Полный текст (661 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ودخلوها عنْوَة فِي يَوْم ٥ محرم ٢٨ سبتمبر لاحتياجهم اليها كميناء امين لنزول الْجنُود والمؤن والذخائر الْآتِيَة لَهُم من اوروبا وَفِي اثناء ذَلِك امكن الروس اتمام تحصين مَدِينَة سباستوبول برا وبحرا بكيفية جعلت الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا من المستحيلات بهمة الْقَائِد الشهير تودلين
وَفِي ٦ محرم ٢٩ سبتمبر سنة ١٨٥٤ توفّي المارشال دي سانت ارنو قَائِد عُمُوم الجيوش الفرنساوية وَخَلفه الجنرال كانروبر وَكَانَ مَوته بِسَبَب الحميات الَّتِي تفشت فِي الجيوش ونقلت جثته على السَّفِينَة الحربية الَّتِي اقلته عِنْد مَجِيئه من فرنسا إِلَى الاستانة حَيْثُ كَانَت امْرَأَته بانتظاره فاجريت لَهُ التعظيمات العسكرية اللائقة برتبته وَمِنْهَا إِلَى مرسيليا فباريس وَدفن فِي سراي الانفاليد
وَفِي يَوْم ١٦ اكتوبر من السّنة الْمَذْكُورَة قررت الْحُكُومَة الفرنساوية اعطاء امراته بِصفة استثنائية مبلغ ٢٠ الف فرنك سنويا معاشا لَهَا
وَفِي ١٧ محرم ١٠ اكتوبر ابتدئ اطلاق النَّار على سباستوبول
стр. 457
وَفِي ٢٤ محرم ١٧ اكتوبر هوجمت بِكُل شدَّة بِدُونِ جدوى اذ تقهقرت الجيوش المتحالفة امام الْعَدو وَخرج خَلفهم الجنرال لبراندي قَاصِدا مَدِينَة بلكلاوا وارتد على اعقابه بعد موقعة هائلة حصلت فِي ٢ صفر سنة ١٢٧١ ٢٥ اكتوبر سنة ١٨٥٤
وَفِي ١٣ صفر ٥ نوفمبر خرج الروس من قلاعهم وهاجموا الْجَيْش الانكليزي على مرتفعات انكرمان وَكَانَ الانكليز لَا يتَجَاوَز عَددهمْ عشر الروس لكِنهمْ ثبتوا حَتَّى اسعفهم الفرنساويون والعثمانيون بالنجدة فَعَاد الروس بخفي حنين وَهَذِه الموقعة شهيرة فِي التَّارِيخ الْحَرْبِيّ لما اتاه خيالة الانكليز ومشاتهم من الثَّبَات وَقُوَّة الجأش
وَبعد ذَلِك اوقف الْقِتَال بِسَبَب دُخُول الْبرد وانتشار الامراض فِي الجيوش المحاصرة واستمرت اعمال الْحصار والدفاع حول مَدِينَة سباستوبول وداخلها
وَفِي هَذِه السّنة ارسلت فرنسا وانكلترا دونانماتها إِلَى بَحر بلطيق وَالْبَحْر الابيض الشمالي والاوقيانوس الباسيفيكي لضرب الثغور الروسية لَكِن لم تعد هَذِه الارساليات البحرية بفوائد تعادل مصاريفها فَقَط استولى الاميرال نابير الانكليزي فِي ٢٢ الْقعدَة سنة ١٢٧٠ ١٦ اغسطس سنة ١٨٥٤ على جَزِيرَة رومرسند فِي بَحر بلطيق بمساعدة الْقَائِد الفرنساوي براجي ديليه واسر حاميتها
وَفِي اواخر هَذِه السّنة دارت المخابرات ثَانِيًا فِي مَدِينَة ويانه للوصول إِلَى الصُّلْح وايقاف اضرار الْحَرْب قبل اشتدادها وَذَلِكَ ان فرنسا وانكلترا عرضتا على النمسا ان تتحد مَعَهُمَا ضد الروسيا بِمَعْنى انها تتعهد بحماية ولايتي الافلاق والبغدان ضد الروسيا وانه لَا يجوز لاحدى الدول الثَّلَاث المخابرة مَعَ الروسيا الا باطلاع حليفتيها الاخيرتين وان فرنسا وانكلترا يساعدان النمسا بِالْقُوَّةِ لَو اعلنت الْحَرْب بَينهَا وَبَين الروسيا بِسَبَب هَذِه المعاهدة فَقبلت النمسا هَذِه الاقتراحات مبدئيا وعرضتها على ملك بروسيا اتبَاعا لشروط الْوِفَاق الَّذِي عقد بَينهمَا فِي برلين وَسبق ذكره فِي مَوْضِعه
стр. 458
فَلم يقبلهَا فريدريك غليوم بل الح على فرنسوا جوزيف برفضها لَكِن لم يصغ هَذَا الاخير لالحاحه بل صدق عَلَيْهَا نهائيا فِي ١١ ربيع اول سنة ١٢٧١ ٢ دسمبر سنة ١٨٥٤ واعلن الْبُرْنُس غورتشاكوف الَّذِي خلف المسيو مياندورف فِي سفارة الروسيا بِمَدِينَة ويانه انه إِن لم تقبل الروسيا الصُّلْح قبل ختام السّنة وتتعهد للدول الاربع بطلباتها وَهِي
اولا عدم استئثار الروسيا بحماية مسيحي الدولة الْعلية وحماية ولايتي الافلاق والبغدان
ثَانِيًا حريَّة الملاحة لجَمِيع الدول فِي نهر الطونه
ثَالِثا تَعْدِيل المعاهدات المختصة بالمرور فِي بوغازات الاستانة وخصوصا معاهدة سنة ١٨٤١
رَابِعا وضع قَاعِدَة جَدِيدَة لتوازن القوى فِي الْبَحْر الاسود فَتكون هَذِه المعاهدة الثلاثية الجديدة نَافِذَة الْمَفْعُول
فاظهر الْبُرْنُس غورتشاكوف ارتياحه لاجابة هَذِه الطلبات غير انه اعتذر بِعَدَمِ وجود تعليمات لَدَيْهِ تبيح لَهُ التَّصْدِيق عَلَيْهَا وَطلب مهلة قَليلَة لتبليغ صُورَة هَذِه الطلبات لدولته وَطلب تعليمات جَدِيدَة مِنْهَا ثمَّ فِي ٢٨ دسمبر اجْتمع سفراء انكلترا وفرنسا والروسيا والنمسا عِنْد وَزِير خارجية ويانه وقرروا اعطاءه المهلة الْمَطْلُوبَة وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه السّنة والآمال متجهة نَحْو الْوُصُول إِلَى صلح عمومي يكون وَرَاءه حقن دِمَاء الْعباد واستمرت الاستعدادات حول سباستوبول وداخلها مُدَّة الشتَاء وَفِي ٢٩ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧١ الْمُوَافق ١٧ فبراير سنة ١٨٥٥ هاجم الروس العثمانيين وَمن كَانَ مَعَهم من الْجنُود المصرية الَّتِي ارسلت من مصر للمساعدة وَقت الْحَرْب طبقًا للفرمانات فِي مَدِينَة اوباثويا فردهم عمر باشا الْقَائِد العثماني على اعقابهم بعد ان قتل مِنْهُم عددا عَظِيما وَقتل فِي هَذَا الْيَوْم سليم باشا الشهير بَابي طربوش قَائِد الْفرْقَة المصرية وَمِمَّا جعل لهَذِهِ الْوَاقِعَة تَأْثِيرا شَدِيدا على الامبراطور نقولا ان الجيوش الاوروبية لم تساعد العثمانيين فِيهَا بل كَانَ النَّصْر بِمُجَرَّد فضل الجيوش الاسلامية الَّتِي كثيرا مَا فازت على الروس وَغَيرهم بالغلبة وَيُقَال ان مَا
стр. 459
اصاب الامبراطور الروسي من الكدر عقب هَذِه الكسرة كَانَ من اكبر دواعي الْمَرَض الَّذِي اصابه فِي ١٠ جماد الثَّانِي الْمُوَافق ٢٨ فبراير من السّنة الْمَذْكُورَة فَلم يمهله الا ثَلَاث لَيَال والحقه برمسه فِي صَبِيحَة ١٢ جُمَادَى الثَّانِي الْمُوَافق ٢ مارس عَن تسع وَخمسين سنة بعد ان حكم الروسيا وملحقاتها ثَلَاثِينَ سنة وَخَلفه على سَرِير الْملك ابْنه اسكندر الثَّانِي
стр. 460
هَذَا وَفِي ٧ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧١ الْمُوَافق ٢٦ يناير سنة ١٨٥٥ امضى فكتور عمانويل ملك البيمونتي بايطاليا بمساعي وزيره الشهير المسيو دي كافور معاهدة هجومية ودفاعية ضد الروسيا وارسلت إِلَى بِلَاد القرم جَيْشًا مؤلفا من ثَمَانِيَة عشر الف مقَاتل تَحت امرة الجنرال لامارمورا للاشتراك فِي فتح قلعة سباستوبول واذلال الروسيا واستمرت المناوشات بِدُونِ كثير فَائِدَة لَاحَدَّ الطَّرفَيْنِ ثمَّ حصل خلاف بَين اللورد رجلَانِ الْقَائِد الْعَام الانكليزي والجنرال كانروبر الْقَائِد الْعَام الفرنساوي افضت إِلَى تنازل الْقَائِد الفرنساوي فِي ٢٢ شعْبَان سنة ١٢٧١ الْمُوَافق
стр. 461
١٠ - مايو سنة ١٨٥٥ عَن القيادة الْعَامَّة واكتفائه بقيادة فرقة ونيطت قيادة الْجَيْش الفرنساوي إِلَى الجنرال بليسيه الَّذِي اشْتهر فِي الجزائر بمعاملة الْمُسلمين بِكُل شدَّة وتوحش وَهُوَ بعد قَلِيل اتّفق مَعَ اللورد رجلَانِ واحتلوا مَدِينَة كريش وبوغاز بريكوب وبحر آذاق ليمنعوا وُصُول المدد إِلَى سباستوبول وَمن ذَلِك الْحِين ايقن الْجَمِيع بِقرب سُقُوط سباستوبول فَفِي ٢١ رَمَضَان سنة ١٢٧١ الْمُوَافق ٧ يونيو سَقَطت القلعة الْمَعْرُوفَة بالقمة الخضراء ماملون فير وَفِي ٢ شَوَّال الْمُوَافق ١٨ يونيو هاجم الفرنساويون حصن ملاكوف وعادوا بِدُونِ ان يتمكنوا من الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ بعد ان توفّي كثير مِنْهُم وَكَذَلِكَ لم يفلح الانكليز فِي هجومهم فِي الْيَوْم الْمَذْكُور على قلعة جران ريدان وَبعد هَذِه الخيبة بِعشْرَة ايام توفّي اللورد رجلَانِ بالكوليرا وشيعت جنَازَته باحتفال زَائِد وارسلت جثته لتدفن ببلاده بِمَا يَلِيق لَهَا من التجلة والاكرام وَخَلفه فِي القيادة الْعَامَّة على الجيوش الانكليزية الجنرال جمس سمسبون وَفِي ١٢ الْحجَّة سنة ١٢٧١ الْمُوَافق ٢٦ اغسطس انتصر المتحدون فِي وَاقعَة تراكيتو وَفِي يَوْم ٣ الْحجَّة الْمُوَافق ١٧ مِنْهُ ابْتَدَأَ اطلاق المدافع على حصن ملاكوف بِدُونِ انْقِطَاع تَقْرِيبًا إِلَى ظهر ٢٥ الْحجَّة الْمُوَافق ٨ سبتمبر وَفِي الْيَوْم الْمَذْكُور احتل الجنرال ماك ماهون الفرنساوي القلعة الْمَذْكُورَة بعد ان دَافع عَنْهَا الروس دفاع الابطال واحتل الانكليز قلعة جران ريدان ثمَّ التزموا
стр. 462
باخلائها بعد نسفها بالبارود لعدم امكانهم الْبَقَاء فِيهَا لانهيال المقذوفات الروسية عَلَيْهِم انهيال الامطار وَفِي مسَاء هَذَا الْيَوْم الْمَشْهُود اخلى الروس مَدِينَة سباستوبول بعد ان احرقوها عَن آخرهَا وَفِي يَوْم ٢٦ الْحجَّة الْمُوَافق ٩ سبتمبر احتلتها الجيوش المتحدة اَوْ بالحري احتلوا اطلالها
وَبعد ذَلِك سَارَتْ الجيوش المتحدة نَحْو مَدِينَة قلبرون فاحتلتها فِي ٢ صفر سنة ١٢٧٢ الْمُوَافق ١٤ اكتوبر وَفِي الْيَوْم التَّالِي هدم الروس قلاع مَدِينَة اوتشاكوف واخلوها قَاصِدين داخلية الْبِلَاد وَلَوْلَا ابْتِدَاء فصل الشتَاء الَّذِي يَأْتِي مبكرا بِهَذِهِ الْبِلَاد لما وجدت الروسيا من الجيوش مَا يَكْفِي لايقاف اعدائها عَن الْمَدِينَة كَيفَ المقدسة لديهم
هَذَا وَفِي اثناء سنة ١٨٥٥ اطلقت دونانمات فرنسا وانكلترا قنابلها على عدَّة ثغور فِي بَحر بلطيق وعطلت التِّجَارَة الروسية بالمرة وَكَذَلِكَ حاصرت مدْخل الْبَحْر الابيض الشمالي ومنعت المراكب التجارية من الدُّخُول فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ
وَفِي الْمُحِيط الباسفيكي احتلت الجيوش المتحدة ميناء بتروبلولوسك الشهيرة الَّتِي سَتَكُون فِي الْمُسْتَقْبل من اهم ثغور الْعَالم بعد امتداد الْخط الحديدي الْمَشْرُوع فِي مده فِي اراضي سيبريا لتوصيلها باوروبا وَلم يكن للروسيا سلوان عَن جَمِيع هَذِه المصائب المتوالية الا استيلاؤها على قلعة قارص الْمَعْلُومَة الْوَاقِعَة على حُدُود آسيا الصُّغْرَى فِي ١٨ ربيع الاول سنة ١٢٧٢ الْمُوَافق ٢٨ نوفمبر سنة ١٨٥٥
وَبعد ذَلِك لم تحصل وقائع حربية مهمة بل دخلت الْمَسْأَلَة فِي دور سياسي لتحَقّق اسكندر الثَّانِي عدم الْفَوْز خُصُوصا وان النمسا قد اظهرت لَهُ الْعَدَاوَة جهارا بعد سُقُوط سباستوبول وانضمت مملكة السويد إِلَى التَّحَالُف الاوروبي ضدها
стр. 463
وَبَيَان ذَلِك ان الْبُرْنُس غورتشا كوف السفير الروسي بويانه اتته تعليمات فِي اواخر سنة ١٨٥٤ تجيز لَهُ المخابرة وَجعل اساسها الطلبات الدولية الاربع الَّتِي سبق ذكرهَا فَقبلت الدول مَعَ حفظ الْحُرِّيَّة لَهَا فِي الاعمال الحربية وانعقد مؤتمر جَدِيد فِي ويانه فِي شهر فبراير سنة ١٨٥٥ حَضَره اللورد رسل من قبل انكلترا والمسيو دروان دي لويس من قبل فرنسا والبرنس غورتشا كوف عَن الروسيا والكونت دي بوول عَن النمسا والوزير عالي باشا عَن الدولة العثمانية وَبعد عدَّة اجتماعات مُتَوَالِيَة انفضت المؤتمر على لَا شَيْء لَان المندوبين الفرنساوي والانكليزي طلبا زِيَادَة على الطلبات الاربعة الاصلية ان يكون الْبَحْر الاسود حرا لجَمِيع الدول وان لَا يكون للروسيا فِيهِ سوى ثَمَان مراكب حربية فَقَط فَلم يُمكن الْبُرْنُس غورتشاكوف التَّصْدِيق على ذَلِك تمسكا بالاوامر الْمُرْسلَة اليه ولمناسبة اشْتِغَال الروسيا بمحاصرة سباستوبول واشتداد الحروب حولهَا من جِهَة وحصولها على بعض انتصارات جزئية على اعدائها ابطأت فِي ارسال التعليمات الجديدة اليه طَمَعا فِي تغير الاحوال وتحسنها فترفض طلبات الدول بقلب قوي لَكِن خَابَ ظَنّهَا فَسَقَطت سباستوبول فِي ٢٥ الْحجَّة سنة ١٢٧١ ٨ سبتمبر سنة ١٨٥٥ وبذا تظاهرت بَاقِي الدول ضدها خُصُوصا مملكة السويد الَّتِي كَانَت تسْتَعْمل مَعهَا الروسيا طرق التهديد والوعيد للحصول على بعض امتيازات تخْتَص بالصيد على شواطئ النرويج فابرمت مَعَ فرنسا وانكلترا معاهدة هجومية ودفاعية ضد الروسيا فِي ١٠ ربيع الاول سنة ١٢٧٢ الْمُوَافق ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٥٢ واعلنتها رسميا لجَمِيع
стр. 464
الدول وَبِذَلِك تحققت الروسيا انه صَار من المستحيل عَلَيْهَا الِانْتِصَار على جَمِيع هَذِه القوى المتألبة ضدها ومالت إِلَى السّلم قلبا وقالبا منتظرة اقل مفاتحة من الدول الغربية فتلبيها بِالْقبُولِ
وَفِي اواخر سنة ١٨٥٥ عرضت النمسا على جَمِيع الدول المتحدة بِلِسَان اكبر وزرائها الكونت دي بوول ان يُرْسل إِلَى الروسيا بلاغا نهائيا بطلبات الدول الاصلية مَعَ مَا سبق عرضه من الاقتراحات اثناء المؤتمر الَّذِي انْعَقَد اخيرا بِمَدِينَة ويانه فِي مارث ابريل سنة ١٨٥٥ وان لم تجب الروسيا جَمِيع هَذِه الاقتراحات يسْتَأْنف الْقِتَال فِي ربيع سنة ١٨٥٦ بِكُل شدَّة وصرامة وتنضم إِلَى الجيوش الْمُحَاربَة جيوش النمسا ومملكة السويد والنرويج
فاقرت الدول على ذَلِك وَقبلت الروسيا هَذِه الاقتراحات الاكثر تَأْثِيرا على نفوذها مِمَّا رفضته فِي السَّابِق وَبعد مخابرات طَوِيلَة تمّ الِاتِّفَاق على ان ينْعَقد مؤتمر سَام جَدِيد فِي مَدِينَة باريس لتقرير السّلم نهائيا وامضي بذلك كاتفاق فِي مَدِينَة ويانه بتاريخ ٢٣ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧٢ الْمُوَافق اول فبراير سنة ١٨٥٦ وانعقد هَذَا المؤتمر فعلا فِي باريس فِي يَوْم ١٨ جُمَادَى الثَّانِي الْمُوَافق ٢٥ فبراير الْمَذْكُور والايام التالية وَاخْتَارَ لرئاسته الكونت ولوسكى وَزِير خارجية فرنسا وتوالت اجتماعات هَذَا المؤتمر إِلَى ٢٣ رَجَب سنة ١٢٧٢ الْمُوَافق ٣٠ مارث سنة ١٨٥٦ وَفِيه امضيت جَمِيع بنود معاهدة باريس الشهيرة الَّتِي اوصلت نابليون الثَّالِث إِلَى اوج فخاره واعادت لفرنسا سَابق مجدها اذ انها لم تشترك فِي مثل هَذِه الْحَرْب من عهد نابوليون الاول وحفظت للدولة الْعلية املاكها من غوائل الروسيا
واليلك نَص المعاهدة حرفيا نقلا عَن الْجُزْء الْخَامِس من كنز الرغائب فِي منتخبات الجوائب
стр. 465
معاهدة باريس ٢٥ فبراير ٣٠ مارس ١٨٥٦ م
بِسم الله الْقَادِر على كل شَيْء
ان امبراطور الفرنسيس وملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الْعُظْمَى وارلاندا وامبراطور جَمِيع الروسيا وَملك سردينيا وسلطان الْبِلَاد العثماني لرغبتهم فِي انهاء غوائل الْحَرْب وتلافي مَا نَشأ عَنْهَا من الصروف والمكاره قر رَأْيهمْ على ان يتفقوا مَعَ امبراطور اوستريا بِمُقْتَضى قَوَاعِد مقررة على استتباب الصُّلْح وتوطيده وتعهدوا جَمِيعًا باستقلال السلطنة العثمانية وابقائها تَامَّة وَلِهَذَا الْقَصْد نصب الْمشَار اليهم نوابا عَنْهُم مطلقي التَّصَرُّف فَكَانَ من طرف امبراطور الفرنسيس مسيو الكسندر كونت كولونا ولوسكي ومسيو فرانسوا اودلف بارون دبورغيني وَمن طرف امبراطور اوستريا مسيو شارلس فرديناند كونت دبوا شونستان ومسيو يُوسُف الكسندر بارون دهبنر وَمن طرف ملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الْكُبْرَى وارلاندا الاكرم جورج وليام فريدريك كونت كلارندون وبارون هيدد هندون والاكرم هنري رشارد شارلس بارون كولي وَمن طرف امبراطور جَمِيع الروسيا مسيو الكسيس كونت ارلف ومسيو فليب بارون برونو وَمن طرف ملك سردينيا مسيو كاملي ينسور كونت كافور ومسيو صلفاطور مركيز فيلا مارينا وَمن طرف سُلْطَان الدولة العثمانية مُحَمَّد امين عالي باشا الصَّدْر الاعظم فِي السلطنة العثمانية وَمُحَمّد جميل بك متسما بالنيشان المجيدي السلطاني من ثَانِي طبقَة فَاجْتمع هَؤُلَاءِ النواب الْمُفَوض اليهم ابرام الصُّلْح تفويضا تَاما فِي مجْلِس باريس وَبعد ان وَقع الِاتِّفَاق بَينهم على هَذَا الْمَقْصد الحميد رأى امبراطور الفرنسيس وامبراطور اوستريا وملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الْكُبْرَى وارلاندا وامبراطور جَمِيع الروسيا وَملك سردينيا وسلطان الدولة العثمانية ان فِي الْمصلحَة الَّتِي يؤول نَفعهَا إِلَى اوروبا يَنْبَغِي ان يدعى ملك بروسيا الَّذِي وَقع على معاهدة
стр. 466
سنة ١٨٤١ إِلَى الِاشْتِرَاك مَعَهم فِي هَذَا التنظيم الْجَدِيد ولعلمهم بِمَا يحصل من ذَلِك من زِيَادَة الْفَائِدَة لتقوية هَذَا السَّعْي الخيري طلبُوا مِنْهُ ان يُرْسل من قبله نوابا يُفَوض اليهم مُطلق التَّصَرُّف فِي الْمجْلس الْمَذْكُور فَمن ثمَّ ورد من طرفه مسيو اوثون تيودور بارون مانتفيل ومسيو مكسمليان فريدريك شارلس فرنسوا كونت هتزفلدت ولدنبرغ شونستان ثمَّ بعد ان ابرزوا مَا بايديهم من المحررات المؤذنة بتفويضهم وَوجدت صَحِيحَة اتَّفقُوا على هَذِه الْموَاد الْآتِيَة
الْمَادَّة ١ من يَوْم تَارِيخ الامضاء بِقبُول هَذِه المعاهدة الْحَاضِرَة يكون صلح ومودة بَين كل من امبراطور الفرنسيس وملكة المملكة المتحدة من بريطانيا الْكُبْرَى وارلندا وَملك سردينيا وسلطان الدولة العثمانية من جِهَة وَمن امبراطور دميع الروسيا من جِهَة اخرى وَكَذَا بَين ورثتهم وخلفائهم ودولهم ورعاياهم على الدَّوَام
الْمَادَّة ٢ حَيْثُ قد حصل الْفَوْز والمرام باستتباب الصُّلْح بَين الْمشَار اليهم يَنْبَغِي ان تخلى الْبِلَاد الَّتِي فتحت فِي مُدَّة الْحَرْب اَوْ الَّتِي تبوأ عساكرهم وَذَلِكَ من كلا الطَّرفَيْنِ وَيجْرِي لَهُ تَرْتِيب مَخْصُوص فِي اسرع وَقت
الْمَادَّة ٣ قد تعهد امبرا طور جَمِيع الروسيا بَان يرد لسلطان الدولة العثمانية مَدِينَة قارص وقلعتها وَكَذَا سَائِر الْمَوَاضِع الَّتِي استولت عَلَيْهَا عَسَاكِر الروسيا وَهِي من ملحقات بِلَاد الدولة العثمانية
الْمَادَّة ٤ قد تعهد امبراطور الفرنسيس وملكة بريطانيا الْعُظْمَى وارلاندا وَملك سردينا وسلطان الدولة العثمانية بَان يردوا إِلَى امبراطور جَمِيع الروسيا مَدَائِن سيفاستبول وبالقلافة وقاميش ويوبانورية وقرطش ويني قلعه وكثيرون مَعَ مراسيها وَكَذَا سَائِر الْمَوَاضِع الَّتِي تبوأتها عَسَاكِر الدول المتفقة
الْمَادَّة ٥ يصدر عَفْو تَامّ واف من طرف امبراطور الفرنسيس وملكة بريطانيا الْعُظْمَى وارلاندا وَمن امبراطور جَمِيع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية لجَمِيع الَّذين تصدوا من رعاياهم للاشتراك فِي وقائع الْحَرْب والحزب مَعَ الْعَدو وَمَفْهُوم
стр. 467
ذَلِك يَشْمَل بِالنَّصِّ الصَّرِيح أَي حزب كَانَ من رعاياهم مِمَّن حَارب وَاسْتمرّ مُدَّة الْحَرْب فِي خدمَة الْمُحَارب
الْمَادَّة ٦ يرد من اخذ اسيرا فِي الْحَرْب من كلا الطَّرفَيْنِ على الْفَوْر
الْمَادَّة ٧ قد صدر اعلان وتصريح من لدن امبراطور الفرنسيس وامبراطور اوستريا وملكة بريطانيا الْعُظْمَى وارلاندا وَملك بروسيا وامبراطور جَمِيع الروسيا وَملك سردينيا بَان للباب العالي اشتراكا فِي فَوَائِد الْحُقُوق الاوروباوية الْعَامَّة وَفِي مَنَافِع اتِّفَاق اوروبا وَقد تعهدوا بَان يحترموا اسْتِقْلَال السلطنة التركية وابقائها تَامَّة وتكفلوا جَمِيعًا بالمحافظة على هَذَا التعهد وكل امْر يُفْضِي إِلَى الاخلال بذلك يعتبرونه من الْمسَائِل الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا مصلحَة عَامَّة
الْمَادَّة ٨ إِذا حدث بَين الْبَاب العالي واحدى الدول المتعاهدة خلاف خيف مِنْهُ على اختلال الْفَهم وَقطع صلتهم فَمن قبل ان يعمد الْبَاب العالي وَتلك الدول الْمُنَازعَة لَهُ إِلَى اعمال الْقُوَّة والجبر يقيمان الدول الاخرى الدَّاخِلَة فِي المعاهدة وسطاء بَينهمَا منعا لما يتأتي عَن ذَلِك الْخلاف من الضَّرَر
الْمَادَّة ٩ سُلْطَان الدولة العثمانية لعنايته بِخَير رعاياه جَمِيعًا قد تفضل باصدار منشور غَايَته اصلاح ذَات بَينهم وتحسين احوالهم بِقطع النّظر عَن اخْتلَافهمْ فِي الاديان وَالْجِنْس واخذ فِي ذمَّته مقْصده الخيري نَحْو النَّصَارَى القاطنين فِي بِلَاده وَحَيْثُ كَانَ من رغبته ان يُبْدِي الْآن شَهَادَة جَدِيدَة على نِيَّته فِي ذَلِك عزم على ان يطالع الدول المتعاهدة بذلك المنشور الصَّادِر عَن طيب نفس مِنْهُ فتتلقى الدولة الْمشَار اليها هَذِه المطالعة بتأكيد مَا لَهَا من النَّفْع والفائدة وَلَكِن الْمَفْهُوم مِنْهَا صَرِيحًا انها لَا توجب حَقًا لهَذِهِ الدولة فِي أَي حَال كَانَ على ان تتعرض كلا اَوْ بَعْضًا لما يتَعَلَّق بالسلطان ورعاياه اَوْ بادارة سلطنته الداخلية الْمَادَّة ١٠ الِاتِّفَاق الَّذِي جرى فِي الثَّالِث عشر من جولاي تموز سنة ١٨٤١ وَهُوَ الَّذِي تقرر فِيهِ مَا للسلطنة العثمانية من التَّرْتِيب الْقَدِيم بِخُصُوص سد البوغاز ومضيق جناق قلعة قد اعيد الْآن النّظر فِيهِ بمواطأة الْجَمِيع وَمَا جرى من الحكم بِهِ لهَذِهِ الْغَايَة على مُقْتَضى الاصول مَا بَين اهل المعاهدة يلْحق الْآن بِهَذِهِ المعاهدة الْحَاضِرَة وَيبقى مَعْمُولا بِهِ كانه من متمماتها
стр. 468
الْمَادَّة ١١ الْبَحْر الاسود يكون على الحيادة وَفِي الاصل نوتر ومباحا لتِجَارَة جَمِيع الامم وَيمْنَع مَاؤُهُ ومراسيه منعا دَائِما عَن السفن الحربية سَوَاء كَانَت للدول الَّتِي لَهَا تملك فِي اشطئ الْبَحْر اَوْ لغَيْرهَا مَا عدا مَا اسْتثْنى ذكره فِي الْمَادَّتَيْنِ الرَّابِعَة عشرَة والتاسعة عشرَة من هَذِه المعاهدة
الْمَادَّة ١٢ التِّجَارَة فِي مراسي الْبَحْر الاسود ومياهه مُطلقَة عَن كل مَانع فَلَا تكون عرضة لشَيْء سوى التنظيمات المختصة بِالصِّحَّةِ ورسوم الكمارك والشرطة اعني الضبطية وَيكون اجراؤه على وَجه يُفِيد التِّجَارَة تسهيلا واتساعا وَمن اجل تَأْمِين الْمصَالح المتجرية والبحرية الَّتِي يديرها جَمِيع النَّاس ترخص الروسيا وَالْبَاب العالي فِي نصب قناصل فِي مراسيهم موانئ الكائنة على سواحل الْبَحْر الْمَذْكُور على مَا تَقْتَضِيه الْحُقُوق المتداولة بَين الامم
الْمَادَّة ١٣ حَيْثُ قد تقرر فِي الْمَادَّة الْحَادِيَة عشرَة ان الْبَحْر الاسود يكون على الحيادة لم يبْق لُزُوم وَلَا غَرَض لانشاء مسافن أَي ترسانات بحريّة حربية وَلَا لابقائها فَمن ثمَّ تعهد امبراطور جَمِيع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية بَان لَا ينشآ وَلَا يبقيا شَيْئا من هَذِه المسافن فِي ذَلِك السَّاحِل
الْمَادَّة ١٤ قد اتّفق امبراطور جَمِيع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية على تعْيين عدد السفائن الخفيقة اللَّازِم ابقاؤها فِي الْبَحْر الاسود لمصَالح تِلْكَ السواحل فَمن ثمَّ يَنْبَغِي ان يكون هَذَا الِاتِّفَاق مُلْحقًا بِهَذِهِ المعاهدة الْحَاضِرَة وَيكون مَعْمُولا بِصِحَّتِهِ كَأَنَّهُ من مكملاتها فَلَا يلغى وَلَا يُغير مَا لم يَقع عَلَيْهِ رضَا الدول الموقعة على هَذِه المعاهدة
الْمَادَّة ١٥ من حَيْثُ قد تقرر فِي الشُّرُوط الَّتِي جرت فِي مجْلِس ويانه اصول وقواعد تخْتَص بِالسَّفرِ فِي الانهار الفاصلة بَين عدَّة ممالك اَوْ الْمَارَّة فِيهَا اتّفقت الْآن الدول المتعاهدة على ان تكون هَذِه الاصول جَارِيَة ايضا فِي الْمُسْتَقْبل على نهر الدانوب الطونه وفوهاته من دون فرق ورسمت بَان هَذَا الشَّرْط يعد من الان فَصَاعِدا
стр. 469
من الْحُقُوق العمومية لاهل اوروبا واتخذته تَحت كفالتها وَلَا يَنْبَغِي ان يكون السّفر فِي النَّهر الْمَذْكُور عرضة لمَانع مَا وَلَا لتأدية ضريبة غير مقررة فِي الشُّرُوط الْمقيدَة فِي الْموَاد الْآتِيَة فَمن ثمَّ لَا يُوجب جعل على مُجَرّد السّفر فِي النَّهر وَلَا ضريبة على الامتعة التجارية الَّتِي تكون فِي السفن اما تَرْتِيب الشرطة والكورنتينة الَّذِي يُرَاد انشاؤه لاجل تامين الْبِلَاد الَّتِي يفصلها هَذَا النَّهر اَوْ يخترقها فَيكون اجراؤه على وَجه يُفِيد المراكب سهولة فِي السّفر على قدر الامكان وَمَا عدا هَذَا التَّرْتِيب فَلَا يحدث شَيْء من الْمَوَانِع للسَّفر مُطلقًا ايا كَانَ
الْمَادَّة ١٦ من اجل تَحْقِيق الشُّرُوط الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة الْمُتَقَدّمَة تعقد مامورية نواب من طرف فرنسا واوستريا وبريطانيا الْعُظْمَى وبروسيا والروسيا وسردينيا والبلاد العثمانية من كل وَاحِد ويحال على عهدتهم ان يرسموا ويجروا الاعمال اللَّازِمَة لازالة الْمَوَانِع والعوائق من فوهات الطونة ابْتِدَاء من استشا وَكَذَا من اماكن الْبَحْر الْمُجَاورَة الَّتِي فِيهَا الرمل وَغَيره وَالْمَقْصُود بذلك جعل هَذِه الْمَوَاضِع فِي كل من النَّهر وَالْبَحْر صَالِحَة للسَّفر وخالية عَن كل مَا يعوقه على قدر الطَّاقَة والامكان وَمن اجل اسْتِيفَاء المصاريف الَّتِي تقتضيها هَذِه الاعمال وانشاء مَا يلْزم انشاؤه لتيسير السّفر وتأمينه عِنْد فوهات الطونه يرسم اهل المأمورية بِحَسب اكثرية اصواتهم بِنَحْوِ ضريبة مَعْلُومَة وَجعل مُوَافق وَذَلِكَ بِشَرْط ان تعامل جَمِيع مراكب الاجيال بالتسوية وَهَذَا الاصل يجْرِي فِي هَذَا الْمَقْصد كَمَا فِي غَيره
الْمَادَّة ١٧ تعقد مامورية من نواب اوستريا وبافاريا وَالْبَاب العالي وورتمرغ من كل وَاحِد وينضم اليها اهل مامورية اقاليم الطونه الثَّلَاثَة الَّتِي يكون نصبها باستصواب الْبَاب العالي وَهَذِه المامورية تكون راهنة دائمة وَيخْتَص بهَا اولا ان تجْرِي التنظيم اللَّازِم لسفر النَّهر وللشرطة ثَانِيًا ان تزيل الدَّوَاعِي الْمَانِعَة من اجراء الشُّرُوط الَّتِي تقررت فِي معاهدة ويانه على الطونة ثَالِثا ان ترسم وتجري الاعمال اللَّازِمَة فِي جَمِيع مجاري النَّهر رَابِعا ان تحافظ بعد انْقِضَاء مُدَّة المامورية الاوروباوية على وقاية المراكب وتيسير سفرها فِي فوهات الطونة وَفِي غير ذَلِك من الاماكن الْمُجَاورَة لَهُ من الْبَحْر
стр. 470
الْمَادَّة ١٨ قد صَار من الْمَعْلُوم ان المامورية الاوروباوية توفّي عَملهَا وان المامورية الساحلية تتمّ الاعمال المقررة فِي الْمَادَّة الْمُتَقَدّمَة فِي الْقسمَيْنِ الاول وَالثَّانِي فِي مُدَّة عَاميْنِ وَبعد اطلَاع الدول المتعاهدة على ذَلِك تجْرِي فِيهِ مذاكرتهم جَمِيعًا حَتَّى إِذا دونت لَدَيْهَا مَا جرى تحكم بالغاء المامورية الاولى وَمن ذَلِك الْوَقْت فَمَا بعده يكون للمامورية الساحلية الراهنة مَا كَانَ للمامورية الاوروباوية من الْقُدْرَة والتفويض
الْمَادَّة ١٩ من اجل توكيد اجراء التنظيمات الَّتِي يرسم بهَا بِاتِّفَاق وَاحِد على مُوجب الاصول المشروحة آنِفا يكون لكل من الدول المتعاهدة حق فِي ان ترسي دَائِما فِي فوهات الطونه سفينتين خفيفتين
الْمَادَّة ٢٠ فِي مقايضة المدن والموانئ والاراضي على مَا ذكر فِي الْمَادَّة الرَّابِعَة من هَذِه المعاهدة الْحَاضِرَة رَضِي امبراطور جَمِيع الروسيا لاجل زِيَادَة التامين على الْحُرِّيَّة فِي سفر الطونه بتعديل حُدُود بِلَاده فِي بسارابيا فَيكون هَذَا التخم الْجَدِيد من الْبَحْر الاسود على كيلومتر وَاحِد من شَرْقي بحيرة برناسولا ويتصل بطرِيق اكرمان إِلَى وَادي طراجان ويجاوز جنوب بلغراد وَيسْتَمر فِي طول مَسَافَة نهر الفلبوق إِلَى علوسار تسيكا ويتصل بكاتاموري على بروت وَعند الْوُصُول إِلَى هَذَا الْحَد لَا يحدث تَغْيِير على التخم الْقَدِيم بَين السلطانتين وَتَعْيِين رسم هَذَا التخم الْجَدِيد يكون بِمَعْرِِفَة نواب من طرف الدول المتعاهدة
الْمَادَّة ٢١ الارض الَّتِي تخلت عَنْهَا الروسيا تكون مُلْحقَة بِولَايَة ملدافيا الافلاق تَحت سيادة الْبَاب العالي ولسكان تِلْكَ الارض ان يتمتعوا بالحقوق والخصائص الممنوحة للولايات ويرخص لَهُم فِي مُدَّة ثَلَاث سِنِين فِي نقل مواطنهم وَالتَّصَرُّف فِي املاكهم بِلَا مَانع
الْمَادَّة ٢٢ ولايتا ولاخيا وملدافيا أَي الافلاق والبغدان تبقيان متمتعين تَحت
стр. 471
رئاسة الْبَاب العالي وكفالة الدول المتعاقدة بالامتيازات والاعفاءآت الْحَاصِلَة لَهُم الْآن فَلَا مُقْتَضى لِأَن تحميهم الدول الكافلة بحماية مَخْصُوصَة وَلَا يكون حق مَخْصُوص للتعرض فِي امورهم الداخلية
الْمَادَّة ٢٣ الْبَاب العالي متعهد بَان يحفظ لهاتين الولايتين ادارة اهلية مُسْتَقلَّة ويبقي لَهُم الْحُرِّيَّة فِي التدين والاحكام الشَّرْعِيَّة والمتجر وسفر الْبَحْر والانهار وَمَا عِنْدهم الْآن من القوانين والاحكام مَعْمُولا بِهِ ينظر فِيهِ وَلِهَذَا الْغَايَة تجرد مامورية مَخْصُوصَة يكون تالفها باطلاع الدول المتعاهدة واتفاقهم وتجتمع من غير ابطاء فِي بخارست بكرش مَعَ مامورية الْبَاب العالي وَيكون من هم هَذِه المامورية الْبَحْث عَن احوال الولايتين وَعرض الْقَوَاعِد اللَّازِمَة للتنظيم فِي الْمُسْتَقْبل
الْمَادَّة ٢٤ سُلْطَان الدولة العثمانية وعد بَان يعْقد فِي الْحَال فِي كل من الولايتين المذكورتين ديوانا مَخْصُوصًا وَيكون تاليفه مَبْنِيا على توكيد مَا فِيهِ ايصال النَّفْع وَالْخَيْر لجَمِيع النَّاس على اخْتِلَاف درجاتهم وَيطْلب من كل من هذَيْن الديوانين ان يبين مَقَاصِد الاهلين واستدعاهم فِي شان تَرْتِيب الولايتين وَنسبَة تِلْكَ المأمورية إِلَى هذَيْن الديوانين تقرر فِي مجْلِس باريس
الْمَادَّة ٢٥ بعد ان تعْتَبر الآراء الَّتِي يبديها الديوانان تنهي المأمورية إِلَى مجْلِس المذاكرة مَا باشرته هِيَ من الْعَمَل وَذَلِكَ من دون امهال ولااهمال ويقرر الْمَقْصد الاخير مَعَ الدولة السائدة وَيحصل الِاتِّفَاق عَلَيْهِ فِي باريس بَين الدول المتعاهدة وبموجب خطّ شرِيف مُطَابق لشروط هَذِه المعاهدة يجْرِي تنظيم احوال هَاتين الولايتين فتجعل من الْآن فَصَاعِدا تَحت كَفَالَة جَمِيع الدول الموقعة على هَذِه الشُّرُوط
الْمَادَّة ٢٦ قد قر الرَّأْي على ان يكون فِي الولايتين المذكورتين عَسْكَر اهلي
стр. 472
يرتب لاجل تامين دَاخل الْبِلَاد وَحفظ تخومها فَلَا يُورد مَانع مَا لترتيب غير اعتيادي لاجل الذب عَن الوطن الا مَا يدعى اليه الاهلون بالِاتِّفَاقِ مَعَ الْبَاب العالي دفعا لعدوان من يَتَطَاوَل عَلَيْهِم من الاجانب
الْمَادَّة ٢٧ إِذا وَقع مَا يُوجب الْخَوْف على سلب الرَّاحَة والطمأنينة دَاخل الولايتين يتَّفق الْبَاب العالي مَعَ الدول المتعاهدة على اتِّخَاذ وَسَائِل لدفع ذَاك الْخلَل واقرار الطُّمَأْنِينَة وَلَا يكون مسوغ لمداخلة عسكرية من غير ان يَقع عَلَيْهِ رضَا الدول اولا
الْمَادَّة ٢٨ اقليم الصرب يبْقى مُتَعَلقا بِالْبَابِ العالي على وفْق مَضْمُون الْخط الهمايوني الَّذِي نَص على حُقُوقه واعفاءآته وَيكون من الْآن فَصَاعِدا تَحت مَجْمُوع كَفَالَة الدول المتعاهدة فَمن ثمَّ يحِق للاقليم الْمَذْكُور ان يحافظ على استقلاله بحكومة اهلية وبالحرية فِي التدين والاحكام والمتجر والابحار سفر الْبَحْر
الْمَادَّة ٢٩ حق الْبَاب العالي فِي اقامة الخفراء المحافظين كَمَا تمّ الشَّرْط عَلَيْهِ الْآن فِي التنظيمات الدَّاخِلَة هُوَ مصون ثَابت فَلَا يكون مسوغ لمداخلة عسكرية فِي بِلَاد الصرب من دون ان يَقع عَلَيْهِ رضَا الدول المتعاهدة اولا
الْمَادَّة ٣٠ امبراطور جَمِيع الروسيا وسلطان الدولة العثمانية يبقيان ضابطين لما هُوَ فِي ملكهمَا فِي آسيا كَمَا كَانَ من قبل الْحَرْب وَمن اجل تدارك ماعسى ان يَقع من القال والقيل فِي ذَلِك يُحَقّق رسم التخوم ويعدل من دون ايجاب ضَرَر على اُحْدُ الْفَرِيقَيْنِ ولهذه الْغَايَة ترَتّب جمَاعَة مؤلفة من مأمورين من طرف الروسيا وَآخَرين من طرف الدولة العثمانية ومأمور فرنساوي وَآخر انكليزي وَيكون ارسالهم عقب اسْتِرْدَاد السفارة بَين ديوَان الروسيا وَالْبَاب العالي وَيجب انهاء اشغالهم فِي مُدَّة ثَمَانِيَة اشهر من ابْتِدَاء اثبات هَذِه المعاهدة الْحَاضِرَة
الْمَادَّة ٣١ الْبِلَاد الَّتِي تبوأتها فِي مُدَّة الْحَرْب جيوش امبراطور الفرنسيس وامبراطور اوستريا وملكة مملكة بريطانيا الْعُظْمَى وارلاندا وَملك سردينيا إِلَى مُدَّة المعاهدة الَّتِي ختمت فِي اسلامبول فِي ١٢ مارس سنة ١٨٥٤ بَين فرنسا وبريطانيا
стр. 473
الْعُظْمَى وَالْبَاب العالي
وَفِي ١٤ جون من السّنة الْمَذْكُورَة بَين اوستريا وَالْبَاب العالي
وَفِي ١٥ مارس من سنة ١٨٥٥ بَين سردينيا وَالْبَاب العالي تخلى بعد مُبَادلَة اثبات هَذِه المعاهدة الْحَاضِرَة فِي اسرع وَقت فَأَما تعْيين الْمدَّة واتخاذ الْوَسَائِل لاجراء ذَلِك فيرتب بِاتِّفَاق بَين الْبَاب العالي وَبَين الدول الَّتِي تبوأت عساكرها تِلْكَ الارضين
الْمَادَّة ٣٢ المتجر فِي جلب البضائع وارسالها إِلَى الْخَارِج يبْقى مَا بَين الدول كَمَا كَانَ من قبل الْحَرْب إِلَى ان تجدّد المعاهدة الَّتِي كَانَت بَين الدول المتحاربة من قبل الْحَرْب اَوْ تبدل بِشُرُوط اخرى وَتَكون رعاياهم مُعَاملَة فِي سَائِر الامور الاخرى احسن الْمُعَامَلَة
الْمَادَّة ٣٣ المعاهدة الَّتِي تمت هَذَا الْيَوْم بَين امبراطور الفرنسيس وملكة مملكة بريطانيا الْعُظْمَى وارلاندا وامبراطور جَمِيع الروسيا من جِهَة جزائر الالاند تكون مُلْحقَة بالمعاهدة الْحَاضِرَة وَتبقى كَذَلِك مَعْمُولا بِصِحَّتِهَا كَأَنَّمَا هِيَ جُزْء متمم لَهَا
الْمَادَّة ٣٤ قد قر الرَّأْي على اثبات هَذِه المعاهدة وتجري مبادلته فِي باريس فِي مُدَّة اربعة اسابيع اَوْ قبل ذَلِك إِذا امكن وَبِنَاء على ذَلِك علم عَلَيْهَا النواب المرخص لَهُم وَوَضَعُوا عَلَيْهَا اختام دولهم حرر فِي باريس فِي ٣٠ شهر مارس سنة ١٨٥٦
اسماء الَّذين وَقَعُوا على ماذكر ولوسكي يورغيني بَوْل شونستان هبنر كلارندون كولي منتوفل هتر فلدت اورلوف برلوكافور وَقيل لامارينا عالي مُحَمَّد جميل
مَادَّة مُلْحقَة بِمَا تقدم شُرُوط المعاهدة الْمُتَعَلّقَة بالبواغيز مِمَّا وَقع عَلَيْهِ الْيَوْم لَا تكون جَارِيَة على سفائن الْحَرْب الَّتِي فِي خدمَة الدول المتحاربة لاخلاء الارض الَّتِي تبوأتها العساكر وانما تكون مَعْمُولا بهَا عقب الاخلاء حرر فِي باريس فِي ٣٠ شهر مارس سنة ١٨٥٦ اسماء الموقعين كَمَا ذكر آنِفا
стр. 474
وَبعد امضاء هَذِه المعاهدة اجْتمع المؤتمر فِي الْخَمْسَة ايام الاولى من شهر ابريل وَقرر رفع الْحصار البحري عَن موانئ الروسيا وان تسحب فرنسا وانكلترا وبيمونتي سردينيا عساكرها من بِلَاد القرم فِي مَسَافَة سِتَّة اشهر وان يعْطى للنمسا قدر هَذِه الْمدَّة لاخلاء ولايتي الافلاق والبغدان وَثَلَاثَة اشهر لتسليم مَدِينَة قارص وقلعتها إِلَى الدولة الْعلية وان اللجنة الَّتِي تعين لفصل الْحُدُود بَين الدولة والروسيا فِي جِهَات بسارابيا تَجْتَمِع فِي اول رَمَضَان سنة ١٢٧٢ الْمُوَافق ٦ مايو سنة ١٨٥٦ فِي مَدِينَة غلاتس للبدء فِي عَملهَا
وَلما انْتَهَت اعمال المؤتمر الَّذِي اجْتمع لاجلها اقترح عَلَيْهِ المسيو ولوسكي النّظر فِي بعض الشؤون الاوروبية الَّتِي يخْشَى مِنْهَا على السّلم فقرر عدَّة امور لَا تدخل فِي موضوعنا فاضربنا عَنْهَا صفحا لعدم الاطالة
وَلَا يخْطر ببال اُحْدُ من حضرات الْقُرَّاء الافاضل ان هَذِه الْحَرْب حصلت لمحض صَالح الدولة الْعلية بل لم يكن الْقَصْد مِنْهَا سوى اضعاف الروسيا وَعدم توغلها فِي اراضي الدولة العثمانية وَلما انْتَهَت الحروب على حسب رغائب الدول اخذوا فِي ايجاد الاسباب الْمُوجبَة ضعف الدولة نَفسهَا حَتَّى لَا تقوى على معارضتهم وَتبقى كحاجز بَين الروسيا وَالْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط لَيْسَ الا وَلذَلِك ساعدت الدول ولايتي الافلاق والبغدان على انضمام كل للاخرى وتكوين حُكُومَة شبه مُسْتَقلَّة تسمى حُكُومَة الامارات المتحدة يكون لَهَا امير وَاحِد ومجلس نواب تَحت حماية جَمِيع الدولة وتأيد ذَلِك بوفاق امْضِي فِي باريس فِي ٢٩ محرم سنة ١٢٧٥ الْمُوَافق ١٩ اغسطس سنة ١٨٥٨ وانتخبت الولايات الْبُرْنُس كوزا اميرا لَهما واعترف الْبَاب العالي بِهَذَا الانتخاب حسما للنزاع ثمَّ اوجدوا مشاكل كَثِيرَة فِي بِلَاد الصرب والجبل
стр. 475
الاسود سعيا وَرَاء منحهما الِاسْتِقْلَال تَمامًا وفصلهما كُلية عَن الدولة ولتكون هَذِه الولايات بِمَثَابَة مَوَانِع فِي طَرِيق الدولة وعقبات بَينهَا وَبَين ممالك اوروبا وبثوا بذور الْفساد فِي بِلَاد البوسنة والهرسك فاضطربت وَقَامَت مُطَالبَة بامتيازات كبلاد الصرب والجبل الاسود
وَمِمَّا زَاد فِي احوال الدولة ارتباكا تدخل الدول فِي الشؤون الداخلية ومنعها الدولة العثمانية من محاربة الثائرين بتهديدها بِقطع العلائق السياسية ونزول سفرائهم إِلَى مراكبهم بل وارسال بعض السفن الحربية لتقريرمطالب الثائرين كَمَا ارسلت فرنسا والروسيا مراكبهما فِي سنة ١٨٥٨ إِلَى سواحل الْجَبَل الاسود لمنع الجيوش العثمانية من الدُّخُول بِهَذَا الْقطر ومعاقبة اميره على مساعدة ثائري البوسنة والهرسك وَمن ذَا كُله وَمَا سَنذكرُهُ يَتَّضِح جليا ان الدولة كَانَت فِي احرج المراكز لعدم وجود مخلص لَهَا اَوْ صديق بَين جَمِيع الدول المسيحية المتألبة عَلَيْهَا سياسيا لاضعافها وعرقلة جَمِيع مساعيها الاصلاحية فِي داخلية بلادها وتداخلها فِي امورها الدَّاخِلَة الْمَحْضَة حَتَّى خيل للمتأمل ان سفراء الدول بالاستانة صَارُوا شُرَكَاء لوزراء الدولة فِي جَمِيع الاعمال
وَفِي اوائل سنة ١٨٥٨ توفّي الصَّدْر الاعظم رشيد باشا وَخَلفه فِي هَذَا المنصب الخطير خُصُوصا فِي هَذِه الظروف السياسي الشهير عالي باشا وَولى فؤاد باشا وزيرا للاشغال الخارجية وَكَانَ كل مِنْهُمَا على جَانب عَظِيم من الحذق فِي الاعمال السياسية ومتحققا من مَقَاصِد اوروبا السَّيئَة نَحْو الدولة الاسلامية الوحيدة فعملا على تَسْوِيَة جَمِيع الْمسَائِل الداخلية بحكمة وسداد رَأْي حَتَّى لم يدعا لسفراء الدول حَقًا فِي التدخل فَلم يمض طَوِيل زمن حَتَّى عَادَتْ السكينَة إِلَى بِلَاد بوسنه وهرسك لوعد اهاليها باصلاح احوالهم واستبدال العساكر الْغَيْر منتظمة الْمَوْجُودَة بهَا بجيوش منتظمة وَكَذَلِكَ انهيا بحكمتهما مَسْأَلَة الْجَبَل الاسود بتحديد التخوم بِمَعْرِِفَة لجنة مشكلة من اربعة اعضاء فرنساوي وروسي وعثماني وجبلي وقبلا قَرَار هَذِه اللجنة مَعَ اجحافه بِحُقُوق السلطنة لَكِن لما كَانَ السّكُون وانتظام الاحوال لم يروقا اصلا فِي اعين اعداء الدولة وَالَّذين القوا شباك مفاسدهم فِي جَزِيرَة كريد فاصطادوا بهَا ضِعَاف الْعُقُول
стр. 476
من اليونان بطعم الِاسْتِقْلَال والانضمام إِلَى مملكة اليونان المستقلة فحصلت عدَّة وقائع سَالَتْ فِيهَا الدِّمَاء بَين الْمُسلمين والمسيحيين وكادت الثورة تمتد بهَا لَوْلَا فضل تساهل وزراء الدول بعزل واليها وَتَعْيِين من يدعى سامي باشا مَكَانَهُ لتقرير الامن وارضاء المسيحيين من سكان الجزيرة فَرَجَعت السكينَة إِلَى ربوعها وامكن فؤاد باشا ان يُجَاوب سفراء الدول على ملاحظاتهم بِخُصُوص هَذِه الْمَسْأَلَة ان لَا حق لَهُم بالتداخل حَيْثُ لَا اضطراتات اَوْ قلاقل توجب هَذَا التدخل الْغَيْر الشَّرْعِيّ وبمجرد مَا انْتَهَت مَسْأَلَة كريد مؤقتا كَمَا هِيَ عَادَة الْمسَائِل الَّتِي توجدها الدول بدسائسها فِي شرقنا حدثت فِي مَدِينَة جدة نازلة اكثر اهمية من تِلْكَ وَهِي قيام الْمُسلمين بهَا على المسيحيين فِي يوليو من السّنة الْمَذْكُورَة ١٨٥٨ وقتلهم بَعضهم واصابة قنصل فرنسا وكاتبه اصابة شَدِيدَة وَقتل زَوجته مِمَّا جعل بَابا للاوروبيين لرمينا بالتعصب الديني فَلَمَّا علم فؤاد باشا بِهَذِهِ الْحَادِثَة لم يشعها بل ارسل من يدعى اسمعيل باشا بِبَعْض الْجند لتحقيقها ومجازاة القاتلين بالاعدام بِدُونِ طلب تَصْرِيح من الاستانة كَمَا جرت بِهِ الْعَادة لَكِن قبل وُصُول هَذَا الْمَنْدُوب علمت الدول بِهَذِهِ المذبحة وارسلت فرنسا وانكلترا لائحة للباب العالي بالاشتراك يخبرانه بهَا انهما ارسلتا مراكبهما اليها بتعليمات شَدِيدَة فاجابهم فؤاد باشا بَان الدولة لم تهمل واجبها بل رخصت لاسماعيل باشا باجراء اللَّازِم وان الدولة مستعدة لتقدير التعويضات الْوَاجِب دَفعهَا لمن لحقهم ضَرَر بالاتحاد مَعَ من تعينهم الدولتان لهَذَا الْغَرَض
اطلاق الانكليز المدافع على مَدِينَة جدة
وَفِي هَذِه الاثناء اتى نامق باشا وَالِي مَكَّة إِلَى جدة وَقبض على الْمُجْرمين وحاكمهم فَحكم على كثير مِنْهُم بالاعدام لَكِن لم يُمكن تَنْفِيذ هَذِه الاحكام الا بعد اسْتِئْذَان الدولة وَفِي غُضُون محاكمتهم وصلت إِلَى ميناء جدة سفينة حربية انكليزية اسْمهَا سيكلوب وَطلب ربانها من نامق باشا تَنْفِيذ الحكم فَوْرًا وامهله اربعة وَعشْرين سَاعَة وان لم يعْدم الْمَحْكُوم عَلَيْهِم يُطلق مدافعه على الْمَدِينَة وَلما اجابه نامق باشا بِعَدَمِ امكانه اجابة طلبه سلط مدافعه على هَذِه الْمَدِينَة وَاسْتمرّ اطلاقه عَلَيْهَا نَحْو عشْرين سَاعَة وَلَوْلَا وُصُول السَّفِينَة المقلة اسماعيل باشا الْمَنْدُوب العثماني لدمرت الْمَدِينَة
стр. 477
عَن آخرهَا فانه لما وصل هَذَا الْمَنْدُوب اوقف ضرب النَّار وَنزل مَعَه العساكر العثمانية والانكليزية وامر بشنق الْمَحْكُوم عَلَيْهِم بالاعدام فشنقوا وانتهت هَذِه الْمَسْأَلَة وَرجعت العساكر الانجليزية إِلَى سفينتهما بِدُونِ ان يَجدوا عِلّة للبقاء وَمَا الْفضل فِي حسم كل هَذِه النَّوَازِل الا لفؤاد باشا صَاحب الرَّأْي الصائب
حَادِثَة الشَّام واحتلال فرنسا لَهَا
وَقد ظهر فَضله واعترف بِهِ الْعَدو قبل الصّديق وجاهر كل ذِي دمة بَان هَذَا الرجل من اهم سياسي عصره فِي مَسْأَلَة الشَّام الَّتِي حصلت فِي سنة ١٢٧٦ الْمُوَافقَة سنة ١٨٦٠ واوجبت تدخل الدول عُمُوما وفرنسا خُصُوصا بِحجَّة حماية المارونية وَبَيَان ذَلِك انه لما حسمت جَمِيع المشاكل واستتب الامن نوعا فِي ولايتي الافلاق والبغدان وولايات الصرب والجبل الاسود بتساهل الْبَاب العالي واعترافه بانتخاب كوزا واليا لولايتي الافلاق والبغدان مَعًا وبتولية ميشيل اميرا على الصرب بعد وَالِده ميلوش الَّذِي انتخبه نواب الاهالي فِي جمعيتهم العمومية الْمُسَمَّاة اسكو بشينا حَتَّى لَا تدع للدول سَبِيلا للتدخل وَجه ارباب الغايات مساعيهم إِلَى بِلَاد الشَّام لاستعدادها لقبُول بذور الْفساد اكثر من بَاقِي الولايات بِسَبَب تعدد الجنسيات وَاخْتِلَافهمْ فِي الدّين وَالْمشْرَب وَوُجُود الْعَدَاوَة بَينهم خُصُوصا بَين المارونية والدروز فَقَامَتْ بَينهم اسباب الشقاق ودواعي الْخلف إِلَى ان تعدى المارونية بِالْقَتْلِ على الدروز فِي اواخر سنة ١٨٥٩ وَقَامَ الدروز للاخذ بالثأر ثمَّ امتدت الْفِتْنَة إِلَى جَمِيع انحاء الشَّام وَكثر الْقَتْل والنهب وحصلت عدَّة مذابح فِي طرابلس وصيدا واللاذقية وزحلة ودير الْقَمَر وَمِنْهَا إِلَى مَدِينَة دمشق الشَّام وامتاز الامير عبد الْقَادِر الجزائري
стр. 478
بحماية كثير من المسيحيين فكافأته فرنسا بمنحه وسام اللجيون دونور من دَرَجَة جران كوردون واتهم الاوروبيون عُثْمَان بك قائمقام حاصبيا بتسهيل المذبحة وَكَذَلِكَ اتهموا احْمَد باشا وَالِي دمشق بمساعدة الدروز وَقتل كل من التجأ إِلَى دَار الْحُكُومَة من المسيحيين واذاعوا هَذِه المفتريات على رجال الدولة فِي جَمِيع الارجاء تمويها وتغريرا ليَكُون لَهُم سَبَب مَقْبُول لَدَى الرَّأْي الْعَام فِي بِلَادهمْ إِذا تداخلوا فعليا وجر تداخلهم إِلَى حَرْب عَظِيمَة كحرب القرم
فعرضت فرنسا على الدول انها مستعدة لارسال جيوشها إِلَى بِلَاد الشَّام لقمع الْفِتْنَة ومجازاة مثيريها وحماية المارونية فَلم تقبل الدول هَذَا الاقتراح بادئ الرَّأْي خوفًا من عدم خُرُوج فرنسا من الشَّام لَو احتلتها عسكريا وضحت اموالها ورجالها وَلما حصلت مذبحَة دمشق الَّتِي قتل فِيهَا نَحْو سِتَّة آلَاف نسمَة على مَا يَقُولُونَ ارسلت
стр. 479
جَمِيع الدول إِلَى الْبَاب العالي تهدده بالتدخل ان لم لم يضع حدا لهَذِهِ الْفِتَن لَكِن بلاغاتهم لم تكن اشتراكية لعدم اتحادهم فَجمع فؤاد باشا جَمِيع الوزراء واظهر لَهُم ضَرُورَة تعزيز الْجَيْش العثماني بِهَذِهِ الْبِلَاد واخماد الثورة قبل ان تتفق الدول على التدخل عسكريا فتقرر رَأْيه بالاجماع وانتدب هُوَ لقيادة الجيوش بهَا ومجازاة كل من تظهر ادانته
فسافر هَذَا الشهم على جنَاح السرعة وَوصل إِلَى بيروت فِي ٢٨ الْحجَّة سنة ١٢٧٦ ١٧ يوليو سنة ١٨٦٠ وَمِنْهَا قصد مَدِينَة دمشق فِي خَمْسَة آلَاف جندي وشكل مَجْلِسا حَرْبِيّا وحاكم رُؤَسَاء الْفِتْنَة بِكُل صرامة وشنق كثيرا مِمَّن ظَهرت لَهُم يَد عاملة فِيهَا سَوَاء كَانَ من الدروز اَوْ المسيحيين اَوْ الْمُسلمين اَوْ من نفس كبار مستخدمي الْحُكُومَة وبذل همته فِي اعادة الامن إِلَى الْبِلَاد
وَفِي اثناء ذَلِك اتّفقت الدول على ان ترسل فرنسا إِلَى الشَّام سِتَّة آلَاف مقَاتل لمساعدة الْجَيْش العثماني على اعادة السكينَة لَو عجز عَن تأدية هَذِه المهمة وَفِي ٢٢ محرم سنة ١٢٧٧ ١٠ اغسطس سنة ١٨٦٠ نزلت الْجنُود الفرنساوية إِلَى بيروت تَحت قيادة الجنرال دوبول فَوجدت السكينَة ضاربة اطنابها فِي ربوع الشَّام وَلم تَجِد سَبِيلا لعمل أَي حَرَكَة عسكرية لاظهار شجاعتها ونظامها
وَمِمَّا يدل على تعنت الدول وتعمدهم مُشَاركَة الدولة فِي امورها الداخلية على أَي حَال اتفاقها فِي باريس بِمُقْتَضى اتِّفَاق تَارِيخه ١٥ محرم ١٢٧٧ ٣ اغسطس ١٨٦٠ على انه يجوز ابلاغ الْجَيْش المحتل إِلَى اثْنَي عشر الْفَا مَعَ بَقَاء هَذِه الجيوش إِلَى ان يستتب الامن ويجازى الساعون بِالْفَسَادِ على مَا جنت ايديهم كَأَن الدولة اهملت فِي مجازاتهم وَفِي ارجاع السكينَة إِلَى الْبِلَاد مَعَ انه لم يكن ثمَّة ضَرُورَة لارسال جَيش اوروبي إِلَى الشَّام مُطلقًا لقِيَام فؤاد باشا بمهمته احسن قيام وَمَعَ ذَلِك صمم الْقَائِد الفرنسا وي على ارسال فرقة من الف وَخَمْسمِائة جندي إِلَى جبل لبنان لاعادة المارونية إِلَى بِلَادهمْ وحمايتهم من تعدِي الدروز وَاسْتمرّ الاحتلال الفرنساوي إِلَى ٢٧ الْقعدَة سنة ١٢٧٧ ٦ يونيو سنة ١٨٦١ وَفِيه سحبت الجيوش الفرنساوية آتِيَة إِلَى بلادها بعد ان اوهمت مسيحيي الشَّام انها حمتهم من تعدِي الْمُسلمين المتعصبين المتوحشين على زعمهم ونسيت فرنسا مَا اتته جنودها فِي بِلَاد الجزائر من الاعمال الفظيعة الَّتِي
стр. 480
يَأْبَى الْقَلَم تسطيرها خُصُوصا مَا اتاه الجنر بيليسيه من اعدام قَبيلَة بنسائها واطفالها حرقا دَاخل الْغَار الَّذِي التجأوا اليه
وَلَكِن ابت سياسة اوروبا المسيحية الا التعامي عَن كل مَا ياتونه مَعَ الشرقيين وتجسيم اقل حَادث يحدث فِي الشرق وَلَو بايعازهم ترويجا لسياستهم ونسوا اقوال الْمَسِيح عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا افضل الصَّلَاة وازكى السَّلَام المسطرة فِي نسخ الانجيل المتداولة بَين ايدي جَمِيع الطوائف المسيحية القاضية بَان يُعَامل الانسان غَيره بِمَا يُرِيد ان يعامله الْغَيْر بِهِ
وَفِي اثناء ذَلِك انْعَقَدت بِمَدِينَة بيروت لجنة اوروبية مشكلة من مندوبين مُعينين من قبل الدول الموقعة على معاهدة باريس وَبعد مداولات طَوِيلَة اتَّفقُوا مَعَ فؤاد باشا على ان يُعْطوا للمسيحيين الَّذين حرقت دُورهمْ مبلغ خَمْسَة وَسبعين مليون قِرْش بِصفة تعويض وان يمنح اهالي الْجَبَل حُكُومَة مُسْتَقلَّة تَحت سيادة الدولة الْعلية يكون حاكمها مسيحي الْمَذْهَب وان يكون للباب العالي حامية من ثلثمِائة جندي تقيم فِي حصن على الطَّرِيق الْموصل من دمشق إِلَى بيروت
ثمَّ عين بالاجماع من يدعى دَاوُد افندي الارمني الْجِنْس اميرا للجبل لمُدَّة ثَلَاث سنوات لَا يُمكن عَزله الا بِاتِّفَاق الدول وَبِذَلِك انْتَهَت ايضا هَذِه الْمَسْأَلَة بِحسن مساعي فؤاد باشا كَمَا انْتَهَت بَاقِي الْمسَائِل الَّتِي سبقتها وَلَو يكيفية مجحفة بِحُقُوق الدولة الا انه بِهَذَا التساهل منع تدخل الدول بِصفة شَدِيدَة والزم فرنسا بسحب جيوشها من الشَّام
وَبعد خُرُوج الجيوش الفرنساوية من بيروت بِعشْرين يَوْمًا توفّي السُّلْطَان عبد الْمجِيد خَان وانتقل إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ فِي ١٧ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٧٧ هـ يونيو سنة ١٨٦١ وَدفن ﵀ فِي قبر اعد لَهُ فِي حَيَاته بجوار جَامع السُّلْطَان سليم وعمره اربعون سنة وكسور وَمُدَّة حكمه ٢٢ سنة وَنصف وَهُوَ الَّذِي انشأ النيشان المجيدي الْعلي الشَّأْن وَقدمه على نيشان الافتخار الَّذِي اسسه السُّلْطَان الْغَازِي مَحْمُود الثَّانِي وَفِي يَوْم مَوته بُويِعَ بالخلافة لاخيه
стр. 481
٣٢
- السُّلْطَان الْغَازِي عبد الْعَزِيز خَان
الْمَوْلُود فِي ١٤ شعْبَان سنة ١٢٤٥ ٨ فبراير سنة ١٨٣٠ وَفِي ١٨ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٧٧ ٧ يونيه سنة ١٨٦١ توجه فِي موكب حافل إِلَى ضريح سَيِّدي ابي ايوب الانصاري وَهُنَاكَ تقلد السَّيْف السلطاني على مَا جرت بِهِ الْعَادة وَمِنْه سَار لزيارة قبر السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد الثَّانِي فاتح الاستانة ثمَّ قبر وَالِده السُّلْطَان مَحْمُود الثَّانِي ﵏ جَمِيعًا وَكَانَت فَاتِحَة اعماله انه اقر الوزراء فِي مراكزهم مَا عدا نَاظر الجهادية رضَا باشا فانه ابدل بنامق باشا وهاك تَرْجَمَة امْر بَقَاء الوزراء المؤرخ ٢٣ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٧٧ ٢ يوليو سنة ١٨٦١ نقلا عَن منتخبات الجوائب جَرِيدَة شبه رسمية
وزيري سمير الْمَعَالِي مُحَمَّد امين عالي باشا
قد صَار هَذ الْمرة بالارادة الأزلية جناب مَالك الْملك جلوسنا على تخت اجدادنا الْعِظَام الْمُؤَيد بالسعادة وَالْبخْت ولكو درايتك وصداقتك من المجرب ابقي خطب الصدارة الجسيم فِي عُهْدَة رويتك وَكَذَا سَائِر الوكلاء والمأمورين مقررين على مناصبهم ثمَّ اني باكمال سَعَادَة الْحَال بمنة تَعَالَى لدولتنا الْعلية واستحصال رفاهية الْحَال والراحة لاتباع سلطتنا السّنيَّة اجمالا بِلَا اسْتثِْنَاء وبحصول هَذِه الامنية الْخَيْرِيَّة وبكون القوانين الاساسية العدلية المؤسسة على تَأْمِين النَّفس وَالْعرض وَالْمَال لجَمِيع سكان الممالك المحروسة مُؤَكدَة ومؤيدة من طرفنا اعلن مَا ذكر للْجَمِيع وَمن حَيْثُ ان الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة الَّتِي هِيَ عَدَالَة مَحْضَة مدَار لتأييد السلطانة السّنيَّة اَوْ اساس
стр. 482
لشوكتها حَالَة كَون احكامها المنيفة لجميعنا دَلِيلا على طَرِيق السَّلامَة كَانَت الدقة الزَّائِدَة فِي الامور الشَّرْعِيَّة مَطْلُوبا لنا قطعا وَلما كَانَ الْبَاعِث لبَقَاء كل دولة ولتزايد شوكتها وراحتها كَون رعيتها مطاوعة للقوانين الْمَوْضُوعَة وان لَا يتَجَاوَز الصغار والكبار مِنْهَا دَائِرَة وظيفتها وحقها كَانَ محققا لدينا ان الَّذين يسلكون فِي هَذَا الطَّرِيق يكونُونَ مظْهرا للمكافأة كَمَا ان الَّذين يوجدون فِي حركات مُخَالفَة تحيق بهم المجازاة وَبِنَاء على هَذَا كَون الداعين والعباد والمأمورين جَمِيعًا فِي دولتنا الْعلية ان يستقيموا فِي خدمتهم ويوفوا وظائف ماموريتهم بالصداقة هُوَ من جملَة اوامرنا الْمُؤَكّدَة السُّلْطَانِيَّة وَمن الْمُسلم كَون الْمصَالح الْعَظِيمَة الدولية قرينا لحسن النتيجة بِتَوْفِيق حَضْرَة موفق الامور وباقدام اركان الدولة واتفاقهم وان ايصال الامور لدولتنا الْعلية مَدَنِيَّة كَانَت اَوْ مَالِيَّة إِلَى دَرَجَة الانتظام والمضبوطية انما هُوَ بِكَمَال التشبث بِهَذِهِ الْقَاعِدَة الْمسلمَة يَعْنِي كَونه مَنُوطًا بالاهتمام والغيرة من طرف الْجَمِيع على وَجه الاسْتقَامَة والخلوص وَمن طرفنا نَحن ايضا مَنُوط بالهمة والنظارة على أَي وَجه كَانَ وبالاتباع التَّام من جَانب كل دَائِرَة وادارة لَهما الْمَخْصُوصَة السُّلْطَانِيَّة الَّتِي تصرف فِي حق اندفاع المشكلات الْمَالِيَّة عَن قريب بعون الله تَعَالَى وَهِي الَّتِي عرضت مُنْذُ مُدَّة ناشئة عَن اسباب مُخْتَلفَة وَكَذَا يعلم بانه لم يكن لذاتنا فكر وامل سوى اعادة شَأْن دولتنا وَزِيَادَة اعْتِبَارهَا المالي ورفاهية اتباعنا الْغَرَض المتعاقب من خُصُوص المتصرفات الْكَامِلَة فِي استحصال اموال الدولة وصرفها والاصلاحات الْمُوجبَة لوقايتها من التّلف والسرف عَبَثا والدقة فِي مُحَافظَة عساكرنا الْبَريَّة والبحرية الَّتِي هِيَ احدى اسباب الشَّوْكَة لدولتنا الْعلية واستكمال رفاهيتهم فِي كل حَال وَمحل وَصرف المجهود وقتا فوقتا فِي تَأْكِيد المناسبات والموالاة معالدولة الاجنبية الَّذين هم محبو سلطتنا السّنيَّة وَكَذَا الرِّعَايَة لاحكام المعاهدات المنعقدة مستمرة وَالْحَاصِل ان علم الْجَمِيع بَان وظائف الاسْتقَامَة والعفة والصداقة والغيرة هِيَ اساس الْعَمَل والباعث للفلاح والسلامة فِي ادارة الدولة فِي كل جِهَة وَفرع لَهَا كل ذَلِك من ارادتنا القطعية واني اعلن ايضا حَيْثُ كَانَ مرادي السلطاني لَا يقبل الِاسْتِثْنَاء كَانَ الَّذين هم من الاديان والاجيال الْمُخْتَلفَة يرَوْنَ عُمُوما من طرفنا الهمايوني دقة مُتَسَاوِيَة فِي الْعَدَالَة والتأمين والهمة وَحسن الْحَال واكرر ان التَّوَسُّع التدريجي الَّذِي هُوَ ترقيات صَحِيحَة توجب غِبْطَة
стр. 483
حَال الْجَمِيع فِي ظلّ سلطتنا لاسباب الثروة واليسار الْعَظِيمَة الَّتِي انْعمْ الله بهَا على ملكنا وَكَذَا قَضِيَّة الِاسْتِقْلَال المهمة لدولتنا الْعلية من اعز الافكار عندنَا وفقنا جَمِيعًا الْفَيَّاض الْمُطلق بِحرْمَة حَبِيبه الاكرم آمين فِي ٢٣ ذِي الْحجَّة سنة ١٢٧٧ اهـ
وَيُؤْخَذ من نَص هَذَا الامر ان السُّلْطَان ﵀ كَانَ يود السّير على خطة اسلافه من اصلاح الاحوال ومعاملة جَمِيع الرعايا على السوَاء بِدُونِ نظر لجنسهم اَوْ دينهم حَتَّى لَا يكون لدول اوروبا سَبِيل للتدخل فِي شؤون الدولة بِحجَّة طلب هَذِه الْمُسَاوَاة ثمَّ انشأ نشان شرف جَدِيد لمكافأة من يقوم بِخِدْمَة الدولة وَالْملَّة وَالدّين بِكُل صداقة وامانة وَدعَاهُ بالعثماني نِسْبَة إِلَى السُّلْطَان الْغَازِي عُثْمَان الاول رَأس هَذِه الدولة المحروسة الملحوظة بالعناية الربانية يحيطها سياج التعطفات الالهية حَتَّى ان تَأَلُّبُ جَمِيع الدول المسيحية عَلَيْهَا لم يزدها الا رسوخا وثباتا وَقد اراحها هَذَا التدخل نوعا مَا بفصل بعض العناصر الْمُغَايرَة للعنصر الاسلامي فِي الْجِنْس وَالدّين عَنْهَا فانها كَانَت اهم الشواغل للدولة مَعَ عدم وُصُول أَي فَائِدَة مِنْهَا اليها
ولنذكر هُنَا قبل تَفْصِيل مَا حصل بالدولة من الاصلاحات تَحت رِعَايَة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز مَا جرى من المناقشات وَدَار من المخابرات بَين الْبَاب العالي والدول بشأن امارات الْجَبَل الاسود والصرب والافلاق والبغدان فَنَقُول
الْجَبَل الاسود انه لما تجزأت مملكة الصرب الاصلية عقب موت الْملك دوشان وَقتل وَلَده اوروك اسْتَقل اُحْدُ اشراف الصرب بِبِلَاد الْجَبَل الاسود وَاسْمهَا تشيرنا جوره وجزء عَظِيم من بِلَاد الصرب وَجعل مقرّ حكومته مَدِينَة اشقودرة ثمَّ لما فتحهَا العثمانيون وطردوه مِنْهَا تحصن بِالْجَبَلِ وَبِه امكنه صد هجمات العثمانيين عَنهُ لوعورة المسالك وصعوبة المفاوز وَبِذَلِك لم يَتَيَسَّر للدولة ضم هَذَا الاقليم بِنَوْع قَطْعِيّ مُطلقًا
стр. 484
وَفِي سنة ١٤٩٩ انْتَقَلت حُكُومَة الْجَبَل إِلَى ايدي رَئِيس الاساقفة وانحصرت السلطة الدِّينِيَّة والملكية فِي شخص وَاحِد وابتدأت العلاقات بَينه وَبَين الروسيا لِاتِّحَاد الدّين وَالْمذهب وَبِحسن سياسة الامبراطور بطرس الاكبر صَارَت هَذِه العلاقات الحبية شَبيهَة بتابعية سياسية اذ صَار يتظلم اليه الاهالي لَو اعْتدى عَلَيْهِم حاكمهم اَوْ مسهم بِسوء
وَنَفس رَئِيس الاساقفة كَانَ يتَوَجَّه عِنْد تنصيبه إِلَى مَدِينَة سان بطرسبورج ليثبته القيصر فِي وظيفته الدِّينِيَّة بِصفة رَئِيس ديني لجَمِيع الاورثوذكس
وَلما تعين الْبُرْنُس دانيلو اَوْ دانيال حَاكما لهَذَا الْجَبَل فصل السلطة الملكية عَن الدِّينِيَّة مَعَ بَقَاء وَظِيفَة رَئِيس الاساقفة فِي العائلة الاميرية وَمن بعْدهَا فِي اقدم العائلات الشَّرِيفَة ولتجرد دانيلو عَن الصّفة الدِّينِيَّة تقرب من النمسا جارته لتساعده على حفظ استقلاله بِمَا ان الدولة الْعلية ارادت اتِّخَاذ هَذَا التَّغْيِير فِي حُكُومَة الْبِلَاد سَببا للتدخل فِيهَا وَتَقْرِير سيادتها عَلَيْهَا وارسلت الْقَائِد الشهير عمر باشا لمحاربة دانيلو سنة ١٨٥٣ قبل ان يشْتَغل بمحاربة الروسيا وَلَوْلَا توَسط النمسا والروسيا لاحتل عمر باشا جَمِيع بِلَاده لَكِن ظروف الاحوال اضطرت الْبَاب العالي لايقافه قبل تتميم ماموريته اتبَاعا لمشورة اوروبا
وَلما انْعَقَد مؤتمر باريس بعد انْتِهَاء حَرْب القرم كَمَا مر طلب الامير دانيلو من مندوبي الدول الِاعْتِرَاف باستقلاله فَلم يحز طلبه قبولا لديهم بل نصحوا لَهُ بالانقياد للدولة وَهِي فِي مُقَابلَة ذَلِك تعطيه جزأ قَلِيلا من بِلَاد الهرسك لتوسيع حُدُوده وتمنحه رُتْبَة مشير وترتب لَهُ مُرَتبا ماليا على سَبِيل المساعدة فحنق لعدم نوال استقلاله لكنه الْتزم بالانصياع لنصائح اوروبا خوفًا من عدم مساعدتها لَهُ لَو حاربته الدولة
стр. 485
وَفِي سنة ١٨٥٨ حصلت عدَّة وقائع حربية بَين اهالي الْجَبَل وعساكر الدولة بِسَبَب عدم الِاتِّفَاق على الْحُدُود فتدخلت الدول ومنعت الْحَرْب وعينت لجنة من مندوبيها ومندوب من طرف الدولة وَآخر من حُكُومَة الْجَبَل لفصل الْحُدُود ففصلتها ثمَّ قتل الْبُرْنُس دانيلو فِي ٢٥ محرم سنة ١٢٧٧ ١٣ اغسطس سنة ١٨٦٠ عَن بنت واخ فاستلم زِمَام الاحكام الْبُرْنُس نيقولا ابْن اخيه ميركو ولمناسبة حُصُول بعض حركات ثورية فِي بِلَاد الهرسك ثار لمساعدتهم كثير من اهالي الْجَبَل بايعاز من الْبُرْنُس ميركو فسحقهم عمر باشا الَّذِي ارسله الْبَاب العالي لاخماد ثورة الهرسك ثمَّ حاصر امارة الْجَبَل من جَمِيع جهاتها وامر الْبُرْنُس نيقولا ان يحل الجيوش الَّتِي جمعهَا على الْحُدُود والايضطر هُوَ لتفريقها وَلما لم يصغ الامير لهَذَا الْبَلَاغ اغار عمر باشا على بِلَاد الْجَبَل من ثَلَاث جِهَات فِي آن وَاحِد وَجعل الثَّلَاث فرق تَحت قيادة عَبده باشا ودرويش باشا وحسين عوني باشا
وبهذه المناورة العسكرية المهمة الْتَقت الجيوش الثَّلَاثَة فِي قلب الْجَبَل بعد ان هزمت وَفرقت كل مَا وقف فِي طريقها وَلم يكن بذلك للبرنس نيقولا بُد من امضاء الشُّرُوط الَّتِي عرضت عَلَيْهِ من قبل عمر باشا للتوقيع عَلَيْهَا فامضاها رغم انفه فِي ٤ ربيع الاول سنة ١٢٧٩ ٣٠ اغسطس سنة ١٨٦٢
وَمن اهم مَا جَاءَ بهَا ان لَا يُقيم ميركو وَالِد الْبُرْنُس نيقولا فِي بِلَاد الْجَبَل مُطلقًا وان تبني الدولة حصونا وقلاعا على الطَّرِيق الموصلة بَين مَدِينَة اشقودره وبلاد الهرسك مارة بِبِلَاد الْجَبَل وبدأت الْجنُود العثمانية على الْفَوْر فِي بِنَاء حصن دَاخل بِلَاد الْجَبَل على هَذَا الطَّرِيق الامر الَّذِي لم يسْبق لَهَا اصلا فِي هَذِه الْبِلَاد
لَكِن تعرضت الدول لنفاذ هَذِه المعاهدة بِحجَّة انها مجحفة بِحُقُوق امة مسيحية وَطلبت من الْبَاب العالي بِكُل الحاح خُصُوصا فرنسا والروسيا عدم ابعاد الْبُرْنُس ميركو عَن بِلَاده فتساهل شَفَقَة مِنْهُ لكنه صمم على بِنَاء الْحُصُون بِالصّفةِ المشروحة وَمَعَ ذَلِك فخوفا من تدخل الدول بِالْقُوَّةِ كَمَا حصل فِي بِلَاد الشَّام اعلن الْبَاب العالي الامير فِي ٢٣ رَمَضَان سنة ١٢٨٠ ٢ مارس سنة ١٨٦٤ انه يتنازل عَن بِنَاء القلاع بارضه مؤقتا إِذا تعهد الامير بِحِفْظ هَذِه الطَّرِيق والتعويض ماليا عَمَّا يسلب من اموال التُّجَّار
стр. 486
العثمانيين فاجاب الامير نيقولا هَذَا الطّلب منشرحا بِمَا ان وجود الجيوش العثمانية فِي وسط بِلَاده يضعف استقلالها وَيُمِيت همتهم وشجاعتهم
وَلم يهدم العثمانيون القلعة الَّتِي اقيمت فِي وسط بِلَاد الْجَبَل الا فِي محرم سنة ١٢٨١ يونيو سنة ١٨٦٤ بعد ان اقاموا على الْحُدُود قلعة منيعة على قمة عالية تصل مقذوفات مدافعها إِلَى ابعاد شاسعة من بِلَاد الْجَبَل وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الحروب وهدأت بِلَاد الهرسك ايضا
بِلَاد الصرب انه بِمُقْتَضى المعاهدات السَّابِقَة ومعاهدة باريس الاخيرة المؤرخة ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦ تكون جَمِيع بِلَاد الصرب مُسْتَقلَّة تَحت سيادة الْبَاب العالي وَيكون للدولة حق فِي وضع حامية فِي سِتّ قلاع بِمَا فِيهَا قلعة مَدِينَة بلغراد عَاصِمَة الصرب وَاشْترط فِيمَا بعد ان لَا يسكن الْمُسلمُونَ خَارِجا عَن هَذِه الْحُصُون انْظُر لهَذَا التعصب
لَكِن لم تتبع هَذِه النُّصُوص تَمامًا بل اقام كثير من الْمُسلمين بَين منَازِل المسيحيين
стр. 487
ووزع الباشا الْقَائِد للحامية عدَّة قره قولات فِي الْمَدِينَة لحمايتهم وَلما حصلت ثورة الهرسك سنة ١٨٦١ ومابعدها وتبعها حَرْب الْجَبَل الاسود خشِي الْبَاب العالي من مساعدة الصربيين للثائرين فَجمع على الْحُدُود عددا عَظِيما من جيوش الباشيبوزوق وَلعدم انتظام هَؤُلَاءِ الْجنُود حصلت عدَّة مشاجرات بَينهم وَبَين اهالي الصرب سَالَتْ فِيهَا الدِّمَاء وَلما وصل خبر هَذِه المناوشات إِلَى بلغراد تذمر الاهالي واظهروا الْعَدَاوَة للعثمانيين وَحدث فِي غُضُون ذَلِك ان تعدى اُحْدُ الاهالي فِي ١٢ الْحجَّة سنة ١٢٧٨ ١٠ يونيو سنة ١٨٦٢ على جندي عثماني فَقتله الجندي وتعصب كل فريق لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ وحصلت مقتلة كَادَت تعم الْبَلَد فَتدخل الْقَائِد العثماني بجُنُوده وَبعد ان احتمى جَمِيع الْمُسلمين الساكنين بَين النَّصَارَى فِي القلعة مَعَ نِسَائِهِم واطفالهم سلط الباشا مدافع القلعة على الْمَدِينَة واطلقها عَلَيْهَا مُدَّة ارْبَعْ سَاعَات مُتَوَالِيَات ثمَّ تدخل القناصل بَين الْفَرِيقَيْنِ فابطلوا اطلاق القنابل وَقبل الباشا اخلاء قره قولات الْمَدِينَة واقتصار الْمُسلمين على السكن دَاخل حُدُود القلعة وَبعد هَذِه الْحَادِثَة ارسل الْبُرْنُس ميشيل خطابا بتاريخ ١١ محرم سنة ١٢٧٩ ٩ يوليو سنة ١٨٦٢ إِلَى اللورد رسل نَاظر خارجية انكلترا يطْلب مِنْهُ التَّوَسُّط لَدَى الْبَاب العالي لحسم هَذِه النَّازِلَة فاجابه اللورد بِمَا يُؤْخَذ مِنْهُ عدم تعضيد الْحُكُومَة الانكليزية لَهُ فِي طلباته وانها تنصح لَهُ بالانصياع لاوامر الدولة صَاحِبَة السِّيَادَة
ثمَّ بِنَاء على الحاح فرنسا والروسيا انْعَقَد بالاستانة مؤتمر من مندوبي الدول الموقعة على معاهدة باريس وَبعد مناقشات طَوِيلَة طلب فِي خلالها مَنْدُوب فرنسا انجلاء العثمانيين من قلعة بلغراد بِدُونِ ان يعضده بَاقِي المندوبين تقرر بالاغلبية اخلاء قلعتين من الْجنُود العثمانية وبقائها فِي ارْبَعْ قلاع فَقَط وَهِي بلغراد وسمندريه وَفتح
стр. 488
اسلام وشباتس وان لَا يتداخل القواد العثمانيون فِي ادارة الْبِلَاد الداخلية مُطلقًا وان يلْزم الْمُسلمُونَ القاطنون خَارج القلاع الاربع الْمَذْكُورَة بِبيع ممتلكاتهم والمهاجرة عَن الْبِلَاد اَوْ الاقامة فِي حُدُود الْحُصُون وعَلى حُكُومَة الصرب ان تدفع لَهُم تعويضات عَن ذَلِك وامضى بذلك اتِّفَاق بتاريخ ١١ ربيع اول سنة ١٢٧٩ ٦ سبتمبر سنة ١٨٦٢ ابلغ إِلَى الصرب فِي دسمبر من السّنة الْمَذْكُورَة وغني عَن الْبَيَان ان تحظير الاقامة فِي الصرب على الْمُسلمين من اقبح ضروب التعصب الَّتِي يرمينا بهَا الاوروبيون وَلَكِن سيحفظ التَّارِيخ هَذِه الْحَوَادِث الدَّالَّة على براءتنا مِنْهُ واتصافهم بِهِ دون غَيرهم
ولايتي الافلاق والبغدان ذكرنَا ان هَاتين الولايتين انتخبتا الْبُرْنُس كوزا اميرا عَلَيْهِمَا خلافًا لشروط معاهدة باريس وَا الْبَاب العالي تساهل فِي الِاعْتِرَاف بِهَذَا الانتخاب بِنَوْع الِاسْتِثْنَاء بِشَرْط انه بعد هَذَا الْبُرْنُس تعود الامور إِلَى ماجاء بمعاهدة باريس ونقول الْآن كوزا تسمى بعد ذَلِك بالبرنس جَان السكندر الاول وَفِي اواخر سنة ١٨٦١ صدر فرمان يُجِيز لَهُ تَوْحِيد ادارة الامارتين ايضا وَبِأَن يكون لَهما مجْلِس نواب وَاحِد ووزارة وَاحِدَة ثمَّ سعى هَذَا الامير فِي اصلاح الشؤون الداخلية وحول انظاره إِلَى مَسْأَلَة الاوقاف المخصصة للاديرة وَالْكَنَائِس وَبَعض الاديرة الْخَارِجَة عَن الْبِلَاد مثل دير جبل طورسينا وديراثوس بِبِلَاد التّرْك والاماكن المقدسة بِمَدِينَة اورشليم فَإِن هَذِه الاملاك بلغت نَحْو جُزْء من ثَمَانِيَة من مَجْمُوع اطيان الْبِلَاد وايرادها يذهب خَارِجهَا إِلَى بطريرق الاستانة ليوزع على هَذِه الاديرة فَقَالَ
стр. 489
الْبُرْنُس بِضَم جَمِيع هَذِه الاوقاف إِلَى جَانب الْحُكُومَة وَهِي تقوم بِدفع مبلغ معِين لنفقات الْكَنَائِس الداخلية والاعمال الْخَيْرِيَّة الاهلية فَقَط وَلَا تدفع شَيْئا للاديرة الخارجية وعضده مجْلِس النواب وَعُمُوم الاهالي فِي هَذَا الْمَشْرُوع لَكِن عَارضه فِيهِ بطريرق الاستانة وَجَمِيع الرهبان وتداخلت الدول وَالْبَاب العالي فعضده فريق وعارضه اخر واخيرا لما رأى الامير ان الاقدام اضمن لنجاح مشروعه اصدر امرا ساميا فِي سنة ١٨٦٣ بمصادرة املاك الاوقاف باجمعها وخوفا من اعْتِرَاض الْبَاب العالي عرض عَلَيْهِ فِي ٣٠ ربيع الاول سنة ١٢٨٠ ١٤ سبتمبر سنة ١٨٦٣ دفع مبلغ اربعة وَثَمَانِينَ مليون قِرْش إِلَى بطريرق الاستانة تكون فَائِدَته السنوية بِمَثَابَة تعويض عَمَّا كَانَ يخص الاديرة الخارجية من ايراد الاوقاف بِشَرْط ان هاته الاديرة تقدم حسابا عَن الاوجه الَّتِي صرفت فِيهَا هَذِه الْفَائِدَة وان تخصص حُكُومَة رومانيا مبلغ عشرَة ملايين قِرْش يبْنى بهَا فِي الاستانة مستشفى ومدرسة لجَمِيع المسيحيين ايا كَانَ مَذْهَبهم فَلم يقبل البطريق ذَلِك وَبعد مداولات طَوِيلَة وتبادل مخاطبات سياسية كَثِيرَة اقترح الْبَاب العالي على حُكُومَة رومانيا ان تبلغ التعويض إِلَى مائَة وَخمسين مليون قِرْش فَقبلت لَكِن اصر القسوس على ابائهم وَلم يعبأ الامير بِهَذَا الاباء بل جد فِي طَرِيق الاصلاح وَعرض على مجْلِس الامة امْر مصادرة الاوقاف فَصدق عَلَيْهِ فِي ١٢ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٨٠ ٢٦ دسمبر ١٨٦٣ ثمَّ فِي ١٧ الْحجَّة سنة ١٢٨٠ ٢٤ مايو سنة ١٨٦٤ قرر هَذَا الْمجْلس ان يكون تعْيين القسوس على اخْتِلَاف درجاتهم بِمَعْرِِفَة حُكُومَة الامارة وشكل لمعاقبتهم لَو وَقعت مِنْهُم امور مُغَايرَة للقوانين الدِّينِيَّة مَجْلِسا دينيا سينود واناط محاكمتهم فِي الامور الدُّنْيَوِيَّة بِمَجْلِس التَّمْيِيز الاعلى
وَبِذَلِك اسْتَقل الاكليروس فِي رومانيا اسْتِقْلَالا تَاما وَلم يبْق لبطريرق الاستانة اقل سيطرة عَلَيْهِ وايد الْبَاب العالي هَذِه التغييرات واعترف ضمنا بِأَن لحكومة رومانيا الْحق فِي تَغْيِير نظاماتها وقوانينها الداخلية بِدُونِ استشارة الْبَاب مسبقا واعتمادا على ذَلِك ادخل الْبُرْنُس عدَّة اصلاحات مهمة تباعا فحور قانون الانتخابات بكيفية خولت حق الانتخاب لكثير من الاهالي لم يكن هَذَا الْحق ممنوحا لَهُم من قبل وَجعل
стр. 490
التَّعْلِيم اجباريا وَفتح عدَّة مدارس عالية مَدَنِيَّة وعسكرية ومستشفيات واصدر قانونا بِجعْل قيد المواليد والوفيات وعقود الانكحة مُخْتَصًّا بالمأمورين الملكيين بعد ان كَانَ تَابعا للكنائس لَكِن لعدم توفر الثروة فِي الْبِلَاد وَكَثْرَة الضرائب تذمر عَلَيْهِ الاهالي فَاسْتعْمل الشدَّة فِي معاقبة كل من اظهر عدم الرِّضَا من اعماله حَتَّى كثرت الشكوى مِنْهُ وَكتب اليه الصَّدْر الاعظم فؤاد باشا بتدخل الدولة لرفع الْمَظَالِم عَن الاهالي لَو اسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال
وَلما زَاد فِي طغيانه وَصَارَ يصدر الاوامر الْعَالِيَة واللوائح بِدُونِ عرضهَا على مجْلِس النواب تآمر عَلَيْهِ عدَّة من الاعيان تَحت رئاسة المسيو روزتي مدير جَرِيدَة رومانول وحصروه فِي قصره فِي مسَاء يَوْم ٦ شَوَّال سنة ١٢٨٢ ٢٢ فبراير سنة ١٨٦٦ والزموه الاستقالة فَقدم استعفاءه ثمَّ اجْتمع بباريس فِي ٢٢ شَوَّال الْمُوَافق ١٠ مارس مندوبون من الدول المصادقة على عُهْدَة سنة ١٨٥٦ للنَّظَر فِي كَيْفيَّة انتخاب خلف للامير جَان اسكندر الاول فاجمعوا الا الروسيا على وجوب تَوْحِيد حُكُومَة الولايتين خلافًا لما جَاءَ فِي المعاهدة الْمَذْكُورَة بِشَرْط ان لَا يكون الامير عَلَيْهَا اجنبيا بل من اشرف ابناء الْبِلَاد لَكِن لم يذعن اهالي رومانيا لهَذَا الْقَرار بل انتخبوا فِي ٣ الْحجَّة ٢٠ ابريل الْبُرْنُس شارل دي هوهنزولرن من عائلة بروسيا الملوكية اميرا لَهُم وَهُوَ ملك هَذِه الْبِلَاد الْآن واعطى لَهُ لقب ملك بعد حَرْب الروسيا الاخيرة كَمَا سَيَجِيءُ
اما السَّبَب فِي تشبث الدول فِي تَقْوِيَة هَذِه الامارة وسعي الروسيا فِي عدم ضم الولايتين المكونتين لَهَا إِلَى بعضهما ان الدول ترى هَذَا الرَّأْي لتَكون امارة رومانيا بِمَثَابَة حاجز حُصَيْن ضد تقدم الروسيا نَحْو الاستانة خُصُوصا وان اهالي رومانيا لم يَكُونُوا من العنصر السلافي الروسي فيصعب على الروسيا استمالتهم إِلَى سياستها لتمسكهم بجنسيتهم وخوفهم من تغلب الْجِنْس الصقالبي السلاقي عَلَيْهِم وَهَذَا السَّبَب عينه كَانَ الْبَاعِث لدول اوروبا على تشكيل امارة البلغار لتَكون حاجزا ثَانِيًا بعد رومانيا وعَلى مساعدة البلغار ضد الروسيا فِي هَذ السنين الاخيرة
стр. 491
فؤاد باشا الصَّدْر الاعظم واصلاحاته
قد ذكرنَا انه لما تولى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز منصب الْخلَافَة الْعُظْمَى ابقى مُحَمَّد امين عالي باشا فِي الصدارة الْعُظْمَى لَكِن لم يلبث ان اقاله تبعا للظروف فِي جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧٨ نوفمبر سنة ١٨٦١ وَعين فؤاد باشا صَدرا اعظم وَلم تدم صدارته الاولى بل فصل عَنْهَا وَبعد بعض تقلبات اعيد اليها بعد بضعَة شهور فبذل جهده فِي اصلاح الْمَالِيَّة الَّتِي كَانَت على شفا الافلاس بِسَبَب الدُّيُون الْكَثِيرَة الَّتِي اقترضتها الدولة فِي ايام السُّلْطَان مَحْمُود الثَّانِي وَعبد الْمجِيد بِسَبَب انشاء القوائم الَّتِي هِيَ عبارَة عَن اوراق صَغِيرَة ملونة بالوان مُخْتَلفَة كل مِنْهَا بِقِيمَة مَعْلُومَة من النُّقُود ولبيان سوء الاحوال الْمَالِيَّة نقُول انه لما انتشبت حَرْب اسْتِقْلَال اليونان ودمرت الدول دونانماتها ظلما وتعصبا التزمت الدولة لتجديد مراكبها وتقوية جيوشها إِلَى اصدرا القوائم الْمَالِيَّة فاصدرت اولا فِي سنة ١٨٣٠ اوراقا بمبلغ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ الف كيسة بفائدة ثَمَانِيَة فِي الْمِائَة سنويا تستهلك فِي ثَمَانِي سنوات ثمَّ بِسَبَب حروب الشَّام بَين مصر والدولة مَا تيَسّر لَهَا اسْتِهْلَاك هَذَا الْقدر بل اصدرت اوراقا بِلَا فَائِدَة وامتنعت عَن دفع الْفَائِدَة عَن الاوراق الاصلية وتوالى بعد ذَلِك اصدار الاوراق فِي كل سنة تَقْرِيبًا
وَلما تربع السُّلْطَان عبد الْمجِيد فِي دست الْخلَافَة اراد سحب القوائم الا ان حَرْب القرم وَمَا جرته على الدولة من المصاريف الباهظة مَنعه عَن تتميم مشروعه واضطرته الاحوال إِلَى الِاسْتِدَانَة من اوروبا للْقِيَام باعباء الْحَرْب ثمَّ استغرقت المصاريف كل الْقَرْض فاصدر قَوَائِم جَدِيدَة وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال وكل سنة تزداد الدُّيُون الخارجية والقوائم الداخلية حَتَّى ولي فؤاد باشا منصب الصدارة فاقنع جلالة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بضرورة ابطال القوائم وتسوية جَمِيع الدُّيُون بكيفية منتظمة فاصدر السُّلْطَان فرمانا عَالِيا فِي ٢٠ رَجَب سنة ١٢٧٨ ٢١ يناير سنة ١٨٦٢ لفؤاد باشا باصلاح الْمَالِيَّة واعمال ميزانية سنوية لايرادات ومصروفات الدولة ثمَّ فِي ١٩ الْحجَّة سنة ١٢٧٨ ١٧ يونيو سنة ١٨٦٢ اصدر اليه فرمانا آخر اهم مَا جَاءَ بِهِ سحب القوائم باجمعها وتصفية جَمِيع الدُّيُون السائرة وَدفع بدل القوائم نقودا ذهبية اَوْ فضية بِقِيمَة اربعين فِي الْمِائَة وسهاما جَدِيدَة بِقِيمَة السِّتين فِي الْمِائَة الْبَاقِيَة
стр. 492
واقترضت الدولة لاتمام هَذِه العملية الْمَالِيَّة ثَمَانِيَة ملايين جنيها انكليزيا وَلما لم تف اقترضت ثَمَانِيَة اخرى بِوَاسِطَة البنك العثماني الَّذِي تأسس فِي هَذِه الغضون ولكثرة المصاريف فِي الاصلاحات الداخلية وَغَيرهَا كثرت الدُّيُون وتراكمت وَصَارَ دفع الكوبونات الْفَوَائِد حملا ثقيلا على عاتق ميزانية الدولة فامر السُّلْطَان بالاقتصاد من جَمِيع فروع الميزانية حَتَّى من المبالغ المخصصة لسرايته الْخَاصَّة وَبِذَلِك امكن نَاظر الْمَالِيَّة مصطفى فَاضل باشا الْقيام بِدفع الْفَوَائِد واخيرا لعدم مُوَافقَة نَاظر الْمَالِيَّة لفؤاد باشا على مشروعاته الْمَالِيَّة عزل مصطفى باشا فَاضل وَعين كاني باشا مَكَانَهُ فَقدم هَذَا الاخير بالاتحاد مَعَ فؤاد باشا تقريرا إِلَى السُّلْطَان بتاريخ ٢١ شَوَّال سنة ١٢٨١ ١٩ مارس سنة ١٨٦٥ قَاضِيا بانشاء هَذَا التَّقْرِير وسجل بِمُقْتَضَاهُ اربعون مليون جنيها عثمانيا لَكِن لم يَأْتِ زمن دفع الكوبون الا والخزينة ناضبة لَا يُوجد بهَا مَا يَكْفِي لدفعه فاضطرت الدولة إِلَى اصدار سِهَام جَدِيدَة بِوَاسِطَة البنك العثماني بمدينتي باريس ولوندره فاصدرها البنك فِي شعْبَان سنة ١٢٨٢ دسمبر سنة ١٨٦٥ بفائدة ١٢ فِي الْمِائَة ولضعف الثِّقَة بمالية الدولة لم يقدم اصحاب الاموال على الاكتتاب وَلم يتَحَصَّل من هَذِه السِّهَام الجديدة الا مايكفي لدفع الكوبون الْمُسْتَحق فَقَط ولاستمرار هَذَا الضّيق وَعدم وجود النُّقُود الكافية للمصروفات الضرورية سعى بِهِ ارباب الغايات لَدَى جلالة السُّلْطَان وافهموه ان هَذَا الْعسر نَاشِئ عَن سوء تَدْبِير فؤاد باشا للمالية فَعَزله واستبدله بِمُحَمد رشدي باشا واصدر لَهُ فرمانا بذل بتاريخ ٢١ محرم سنة ١٢٨٣ ٥ يونيو سنة ١٨٦٦ فسعى مرَّتَيْنِ فِي اصدار قرض لتسوية الدُّيُون السائرة وَلم ينجح واخيرا اتّفق مَعَ البنك العثماني على ان يدْفع البنك فَوَائِد الدُّيُون
стр. 493
الْمقيدَة فِي السّجل العمومي كل ثَلَاثَة اشهر وتتنازل لَهُ الدولة لوفائها عَن بعض ايرادات مُعينَة وَبِذَلِك امكن دفع الكوبونات اولا فاولا وَاتَّقَى شَرّ تاخير دَفعهَا الَّذِي يعد فِي عرف الْمَالِيَّة افلاسا وَصَارَت الدولة تقترض مَا يلْزمهَا من البنوك بِدُونِ اصدار اسهم عمومية
بعد ان اسْتَقَرَّتْ احوال الدولة الْمَالِيَّة اَوْ كَادَت تحركت الْفِتَن السياسية اولا بِسَبَب عدم قبُول حُكُومَة الصرب بِاتِّفَاق ١١ ربيع الاول سنة ١٢٧٩ ٦ سبتمبر سنة ١٨٦٢ رَاجع صحيفَة ٥٢٣ القَاضِي بِبَقَاء الجيوش العثمانية محتلة لاربع قلاع بداخل بِلَاد الصرب كَمَا سبق ذكر ذَلِك وطلبها من الدول بِكُل الحاح ابطال هَذَا الشَّرْط وانجلاء عَسَاكِر الدولة عَنْهَا قَطْعِيا فَلم تقبل الدولة بل هددت الصرب بِالْحَرْبِ لَو مست عساكرها المحتلين بِسوء وَلَكِن اشتعال نَار الْفِتَن بكريد اشغلها عَن اخضاعها وَقبلت اخيرا فِي ذِي الْقعدَة سنة ١٢٨٣ مارس سنة ١٨٦٧ سحب عساكرها فكمل اسْتِقْلَال الصرب وَلم يبْق على اميرها الا لقب ملك
وَمثل ذَلِك حصل بِخُصُوص الِاعْتِرَاف بانتخاب الْبُرْنُس شارل دي هوهنزولرن البروسي فان الدولة بعد ان جمعت جَيْشًا جرارا على حُدُود رومانيا لفسخ الانتخاب والزام الاهالي بِاتِّبَاع نُصُوص المعاهدات اضطرتها ثورة كريد إِلَى الْعُدُول عَن هَذِه الخطة وَالِاعْتِرَاف بانتخابه وَلَقَد اصابت الدولة فِي ذَلِك لَان وجود مثل هَذِه الامارة فِي طَرِيق الروسيا يفيدها وَقت الْحَرْب خُصُوصا إِذا لم يكن اميرها مصافيا للروسيا وَلَا متحدا مَعهَا فِي الْمَذْهَب وَالْجِنْس
ثورة كريد
اما ثورة جَزِيرَة كريد فَنَشَأَتْ من دسائس اليونان بهَا وسعيهم فِي ضمهَا اليهم لَكِن يظْهر ان مصلحَة الدول البحرية لم تسمح لَهُم هَذِه الْمرة بتأييد مطَالب اليونان بل كَانَت كلهَا مضادة لسلخ هَذِه الجزيرة عَن املاك الدولة الْعلية
وَلذَلِك منعت الدول مملكة اليونان من مساعدة الجزيرة الثائرة وارسلت الدولة العثمانية لقمعها جَيْشًا عرمرما وارسل المرحوم اسماعيل باشا خديوي مصر الاسبق فرقة لمساعدتها على مُقْتَضى الفرمانات واظهرت الجيوش المصرية بهَا شجاعتها الْمُعْتَادَة
стр. 494
وفازت بالنصر فِي عدَّة مواقع مهمة خُصُوصا فِي وَاقعَة ارقاذي اركاديون حَتَّى استحقوا ثَنَاء خديويهم عَلَيْهِم وشكره لَهُم فارسل لَهُم بكريد رِسَالَة قُرِئت على جَمِيع العساكر والضباط المصريين وَكَانَ الْمُحَرر لَهَا المرحوم عبد الله باشا فكري الَّذِي كَانَ اذ ذَاك نَاظر قلمي التحريرات والعرضحالات وَقد اردنا ايرادها حرفيا لرقة مبانيها ودقة مَعَانِيهَا شاهدة بِفضل المصريين فِي براعة التَّحْرِير كَمَا تشهد لَهُم بالنصر والفوز الْعَظِيم وَهَا هِيَ بحروفها
إِلَى من باشروا وَاقعَة ارقاذي من الضباط الجهادية وافراد العساكر المصرية سَلام من الله وَتَسْلِيم ورضوان كريم يهدى لاولكم وآخركم ويسدى لمأموركم وآمركم لَا زلتم محفوفين من الله بنصره محفوظين بأَمْره غَالِبين على عَدوكُمْ بقهره متقلبين فِي نعْمَته وبره وَلَا انفكت عزائمكم فِي كروب الْحَرْب عزائم وصوارمكم فِي قطوب الخطوب بواسم واعلامكم للنجح والتمكين علائم وايامكم لِلْفَتْحِ الْمُبين مواسم ورياح الْقَهْر والدمار على عَدوكُمْ سمائم ونسمات النَّصْر والفخار فِي رواحكم وغدوكم نواسم وَبعد فَمَا زلت اتشوق من اخبار شجاعتكم مَا يسر الخواطر واتشوف من آثَار براعتكم مَا يقر النواظر واثقا بعزمكم وحزمكم فِي المضايق مبتهجا بِمَا ابديتموه من حسن السوابق حَتَّى ورد فابور الشرقية من طرف حَضْرَة الباشا نَاظر الجهادية بيوميات الوقائع العسكرية مُشْتَمِلَة على وَاقعَة ارقاذي وتفصيلاتها وَمَا كَانَ من رسوخ اقدامكم وثباتها واقدامكم فِي جهاتها واقتحامكم مضايق حصونها واستحكاماتها وتسخير مستعصماتها وتدمير اشقياء العصاة وكماتها حَتَّى زلرلت صياصيها وذللت نَوَاصِيهَا ودنا لكم قاصيها ودان عاصيها فَهَكَذَا تكون رجال الْجِهَاد وابطال الْجِدَال والجلاد وَهَكَذَا تفتح الْحُصُون ويبرز سر النَّصْر المصون وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ فقد اسفر لكم بِحَمْد الله وَجه التهاني واثمر فِيكُم يعون الله غرس الاماني وايدتم مَا ثَبت للعساكر المصرية من حسن الامور العسكرية فَحصل لي من
стр. 495
الانس وَالسُّرُور بِهَذِهِ الْبشَارَة مَا لاتقدر الالسن ان تصف مِقْدَاره وَلَا يَتَّسِع لَهُ مجَال الاشارة وتأيد فِيكُم حسن انظاري وَظَهَرت ثَمَرَات افكاري وتحققت انكم الْآن بعون الله الْكَرِيم لَا تزالون عَن هَذَا الطَّرِيق القويم وَلَا تزالون فِي تأييد مالكم من الْمجد الْقَدِيم وَقد شاع حَدِيث نصرتكم بَين الاهل والديار وسارت الركْبَان بمحاسن هَذِه الاخبار كَمَا نقلته صَحَائِف الوقائع إِلَى جَمِيع الاقطار فانشرحت صُدُور اهلكم واخوانكم وفرحت بكم جَمِيع اهل بلدانكم وابتسمت ثغور اوطانكم وافتخرت باحاديث شجعانكم وارتاحت ارواح الشُّهَدَاء من اقرانكم والمأمول فِي الطاف الله الْعلية وبركات السلطنة السّنيَّة ثمَّ فِي حميتكم الملية وغيرتكم الوطنية ان يَزُول حَال الاختلال عَن قرب وَيَنْتَهِي امْر الْقِتَال وَالْحَرب ويطيع الْجَمِيع ويسهل كل صَعب منيع وتعودوا لوطننا الْعَزِيز ظافرين بالنصر والتعزيز وَقد قرب حُصُول الامل ونجاح الْعَمَل وَمضى الاكثر وَبَقِي الاقل وَالْحَرب للرجل العسكري والبطل الجريء سوق عَظِيم وموسم كريم تشتري فِيهِ غوالي الْمَعَالِي باعالي الغوالي وتنال فِيهِ منَازِل الاكارم فِي ظلال السيوف الصوارم وَيدْرك الْفَخر الصَّادِق بمرامي المدافع والبنادق وَقد علمْتُم ان الشجَاعَة وان كَانَت تبلغ الامال لَا تقصر الْآجَال كَمَا ان الْجُبْن وان كَانَ يُورث الْعَار لَا يُؤَخر الاعمار وانما هِيَ آجال محدودة وانفاس مَعْدُودَة لَا تقبل التَّغَيُّر وَلَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والشجاعة صَبر سَاعَة ثمَّ ينْكَشف الْغُبَار وتسفر الاخبار ويتناقل حَدِيث الشجعان ويخلد فِي تواريخ الزَّمَان فدوموا على ابداء الِاجْتِهَاد وَقومُوا باداء حُقُوق الْجِهَاد واثبتوا على الشجَاعَة والاقدام وثبات الْقُلُوب والاقدام وانجزوا بمعونة الله تَمام هَذَا المرام وكما جودتم براعة المطلع فاحسنوا براعة الختام اهـ
وَلم يكن اهتمام الدولة الْعلية ورجالها بَاقِل من اهتمام الْجنُود المصرية المظفرة فَبعد ان وجهت اليها الجيوش ارسلت اليها مَنْدُوبًا ساميا للمفاوضة مَعَ الثائرين اسْمه كريدلي مُحَمَّد باشا لمعرفته احوال الْبِلَاد لَكِن لم ينجح فِي ماموريته لما كَانَ بَينه وَبَين اعيان الجزيرة من الشحناء بِسَبَب ولَايَته السَّابِقَة على تِلْكَ الجزيرة
ثمَّ فِي ٦ شَوَّال سنة ١٢٨٣ ١١ فبراير سنة ١٨٦٧ استقال مُحَمَّد رشدي باشا
следующие страницы →