← История

История · id 6638

تاريخ الدولة العلية العثمانية

محمد فريد بك

Полный текст (661 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْعَرَب الَّذين زَادَت قحتهم وجراءتهم لما تحققوا عدم تمكن المصريين من العودة وَرَاءَهُمْ واقتفاء آثَارهم وَمَعَ ذَلِك فقد تمكن سُلَيْمَان باشا من ارجاع مائَة وَخمسين مدفعا بخيولها إِلَى مصر وَكثير من خُيُول السَّوَارِي الَّتِي هلك قسم عَظِيم مِنْهَا بِسَبَب الْعَطش وَشدَّة التَّعَب واما ابراهيم باشا وفرقته فَلم يُمكنهُم العودة إِلَى الْقَاهِرَة من طَرِيق صحراء الْعَريش لشدَّة مَا لاقوه اثناء مرورهم فِي فلسطين من مُعَارضَة الْعَرَب لَهُم وسدهم الطَّرِيق عَلَيْهِم واحتلالهم جَمِيع القناطر المبنية على الانهر حَتَّى اضْطر لمحاربتهم فِي كل يَوْم بل وَفِي كل سَاعَة واخيرا وصل مَدِينَة غَزَّة بعد ان اسْتشْهد فِي الطَّرِيق ثَلَاثَة ارباع من مَعَه وَكثير من المستخدمين الملكيين الَّذين ارادوا الرُّجُوع إِلَى وطنهم مَعَ عائلاتهم فَلَمَّا وصل غَزَّة كتب لوالده اشعارا بقدومه وَطلب مِنْهُ ارسال مَا يلْزم لَهُ من المراكب لنقل فرقته إِلَى الاسكندرية وَمَا يلْزم لمؤونتهم وملبسهم وَفِي اثناء هَذِه الْمدَّة عرض الكومودور نابير على مُحَمَّد عَليّ باشا ان الْحُكُومَة الانكليزية تسْعَى لَدَى الْبَاب العالي فِي اعطاء مصر لَهُ ولورثته لَو تنازل عَن الشَّام ورد الدونانمة التركية إِلَى الدولة الْعلية فامتثل لهَذَا الامر وَقبل هَذِه الشُّرُوط لحفظ مصر لذريته وَتمّ بَينهمَا الِاتِّفَاق فِي ٢ شَوَّال سنة ١٢٥٦ ٢٧ نوفمبر سنة ١٨٤٠ وَلم يقبل الْبَاب العالي هَذَا الِاتِّفَاق الا بعد تردد واحجام وتداول عدَّة مخاطبات بَينه وَبَين وكلاء الدول الاربع المتحدة المجتمعين بِمَدِينَة لوندره بِصفة مؤتمر وَصدر بذلك فرمان همايوني فِي تَارِيخ ٢١ ذِي الْقعدَة سنة ١٢٥٦ ١٤ يناير سنة ١٨٤١ هَذَا نَصه نقلا عَن قَامُوس جلاد رَأينَا بسرور مَا عرضتموه من الْبَرَاهِين على خضوعكم وتأكيدات امانتكم وَصدق عبوديتكم لذاتنا الشاهانية ولمصلحة بابنا العالي فطول اختباركم وَمَا لكم

стр. 422

من الدِّرَايَة باحوال الْبِلَاد الْمسلمَة ادارتها لكم من مُدَّة مديدة لَا يتركان لنا ريبا بانكم قادرون بِمَا تبدونه من الْغيرَة وَالْحكمَة فِي ادارة شؤون ولايتكم على الْحُصُول من لدنا الشاهاني على حُقُوق جَدِيدَة فِي تعطفاتنا الملوكية وثقتنا بكم فتقدرون فِي الْوَقْت نَفسه احساناتنا اليكم قدرهَا وتجتهدون ببث هَذِه المزايا الَّتِي امتزتم بهَا فِي اولادكم وبمناسبة ذَلِك صممنا على تثبيتكم فِي الْحُكُومَة المصرية المبينة حُدُودهَا فِي الخريطة المرسومة لكم من لدن صدرنا الاعظم ومنحناكم فضلا على ذَلِك ولَايَة مصر بطرِيق التَّوَارُث بِالشُّرُوطِ الْآتِي بَيَانهَا مَتى خلا منصب الْولَايَة المصرية تعهد الْولَايَة إِلَى من تنتخبه سدتنا الملوكية من اولادكم الذُّكُور وتجري هَذِه الطَّرِيقَة نَفسهَا بِحَق اولاده وهلم جرا وَإِذا انقرضت ذريتكم الذُّكُور لَا يكون لاولاد نسَاء عائلتكم الذُّكُور حق ايا كَانَ فِي الْولَايَة وارثها وَمن وَقع عَلَيْهِ من اولادكم الانتخاب لولاية مصر بالارث بعدكم يجب عَلَيْهِ الْحُضُور إِلَى الاستانة لتقليده الْولَايَة الْمَذْكُورَة على ان حق التَّوَارُث الممنوح لوالي مصر لَا يمنحه رُتْبَة وَلَا لقبا اعلى من رُتْبَة سَائِر الوزراء ولقبهم وَلَا حَقًا فِي التَّقَدُّم عَلَيْهِم بل يُعَامل بِذَات مُعَاملَة زملائه وَجَمِيع احكام خطنا الشريف الهمايوني الصَّادِر عَن كلخانة وكافة القوانين الادارية الْجَارِي الْعَمَل بهَا اَوْ تِلْكَ الَّتِي سيجرى الْعَمَل بموجبها فِي ممالكنا العثمانية وَجَمِيع العهود المعقودة اَوْ الَّتِي ستعقد فِي مُسْتَقْبل الايام بَين بابنا العالي والدولة المتحابة يتبع الاجراء على مقتضاها جَمِيعهَا فِي ولَايَة مصر ايضا وكل مَا هُوَ مَفْرُوض على المصريين من الاموال والضرائب يجرى تَحْصِيله باسمنا الملوكي ولكي لَا يكون اهالي مصر وهم من بعض رعايا بابنا العالي معرضين للمضار والاموال والضرائب غير القانونية يجب ان تنظم تِلْكَ الاموال والضرائب الْمَذْكُورَة بِمَ يُوَافق حَالَة ترتيبها فِي سَائِر الممالك العثمانية وَربع الايرادات الناتجة من الرسوم الجماركية وَمن بَاقِي الضرائب الَّتِي تتحصل فِي الديار المصرية يتَحَصَّل بِتَمَامِهِ وَلَا

стр. 423

يخصم مِنْهُ شَيْء ويؤدى إِلَى خزينة بابنا العالي العامرة وَالثَّلَاث ارباع الْبَاقِيَة تبقى لولايتكم لتقوم بمصاريف التَّحْصِيل والادارة المدنية والجهادية وبنفقات الْوَالِي وبأثمان الغلال الملزومة مصر بتقديمها سنويا إِلَى الْبِلَاد المقدسة مَكَّة وَالْمَدينَة وَيبقى هَذَا الْخراج مستمرا دَفعه من الْحُكُومَة المصرية بطريقة تأديته المشروحة مُدَّة خمس سنوات تبتدئ من عَام ١٢٥٧ أَي من يَوْم ١٢ فبراير سنة ١٨٤١ وَمن الْمُمكن تَرْتِيب حَالَة اخرى بشأنهم فِي مُسْتَقْبل الايام تكون اكثر مُوَافقَة لحالة مصر الْمُسْتَقْبلَة وَنَوع الظروف الَّتِي رُبمَا تَجِد عَلَيْهَا وَلما كَانَت وَاجِبَات بابنا العالي الْوُقُوف على مِقْدَار الايرادات السنوية والطرق المستعملة فِي تَحْصِيل العشور وَبَاقِي الضرائب وَكَانَ الْوُقُوف على هَذِه الاحوال يسْتَلْزم تعْيين لجنة مراقبة وملاحظة فِي تِلْكَ الْولَايَة فَينْظر فِي ذَلِك فِيمَا بعد ويجرى مَا يُوَافق ارادتنا السُّلْطَانِيَّة وَلما كَانَ من اللُّزُوم ان يعين بابنا العالي ترتيبا لصك النُّقُود لما فِي ذَلِك من الاهمية بِحَيْثُ لَا يعود يحدث فِيهَا خلاف لَا من جِهَة الْعيار وَلَا من جِهَة الْقيمَة اقْتَضَت ارادتي السّنيَّة ان تكون النُّقُود الذهبية والفضية الْجَائِز لحكومة مصر ضربهَا باسمنا الشاهاني معادلة للنقود المضروبة فِي ضربخانتنا العامرة بالاستانة سَوَاء كَانَ من قبيل عيارها اَوْ من قبيل هيئتها وطرزها وَيَكْفِي ان يكون لمصر فِي اوقات السّلم ثَمَانِيَة عشر الف نفر من الْجند للمحافظة فِي داخلية مصر وَلَا يجوز ان تتعدى ولايتكم هَذَا الْعدَد وَلَكِن حَيْثُ ان قوات مصر العسكرية معدة لخدمة الْبَاب العالي كأسوة قوات المملكة العثمانية الْبَاقِيَة فيسوغ ان يُزَاد هَذَا الْعدَد فِي زمن الْحَرْب بِمَا يرى مُوَافقا فِي ذَلِك الْحِين على انه بِحَسب الْقَاعِدَة الجديدة المتبعة فِي كَافَّة ممالكنا بشأن الْخدمَة العسكرية بعد ان تخْدم الْجند مُدَّة خمس سنوات يستبدلون بسواهم من العساكر الجديدة فَهَذِهِ الْقَاعِدَة يجب اتباعها ايضا فِي مصر بِحَيْثُ ينتخب من العساكر الجديدة الْمَوْجُودَة

стр. 424

فِي الْخدمَة حَالا عشرُون الف رجل ليبدؤوا الْخدمَة فيحفظ مِنْهَا ثَمَانِيَة عشر الف رجل فِي مصر وَترسل الالفان إِلَى هُنَا لاداء مُدَّة خدمتهم وَحَيْثُ ان خمس الْعشْرين الف رجل وَاجِب استبدالهم سنويا فَيُؤْخَذ سنويا من مصر اربعة آلَاف رجل حسب الْقَاعِدَة المقررة من نظام العسكرية حِين سحب الْقرعَة بِشَرْط ان تسْتَعْمل فِي ذَلِك وَاجِبَات الانسانية والنزاهة والسرعة اللَّازِمَة فَيبقى فِي مصر ثَلَاثَة آلَاف وسِتمِائَة جندي من الْجنُود الجديدة والاربعمائة يرسلون إِلَى هُنَا وَمن اتم خدمته من الْجنُود الْمُرْسلَة إِلَى هَذَا الطّرف وَمن الْجنُود الْبَاقِيَة فِي مصر يرجعُونَ إِلَى مساكنهم وَلَا يسوغ طَلَبهمْ للْخدمَة مرّة ثَانِيَة وَمَعَ كَون مناخ مصر رُبمَا يسْتَلْزم اقمشة خلاف الاقمشة المستعملة لملبوسات العساكر فَلَا باس من ذَلِك فَقَط يجب ان لَا تخْتَلف هَيْئَة الملابس والعلائم التمييزية ورايات الْجنُود المصرية عَن مثلهَا من ملابس ورايات بَاقِي الْجنُود العثمانية وَكَذَا ملابس الضباط وعلائم امتيازهم وملابس الملاحين وعساكر البحرية المصرية ورايات سفنها يجب ان تكون مماثلة لملابس ورايات وعلائم رجالنا وسفننا وللحكومة المصرية ان تعين ضباطا بَريَّة وبحرية حَتَّى رُتْبَة الملازم اما مَا كَانَ اعلى من هَذِه الرُّتْبَة فالتعيين اليها رَاجع لارادتنا الشاهانية وَلَا يسوغ لوالي مصر ان ينشئ من الْآن فَصَاعِدا سفنا حربية الا باذننا الخصوصي وَحَيْثُ ان الامتياز الْمُعْطى بوراثة ولَايَة مصر خاضع للشروط الْمُوَضّحَة اعلاه فَعدم تَنْفِيذ اُحْدُ هَذِه الشُّرُوط مُوجب لابطال هَذَا الامتياز والغائه للْحَال وَبِنَاء على ذَلِك قد اصدرنا خطنا هَذَا الشريف الملوكي كي تقدروا انتم واولادكم قدر احساننا الشاهاني فتعتنوا كل الاعتناء باتمام الشُّرُوط المقررة فِيهِ وتحموا اهالي مصر من كل فعل اكراهي وتكفلوا امنهم وسعادتهم مَعَ الحذر من مُخَالفَة اوامرنا الملوكية واخبار بابنا العالي عَن كل الْمسَائِل المهمة الْمُتَعَلّقَة بالبلاد الْمَعْهُودَة ولايتها لكم اهـ

стр. 425

وَلَقَد منحه الْبَاب العالي ايضا ولايات النّوبَة ودارفور وكردفان وسنار مُدَّة حَيَاته بِدُونِ ان تنْتَقل إِلَى ورثته كمصر بِمُقْتَضى فرمان شاهاني اصدر فِي الْيَوْم الَّذِي اصدر فِيهِ الفرمان الاول اعني فِي ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ هَذَا نَصه ان سدتنا الملوكية كَمَا توضح فِي فرماننا السلطاني السَّابِق قد ثبتكم على ولَايَة مصر بطرِيق التَّوَارُث بِشُرُوط مَعْلُومَة وحدود مُعينَة وَقد قلدتكم فضلا على ولَايَة مصر ولَايَة مقاطعات النّوبَة ودارفور وكردفان وسنار وَجَمِيع توابعها وملحقاتها الْخَارِجَة عَن حُدُود مصر وَلَكِن بِغَيْر حق التَّوَارُث فبقوة الاختبار وَالْحكمَة الَّتِي امتزتم بهَا تقومون بادارة هاته المقاطعات وترتيب شؤونها بِمَا يُوَافق عدالتنا وتوفير الاسباب الآيلة لسعادة الاهلين وترسلون فِي كل سنة قَائِمَة إِلَى بابنا العالي حاوية بَيَان الايرادات السنوية جَمِيعهَا وَحَيْثُ انه يحدث من وَقت لآخر ان تهجم الْجنُود على قرى المقاطعات الْمَذْكُورَة فيأسرون الفتيان من ذُكُور واناث ويبقونهم فِي قَبْضَة يدهم لِقَاء رواتبهم وَحَيْثُ ان هَذِه الامور مِمَّا تُفْضِي مَعهَا الْحَال لَيْسَ فَقَط لانقراض اهالي تِلْكَ الْبِلَاد وخرابها بل انها أُمُور مُخَالفَة للشريعة الحقة المقدسة وكلا هَاتين الْحَالَتَيْنِ لَيست اقل فظاعة من امْر آخر كثير الْوُقُوع وَهُوَ تَشْوِيه الرِّجَال ليقوموا بخفر الْحَرِيم ذَلِك مِمَّا لَا ينطبق على ارادتنا السّنيَّة مَعَ مناقضته كل المناقضة لمبادئ الْعدْل والانسانية المنتشرة من يَوْم جلوسنا المأنوس على عرش السلطنة الْعلية فَعَلَيْكُم مداركة هَذِه الامور بِمَا يَنْبَغِي من الاعتناء لمنع حدوثها فِي الْمُسْتَقْبل وَلَا يبرح عَن بالكم ان فِيمَا عدا بعض اشخاص توجهوا إِلَى مصر على اسطولنا الملوكي قد عَفَوْت عَن جَمِيع الضباط والعساكر وَبَاقِي المأمورين الْمَوْجُودين فِي مصر نعم ان بِمُوجب فرماننا السلطاني السَّابِق تَسْمِيَة الضباط المصرية لما فَوق رُتْبَة المعاون يسْتَلْزم الْعرض عَنْهَا لاعتابنا الملوكية الا انه لَا بَأْس من ارسال بَيَان باسم من رقيتم من ضباط جنودكم إِلَى بابنا العالي كي ترسل لَهُم الفرمانات المؤذنة بتثبيتهم فِي رتبهم هَذَا مَا نطقت بِهِ ارادتنا السامية فَعَلَيْكُم الاسراع فِي الاجراء على مقتضاها اهـ فَقبل مُحَمَّد عَليّ باشا كل هَذِه الشُّرُوط وَلَو عَن غير رضَا ثمَّ طلب من الدول

стр. 426

ان تساعده فِي تَخْفيف بَعْضهَا وتغيير الْبَعْض الآخر فَقبلت ذَلِك وارسلت إِلَى الْبَاب العالي لائحة بتاريخ ١٣ مارس سنة ١٨٤١ طلبت مِنْهُ بهَا ان يعامله على حسب مَا هُوَ مدون بملحق معاهدة ١٥ يوليو سنة ١٨٤٠ وبلائحة ٣٠ يناير سنة ١٨٤١ فتنازلت الحضرة السُّلْطَانِيَّة بِمُقْتَضى لائحة ارسلت للدول بتاريخ ١٩ ابريل سنة ١٨٤١ بتحوير فرمانها الصَّادِر فِي ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ هَذِه صورتهَا ان الحضرة السُّلْطَانِيَّة الفخيمة تلقت مَا تعطفت عَلَيْهَا بِهِ الدول المتحالفة من النصائح هَذِه الدفعة ايضا وبمناسبتها قد منحت مُحَمَّد عَليّ باشا احسانا جَدِيدا هُوَ التكرم مِنْهَا باعطائه الامتيازات الاتية وَلكنهَا قد اشْترطت عَلَيْهِ الانقياد التَّام إِلَى جَمِيع الوثائق والمعاهدات المبرمة حَالا وَالَّتِي ستبرم اسْتِقْبَالًا فِيمَا بَين الْبَاب العالي والدول المتحالفة وعَلى ذَلِك اصبحت ولَايَة مصر تنْتَقل بالارث لمُحَمد عَليّ باشا واولاده واولاد اولاده الذُّكُور بِصُورَة ان يتَوَلَّى الاكبر فالاكبر فيقلده الْبَاب العالي منصب الْولَايَة كلما خلا هَذَا المنصب من وَال وَقد تنازل الْبَاب العالي عَن استيلائه على ربع ايرادات مصر وسيعين فِيمَا بعد قيمَة الْخراج الْوَاجِب على ولَايَة مصر دَفعه وترتيب مِقْدَاره وَطَرِيقَة تَحْصِيله بِمَا يُنَاسب حَالَة ايرادات الْولَايَة اما عَمَّا خص التسميات فِي الرتب الْمُخْتَلفَة فِي العسكرية المصرية فمرخص لمُحَمد عَليّ باشا ان يمنحها من نَفسه حَتَّى رُتْبَة الاميرالاي فَقَط اما التَّسْمِيَة لما فاق على هَذِه الرُّتْبَة فَيجب عَلَيْهِ ان يعرض بشانه إِلَى الْبَاب العالي اما مَا كَانَ مُتَعَلقا الادارة الداخلية وَكَانَ اتِّبَاعه وَاجِبا فِي مصر كاتباعه فِي سَائِر الممالك العثمانية فَيظْهر ان مُحَمَّد عَليّ باشا لَا يرغب التَّكَلُّم بِشَأْنِهِ بِمَا يَنْبَغِي من الصراحة مَعَ كَونه قد سبق تَقْرِير ذَلِك فِي العقد الْمُفْرد التَّابِع لمعاهدة المحالفة وَلَكِن كي لَا يدع الْبَاب العالي سَبِيلا للدول المتحالفة بالتضرر مِنْهُ بامر من الامور كَمَا لَو حدث ان ارْتكب مُحَمَّد عَليّ فِي الْمُسْتَقْبل اعمالا مُخَالفَة لنقطة مهمة مُسندَة على المعاهدة المحكي عَنْهَا قد قرر وزراء الْبَاب العالي وَالْحَالة على ماذكر امرا شَدِيد الاهمية هُوَ ان تطلب بادئ ذِي بُدِئَ الايضاحات والتقريرات الصَّرِيحَة

стр. 427

بِهَذَا الصدد وَلذَلِك تحرر هَذَا لسعادتكم رَجَاء اعطاء الايضاحات والتقريرات الْمَذْكُورَة من قبلكُمْ خطا اهـ وَلما اقرت الدول على هَذَا التحوير بِمُقْتَضى لائحة تاريخها ١٨ ربيع الاول سنة ١٢٥٧ ١٠ مايو سنة ١٨٤١ اصدرت الحضرة الشاهانية فرمانا آخر فِي ١١ ربيع آخر سنة ١٢٥٧ ٢ يونيو سنة ١٨٤١ مؤيدا لما فِي الفرمان السَّابِق وَفِي غرَّة جُمَادَى الآخر سنة ١٢٥٧ ٢١ يوليو سنة ١٨٤١ صدر فرمان آخر يَجْعَل مِقْدَار مَا تَدْفَعهُ الْحُكُومَة المصرية إِلَى الدولة الْعلية سنويا ثَمَانِينَ الف كيسة ثمَّ اخذت فرنسا وانكلترا تسعيان فِي ابطال شُرُوط معاهدة خونكاراسكله سي القاضية بَان يكون لمراكب الروسيا حق الْمُرُور من بوغازي البوسفور والدردنيل فِي أَي وَقت شَاءَت

стр. 428

وَبعد مخابرات طَوِيلَة اتّفقت الدول اجْمَعْ بِمَا فِيهَا الروسيا على ان لَا يكون لاحداهن هَذَا الْحق مُطلقًا بل تبقى بوغازات الاستانة مقفلة امام جَمِيع الدول وامضيت بذلك معاهدة بتاريخ ٢٣ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٥٧ ١٣ يوليو سنة ١٨٤١ بَين الْبَاب العالي والنمسا وفرنسا وبريطانيا الْعُظْمَى والروسيا والبروسيا دعيت بمعاهدة البوغازات وَبِذَلِك تَسَاوَت الروسيا بباقي الدول وفقدت كل مَا اكْتَسبهُ بمساعيها السَّابِقَة وهاك صُورَة هَذِه المعاهدة البند الاول ان جلالة السُّلْطَان يعلن عزمه وتصميمه على حفظ وَاتِّبَاع الْقَاعِدَة الْقَدِيمَة فِي الْمُسْتَقْبل الَّتِي بموجبها منعت جَمِيع مراكب الدول الاجنبية الحربية من الْمُرُور من بوغازي البوسفور والدردنيل وانه مَا دَامَ فِي حَالَة السّلم لَا يسمح لأي مركب حَرْبِيّ اجنبي بالمرور من هذَيْن البوغازين ويعلن كل من جلالة امبراطور النمسا وَملك المجر وبوهميا وَملك الفرنساويين وملكة بريطانيا الْعُظْمَى وارلانده المتحدة وَملك البروسيا وامبراطور جَمِيع الروسيا باحترام هَذَا الْعَزْم الصَّادِر من جلالة السُّلْطَان وَاتِّبَاع الْقَاعِدَة المقررة سَابِقًا البند الثَّانِي وَقد تقرر انه مَعَ الاقرار بِعَدَمِ جوازمس هَذِه الْقَاعِدَة المقررة قَدِيما فان السُّلْطَان يحفظ لنَفسِهِ الْحق كَمَا كَانَ لَهُ ذَلِك فِي السَّابِق فِي اصدار فرمانات بِجَوَاز مُرُور بعض السفن الحربية الْخَفِيفَة لتَكون فِي خدمَة سفارات الدول المتحابة البند الثَّالِث وَكَذَلِكَ يحفظ جلالة السُّلْطَان لذاته الشَّرِيفَة الْحق فِي تَبْلِيغ صُورَة هَذَا الِاتِّفَاق لجَمِيع الدول الَّتِي بَينهَا وَبَين الْبَاب العالي العثماني صلَة مَوَدَّة ودعوتهم إِلَى الْقبُول باحكامه البند الرَّابِع يصير التَّصْدِيق على هَذَا الِاتِّفَاق فِي مَدِينَة لوندره وتتبادل التصديقات عَلَيْهِ بعد شَهْرَيْن اَوْ قبل ذَلِك ان امكن وبمقتضى ذَلِك قد امضاه مندوبو الدول الْمَذْكُورَة وبصموا عَلَيْهِ اختامهم تحريرا فِي مَدِينَة لوندره فِي ١٣ يوليو سنة ١٨٤١ ميلادية الامضاءآت

стр. 429

مَسْأَلَة لبنان ونقتلة المارونية بِمُجَرَّد اخلاء الجيوش المصرية لبلاد الشَّام وجبال لبنان وَعدم شُعُور سكانها بسطوة ابراهيم باشا وبطشه تحركت فيهم الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة الْقَدِيمَة الكامنة فِي نُفُوسهم خوفًا من شدَّة بَأْس ابراهيم باشا وَعدم رأفته فِي معاقبتهم وزادت الدسائس الاجنبية لاضرام نَار الشقاق وبذر الْفِتَن الداخلية توصلا لغاياتهم الشخصية وَكَانَت فرنسا مساعدة للمارونية الكاتوليك وانكلترا معضدة للدروز ضدهم لتلجئهم على ترك الْمَذْهَب الكاتوليكي واعتناق الْمَذْهَب البروتستانتي فيدخلوا بذل تَحت حمايتها الفعلية وَلم يعد لفرنسا حجَّة لحمايتهم لسَبَب مذهبي وَظن كل فريق من هَؤُلَاءِ التعساء ان الدولة الَّتِي تغرره تود صَلَاح حَاله وترقيه فِي المدنية وَلم تفقه لدخائل هَذِه السياسة الخبيثة الَّتِي لَا يتَأَخَّر اصحابها امام اهراق دِمَاء الابرياء توصلا لمآربهم وبهذه الدسائس سَاد الْهياج فِي جَمِيع انحاء لبنان وَظهر مَا تكنه صُدُور سكانه من الاحقاد الجنسية والدينية حَتَّى تعدى الدروز على المارونية فِي سنة ١٢٥٧ هجرية سنة ١٨٤١ وجخلوا دير الْقَمَر وارتكبوا فِيهِ مَا تقشعر مِنْهُ الابدان من النهب وَالسَّلب وَقتل النِّسَاء والولدان وَسبي الْحَرَائِر وَلَوْلَا تدخل الجيوش بِشدَّة لامتدت الثورة لَكِن لم يرق ذَلِك فِي اعين ارباب الغايات بل مَا انفكوا يوالون دسائسهم

стр. 430

ويلقون بذور الْفساد ويتعهدونها بالمداومة والمثابرة حَتَّى قَامَ الدروز ثَانِيَة فِي سنة ١٢٦١ هجرية سنة ١٨٤٥ وَقتلُوا المسيحيين وتعدوا على قسس الكاثوليك الفرنساويين وَقتلُوا رَئِيس اُحْدُ الاديرة واسْمه شارل دي لوريت واثنين من رُهْبَان الدَّيْر وحرقوا حثثهم ثمَّ اضرموا النَّار فِي الدَّيْر حَتَّى صَار قاعا صفصفا بعد ان نهبوا كل مَا بِهِ من المنقولات والامتعة بِدُونِ ان يحصل اقل اذى للمرسلين البروتستانت الامريكانيين والانكليز الامر الَّذِي يدل دلَالَة وَاضِحَة على ان هَذِه المذابح لَا تَخْلُو من تأثيرهم حَتَّى يثبتوا للمارونية الكاثوليك انهم لَو اعتنقوا الْمَذْهَب البروتستانتي لَا يلحقهم ضَرَر ويصيرون فِي مأمن من تعدِي الدروز فيستميلونهم للتمذهب بمذهبهم وَلَا يبْقى لفرنسا وَجه لحمايتهم وبسبب هَذِه الاضطرابات المتعاقبة لم ير الْبَاب العالي بدا من التدخل فِي ادارة الْجَبَل لمنع هَذِه الْفِتَن فعزل الامير بشير الشهابي بعد خُرُوج العساكر المصرية من الشَّام كَمَا مر وَعين مَكَانَهُ واليا عثمانيا وابطل بذلك جَمِيع امتيازات سكان الْجَبَل الممنوحة لَهُم قَدِيما بِمُقْتَضى عدَّة معاهدات وَمَا منح لَهُم اخيرا بِاتِّفَاق الدول عقب جلاء العساكر المصرية عَنهُ لتحققه ان وجود الشعوب الْمُخْتَلفَة القاطنة بِهِ تَحت حكم وَال وَاحِد اقْطَعْ للمفاسد وامنع لظُهُور الضغائن الدِّينِيَّة بَين الموارنة والدروز فَلم تقبل الدول ذَلِك بل اضْطر الْبَاب العالي بِنَاء على مساعيها ان يُعِيد للجبل بعض امتيازاته وَاتفقَ مَعَ سفراء الدول على ان يكون للوالي العثماني قَائِم مقَام احدهما ماروني وَالْآخر درزي يتَوَلَّى كل مِنْهُمَا النّظر فِي شؤون ابناء جنسه وَذَلِكَ فِي سنة ١٢٥٨ هجرية سنة ١٨٤٢ لَكِن لم تنجح هَذِه الطَّرِيقَة ايضا لاختلاط سكان بعض الْقرى من موارنة ودروز فسلخ الْبَاب العالي اقليم الجبائل الآهل بالموارنة من حُكُومَة الْجَبَل وضمه إِلَى ولَايَة طرابلس بِلَا امتيازات كباقي اقاليم الْجَبَل فعارض بطرِيق الموارنة فِي ذَلِك وارسل إِلَى جَمِيع القناصل يحْتَج ضد هَذَا الْعَمَل الْمنَافِي للاتفاق الاخير

стр. 431

مُدعيًا ان الدولة لم ترد بذلك الا اضعاف العنصر الماروني وتقوية العنصر الدرزي فبناء على هَذِه الشكوى ارسل الْبَاب العالي بِصفة وَال على الشَّام رجلا اتّصف بالاستقامة واصالة الرَّأْي يدعى اِسْعَدْ باشا للنَّظَر فِي تَسْوِيَة هَذِه الْمَسْأَلَة فارتأى ضَرُورَة اعادة الامير بشير الشهابي إِلَى امارة الْجَبَل كَمَا كَانَ فَلم يقبل الْبَاب العالي هَذَا الْحل وانتدب آخر يدعى خَلِيل باشا لتحقيق تشكيات الطَّرفَيْنِ وَتَقْدِيم تَقْرِير عَمَّا يرَاهُ حاسما للنزاع فَاخْتلف مَعَ اِسْعَدْ باشا فِي الرَّأْي وَقَالَ بافضلية اعْتِبَار جبل لبنان كباقي الولايات العثمانية بِدُونِ ادنى امتياز وَلعدم قبُول القناصل بِهَذَا الرَّأْي اتَّفقُوا اخيرا فِي غُضُون سنة ١٢٥٩ هجرية سنة ١٨٤٣ على ان يعين فِي الْقرى المختلطة وكيلان احدهما درزي وَالْآخر ماروني وَيكون كل مِنْهُمَا تَابعا للقائم مقَام الَّذِي على مذْهبه فَلم يقبل الدروز الا ان يكون لَهُم السِّيَادَة على المارونية فِي الْجِهَات المختلطة وَهَؤُلَاء آثروا التتبع لاحدى الولايات العثمانية الْمَحْضَة على ان يَكُونُوا تَحت سيادة الدروز وَاسْتحْسن الْبَاب العالي هَذَا الرَّأْي الاخير لَكِن لم يرق ذَلِك فِي اعين الدروز وَلَا فِي اعين المغرين لَهُم فهاجوا ثَانِيًا وَقَامُوا على المارونية وحصلت مذبحَة جُمَادَى الاولى سنة ١٢٦١ هجرية سنة ١٨٤٥ السَّابِق ذكرهَا فارسلت الدولة جيوشها واحتلت الْبِلَاد سهلا وجبلا بِصفة عسكرية واجرت فِيهَا الاحكام الْعُرْفِيَّة ثمَّ دارت المخابرات بَين الدول الْعُظْمَى وَالْبَاب العالي لتقرير مَا يضمن السَّلَام فِي الْحَال والاستقبال فاجتمعت آراؤهم اخيرا بعد مداولات طَوِيلَة واخذ ورد على ان يبْقى فِي الْقرى الْمُخْتَلفَة وكيلان درزي وماروني ويعين لكل من القائمي مقَام مجْلِس يُشَارِكهُ فِي الادارة مَعَ بَقَائِهِ تَحت رئاسته وَيشكل كل من هذَيْن المجلسين من عشرَة اعضاء خَمْسَة قُضَاة وَخَمْسَة مستشارين اثْنَان مِنْهُمَا من الدروز وَاثْنَانِ من المارونية وَاثْنَانِ من الْمُسلمين وَاثْنَانِ من الْمَدَنِيين وَاثْنَانِ من المتمذهبين بِمذهب الاروام الارثوذكس وَيكون من اختصاصها توزيع الضرائب بالسواء بِدُونِ نظر إِلَى اخْتِلَاف دين اَوْ مَذْهَب اما تَحْصِيلهَا فَيكون بِمَعْرِِفَة القائمي مقَام ووكلائهما فِي الْقرى والضياع وَمن اختصاصهما ايضا النّظر فِي القضايا الحقوقية والجنائية وان امْتنع مَنْدُوب

стр. 432

أَي طَائِفَة عَن الاقرار على قَائِمَة توزيع الضرائب بِدَعْوَى انها مجحفة بِحُقُوق ابناء طائفتهم يرفع الامر للوالي العثماني فَيحكم فِيهَا نهائيا وَقبل تَنْفِيذ احكامها يمْضِي عَلَيْهَا الْقَائِم مقَام الْمُخْتَص وَجعل راتب كل عُضْو من اعضاء المجلسين الف وَخَمْسمِائة فرنك فِي السّنة وراتب الْقَائِم مقَام ٤٨ الف فرنك سنويا وكل من وكلائه الف وَثَمَانمِائَة فرنك وبذا انْتَهَت مَسْأَلَة لبنان مؤقتا بِمَا ان الدروز لم يقبلُوا هَذِه التَّسْوِيَة الا مؤملين نوال زِيَادَة عَمَّا فِيهَا طبقًا لوساوس مندوبي انكلترا لَهُم بانها ستمنحهم مَعَ الْوَقْت السِّيَادَة على جَمِيع الشعوب الساكنة بلبنان واستمرت الْفِتَن جَارِيَة مجْراهَا حَتَّى حصلت مذبحَة سنة ١٢٧٧ هـ سنة ١٨٦٠ وتدخلت فرنسا عسكريا لحماية المارونية وانسحبت ثَانِيًا بعد توطيد الامن وَحفظ حُقُوق الموارنة كَمَا سَيَجِيءُ الاصلاحات الداخلية هَذَا وَسَار السُّلْطَان عبد الْمجِيد خَان على خطة وَالِده المرحوم السُّلْطَان الْغَازِي مَحْمُود خَان فِي الاصلاحات الداخلية حَتَّى تجاري الدولة العثمانية بَاقِي الدول فِي التمدن والعمران فاصدر عقب تَوليته منصب الْخلَافَة الْعُظْمَى بِقَلِيل امرا ساميا قرئَ علنا فِي جُمْهُور من الوزراء والاعيان فِي يَوْم ٢٦ شعْبَان سنة ١٢٥٥ هـ ٤ نوفمبر سنة ١٨٣٩ وَهَذَا نَصه مترجما من كتاب احْمَد مدحت الْمُسَمّى اس انقلاب

стр. 433

فرمان الكلخانة لايخفى على عُمُوم النَّاس ان دولتنا الْعلية من مبدأ ظُهُورهَا وَهِي جَارِيَة على رِعَايَة الاحكام القرآنية الجليلة والقوانين الشَّرْعِيَّة المنيفة بِتَمَامِهَا وَلذَا كَانَت قُوَّة ومكانة سلطتنا السّنيَّة ورفاهية وعمارية اهاليها وصلت حد الْغَايَة وَقد انعكس الامر مُنْذُ مائَة وَخمسين سنة بِسَبَب عدم الانقياد والامتثال للشَّرْع الشريف وَلَا للقوانين المنيفة بِنَاء على طروء الكوارث المتعاقبة والاسباب المتنوعة فتبدلت قوتها بالضعف وثروتها بالفقر وَبِمَا ان الممالك الَّتِي لَا تكون ادارتها بِحَسب القوانين الشَّرْعِيَّة لَا يُمكن ان تكون ثَابِتَة كَانَت افكارنا الْخَيْرِيَّة الملوكية منحصرة فِي اعمار الممالك واتحاد ورفاهية الاهالي والفقراء من يَوْم جلوسنا السعيد وَصَارَ التشبث فِي الاسباب اللَّازِمَة بِالنّظرِ إِلَى مواقع ممالك دولتنا الْعلية الجغرافية ولاراضيها الخصبة ولاستعداد وقابلية اهاليها لتحصل بِمَشِيئَة الله تَعَالَى الْفَائِدَة الْمَقْصُودَة فِي ظرف خمس اَوْ عشر سِنِين واعتمادا على المعونة الالهية واستنادا على الامدادات الروحانية النَّبَوِيَّة قد رُؤِيَ من الْآن فَصَاعِدا اهمية لُزُوم وضع وتأسيس قوانين جَدِيدَة تتحسن بهَا ادارة ممالك دولتنا الْعلية المحروسة والمواد الاساسية لهَذِهِ القوانين هِيَ عبارَة عَن الامن على الارواح وَحفظ الْعرض والناموس وَالْمَال وَتَعْيِين الْخراج وهيئة طلب العساكر للْخدمَة وَمُدَّة استخدامهم لانه لَا يُوجد فِي الدُّنْيَا اعز من الرّوح وَالْعرض والناموس وَالْمَال فَلَو رأى انسان ان هَؤُلَاءِ مهددون وَكَانَت خلقته الذاتية وفطرته الاصلية لَا تميل إِلَى ارْتِكَاب الْخِيَانَة فوقاية لحفظ روحه وناموسه لَا بُد ان يتشبث فِي بعض اجراءآت للتخلص مِنْهَا وَهَذَا الامر لَا يخفى انه مُضر بالدولة وَالْملَّة كَمَا انه إِذا كَانَ امينا على مَاله وناموسه لَا يحيد عَن طَرِيق الاسْتقَامَة وتنحصر افكاره واشغاله فِي الْقيام بِوَاجِب الْخدمَة لدولته وملته وكما انه فِي حَال فقدان الامن على المَال لَا يمِيل الشَّخْص إِلَى دولته وملته وَلَا ينظر للِانْتِفَاع باملاكه بل كَمَا انه لَا يَخْلُو دَائِما من الْفِكر وَالِاضْطِرَاب فَلَو قدر الْعَكْس اعني لَو كَانَ الانسان آمنا على مَاله واملاكه فَلَا شكّ انه يشْتَغل باموره وتوسيع دَائِرَة تعيشه وتتولد يَوْمًا فيوما عِنْده الْغيرَة على الدولة والمملكة وتزداد محبته للوطن وَبِهَذَا يجْتَهد فِي تَحْسِين حَاله

стр. 434

واما مَادَّة تعْيين الْخراج فَكل دولة لَا بُد ان تكون محتاجة إِلَى العساكر وَسَائِر المصاريف الْمُقْتَضِيَة للمحافظة على ممالكها وَهَذَا لَا تتيسر ادارته الا بالنقود والنقود لَا تتحصل الا من الْخراج فَلَا غرو ان النّظر إِلَى تَحْسِين هَذِه الْمَادَّة من اهم الامور هَذَا وَلَو ان اهالي ممالكنا المحروسة تخلصوا لله الْحَمد قبل الْآن من بلوى الْيَد الْوَاحِدَة الَّتِي كَانَت متسلطة على الايرادات الوهمية لَكِن اصول الالتزامات الْمضرَّة الْمُعْتَبرَة من ضمن اسباب الخراب الَّتِي لم يظْهر مِنْهَا ثَمَرَة نافعة فِي أَي حَال لم تزل جَارِيَة للآن وَهَذَا يعد كتسليم مصَالح المملكة السياسية وادارتها الْمَالِيَّة ليد رجل وبالاحرى ان نقُول بوضعها تَحت قهره وجبره فانه ان لم يكن رجلا امينا لَا شكّ انه ينظر إِلَى فَائِدَته الشخصية وَتَكون كل حركاته وسكناته عبارَة عَن غدر وظلم فَيلْزم بعد الْآن تعْيين خراج مُنَاسِب على قدر اقتدار واملاك كل فَرد من افراد اهالي المملكة وَلَا يُؤْخَذ شَيْء زِيَادَة عَن الْمُقَرّر من اُحْدُ مَا وتحديد وَبَيَان سَائِر مصرف عَسَاكِر دولتنا الْعلية الْبَريَّة والبحرية وكل لوازماتهم بِمُوجب قوانين ايجابية والاجراء بمقتضاها واما مَسْأَلَة الجندية فلكونها من الْموَاد المهمة حسب مَا ذكر وَمَعَ كَونه مَفْرُوضًا على ذمَّة الاهالي تَقْدِيم العساكر اللَّازِمَة للمحافظة على الوطن لَكِن الْجَارِي للآن هُوَ عدم النّظر والالتفات إِلَى عدد النُّفُوس الْمَوْجُودَة بالبلدة بل يطْلب من بعض الْبلدَانِ زِيَادَة عَن تحملهَا وَمن الْبَعْض الآخر انقص مِمَّا تتحمل وَهَذَا فضلا عَمَّا فِيهِ من عدم النظام فانه مُوجب لاختلال موارد مَنَافِع الزِّرَاعَة وَالتِّجَارَة واستخدام العساكر إِلَى نِهَايَة الْعُمر امْر مُسْتَلْزم لقطع التناسل فعلى تَقْدِير طلب انفار عسكرية من كل بلد يلْزم وضع وتأسيس اصول مستحسن لاستخدام العساكر ارْبَعْ اَوْ خمس سنوات بطرِيق المناوبة وَالْحَاصِل انه بِدُونِ تدوين هَذِه القوانين النظامية لَا يُمكن حُصُول الْقُوَّة والعمار والراحة فان اساس جَمِيع ذَلِك هُوَ عبارَة عَن الْموَاد المشروحة وَلَا يجوز بعد الْآن اعدام وتسميم ارباب الجنح جهارا اَوْ خُفْيَة بِدُونِ ان تنظر دعاويهم علنا بِكُل دقة بِمُقْتَضى القوانين الشَّرْعِيَّة وَلَا يجوز مُطلقًا تسلط اُحْدُ على عرض وناموس آخر وكل انسان يكون مَالِكًا لمَاله وَملكه ومتصرفا فيهمَا بِكَمَال الْحُرِّيَّة وَلَا يُمكن ان يتدخل فِي اموره شخص آخر وَإِذا فرض وَرفعت تُهْمَة على

стр. 435

اُحْدُ وَكَانَت ورثته بريئي الساحة مِنْهَا فَبعد مصادرة امواله لَا تحرم ورثته من ميراثهم الشَّرْعِيّ وتمتاز سَائِر تَبَعِيَّة دولتنا الْعلية من الْمُسلمين وَسَائِر الْملَل الاخرى بمساعداتنا هَذِه الملوكية بِدُونِ اسْتثِْنَاء وَقد اعطيت من طرفنا الملوكي الامنية التَّامَّة فِي الرّوح وَالْعرض والناموس وَالْمَال بِمُقْتَضى الحكم الشَّرْعِيّ لكل اهالي ممالكنا المحروسة وسيعطى الْقَرار اللَّازِم بِاتِّفَاق الآراء عَن المواضيع الاخرى ايضا وستزاد اعضاء مجْلِس الاحكام العدلية على قدر اللُّزُوم وتجتمع هُنَاكَ وكلاء وَرِجَال دولتنا الْعلية فِي بعض الايام الَّتِي ستعين وجميعهم يبدون افكارهم وآراءهم بِالْحُرِّيَّةِ التَّامَّة بِدُونِ تحاش وتتقرر القوانين الْمُقْتَضِيَة المختصة بالامن على الرّوح وَالْمَال وَتَعْيِين الْخراج وستجري المكالمة اللَّازِمَة عَنْهَا بدار شُورَى بَاب السِّرّ عسكرية وَكلما تقرر قانون يعرض لطرفنا الملوكي لتتويج عاليه بخطنا الملوكي حَتَّى يكون دستورا للْعَمَل إِلَى ماشاء الله وَبِمَا ان هَذِه القوانين الشَّرْعِيَّة ستوضع لاحياء الدّين والدولة وَالْملك وَالْملَّة فسيؤخذ الْعَهْد والميثاق اللَّازِم من قبلنَا الملوكي بِعَدَمِ وُقُوع أَي حَرَكَة مُخَالفَة لَهَا وسنحلف قسما بِاللَّه الْعَظِيم فِي اودة الْخِرْقَة الشَّرِيفَة بِحُضُور جيمع الْعلمَاء والوكلاء وسيصير تحليفهم ايضا وعَلى هَذَا فَكل من خَالف هَذِه القوانين الشَّرْعِيَّة من الوكلاء وَالْعُلَمَاء اَوْ أَي انسان كَانَ مهما كَانَت صفته سيجرى توقيع الْعقَاب اللَّازِم عَلَيْهِم بِدُونِ رِعَايَة رُتْبَة وَلَا خاطر وسيصير تدوين قانون جَزَاء مُخْتَصّ بذلك وَلكَون كَافَّة المأمورين لَهُم راتب واف الْآن فان وجد مِنْهُم من يكون راتبه قَلِيلا سيصير ترقية حَاله هَذَا ولينظر فِي مَادَّة الرِّشْوَة الكريهة بتدوين قانون شَدِيد لذَلِك لِأَنَّهَا اعظم سَبَب لخراب الْملك وممقوتة شرعا وَلكَون الاصلاحات المشروحة آنِفا ستزيل طوارئ الْفقر والفاقة كُلية فَكَمَا انه سيصير اعلان ارادتنا الملوكية هَذِه للاستانة ولكافة اهالي ممالكنا المحروسة يلْزم ان تبلغ ايضا لسفراء الدولة المتحابة الْمَوْجُودين بالاستانة ليكونوا شُهُودًا على دوَام هَذِه الاصلاحات إِلَى الابد ان شَاءَ الله تَعَالَى ونسأل مَالك الممالك ان يلهمنا التَّوْفِيق جَمِيعًا وان يصب على كل من خَالف

стр. 436

هَذِه القوانين المؤسسة سَوط عَذَاب النقمَة وان لَا ينجح لَهُ اعمالا مدى الدَّهْر آمين حرر فِي يَوْم الاحد ٢٦ شعْبَان سنة ١٢٥٥ لَكِن اشغلته عَن اتمام هَذِه الاصلاحات حَرْب الروسيا الَّتِي قَامَت بِسَبَب اخْتِلَاف فرنسا والروسيا على حماية الاماكن المقدسة باورشليم ودعيت بِحَرب القرم وَلما انْتَهَت هَذِه الْحَرْب اصدر السُّلْطَان فرمانا جَدِيدا بِبَيَان الاصلاحات الْمُقْتَضى ادخالها فِي الممالك المحروسة فِي ١١ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٢٧٢ ١٨ فبراير سنة ١٨٥٦ وَهَذَا نَصه مترجما من كتاب اس انقلاب الاصلاحات الْخَيْرِيَّة من اهم افكارنا السامية سَعَادَة احوال كَافَّة صنوف التبعة الَّتِي اودعها الله إِلَى يدنا الملوكية المؤيدة وَلما بذلناه من هممنا الملوكية فِي هَذَا الشَّأْن من يَوْم جلوسنا المقرون بِالْيَمِينِ قد تزايد عمار وثروة مملكتنا الْعلية يَوْمًا فيوما وشوهدت جملَة فَوَائِد نافعة وَلكَون تأييد وتوسيع نطاق النظامات الجديدة الَّتِي توفقنا إِلَى الْآن لوضعها وتدوينها بالموافقة للموقع العالي الحائزة لَهُ دولتنا الْعلية بَين الدول المتمدنة مطلوبنا ايصالها إِلَى دَرَجَة الْكَمَال وَقد تأيدت بعناية الله تَعَالَى وبمساعي عُمُوم تبعتنا الملوكية الجميلة وبهمة ومعاونة الدولة المتحابة حُقُوق دولتنا الْعلية الخارجية وَلذَا فَهَذَا الْعَصْر بعد بِالنِّسْبَةِ لدولتنا الْعلية مبدأ زمن الْخَيْر وَبِمَا ان من اهم رغائبنا المجبولة على الشَّفَقَة تقدم الاسباب والوسائل الداخلية المستلزمة تزايد قُوَّة سلطتنا الْعلية وعمار ممالكنا السّنيَّة وَحُصُول تَمام سَعَادَة احوال كَافَّة صنوف تبعة دولتنا الْعلية الملوكية المرتبطة بَعْضهَا بِبَعْض بروابط الوطنية القلبية والمتساوية الْمَاهِيّة فِي نظر شفقتنا الملوكية من كل الْوُجُود قد اصدرنا ارادتنا الملوكية هَذِه باجراء الامور الْآتِيَة الذّكر وَهِي اتِّخَاذ التدابير المؤثرة نَحْو تَأْمِين كَافَّة التبعة الملوكية من أَي دين وَمذهب كَانُوا بِدُونِ اسْتثِْنَاء على الرّوح وَالْمَال وَحفظ الناموس واخراج جَمِيع التأمينات الَّتِي وعد بهَا بِمُقْتَضى الترتيبات الْخَيْرِيَّة وخطنا الملوكي السَّابِق تِلَاوَته فِي الكلخانه من حنز الْقُوَّة إِلَى حيّز الْفِعْل وَتَقْرِير وابقاء كَافَّة الامتيازات والمعافيات الروحانية

стр. 437

الَّتِي منحت واحسن بهَا فِي السنين الاخيرة وَالَّتِي منحت من قبل اجدادنا الْعِظَام للطوائف المسيحية وكافة الْملَل الْغَيْر مسلمة الْمَوْجُودين تَحت ظلّ جنَاح عاطفتنا السَّامِي بممالكنا المحروسة الملوكية وَقد صَار الشُّرُوع فِي رُؤْيَة وتسوية الامتيازات والمعافيات الحالية للعيسويين وَسَائِر التبعة الْغَيْر الْمسلمَة فِي مهلة مُعينَة بِحَيْثُ يهتمون بعرضها إِلَى جَانب بابنا العالي بعد المذاكرة بِمَعْرِِفَة الْمجَالِس الَّتِي تشكل بالبطريكخانات تَحت مُلَاحظَة بابنا العالي بِحَسب الاصلاحات الَّتِي يستدعيها الْوَقْت وآثار المدنية المكتسبة وموافقة ارادتنا الملوكية وَيصير تَوْثِيق الرُّخْصَة الَّتِي اعطيت لاساقفة الطَّائِفَة المسيحية من قبل سَاكن الْجنان السُّلْطَان ابي الْفَتْح مُحَمَّد خَان الثَّانِي وخلفائه الْعِظَام وَمَا صَار تأمينهم عَلَيْهِ من قبلنَا بِحَسب الاحوال والظروف الجديدة وَبعد اصلاح اصول الانتخابات الْجَارِيَة الْآن للبطاركة يصير اجراء كَافَّة الاصول اللَّازِمَة فِي نصبهم وتعيينهم بالتطبيق لاحكام بَرَاءَة البطريكية العالي مدى الْحَيَاة وَيصير اسْتِيفَاء اصول تَحْلِيف البطاركة والمطارنة والاساقفة والحاخامات بالتطبيق للصورة الَّتِي تتقرر بَين بابنا العالي وَجَمَاعَة الرؤساء الروحانية الْمُخْتَلفَة وَيصير منح كَافَّة الجوائز والعوائد الْجَارِي إعطاؤها للرهبان مهما كَانَت صورتهَا وتخصص إيرادات مُعينَة بدلهَا للبطاركة ورؤساء الطوائف وَيصير تعْيين معاشات بِوَجْه الْعَدَالَة بِمُوجب مَا يَتَقَرَّر وبحسب اهمية رتب ومناصب سَائِر الرهبان وَلَا يحصل السُّكُوت على اموال الرهبان المسيحيين المنقولة والغير منقولة بل يصير احالة حسن الْمُحَافظَة عَلَيْهَا على مجْلِس مركب من اعضاء تنتخبهم رُهْبَان وعوام كل طَائِفَة لادارة مصَالح طوائف المسيحيين والتبعة الْغَيْر مسلمة والبلاد والقرى والمدن الَّتِي تكون جَمِيع اهاليها من مَذْهَب وَاحِد لَا يحصل احداث مَوَانِع فِي بِنَاء سَائِر المحلات الَّتِي تكون مثل مكَاتب واسبتاليات ومدافن مُخْتَصَّة باجراء عاداتهم حسب هيأتها الاصلية وَعند لُزُوم انشاء هَذِه المحلات مجددا بِحَسب استصواب البطاركة ورؤساء الْملَّة يلْزم رسمها وَبَيَان صفة انشائها وَتَقْدِيم ذَلِك إِلَى بابنا العالي واما ان يجرى الْمُقْتَضى فِيهَا بِمُوجب ارادتنا السّنيَّة الملوكية الْمُتَعَلّقَة بِقبُول الصُّور السَّابِق عرضهَا واما ان يصير بَيَان المعارضات المختصة بذلك فِي ظرف مُدَّة مُعينَة وَإِذا وجدت طَائِفَة من مَذْهَب مُنْفَرِدَة بِمحل وَلَيْسَت مختلطة مَعَ مَذَاهِب اخرى فَلَا

стр. 438

تصادف صعوبات فِي اجراء الخصائص الْمُتَعَلّقَة بنفاذ عوائدها فِي هَذَا الْمحل علنا وَإِذا كَانَت قَرْيَة اَوْ بَلْدَة اَوْ مَدِينَة مركبة اهاليها من اديان مُخْتَلفَة يُمكن كل طَائِفَة مِنْهُم ترميم وتعمير كنائسها واسبتالياتها ومقابرها بِحَسب الاصول الْمُوَضّحَة بالمحلات المخصصة لَهُم الْمَوْجُودَة محلات سكنهم بهَا واما الابنية الْمُقْتَضى انشاؤها مجددا يلْزم ان تعرض البطاركة والمطارنة لبابنا العالي باسترحام الرُّخْصَة اللَّازِمَة عَنْهَا فان لم يُوجد لَدَى دولتنا الْعلية مَوَانِع فِي الامتلاك تصدر بهَا رخصتنا السّنيَّة وكافة الْمُعَامَلَات الَّتِي تحصل فِيمَا يماثل كل هَذِه الاشغال تكون مجَّانا من قبل دولتنا الْعلية فِي التَّأْمِين على اجراء عوائد كل مَذْهَب بِكَمَال الْحُرِّيَّة مهما كَانَ مِقْدَار الْعدَد التَّابِع لهَذَا الْمَذْهَب وتمحى وتزال إِلَى الابد من المحررات الرسمية الديوانية كَافَّة التعبيرات والالفاظ المتضمنة تحقير جنس لجنس آخر فِي اللِّسَان اَوْ الجنسية اَوْ الْمَذْهَب من افراد تبعة سلطنتنا السّنيَّة وَيمْنَع قانونا اسْتِعْمَال كل وصف وتعريف يمس الشّرف اَوْ يسْتَوْجب الْعَار بَين افراد النَّاس وَرِجَال الْحُكُومَة وَبِمَا ان عوائد كل دين وَمذهب مَوْجُود بممالكنا المحروسة جَارِيَة بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا يمْنَع أَي شخص من تبعتنا الملوكية من اجراء رسوم الدّين المتمسك بِهِ وَلَا يُؤْذى بِالنِّسْبَةِ لتمسكه بِهِ وَلَا يجْبر على تَبْدِيل دينه ومذهبه وَلكَون انتخاب وَتَعْيِين خدمَة ومأموري سلطنتنا السّنيَّة مَنُوطًا باستنساب ارادتنا الملوكية فَيصير قبُول تبعة دولتنا الْعلية من أَي مِلَّة كَانَت فِي خدماتها ومأمورياتها بِحَيْثُ يكون استخدامهم فِي المأموريات بالتطبيق للنظامات المرعية الاجراء فِي حق الْعُمُوم بِحَسب استعدادهم واهليتهم وَإِذا قَامُوا بايفاء الشُّرُوط المقررة بالنظامات الملوكية المختصة بالمكاتب التابعة لسلطنتنا السّنيَّة بِالنِّسْبَةِ للسن والامتحانات يصير قبولهم فِي مدارسنا الملكية والعسكرية بِلَا فرق وَلَا تَمْيِيز بَينهم وَبَين الْمُسلمين وَعدا ذَلِك فان كل طَائِفَة مأذونة بإعداد مكَاتب اهلية للمعارف والحرف والصنائع انما طرق التدريس وانتخاب المعلمين يكون تَحت مُلَاحظَة مجْلِس المعارف الْمُخْتَلط الْمعينَة اعضاؤه من طرفنا الملوكي وتحال كَافَّة الدَّعَاوَى التجارية اَوْ الجنائية الَّتِي تقع بَين الْمُسلمين والمسيحيين وَسَائِر الْملَل الْغَيْر مسلمة اَوْ بَين التبعة المسيحية وَسَائِر التبعة الْغَيْر مسلمة مَعَ بَعضهم على الدَّوَاوِين

стр. 439

المختلطة والمجالس الَّتِي تعقد من قبل هَذِه الدَّوَاوِين واستماع الدَّعَاوَى يكون علنا بمواجهة الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ وَتصدق شَهَادَة الشُّهُود الَّذِي يقدمانهم بِمُجَرَّد تحليفهم الْيَمين حسب قواعدهم ومذاهبهم والدعاوى المختصة بالحقوق العادية يصير رؤيتها بالمجالس المختلطة بالولايات والمديريات بِحُضُور كل من القَاضِي والوالي وَيكون اجراء هَذِه المحاكمات بِهَذِهِ المحاكم والمجالس علنا وَإِذا وجدت دعاوى مثل حُقُوق الْمِيرَاث الَّتِي تقع بَين اثْنَيْنِ من المسيحيين اَوْ سَائِر التبعة الْغَيْر مسلمة وَرغب اصحاب الدَّعَاوَى رؤيتها بِمَعْرِِفَة الْمجَالِس اَوْ بِطرف البطريك اَوْ الرؤساء الروحانيين بِغَيْر احالتها على الْجِهَة الَّتِي يرغبونها والمرافعات الَّتِي يصير اجراؤها بِحَسب قانون التِّجَارَة والجنايات يصير انهاؤها بِكُل سرعَة بعد ضَبطهَا وتنقيحها وترجمتها للالسن الْمُخْتَلفَة المتداولة فِي ممالكنا المحروسة الملوكية ونشرها اولا فاولا ومباشرة اصلاح كَافَّة السجون الْمَخْصُوصَة لحبس مستحقي التأديبات الجزائية وَمن تَنْحَصِر فيهم الشُّبْهَة فِي مُدَّة قَليلَة حسب مَا تَقْتَضِيه الانسانية وَالْعَدَالَة وتلغى كَافَّة الْمُعَامَلَات المشابهة للايذاء والجزاءآت الْبَدَنِيَّة وَمن يكون مسجونا لَا يُعَامل بِغَيْر الْمُعَامَلَات الْمُوَافقَة لنظامات الضَّبْط الْمُدَوَّنَة من قبل سلطنتنا السّنيَّة وفضلا عَن منع الحركات الَّتِي ستقع مُخَالفَة لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ سيصير تَأْدِيب من يامر باجراء مَا يُخَالف ذَلِك من المأمورين وَمن يجريه من الخدماء بِمُقْتَضى الجزاءآت وستنظم الضبطيات بِصُورَة تستدعي الامنية الْحَقِيقِيَّة والمحافظة عل اموال وارواح كَافَّة التّبعِيَّة الملوكية سَوَاء كَانُوا بدار السلطنة السّنيَّة اَوْ بالولايات والمدن والقرى وكما ان مُسَاوَاة الْخراج تستوجب مُسَاوَاة سَائِر التكاليف والمساواة فِي الْحُقُوق تستدعي الْمُسَاوَاة فِي الْوَظَائِف فالمسيحيون وَسَائِر التبعة الْغَيْر مسلمة يسْحَبُونَ نمرة قرعَة مثل الْمُسلمين ويجبرون على الانقياد للقرار الصَّادِر اخيرا وتجري عَلَيْهِم احكام المعافاة من الْخدمَة العسكرية بِتَقْدِيم الْبَدَل الشخصي اَوْ النقدي وَيصير تدوين القوانين اللَّازِمَة لاستخدام التبعة الْغَيْر مسلمة فِي اقْربْ وَقت من الزَّمن ونشرها واعلانها وتنتخب اعضاء الْمجَالِس الْمَوْجُودَة بالولايات والمديريات من التبعة الْمسلمَة والمسيحية وَغَيرهمَا بِصُورَة صَحِيحَة ولاجل التَّأْمِين على ظُهُور الآراء الْحَقِيقِيَّة سيصير التشبث فِي اصلاح الترتيبات الَّتِي تجْرِي فِي حق تشكيل

стр. 440

هَذِه الْمجَالِس لاستحصال دولتنا الْعلية على الاسباب والوسائل المؤثرة للوقوف على الْحَقِيقَة وملاحظة صِحَة نتيجة الآراء والقرارات الَّتِي تُعْطى عَن ذَلِك وَبِمَا ان موادالقوانين الْمُدَوَّنَة فِي حق بيع وتصريف العقارات والاملاك هِيَ مُتَسَاوِيَة ولاجل ان تمنح الاجانب الْفَوَائِد الْجَارِي منحها للاهالي سيصرح لَهُم بِالتَّصَرُّفِ بالاملاك بعد الِاتِّفَاق الَّذِي سيبرم بَين دولتنا الْعلية والدول الاجنبية وَلكَون التكاليف وَالْخَرَاج الموزع على كَافَّة تبعة سلطنتنا السّنيَّة لَا ينظر فِيهِ إِلَى اجناسهم ومذاهبهم بل جاري تَحْصِيله بِصفة وَاحِدَة فَيلْزم المذاكرة فِي التدابير السريعة لاصلاح سوء الِاسْتِعْمَال الْوَاقِع فِي اخذ وَاسْتِيفَاء هَذِه التكاليف وبالاخص العشور وَمَا دَامَ ان اصول اخذ العشور جَارِيَة على التوالي بِدُونِ وَاسِطَة فبدلا عَن الزام دولتنا الْعلية بالايرادات يصير اتِّخَاذ هَذِه الصُّورَة بَدَلا عَنْهَا وَمَا دَامَت الاصول الحالية جَارِيَة فَمن يتَعَرَّض من مأموري دولتنا الْعلية اَوْ من اعضاء مجالسها للدخول فِي الالتزامات الْجَارِي اعلان مزادها علنا اَوْ اخذ حِصَّة مِنْهَا يمْنَع وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْجَزَاء الشَّديد وتتعين التكاليف الْمَحَلِّيَّة بِصفة لَا تضر بالمحصولات وَلَا بِالتِّجَارَة الداخلية على حسب الامكان وللحصول عل المبالغ الْمُنَاسبَة الَّتِي تتخصص لاجل الاشغال العمومية يصير علاوة عوائد مَخْصُوصَة على الولايات والمديريات الَّتِي تنْتَفع من الطّرق والمسالك المنشأة بهَا برا وبحرا بِقَدرِهَا وَبِمَا انه وضع اخيرا تَرْتِيب خصوصي فِي حق تنظيم وَتَقْدِيم دفاتر ايرادات ومصروفات سلطنتنا السّنيَّة فِي كل سنة فَيصير الاعتناء باجراء كَامِل احكام ذَاك التَّرْتِيب ومباشرة حسن تَسْوِيَة المعاشات الَّتِي يصير تخصيصها لكل من المأمورين وبمعرفة مقَام الصدارة الْجَلِيل يصير جلب مامور من المامورين الَّذين سيعينون من طرفنا الملوكي مَعَ رُؤَسَاء كل طَائِفَة لاجل ان يتواجدوا بِالْمَجْلِسِ الاعلى للمذاكرة فِي الْموَاد المختصة بِعُمُوم تبعة سلطنتنا السّنيَّة وَهَؤُلَاء المامورين يعينون لمُدَّة سنة وعندما يباشرون ماموريتهم يصير تحليفهم الْيَمين وَلَهُم ان يبدوا آراءهم وملحوظاتهم بِكُل حريَّة فِي اجتماعات مَجْلِسنَا الاعلى العادية وَالَّتِي تكون فَوق الْعَادة بِدُونِ ان يحصل لَهُم ادنى ضَرَر وتجري احكام القوانين المختصة بالافساد والارتكاب وَالظُّلم فِي حق كَافَّة تبعة سلطنتنا الْعلية مهما كَانَت جنسيتهم ومامورياتهم وَذَلِكَ بالتطبيق للاصول الْمَشْرُوعَة

стр. 441

وَيصير تَصْحِيح اصول العملة وتعمل الطّرق المؤدية لاعْتِبَار مَالِيَّة الدولة مثل فتح البنوك وَتَعْيِين الاسباب الَّتِي تكون منبعا لثروة ممالكنا المحروسة المادية وَتَخْصِيص راس المَال الْمُقْتَضى وَفتح الجداول والطرق اللَّازِمَة لتسهيل نقل محصولات ممالكنا وَمنع الاسباب الحائلة دون توسيع نطاق التِّجَارَة والزراعة واجراء التسهيلات الْحَقِيقِيَّة لذَلِك وَيلْزم النّظر فِي الاسباب المؤدية لاستفادة الْعُلُوم والمعارف الاجنبية وَضعهَا على التَّعَاقُب فِي موقع الاجراء فيا ايها الصَّدْر الاعظم الممدوح الشيم يلزمكم اعلان هَذَا الفرمان الْجَلِيل العنوان الملوكي حسب اصوله بدار السَّعَادَة وَلكُل طرف من ممالكنا المحروسة واجراء مقتضيات الخصائص المشروحة حسب مَا توضح آنِفا وبذل جلّ الهمة فِي استحصال واستكمال الاسباب اللَّازِمَة والوسائل القوية للدوام والاستمرار على رِعَايَة احكامها الجليلة من الْآن فَصَاعِدا ويلزمكم معرفَة ذَلِك واعتماد علامتنا الشَّرِيفَة حرر فِي اوائل شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٢٧٢ هـ ١٨٥٦ اه حَرَكَة سنة ١٨٤٨ بِجَمِيعِ اوروبا فِي سنة ١٢٦٥ سنة ١٨٤٨ حدثت باوروبا حَرَكَة افكار عمومية للحصول على نظامات دستورية وَوضع حد لاستبداد الْمُلُوك فابتدأت بباريس فِي شهر فبراير من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَت نتيجتها اسقاط حُكُومَة لويس فيليب الملوكية والمناداة بالجمهورية الثَّانِيَة ثمَّ سرت مِنْهَا إِلَى جَمِيع الامم والشعوب فَقَامَ الاهالي فِي برلين وفيينا وبراغ وَغَيرهَا من العواصم طلبا للحرية حَتَّى اوجب الْحَال

стр. 442

اسْتِعْمَال الْجنُود ضد الاهالي واطلاق المدافع عَلَيْهِم فِي هَذِه العواصم وامتدت ايضا إِلَى بِلَاد بولونيا الَّتِي سبق تقسيمها بَين الروسيا والنمسا والبروسيا وَإِلَى بِلَاد المجر الَّتِي صَارَت تَابِعَة لمملكة النمسا بعد انسلاخها عَن الدولة العثمانية كَمَا مر فِي مَوْضِعه لَكِن لما كَانَت الروسيا لَا تود رُجُوع مملكة بولونيا إِلَى سَابق وحدتها وَكَذَلِكَ لاترغب انْفِصَال المجر عَن النمسا وتشكلها بهيئة حُكُومَة مُسْتَقلَّة خوفًا من ان تكون حجر عَثْرَة فِي طَرِيق تقدمها نَحْو الاستانة ارسلت جيوشها إِلَى بولونيا لاطفاء شرر الثورة قبل امتدادها وساعدت النمسا على محاربة المجر لادخالها فِي طاعتها كَمَا كَانَت وَطلبت من الدولة الْعلية بإلحاح كَاد يُفْضِي إِلَى الْقِتَال تَسْلِيم من التجأ إِلَى بلادها من زعماء المجر فامتنعت الدولة عَن تسليمهم طبقًا لقانون الدول القَاضِي بِعَدَمِ تَسْلِيم الْمُجْرمين السياسيين اتِّفَاق بلطه ليمان وَكَانَ من نتائج حَرَكَة سنة ١٨٤٨ العمومية ان طمحت انظار اهالي الافلاق والبغدان للاستقلال والانضمام إِلَى سكان ترنسلفانيا وبكوفين لتكوين مملكة رومانية جَدِيدَة فثارتا على اميريها واضطرتاهما إِلَى الْفِرَار واقامتا مَكَانَهُ حُكُومَة مُؤَقَّتَة فَأرْسلت الدولة الْعلية جيوشها تَحت قيادة عمر باشا اُحْدُ قوادها الْمَشْهُورين لاعادة الاحوال إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ فارسلت الروسيا عساكرها إِلَى بِلَاد البغدان فِي ٢٢ رَجَب سنة ١٢٦٥ ١٣ يونيو سنة ١٨٤٨ وطردت الْحُكُومَة المؤقتة واحتلت امارة الافلاق فعارضت الدولة واحتجت ضد هَذَا الاحتلال وَصَارَت الْحَرْب بَينهمَا اقْربْ من حَبل الوريد ثمَّ دارت بَينهمَا المخابرات للوصول إِلَى مَا يمْنَع الْحَرْب واتفقتا اخيرا فِي اول مايو من السّنة الْمَذْكُورَة على ان يبْقى حق

стр. 443

تعْيين الامراء بِهَاتَيْنِ الولايتين للدولة الْعلية كَمَا كَانَ وان يحتل الْبِلَاد جَيش مؤلف من جنود تركية وروسية مُدَّة سبع سنوات حَتَّى يستتب الامن وَسمي هَذَا الِاتِّفَاق بِاتِّفَاق بلطه ليمان نِسْبَة إِلَى الْمحل الَّذِي امْضِي فِيهِ اسباب حَرْب القرم قد علم مِمَّا سبق ان المنافسات كَانَت دائمه بَين قسوس الارثوذكس والكاتوليك بشأن التَّمَلُّك اوبالحري اقامة شَعَائِر دينهم فِي الْكَنَائِس الْمُعْتَبرَة عِنْدهم فِي مَدِينَة اورشليم مهد الدّيانَة المسيحية كَمَا انها منشأ الدّيانَة الموسوية وبسعي فرنسا الحائزة بِمُقْتَضى عدَّة معاهدات قديمَة وخصوصا بِمُقْتَضى الامتيازات الممنوحة لَهَا فِي سنة ١٧٤٠ لحماية جَمِيع قسوس الكاتوليك بالمماليك المحروسة تحصل هَؤُلَاءِ القسوس على امتياز امتلاك هَذِه الْكَنَائِس وَكَانَت الروسيا تسْعَى من جِهَة اخرى لتجريد الكاتوليك من هَذَا الامتياز واعطائه للارثوذكس لما بَينهَا وَبينهمْ من الْوحدَة المذهبية لتتمكن بواسطتهم من بَث سياستها وَنشر نفوذها بَين رعايا الدولة الْعلية المتمسكين بِهَذَا الْمَذْهَب الْبَالِغ عَددهمْ زِيَادَة عَن عشرَة ملايين من النُّفُوس وبالتالي يكونُونَ لَهَا بِمَثَابَة آلَة صماء تحركها كَيفَ تشَاء لترويج مقاصدها ولاشتغال فرنسا بحروب الثورة ثمَّ الحروب النابوليونية مُدَّة ٢٢ سنة تَقْرِيبًا من سنة ١٧٩٣ إِلَى سنة ١٨١٥ وَضعف الحكومات الملوكية بعد ذَلِك وَحُصُول ثورة سنة ١٨٤٨ لم يُمكنهَا التَّمَسُّك بحقوقها هُنَالك فتعدى على امتيازات قسوسها كهنة الارثوذكس ثمَّ لما عين نابوليون الثَّالِث رَئِيسا للجمهورية الفرنساوية الثَّانِيَة باسم الْبُرْنُس

стр. 444

لويز نابوليون فاتح الدولة الْعلية فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لارضاء الرَّأْي الْعَام فِي فرنسا واستمالته اليه فعين الْبَاب العالي لجنة مشكلة من عدَّة اعضاء مختلفي الْمَذْهَب لفصلها بِمُقْتَضى المعاهدات الْقَدِيمَة وَهَذِه اللجنة قررت بعد عدَّة اجتماعات مُتَوَالِيَة باولوية الكاتوليك فِي امتلاك عدَّة كنائس واديرة فعارضت الروسيا فِي نَفاذ هَذِه الاتفاقية المؤرخة فِي ١٤ ربيع الثَّانِي ١٢٦٨ ٦ فبراير سنة ١٨٥٢ وهددت الْبَاب العالي بِالْحَرْبِ لَو امْر بنفاذها فترددت الدولة فِي انفاذها لَكِن من جِهَة اخرى شددت فرنسا فِي التَّمَسُّك بحقوقها الَّتِي قررتها اللجنة الاخيرة وَحَيْثُ ان الدولة اعتمدت هَذَا الْقَرار فَلَا بُد من تَنْفِيذ مَا اعْترفت بِصِحَّتِهِ وَلذَلِك اضطرت الدولة العثمانية لتنفيذ مَضْمُون قَرَار اللجنة الاخيرة فاتخذت الروسيا هَذَا الْخلاف ذَرِيعَة لتنفيذ وَصِيَّة بطرس الاكبر وارسلت الْبُرْنُس منشيكوف من سان بطرسبورج إِلَى الاستانة بِصفة سفير غير اعتيادي

стр. 445

للمخابرة فِي مَسْأَلَة الاماكن المقدسة ظَاهرا وَفِي الْحَقِيقَة لم يكن الْقَصْد من ارساله الا ايجاد اسباب الشقاق للتوصل إِلَى اعلان الْحَرْب بِحجَّة مَقْبُولَة لَدَى الدول كَمَا سَيظْهر ذَلِك فِيمَا بعد فسافر هَذَا السفير من عَاصِمَة الروسيا فِي اول جُمَادَى الاولى سنة ١٢٦٩ ١٠ فبراير سنة ١٨٥٣ مارا باقاليم الروسيا الجنوبية قَاصِدا دَار الْخلَافَة الْعُظْمَى واخذ يراقب تجمع الجيوش بِقرب التخوم العثمانية ويستعرضها باحتفال زَائِد لزِيَادَة الايهام والتأثير على افكار رجال الدولة وعظمائها وَفِي اثناء ذَلِك عمل القيصر نيقولا على سبر افكار السّير هاملتن سيمور سفير انكلترا لَدَى حكومته مظْهرا لَهُ ضَرُورَة اتِّحَاد دَوْلَتِي الروسيا وانكلترا مَعًا على اضعاف نُفُوذ فرنسا فِي الشرق واخذ الاحتياطات لتجزئة بِلَاد الدول الْعلية حَيْثُ صَار من المستحيل على زعمهم شِفَاء هَذَا الْمَرِيض يَعْنِي بذلك دولتنا العثمانية المحفوظة وخوفا من تشَتت تركته بعد وَفَاته عرض عَلَيْهِ انه يتساهل مَعَ انكلترا لَو ساعدته على نَفاذ مشروعه فِي اعطائها الْقطر الْمصْرِيّ وجزيرة كريد فَلم يجبهُ السفير الانكليزي جَوَابا شافيا بل بِالْعَكْسِ اجاب القيصر ان الاولى معالجة هَذَا الْمَرِيض وتعهده بالعناية حَتَّى ينقه من مَرضه وَيعود لسابق قوته لانه لَو مَاتَ حصلت حروب تهدر فِيهَا الدِّمَاء انهارا عِنْد تَقْسِيم تركته وَلم يكن ذَلِك من الدولة الانكليزية حبا بتقوية الدولة الْعلية اَوْ شغفا ببقائها بل خوفًا من امتداد الروسيا فِي الشرق واحتلالها الاستانة فتشارك انكلترا فِي ملك الْبحار الَّذِي انْفَرَدت هِيَ بِهِ وَمن جِهَة اخرى خابر نابليون الثَّالِث حُكُومَة الملكة فكتوريا بشأن الِاتِّحَاد مَعَ الْبَاب العالي لتنفيذ العهود السَّابِقَة المختصة بالاماكن المقدسة حَتَّى لَا ينتشر نُفُوذ الروسيا بَين رعايا الدولة الْعلية الارثوذكس الَّذين رُبمَا بلغ عَددهمْ اُحْدُ عشر مليونا من النُّفُوس لَا سِيمَا وان حماية الروسيا على اورشليم وَمَا جاورها مِمَّا يَجْعَل انكلترا فِي وَجل على اقْربْ طرقها لمستعمراتها الْهِنْدِيَّة وَهِي طَرِيق مصر فاقتنعت

стр. 446

انكلترا بضرورة مقاومة نُفُوذ الروسيا فِي هَذِه الاصقاع خُصُوصا وَقد اطَّلَعت على مَقَاصِد القيصر الَّتِي كاشف بهَا السّير هاملتن سيمور سفيرها لَدَيْهِ وَلما رأى امبراطور الروسيا عدم اصغاء انكلترا لطلباته فاتح سفير فرنسا المسيو كستلباجاك فِي امْر التساهل مَعهَا على تَقْرِير الامور فِي بِلَاد فلسطين طبق مرادها وَعرض عَلَيْهِ ان تتساهل الروسيا هِيَ ايضا مَعَ فرانسا فِي مُقَابلَة ذَلِك بل وتساعدها على امتلاك الْقطر التّونسِيّ لتقوية نفوذها فِي بِلَاد الغرب ومراقبة اجراءآت انكلترا فِي جَزِيرَة مالطه لكنه لم يجد من السفير الفرنساوي اذنا صاغية كَمَا كَانَ يؤمل لَان مساعي نابليون الثَّالِث كَانَت موجهة لارجاع مجد فرنسا السَّابِق اليها وَجعلهَا صَاحِبَة الْكَلِمَة فِي جَمِيع احوال اوروبا كَمَا كَانَت فِي عهد عَمه نابليون الاول هَذَا وَلما وصل الْبُرْنُس منشيكوف إِلَى الاستانة بعد ان اجرى على الْحُدُود عدَّة تظاهرات حربية كَانَ مَعَه عدَّة ضباط عِظَام بَريَّة وبحرية صَارُوا يرافقونه اثناء زياراته الرسمية للوزراء لزِيَادَة التَّأْثِير على عُقُولهمْ وتظاهر بِعَدَمِ مُرَاعَاة الاصول والعوائد المتبعة فِي مُقَابلَة جلالة السُّلْطَان وَلَوْلَا توَسط سفيري فرنسا وانكلترا لانتشبت الْحَرْب بِسَبَب هَذِه الاجراءآت الْمُغَايرَة لِآدَابِ السياسة فتحقق للْعُمُوم من ذَلِك ان قصد الروسيا الوحيد هُوَ اعلان الْحَرْب على الدولة الْعلية وتقسيم ممالكها المحروسة وَلذَلِك ارسلت فرنسا دونانماتها البحرية إِلَى مياه اليونان فالقت مراسيها فِي فرضة سلامين فِي ٢٤ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٦٩ ٤ ابريل سنة ١٨٥٣ اسْتِعْدَادًا للحوادث الَّتِي لم تكن فِي الحسبان اما انكلترا فاذنت لمراكبها بالتربص فِي مالطة لحين صُدُور اوامر جَدِيدَة لَهَا وَفِي اثناء ذَلِك كَانَ الْبُرْنُس منشيكوف يبْذل جهده لَدَى الْبَاب العالي للحصول على تَجْدِيد شُرُوط معاهدة خونكاراسكله سي القاضية بَان يكون للروسيا حماية جَمِيع المسيحيين الْمَوْجُودين بِبِلَاد الدولة وَكَانَ الْبَاب العالي يماطله فِي الاجابة واخيرا اعاد السُّلْطَان رشيد باشا إِلَى منصب

стр. 447

الصدارة الَّذِي سبق عَزله مِنْهُ ارضاء للروسيا ومنعا لاسباب الشقاق فَظهر من ذَلِك ان السُّلْطَان قد عدل عَن سياسة المسالمة وعزم على رفض طلبات الروسيا وايد ذَلِك رشيد باشا فانه رفض طلبات الْبُرْنُس منشيكوف قَطْعِيا وَلما رأى الْبُرْنُس منشيكوف هَذَا الْعُدُول ارسل للباب العالي بلاغا نهائيا بتاريخ ٢٦ رَجَب سنة ١٢٦٩ ٥ مايو سنة ١٨٥٣ بطلبات دولته وَطلب الاجابة عَنْهَا فِي مُدَّة خَمْسَة ايام وَلما انْقَضتْ بِدُونِ ان يُجَاب طلبه اطالها ثَمَانِيَة ايام اخرى وَلما انْقَضتْ هَذِه الْمدَّة ايضا بِدُونِ ان يحصل على مرغوبه الَّذِي رفضه جلالة السُّلْطَان مَعَ الاعلان باحترام حُقُوق الْكَنِيسَة الارثوذكسية قطع السفير الروسي العلاقات مَعَ الْبَاب العالي وبارح الاستانة على احدى مراكب الروسيا فِي ١٧ شعْبَان سنة ١٢٦٩ ٢٦ مايو الْمَذْكُور مهددا الدولة باحتلال الْجنُود الروسية لامارتي الافلاق والبغدان إِذا صممت على التَّوَقُّف وَلما ابلغت الدولة صُورَة هَذَا الْبَلَاغ الاخير إِلَى اللورد ستراتفورد سفير انكلترا وَهُوَ ابلغها إِلَى حكومته تَغَيَّرت افكار انكلترا من جِهَة الروسيا وتحققت سوء نِيَّتهَا نَحْو الدولة الْعلية فانضمت إِلَى فرنسا وارسلت إِلَى دونانماتها بمالطة ان تنضم إِلَى الدونانمة الفرنساوية وتتحد مَعهَا فِي كَافَّة اعمالها وَمن ثمَّ ظهر لجَمِيع اوروبا ان فرنسا وانكلترا متحدتان على حماية الممالك العثمانية المحروسة ضد اطماع الروسيا ثمَّ اصدرت هَاتَانِ الدولتان اوامرهما إِلَى مراكبهما بالاقتراب من بوغاز الدردنيل لمد يَد المساعدة للدولة الْعلية إِذا اقْتضى الْحَال فَقَامَتْ المراكب ورست فِي فرضة بزيكا فِي ٢٢ رَمَضَان سنة ١٢٦٩ ١٨ يونيه سنة ١٨٥٣ وَبعد انسحاب الْبُرْنُس منشيكوف من الاستانة ارسل المسيو دي نسلرود

стр. 448

وَزِير خارجية الروسيا بلاغا آخر إِلَى الْبَاب العالي وابلغ صورته إِلَى جَمِيع الوزارات يَقُول فِيهِ انه ان لم تقبل الدولة الْعلية اقتراحاته الاخيرة تحتل الجيوش الروسية ولايتي الافلاق والبغدان حَتَّى تعود الدولة عَن اصرارها وترضخ لطلبات دولته وَلما اجيب بالرفض فِي هَذِه الْمرة ايضا اجتازت عَسَاكِر الروسيا نهر البروث الْفَاصِل بَين املاك الدولتين فِي ٢٥ رَمَضَان سنة ١٢٦٩ ٢ يوليو سنة ١٨٥٣ واحتلت الولايتين فعلا اذ لم يخْطر ببال الروسيا ان الدول الغربية تتألب مَعَ الدولة الْعلية على محاربتها لحماية الدولة وَمن جِهَة اخرى كَانَ يظنّ ان فرنسوا جوزيف امبراطور النمسا والمجر يعضده على الدولة الْعلية لمَاله عَلَيْهِ من الايادي الْبيض فِي اقماع الثورة المجرية سنة ١٨٤٨ وَحَقِيقَة كَانَ مَرْكَز فرنسوا جوزيف حرجا لانه كَانَ لَا يدْرِي أَي الطَّرِيقَيْنِ يسْلك ايتحد مَعَ الروسيا على الدولة الْعلية لمُجَرّد مُقَابلَة الْجَمِيل بِمثلِهِ مَعَ مُخَالفَة هَذَا التَّحَالُف لمصَالح بِلَاده ام يُرَاعِي الْمصلحَة السياسية فَقَط الَّتِي لَا تلائمها الاحساسات القلبية فِي الْغَالِب واثناء تردده هَذَا بذل جهده فِي التَّوْفِيق بَين الروسيا وجارتها منعا للحرب فيتخلص هُوَ من هَذِه الْمَسْأَلَة بِدُونِ ان يرْمى بكفران الْجَمِيل واوعز إِلَى الدول بِجمع مؤتمر ينْعَقد بِمَدِينَة ويانه تَحت رئاسة نَاظر خارجيته لاصلاح ذَات الْبَين بَين الدولتين المتعاديتين وان يطْلب مِنْهُمَا عدم اعلان الْحَرْب حَتَّى تتمّ مامورية هَذَا المؤتمر بل تَتَرَبَّص جيوشهما على ضفتي نهر الطونة فَقبلت الدول ذَلِك وانعقد المؤتمر فِي غُضُون شهر ذِي الْحجَّة سنة ١٢٦٩ شهر اغسطس سنة ١٨٥٣ بويانه واهتم مندوبو البروسيا والنمسا بالاتحاد مَعَ مندوبي فرنسا وانكلترا فِي التَّوْفِيق بَين الْخَصْمَيْنِ واصلاح ذَات بَينهمَا منعا لسفك الدِّمَاء واشتعال نيران الْحَرْب الَّتِي رُبمَا عَمت اوروبا باسرها وَعظم خطبهَا وتحركت بِسَبَب اشْتِغَال الدول بِهَذِهِ الحروب والافكار الثوروية الَّتِي هَاجَتْ فِي سنة ١٨٤٨ وكادت تقلب جَمِيع

стр. 449

الحكومات الملوكية وَبعد عدَّة جلسات اقر المؤتمر على صُورَة وفَاق قبلته الروسيا لعدم ظُهُور عِبَارَته وغموض انشائه لتؤوله فِيمَا بعد على مَا ينطبق على غايتها ويوافق اغراضها ورفضها الْبَاب العالي هَذَا السَّبَب بِعَيْنِه ولرغبته فِي عدم وجود عراقيل فِي الْمُسْتَقْبل بِسَبَب تاويل عباراته وَبِذَلِك انفض المؤتمر بِدُونِ جدوى وَتحقّق الْجَمِيع سوء مَقَاصِد الروسيا وشجعت فرنسا وانكلترا الْبَاب العالي على عدم التَّسْلِيم بطلبات الروسيا والثبات فِي الدفاع عَن حُقُوقه واعدة اياه بالمساعدة المادية على الروسيا فارسل الْبَاب العالي إِلَى الْبُرْنُس جورتشاكوف قَائِد الجيوش الروسية المحتلة لولايتي الافلاق والبغدان بلاغا تَارِيخه اول محرم سنة ١٢٧٠ ٤ اكتوبر سنة ١٨٥٣ باخلاء هَاتين الولايتين فِي ظرف خَمْسَة عشر يَوْمًا والا فَتعْتَبر بَقَاء الجيوش فِيهَا اعلانا للحرب وامرت عمر باشا سر عَسْكَر الجيوش العثمانية بعبور نهر الطونة وَابْتِدَاء الْحَرْب بعد هَذَا الاجل ان لم تكن الجيوش الروسية قد اخلتها تَمامًا وَلما لم تعر الروسيا هَذَا الْبَلَاغ اذنا صاغية اجتاز عمر باشا النَّهر فِي اول صفر سنة ١٢٧٠ ٣ نوفمبر ١٨٥٣ وَبعد موقعة عَظِيمَة هائلة انتصرت الجيوش العثمانية على الجيوش الروسية واخرجتها من معاقلها الكائنة على ضفة النَّهر الْيُسْرَى قهرا وفاز عمر باشا وجيوشه فوزا مُبينًا ادهش جَمِيع الْعَالم لعدم توقع انهزام الروسيا لَكِن بِسَبَب الشتَاء الشَّديد وَالْبرد الْكثير الثَّلج فِي هَذِه الْبِلَاد عَاد عمر باشا إِلَى الْحُصُون بِدُونِ ان يقتفي اثر الْجنُود الروسية المنهزمة لعدم امكان ذَلِك ماديا وَكَذَلِكَ على حُدُود الروسيا من جِهَة بِلَاد قافقاس بآسيا اجتاز العثمانيون التخوم تَحت قيادة عَبده باشا واحتلت قلعة سان نقولا عقب انتصارها على الروس ثمَّ

стр. 450

وقفت الْحَرْب بِسَبَب الشتَاء بعد انتصار الروس فِي وَاقعَة اخرى بِدُونِ ان يتمكنوا من استرجاع هَذِه القلعة وعندما شَاهد الامبراطور نقولا هَذَا الْحَال الَّذِي مَا كَانَ ليخطر لَهُ على بَال اجْتمع مَعَ فرنسوا جوزيف امبراطور النمسا وفاوضه فِي خَوفه من نجدة الدول الغربية فرنسا وانكلترا للدولة الْعلية وَسَأَلَهُ المساعدة والتحالف عَلَيْهَا مُعْتَمدًا فِي ذَلِك على مساعدته لَهُ سنة ١٨٤٨ ضد ثائري المجر فَلم يقبل الامبراطور ذَلِك واظهر لَهُ شَدِيد اسفه من عدم اجابة طلبه لعدم ملاءمته لمصَالح الْبِلَاد الَّتِي القيت مقاليدها اليه وَاقعَة سينوب البحرية وَفِي هَذِه الاثناء تقدّمت السفن الفرنساوية والانكليزية من فرضة بزيكا إِلَى بوغاز البوسفور بِرِضا الْبَاب العالي لتَكون اقْربْ إِلَى الْبَحْر الاسود وَإِلَى حماية الاستانة لَو حاول الروس الهجوم عَلَيْهَا بحرا وارسلت فرنسا إِلَى دَار السَّعَادَة سفيرا حَرْبِيّا فَوق الْعَادة وَهُوَ الْقَائِد باراجي ديليه للسعي فِي الصُّلْح وَفِي الْحَقِيقَة لدرس احوال الدولة العسكرية اسْتِعْدَادًا لِلْقِتَالِ الَّتِي كَانَت تستعد لَهُ فرنسا ضد الروسيا وقابله جلالة السُّلْطَان الْمُعظم باحتفال زَائِد فِي ١٥ الْحجَّة سنة ١٢٦٩ ١٩ سبتمبر سنة ١٨٥٣ هُوَ وَجَمِيع اركان حربه وَفِي ٢٨ صفر سنة ١٢٧٠ ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٣ فاجأت الدونانمة الروسية تَحت امرة الاميرال ناشيموف الدونانمة التركية الْمَوْجُودَة فِي ميناء سينوب على الْبَحْر الاسود ودمرتها عَن آخرهَا تَقْرِيبًا مَعَ انها كَانَت تعهدت لدولتي فرنسا وانكلترا بِعَدَمِ اتيان أَي امْر عدواني فِي الْبَحْر الاسود إِذا تربصت دونانماتهما فِي البوسفور وَلم تدخل هَذَا الْبَحْر وَلما حصلت هَذِه الْوَاقِعَة على حِين غَفلَة امرت فرنسا وانكلترا مراكبهما بِالدُّخُولِ فِي الْبَحْر الاسود واعلنت الروسيا رسميا أَي اعلمت انه لَو تعدت احدى المراكب الروسية على موانئ الدولة اَوْ على احدى مراكبها تكون مراكب الدولتين مضطرة لمنعها بِالْقُوَّةِ وَدخلت سفنها الحربية فِي الْبَحْر الْمَذْكُور فِي ربيع الثَّانِي سنة ١٢٧٠ ٤ يناير سنة ١٨٥٤ وَمن ذَلِك الْحِين صَار لَا بُد من الْحَرْب قَرِيبا بَين هَذِه الدول والروسيا لحماية الدولة العثمانية من عدوان الروسيا واطماعها

стр. 451

لَا حبا فِي الدولة بل خوفًا من امتداد نُفُوذ الروسيا وَبسط يَدهَا على الاستانة وَبعد ذَلِك ارسل نابليون الثَّالِث جَوَابا بتاريخ ٢٩ يناير سنة ١٨٥٤ إِلَى الامبراطور نقولا بِخَط يَده يشْرَح لَهُ فِيهِ مَاهِيَّة المسالة من اصلها وَمَا اتته الروسيا من المماطلة والتلاعب فِيهَا وَمَا اقترفته من الْغدر والخيانة ويعرض عَلَيْهِ عقد مؤتمر للنَّظَر فِي الصُّلْح بِشَرْط خُرُوج العساكر الروسية من ولايتي الافلاق والبغدان وتعهدت لَهُ بسحب مراكبه ومراكب انكلترا من الْبَحْر الاسود لَو اخلت هِيَ هَاتين الولايتين كل ذَلِك بِعِبَارَة مَقْبُولَة يظْهر من خلالها ميل فرنسا إِلَى الصُّلْح مَعَ الاستعداد للحرب فاجابه القيصر بِمَا يشف عَن عدم امكانه الرُّجُوع عَن خطته اذ اخلاء عساكره للولايتين يعد احجاما امام عَسَاكِر الدولة وَهَذَا امْر لَا يقبله هُوَ قطّ مَا دَامَ عِنْده جندي وَاحِد وَختم خطابه بِعِبَارَة مؤداها انه لم يَأْتِ فِي ذَلِك امرا مستغربا فانه لَا يظنّ ان نابوليون الثَّالِث كَانَ يفعل غير ذَلِك لَو كَانَ فِي هَذَا المركز الْحَرج وَبِهَذَا صَار لَا بُد من الْحَرْب وَترك سفراء الروسيا لَدَى فرنسا وانكلترا مقرّ وظائفها بِنَاء على امْر سيدهما وخوفا من اتِّحَاد النمسا والبروسيا مَعَ فرنسا وانكلترا عَلَيْهِ ارسل الامبراطور نقولا المسيو اورلوف بمأمورية خُصُوصِيَّة إِلَى ويانة وبرلين ليطلب من امبراطور النمسا وَملك البروسيا ان يَكُونَا عل الحيادة ان لم يرغبا فِي مساعدته فلوقي اوروف فِي ويانه بِمَا لم يَجْعَل لَدَى القيصر شكّ فِي اتِّحَاد النمسا مَعَ اعدائه وَفِي برلين مَا حمله على الْفِكر بَان فريدريك غليوم ملك البروسيا يكون لَهُ اكثر مِمَّا يكون عَلَيْهِ ثمَّ فِي ١٢ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٢٧٠ ١٢ مارس سنة ١٨٥٤ امْضِي بَين فرنسا وانكلترا والدولة الْعلية فِي مَدِينَة الاستانة اتِّفَاق على محاربة الروسيا وحماية الدولة الْعلية

стр. 452

وَمِمَّا جَاءَ بِهِ ان ترسل فرنسا خمسين الف جندي وانكلترا خَمْسَة وَعشْرين الْفَا بِشَرْط ان تنجلي جَمِيعهَا عَن بِلَاد الدولة بعد خَمْسَة اسابيع تمْضِي من يَوْم عقد الصُّلْح مَعَ الروسيا وَفِي ٢٧ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٢٧٠ ٢٧ مارس سنة ١٨٥٤ ارسل نابليون الثَّالِث رِسَالَة إِلَى مجْلِس النواب يُخبرهُ باعلان الْحَرْب على الروسيا بالاتحاد مَعَ انكلترا وَفِي ١٢ رَجَب سنة ١٢٧٠ ١٠ ابريل من السّنة الْمَذْكُورَة اتّفقت فرنسا وانكلترا بِمُقْتَضى معاهدة مَخْصُوصَة امضيت فِي مَدِينَة لوندرة على انهما يحفظان املاك الدولة الْعلية ويمنعان ضم أَي جُزْء مِنْهَا إِلَى بِلَاد الروسيا وان يقدما مَا يلْزم لذَلِك من المَال وَالرِّجَال لَو دعى الْحَال لارسال جيوش اكثر من الْمُقَرّر فِي معاهدة الاستانة وان لَا تتخابر احداهما مَعَ الروسيا بشأن الصُّلْح اَوْ تَوْقِيف الْقِتَال الا بالِاتِّفَاقِ مَعَ حليفتها وَبعد ذَلِك اخذت الدولتان المتحالفتان فِي جمع الجيوش وَمَا يلْزم لَهَا من الْمُؤَن والذخائر والسفن اللَّازِمَة لنقلها وَجعلت الجيوش الفرنساوية تَحت قيادة المارشال دي سانت ارنو والانكليزية تَحت امرة اللورد رجلَانِ وَنزلت الجيوش المتحدة فِي غُضُون ابريل ومايو سنة ١٨٥٤ فِي فرضة غاليبولي والاستانة وَقبل وُصُول الجيوش الْبَريَّة كَانَ الْقِتَال قد ابتديء فعلا فِي الْبَحْر الاسود وَذَلِكَ ان الاميرال الانكليزي دنداس ارسل احدى مراكبه الْمُسَمَّاة فوريوس

стр. 453

إِلَى ميناء اودسا لحمل القنصل والرعايا الانكليزية فِي ٨ رَجَب سنة ١٢٧٠ ٦ ابريل فاطلقت القلاع قنابلها عَلَيْهَا مَعَ انها كَانَت حاملة الْعلم الابيض عَلامَة على انها تقصد مخابرة سلمية خلافًا لاصول الْحَرْب الدولية فاتفق الاميرال الانكليزي مَعَ زميله الفرنساوي الاميرال هاملين على اطلاق مدافعهما على الْمَدِينَة ان لم يقدم لَهما حاكمها اعتذارا كَافِيا على هَذَا الْعَمَل العدائي فقصدا الميناء فِي ٢٢ رَجَب ٢٠ ابريل وابلغا طلبهما إِلَى الْحَاكِم وامهلاه ٢٤ سَاعَة وَلما انْقَضى يَوْم وَاحِد وَعشْرين بِدُونِ ان ياتيهما جَوَاب ابْتَدَأَ قذف القنابل على الْمَدِينَة فِي صَبِيحَة ٢٤ رَجَب ٢٢ مِنْهُ وَاسْتمرّ اطلاقها حَتَّى دمرت قلاع الْمَدِينَة والتهمت النيرَان جزأ مِنْهَا ثمَّ انسحبت الاساطيل من امامها واصطفت امام مينا سباستوبول ودعت الدونانمة الروسية لِلْقِتَالِ وَلما لم تخرج للممحاربة كلف الامير آلان الاميرال ليونس بِضَرْب الثغور الروسية الْوَاقِعَة على الْبَحْر الاسود فَقَامَ بِهَذِهِ المامورية وَفِي اثناء ذَلِك اعلن الامبراطور نقولا الْحَرْب على الدول المعادية لَهُ فِي ١٣ رَجَب سنة ١٢٧٠ ١١ ابريل سنة ١٨٥٤ واصدر اوامره إِلَى المارشال برنس بسكيفتش قَائِد الجيوش المعسكرة على ضفة نهر الطونة الايسر بعبور النَّهر ومحاصرة مَدِينَة سلستريا فصدع المارشال بالامر وحاصر الْمَدِينَة مُدَّة خمس وَثَلَاثِينَ يَوْمًا من ١٥ مايو إِلَى ٢٠ يونيو سنة ١٨٥٤ من ١٧ شعْبَان إِلَى ٢٣ رَمَضَان سنة ١٢٧٠ بِدُونِ ان يقوى على اذلالها مَعَ ان الْجَيْش المحاصر كَانَ مكونا من سِتِّينَ الف مقَاتل وَلم يكن بداخلها من الْجنُود العثمانية الا خَمْسَة عشر الْفَا ضمنهم كثير من المصريين تَحت قيادة مُوسَى باشا من مشاهير قواد الدولة الَّذِي اسْتشْهد فِي الدفاع عَنْهَا

стр. 454

وَلما علم محالفو الدولة بِتِلْكَ المقاومة الَّتِي اوقعت فِي قُلُوبهم اعْتِبَار الْجنُود المظفرة والزمتهم الِاعْتِرَاف بشجاعتهم وَقُوَّة باسهم زحفوا بجوشهم إِلَى مَدِينَة وارنه بِقصد مد يَد المساعدة إِلَى الْمَدِينَة المحصورة لَكِن لم ينتظرهم المارشال الروسي بل رفع الْحصار عَن الْمَدِينَة وَعَاد بخفي حنين فاقتفى عمر باشا اثره وَعبر نهر الطونة خَلفه بعد ان هزم مُؤخر جَيْشه عِنْد مَدِينَة جورجيو وَكَانَ فِي عزمه احتلال ولايتي الافلاق والبغدان عقب جيوش الروسيا الَّتِي كَانَت ابتدأت فِي اخلائها لَكِن كَانَت الجيوش النمساوية قد احتلتها ومنعت عمر باشا من اتِّبَاع عَسَاكِر الروسيا حَتَّى اجتازت نهر البروث الْفَاصِل بَين الولايتين واملاك الروسيا بِسَلام النمسا وَحرب القرم ولنذكر هُنَا بطرِيق الايجاز المخابرات السياسية الَّتِي ادت إِلَى احتلال النمسا للولايتين سبق شرحنا علاقات النمسا والروسيا ومقابلة الامبراطورين فِي مَدِينَة اولمنس وابنا ان النمسا كَانَت لَا تود مساعدة الروسيا كَمَا صرح بذلك امبراطورها وَلكنهَا من جِهَة اخرى لَا ترغب مساعدة الدولة الغربية بل غَايَة امانيها ان تكون حكما بَينهم وتبذل قصارى جهدها فِي عدم امتداد املاك الروسيا من جِهَة الطونة وان تجْعَل لنَفسهَا نوع سيادة على جَمِيع الْبِلَاد الْوَاقِعَة على ضفافه وَلذَلِك بِمُجَرَّد مَا علمت باتفاقي الاستانة ولوندره ابرمت مَعَ البروسيا اتِّفَاقًا بتاريخ ٢٢ رَجَب سنة ١٢٧٠ ٢٠ ابريل سنة ١٨٥٤ بَان تسيرا بِاتِّفَاق فِي الْمَسْأَلَة الشرقية وَبَلغت صورته للدول وَفِي ١٧ رَمَضَان سنة ١٢٧٠ ١٣ يونيه من السّنة الْمَذْكُورَة اتّفقت فرنسا وانكلترا والدولة الْعلية مَعَ النمسا على ان تحتل الجيوش النمساوية ولايتي الافلاق

стр. 455

والبغدان إِذا اخلتها الروسيا وان تتحد مَعَهُمَا فِي محاربة الروسيا لَو اجتازت جيوشها جبال البلقان وبمقتضى هَذِه الاتفاقات دخلت جيوش النمسا فِي هَاتين الولايتين بِمُجَرَّد انسحاب جيوش الروسيا مِنْهَا اولا باول وَلم تعترض الروسيا ضد هَذَا الاحتلال خوفًا من اغضاب النمسا ودخولها فِي التَّحَالُف المنعقد ضدها لتفضيلها وجود جيوش النمسا فيهمَا على وجود الاتراك اَوْ الفرنساويين لعدم ميل النمسا للحرب وبرجوع جيوش الروسيا خلف نهر البروث وحيلولة جيوش النمسا بَينهَا وَبَين نهر الطونة زَالَ الْخَوْف من هَذِه الْجِهَة ثمَّ اجْتمع قواد الجيوش المتحالفة فِي مَدِينَة وارنه فِي ٢٥ شَوَّال سنة ١٢٧٠ ٢١ يوليو سنة ١٨٥٤ بِصفة مجْلِس حَرْبِيّ وقرروا ضَرُورَة نقل ميدان الْقِتَال فِي اراضي الروسيا لَا سِيمَا وَقد تفشت الكوليرا بَين عساكرهم واجمعوا على ارسال العساكر إِلَى بِلَاد القرم ومحاصرة ثغر سباستوبول الشهير بمناعة حصونه وقلاعه فارسلت إِلَى بِحَيْثُ جَزِيرَة القرم سِتِّينَ الف جندي من الفرنساويين والاتراك والانكليز والمصريين انزلوا فِي فرضة ايباتوريا فِي ٢٠ الْحجَّة سنة ١٢٧٠ ١٣ سبتمبر سنة ١٨٥٤ وَفِي ٢٧ الْحجَّة ٢٠ سبتمبر حصلت اول موقعة بَينهم وَبَين جيوش الروسيا كَانَت الدائرة فِيهَا على الروسيا واحتل الفرنساويون عَقبهَا المرتفعات المشرفة على نهر الما وَيُقَال ان المارشال دي سانت ارنو ضرب خيمته فِي نفس الْمحل الَّذِي كَانَت فِيهِ خيمة الْقَائِد الروسي الْبُرْنُس منشيكوف وَلم تتبع الجيوش المتحالفة عَسَاكِر الروسيا فِي انكسارها وتقهقرها نَحْو مَدِينَة سباستوبول بل تربصت فِي مَكَانهَا وَيَقُول العارفون انها لَو اقتفت اثرها لدخلت الْمَدِينَة بِدُونِ كَبِير عناء لعدم تَكَامل استحكاماتها لَكِن منع المتحالفين عَن ذَلِك اعْتِقَادهم فِي قُوَّة الروسيا ومناعة الْمَكَان وَفِي ٣ محرم سنة ١٢٧١ ٢٦ سبتمبر هاجم المتحالفون فرضة بلكلاوا

стр. 456

ودخلوها عنْوَة فِي يَوْم ٥ محرم ٢٨ سبتمبر لاحتياجهم اليها كميناء امين لنزول الْجنُود والمؤن والذخائر الْآتِيَة لَهُم من اوروبا وَفِي اثناء ذَلِك امكن الروس اتمام تحصين مَدِينَة سباستوبول برا وبحرا بكيفية جعلت الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا من المستحيلات بهمة الْقَائِد الشهير تودلين وَفِي ٦ محرم ٢٩ سبتمبر سنة ١٨٥٤ توفّي المارشال دي سانت ارنو قَائِد عُمُوم الجيوش الفرنساوية وَخَلفه الجنرال كانروبر وَكَانَ مَوته بِسَبَب الحميات الَّتِي تفشت فِي الجيوش ونقلت جثته على السَّفِينَة الحربية الَّتِي اقلته عِنْد مَجِيئه من فرنسا إِلَى الاستانة حَيْثُ كَانَت امْرَأَته بانتظاره فاجريت لَهُ التعظيمات العسكرية اللائقة برتبته وَمِنْهَا إِلَى مرسيليا فباريس وَدفن فِي سراي الانفاليد وَفِي يَوْم ١٦ اكتوبر من السّنة الْمَذْكُورَة قررت الْحُكُومَة الفرنساوية اعطاء امراته بِصفة استثنائية مبلغ ٢٠ الف فرنك سنويا معاشا لَهَا وَفِي ١٧ محرم ١٠ اكتوبر ابتدئ اطلاق النَّار على سباستوبول

стр. 457

وَفِي ٢٤ محرم ١٧ اكتوبر هوجمت بِكُل شدَّة بِدُونِ جدوى اذ تقهقرت الجيوش المتحالفة امام الْعَدو وَخرج خَلفهم الجنرال لبراندي قَاصِدا مَدِينَة بلكلاوا وارتد على اعقابه بعد موقعة هائلة حصلت فِي ٢ صفر سنة ١٢٧١ ٢٥ اكتوبر سنة ١٨٥٤ وَفِي ١٣ صفر ٥ نوفمبر خرج الروس من قلاعهم وهاجموا الْجَيْش الانكليزي على مرتفعات انكرمان وَكَانَ الانكليز لَا يتَجَاوَز عَددهمْ عشر الروس لكِنهمْ ثبتوا حَتَّى اسعفهم الفرنساويون والعثمانيون بالنجدة فَعَاد الروس بخفي حنين وَهَذِه الموقعة شهيرة فِي التَّارِيخ الْحَرْبِيّ لما اتاه خيالة الانكليز ومشاتهم من الثَّبَات وَقُوَّة الجأش وَبعد ذَلِك اوقف الْقِتَال بِسَبَب دُخُول الْبرد وانتشار الامراض فِي الجيوش المحاصرة واستمرت اعمال الْحصار والدفاع حول مَدِينَة سباستوبول وداخلها وَفِي هَذِه السّنة ارسلت فرنسا وانكلترا دونانماتها إِلَى بَحر بلطيق وَالْبَحْر الابيض الشمالي والاوقيانوس الباسيفيكي لضرب الثغور الروسية لَكِن لم تعد هَذِه الارساليات البحرية بفوائد تعادل مصاريفها فَقَط استولى الاميرال نابير الانكليزي فِي ٢٢ الْقعدَة سنة ١٢٧٠ ١٦ اغسطس سنة ١٨٥٤ على جَزِيرَة رومرسند فِي بَحر بلطيق بمساعدة الْقَائِد الفرنساوي براجي ديليه واسر حاميتها وَفِي اواخر هَذِه السّنة دارت المخابرات ثَانِيًا فِي مَدِينَة ويانه للوصول إِلَى الصُّلْح وايقاف اضرار الْحَرْب قبل اشتدادها وَذَلِكَ ان فرنسا وانكلترا عرضتا على النمسا ان تتحد مَعَهُمَا ضد الروسيا بِمَعْنى انها تتعهد بحماية ولايتي الافلاق والبغدان ضد الروسيا وانه لَا يجوز لاحدى الدول الثَّلَاث المخابرة مَعَ الروسيا الا باطلاع حليفتيها الاخيرتين وان فرنسا وانكلترا يساعدان النمسا بِالْقُوَّةِ لَو اعلنت الْحَرْب بَينهَا وَبَين الروسيا بِسَبَب هَذِه المعاهدة فَقبلت النمسا هَذِه الاقتراحات مبدئيا وعرضتها على ملك بروسيا اتبَاعا لشروط الْوِفَاق الَّذِي عقد بَينهمَا فِي برلين وَسبق ذكره فِي مَوْضِعه

стр. 458

فَلم يقبلهَا فريدريك غليوم بل الح على فرنسوا جوزيف برفضها لَكِن لم يصغ هَذَا الاخير لالحاحه بل صدق عَلَيْهَا نهائيا فِي ١١ ربيع اول سنة ١٢٧١ ٢ دسمبر سنة ١٨٥٤ واعلن الْبُرْنُس غورتشاكوف الَّذِي خلف المسيو مياندورف فِي سفارة الروسيا بِمَدِينَة ويانه انه إِن لم تقبل الروسيا الصُّلْح قبل ختام السّنة وتتعهد للدول الاربع بطلباتها وَهِي اولا عدم استئثار الروسيا بحماية مسيحي الدولة الْعلية وحماية ولايتي الافلاق والبغدان ثَانِيًا حريَّة الملاحة لجَمِيع الدول فِي نهر الطونه ثَالِثا تَعْدِيل المعاهدات المختصة بالمرور فِي بوغازات الاستانة وخصوصا معاهدة سنة ١٨٤١ رَابِعا وضع قَاعِدَة جَدِيدَة لتوازن القوى فِي الْبَحْر الاسود فَتكون هَذِه المعاهدة الثلاثية الجديدة نَافِذَة الْمَفْعُول فاظهر الْبُرْنُس غورتشاكوف ارتياحه لاجابة هَذِه الطلبات غير انه اعتذر بِعَدَمِ وجود تعليمات لَدَيْهِ تبيح لَهُ التَّصْدِيق عَلَيْهَا وَطلب مهلة قَليلَة لتبليغ صُورَة هَذِه الطلبات لدولته وَطلب تعليمات جَدِيدَة مِنْهَا ثمَّ فِي ٢٨ دسمبر اجْتمع سفراء انكلترا وفرنسا والروسيا والنمسا عِنْد وَزِير خارجية ويانه وقرروا اعطاءه المهلة الْمَطْلُوبَة وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه السّنة والآمال متجهة نَحْو الْوُصُول إِلَى صلح عمومي يكون وَرَاءه حقن دِمَاء الْعباد واستمرت الاستعدادات حول سباستوبول وداخلها مُدَّة الشتَاء وَفِي ٢٩ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧١ الْمُوَافق ١٧ فبراير سنة ١٨٥٥ هاجم الروس العثمانيين وَمن كَانَ مَعَهم من الْجنُود المصرية الَّتِي ارسلت من مصر للمساعدة وَقت الْحَرْب طبقًا للفرمانات فِي مَدِينَة اوباثويا فردهم عمر باشا الْقَائِد العثماني على اعقابهم بعد ان قتل مِنْهُم عددا عَظِيما وَقتل فِي هَذَا الْيَوْم سليم باشا الشهير بَابي طربوش قَائِد الْفرْقَة المصرية وَمِمَّا جعل لهَذِهِ الْوَاقِعَة تَأْثِيرا شَدِيدا على الامبراطور نقولا ان الجيوش الاوروبية لم تساعد العثمانيين فِيهَا بل كَانَ النَّصْر بِمُجَرَّد فضل الجيوش الاسلامية الَّتِي كثيرا مَا فازت على الروس وَغَيرهم بالغلبة وَيُقَال ان مَا

стр. 459

اصاب الامبراطور الروسي من الكدر عقب هَذِه الكسرة كَانَ من اكبر دواعي الْمَرَض الَّذِي اصابه فِي ١٠ جماد الثَّانِي الْمُوَافق ٢٨ فبراير من السّنة الْمَذْكُورَة فَلم يمهله الا ثَلَاث لَيَال والحقه برمسه فِي صَبِيحَة ١٢ جُمَادَى الثَّانِي الْمُوَافق ٢ مارس عَن تسع وَخمسين سنة بعد ان حكم الروسيا وملحقاتها ثَلَاثِينَ سنة وَخَلفه على سَرِير الْملك ابْنه اسكندر الثَّانِي

стр. 460

هَذَا وَفِي ٧ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧١ الْمُوَافق ٢٦ يناير سنة ١٨٥٥ امضى فكتور عمانويل ملك البيمونتي بايطاليا بمساعي وزيره الشهير المسيو دي كافور معاهدة هجومية ودفاعية ضد الروسيا وارسلت إِلَى بِلَاد القرم جَيْشًا مؤلفا من ثَمَانِيَة عشر الف مقَاتل تَحت امرة الجنرال لامارمورا للاشتراك فِي فتح قلعة سباستوبول واذلال الروسيا واستمرت المناوشات بِدُونِ كثير فَائِدَة لَاحَدَّ الطَّرفَيْنِ ثمَّ حصل خلاف بَين اللورد رجلَانِ الْقَائِد الْعَام الانكليزي والجنرال كانروبر الْقَائِد الْعَام الفرنساوي افضت إِلَى تنازل الْقَائِد الفرنساوي فِي ٢٢ شعْبَان سنة ١٢٧١ الْمُوَافق
следующие страницы →