وبذل الارواح وَلما علمت الدول بِوُقُوع الْخلاف بَين فرنسا وانكلترا اعلنت النمسا وبروسيا رسميا انهما ينحازان إِلَى احدى الدولتين الَّتِي لَا تحرم الدولة من املاكها وَبِعِبَارَة اخرى إِلَى انكلترا
واما الروسيا فارادت ان تنتهز فرْصَة عدم اتِّحَاد الدولتين لتقرير نفوذها فِي الشرق وَحقّ حمايتها على الدولة الْعلية دون غَيرهَا وارسلت إِلَى لوندره البارون دي برونو بِصفة سفير فَوق الْعَادة فوصلها فِي اواخر سبتمبر سنة ١٨٣٩ وَعرض على حكومتها بالنيابة عَن قيصره ان الروسيا مستعدة لَان تتْرك لانكلترا حريَّة الْعَمَل فِي مصر وتساعدها على اذلال مُحَمَّد عَليّ باشا بِشَرْط ان تسمح لَهَا بانزال جَيش بِالْقربِ من اسلامبول فِي مَدِينَة سينوب الْوَاقِعَة على شاطئ الْبَحْر الاسود ببر الاناضول لكَي يَتَيَسَّر لَهَا اسعاف الْبَاب العالي لَو اراد ابرهيم باشا الزَّحْف على الْقُسْطَنْطِينِيَّة فصغى اللورد بالمرستون إِلَى كَلَام سفير الروسيا وَمَال إِلَى هَذَا الرَّأْي ميلًا شَدِيدا وَلَوْلَا استقباح الرَّأْي الْعَام لَهُ لقبله كل الْقبُول وَسلم بِهِ كل التَّسْلِيم لكنه لما رأى عدم مُوَافقَة الرَّأْي الْعَام لهَذَا الْمَشْرُوع اقترح على الروسيا ان تعلن اولا بتنازلها عَمَّا تخوله لَهَا معاهدة خونكاراسكله سي من حق حماية الدولة الْعلية فرفضت الروسيا ذَلِك واجلت المخابرات بشأن تَسْوِيَة المسالة المصرية إِلَى شهر يوليو سنة ١٨٤٠ لعدم اتِّفَاق الدولة على حَالَة ى مرضية للْكُلّ وافية بغرض الْجَمِيع لتباينهم فِي الغايات والمقاصد وَفِي خلال هَذِه الْمدَّة ارسلت الروسيا المسيو
стр. 412
برونو ثَانِيَة إِلَى لوندره ليطلب تَعْدِيل الْمَشْرُوع الاول بَان يخول لكل من انكلترا وفرنسا الْحق فِي ارسال ثَلَاث سفن حربية فِي بَحر مرمره للاشتراك مَعَ الْجَيْش الروسي فِي حماية اسلامبول لَو هاجمها ابراهيم باشا فَلم تفز الروسيا بمرامها فِي هَذِه الْمرة ايضا
هَذَا وَلما علم مُحَمَّد عَليّ باشا بِهَذِهِ المخابرات وَتحقّق ان الدول الاوروباوية عُمُوما وانكلترا خُصُوصا ساعية فِي ارجاع جيوشه إِلَى مصر وجبره على رد كل مَا فَتحه من الْبِلَاد وان فرنسا لَا يُمكنهَا مساعدته فضلا عَن تعصب بَاقِي اوروبا ومضادتها باجمعها لَهُ اخذ فِي الاستعداد لصد الْقُوَّة بِالْقُوَّةِ بِحَيْثُ لَا يسلم شبْرًا من الارض الَّتِي صرف مَاله وَرِجَاله فِي فتحهَا الا مُضْطَرّا وكلف سُلَيْمَان باشا بتفقد سواحل الشَّام وتحصينها بِقدر الامكان لَا سِيمَا مدينتي عكا وبيروت وامر بتعليم كَافَّة الاهالي جَمِيع الحركات العسكرية وَحمل السِّلَاح لكَي يسهل لَهُ حفظ الارض الداخلي بواسطتهم وَصد المهاجمين بِوَاسِطَة الْجَيْش المتدرب على الْحَرْب ولزيادة جَيْشه استدعى من الاقطار الحجازية والنجدية الجيوش المصرية المحتلة لَهَا واخذ ايضا فِي توفير الاموال من بعض وُجُوه مصاريفها واطلق سراح مُحَمَّد ابْن عون شرِيف مَكَّة الَّذِي كَانَ قد الزمه الاقامة بِمصْر من مُدَّة وَبِالْجُمْلَةِ تخلى عَن بِلَاد الْعَرَب وَتركهَا هملا كَمَا كَانَت لاحتياجه إِلَى المَال وَالرِّجَال لانها كَانَت تكلفه سنويا مبلغا قدره سَبْعمِائة الف جنيه مصري تَقْرِيبًا بِلَا فَائِدَة ثمَّ ارسل إِلَى وَلَده ابراهيم باشا الاوامر الْمُشَدّدَة بَان يجْتَهد فِي اطفاء كل ثورة جزئية يبديها سكان الْجَبَل من أَي طَائِفَة خوفًا من اشتداد الْخطب فِي الدَّاخِل حِين الِاحْتِيَاج للانتباه لما ياتي من الْخَارِج
ثمَّ فِي اوائل سنة ١٨٤٠ عاودت النمسا الكرة وَطلبت من الدولة اجْتِمَاع مؤتمر فِي مَدِينَة فيينا لتسوية هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي اقلقت بَال الْجَمِيع فَقبلت الدول عقده فِي مَدِينَة لوندره لَا فيينا وَطلبت فرنسا ان يكون للباب العالي مَنْدُوب خصوصي فِي هَذَا المؤتمر مُرَاعَاة لَهُ لمَاله من السِّيَادَة الْعُظْمَى على الْبِلَاد الْمُتَنَازع بخصوصها
فَلَمَّا اجْتمع هَذَا المؤتمر طلبت فرنسا ابقاء الشَّام كلهَا تَحت يَد مُحَمَّد عَليّ باشا فعارضتها الْحُكُومَة الانكليزية فِي ذَلِك واصرت على مَا طلبته اولا وَهُوَ انه
стр. 413
لَا يعْطى لَهُ الا النّصْف الجنوبي مِنْهَا لَكِنَّهَا قبلت اخيرا بِنَاء على الحاح فرنسا ادخال عكا ضمن هَذَا الْقسم بِشَرْط ان يكون لَهُ مُدَّة حَيَاته فَقَط وَلَا ينْتَقل إِلَى ورثته بل يعود إِلَى الدولة الْعلية وَقبلت الروسيا والنمسا والبروسيا ذَلِك لَكِن لم تقبله فرنسا بِحجَّة ان حرمَان وَرَثَة مُحَمَّد عَليّ باشا من بِلَاد صرف السنين الطوَال فِي فتحهَا ليتركها لَهُم بعد مَوته مِمَّا يزِيد فِي حنقه على دوَل اوروبا وَرُبمَا لم يقبل هَذَا الْقَرار المجحف فتلتزم الدول باكراهه وَسَفك دِمَاء الْعباد ظلما الامر الَّذِي لم تجر هَذِه المخابرات الا لمَنعه فشددت انكلترا وخصوصا اللورد بالمرستون وزيرها الاول وابت الا رُجُوع مَا يعْطى لمُحَمد عَليّ باشا من الْبِلَاد الشامية إِلَى الدولة الْعلية بعد مَوته فَمن عدم الِاتِّفَاق وتشتت الآراء وَبعد الْوِفَاق لم ينجح هَذَا المؤتمر وَبقيت الْحَالة على ماهي عَلَيْهِ ثمَّ لما تولى المسيو تيرس رئاسة الوزارة الفرنساوية
стр. 414
فِي اول مارس سنة ١٨٤٠ لم يتبع خطة اسلافه فِي انهاء الْمَسْأَلَة المصرية بالاتحاد مَعَ انكلترا بل اراد ان يضع لَهَا حدا باتفاقه راسا مَعَ الْبَاب العالي وَمُحَمّد عَليّ باشا بَان يلْزم الْبَاب العالي ان يتْرك لمُحَمد عَليّ باشا ولايات مصر وَالشَّام لَهُ ولذريته ويهدده بمساعدة فرنسا لوالي مصر ان لم يذعن الْبَاب العالي لهَذِهِ المطالب
فَأرْسل لمُحَمد عَليّ باشا يُخبرهُ بِأَن لَا يقبل مطَالب انكلترا بل يُقَوي مركزه فِي الشَّام ويتأهب للكفاح وان فرنسا مستعدة لنجدته لَو عارضته انكلترا
معاهدة ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠
فَلَمَّا علم اللورد بالمرستون بِهَذِهِ المخابرات حنق على الْحُكُومَة الفرنساوية وبذل جهده فِي الِاتِّفَاق مَعَ الروسيا وبروسيا والنمسا لارجاع مُحَمَّد عي باشا إِلَى حُدُود مصر والزامه بِالْقُوَّةِ ان لم يطع وَلَقَد نجح بالمرستون فِي مسعاه وامضى بتاريخ ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠ مَعَ من ذكر من الدول معاهدة صدق عَلَيْهَا مَنْدُوب الدولة الْعلية مقتضاها
اولا ان يلْزم مُحَمَّد عَليّ باشا بارجاع مَا فَتحه للدولة الْعلية ويحفظ لنَفسِهِ الْجُزْء الجنوبي من الشَّام مَعَ عدم دُخُول مَدِينَة عكا فِي هَذَا الْقسم
ثَانِيًا ان يكون لانكلترا الْحق بالِاتِّفَاقِ مَعَ النمسا فِي محاصرة فرض الشَّام ومساعدة كل من اراد من سكان بِلَاد الشَّام خلع طَاعَة المصريين وَالرُّجُوع إِلَى الدولة الْعلية وَبِعِبَارَة اخرى تحريضهم على الْعِصْيَان لانشغال الجيوش المصرية فِي الدَّاخِل كي لَا تقوى على مقاومة المراكب النمساوية والانكليزية
стр. 415
ثَالِثا ان يكون لمراكب الروسيا والنمسا وانكلترا مَعًا حق الدُّخُول فِي البوسفور لوقاية الْقُسْطَنْطِينِيَّة لَو تقدّمت الجيوش المصرية نَحْوهَا
رَابِعا ان لَا يكون لَاحَدَّ الْحق فِي الدُّخُول فِي مياه البوسفور مَا دَامَت الْقُسْطَنْطِينِيَّة غير مهددة
خَامِسًا يجب على الدول الْموقع مندوبوها على هَذَا الِاتِّفَاق ان تصدق عَلَيْهِ فِي مُدَّة لَا تزيد عَن شَهْرَيْن بِحَيْثُ يكون التَّصْدِيق فِي مَدِينَة لوندره
وشفعت هَذِه المعاهدة بملحق مُصدق عَلَيْهِ من مَنْدُوب الدولة الْعلية مُبين فِيهِ الْحُقُوق والامتيازات الَّتِي يُمكن منحها لمُحَمد عَليّ باشا وَقبل امضاء هَذِه المعاهدة ابتدأت انكلترا فِي تحريض سكان لبنان من دروز ومارونية ونصيرية على شقّ عَصا الطَّاعَة وارسل اللورد بونسوبني سفيرها لَدَى الْبَاب العالي ترجمانه المستر وود إِلَى الشَّام لهَذِهِ الْغَايَة وَاعْلَم بذلك اللورد بالمرستون برسالة تاريخها ٢٩ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٥٦ ٣٠ يونيو سنة ١٨٤٠ مَحْفُوظَة فِي سجلات المملكة وبمجرد وُصُول المستر وود إِلَى مَحل مأموريته اخذ فِي نشر ذَلِك بَين الاهالي وَلَقَد نجح فِي مأموريته واشهر الجبليون الْعِصْيَان وتجمعوا متسلحين وامتنعوا عَن تأدية الْخراج والمؤن العسكرية لَكِن لم تتسع هَذِه الثورة الابتدائية لتداركها فِي اولها فَأرْسل المدد من مصر واهتم كل من ابراهيم باشا وَسليمَان باشا الفرنساوي وعباس باشا الاول فِي اخمادها فاطفئت قبل ان يتعاظم امرها وعادت السكينَة فِي كَافَّة الانحاء
وَمن ثمَّ اخذ سُلَيْمَان باشا الفرنساوي فِي تحصين مَدِينَة بيروت لعلمه انها اول ميناء معرضة لمراكب الانكليز وَكَذَلِكَ بنى القلاع لحماية كل الثغور وَوضع بهَا المدافع الضخمة وَلَكِن لسوء الْحَظ لم تَجِد هَذِه الاستحكامات نفعا امام مراكب
стр. 416
الانكليز والنمسا كَمَا سَيَجِيءُ وَلما علمت الْحُكُومَة الانكليزية ان المرحوم مُحَمَّد عَليّ باشا مهتم فِي ارسال العساكر والذخائر من طَرِيق الْبَحْر إِلَى الشَّام ارادت ان تعارضه وتعاكسه اما باخذ دونانمته اَوْ تشتيتها وتفريقها ليتعذر ارسال المدد برا لوُجُود الصَّحرَاء الرملية الفاصلة بَين مصر وَالشَّام من طَرِيق الْعَريش فَأرْسلت اوامرها فِي اوائل شهر يوليو سنة ١٨٤٠ إِلَى الكومودور نابير بِأَن يتَوَجَّه بمراكبه إِلَى مياه الشَّام ومصر لاستخلاص الدونانمة التركية لَو خرجت من ميناء الاسكندرية واسر اَوْ احراق الدونانمة المصرية لَو قابلها فَلَمَّا علمت فرنسا بِهَذَا الْخَبَر أرْسلت إِحْدَى بوارجها البخارية إِلَى بيروت لتبليغ قَائِد الجيوش المصرية هَذَا الْخَبَر المشؤوم فَرَجَعت فِي الْحَال المراكب المصرية إِلَى الاسكندرية حَتَّى إِذا وصل الكومودور نابير لم يجدهَا فاغتاظ لذَلِك وَيُقَال انه قبل ان يبارح مياه بيروت ارسل إِلَى سُلَيْمَان باشا كتابا بتاريخ ٢٤ يوليو يظْهر لَهُ فِيهِ تكدره من اجراءآت القواد المصريين فِي الشَّام ومعاملتهم الثائرين بالقسوة وانهم ان لم يكفوا عَن اعمالهم البربرية على زَعمه اضْطر للتدخل وانزال عساكره إِلَى بيروت فاجابه سُلَيْمَان باشا بانه لَا يقبل ملحوظاته ويعلمه بانه لَا يخاطبه من الْآن فَصَاعِدا وَإِذا كَانَ عِنْده ملحوظات مثل هَذِه فليبدها لمُحَمد عَليّ باشا
وَلم يَبْتَدِئ شهر اغسطس سنة ١٨٤٠ الا وَقد ورد خبر معاهدة ١٥ يوليو إِلَى مصر وَالشَّام ووردت الاوامر إِلَى الدونانمة الانكليزية بمحاصرة سواحل الشَّام واسر المراكب المصرية حربية كَانَت اَوْ تجارية فَعَاد نابير إِلَى بيروت بعد ان اخذ فِي طَرِيقه كل مَا قابله من المراكب وَوَصلهَا فِي ١٥ جُمَادَى الثَّانِيَة ١٢٥٦ ١٤ اغسطس ١٨٤٠ واعلن العساكر المصرية باخلاء بيروت وعكا فِي اقْربْ وَقت وَنشر فِي انحاء الشَّام منشورات لاعلام الاهالي بِمَا قَرّرته الدول من بَقَاء الشَّام لمصر مَا عدا عكا وتحريضهم على الْعِصْيَان على الْحُكُومَة المصرية واظهار ولائهم للدولة الْعلية العثمانية
وَفِي الْيَوْم الْمَذْكُور ١٥ جماد الثَّانِي بلغت هَذِه المعاهدة رسميا إِلَى مُحَمَّد عَليّ باشا واتت اليه بعد ذَلِك قناصل الدول الاربع المتحدة وعرضوا عَلَيْهِ باسم دولهم ان تكون ولَايَة مصر لَهُ ولورثته وَولَايَة عكا لَهُ مُدَّة حَيَاته وامهلوه عشرَة
стр. 417
ايام لاعطاء جَوَابه فَطلب مِنْهُم كِتَابَة بذلك فلبوا طلبه ثمَّ فِي الْيَوْم التَّالِي افهموه ان فرنسا لَا يُمكنهَا مساعدته قطّ وان الدول مصممة على تَنْفِيذ مَا اتّفقت عَلَيْهِ وَلَو ادى ذَلِك إِلَى حَرْب اوروبية لكنه اصر على عدم الْقبُول والدفاع عَن حَقه إِلَى آخر رَمق من حَيَاته وَفِي يَوْم ٢٥ جماد الثَّانِي ١٢٥٦ ٢٤ اغيطس ١٨٤٠ الَّذِي هُوَ غَايَة الميعاد الْمُعْطى لَهُ حضر اليه القناصل وَمَعَهُمْ مَنْدُوب الدولة واخبروه بانه لَا حق لَهُ الْآن فِي ولَايَة عكا وان الدول لَا تسمح لَهُ إِلَّا بِولَايَة مصر فَقَط لَهُ ولذريته فاحتدم عَلَيْهِم غَضبا وطردهم من عِنْده قَائِلا لَهُم كَيفَ يجوز أَن أسمح لكم بالْمقَام فِي بلادي وَأَنْتُم وكلاء أعدائي فِي هَذِه الديار فانصرفوا وَأَعْطوهُ عشرَة أَيَّام أخر لابداء جَوَابه بِحَيْثُ إِن لم يُجَاوب تكون الدول غير مسؤولة عَمَّا يحصل لَهُ من الضَّرَر وَبعد انْقِضَاء هَذِه الْمدَّة بِدُونِ ان يُبْدِي لَهُم جَوَابه كتب القناصل بذلك إِلَى سفراء الدول باستانبول فَاجْتمعُوا مَعَ الصَّدْر الاعظم وقرروا باتحادهم اخذ مصر وَالشَّام من مُحَمَّد عَليّ باشا
وَفِي اثناء هَذِه الْمدَّة كَانَت فرنسا اتبَاعا لرأي المسيو تيرس تستعد لِلْقِتَالِ مساعدة لمُحَمد عَليّ باشا وَلَكِن لسوء حَظّ الامة المصرية كَانَت هَذِه الاستعدادات غير كَافِيَة وَلَا تتمّ الا بعد سِتَّة اشهر لعدم وجود السِّلَاح والذخائر الكافية للحرب لَا سِيمَا وان فرنسا تكون فِي هَذِه الْحَالة مقاومة لاكبر دوَل اوروبا
وَلما تحقق اهالي فرنسا ان حكومتهم لَا تقوى على مساعدة مُحَمَّد عَليّ باشا فعلا بعد ان جرأته على المقاومة ووعدته بالمساعدة هاج الرَّأْي الْعَام على المسيو تيرس المعضد لهَذِهِ السياسة الَّتِي عَادَتْ على مصر بِالضَّرَرِ الْعَظِيم حَتَّى الْتزم للاستعفاء فِي يَوْم ٣ رَمَضَان سنة ١٢٥٦ ٢٩ اكتوبر سنة ١٨٤٠ لَكِن لم يجد استعفاؤه لمصر نفعا لوقوفها بمفردها امام ارْبَعْ دوَل من اعظم الدول شَأْنًا واعلاها مكانة واكثرها قُوَّة اذ ارسلت فرنسا اوامرها لدونانمتها اولا بالانسحاب إِلَى مياه اليونان ثمَّ بالعودة إِلَى فرنسا وَترك مصر وَالشَّام لمراكب انكلترا تحرق موانئها بمقذوفاتها الجهنمية
وَكَانَ رُجُوع الدونانمة الفرنساوية فِي ٩ اكتوبر سنة ١٨٤٠ أَي قبل استعفاء المسيو تيرس بِعشْرين يَوْمًا
стр. 418
هَذَا وَلم تشترك الدول الاربع فِي محاربة مُحَمَّد عَليّ باشا بل قَامَت انكلترا وَحدهَا بِهَذَا الْعَمَل وساعدتها النمسا والدولة بِبَعْض مراكبها وعساكرها الْبَريَّة للنزول إِلَى الْبر إِذا اقْتضى الْحَال ذَلِك
واما دولة البروسيا فَلم يكن لَهَا مراكب اذ ذَاك والروسيا لم ترد الابتعاد عَن الْقُسْطَنْطِينِيَّة
وَلما وصل إِلَى سُلَيْمَان باشا بَلَاغ الكومودور نابير وَعلم بمنشوراته للاهالي اعلن فِي الْحَال بِجعْل الْبِلَاد تَحت الاحكام العسكرية وَذَلِكَ خوفًا من قيام الجبليين اتبَاعا لمشورة الانكليز وادخل فِي مَدِينَة بيروت الْعدَد الْكَافِي من الْجند وارسل لابراهيم باشا ان يحضر اليه بجيشه الَّذِي كَانَ معسكرا بِقرب مَدِينَة بعلبك ليشتركا فِي المدافعة عَن موانئ الشَّام فوصل ابراهيم باشا إِلَى بيروت وعسكر فِي ضواحيها وَفِي ١٢ رَجَب سنة ١٢٥٦ ٩ سبتمبر سنة ١٨٤٠ وصل الاميرال ستو بفورد الَّذِي كَانَ يجول بمراكبه امام الاسكندرية إِلَى مياه بيروت ليشترك مَعَ الكومودور نابير فِي اطلاق المدافع على موانئ الشَّام وَفِي الْيَوْم التَّالِي وصلهما العساكر الْبَريَّة وَكَانَت مؤلفة من الف وَخَمْسمِائة من المشاة الانكليزية وَثَمَانِية آلَاف بَين اتراك وارنؤود
وَفِي يَوْم ١٤ رَجَب ١١ سبتمبر انزلت هَذِه العساكر إِلَى الْبر فِي نقطة تبعد نَحْو سِتَّة اميال فِي شمال بيروت وَلم يتَمَكَّن ابراهيم باشا من مَنعهم لوُجُود هَذِه النقطة تَحت حماية المدافع الانكليزية
وَفِي ظهر ذَلِك الْيَوْم بعد نزُول هَذِه العساكر إِلَى الْبر ارسل إِلَى سُلَيْمَان باشا بَلَاغ من الاميرالين الانكليزي والنمساوي بَان يخلي مَدِينَة بيروت حَالا فَطلب مِنْهُم مَسَافَة ارْبَعْ وَعشْرين سَاعَة كي يتداول مَعَ ابراهيم باشا فِي هَذَا الامر الجلل فَلم يقبل طلبه وابتدأ فِي اطلاق المدافع على الْمَدِينَة وَاسْتمرّ اطلاقها حَتَّى الْمسَاء وابتدئ ايضا فِي الْيَوْم التَّالِي قبل الْفجْر وَلم تقطع الا بعد هدم اَوْ حرق اغلب الْمَدِينَة واحرقت كَذَلِك كل الثغور الشامية قصد استخلاصها من مُحَمَّد عَليّ باشا وارجاعها إِلَى الدولة الْعلية كَمَا كَانَت مَعَ ان مُحَمَّد عَليّ باشا لم يَأْتِ بامر يدل على رغبته فِي الْخُرُوج من تَحت ظلّ الرَّايَة العثمانية بل لم يزل مؤكدا اخلاصه
стр. 419
وولاءه للدولة وَلم يطْلب الا بَقَاء هَذِه الولايات لَهُ ولذريته مَعَ تبعيتهم للباب العالي ودفعهم الْخراج لَهُ اعترافا بِبَقَاء تِلْكَ التّبعِيَّة وَلَوْلَا تقلب الاحوال بَينه وَبَين السُّلْطَان لتم بَينهمَا الِاتِّفَاق على احسن وفَاق وحقنت دِمَاء الْعباد وَيدل على رَغْبَة الطَّرفَيْنِ فِي ذَلِك ارسال الْبَاب العالي ساريم بيك اولا وعاكف افندي ثَانِيًا إِلَى مُحَمَّد عَليّ باشا لحل هَذِه الْمَسْأَلَة
وَلَا يخفى ان مُحَمَّد عَليّ باشا هُوَ الَّذِي خلص مصر من فِئَة المماليك الباغية وَنشر بِجَمِيعِ جوانبها لِوَاء الامن وتسبب فِي ازدياد الزِّرَاعَة ونمو التِّجَارَة حَتَّى توفرت لمصر اسباب التمدن وتيسر بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة لقوافل التِّجَارَة الاوروباوية الْمُرُور بَين الاسكندرية والسويس بِدُونِ خوف من تعدِي اُحْدُ عَلَيْهَا وَله الْفضل ايضا فِي استئصال شافة الوهابيين من بِلَاد الْعَرَب واعادة الامن إِلَى طَرِيق الْحجَّاج واستخلاص مدينتي مَكَّة وَالْمَدينَة مِنْهُم بعد ان اسْتَحَالَ اذلالهم على ايدي العساكر الشاهانية فضلا عَن انه هُوَ الَّذِي فتح بِلَاد الرّوم وَلَوْلَا مَا حصل لاعادها إِلَى الدولة الْعلية بَعْدَمَا يئست من رُجُوعهَا اليها وَهُوَ الَّذِي اعاد الامن إِلَى ربوع الشَّام بعد احتلاله لَهَا وَمنع تعدِي البدو على الْحَضَر كَمَا انه ابطل الْقِتَال المستمر الَّذِي كَانَ لَا يَنْقَطِع دَائِما بَين الدروز والمارونية الامر الَّذِي لم يحصل مثله قبل احتلاله وَلَا بعده وَقد انحرف الامير الْكَبِير بشير عَن مُوَافقَة ابراهيم باشا بعد ان حَافظ على ولائه مُدَّة رَغْبَة فِي ان يُعْطي لَهُ من لدن الْبَاب العالي اسْم امير الْجَبَل وينادى لَهُ بذلك على رُؤُوس الاشهاد فانعكس عَلَيْهِ امْرَهْ وَعَاد عَلَيْهِ شُؤْم خيانته فعزل عَن امارة الْجَبَل والزم بمفارقة الشَّام فانتبه من غفلته وَنَدم على مَا كَانَ مِنْهُ حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم ثمَّ اوصلته احدى السفن الانكليزية إِلَى بيروت فقابله هُنَاكَ
стр. 420
الاميرال ستوبفورد وَبعد ان عنفه على تذبذبه الَّذِي حصل مِنْهُ ونفاقه الَّذِي اداه إِلَى ان يتبع الاقوى شَوْكَة وَعدم حفظه للعهود امْر بارساله وتابعيه مَعَ قَلِيل من عائلته إِلَى جَزِيرَة مالطة وَلم يجبهُ إِلَى مَا طلبه من ارساله إِلَى ايطاليا اَوْ فرنسا فوصل هَذِه الجزيرة فِي ٦ رَمَضَان سنة ١٢٥٦ اول نوفمبر سنة ١٨٤٠ وَكَانَ عمره اذ ذَاك خمْسا وَثَمَانِينَ سنة وَمضى مَا بَقِي من عمره مفكرا فِي اسباب زَوَال النِّعْمَة وَسُوء عَاقِبَة التذبذب وان الاحواط للانسان والاجدر بِهِ ان يحافظ على عهوده لانه لَو مَاتَ مَعَ الْمُحَافظَة عَلَيْهَا لمات بالشرف وَالْمجد وَلَو عَاشَ مَعَ الْخِيَانَة والتلون لعاش مَعَ الفضيحة والعار وَتُوفِّي فِي سنة ١٢٦٧ سنة ١٨٥٠ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَدفن فِي غلطه
اخلاء المصريين لبلاد الشَّام
هَذَا ولنقل بالاختصار ان المراكب الانكليزية والعساكر المختلطة الَّتِي انزلت إِلَى الْبر فِي عدَّة مَوَاضِع تمكنت من اخذ جَمِيع المدن الْوَاقِعَة على الْبَحْر واخراج المصريين مِنْهَا حَتَّى لم ير مُحَمَّد عَليّ باشا بدا من الاذعان إِلَى مطَالب اوروبا وانه من الْعَبَث الْمَحْض مقاومة الدول المتحدة فاصدر اوامره إِلَى وَلَده ابراهيم باشا بِعَدَمِ تَعْرِيض عساكره لِلْقِتَالِ وَالْمَوْت بِلَا فَائِدَة وباستدعاء الْجنُود المعسكرة فِي حُدُود الشَّام والانجلاء عَنْهَا مَعَ اتِّخَاذ انواع الاحتراس الْكُلِّي من الْعَرَب وسكان الْجَبَل فَبلغ ابراهيم باشا هَذِه الاوامر إِلَى القواد جَمِيعهم واخذ الْجنُود فِي الرُّجُوع من كل فج وصاروا يتجمعون حول قائدهم الاعظم الَّذِي قادهم غير مرّة إِلَى النَّصْر وَالظفر وَبعد ذَلِك قسم الْجَيْش عدَّة فرق كل مِنْهَا تَحت امرة اُحْدُ مِمَّن اشْتهر من القواد بالبسالة والتبصر فِي عواقب الامور وَسَار الْكل رَاجِعين إِلَى مصر تاركين الْبِلَاد الَّتِي سَفَكُوا فِيهَا دِمَاءَهُمْ وَتركُوا فِيهَا قُبُور اخوانهم
وَكَانَ ابْتِدَاء الْجَيْش فِي الرُّجُوع إِلَى مصر فِي شَوَّال سنة ١٢٥٦ اواسط شهر دسمبر سنة ١٨٤٠ وَوصل الْكل إِلَى الْقَاهِرَة بعد ان ذاقوا مرَارَة النصب وتحملوا انواع الذل والتعب وقاسوا شَدِيد الوصب مِمَّا تكل عَن وَصفه الاقلام وَلَا تحيط بنعته الاوهام ويكدر الاذهان فضلا عَن موت كثير مِنْهُم فِي الطَّرِيق بِسَبَب مناوشات
стр. 421
الْعَرَب الَّذين زَادَت قحتهم وجراءتهم لما تحققوا عدم تمكن المصريين من العودة وَرَاءَهُمْ واقتفاء آثَارهم وَمَعَ ذَلِك فقد تمكن سُلَيْمَان باشا من ارجاع مائَة وَخمسين مدفعا بخيولها إِلَى مصر وَكثير من خُيُول السَّوَارِي الَّتِي هلك قسم عَظِيم مِنْهَا بِسَبَب الْعَطش وَشدَّة التَّعَب
واما ابراهيم باشا وفرقته فَلم يُمكنهُم العودة إِلَى الْقَاهِرَة من طَرِيق صحراء الْعَريش لشدَّة مَا لاقوه اثناء مرورهم فِي فلسطين من مُعَارضَة الْعَرَب لَهُم وسدهم الطَّرِيق عَلَيْهِم واحتلالهم جَمِيع القناطر المبنية على الانهر حَتَّى اضْطر لمحاربتهم فِي كل يَوْم بل وَفِي كل سَاعَة
واخيرا وصل مَدِينَة غَزَّة بعد ان اسْتشْهد فِي الطَّرِيق ثَلَاثَة ارباع من مَعَه وَكثير من المستخدمين الملكيين الَّذين ارادوا الرُّجُوع إِلَى وطنهم مَعَ عائلاتهم فَلَمَّا وصل غَزَّة كتب لوالده اشعارا بقدومه وَطلب مِنْهُ ارسال مَا يلْزم لَهُ من المراكب لنقل فرقته إِلَى الاسكندرية وَمَا يلْزم لمؤونتهم وملبسهم
وَفِي اثناء هَذِه الْمدَّة عرض الكومودور نابير على مُحَمَّد عَليّ باشا ان الْحُكُومَة الانكليزية تسْعَى لَدَى الْبَاب العالي فِي اعطاء مصر لَهُ ولورثته لَو تنازل عَن الشَّام ورد الدونانمة التركية إِلَى الدولة الْعلية فامتثل لهَذَا الامر وَقبل هَذِه الشُّرُوط لحفظ مصر لذريته وَتمّ بَينهمَا الِاتِّفَاق فِي ٢ شَوَّال سنة ١٢٥٦ ٢٧ نوفمبر سنة ١٨٤٠
وَلم يقبل الْبَاب العالي هَذَا الِاتِّفَاق الا بعد تردد واحجام وتداول عدَّة مخاطبات بَينه وَبَين وكلاء الدول الاربع المتحدة المجتمعين بِمَدِينَة لوندره بِصفة مؤتمر وَصدر بذلك فرمان همايوني فِي تَارِيخ ٢١ ذِي الْقعدَة سنة ١٢٥٦ ١٤ يناير سنة ١٨٤١ هَذَا نَصه نقلا عَن قَامُوس جلاد
رَأينَا بسرور مَا عرضتموه من الْبَرَاهِين على خضوعكم وتأكيدات امانتكم وَصدق عبوديتكم لذاتنا الشاهانية ولمصلحة بابنا العالي فطول اختباركم وَمَا لكم
стр. 422
من الدِّرَايَة باحوال الْبِلَاد الْمسلمَة ادارتها لكم من مُدَّة مديدة لَا يتركان لنا ريبا بانكم قادرون بِمَا تبدونه من الْغيرَة وَالْحكمَة فِي ادارة شؤون ولايتكم على الْحُصُول من لدنا الشاهاني على حُقُوق جَدِيدَة فِي تعطفاتنا الملوكية وثقتنا بكم فتقدرون فِي الْوَقْت نَفسه احساناتنا اليكم قدرهَا وتجتهدون ببث هَذِه المزايا الَّتِي امتزتم بهَا فِي اولادكم وبمناسبة ذَلِك صممنا على تثبيتكم فِي الْحُكُومَة المصرية المبينة حُدُودهَا فِي الخريطة المرسومة لكم من لدن صدرنا الاعظم ومنحناكم فضلا على ذَلِك ولَايَة مصر بطرِيق التَّوَارُث بِالشُّرُوطِ الْآتِي بَيَانهَا
مَتى خلا منصب الْولَايَة المصرية تعهد الْولَايَة إِلَى من تنتخبه سدتنا الملوكية من اولادكم الذُّكُور وتجري هَذِه الطَّرِيقَة نَفسهَا بِحَق اولاده وهلم جرا وَإِذا انقرضت ذريتكم الذُّكُور لَا يكون لاولاد نسَاء عائلتكم الذُّكُور حق ايا كَانَ فِي الْولَايَة وارثها وَمن وَقع عَلَيْهِ من اولادكم الانتخاب لولاية مصر بالارث بعدكم يجب عَلَيْهِ الْحُضُور إِلَى الاستانة لتقليده الْولَايَة الْمَذْكُورَة على ان حق التَّوَارُث الممنوح لوالي مصر لَا يمنحه رُتْبَة وَلَا لقبا اعلى من رُتْبَة سَائِر الوزراء ولقبهم وَلَا حَقًا فِي التَّقَدُّم عَلَيْهِم بل يُعَامل بِذَات مُعَاملَة زملائه وَجَمِيع احكام خطنا الشريف الهمايوني الصَّادِر عَن كلخانة وكافة القوانين الادارية الْجَارِي الْعَمَل بهَا اَوْ تِلْكَ الَّتِي سيجرى الْعَمَل بموجبها فِي ممالكنا العثمانية وَجَمِيع العهود المعقودة اَوْ الَّتِي ستعقد فِي مُسْتَقْبل الايام بَين بابنا العالي والدولة المتحابة يتبع الاجراء على مقتضاها جَمِيعهَا فِي ولَايَة مصر ايضا وكل مَا هُوَ مَفْرُوض على المصريين من الاموال والضرائب يجرى تَحْصِيله باسمنا الملوكي
ولكي لَا يكون اهالي مصر وهم من بعض رعايا بابنا العالي معرضين للمضار والاموال والضرائب غير القانونية يجب ان تنظم تِلْكَ الاموال والضرائب الْمَذْكُورَة بِمَ يُوَافق حَالَة ترتيبها فِي سَائِر الممالك العثمانية وَربع الايرادات الناتجة من الرسوم الجماركية وَمن بَاقِي الضرائب الَّتِي تتحصل فِي الديار المصرية يتَحَصَّل بِتَمَامِهِ وَلَا
стр. 423
يخصم مِنْهُ شَيْء ويؤدى إِلَى خزينة بابنا العالي العامرة وَالثَّلَاث ارباع الْبَاقِيَة تبقى لولايتكم لتقوم بمصاريف التَّحْصِيل والادارة المدنية والجهادية وبنفقات الْوَالِي وبأثمان الغلال الملزومة مصر بتقديمها سنويا إِلَى الْبِلَاد المقدسة مَكَّة وَالْمَدينَة وَيبقى هَذَا الْخراج مستمرا دَفعه من الْحُكُومَة المصرية بطريقة تأديته المشروحة مُدَّة خمس سنوات تبتدئ من عَام ١٢٥٧ أَي من يَوْم ١٢ فبراير سنة ١٨٤١ وَمن الْمُمكن تَرْتِيب حَالَة اخرى بشأنهم فِي مُسْتَقْبل الايام تكون اكثر مُوَافقَة لحالة مصر الْمُسْتَقْبلَة وَنَوع الظروف الَّتِي رُبمَا تَجِد عَلَيْهَا
وَلما كَانَت وَاجِبَات بابنا العالي الْوُقُوف على مِقْدَار الايرادات السنوية والطرق المستعملة فِي تَحْصِيل العشور وَبَاقِي الضرائب وَكَانَ الْوُقُوف على هَذِه الاحوال يسْتَلْزم تعْيين لجنة مراقبة وملاحظة فِي تِلْكَ الْولَايَة فَينْظر فِي ذَلِك فِيمَا بعد ويجرى مَا يُوَافق ارادتنا السُّلْطَانِيَّة
وَلما كَانَ من اللُّزُوم ان يعين بابنا العالي ترتيبا لصك النُّقُود لما فِي ذَلِك من الاهمية بِحَيْثُ لَا يعود يحدث فِيهَا خلاف لَا من جِهَة الْعيار وَلَا من جِهَة الْقيمَة اقْتَضَت ارادتي السّنيَّة ان تكون النُّقُود الذهبية والفضية الْجَائِز لحكومة مصر ضربهَا باسمنا الشاهاني معادلة للنقود المضروبة فِي ضربخانتنا العامرة بالاستانة سَوَاء كَانَ من قبيل عيارها اَوْ من قبيل هيئتها وطرزها
وَيَكْفِي ان يكون لمصر فِي اوقات السّلم ثَمَانِيَة عشر الف نفر من الْجند للمحافظة فِي داخلية مصر وَلَا يجوز ان تتعدى ولايتكم هَذَا الْعدَد وَلَكِن حَيْثُ ان قوات مصر العسكرية معدة لخدمة الْبَاب العالي كأسوة قوات المملكة العثمانية الْبَاقِيَة فيسوغ ان يُزَاد هَذَا الْعدَد فِي زمن الْحَرْب بِمَا يرى مُوَافقا فِي ذَلِك الْحِين على انه بِحَسب الْقَاعِدَة الجديدة المتبعة فِي كَافَّة ممالكنا بشأن الْخدمَة العسكرية بعد ان تخْدم الْجند مُدَّة خمس سنوات يستبدلون بسواهم من العساكر الجديدة فَهَذِهِ الْقَاعِدَة يجب اتباعها ايضا فِي مصر بِحَيْثُ ينتخب من العساكر الجديدة الْمَوْجُودَة
стр. 424
فِي الْخدمَة حَالا عشرُون الف رجل ليبدؤوا الْخدمَة فيحفظ مِنْهَا ثَمَانِيَة عشر الف رجل فِي مصر وَترسل الالفان إِلَى هُنَا لاداء مُدَّة خدمتهم وَحَيْثُ ان خمس الْعشْرين الف رجل وَاجِب استبدالهم سنويا فَيُؤْخَذ سنويا من مصر اربعة آلَاف رجل حسب الْقَاعِدَة المقررة من نظام العسكرية حِين سحب الْقرعَة بِشَرْط ان تسْتَعْمل فِي ذَلِك وَاجِبَات الانسانية والنزاهة والسرعة اللَّازِمَة فَيبقى فِي مصر ثَلَاثَة آلَاف وسِتمِائَة جندي من الْجنُود الجديدة والاربعمائة يرسلون إِلَى هُنَا وَمن اتم خدمته من الْجنُود الْمُرْسلَة إِلَى هَذَا الطّرف وَمن الْجنُود الْبَاقِيَة فِي مصر يرجعُونَ إِلَى مساكنهم وَلَا يسوغ طَلَبهمْ للْخدمَة مرّة ثَانِيَة وَمَعَ كَون مناخ مصر رُبمَا يسْتَلْزم اقمشة خلاف الاقمشة المستعملة لملبوسات العساكر فَلَا باس من ذَلِك فَقَط يجب ان لَا تخْتَلف هَيْئَة الملابس والعلائم التمييزية ورايات الْجنُود المصرية عَن مثلهَا من ملابس ورايات بَاقِي الْجنُود العثمانية وَكَذَا ملابس الضباط وعلائم امتيازهم وملابس الملاحين وعساكر البحرية المصرية ورايات سفنها يجب ان تكون مماثلة لملابس ورايات وعلائم رجالنا وسفننا
وللحكومة المصرية ان تعين ضباطا بَريَّة وبحرية حَتَّى رُتْبَة الملازم اما مَا كَانَ اعلى من هَذِه الرُّتْبَة فالتعيين اليها رَاجع لارادتنا الشاهانية
وَلَا يسوغ لوالي مصر ان ينشئ من الْآن فَصَاعِدا سفنا حربية الا باذننا الخصوصي وَحَيْثُ ان الامتياز الْمُعْطى بوراثة ولَايَة مصر خاضع للشروط الْمُوَضّحَة اعلاه فَعدم تَنْفِيذ اُحْدُ هَذِه الشُّرُوط مُوجب لابطال هَذَا الامتياز والغائه للْحَال وَبِنَاء على ذَلِك قد اصدرنا خطنا هَذَا الشريف الملوكي كي تقدروا انتم واولادكم قدر احساننا الشاهاني فتعتنوا كل الاعتناء باتمام الشُّرُوط المقررة فِيهِ وتحموا اهالي مصر من كل فعل اكراهي وتكفلوا امنهم وسعادتهم مَعَ الحذر من مُخَالفَة اوامرنا الملوكية واخبار بابنا العالي عَن كل الْمسَائِل المهمة الْمُتَعَلّقَة بالبلاد الْمَعْهُودَة ولايتها لكم اهـ
стр. 425
وَلَقَد منحه الْبَاب العالي ايضا ولايات النّوبَة ودارفور وكردفان وسنار مُدَّة حَيَاته بِدُونِ ان تنْتَقل إِلَى ورثته كمصر بِمُقْتَضى فرمان شاهاني اصدر فِي الْيَوْم الَّذِي اصدر فِيهِ الفرمان الاول اعني فِي ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ هَذَا نَصه
ان سدتنا الملوكية كَمَا توضح فِي فرماننا السلطاني السَّابِق قد ثبتكم على ولَايَة مصر بطرِيق التَّوَارُث بِشُرُوط مَعْلُومَة وحدود مُعينَة وَقد قلدتكم فضلا على ولَايَة مصر ولَايَة مقاطعات النّوبَة ودارفور وكردفان وسنار وَجَمِيع توابعها وملحقاتها الْخَارِجَة عَن حُدُود مصر وَلَكِن بِغَيْر حق التَّوَارُث فبقوة الاختبار وَالْحكمَة الَّتِي امتزتم بهَا تقومون بادارة هاته المقاطعات وترتيب شؤونها بِمَا يُوَافق عدالتنا وتوفير الاسباب الآيلة لسعادة الاهلين وترسلون فِي كل سنة قَائِمَة إِلَى بابنا العالي حاوية بَيَان الايرادات السنوية جَمِيعهَا
وَحَيْثُ انه يحدث من وَقت لآخر ان تهجم الْجنُود على قرى المقاطعات الْمَذْكُورَة فيأسرون الفتيان من ذُكُور واناث ويبقونهم فِي قَبْضَة يدهم لِقَاء رواتبهم وَحَيْثُ ان هَذِه الامور مِمَّا تُفْضِي مَعهَا الْحَال لَيْسَ فَقَط لانقراض اهالي تِلْكَ الْبِلَاد وخرابها بل انها أُمُور مُخَالفَة للشريعة الحقة المقدسة وكلا هَاتين الْحَالَتَيْنِ لَيست اقل فظاعة من امْر آخر كثير الْوُقُوع وَهُوَ تَشْوِيه الرِّجَال ليقوموا بخفر الْحَرِيم ذَلِك مِمَّا لَا ينطبق على ارادتنا السّنيَّة مَعَ مناقضته كل المناقضة لمبادئ الْعدْل والانسانية المنتشرة من يَوْم جلوسنا المأنوس على عرش السلطنة الْعلية فَعَلَيْكُم مداركة هَذِه الامور بِمَا يَنْبَغِي من الاعتناء لمنع حدوثها فِي الْمُسْتَقْبل وَلَا يبرح عَن بالكم ان فِيمَا عدا بعض اشخاص توجهوا إِلَى مصر على اسطولنا الملوكي قد عَفَوْت عَن جَمِيع الضباط والعساكر وَبَاقِي المأمورين الْمَوْجُودين فِي مصر نعم ان بِمُوجب فرماننا السلطاني السَّابِق تَسْمِيَة الضباط المصرية لما فَوق رُتْبَة المعاون يسْتَلْزم الْعرض عَنْهَا لاعتابنا الملوكية الا انه لَا بَأْس من ارسال بَيَان باسم من رقيتم من ضباط جنودكم إِلَى بابنا العالي كي ترسل لَهُم الفرمانات المؤذنة بتثبيتهم فِي رتبهم هَذَا مَا نطقت بِهِ ارادتنا السامية فَعَلَيْكُم الاسراع فِي الاجراء على مقتضاها اهـ
فَقبل مُحَمَّد عَليّ باشا كل هَذِه الشُّرُوط وَلَو عَن غير رضَا ثمَّ طلب من الدول
следующие страницы →