Полный текст (661 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فؤاد باشا الصَّدْر الاعظم واصلاحاته
قد ذكرنَا انه لما تولى السُّلْطَان عبد الْعَزِيز منصب الْخلَافَة الْعُظْمَى ابقى مُحَمَّد امين عالي باشا فِي الصدارة الْعُظْمَى لَكِن لم يلبث ان اقاله تبعا للظروف فِي جُمَادَى الاولى سنة ١٢٧٨ نوفمبر سنة ١٨٦١ وَعين فؤاد باشا صَدرا اعظم وَلم تدم صدارته الاولى بل فصل عَنْهَا وَبعد بعض تقلبات اعيد اليها بعد بضعَة شهور فبذل جهده فِي اصلاح الْمَالِيَّة الَّتِي كَانَت على شفا الافلاس بِسَبَب الدُّيُون الْكَثِيرَة الَّتِي اقترضتها الدولة فِي ايام السُّلْطَان مَحْمُود الثَّانِي وَعبد الْمجِيد بِسَبَب انشاء القوائم الَّتِي هِيَ عبارَة عَن اوراق صَغِيرَة ملونة بالوان مُخْتَلفَة كل مِنْهَا بِقِيمَة مَعْلُومَة من النُّقُود ولبيان سوء الاحوال الْمَالِيَّة نقُول انه لما انتشبت حَرْب اسْتِقْلَال اليونان ودمرت الدول دونانماتها ظلما وتعصبا التزمت الدولة لتجديد مراكبها وتقوية جيوشها إِلَى اصدرا القوائم الْمَالِيَّة فاصدرت اولا فِي سنة ١٨٣٠ اوراقا بمبلغ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ الف كيسة بفائدة ثَمَانِيَة فِي الْمِائَة سنويا تستهلك فِي ثَمَانِي سنوات ثمَّ بِسَبَب حروب الشَّام بَين مصر والدولة مَا تيَسّر لَهَا اسْتِهْلَاك هَذَا الْقدر بل اصدرت اوراقا بِلَا فَائِدَة وامتنعت عَن دفع الْفَائِدَة عَن الاوراق الاصلية وتوالى بعد ذَلِك اصدار الاوراق فِي كل سنة تَقْرِيبًا
وَلما تربع السُّلْطَان عبد الْمجِيد فِي دست الْخلَافَة اراد سحب القوائم الا ان حَرْب القرم وَمَا جرته على الدولة من المصاريف الباهظة مَنعه عَن تتميم مشروعه واضطرته الاحوال إِلَى الِاسْتِدَانَة من اوروبا للْقِيَام باعباء الْحَرْب ثمَّ استغرقت المصاريف كل الْقَرْض فاصدر قَوَائِم جَدِيدَة وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال وكل سنة تزداد الدُّيُون الخارجية والقوائم الداخلية حَتَّى ولي فؤاد باشا منصب الصدارة فاقنع جلالة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز بضرورة ابطال القوائم وتسوية جَمِيع الدُّيُون بكيفية منتظمة فاصدر السُّلْطَان فرمانا عَالِيا فِي ٢٠ رَجَب سنة ١٢٧٨ ٢١ يناير سنة ١٨٦٢ لفؤاد باشا باصلاح الْمَالِيَّة واعمال ميزانية سنوية لايرادات ومصروفات الدولة ثمَّ فِي ١٩ الْحجَّة سنة ١٢٧٨ ١٧ يونيو سنة ١٨٦٢ اصدر اليه فرمانا آخر اهم مَا جَاءَ بِهِ سحب القوائم باجمعها وتصفية جَمِيع الدُّيُون السائرة وَدفع بدل القوائم نقودا ذهبية اَوْ فضية بِقِيمَة اربعين فِي الْمِائَة وسهاما جَدِيدَة بِقِيمَة السِّتين فِي الْمِائَة الْبَاقِيَة
стр. 492
واقترضت الدولة لاتمام هَذِه العملية الْمَالِيَّة ثَمَانِيَة ملايين جنيها انكليزيا وَلما لم تف اقترضت ثَمَانِيَة اخرى بِوَاسِطَة البنك العثماني الَّذِي تأسس فِي هَذِه الغضون ولكثرة المصاريف فِي الاصلاحات الداخلية وَغَيرهَا كثرت الدُّيُون وتراكمت وَصَارَ دفع الكوبونات الْفَوَائِد حملا ثقيلا على عاتق ميزانية الدولة فامر السُّلْطَان بالاقتصاد من جَمِيع فروع الميزانية حَتَّى من المبالغ المخصصة لسرايته الْخَاصَّة وَبِذَلِك امكن نَاظر الْمَالِيَّة مصطفى فَاضل باشا الْقيام بِدفع الْفَوَائِد واخيرا لعدم مُوَافقَة نَاظر الْمَالِيَّة لفؤاد باشا على مشروعاته الْمَالِيَّة عزل مصطفى باشا فَاضل وَعين كاني باشا مَكَانَهُ فَقدم هَذَا الاخير بالاتحاد مَعَ فؤاد باشا تقريرا إِلَى السُّلْطَان بتاريخ ٢١ شَوَّال سنة ١٢٨١ ١٩ مارس سنة ١٨٦٥ قَاضِيا بانشاء هَذَا التَّقْرِير وسجل بِمُقْتَضَاهُ اربعون مليون جنيها عثمانيا لَكِن لم يَأْتِ زمن دفع الكوبون الا والخزينة ناضبة لَا يُوجد بهَا مَا يَكْفِي لدفعه فاضطرت الدولة إِلَى اصدار سِهَام جَدِيدَة بِوَاسِطَة البنك العثماني بمدينتي باريس ولوندره فاصدرها البنك فِي شعْبَان سنة ١٢٨٢ دسمبر سنة ١٨٦٥ بفائدة ١٢ فِي الْمِائَة ولضعف الثِّقَة بمالية الدولة لم يقدم اصحاب الاموال على الاكتتاب وَلم يتَحَصَّل من هَذِه السِّهَام الجديدة الا مايكفي لدفع الكوبون الْمُسْتَحق فَقَط ولاستمرار هَذَا الضّيق وَعدم وجود النُّقُود الكافية للمصروفات الضرورية سعى بِهِ ارباب الغايات لَدَى جلالة السُّلْطَان وافهموه ان هَذَا الْعسر نَاشِئ عَن سوء تَدْبِير فؤاد باشا للمالية فَعَزله واستبدله بِمُحَمد رشدي باشا واصدر لَهُ فرمانا بذل بتاريخ ٢١ محرم سنة ١٢٨٣ ٥ يونيو سنة ١٨٦٦ فسعى مرَّتَيْنِ فِي اصدار قرض لتسوية الدُّيُون السائرة وَلم ينجح واخيرا اتّفق مَعَ البنك العثماني على ان يدْفع البنك فَوَائِد الدُّيُون
стр. 493
الْمقيدَة فِي السّجل العمومي كل ثَلَاثَة اشهر وتتنازل لَهُ الدولة لوفائها عَن بعض ايرادات مُعينَة وَبِذَلِك امكن دفع الكوبونات اولا فاولا وَاتَّقَى شَرّ تاخير دَفعهَا الَّذِي يعد فِي عرف الْمَالِيَّة افلاسا وَصَارَت الدولة تقترض مَا يلْزمهَا من البنوك بِدُونِ اصدار اسهم عمومية
بعد ان اسْتَقَرَّتْ احوال الدولة الْمَالِيَّة اَوْ كَادَت تحركت الْفِتَن السياسية اولا بِسَبَب عدم قبُول حُكُومَة الصرب بِاتِّفَاق ١١ ربيع الاول سنة ١٢٧٩ ٦ سبتمبر سنة ١٨٦٢ رَاجع صحيفَة ٥٢٣ القَاضِي بِبَقَاء الجيوش العثمانية محتلة لاربع قلاع بداخل بِلَاد الصرب كَمَا سبق ذكر ذَلِك وطلبها من الدول بِكُل الحاح ابطال هَذَا الشَّرْط وانجلاء عَسَاكِر الدولة عَنْهَا قَطْعِيا فَلم تقبل الدولة بل هددت الصرب بِالْحَرْبِ لَو مست عساكرها المحتلين بِسوء وَلَكِن اشتعال نَار الْفِتَن بكريد اشغلها عَن اخضاعها وَقبلت اخيرا فِي ذِي الْقعدَة سنة ١٢٨٣ مارس سنة ١٨٦٧ سحب عساكرها فكمل اسْتِقْلَال الصرب وَلم يبْق على اميرها الا لقب ملك
وَمثل ذَلِك حصل بِخُصُوص الِاعْتِرَاف بانتخاب الْبُرْنُس شارل دي هوهنزولرن البروسي فان الدولة بعد ان جمعت جَيْشًا جرارا على حُدُود رومانيا لفسخ الانتخاب والزام الاهالي بِاتِّبَاع نُصُوص المعاهدات اضطرتها ثورة كريد إِلَى الْعُدُول عَن هَذِه الخطة وَالِاعْتِرَاف بانتخابه وَلَقَد اصابت الدولة فِي ذَلِك لَان وجود مثل هَذِه الامارة فِي طَرِيق الروسيا يفيدها وَقت الْحَرْب خُصُوصا إِذا لم يكن اميرها مصافيا للروسيا وَلَا متحدا مَعهَا فِي الْمَذْهَب وَالْجِنْس
ثورة كريد
اما ثورة جَزِيرَة كريد فَنَشَأَتْ من دسائس اليونان بهَا وسعيهم فِي ضمهَا اليهم لَكِن يظْهر ان مصلحَة الدول البحرية لم تسمح لَهُم هَذِه الْمرة بتأييد مطَالب اليونان بل كَانَت كلهَا مضادة لسلخ هَذِه الجزيرة عَن املاك الدولة الْعلية
وَلذَلِك منعت الدول مملكة اليونان من مساعدة الجزيرة الثائرة وارسلت الدولة العثمانية لقمعها جَيْشًا عرمرما وارسل المرحوم اسماعيل باشا خديوي مصر الاسبق فرقة لمساعدتها على مُقْتَضى الفرمانات واظهرت الجيوش المصرية بهَا شجاعتها الْمُعْتَادَة
стр. 494
وفازت بالنصر فِي عدَّة مواقع مهمة خُصُوصا فِي وَاقعَة ارقاذي اركاديون حَتَّى استحقوا ثَنَاء خديويهم عَلَيْهِم وشكره لَهُم فارسل لَهُم بكريد رِسَالَة قُرِئت على جَمِيع العساكر والضباط المصريين وَكَانَ الْمُحَرر لَهَا المرحوم عبد الله باشا فكري الَّذِي كَانَ اذ ذَاك نَاظر قلمي التحريرات والعرضحالات وَقد اردنا ايرادها حرفيا لرقة مبانيها ودقة مَعَانِيهَا شاهدة بِفضل المصريين فِي براعة التَّحْرِير كَمَا تشهد لَهُم بالنصر والفوز الْعَظِيم وَهَا هِيَ بحروفها
إِلَى من باشروا وَاقعَة ارقاذي من الضباط الجهادية وافراد العساكر المصرية سَلام من الله وَتَسْلِيم ورضوان كريم يهدى لاولكم وآخركم ويسدى لمأموركم وآمركم لَا زلتم محفوفين من الله بنصره محفوظين بأَمْره غَالِبين على عَدوكُمْ بقهره متقلبين فِي نعْمَته وبره وَلَا انفكت عزائمكم فِي كروب الْحَرْب عزائم وصوارمكم فِي قطوب الخطوب بواسم واعلامكم للنجح والتمكين علائم وايامكم لِلْفَتْحِ الْمُبين مواسم ورياح الْقَهْر والدمار على عَدوكُمْ سمائم ونسمات النَّصْر والفخار فِي رواحكم وغدوكم نواسم وَبعد فَمَا زلت اتشوق من اخبار شجاعتكم مَا يسر الخواطر واتشوف من آثَار براعتكم مَا يقر النواظر واثقا بعزمكم وحزمكم فِي المضايق مبتهجا بِمَا ابديتموه من حسن السوابق حَتَّى ورد فابور الشرقية من طرف حَضْرَة الباشا نَاظر الجهادية بيوميات الوقائع العسكرية مُشْتَمِلَة على وَاقعَة ارقاذي وتفصيلاتها وَمَا كَانَ من رسوخ اقدامكم وثباتها واقدامكم فِي جهاتها واقتحامكم مضايق حصونها واستحكاماتها وتسخير مستعصماتها وتدمير اشقياء العصاة وكماتها حَتَّى زلرلت صياصيها وذللت نَوَاصِيهَا ودنا لكم قاصيها ودان عاصيها فَهَكَذَا تكون رجال الْجِهَاد وابطال الْجِدَال والجلاد وَهَكَذَا تفتح الْحُصُون ويبرز سر النَّصْر المصون وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ فقد اسفر لكم بِحَمْد الله وَجه التهاني واثمر فِيكُم يعون الله غرس الاماني وايدتم مَا ثَبت للعساكر المصرية من حسن الامور العسكرية فَحصل لي من
стр. 495
الانس وَالسُّرُور بِهَذِهِ الْبشَارَة مَا لاتقدر الالسن ان تصف مِقْدَاره وَلَا يَتَّسِع لَهُ مجَال الاشارة وتأيد فِيكُم حسن انظاري وَظَهَرت ثَمَرَات افكاري وتحققت انكم الْآن بعون الله الْكَرِيم لَا تزالون عَن هَذَا الطَّرِيق القويم وَلَا تزالون فِي تأييد مالكم من الْمجد الْقَدِيم وَقد شاع حَدِيث نصرتكم بَين الاهل والديار وسارت الركْبَان بمحاسن هَذِه الاخبار كَمَا نقلته صَحَائِف الوقائع إِلَى جَمِيع الاقطار فانشرحت صُدُور اهلكم واخوانكم وفرحت بكم جَمِيع اهل بلدانكم وابتسمت ثغور اوطانكم وافتخرت باحاديث شجعانكم وارتاحت ارواح الشُّهَدَاء من اقرانكم والمأمول فِي الطاف الله الْعلية وبركات السلطنة السّنيَّة ثمَّ فِي حميتكم الملية وغيرتكم الوطنية ان يَزُول حَال الاختلال عَن قرب وَيَنْتَهِي امْر الْقِتَال وَالْحَرب ويطيع الْجَمِيع ويسهل كل صَعب منيع وتعودوا لوطننا الْعَزِيز ظافرين بالنصر والتعزيز وَقد قرب حُصُول الامل ونجاح الْعَمَل وَمضى الاكثر وَبَقِي الاقل وَالْحَرب للرجل العسكري والبطل الجريء سوق عَظِيم وموسم كريم تشتري فِيهِ غوالي الْمَعَالِي باعالي الغوالي وتنال فِيهِ منَازِل الاكارم فِي ظلال السيوف الصوارم وَيدْرك الْفَخر الصَّادِق بمرامي المدافع والبنادق وَقد علمْتُم ان الشجَاعَة وان كَانَت تبلغ الامال لَا تقصر الْآجَال كَمَا ان الْجُبْن وان كَانَ يُورث الْعَار لَا يُؤَخر الاعمار وانما هِيَ آجال محدودة وانفاس مَعْدُودَة لَا تقبل التَّغَيُّر وَلَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير والشجاعة صَبر سَاعَة ثمَّ ينْكَشف الْغُبَار وتسفر الاخبار ويتناقل حَدِيث الشجعان ويخلد فِي تواريخ الزَّمَان فدوموا على ابداء الِاجْتِهَاد وَقومُوا باداء حُقُوق الْجِهَاد واثبتوا على الشجَاعَة والاقدام وثبات الْقُلُوب والاقدام وانجزوا بمعونة الله تَمام هَذَا المرام وكما جودتم براعة المطلع فاحسنوا براعة الختام اهـ
وَلم يكن اهتمام الدولة الْعلية ورجالها بَاقِل من اهتمام الْجنُود المصرية المظفرة فَبعد ان وجهت اليها الجيوش ارسلت اليها مَنْدُوبًا ساميا للمفاوضة مَعَ الثائرين اسْمه كريدلي مُحَمَّد باشا لمعرفته احوال الْبِلَاد لَكِن لم ينجح فِي ماموريته لما كَانَ بَينه وَبَين اعيان الجزيرة من الشحناء بِسَبَب ولَايَته السَّابِقَة على تِلْكَ الجزيرة
ثمَّ فِي ٦ شَوَّال سنة ١٢٨٣ ١١ فبراير سنة ١٨٦٧ استقال مُحَمَّد رشدي باشا
стр. 496
من منصب الصدارة فعين السُّلْطَان مَكَانَهُ مُحَمَّد امين عالي باشا ثَانِيًا وابقى مُحَمَّد رشدي باشا الْمَذْكُور فِي وَظِيفَة السِّرّ عسكرية واعاد مُحَمَّد فؤاد باشا الصَّدْر الاسبق إِلَى نظارة الخارجية وَكَانَت اول اعمال هَذِه النظارة ان استدعت كريدلي مُحَمَّد باشا من جَزِيرَة كريد وارسلت عمر باشا بَطل القرم اليها بوظيفة قَائِد عَام لجَمِيع الجيوش الْمُحَاربَة بهَا فحارب الثائرين بِكُل شدَّة وصرامة وَعند ذَلِك تداخلت بعض الدول وَطلبت ارسال لجنة دولية إِلَى الجزيرة لتسوية الْأَحْوَال فرفض الْبَاب العالي هَذَا الطّلب لعدم اتِّفَاق الدول عَلَيْهِ واقترح من نَفسه ارسال مَنْدُوب سَام سياسي للنَّظَر فِي شؤون الجزيرة وسافر اليها بِهَذِهِ الصّفة الصَّدْر الاعظم عالي باشا فِي ٤ اكتوبر سنة ١٨٦٧ وَهُنَاكَ بذل جهده فِي تسكين خاطر الاعيان بمنحهم الرتب والنياشين ثمَّ اقال عمر باشا لعدم اتفاقه مَعَ رجال البحرية المراقبين لشواطئ الجزيرة واقام حُسَيْن عوني باشا مَكَانَهُ وعينه واليا للجزيرة وَبعد ان رتب الاحوال عَاد إِلَى الاستانة فِي اوائل سنة ١٨٦٨ لاضطراد المخابرات السياسية بشأن تظاهر مملكة اليونان لمساعدة الثائرين وطلبها ضم الجزيرة اليها باي طَريقَة وَلَو ادت الْحَال إِلَى الْحَرْب لَكِن لم تساعدها الدول على ذَلِك واظهرت لَهَا الْجفَاء وتهددتها بِمَا لَا تحمد عقباه لَو اثارت نَار الْحَرْب
واخيرا انْعَقَد بباريس مؤتمر من مندوبي الدول الموقعة على عُهْدَة سنة ١٨٥٦ وَبعد مداولات وتبادل عدَّة محررات اصدر السُّلْطَان ارادة سنية بتاريخ ١٢ جماد الثَّانِي سنة ١٢٨٦ ١٩ سبتمبر سنة ١٨٦٩ يمنح الجزيرة بعض امتيازات واعفاء اهلها من دفع اموال سنتَيْن كَانَت مُتَأَخِّرَة عَلَيْهِم وَمن الْخدمَة العسكرية وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الثورة مؤقتا اذ اليونان لَا تتْرك اي فرْصَة لتحريضها على الثورة لضمها اليه
سفر السُّلْطَان عبد الْعَزِيز لمصر
وَمِمَّا امتاز بِهِ السُّلْطَان عبد الْعَزِيز خَان عَمَّا عداهُ من السلاطين العثنانيين تفقده ممالكه المحروسة بِنَفسِهِ وسياحته خَارِجا عَنْهَا فقد سَافر ﵀ إِلَى وَادي النّيل فِي ١٤ شَوَّال سنة ١٢٧٩ يَصْحَبهُ فِي معيته الشَّرِيفَة الامراء الاماجد مُرَاد افندي الَّذِي
стр. 497
تولى منصب الْخلَافَة بعد المرحوم السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَعبد الحميد افندي خليفتنا الحالي ورشاد افندي ويوسف عز الدّين افندي والوزيران فؤاد باشا وَمُحَمّد باشا فزار الاسكندرية ومحروسة مصر ثمَّ عَاد إِلَى دَار السَّعَادَة بِالْيمن والاقبال وَكَانَ سَفَره من الاستانة بعد ان افْتتح المعرض العثماني الَّذِي اقيم بهَا لتنشيط الصَّنَائِع الوطنية فِي ١٠ رَمَضَان سنة ١٢٧٩ ١ مارس ١٨٦٣ بِحُضُور ضَيفه الْكَرِيم اسماعيل باشا خدوينا الاسبق
سفر السُّلْطَان لباريس
وَفِي ١٩ صفر سنة ١٢٨٤ ٢٢ يونيو سنة ١٨٦٧ سَافر قَاصِدا مَدِينَة باريس الزاهية الزاهرة على دَعْوَى الامبراطور نابوليون الثَّالِث لحضور المعرض الْعَام الَّذِي اقيم فِيهَا ودعا اليه الامبراطور اغلب مُلُوك الدُّنْيَا وَكَانَ من ضمن المدعوين خديوي مصر اسماعيل باشا فابحر من الاسكندرية فِي ٧ من شهر صفر الْمَذْكُور على سفينة المحروسة ليَكُون بباريس حِين قدوم جلالة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز اليها ثمَّ عَاد جلالة السُّلْطَان الْمُعظم إِلَى مقرّ خِلَافَته عَن طَرِيق وارنه فِي ٦ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٨٤ ٧ اوغست ١٨٦٧ بعد ان تغيب عَنْهَا سِتَّة اسابيع الفى فِي خلالها من حسن الملاقاة وكرم الْوِفَادَة مَا طبع عَلَيْهِ الفرنسويون واشتهر عَنْهُم
اما الاصلاحات الَّتِي اجريت فِي داخلية الممالك المحروسة فِي خِلَافَته فيعد مِنْهَا وَلَا تعد فَمِنْهَا القانون القَاضِي بِجَوَاز انْتِقَال الاراضي الميرية الخراجية والموقوفة لوَرَثَة صَاحب الْمَنْفَعَة الصَّادِر فِي ١٧ محرم سنة ١٢٨٤ ٢١ مايو ١٨٦٧ وَهُوَ يشبه لائحة الاطيان السعيدية المصرية
وضع مجلة الاحكام العدلية
والقوانين الَّتِي اجازت للاجانب امتلاك العقارات وكافة الْحُقُوق العينية وَالتَّصَرُّف فِيهَا بِجَمِيعِ الممالك المحروسة بعد ان كَانَت مَمْنُوعَة عَنْهُم كُلية وَذَلِكَ فِي سنة ١٢٨٥ الْمُوَافقَة سنة ١٨٦٩ وَمِنْهَا وضع مجلة الاحكام الشَّرْعِيَّة ليعْمَل بهَا فِي المحاكم النظامية الَّتِي انشئت وَكَانَ جَارِيا اصلاحها وَكَانَ وضع هَذِه الْمجلة بِمَعْرِِفَة
стр. 498
لجنة من اشهر متشرعي هَذَا الْعَصْر واليك نَص التَّقْرِير الَّذِي قَدمته إِلَى مُحَمَّد امين عالي باشا الصَّدْر الاعظم فِي غرَّة محرم سنة ١٢٨٦ ٥ مايو ١٨٦٧ مَنْقُولًا من منتخبات الجوائب
لَا يخفى على حَضْرَة الصَّدْر العالي ان الْجِهَة الَّتِي تتَعَلَّق بامر الدُّنْيَا من علم الْفِقْه كَمَا انها تَنْقَسِم إِلَى مناكحات ومعاملات وعقوبة كَذَلِك القوانين السياسية للامم المتمدنة تَنْقَسِم إِلَى هَذِه الاقسام الثَّلَاثَة وَيُسمى قسم الْمُعَامَلَات مِنْهَا القانون الْمدنِي لكنه لما زَاد اتساع الْمُعَامَلَات التجارية فِي هَذِه الاعصار مست الْحَاجة إِلَى اسْتثِْنَاء كثير من الْمُعَامَلَات كالسفتجة الَّتِي يسمونها حِوَالَة وكأحكام الافلاس وَغَيرهمَا من القانون الاصلي وَوضع لهَذِهِ المستثنيات قانون مَخْصُوص يُسمى قانون التِّجَارَة وَصَارَ مَعْمُولا بِهِ فِي الخصوصيات التجارية فَقَط واما سَائِر الْجِهَات فَمَا زَالَت احكامها تجْرِي على القانون الْمدنِي وَمَعَ ذَلِك فالدعاوى الَّتِي ترى فِي محاكم التِّجَارَة إِذا ظهر شَيْء من متفرعاتها لَيْسَ لَهُ حكم فِي قانون التِّجَارَة مثل الرَّهْن وَالْكَفَالَة وَالْوكَالَة يرجع فِيهِ إِلَى القانون الاصلي وكيفما وجد مسطورا فِيهِ يجْرِي الحكم على مُقْتَضَاهُ وَكَذَا فِي دعاوى الْحُقُوق العادية الناشئة عَن الجرائم تجْرِي الْمُعَامَلَة بهَا على هَذَا المنوال ايضا وَقد وضعت الدولة الْعلية قَدِيما وحديثا قوانين كَثِيرَة تقَابل القانون الْمدنِي وَهِي وان لم تكن كَافِيَة لبَيَان جَمِيع الْمُعَامَلَات وفصلها الا ان الْمسَائِل الْمُتَعَلّقَة بقسم الْمُعَامَلَات من علم الْفِقْه هِيَ كَافِيَة وافية للاحتياجات الْوَاقِعَة فِي هَذَا الْخُصُوص ولقلما يرى بعض مشكلات فِي تَحْويل الدَّعَاوَى السَّابِق إِلَى الشَّرْع والقانون غير ان مجَالِس تَمْيِيز الْحُقُوق لما كَانَت تَحت رئاسة حكام الشَّرْع فَكَمَا ان الدَّعَاوَى الشَّرْعِيَّة تصير رؤيتها وفصلها لديهم كَذَلِك كَانَت الْموَاد النظامية الَّتِي تحال إِلَى تِلْكَ الْمجَالِس ترى وتفصل بمعرفتهم ايضا وَبِذَلِك يجْرِي حل تِلْكَ المشكلات من حَيْثُ ان اصل القوانين والنظامات الملكية ومرجعهما هُوَ علم الْفِقْه وَكثير من الخصوصيات المتفرعة والامور الَّتِي ينظر فِيهَا بِمُقْتَضى النظام ويفصل ويحسم على وفْق الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَالْحَال ان اعضاء مجَالِس تَمْيِيز الْحُقُوق لَا اطلَاع لَهُم على مسَائِل علم الْفِقْه فَإِذا حكمت حكام الشَّرْع الشريف فِي تِلْكَ الْفُرُوع بِمُقْتَضى الاحكام الشَّرْعِيَّة ظن الاعضاء انهم يَفْعَلُونَ مَا يشاؤون خَارِجا
стр. 499
عَن النظامات والقوانين الْمَوْضُوعَة واساءوا بهم الظَّن فَيصير ذَلِك باعثا على القيل والقال
ثمَّ ان قانون التِّجَارَة الهمايوني هُوَ دستور الْعَمَل فِي محاكم التِّجَارَة الْمَوْجُودَة فِي ممالك الدولة الْعلية واما الخصوصيات المتفرعة عَن الدَّعَاوَى التجارية الَّتِي لَا حكم لَهَا فِي قانون التِّجَارَة فَيحصل بهَا مشكلات عَظِيمَة لانه إِذا صَارَت الْمُرَاجَعَة فِي مثل هَذِه الخصوصيات إِلَى قوانين اوروبا وَهِي لَيست مَوْضُوعَة بالارادة السّنيَّة فَلَا تصير مدَار الحكم فِي محاكم الدولة الْعلية وَإِذا احيل فصل تِلْكَ المشكلات إِلَى الشَّرِيعَة الغراء فالمحاكم الشَّرْعِيَّة تصير مجبورة على اسْتِئْنَاف المرافعة فِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَحِينَئِذٍ فَالْحكم على قَضِيَّة وَاحِدَة فِي محكمتين كل مِنْهُمَا تغاير الاخرى فِي اصول المحاكمة ينشأ عَنهُ بالطبع تشعب ومباينة فَفِي مثل هَذِه الاحوال لَا يُمكن لمحاكم التِّجَارَة مُرَاجعَة المحاكم الشَّرْعِيَّة وَإِذا قيل لاعضاء محاكم التِّجَارَة ان يراجعوا الْكتب الْفِقْهِيَّة فَهَذَا ايضا لَا يُمكن لَان هَؤُلَاءِ الاعضاء على حد سَوَاء مَعَ مجَالِس تَمْيِيز الْحُقُوق فِي الِاطِّلَاع على الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة
وَلَا يخفى ان علم الْفِقْه بَحر لَا سَاحل لَهُ واستنباط دُرَر الْمسَائِل اللَّازِمَة مِنْهُ لحل المشكلات يتَوَقَّف على مهارة علمية وملكة كُلية وعَلى الْخُصُوص مَذْهَب الْحَنَفِيَّة لانه قَامَ فِيهِ مجتهدون كَثِيرُونَ متفاوتون فِي الطَّبَقَة وَوَقع فِيهِ اختلافات كَثِيرَة وَمَعَ ذَلِك فَلم يحصل فِيهِ تَنْقِيح كَمَا حصل فِي فقه الشَّافِعِيَّة بل لم تزل مسَائِله اشتاتا متشعبة فتمييز القَوْل الصَّحِيح من بَين تِلْكَ الْمسَائِل والاقوال الْمُخْتَلفَة وتطبيق الْحَوَادِث عَلَيْهَا عسير جدا وَمَا عدا ذَلِك فانه بتبدل الاعصار تتبدل الْمسَائِل الَّتِي يلْزم بناؤها على الْعَادة وَالْعرْف مثلا كَانَ عِنْد الْمُتَقَدِّمين من الْفُقَهَاء إِذا اراد اُحْدُ شِرَاء دَار اكْتفى بِرُؤْيَة بعض بيوتها وَعند الْمُتَأَخِّرين لَا بُد من رُؤْيَة كل بَيت مِنْهَا على حِدته وَهَذَا الِاخْتِلَاف لَيْسَ مُسْتَندا إِلَى دَلِيل بل هُوَ نَاشِئ عَن اخْتِلَاف الْعرف وَالْعَادَة فِي امْر الانشاء وَالْبناء وَذَلِكَ ان الْعَادة قَدِيما فِي انشاء الدّور وبنائها ان تكون جَمِيع بيوتها مُتَسَاوِيَة وعَلى طرز وَاحِد فَكَانَت رُؤْيَة بعض الْبيُوت على هَذَا تغني عَن رُؤْيَة سائرها واما فِي هَذَا
стр. 500
الْعَصْر فَحَيْثُ جرت الْعَادة بَان الدَّار الْوَاحِدَة تكون بيوتها مُخْتَلفَة فِي الشكل وَالْقدر لزم عِنْد البيع رُؤْيَة كل مِنْهَا على الِانْفِرَاد وَفِي الْحَقِيقَة فاللازم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وامثالها حُصُول علم كَاف بِالْمَبِيعِ عِنْد المُشْتَرِي وَمن ثمَّ لم يكن الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي مثل الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة تغييرا للقاعدة الشَّرْعِيَّة وانما تغير الحكم فِيهَا بِتَغَيُّر احوال الزَّمَان فَقَط وتفريق الِاخْتِلَاف الزماني وَالِاخْتِلَاف البرهاني الْوَاقِع هُنَا وتمييزها محوج إِلَى زِيَادَة التدقيق وامعان النّظر فَلَا جرم ان الاحاطة بالمسائل الْفِقْهِيَّة وبلوغ النِّهَايَة فِي مَعْرفَتهَا امْر صَعب جدا وَلذَا انتدب جمع من فُقَهَاء الْعَصْر وفضلائه لتأليف كتب مُطَوَّلَة مثل كتاب الْفَتَاوَى التاتارخانية خَانِية والعالمكيرية الْمَشْهُورَة الان بالفتاوي الْهِنْدِيَّة وَمَعَ ذَلِك فَلم يقدروا على حصر جَمِيع الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة والاختلافات المذهبية وَفِي الْوَاقِع فان كتب الفتاوي هِيَ عبارَة عَن مؤلفات حاوية لصور مَا حصل تطبيقه من الْحَوَادِث على الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة وافتيت بِهِ الفتاوي فَمَا مر من الزَّمَان وَلَا شكّ ان الاحاطة بِجَمِيعِ الْفَتَاوَى الَّتِي افتى بهَا عُلَمَاء السَّادة الْحَنَفِيَّة فِي العصور الْمَاضِيَة عسر للغاية وَلِهَذَا جمع ابْن نجيم رَحمَه الله تَعَالَى كثيرا من الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة والمسائل الْكُلية المندرج تحتهَا فروع الْفِقْه فَفتح بذلك بَابا يسهل التَّوَصُّل مِنْهُ إِلَى الاحاطة بالمسائل وَلَكِن لم يسمح الزَّمَان بعده بعالم فَقِيه يحذو حذوه حَتَّى يَجْعَل اثره طَرِيقا وَاسِعًا واما الان فقد ندر وجود المتبحرين فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فِي جَمِيع الْجِهَات وفضلا عَن انه لَا يُمكن تعْيين اعضاء فِي المحاكم النظامية لَهُم قدرَة على مُرَاجعَة الْكتب الْفِقْهِيَّة وَقت الْحَاجة لحل الاشكالات فقد صَار من الصعب ايضا وجود قُضَاة للمحاكم الشَّرْعِيَّة الكائنة فِي الممالك المحروسة
بِنَاء على ذَلِك لم يزل الامل مُعَلّقا بتأليف كتاب فِي الْمُعَامَلَات الْفِقْهِيَّة يكون مضبوطا سهل المأخذ عَارِيا من الاختلافات حاويا للاقوال المختارة سهل المطالعة على كل اُحْدُ لانه إِذا وجد كتاب على هَذَا الشكل حصل مِنْهُ فَائِدَة عَظِيمَة عَامَّة لكل من نواب الشَّرْع وَمن اعضاء المحاكم النظامية والمأمورين بالادارة فَيحصل لَهُم بمطالعته انتساب إِلَى الشَّرْع ولدى الايجاب تصير لَهُم ملكة بِحَسب الوسع يقتدرون بهَا على التَّوْفِيق مَا بَين الدَّعَاوَى وَالشَّرْع الشريف فَيصير هَذَا الْكتاب مُعْتَبرا مرعي الاجراء فِي المحاكم الشَّرْعِيَّة مغنيا عَن وضع قانون لدعاوى الْحُقُوق الَّتِي ترى فِي المحاكم
стр. 501
النظامية وَمن اجل الْحُصُول على هَذَا المأمول عقدت سَابِقًا جمعية علمية فِي ادارة مجْلِس التنظيمات وحرر حِينَئِذٍ كثير من الْمسَائِل وَلَكِن لم تبرز إِلَى حيّز الْفِعْل فَصدق مَضْمُون قَوْلهم ان الامور مَرْهُونَة لاوقاتها حَتَّى شَاءَ الله تَعَالَى بروز مَا فِي هَذَا الْعَصْر الهمايوني الَّذِي صَار مغبوطا من جَمِيع الاعصار بِظُهُور مثل هَذِه الْآثَار الْخَيْرِيَّة المهمة ولاجل حُصُول هَذَا الامر مَعَ سَائِر الْآثَار الْحَسَنَة الْكَثِيرَة الَّتِي هِيَ من التوفيقات الجليلة السُّلْطَانِيَّة المشهودة بِعَين الافتخار للبرية احيل على عهدتنا مَعَ ضعفنا وعجزنا اتمام هَذَا الْمَشْرُوع الْجَمِيل والاثر الخيري السديد لتحصل بِهِ الْكِفَايَة فِي تطبيق الْمُعَامَلَات الْجَارِيَة على الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة على حسب احتياجات الْعَصْر وبموجب الارادة الْعلية اجْتَمَعنَا فِي دَائِرَة ديوَان الاحكام وبادرنا إِلَى تَرْتِيب مجلة مؤلفة من الْمسَائِل والامور الْكَثِيرَة الْوُقُوع اللَّازِمَة جدا من قسم الْمُعَامَلَات الْفِقْهِيَّة مَجْمُوعَة من اقوال السَّادة الْحَنَفِيَّة الموثوق بهَا وَقسمت إِلَى كتب مُتعَدِّدَة وَسميت بالاحكام العدلية وَبعد ختام الْمُقدمَة وَالْكتاب الاول مِنْهَا اعطيت نُسْخَة مِنْهُمَا لمقام مشيخة الاسلام وَنسخ اخرى لمن لَهُ مهارة وَمَعْرِفَة كَافِيَة فِي علم الْفِقْه من الذوات الفخام ثمَّ بعد اجراء مَا لزم من التَّهْذِيب وَالتَّعْدِيل فِيهَا بِنَاء على بعض ملاحظات مِنْهُم حررت مِنْهَا نُسْخَة وَعرضت على حضرتكم الْعلية والآن حصلت الْمُبَادرَة إِلَى تَرْجَمَة هَذِه الْمُقدمَة وَالْكتاب إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَمَا زَالَ الاهتمام مصروفا إِلَى تأليف بَاقِي الْكتب ايضا فلدى مطالعتكم هَذِه الْمجلة يُحِيط علمكُم العالي بَان الْمقَالة الثَّانِيَة من الْمُقدمَة هِيَ عبارَة عَن الْقَوَاعِد الَّتِي جمعهَا ابْن نجيم وَمن سلك مسلكه من الْفُقَهَاء رَحِمهم الله تَعَالَى فحكام الشَّرْع مَا لم يقفوا على نقل صَرِيح لَا يحكمون بِمُجَرَّد الِاسْتِنَاد إِلَى وَاحِدَة من هَذِه الْقَوَاعِد الا ان لَهَا فَائِدَة كُلية فِي ضبط الْمسَائِل فَمن اطلع عَلَيْهَا من المطالعين يضبطون الْمسَائِل باداتها وَسَائِر المأمورين يرجعُونَ اليها فِي كل خُصُوص وبهذه الْقَوَاعِد يُمكن للانسان تطبيق معاملاته على الشَّرْع الشريف اَوْ فِي الاقل التَّقْرِيب وَبِنَاء على ذَلِك لم تكْتب هَذِه الْقَوَاعِد تَحت عنوان كتب اَوْ بَاب بل ادرجناها فِي الْمُقدمَة والاكثر فِي الْكتب الْفِقْهِيَّة ان تذكر الْمسَائِل مخلوطة مَعَ المبادئ لَكِن فِي هَذِه الْمجلة حرر فِي اول كل كتاب مُقَدّمَة تشْتَمل على الاصطلاحات الْمُتَعَلّقَة بذلك الْكتاب ثمَّ نذْكر بعْدهَا الْمسَائِل الساذجة على التَّرْتِيب ولاجل ايضاح تِلْكَ الْمسَائِل الاساسية ادرج ضمنهَا كثير من
стр. 502
الْمسَائِل المستخرجة من كتب الفتاوي على سَبِيل التَّمْثِيل
ثمَّ ان الاخذ وَالعطَاء الْجَارِي فِي زَمَاننَا اكثره مربوط بِالشُّرُوطِ وَفِي مَذْهَب الْحَنَفِيَّة ان الشُّرُوط الْوَاقِعَة فِي صلب العقد اكثرها مُفسد للْبيع وَمن ثمَّ كَانَ اهم المباحث فِي كتاب الْبيُوع فصل البيع بِالشّرطِ وَهَذَا الامر اوجب مباحثات ومناظرات كَثِيرَة فِي جمعية هَؤُلَاءِ العاجزين وَلذَا رُؤِيَ مناسبا ايراد خُلَاصَة المباحثات الْجَارِيَة فِي ذَلِك على الْوَجْه الْآتِي
فَنَقُول ان اقوال اكثر الْمُجْتَهدين فِي حق البيع بِالشّرطِ يُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا فَفِي مَذْهَب الْمَالِكِيَّة إِذا كَانَت الْمدَّة جزئية وَفِي مَذْهَب الْحَنَابِلَة على الاطلاق يكون للْبَائِع وَحده ان يشرط لنَفسِهِ مَنْفَعَة مَخْصُوصَة فِي الْمَبِيع لَكِن تَخْصِيص البَائِع بِهَذَا الامر دون المُشْتَرِي يرى مُخَالفا للرأي وَالْقِيَاس اما ابْن ابي ليلى وَابْن شبْرمَة مِمَّن عاصروا الامام الاعظم ﵁ وانقرضت اتباعهم فَكل مِنْهُمَا رأى فِي هَذَا الشَّأْن رايا يُخَالف الرَّأْي الآخر فَابْن ابي ليلى يرى ان البيع إِذا دخله أَي شَرط كَانَ فقد فسد البيع وَالشّرط كِلَاهُمَا وَعند ابْن شبْرمَة ان الشَّرْط وَالْبيع جائزان على الاطلاق فمذهب ابْن ابي ليلى يرى مباينا لحَدِيث الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم وَمذهب ابْن شبْرمَة مُوَافق لهَذَا الحَدِيث مُوَافقَة تَامَّة لَكِن الْمُتَبَايعين رُبمَا يشرطان أَي شَرط كَانَ جَائِزا اَوْ غير جَائِز قَابل الاجراء اَوْ غير قَابل وَمن الامور الْمسلمَة عِنْد الْفُقَهَاء ان رِعَايَة الشَّرْط انما تكون بِقدر الامكان فمسالة الرِّعَايَة للشّرط قَاعِدَة تقبل التَّخْصِيص وَالِاسْتِثْنَاء وَلذَا اتخذ طَرِيق متوسط عِنْد الْحَنَفِيَّة وَذَلِكَ ان الشَّرْط يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة اقسام شَرط جَائِز وَشرط مُفسد وَشرط لَغْو بَيَان هَذَا ان الشَّرْط الَّذِي لَا يكون من مقتضيات عقد البيع وَلَا مِمَّا يُؤَيّدهُ وَفِيه نفع لَاحَدَّ الْمُتَعَاقدين مُفسد وَالْبيع الْمُعَلق بِهِ يكون فَاسِدا وَالشّرط الَّذِي لَا نفع فِيهِ لَاحَدَّ الْعَاقِدين لَغْو وَالْبيع الْمُعَلق بِهِ صَحِيح لَان الْمَقْصُود من البيع وَالشِّرَاء التَّمْلِيك والتملك أَي ان يكون البَائِع مَالِكًا للثّمن وَالْمُشْتَرِي مَالِكًا للْمَبِيع بِلَا مُزَاحم وَلَا ممانع وَالْبيع الْمُعَلق بِهِ نفع لَاحَدَّ الْمُتَعَاقدين يُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازعَة لَان الْمَشْرُوط لَهُ النَّفْع يطْلب حُصُوله وَالْآخر يُرِيد الْفِرَار مِنْهُ فَكَانَ البيع لَا يتم لَكِن بِمَا ان الْعرف وَالْعَادَة قَاطع للمنازعة جوز البيع مَعَ الشَّرْط الْمُتَعَارف على الاطلاق اما الْمُعَامَلَات التجارية فَهِيَ من اصلها فِي حَال مُسْتَثْنى كَمَا تقدم واكثر
стр. 503
ذَوي الْحَرْف والصنائع قد تعارفوا على مُعَاملَة مَخْصُوصَة تقررت بَينهم وَالْعرْف الطَّارِئ مُعْتَبر فَلَا يبْقى مَا يُوجب الْبَحْث الا بعض شُرُوط خَارِجَة عَن الْعرف وَالْعَادَة تشْتَرط فِي الْمُعَامَلَات المتفرقة فِي الاخذ وَالعطَاء وَلَيْسَ لهَذِهِ الْمُعَامَلَات شَأْن يُوجب الاعتناء بالبحث عَنْهَا فَمَا مست الْحَاجة فِي تيسير معاملات الْعَصْر إِلَى اخْتِيَار قَول ابْن شبْرمَة الْخَارِج عَن مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَلِهَذَا حصل الِاكْتِفَاء بِذكر الشُّرُوط الَّتِي لَا تفْسد البيع عِنْد الْحَنَفِيَّة فِي الْفَصْل الرَّابِع من الْبَاب الاول كَمَا وَقع فِي سَائِر الْفُصُول قد ذكر فِي الْمَادَّة السَّابِعَة وَالتسْعين بعد الْمِائَة والمادة الْخَامِسَة بعد الثَّمَانِينَ انه لَا يَصح بيع الْمَعْدُوم وَالْحَال ان مَا كَانَ مثل الْورْد والخرشوم من الازهار والخضروات والفواكه الَّتِي يتلاحق ظُهُور محصولاتها يَصح فِيهِ البيع إِذا كَانَ بعض محصولاتها ظهر وَبَعضهَا لم يظْهر لانه لما كَانَ ظُهُور محصولاتها دفْعَة وَاحِدَة غير مُمكن وانما تظهر افرادها وتتناقص شَيْئا بعد شَيْء اصْطلحَ النَّاس فِي الْعَامِل على بيع جَمِيع محصولاتها الْمَوْجُودَة والمتلاحقة بصفقة وَاحِدَة وَلذَا جوز الامام مُحَمَّد بن حُسَيْن الشَّيْبَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا البيع اسْتِحْسَانًا وَقَالَ اجْعَل الْمَوْجُود اصلا والمعدوم تبعا لَهُ وافتى بقوله الامام الفضلي وشمس الائمة الْحلْوانِي وابو بكر بن فضل رَحِمهم الله تَعَالَى وَحَيْثُ ان ارجاع النَّاس من عَادَتهم الْمَعْرُوفَة عِنْدهم غير مُمكن كَمَا ان حمل معاملتهم بِحَسب الامكان على الصِّحَّة اولى من نسبتها إِلَى الْفساد وَقع الِاخْتِيَار لترجيح قَول مُحَمَّد ﵀ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا هُوَ مندرج فِي الْمَادَّة السَّابِعَة بعد الْمِائَتَيْنِ
وَفِي بيع الصُّبْرَة كل مد بِكَذَا عِنْد الامام الاعظم ﵁ يَصح البيع فِي مد وَاحِد فَقَط وَعند الامامين رحمهمَا الله تَعَالَى يَصح فِي جَمِيع الصُّبْرَة فمهما بلغت الصُّبْرَة يَأْخُذهَا المُشْتَرِي وَيدْفَع ثمنهَا بِحِسَاب الْمَدّ بِسعْر مَا جرى عَلَيْهِ العقد وَحَيْثُ ان كثيرا من الْفُقَهَاء مثل صَاحب الْهِدَايَة قد اخْتَارُوا قَول الامامين فِي ذَلِك تيسيرا لمعاملات النَّاس حررت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْمَادَّة الْعشْرين بعد الْمِائَتَيْنِ على مُقْتَضى قَوْلهمَا واكثر مُدَّة خِيَار الشَّرْط عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى ثَلَاثَة ايام وَعند الامامين تكون الْمدَّة على قدر ماشرط المتعاقدان من الايام وَلما كَانَ قَوْلهمَا هُنَا ايضا اوفق للْحَال والمصلحة وَقع عَلَيْهِ الِاخْتِيَار وَذكر بِدُونِ مُدَّة الايام الثَّلَاثَة فِي الْمَادَّة الثلاثمائة وَهَذَا الْخلاف جَار ايضا فِي خِيَار النَّقْد الا ان عدم تَقْيِيد الْمدَّة
стр. 504
بِثَلَاثَة ايام وَصِحَّة تقييدها باكثر من ذَلِك هُوَ قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فَقَط وانما اختير قَوْله فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ايضا مُرَاعَاة لمصْلحَة النَّاس كَمَا ذكر فِي الْمَادَّة الثَّالِثَة عشرَة بعد الثلاثمائة
وَعند الامام الاعظم ان المستصنع لَهُ الرُّجُوع بعد عقد الاستصناع وَعند الامام ابي يُوسُف ﵀ انه إِذا وجد الْمَصْنُوع مُوَافقا للصفات الَّتِي بيّنت وَقت العقد فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع وَالْحَال انه فِي هَذَا الزَّمَان قد اتَّخذت معامل كَثِيرَة تصنع فِيهَا المدافع والبواخر الفابورات وَنَحْوهَا بالمقاولة وَبِذَلِك صَار الاستصناع من الامور الْجَارِيَة الْعَظِيمَة فتخيير المستصنع فِي امضاء العقد اَوْ فَسخه يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الاخلال بمصالح جسيمة وَحَيْثُ ان الاستصناع مُسْتَند إِلَى التعارف وَمقيس على السّلم الْمَشْرُوع على خلاف الْقيَاس بِنَاء على عرف النَّاس لزم اخْتِيَار قَول ابي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذَا مُرَاعَاة لمصْلحَة الْوَقْت كَمَا حرر فِي الْمَادَّة الثَّانِيَة وَالتسْعين بعد الثلاثمائة من هَذِه الْمجلة
فَإِذا امْر امام الْمُسلمين بتخصيص الْعَمَل بقول من الْمسَائِل الْمُجْتَهد فِيهَا تعين وَوَجَب الْعَمَل بقوله وَإِذا صَارَت هَذِه المعروضات المبسوطة لَدَى حضرتكم الْعلية قرينَة التصويب يجرى توشيح اعلى الْمجلة الملفوفة بالخط الشريف الهمايوني والامر لوَلِيّ الامر
نَاظر ديوَان الاحكام العدلية احْمَد جودت مفتش الاوقاف الهمايونية السَّيِّد خَلِيل من اعضاء شُورَى الدولة سيف الدّين من اعضاء ديوَان الاحكام العدلية السَّيِّد احْمَد حلمي من اعضاء ديوَان الاحكام العدلية
стр. 505
السَّيِّد احْمَد خلوصي من اعضاء شُورَى الدولة مُحَمَّد امين الجندي من اعضاء الجمعية عَلَاء الدّين بن ابْن عابدين
هَذَا وَمن جِهَة الامور الْمُتَعَلّقَة بالامارات الممتازة فقد ابتدأت دسائس جمعيات الصقالية فِي بِلَاد البلغار الْوَاقِعَة بَين نهر الطونه وجبال البلقان لسلخها عَن الدولة وَكَذَلِكَ فِي ولايتي البوسنة والهرسك بِدَعْوَى الِاشْتِرَاك مَعَ الروسيين فِي الْجِنْس وَالدّين وَكَانَت رومانيا من اقوى المساعدين لهَذِهِ الجمعيات فَكَانَت تأوي اليها العصب المتسلحة وتشن الْغَارة على بِلَاد البلغار لتحريضهم على الْعِصْيَان وَطلب الِاسْتِقْلَال لَكِن لم تمتد بهَا الْفِتَن بل كَانَ يطفأ شِرَارهَا اولا بِأول قبل ان يصير لهبا بهمة احْمَد مدحت باشا الشهير وَالِي هَذَا الاقليم وَكَذَلِكَ الْحَال فِي بِلَاد البوسنة والهرسك
اما قطرنا الْمصْرِيّ السعيد فَحصل على جملَة امتيازات فِي عهد السُّلْطَان عبد الْعَزِيز لما كَانَ بَينه وَبَين اسماعيل باشا من الروابط الخصوصية وَمَا كَانَ لَهُ بَين حَاشِيَة السُّلْطَان ووزرائه من المساعدين جعلت ولَايَة مصر خديوية بِمُقْتَضى فرمان تَارِيخه ٥ ربيع الاول سنة ١٢٨٤ ٧ يوليو ١٨٦٧
الفرمان الشَّامِل لجَمِيع امتيازات الخديوية المصرية
وَفِي سنة ١٢٨٣ غيرت طَريقَة التَّوَارُث فِي الخديوية المصرية وحصرت فِي ذُرِّيَّة اسماعيل باشا الْمَذْكُور ثمَّ فِي سنة ١٢٨٩ اعطيت لَهُ عدَّة امتيازات جَدِيدَة وَفِي ١٣ ربيع الآخر سنة ١٢٩٠ ١٠ يونيو سنة ١٨٧٣ ارسل اليه فرمان جَدِيد شَامِل لجَمِيع امتيازات مصر وَكَيْفِيَّة التَّوَارُث فِي منصب الخديوية ولكونه جَامعا لكافة مَا سبق آثرنا نشره حرفيا اكْتِفَاء بِهِ عَن بَاقِي الفرمانات السَّابِقَة الدَّاخِلَة مَعْنَاهَا ضمن هَذَا الفرمان وَهَا هُوَ
فَمن الْمَعْلُوم لديكم انكم استدعيتم منا جمع الخطوط الهمايونية والاوامر الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة الَّتِي صدرت مُنْذُ تَوْجِيه الخديوية الجليلة بطرِيق التَّوَارُث إِلَى
стр. 506
عُهْدَة وَالِي مصر الاسبق مُحَمَّد عَليّ باشا المرحوم إِلَى يَوْمنَا هَذَا سَوَاء كَانَت بِخُصُوص تَعْدِيل توارث الخديوية المصرية اَوْ بِخُصُوص اعطاء بعض امتيازات حَسْبَمَا استوجبها موقع الخديوية وامزجة الاهالي وطبائعها الخصوصية وَجعلهَا فرمانا وَاحِدًا مَعَ التعديلات اللَّازِمَة فِي احكامها والتفصيلات الْمُقْتَضِيَة فِي عباراتها بِشَرْط ان يكون هَذَا الفرمان الْجَدِيد قَائِم مقَام الفرمانات السَّابِقَة وان تكون الاحكام المندرجة فِيهَا مَعْمُولا بهَا ومرعية الاجراء على الدَّوَام والاستمرار فقد قورن استدعاؤكم هَذَا بمساعدتنا الجليلة وَهَا نَحن نذْكر ونبين لكم احكامها على الْوَجْه الْآتِي
لما تحقق لدينا ان تَعْدِيل اصول توارث الخديوية المصرية الَّتِي صَار تَعْيِينهَا بالفرمان العالي الصَّادِر فِي الْيَوْم الثَّانِي من شهر ربيع الاول من شهور سنة ١٢٥٧ ٢٦ مارس ١٨٤١ الموشح اعلاه بالخط الهمايوني وتبديلها باصول حصر الوراثة الخديوية فِي اكبر اولاد خديو مصر بطرِيق سلسلة النّسَب الْمُسْتَقيم بَان يصير تَخْصِيص مُسْند الخديوية الْجَلِيل وتوجيهه إِلَى اكبر اولاد الخديو الذُّكُور وَبعده إِلَى اكبر اولاد هَذَا الاكبر الذُّكُور وَهَكَذَا على النّسَب الْمُسْتَقيم الذكوري على الدَّوَام يكون مستلزما لحسن ادارة الخديوية المصرية وجالبا لاستكمال سَعَادَة احوال اهاليها وسكانها هَذَا مَعَ ماحصل لدينا من اسْتِحْسَان مساعيكم الجميلة المصروفة فِي استحصال معمورية الاقطار المصرية المهمة الجسيمة ورفاهية اهاليها وَحُصُول وثوقنا بكم واعتمادنا الْكَامِل عَلَيْكُم فلاجل ان يكون دَلِيلا باهرا على ذَلِك قد اجرينا تَعْدِيل توارث الخديوية المصرية وَتَعْيِين وصايتها على الطَّرِيق الْآتِي بَيَانهَا وَهِي ان خديوية مصر الجليلة وملحقاتها وجهاتها الْمَعْلُومَة الْجَارِيَة ادارتها بمعرفتها مَعَ مَا صَار الحاقها بهَا اخيرا من قائمقاميتي سواكن ومصوع وملحقاتهما يصير توجيهها بعدكم على الطَّرِيق الْمَار ذكرهَا إِلَى اكبر اولادكم الذُّكُور وَبعده إِلَى اكبر اولاد من يكون خديويا على الاقطار المصرية من اولادكم وَإِذا انْحَلَّت الخديوية المصرية
стр. 507
بَان لَا يكون للخديو ولد ذكر يصير توجيهها إِلَى اكبر اخوته الذُّكُور وَإِذا لم يُوجد لَهُ اخ بِقَيْد الْحَيَاة فالى اكبر اولاد الاخ وَهَكَذَا تتَّخذ هَذِه الاصول قانونا مستمرا وَقَاعِدَة مرعية ابدية فِي توارث الخديوية المصرية وَلَا يصير انْتِقَال الوراثة الخديوية إِلَى الاولاد الذُّكُور المتولدة من اولادكم الاناث اصلا
ولاجل تامين اصول توارث الخديوية المصرية سنذكر صُورَة تشكيل الْوِصَايَة الْمُقْتَضِيَة فِي ادارة امور الخديوية فِيمَا إِذا انْحَلَّت الخديوية وَكَانَ الْوَارِث الَّذِي هُوَ اكبر اولادكم الذُّكُور صَغِيرا وصبيا وَهِي ان الخديوية المصرية إِذا انْحَلَّت وَكَانَ اكبر اولادكم الذُّكُور اعني الْوَارِث صَغِيرا وصبيا بَان يكون عمره اقل من ثَمَانِيَة عشر سنة وَلَو انه يصير خديو بِالْفِعْلِ حسب اسْتِحْقَاق الوراثة فَفِي الْحَال يصدر فرمان من طرف السلطنة السّنيَّة بتوليته على الخديوية لَكِن إِذا كَانَ الخديو السالف عين وَنصب وَصِيّا ورتب هَيْئَة وصاية لاجل ادارة امور الخديوية لحين بُلُوغ الخديو اللَّاحِق الصَّبِي إِلَى سنّ الثَّامِن عشرَة سنة وَكتب سَنَد وصاية بذلك وَختم عَلَيْهِ هُوَ وَختم ايضا اثْنَان من الامراء المصرية المأمورين باحدى المأموريات المصرية على طَرِيق الاشهاد واجراء الْوِصَايَة هَكَذَا فالوصي مَعَ هَيْئَة الْوِصَايَة الْمَذْكُورَة ياخذ بزمام الادارة فِي الْحَال وَبعد ذَلِك تعرض الْكَيْفِيَّة إِلَى الْبَاب العالي وَيصير التَّصْدِيق على ذَلِك الْوَصِيّ وهيئة الْوِصَايَة من طرف الدولة الْعلية بفرمان عَال وَيبقى الْوَصِيّ وهيئة الْوِصَايَة على مَا هم عَلَيْهِ لحين الْبلُوغ واما إِذا انْحَلَّت الخديوية وَلم يعين الخديو السالف وَصِيّا وَلم يرتب هَيْئَة الْوِصَايَة على الْوَجْه الْمَذْكُور تتشكل هَيْئَة الْوِصَايَة من الذوات المأمورين على الداخلية والجهادية والمالية والخارجية ومجلس الاحكام المصرية وسردارية العساكر المصرية وتفتيش الاقاليم وَيصير انتخاب وَصِيّ فِي الْحَال من هَؤُلَاءِ المأمورين على الْوَجْه الْآتِي وَهُوَ أَنه فِي تِلْكَ السَّاعَة تصير المذاكرة والمداولة مَا بَين هَؤُلَاءِ الذوات فِي حق انتخاب وَصِيّ مِنْهُم فغذا حصل اتِّفَاقهم اَوْ اتِّفَاق اكثرية آرائهم على تَسْمِيَة وَجعل ذَات مِنْهُم وَصِيّا يتَعَيَّن ذَلِك الذَّات وَصِيّا على الخديوية وَإِذا اخْتلفت الآراء بَان رغب نصفهم فِي تعْيين ذَات وَالنّصف الآخر فِي تعْيين ذَات آخر يكون اجراء وصاية الذَّات الْمَأْمُور
стр. 508
على المأمورية المهمة والمقدمة فِي الذّكر من تِلْكَ المأموريات اعني الْمَأْمُور على المأمورية الْمُقدم ذكرهَا على التَّرْتِيب الْمُحَرر آنِفا من الداخلية إِلَى آخِره وتتشكل هَيْئَة الْوِصَايَة من الذوات الْبَاقِيَة بعده ويباشرون ادارة الامور الخديوية مَعَ الْوَصِيّ وَتعرض الْكَيْفِيَّة بمضبطة من طرفهم إِلَى طرف سلطنتنا السّنيَّة وَيصير التَّصْدِيق عَلَيْهَا بالفرمان الشريف وكما انه لَا يجوز تَبْدِيل الْوَصِيّ وتغيير هَيْئَة الْوِصَايَة قبل ختام مدَّتهَا فِي الصُّورَة الاولى اعني فِيمَا إِذا كَانَ تعْيين الْوَصِيّ وترتيب الْوِصَايَة وتركيب اعضائها بِمَعْرِِفَة الخديو السالف فَكَذَلِك فِي الصُّورَة الثَّانِيَة اعني فِيمَا إِذا كَانَ انتخاب الْوَصِيّ بِمَعْرِِفَة المأمورين الْمَذْكُورين لَا يجوز تَبْدِيل الْوَصِيّ وَلَا تَغْيِير هَيْئَة الْوِصَايَة وَلَا اعضائها فِي تِلْكَ الْمدَّة وَإِذا توفّي اُحْدُ من اعضاء هَيْئَة الْوِصَايَة فِي ظرف تِلْكَ الْمدَّة يصير انتخاب وَاحِد من المأمورين المصرية بِمَعْرِِفَة البَاقِينَ وتعيينه بدل المتوفي وَإِذا توفى الْوَصِيّ فِي تِلْكَ الْمدَّة يصير انتخاب وَاحِد من اعضاء هَيْئَة الْوِصَايَة بمعرفتهم على الْوَجْه السَّابِق وَجعله وَصِيّا وانتخاب وَاحِد من المأمورين المصرية والحاقه باعضاء هَيْئَة الْوِصَايَة بدل الَّذِي نصب وَصِيّا وبمجرد بُلُوغ الخديو الصَّبِي إِلَى سنّ الثَّامِن عشرَة سنة صَار رشيدا وفاعلا مُخْتَارًا فيباشر هُوَ بِنَفسِهِ ادارة امور الخديوية المصرية مثل سلفه وَهَذَا حَسْبَمَا تقرر لدينا واقتضته ارادتنا الملوكية
وَلما كَانَ تزايد عمرَان الخديوية المصرية وسعادة حَالهَا وتأمين رفاهية الاهالي والسكان وراحتها من اهم الْموَاد الملتزمة المرغوبة لدينا وادارة المملكة الملكية والمالية ومنافعها المادية وَغَيرهَا المتوقف عَلَيْهَا تأسيس واستكمال وَسَائِل الرَّفَاهِيَة واسبابها عَائِدَة على الْحُكُومَة المصرية فَنَذْكُر بَيَان كَيْفيَّة تَعْدِيل الامتيازات وتوضيحها بِشَرْط بَقَاء كَافَّة الامتيازات المعطاة قَدِيما وحديثا من طرف الدولة الْعلية إِلَى الْحُكُومَة المصرية واستمرار جريانها خلفا عَن سلف وَتلك الْكَيْفِيَّة هِيَ انه لما كَانَت ادارة المملكة بِكُل الصُّور والحالات سَوَاء كَانَت ادارتها الملكية اَوْ الْمَالِيَّة اَوْ كَافَّة مَنَافِعهَا المادية وَغَيرهَا هِيَ من الْموَاد العائدة على الْحُكُومَة المصرية والمتعلقة بهَا وَمن الْمَعْلُوم ان امْر ادارة أَي مملكة كَانَت وَحسن انتظامها وتزايد معموريتها وثروة اهاليها وسكانها ر يَتَيَسَّر الا بِتَوْفِيق معاملاتها وتطبيق اجراءآتها العمومية بالاحوال
стр. 509
والمواقع وامزجة الاهالي وطبائعها فقد اعطينا لكم الرُّخْصَة الْكَامِلَة فِي اعمال قوانين ونظامات داخلية على حسب لُزُوم المملكة وَكَذَا لاجل تسهيل تمشية وتسوية كَافَّة الْمُعَامَلَات سَوَاء أَكَانَت من طرف الْحُكُومَة اَوْ من طرف الاهالي مَعَ الاجانب وترقي وَتوسع الصَّنَائِع والحرف وامور التِّجَارَة وامور الضبطية مَعَ الاجانب قد اعطينا لكم الرُّخْصَة الْكَامِلَة فِي عقد وتحديد المقاولات المعاهدات مَعَ مأموري الدولة الاجنبية فِي حق الكمرك وامور التِّجَارَة وكافة الْمُعَامَلَات الْجَارِيَة مَعَ الاجانب فِي امور المملكة الداخلية وَغَيرهَا بِصُورَة لَا تَسْتَلْزِم اخلال معاهدات الدولة الْعلية البولتيقية السياسية وَكَذَا لكَون خديو مصر حائز التَّصَرُّفَات الْكَامِلَة فِي الامور الْمَالِيَّة قد صَار اعطاء المأذونية التَّامَّة لَهُ فِي عقد استقراض من الْخَارِج بِلَا اسْتِئْذَان من الدولة الْعلية فِي أَي وَقت يرى فِيهِ لُزُوم للاستقراض بِشَرْط ان يكون باسم الْحُكُومَة المصرية وَكَذَا لكَون امْر مُحَافظَة وصيانة المملكة الَّذِي هُوَ الامر المهم والمعتنى بِهِ زِيَادَة عَن كل شَيْء من اقدم الْوَظَائِف المختصة بخديو مصر فقد اعطيت لَهُ الرُّخْصَة الْكَامِلَة فِي تدارك كَافَّة اسباب الْمُحَافظَة وتأسيسها وتنظيمها بِنِسْبَة الجاءآت الزَّمن والموقع وَكَذَا فِي تَكْثِير اَوْ تقليل مِقْدَار العساكر المصرية الشاهانية بِلَا تَحْدِيد على حسب الايجاب واللزوم وَكَذَا ابقينا لخديو مصر الامتياز الْقَدِيم فِي حق اعطاء رُتْبَة اميرالاي من الرتب العسكرية واعطاء رُتْبَة ثَانِيَة من الرتب الديوانية بِشَرْط ان المسكوكات الْجَارِي ضربهَا بِمصْر تكون باسمنا الملوكي وان تكون اعلام وصناجق العساكر الْبَريَّة والبحرية الْمَوْجُودَة فِي الخطة المصرية كأعلام وصناجق سَائِر عساكرنا الشاهانية بِلَا فرق وبشرط عدم انشاء سفن زرخ أَي مدرعة بالحديد فَقَط بِدُونِ اسْتِئْذَان لَا غَيرهَا من السفن الحربية فانها جَائِز انشاؤها بِلَا اسْتِئْذَان ولاجل اعلان الْموَاد المشروحة اعلاه وتأييدها اصدرنا لكم امرنا هَذَا الْجَلِيل الْقدر من ديواننا الهمايوني بِمُقْتَضى ارادتنا الملوكية وَصَارَ توشيح اعلاه بخطنا الهمايوني واعطاؤه لكم متمما ومكملا ومصرحا لِلْخُطُوطِ الهمايونية والاوامر الشَّرِيفَة الصادرة لحد هَذَا التَّارِيخ سَوَاء كَانَ فِي
стр. 510
تأسيس وترتيب وراثة الْحُكُومَة المصرية اَوْ فِي تشكيل هَيْئَة الْوِصَايَة اَوْ فِي ادارة الامور الملكية والعسكرية والمالية وَالْمَنَافِع المادية والمواد السائرة بِشَرْط ان تكون الاحكام المندرجة بِهَذَا الفرمان الجديدة نَافِذَة وباقية ومرعية الاجراء على ممر الزَّمَان وقائمة مقَام احكام الفرمانات السالفة على مَا اقتضته ارادتنا الملوكية فَيلْزم ان تعلمُوا قدر لطف عنايتنا الملوكية واداء شكرها بِصَرْف جلّ هممكم فِي حسن ادارة امور الخطة المصرية واستكمال اسباب وقاية امنية الاهالي المنوطة بهَا واستحصال راحتهم على حسب مَا جبلتم عَلَيْهِ من الشيم المرغوبة والغيرة والاستقامة وَمَا اكتسبتموه من الْوُقُوف والمعلومات فِي احوال تِلْكَ الحوالي والاقطار وان تراعوا اجراء الشُّرُوط المقررة فِي هَذَا الفرمان الْجَدِيد واداء الْمِائَة وَخمسين الف كيسة الَّتِي هِيَ ويركو مصر الْمَقْطُوع سنويا باوقاتها وزمانها إِلَى خزينتنا الجليلة الشاهانية على التَّرْتِيب وَالْقَاعِدَة المرعية فِي ذَلِك تحريرا فِي سنة ١٢٩٠ ١٨٧٣ هـ
ثمَّ وهب جلالة السُّلْطَان الاعظم إِلَى جناب خديو مصر مَدِينَة زيلع وملحقاتها التابعة للواء الحديدة واصدر لَهُ فرمانا بذلك فِي ٢٧ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٢ هجرية وَذَلِكَ بِخِلَاف قائمقاميتي سواكن ومصوع المذكورتين فِي الفرمان السَّابِق
علاقات تونس مَعَ الدولة الْعلية
وَمِمَّا يذكر من اعمال السُّلْطَان عبد الْعَزِيز الماثورة توثيقه ربط التّبعِيَّة بَين ايالة تونس والخلافة الاسلامية العثمانية ليثبت حُقُوق الدولة عَلَيْهَا وَذَلِكَ انه لما بلغ مسامع جلالته ان بعض الدول تطمح إِلَى الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا فاراد ﵀ ان يُؤَيّد حُقُوق دولته عَلَيْهَا جهارا ليرتدع من ينظر اليها بِسوء اذ تصير جُزْءا من ممالكه المحروسة الَّتِي تعهدت الدول بصيانتها فِي معاهدة باريس المبرمة فِي سنة ١٨٥٦ م فارسل هَذَا الفرمان مؤرخا فِي ٩ شعْبَان سنة ١٢٨٨ هـ ٢٤ اكتوبر سنة ١٨٧١ م لَكِن لم يمْنَع ذَلِك الْحُكُومَة الفرنساوية من دُخُولهَا بخيلها ورجالها واشهار حمايتها
стр. 511
عَلَيْهَا سنة ١٨٨١ اذ لَا قيمَة للحقوق فِي عصرنا هَذَا الموسوم بعصر التمدن وَالْحريَّة وَهَا هُوَ بِحُرُوفِهِ نقلا عَن الرائد التّونسِيّ اردنا دَرَجه فِي هَذَا الْكتاب افحاما لاشياع فرنسا فِي هَذِه الديار الَّذين يدعونَ ان فرنسا لم تهتضم للدولة الْعلية حقوقا بِرَفْع حمايتها على الايالة التونسية بِدَعْوَى انها لم تكن تَابِعَة لَهَا مُطلقًا
الدستور المكرم المشير المفخم نظام الْعَالم مُدبر امور الْجُمْهُور بالفكر الثاقب متمم مهمات الانام بالراي الصائب ممهد بُنيان الدولة والاقبال مشيد اركان السعاده والاجلال المحفوف بصنوف عواطف الْملك الاعلى الْوَالِي بتونس الان الْحَائِز الْحَامِل للنيشان المجيدي الشريف من رتبته الاولى مَعَ النيشان الهمايوني العثماني المرصع وزيري مُحَمَّد الصَّادِق باشا ادام الله تَعَالَى اجلاله امين
ليَكُون مَعْلُوما عِنْد مَا يصل توقيعي الرفيع الهمايوني انه مُنْذُ وجهت واودعت من جَانب سلطنتنا السّنيَّة ادارة الايالة التونسية الَّتِي هِيَ من ممالك دولتنا الْعلية المحروسة المتوارثة إِلَى عهدتك ذَات اللياقة والاهلية كَمَا وجهت سَابِقًا إِلَى عُهْدَة اسلافك لم تزل تظهر حسن السِّيرَة والخدمة وتنهي إِلَى طرفنا الملوكي الاشرف خلوص النِّيَّة والاستقامة حَتَّى صَار ذَلِك قرينا لعلمنا المضيء بالعالم فمأمولنا السلطاني على مُقْتَضى الشيم المرضية الَّتِي جبلت عَلَيْهَا هُوَ الدَّوَام فِي ذَلِك المسلك المرضي وَالْجد وَالِاجْتِهَاد فِي كل مَا ينمي عمرَان مملكتنا الشاهانية وسعادة اهاليها تبعة دولتنا الْعلية ورفاهيتهم وراحتهم حَتَّى تستديم بذلك اسْتِحْقَاق عنايتي الشاهانية واعتمادي السلطاني المبذولين فِي حَقك آنا فآنا وتعرف قدر تِلْكَ الْعِنَايَة والاعتماد وتشكرهما وَلما كَانَ الْمَقْصُود الاصلي وَالْمرَاد الْقطعِي لسلطنتنا السّنيَّة هُوَ ارتقاء طمأنينة الايالة المهمة الراجعة لدولتنا الْعلية ونمو عمرانها وتأسيس ابنية الامن والراحة لسكانها يَوْمًا فيوما وَكَانَ من البديهيات ان السلطنة العزيزة لَا يعزها وَلَا يؤيدها الا صرف الهمة والعناية العائدة إِلَى حُقُوقهَا الاصلية لتَمام استحصال هاته المطالب وَورد الطّلب المندرج بكتابك الْمَخْصُوص الموجه من طرفك اخيرا إِلَى جَانب الْخلَافَة الْعلية قررت وابقيت ايالة تونس المحدودة بحدودها الْقَدِيمَة
стр. 512
الْمَعْلُومَة بعهدتك بِضَم امتياز الوراثة وبالشرائط الْآتِيَة وَحَيْثُ ان مرغوبنا السلطاني على مَا تقدم بَيَانه انما هُوَ تزايد عمرَان تِلْكَ المملكة الشاهانية وثروة اهاليها وَهِي الْآن فِي حَالَة مضايقة وَتَأَخر فِي الواردات لكل من الْحُكُومَة والاهالي قد سمحت السلطنة السّنيَّة بِعَدَمِ ارسال مَا كَانَ يُرْسل باسم مَعْلُوم من الايالة لطرف دولتنا الْعلية بِمُوجب التّبعِيَّة المقررة الْمَشْرُوعَة رَحْمَة لاهالي تِلْكَ الايالة وَلما كَانَت الايالة الْمشَار اليها من الاجزاء المتممة لممالكنا الملوكية صدرت ارادتنا السّنيَّة بَان يكون الْوَالِي بتونس مرخصا لَهُ فِي تَوْلِيَة المناصب الشَّرْعِيَّة والعسكرية المدنية والمالية والسياسية لمن يكون متأهلا لَهَا وَفِي الْعَزْل عَنْهَا بِمُقْتَضى قوانين الْعدْل وَفِي اجراء الْمُعَامَلَات الْمَعْلُومَة مَعَ الدول الاجنبية كَمَا كَانَت سَابِقًا فِيمَا عدا الْموَاد السياسية العائدة إِلَى حقوقنا المقدسة الملوكية ونعني بهَا مَا كَانَ كعقد الشُّرُوط الْمُتَعَلّقَة باصول السياسة وَالْحَرب وتغيير الْحُدُود وَنَحْوهَا مِمَّا يكون اجراؤه رَاجعا إِلَى حُقُوق سلطنتنا السّنيَّة وَعند حُلُول الْقدر المحتوم فِي الْولَايَة وَتَقْدِيم المعروض بِطَلَب الفرمان الشريف من الْوَارِث الاكبر من عائلتك لطرف سلطنتنا السّنيَّة يُرْسل لَهُ الفرمان الشريف مَعَ منشور الوزارة والمشيرية الهمايوني كَمَا اسْتمرّ الْعَمَل بذلك إِلَى الْآن بِشُرُوط ان تستمر الْخطْبَة باسمنا السلطاني وتزين بِهِ السِّكَّة الَّتِي تضرب هُنَاكَ عَلامَة علنية للارتباط الْقَدِيم الشَّرْعِيّ لايالة تونس بمقام الْخلَافَة الْجَلِيل وان يبْقى السنجق على لَونه وشكله وَمهما وَقع حَرْب لسلطنتنا السّنيَّة مَعَ اجنبي يُرْسل الْعَسْكَر من تِلْكَ الايالة الشاهانية بِقدر الِاسْتِطَاعَة طبق مَا جرت بِهِ الْعَادة الْقَدِيمَة فِي الْجَمِيع وَمَعَ تِلْكَ الْموَاد يكون امْر الْولَايَة بطرِيق الوراثة مَخْصُوصًا بعائلتك على ان تبقى سَائِر الْمُعَامَلَات الارتباطية مَعَ دولتنا الْعلية جَارِيَة مرعية كَمَا كَانَت سَابِقًا وان تجْرِي الادارة الداخلية لتِلْك الايالة مُطَابقَة للشَّرْع وموافقة لقوانين الْعدْل الَّتِي يقتضيها الْوَقْت وَالْحَال الكافلة بتأمين السكان فِي النَّفس وَالْعرض وَالْمَال فَاعِلا لما ذكر اصدر هَذَا الفرمان الشريف الْجَلِيل الْقدر من ديواننا الهمايوني وارسل موشحا اعلاه بخطنا الميمون السلطاني فخلاصة نياتنا الشاهانية انما هِيَ اصلاح حَالَة تِلْكَ المهمة وَمَا لآل بَيتكُمْ وتقوية ذَلِك حَالا ومالا واستكمال اسباب السَّعَادَة والرفاهية والامنية لصنوف تبعتنا المستظلين بِظِل عدلنا السلطاني ومامولنا
стр. 513
الْقطعِي الملوكي ان يبْذل من جهتك الْجهد فِي حُصُول مَا ذكر ثمَّ حَيْثُ كَانَ تَمام الْمُحَافظَة على حُقُوق سلطنتنا السّنيَّة المحققة بتونس من قديم الازمان وعَلى امنية الاهالي القاطنين بِتِلْكَ الايالة المودعة بعهدة صداقتك من حَيْثُ النَّفس وَالْعرض وَالْمَال وَسَائِر الْحُقُوق العمومية شَرَائِط امتياز الوراثة الاساسية المقررة فَيَقْتَضِي ان تتأكد محافظتها عَن تطرق الْخلَل دَائِما سرمدا ويتباعد عَن وُقُوع الْخلَل وَالْحَرَكَة على خلَافهَا إِذا علمت ذَلِك فَلَا بُد ان تعرف انت وَمن يُقَام فِي امْر الْولَايَة بالتوارث من اعضاء عائلتك قدر هاته النِّعْمَة الْعلية الشاهانية وتشكروها فعلى ذَلِك تسْعَى لتَحْصِيل رضاي السلطاني بالغيرة ومزيد الاهتمام باجراء هَذِه الشُّرُوط المؤسسة حرر فِي الْيَوْم التَّاسِع من شهر شعْبَان الْمُعظم سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ والف اه
هَذَا وَمن اراد الْوُقُوف على علاقات الايالة التونسية مَعَ الدولة الْعلية العثمانية فَليُرَاجع الْجُزْء الاول وَالثَّالِث من = كتاب صفوة الِاعْتِبَار تاليف الشَّيْخ مُحَمَّد بيرم اما نَحن فقد اكتفينا بِنَقْل صُورَة فرمان ٩ شعْبَان سنة ١٢٨٨ السالف الذّكر نقلا عَن منتخبات الجوائب واللائحة المؤرخة ١٠ مايو سنة ١٨٨١ الَّتِي ارسلها الْبَاب العالي إِلَى سفرائه لَدَى الدول الاوربية احتجاجا على احتلال فرنسا لتونس وَذَلِكَ نقلا عَن = كتاب صفوة الِاعْتِبَار وَإِلَيْك نَص تعريبها
الْقُسْطَنْطِينِيَّة ١٠ مايو سنة ١٨٨١ ان اعلاماتي الْمُخْتَلفَة عرفت فطانتكم الوقائع الَّتِي صَارَت فِي الْمَسْأَلَة التونسية وَقد نسبت بهجوم بعض الْقَبَائِل البدويين جِهَة الجزائر وَلِهَذَا الهجوم فالحكام التونسيون اعلنوا بانهم حاضرون ليضبطوه من غير تراخ فالدولة الفرنساوية حكمت بانه يلْزمهَا ارسال عدد وافر من العساكر الَّذين قد استولوا على جُزْء كَبِير من الْولَايَة وَلم يبعدوا عَن المركز الا بعض فراسخ فَمن غير الْتِفَات إِلَى مَا كُنَّا اكدنا بِهِ على حَضْرَة الباشا ليَأْخُذ التدابير اللَّازِمَة لتمهيد الرَّاحَة فِي الْمَوَاضِع الثائرة فدولة الجمهورية لَا تُرِيدُ ان تنظر للمخالطة الاقترانية بتونس مَعَ السلطنة العثمانية الَّتِي هِيَ محسوبة جُزْءا متمما للسلطنة الْمَذْكُورَة واظهرت بانها لَا تقبل قَوْلنَا للاتفاق الودادي مَعهَا لقطع الِاخْتِلَاف الَّذِي وَقع وترتيب حُقُوق
стр. 514
الْبَاب العالي مَعَ مَنَافِع فرنسا فِي ذَاك الْمحل وترتيب الاشياء الْمَوْجُودَة من زمن قديم وَلَا نقدر ان نزيد فِي ايضاحها كَمَا يلْزم وَهِي سيادة السُّلْطَان الَّتِي لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَاف على هاته الْولَايَة وَهِي سيادة لَا تنكرهَا وَلَا دولة عُمُوما وَهَذَا الْحق بَقِي إِلَى الْآن صَحِيحا وَلم يَنْقَطِع من زمن فتحهَا وَهُوَ اذ ذَاك سنة ١٥٣٤ بِخَير الدّين باشا وَفِي سنة ١٥٧٤ بقليج عَليّ باشا وَسنَان باشا وَكَانَت الدولة الْعلية ارسلت إِلَى تِلْكَ الْمَوَاضِع قُوَّة عَظِيمَة برا وبحرا وَمن زمن ذَلِك الْفَتْح فالتأسيسات الَّتِي فعلهَا الْبَاب العالي هِيَ ان جَمِيع وُلَاة تونس يتوارثون الْولَايَة من ذُرِّيَّة الْوَالِي الاول الْمُسَمّى من السُّلْطَان ويتقلدون إِلَى الْآن المنصب مِنْهُ وفرمانات الْولَايَة تبقى فِي خَزَنَة الدِّيوَان وَكَذَلِكَ جَمِيع المكاتيب الَّتِي تَأتي مِنْهُم للباب العالي فانها تَارَة تكون فِي شَأْن مخالطتهم مَعَ الدول الاوروباوية وَتارَة تكون فِي شَأْن احوالهم الداخلية وَالَّتِي لهاته الْمدَّة الاخيرة فان الْبَاب العالي من استحفاظه على حُقُوقه زِيَادَة على كَونه يُسَمِّي الْوَالِي الْعَام فانه يُرْسل من الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَى تونس قَاضِيا وباشكاتب الْولَايَة وَلم يكن الا من ترحم الدولة الْعلية ان منحت الْوَالِي ان يُسَمِّي هُوَ بِنَفسِهِ هذَيْن المتوظفين وايضا فاتباعا للْمَذْهَب وخصوصية سيادة السُّلْطَان فان الْخطب يذكر فِيهَا اسْم جلالته وَيضْرب على السِّكَّة ايضا وَفِي وَقت الْحَرْب ترسل تونس الاعانة إِلَى التخت وعَلى حسب الْعَادة الْقَدِيمَة يَأْتِي إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة دَائِما اناس رسميون ليقدموا تعظيمات الْوَالِي وخضوعه لاعتاب السلطنة وليقبلوا ايضا الاذن اللَّازِم من الْبَاب العالي لامور عَظِيمَة فِي الْولَايَة ثمَّ ان الباشا الْمَوْجُود الْآن والاهالي التونسيين طلبُوا زِيَادَة فِي التفضل واعطى ذَلِك لحضرته السامية بالفرمان المؤرخ فِي سنة ١٨٧١ وتعرف بِهِ جَمِيع الدول والآن قد اسْتَغَاثَ الْوَالِي بِجهْدِهِ سَيّده الْحَقِيقِيّ ليعينه على الْحَالة الرَّديئَة الَّتِي وَقعت فِيهَا تونس الْآن وهاته الْأَشْيَاء التحقيقية لَا ينكرها اُحْدُ فَهَل تُرِيدُونَ ان تعرفوا الْآن تقريرها بالتاريخ وبالمكاتبات الرسمية هُوَ سهل لَكِن نقتصر على المهم مِنْهَا لِئَلَّا يطول الْكَلَام فِي هَذَا التلغراف فَفِي المعاهدات
стр. 515
الْقَدِيمَة الَّتِي بَين تركيا وفرنسا تعدد القاب الحضرة السُّلْطَانِيَّة وَيكون مِنْهَا لقب سُلْطَان تونس فَانْظُر مثلا معاهدة ١٠ صفر سنة ١٠٨٤ هـ ١٦٦٨ م وَفِي هاته المعاهدات ايضا يُوجد بَان كل المعاهدات الَّتِي بَين الدولتين تجْرِي ايضا فِي تونس وَفِي نصف الْقرن السَّابِع عشر أَي فِي ١٥ صفر سنة ١١٦٦ ٢٢ دسمبر ١٧٥٢ ارسل السُّلْطَان فرمانا للباي وَالْحَاكِم الْكَبِير بِالْولَايَةِ فِي رضَا الْبَاب العالي بَان قنصل فرنسا يجمع خدمات قناصل الدولة الَّذين لم يكن لَهُم اذ ذَاك نواب بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كالبرتقال وكتالوني واسبانيا وفينيسيا وفرنسا وَغَيرهم والقنصل وكَالَته هِيَ حماية السفن تَحت الرَّايَة الفرنساوية فِي المراسي الْمَشْهُورَة بِالْولَايَةِ والفرمان يمْنَع تدخل قناصل الانكليز والهولنديين وَغَيرهم من التدخل فِي خدمَة نَائِب فرنسا وَكَذَلِكَ سَنَد منع التَّعَدِّي بَين الْبَاب العالي والنمسا المؤرخ فِي ٩ رَمَضَان سنة ١١٩٧ هجرية ٨ اغست ١٧٨٢ المتقرر بمعاهدة ستوفا فِي ١٢ ربيع الآخر سنة ١٢٠٥ ١٩ دسمبر ١٧٩٠ فانه ياذن حكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب بَان يجمعوا على اسْم السُّلْطَان سفن المتجرية لسلطنة الرومان الفخيمة وايضا فان الِاتِّفَاق الَّذِي تقدم هَذَا السَّنَد وتمم فِي ١٥ شَوَّال سنة ١١٦١ هـ ١٨ يونيو سنة ١٧٤٨ بالاذن من السُّلْطَان وَكَانَ هَذَا الِاتِّفَاق وَقع بَين الْحُكَّام الْمَذْكُورين والسلطنة فان الْوَالِي الْعَام بتونس وَهُوَ اذ ذَاك فِي رُتْبَة بكلر بك ونال اسْم عَليّ باشا يذكر فِي مُقَدّمَة كل مَكْتُوب يمْضِي عَلَيْهِ مِنْهُ هاته الْكَلِمَات بِعَينهَا وَهِي مَوْلَانَا السُّلْطَان الْغَازِي مَحْمُود وعَلى ذكر واقعات ذَاك الزَّمَان استطرد لكم الاذن الصَّادِر من الْبَاب العالي فِي ١٥ ربيع الاول سنة ١٢٤٥ هـ ١٤ سبتمبر ١٨٢٩ لحكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب فانه يامرهم ان لَا يتداخلوا فِي الْخلاف الْوَاقِع بَين سلطنة النمسا ومملكة الْمغرب وَكَذَلِكَ الاذن الصَّادِر من الْقُسْطَنْطِينِيَّة لوالي تونس فِي
стр. 516
١٤ - صفر سنة ١٢٤٧ هـ ٢٥ يوليو ١٨٣١ فانه يامر بترتيب الْعَسْكَر النظامي بِالْولَايَةِ على نمط التَّرْتِيب العسكري النظامي العثماني وايضا قد اتى مَكْتُوب معِين بِالطَّاعَةِ من الباشا التّونسِيّ لجلالة السُّلْطَان فِي سنة ١٨٦٠ وَذَلِكَ الباشا هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ السُّلْطَان واليا عَاما وَقد انْتَشَر هَذَا الْمَكْتُوب فِي جَمِيع صحف اوروبا من غير ان يُعَارض وَلَا من جِهَة وَاحِدَة ونزيدكم شَيْئا آخر وَهُوَ انه فِي سنة ١٨٦٣ فِي وَاقعَة الْقَرْض التّونسِيّ الَّذِي وَقع فِي باريس من غير رِضَاء الْبَاب العالي كَانَ رسيودواروان دولويس وَزِير خارجية الامبراطور نابليون الثَّالِث قد اعلن رايه بِنَاء على شكايات الدولة العثمانية وَقَالَ انه يلْزم اما الباشا بتونس اَوْ الصراف الَّذِي يُرِيد عقد الْقَرْض مَعَه ان يطْلب رِضَاء الْبَاب العالي ليَصِح هَذَا الْقَرْض وللمدافعة عَن حُقُوق الْبَاب العالي فان الْوَزير الفرنساوي ارسل يَقُول هَذَا الْكَلَام للصراف الْمشَار اليه وهانحن نضع بثبات الْكَلَام السَّابِق لَدَى ميزَان الْعدْل وَالْحق الَّذِي للدول الممضين على معاهدة برلين وانا المتحققون بَان فكر الدولة مُحِيط بدلائل كَثِيرَة فِي الْوَاجِبَات العمومية الَّتِي يقتضيها المؤتمر الْمُحْتَرَم وانهم يُرِيدُونَ ان يفصلوا بِالْعَدْلِ قَوْلنَا الَّذِي قدمْنَاهُ وانهم يتحفظون على حُقُوق الْبَاب العالي الاخرى المحفوظة بالمعاهدة الْمَذْكُورَة ويصلحون الْحَال بَين الدولتين فرنسا وتركيا فِي علائقهما الَّتِي لَهما فِي هاته الْولَايَة المرؤوف بهَا التونسية المتممة للسلطنة العثمانية والمرغوب من جنابكم ان تَتَكَلَّم مَعَ وَزِير الخارجية فِي مَضْمُون هَذَا التلغراف وتشرح لَهُ مَا ترَاهُ نَافِعًا وَلكم الاذن بَان تعطوا نُسْخَة من هَذَا لجناب الْوَزير إِذا طَلَبكُمْ اه
الامضاء مصطفى عَاصِم
ولنذكر هُنَا انه بِسَبَب انخذال فرنسا فِي حربها مَعَ بروسيا فِي سنة ١٨٧٠ وتشكيل الامبراطورية الالمانية ومساعدة الروسيا لالمانيا مساعدة معنوية كَانَت من اقوى اسباب نَجَاحهَا طلبت الروسيا من الدول ابطال الشُّرُوط الْمقيدَة لحريتها فِي الْبَحْر الاسود من معاهدة سنة ١٨٥٦ الَّتِي امضيت بباريس عقب حَرْب القرم ولضعف فرنسا عَن مُعَارضَة هَذِه الطلبات انعقدمؤتمر فِي مَدِينَة لوندره للنَّظَر
стр. 517
فِيهَا وايد مطَالب الروسيا بِمُقْتَضى وفَاق تمّ بَين مندوبي الدول فِي ١٣ مارس سنة ١٨٧١ قبل توقيع فرنسا على معاهدة فرنكفورت بِقَلِيل وَبِذَلِك انتقمت الروسيا من فرنسا أَي انتقام لمساعدتها انكلترا والدولة الْعلية عَلَيْهَا فِي حَرْب القرم بَان تركتهَا وحيدة امام قوى المانيا ومنعت الدول من مساعدتها وَلَو سياسيا
واخيرا بابطال اهم شُرُوط معاهدة باريس المزرية بِشَرَفِهَا فابطلت نتائج تِلْكَ الْحَرْب وَجعلت كل مَا صرف فِيهَا من اموال واهرق فِيهَا من دِمَاء هباء منثورا واليك نَص التَّعْدِيل
مِمَّا تقرر فِي معاهدة سنة ١٨٧١ الَّتِي امضيت فِي لندرة فِي ١٣ مارس من السّنة الْمَذْكُورَة فِيمَا يتَعَلَّق باعادة النّظر فِي معاهدة سنة ١٨٥٦ المنعقدة فِي باريس فِيمَا يتَعَلَّق بِالسَّفرِ فِي الْبَحْر الاسود والطونة
١ - فصل ١١ و ١٣ و ١٤ من معاهدة ٣٠ مارس سنة ١٨٥٩ المنعقدة فِي باريس يكون تعديلها بالصورة الْآتِيَة
٢ - يبْقى منع السفن الحربية من الْمُرُور فِي جناق قلعه والبوغاز كَمَا هُوَ مَنْصُوص فِي معاهددة ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦ الا انه يسوغ للحضرة السُّلْطَانِيَّة ان تاذن بمرور السفن الحربية للدول المتحابة إِذا رات لُزُوم مرورها مَعَ الْمُحَافظَة على نَص معاهدة باريس الَّتِي انْعَقَدت فِي ٣٠ مارس سنة ١٨٥٦
٣ - الْبَحْر الاسود يبْقى مَفْتُوحًا كَمَا فِي السَّابِق لتسير فِيهِ السفن التجارية الاجنبية انْتهى
стр. 518
وعقب التوقيع على اتِّفَاق ١٣ مارس السالف الذّكر توفّي الْقَائِد الشهير عمر باشا فِي ١٨ ابريل ثمَّ الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد امين عَليّ باشا وَبعد مَوته وَجه هَذَا المنصب الخطير إِلَى مَحْمُود باشا فِي ٢٢ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١٢٨٨ ٨ سبتمبر سنة ١٨٧١ ولبث فِي الوزارة إِلَى ٢٣ مارس سنة ١٨٧٣ ثمَّ عقبه احْمَد مدحت باشا ثمَّ مُحَمَّد رشدي باشا فاحمد اِسْعَدْ باشا فحسين عوني باشا
واخيرا عَادَتْ الصدارة إِلَى مَحْمُود باشا فِي ٢٥ رَجَب سنة ١٢٩٢ ٢٧ اغسطس سنة ١٨٧٥
وَمن اعماله الْمضرَّة عدم ضبط الْمَالِيَّة حَتَّى عجزت عَن سداد الكوبونات فِي اوقاتها واضطر إِلَى الاعلان رسميا بتوقيف دفع الْفَوَائِد فِي ٦ اغسطس سنة ١٨٧٥ وَهُوَ مَا سيمونه فِي عرف الْمَالِيَّة اشهار الافلاس كَمَا فعلت مملكة البرتغال فِي سنة ١٨٩٢ ولسوء ادارته تَأَلُّبُ الْعلمَاء والطلبة وطلبوا عَزله فعزل فِي ١٧ ربيع الثَّانِي سنة ١٢٩٣ ١٢ مايو سنة ١٨٧٦ وَاسْنِدِ منصب الصدارة إِلَى مُحَمَّد رشدي باشا وَهُوَ الملقب بالمترجم الَّذِي سبق تَعْيِينه فِي هَذَا المنصب عدَّة مَرَّات وَعين مَعَه بفرمان وَاحِد حسن خير الله افندي شَيخا للاسلام وَبِمَا ان عزل السُّلْطَان عبد الْعَزِيز كَانَ بدسيسة هذَيْن الشخصين وَغَيرهم فسنرجئ الْكَلَام على كَيْفيَّة عَزله وَمَوته إِلَى بعد ذكر مَسْأَلَة برزخ السويس الَّذِي تمّ فَتحه فِي سنة ١٨٦٩
مَسْأَلَة قنال السويس
ان اهمية ايصال الْبَحْر الاحمر بالبحر الابيض الْمُتَوَسّط لم تخف على اُحْدُ بل الْكل مُسلم بهَا وَلذَلِك فطن لَهَا قدماء المصريين واوجدوا اتِّصَالًا بَين الْبَحْرين لَكِن على غير الصُّورَة الَّتِي عَلَيْهَا قنال السويس الْآن فقد قَالَ هيرودوت المؤرخ اليوناني الشهير حِين زار وَادي النّيل ان طول الخليج الْموصل بَين الْبَحْرين مسيرَة
стр. 519
اربعة ايام وَعرضه كَاف لمرور سفينتين من اكبر السفن فِي آن وَاحِد بِكُل سهولة وَهُوَ يتَفَرَّع عَن فرع النّيل الَّذِي يصب عِنْد مَدِينَة بيلوزة الْقَائِمَة مَدِينَة بورسعيد بِالْقربِ من اطلالها ويبتدئ عِنْد مَدِينَة بوباستيس الْمَوْجُودَة اطلالها بِالْقربِ من الزقازيق وَيُطلق عَلَيْهَا اسْم تل بَسطه وَيتَّجه شرقا حَتَّى يصل إِلَى الْبَحْر الاحمر اه
فَيظْهر من هَذَا الشَّرْح ان المراكب كَانَت تاتي من الْبَحْر الابيض فتصعد فرع النّيل الشَّرْقِي إِلَى قرب الزقازيق ثمَّ تدخل فِي الخليج حَتَّى تصل إِلَى الْبَحْر الاحمر وظل هَذَا الِاتِّصَال بَاقِيا حَتَّى انهالت رمال الصَّحرَاء الشرقية على الخليج فردمته وَيُقَال ان ابا جَعْفَر الْمَنْصُور العباسي امْر بابطاله عِنْدَمَا خرج عَلَيْهِ الْحجَّاج وتحصن فِي الْمَدِينَة المنورة حَتَّى لَا تَأتي اليه الْمُؤَن بسهولة عَن طَرِيق هَذَا الخليج
ثمَّ خطر ببال السُّلْطَان مصطفى الثَّالِث العثماني ان يُعِيد الِاتِّصَال كَمَا كَانَ وكلف البارون دي توت بدرس هَذَا الْمَشْرُوع وَلم يتم بِسَبَب موت السُّلْطَان وَترك من خَلفه لَهُ وَلما اتى بونابرت الفرنساوي إِلَى مصر ارسل لجنة علمية للتحقق من امكان ايصال الْبَحْرين بخليج يصل بَينهمَا بِدُونِ ان تمر المراكب فِي وسط الْبِلَاد المصرية فاجابته اللجنة بالايجاب ولداعي خُرُوجه من مصر سَرِيعا كَمَا سبق شَرحه لم يُمكنهُ تَنْفِيذ مشروعه
وَكَانَ يظنّ قبلا ان حفر خليج يصل بَين الْبَحْرين مُبَاشرَة امْر مُسْتَحِيل بِسَبَب ادِّعَاء بعض الْعلمَاء ان سطح مياه الْبَحْر الاحمر اعلى بِنَحْوِ عشرَة امتار عَن سطح مياه الْبَحْر الابيض كَمَا قَرّرته بعثة علمية فرنساوية فِي سنة ١٧٧٩ وَلم يُخَالِفهَا فِي هَذَا الرَّأْي الا الرياضي الشهير لابلاس لَكِن اسقط هَذَا القَوْل الْبَحْث الَّذِي
стр. 520
اجرى فِي اواسط هَذَا الْقرن بِمَعْرِِفَة بعض ضباط من الانكليز فِي سنة ١٨٤٠ ولجنة من عدَّة مهندسين فرنساويين فِي سنة ١٨٤٧ واخيرا بِمَعْرِِفَة لبنان باشا فِي سنة ١٨٥٣
وَلما تحقق لَدَى الْعُمُوم باجماع الْعلمَاء ان مسطح الْبَحْرين متساو سعى المسيو فردينان دي ليسبس قنصل فرنسا فِي مصر لَدَى المرحوم سعيد باشا وَالِي مصر اذ ذَاك للحصول على فرمان يخوله امتياز تشكيل شركَة عمومية لاتمام هَذَا الْعَمَل
وَبعد مساع لَا مزِيد عَلَيْهَا تحصل على هَذَا الفرمان مؤرخا ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٤ وَمِمَّا جَاءَ فِيهِ ان يكون الخليج المزمع انشاؤه ملكا للشَّرِكَة مُدَّة ٩٩ سنة تبتدئ من يَوْم فَتحه للملاحة وان يجوز لَهَا انشاء خليج آخر يصل بَين النّيل والخليج المالح وان تتنازل لَهَا الْحُكُومَة عَن الاراضي الاميرية الْغَيْر صَالِحَة للزِّرَاعَة الَّتِي تمر الترعة الحلوة فِيهَا بِشَرْط ان تزرعها الشّركَة على مصاريفها واخيرا ان لَا يعْمل بِهَذَا الفرمان وَلَا يبتدأ فِي الْعَمَل الا بعد تَصْدِيق الْبَاب العالي عَلَيْهِ
وَفِي ٢٠ يوليو سنة ١٨٥٦ تعهدت الْحُكُومَة للشَّرِكَة باحضار من يلْزم لَهَا من العملة من المصريين قهرا بالطريقة الَّتِي كَانَت متبعة فِي الاعمال العمومية وان تدفع لَهُم الشّركَة الاجر من طرفها لمن عمره اقل من اثْنَتَيْ عشرَة سنة قرشا صاغا يوميا وَمن زَاد سنه عَن ذَلِك تكون اجرته من قرشين أَو نصف إِلَى ثَلَاثَة قروش وَذَلِكَ خلاف الجراية الَّتِي تُعْطِي لكل وَاحِد مِنْهُم وَقيمتهَا قِرْش صاغ وَاشْترط على الشّركَة انشاء اسبتاليات مشافي وترتيب اطباء لمعالجة المرضى على طرفها وَلَوْلَا هَذِه الشُّرُوط لما امكن الشّركَة اتمام هَذَا الْمَشْرُوع وَعدم وجود شَرط مثله كَانَ سَببا فِي عدم نجاح مَشْرُوع فتح برزخ بناما لَان الشّركَة لم تَجِد عمالا بِهَذِهِ الصّفة يكونُونَ موجودين
стр. 521
دَائِما فِي الْعَمَل باجرة تافهة كهذه وَلما صدرت سِهَام الشّركَة لم يقبل الْجُمْهُور على شِرَائهَا لمعارضة الجرائد الانكليزية لهَذَا الْمَشْرُوع فَبَقيَ فِي ايديها مائَة وَسَبْعَة وَسَبْعُونَ الف وسِتمِائَة وَاثْنَانِ واربعون سَهْما قيمَة كل مِنْهَا خَمْسمِائَة فرنك أَي ان ثمنهَا عبارَة عَن ثَلَاثَة ملايين وَخَمْسمِائة وَخمسين الف جنيه مصري وَزِيَادَة فَحسن المسيو دي ليسبس للمرحوم سعيد باشا ان يَشْتَرِيهَا للحكومة المصرية فاشتراها
وَلما طلب مِنْهُ عشري ثمنهَا عِنْد الِابْتِدَاء فِي الْعَمَل اقترضه لَهُ وَرُبمَا كَانَ هَذَا اول دُيُون مصر الَّتِي تربو الْآن على مائَة مليون وَسِتَّة ملايين من الجنيهات المصرية وَلم ينْتَظر المسيو دي ليسبس تَصْدِيق الدولة بل ابْتَدَأَ فِي الْعَمَل
وَلما لاحظت الدولة الْعلية على ان ذَلِك مُخَالف لنَصّ الفرمان الْمُعْطى للشَّرِكَة من سعيد باشا اجابها ان هَذِه اعمال ابتدائية ضَرُورِيَّة لتخطيط الْمَشْرُوع وَلَا تعْتَبر بَدَأَ فِي الْعَمَل واخيرا بعد ان دارت المخابرات عدَّة سنوات بَين الشّركَة وَالْبَاب العالي والحكومة الفرنساوية الَّتِي تدخلت لحماية هَذَا الْمَشْرُوع الفرنساوي ارسل الْبَاب العالي إِلَى المسيو دي ليسبس بلاغا فِي ٦ ابريل سنة ١٨٦٣ مفاده ان الدولة ترى ان امتلاك الشّركَة للاراضي الْوَاقِعَة على ضفتي الترعة الحلوة وزراعتها بمعرفتها مِمَّا يضر بِحُقُوق السلطنة فِي مصر اذ يَجْعَل لدولة اجنبية حقوقا فِي مصر خُصُوصا إِذا انشئت بهَا مستعمرات زراعية يُؤْتى لَهَا بالزراع من الْخَارِج وَلذَلِك لَا تصدق على هَذَا الْمَشْرُوع الا إِذا ضمنت جَمِيع الدول حريَّة القنال المُرَاد انشاؤه كَمَا ضمنت بوغازي الاستانة وان تتْرك الشّركَة حُقُوقهَا فِي الترعة العذبة وَمَا على ضفافها من الاراضي وان لَا يسْتَعْمل المصريون قهرا فِي اشغال الشّركَة اذ كَانَ يستغل بهَا فِي هَذِه الاثناء نَحْو سِتِّينَ الف مصري بطرِيق السخرة وامهلت الدولة الشّركَة سِتَّة اشهر لاعطاء الْجَواب والا يسْقط حَقّهَا فِي جَمِيع الاراضي الممنوحة لَهَا
وَلما انْقَضى هَذَا الاجل وَلم تجب الشّركَة بِشَيْء اعلنتها الْحُكُومَة المصرية بِسُقُوط حَقّهَا فِي ١٢ اكتوبر سنة ١٨٦٣ فارعد المسيو دي ليسبس وازبد وتدخلت فرنسا وَكَاد الامر يُفْضِي إِلَى ارتباكات سياسية فَقبلت الْحُكُومَة المصرية بِحكم
стр. 522
نابوليون الثَّالِث امبراطور فرنسا ظنا مِنْهَا انه ينصفها ضد الشّركَة وَغَابَ عَنْهَا انه لَا بُد ان يمِيل إِلَى الشّركَة بعاملي الجنسية والسياسية وَلَو لم يكن الْحق من جَانبهَا وَحَقِيقَة انه اتخذ هَذِه الفرصة وَسِيلَة للْحكم للشَّرِكَة بمبالغ وافرة كَانَت سَببا فِي اتمام الْمَشْرُوع فاصدر حكمه فِي ٦ يوليو بعد ان اسْتَشَارَ لجنة من اهل الدِّرَايَة بالاحكام القانونية حضرها نوبار باشا بِصفة مَنْدُوب عَن خديو مصر وَلَا حَاجَة لذكر الحكم باسبابه بل يكْتَفى بالْقَوْل انه حكم بِمَا ياتي
اولا ان تدفع الْحُكُومَة المصرية للشَّرِكَة مبلغ ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ مليون فرنكا فِي مُقَابلَة ابطال الشَّرْط القَاضِي عَلَيْهَا باحضار الْعمَّال
ثَانِيًا ثَلَاثِينَ مليون فرنكا نَظِير ترك الاراضي الَّتِي رخص للشَّرِكَة باحيائها وزراعتها
ثَالِثا سِتَّة عشر مليون فِي مُقَابلَة تخلي الشّركَة عَن الترعة الحلوة وفوائدها وتلتزم الْحُكُومَة زِيَادَة على ذَلِك بحفرها من الْقَاهِرَة إِلَى الْوَادي ويجعلها صَالِحَة للملاحة فِي جَمِيع اوقات السّنة وعَلى الشّركَة تطهيرها سنويا بمعرفتها فِي مُقَابلَة ثلثمِائة الف فرنك تاخذها من الْحُكُومَة وَيكون للشَّرِكَة الْحق فِي اخذ سبعين الف متر مكعب من الْمِيَاه فِي كل ارْبَعْ وَعشْرين سَاعَة فَيكون مَجْمُوع هَذِه المبالغ اربعة وَثَمَانِينَ مليون فرنكا عبارَة عَن ثَلَاثَة ملايين جنيه واربعمائة وَثَلَاثَة وَسِتِّينَ الف جنيه يدْفع على جملَة اقساط بالكيفية الْآتِيَة من ابْتِدَاء سنة ١٨٦٤ لغاية سنة ١٨٦٧ يدْفع مبلغ سِتَّة ملايين وَنصف من الفرنكات سنويا وَفِي كل من سنتي ١٨٦٨ و ١٨٦٩ مِائَتَان واربعون الف جنيه وَمن سنة ١٨٧٠ لغاية سنة ١٨٧٩ ثَلَاثَة ملايين وسِتمِائَة الف فرنك سنويا عبارَة عَن مائَة واربعين الف جنيه سنويا
وَلما تمّ الحكم على الْوَجْه الْمَذْكُور الظَّاهِر اجحافه بِحُقُوق مصر حررت الشُّرُوط النهائية بَين الحضرة الخديوية الاسماعيلية والمسيو دي ليسبس رَئِيس الشّركَة والنائب عَنْهَا فِي ٢٢ فبراير سنة ١٨٦٦ وَتَقَدَّمت للباب العالي فصدر عَلَيْهَا الفرمان السلطاني مؤرخا ١٩ مارس سنة ١٨٦٦ ٢ ذِي الْقعدَة ١٢٨٢ هـ
وَبعد ذَلِك عدلت مواعيد الدّفع بكيفية ارجح للشَّرِكَة وَزِيَادَة على ذَلِك جَمِيعه تنازلت الشّركَة للحكومة عَن ارْض الْوَادي الَّتِي قدر مساحتها ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ
стр. 523
الْفَا وَسَبْعمائة وَثَمَانُونَ فدانا فِي مُقَابلَة عشرَة ملايين من الفرنكات وَكَانَت قد اشترتها الشّركَة قبلا من الْحُكُومَة بمبلغ مليون وَاحِد وَسَبْعمائة وَسبعين الف فرنك تَقْرِيبًا فَيكون ربحها من هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَط زِيَادَة عَن ثَمَانِيَة ملايين وَلذَلِك فيمكننا القَوْل بانه لَوْلَا نقود مصر وفلاح مصر الَّذِي مَا زَالَ يجْبر على الِاشْتِغَال قهرا باجرة زهيدة رغما عَن الشُّرُوط السالفة الذّكر لما امكن دي ليسبس ان يتم هَذَا الْمَشْرُوع الَّذِي كَانَ سَببا فِيمَا نَحن فِيهِ من الاحتلال الاجنبي وَمَا سنراه نَحن واولادنا ان لم تساعدنا الْمَقَادِير
والاغرب مِمَّا ذكر انه لما تمّ فتح البرزخ ارادت الْحُكُومَة الِاسْتِيلَاء على كمرك بور سعيد كَمَا تسمح لَهَا المعاهدات الابتدائية فامتنعت الشّركَة وتداخلت حُكُومَة فرنسا وَقبلت الْحُكُومَة المصرية ان تدفع لَهَا ثَلَاثِينَ مليون فرنك لمنع هَذِه الْمُعَارضَة الْعَارِية عَن الاساس وَبِذَلِك يكون مَا دفع من الْحُكُومَة المصرية بِسَبَب عدم تبصر رجالها مائَة واثنين وَعشْرين مليون فرنكا مِنْهَا اربعة وَثَمَانُونَ قيمَة مَا حكم بِهِ نابليون للشَّرِكَة وَثَمَانِية قيمَة ربحها من اراضي الْوَادي وَثَلَاثُونَ فِي مُقَابل تنازلها عَن الْمُعَارضَة فِي كمارك بور سعيد
وَلما توفر المَال لَدَى الشّركَة اخذت فِي بذل الهمة لانجاز القنال وَفِي شهر مارس سنة ١٨٦٩ توجه الخديو اسماعيل باشا إِلَى اوروبا لدَعْوَة مُلُوكهَا لحضور الاحتفال الَّذِي صمم جنابه على اجرائه اظهارا لسروره من اتمام هَذَا الْعَمَل المضر بِمصْر ماليا وسياسيا وَمَا دعاهم الا ليستميلهم لاغراضه السياسية
الاحتفال بِفَتْح قنال السويس
وَلما عَاد إِلَى بِلَاده اخذ فِي الاستعداد لاستقبال الزائرين بِمَا يَلِيق بمقامهم وَلما لم يكن بِمصْر تياترو وَكَانَ وجوده امرا لَا بُد مِنْهُ على زَعمه لتَمام الانتظام امْر المهندس فرنس النمساوي الَّذِي رقي فِيمَا بعد إِلَى رُتْبَة باشا بِبِنَاء تياترو الاوبرا والتياترو الصَّغِير الَّذِي كَانَ بِالْقربِ من الاول وَهدم عِنْد بِنَاء عمَارَة البوسطة الجديدة ولضيق الْوَقْت اسْتمرّ الْعَمَل لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى تمّ بناؤهما وَجعل اكثر بِنَاء التياترو الْكَبِير من الْخشب ثمَّ ارسل درانت باولينو باشا لمقاولة احسن جوق
стр. 524
من الممثلين والممثلات
واخذ ايضا يُجهز مَا يلْزم لاقامة الْمُلُوك والوزراء من السرايات اللائقة بمقامهم وانشأ لَهُم سرَايَة فِي مَدِينَة الاسماعيلية الجديدة انشأتها الشّركَة على نَفَقَة الْحُكُومَة بمليونين من الفرنكات
وَفِي ١٧ سبتمبر سنة ١٨٦٩ قدم الوافدون على البرزخ وَفِي مقدمتهم امبراطورة فرنسا وامبراطور النمسا ووليا عهد المانيا وايطاليا فقضوا اللَّيْلَة فِي مَدِينَة بورت سعيد فِي غَايَة السرُور وَفِي صباح الْيَوْم التَّالِي قَامَ الْجَمِيع على الوابورات البحرية الَّتِي اعدت لذَلِك ونزلوا فِي مَدِينَة الاسماعيلية حَيْثُ قضوا اللَّيْلَة فِيمَا لَا يُوصف من الملاهي والمراقص والزينات وَفِي الْيَوْم الثَّالِث سَارُوا جَمِيعًا إِلَى السويس ثمَّ اتوا إِلَى الْقَاهِرَة وَمِنْهَا رَجَعَ كل إِلَى بِلَاده الا من اراد السياحة إِلَى الْجِهَات الْقبلية لمشاهدة آثَار مصر الْقَدِيمَة وَقد وَجه الخديو كل همته إِلَى اكرام امبراطورة فرنسا وتوفير اسباب الرَّاحَة لَهَا اثناء سياحتها فِي صَعِيد مصر فاصحبها بنجله دو لتلو حُسَيْن باشا وباعظم رجال هَذَا الْعَصْر صَاحب الدولة والوطنية رياض باشا وَعين
стр. 525
لخدمتها سِتَّة عشر وابورا بحريا اخْتصَّ بَعْضهَا لركوبها ومعيتها وَالْبَعْض الآخر لاحضار كل مَا يلْزم لَهَا من المأكل وَالْمشْرَب والفواكه وَغير ذَلِك من الْقَاهِرَة يوميا واستمرت مشمولة بالتفات الحضرة الخديوية مُدَّة الِاثْنَيْنِ وَعشْرين يَوْمًا الَّتِي قضتها فِي هَذَا السّفر وَلم تزل كَذَلِك حَتَّى عَادَتْ إِلَى بلادها مسرورة شاكرة وَقد قَالَ سَعَادَة المرحوم عَليّ باشا مبارك فِي الصَّحِيفَة الاخيرة من الْجُزْء الثَّامِن عشر من الخطط الجديدة التوفيقية مَا يَأْتِي
وَقد طَار ذكر هَذَا المهرجان حَتَّى مَلأ الْبِقَاع وتحدث النَّاس فِي ترتيبه ونظامه مصرفه لانه فريد فِي ذَاته لم يجر على مِثَال سَابق عَلَيْهِ وَالَّذِي تعجب النَّاس مِنْهُ غَايَة الْعجب هُوَ استعداد موسيو يُوسُف بنطليني التلياني المتعهد بمأكول جَمِيع من حضر هَذَا المحفل كل انسان على حسب مقَامه فَكَانَ هُوَ وَرِجَاله يؤدون الْخدمَة بغاية النشاط والانتظام مَعَ مُرَاعَاة الْوَاجِب والادب وَكَانَ النَّاس يتعاقبون على السّفر الافرنجية والعربية فوجا بعد فَوْج وَفِي كل مرّة تَتَغَيَّر ادوات السفرة بغَيْرهَا وَتقدم الوان الاطعمة على التَّعَاقُب فِي اسرع زمن مَعَ مُرَاعَاة مقتضيات خدمَة كل سفرة عَرَبِيَّة كَانَت اَوْ افرنجية واستمرت هَذِه الْحَالة فِي الخيم والصواوين والوابورات وَجَمِيع المحلات الْمعدة لذَلِك مُدَّة ارْبَعْ عشرَة سَاعَة وَالَّذِي صرفته الْحُكُومَة للمتعهد الْمَذْكُور فِي مُقَابلَة الْمَأْكُول والمشروب ولوازمهما من ادوات ومهمات وخدمة وخدم هُوَ مبلغ مِائَتَيْنِ وَخمسين الف بنتو وَهَذَا خلاف اجْرِ نقل مهماته وَرِجَاله ذَهَابًا وايابا فانها كَانَت على الْحُكُومَة ايضا وَقد بلغ مَا صرف على هَذَا المهرجان من اجْرِ سفر اشخاص ومنقولات ومأكولات وَغير ذَلِك مليونا و ١١١٩٣ جنيها انكليزيا فَلَو اضيف إِلَى ذَلِك اجْرِ سكَّة الْحَدِيد مَا صرف على وابورات الْبَحْر فِي النّيل والخليج المالح مَعَ مَا صرفته الْحُكُومَة على المباني فِي مدن القنال والقاهرة وثغر الاسكندرية وَغَيرهَا وَمَا صرف فِي الزِّينَة ومهماتها وَشِرَاء عربات ومهمات للسكة الحديدة لاجل المهرجان الْمَذْكُور لبلغ مصرف هَذَا المهرجان مَا يزِيد عَن مليون وَنصف من الجنيهات وَذَلِكَ قدر السُّدس من ايراد مصر سنة كَامِلَة اهـ
стр. 526
عزل السُّلْطَان عبد الْعَزِيز
هَذَا ولنأت هُنَا على ذكر هَذِه الْحَادِثَة المفجعة مَعَ بَيَان الاسباب الَّتِي تنْسب لَهَا بِقدر مَا وصل اليه بحث هَذَا الْعَاجِز فَنَقُول
بعد الْحَوَادِث الَّتِي مر ذكرهَا اقتنع السُّلْطَان ﵀ ان تحالف الدول مَعَ الدولة فِي حَرْب القرم وَمَا بعْدهَا لم تكن نتيجة الا اضعافها بالتدخل فِي شؤونها الداخلية ومساعدة الطوائف المسيحية الخاضعة لَهَا على الانشقاق عَنْهَا وَبث روح الْفِتَن وَالْفساد فِي ممالكها تَحت غطاء الْحُرِّيَّة وَنشر الْعُلُوم وان كل ذَلِك يعود بالنفع على الروسيا جارتها القوية وعدوتها الْقَدِيمَة لَا سِيمَا وَقد عدل الدول بعد الْحَرْب الفرنساوية الالمانية اهم بنود معاهدة باريس الَّتِي ابرمت بعد حَرْب القرم لحفظ التوازن فِي الْبَحْر الاسود وَعدم مراعاتها عقب ابرامها فِي حق ولايتي الافلاق والبغدان فلهذه الاسباب علم جلالة السُّلْطَان ان الاولى والانجح لسياسة الدولة هُوَ التباعد عَن الدول الغربية والتحالف مَعَ الروسيا وعضده فِي هَذَا الْفِكر الصَّدْر الاعظم مَحْمُود نديم باشا فاكثر السُّلْطَان من الِاجْتِمَاع مَعَ الجنرال اغناتيف سفير الروسيا بالاستانة والمتواتر وان لم تثبته اوراق رسمية انهما كَانَا يسعيان لوضع اساس معاهدة هجومية ودفاعية يكون من اهم بنودها الِاخْتِصَاص بِجَمِيعِ بِلَاد الشرق وتتبع الولايات الاسلامية اَوْ الَّتِي يغلب فِيهَا العنصر الإسلامي للدولة الْعلية الإسلامية وَضم جَمِيع الأقاليم المسيحية أَو الني يسود فِيهَا هَذَا العنصر للدولة الروسية وَلما شاع هَذَا الْمَشْرُوع لم يرق فِي اعين الدول الاوروبية الَّتِي لَهَا مصَالح فِي الشرق وخصوصا انكلترا فاخذ عمالهم وسفراؤهم الظاهرون والسريون يلقون الوساوس فِي عقول السذج من اهل الاستانة وينسبون السُّلْطَان للتبذير والاسراف
стр. 527
وَعدم الاهلية لادارة مهام الْملك وَرُبمَا اسْتَعَانَ هَؤُلَاءِ المعررون بطرق اخرى الْمطَالع بهَا ادرى وَمَا زَالُوا يوسوسون ويلقون بذور الْفساد حَتَّى اقنعوا الوزراء بِوُجُوب عَزله وان اقالته من الاعمال وَاجِبَة لانتظام الدولة وسيرها على المحور الْمُسْتَقيم وصادفت دسائسهم اذن صاغية عِنْد بعض الْعلمَاء لما خالج صُدُورهمْ من عدم الْميل للسُّلْطَان بِسَبَب عدم اتِّبَاعه بعض العوائد المألوفة لديهم مثل خُرُوجه من ممالكه وزيارة معرض باريس وحضوره التشخيصات التياترية والباللوات المراقص وَكَيْفِيَّة خلعه على اصح الرِّوَايَات ان المؤامرة الَّتِي اوصلت إِلَى هَذِه النتيجة حصلت بَين كل من مُحَمَّد رشدي باشا الصَّدْر الاعظم وحسين عوني باشا نَاظر الحربية وَاحْمَدْ باشا قيصرلي نَاظر البحرية وَاحْمَدْ مدحت باشا وَشَيخ الاسلام حسن خير الله افندي وَقبل الشُّرُوع فِي تَنْفِيذ مَا صمموا عَلَيْهِ اصدر شيخ الاسلام فَتْوَى بِوُجُوب ذَلِك هَذَا نَصهَا
الْفَتْوَى بعزله
إِذا كَانَ زيد الَّذِي هُوَ امير الْمُؤمنِينَ مختل الشُّعُور وَلَيْسَ لَهُ المام فِي الامور السياسية وَمَا برح ينْفق الاموال الميرية فِي مصارفه النفسانية فِي دَرَجَة لَا طَاقَة للْملك وَالْملَّة على تحملهَا وَقد اخل بالامور الدِّينِيَّة والدنيوية وشوشها وَخرب الْملك وَالْملَّة وَكَانَ بَقَاؤُهُ مضرا بهَا فَهَل يَصح خلعه الْجَواب يَصح كتبه الْفَقِير حسن خير الله عفى عَنهُ
ثمَّ اناطوا حُسَيْن عوني باشا بامر خلع السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وَشَيخ الاسلام وَبَاقِي الوزراء بمبايعة السُّلْطَان مُرَاد وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ٦ جُمَادَى الاولى سنة ١٢٩٣ ٣٠ مايو سنة ١٨٧٦ اخذ نَاظر البحرية فِي تجهيز المراكب لحصر السَّرَايَة السُّلْطَانِيَّة بحرا فاستغرب السُّلْطَان حُصُول المناورات بالبحر تَحت شبابيكه بِدُونِ سَابِقَة علمه فارسل يستعلم عَن السَّبَب فاجيب بَان دواعي الْحَال اوجبت ذَلِك ثمَّ اخبر احْمَد باشا قيصرلي الصَّدْر الاعظم ومدحت باشا بسؤال السُّلْطَان فعزموا
стр. 528
على تَنْفِيذ مشروعهم فِي مسَاء ذَلِك الْيَوْم خوفًا من ان يكون السُّلْطَان قد شعر بسيئ قصدهم وَاتَّفَقُوا على تَكْلِيف من يَدعِي رَدِيف باشا بحصر السَّرَايَة برا وتعهد احْمَد باشا قيصرلي بحصرها بحرا وَفِي السَّاعَة الثَّانِيَة بعد غرُوب ذَلِك الْيَوْم اجْتمع المتآمرون فِي ديوَان السِّرّ عسكرية وَتوجه رَدِيف باشا مَعَ الاي من الْجند مؤلف من ٢٥٠٠ عسكري وامر سُلَيْمَان باشا رَئِيس الْمدرسَة الحربية بخفر بَاب السراي مَعَ مائَة من تلامذة هَذِه الْمدرسَة راكبين خيولهم ومسلحين بالبنادق الجديدة وَلما تمّ حصارها برا وبحرا وَاخْبَرْ المتآمرون بذلك توجه حُسَيْن عوني باشا فِي عربة إِلَى مقرّ السُّلْطَان مُرَاد واركبه مَعَه وعادا مَعًا إِلَى السِّرّ عسكرية حَيْثُ كَانَ بانتظارهما شيخ الاسلام والشريف عبد الْمطلب وَجَمِيع اعيان الدولة من عسكريين وملكيين وَلما دخلاها احاطت بِالسّرَايَةِ فرقة من الْجنُود لمنع من فِيهَا من الْخُرُوج ثمَّ حصلت الْمُبَايعَة للسُّلْطَان الْجَدِيد مُرَاد خَان الْخَامِس من جَمِيع الْحَاضِرين على الاسلوب المتبع
стр. 529
٣٣
- السُّلْطَان مُرَاد خَان الْخَامِس
وَهُوَ ابْن السُّلْطَان عبد الْمجِيد وَكَانَت وِلَادَته فِي ٢٥ رَجَب سنة ١٢٥٦ ٢٢ سبتمبر ١٨٤٠
هَذَا وَلما تمّ امْر الْمُبَايعَة ارسل مَخْصُوص إِلَى رَدِيف باشا يُخبرهُ بذلك ويسلمه صُورَة الْفَتْوَى القاضية بعزل السُّلْطَان عبد الْعَزِيز فقصد رَدِيف باشا بَاب الْحَرِيم واستدعى جَوْهَر آغا رَئِيس آغاوات السراي وكلفه بَان يبلغ السُّلْطَان ان الامة قد عزلته وانه مَأْمُور بتوصيل السُّلْطَان المخلوع إِلَى سراي طوبقبو وَسلمهُ صُورَة الْفَتْوَى ليطلعه عَلَيْهَا فَلم يصدق السُّلْطَان الْخَبَر الا بعد ان نظر من الشبابيك وَرَأى العساكر مُحِيطَة بسرايته برا وبحرا احاطة السوار بالمعصم
وَعند ذَلِك ايقن ان التَّوَقُّف لَا يكون وَرَاءه الا الاكراه على الْخُرُوج فَنزل مستسلما وبمجرد خُرُوجه احاطت بِهِ العساكر وانزلوه مَعَ ابْنه يُوسُف عز الدّين افندي فِي زورق ووالدته فِي ثَان وَبَاقِي اولاده وامهاتهم فِي ثَالِث ثمَّ خفرتهم الزوارق الحربية إِلَى ان اوصلتهم إِلَى سراي طوبقبو حَيْثُ كَانَت العساكر مصطفة على حافتي الطَّرِيق من الْبر إِلَى بَاب السراي
وَفِي السَّاعَة الْحَادِيَة عشرَة لَيْلًا اطلقت المدافع من الْبر وَالْبَحْر ايذانا بخلع السُّلْطَان عبد الْعَزِيز وتنصيب السُّلْطَان مُرَاد الْخَامِس ونادى المنادون بذلك فِي الشوارع فهرع الاهالي افواجا إِلَى سراي السِّرّ عسكرية وَبَايَعُوا السُّلْطَان مُرَاد وَلم يحصل ادنى مقاومة من اُحْدُ وَلم تحتج احدى الدول على هَذِه الثورة الداخلية وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيّد ان جَمِيع القناصل كَانَ عِنْدهم علم بِمَا حصل قبل وُقُوعه وانه
стр. 530
رُبمَا كَانَ ذَلِك باتفاقهم
وَفِي السَّاعَة الثَّالِثَة صباحا ذهب السُّلْطَان مُرَاد فِي عربة بَين صُفُوف الاهالي إِلَى سراي بشكطاش حَيْثُ استمرت الْمُبَايعَة ثَلَاثَة ايام مُتَوَالِيَة
وَفَاة السُّلْطَان عبد الْعَزِيز
وَلَقَد اخْتلفت الاقوال فِي كَيْفيَّة موت هَذَا السُّلْطَان وَكَثُرت الرِّوَايَات عَن ذَلِك فَمن قَائِل انه قتل نَفسه لعدم انتظام قواه الْعَقْلِيَّة بعد خلعه وَمن قَائِل ان الَّذين تَآمَرُوا على خلعه ارتكبوا هَذَا الامر الفظيع فَقَتَلُوهُ خيفة ان يسْعَى فِي الرُّجُوع إِلَى منصة الاحكام اما الْحَقِيقَة فمغمضة نَتْرُك كشف الستار عَنْهَا لمن يَأْتِي بَعدنَا ونكتفي بِذكر الرِّوَايَة الَّتِي تناقلتها الالسن والجرائد فِي ذَلِك الْحِين
وَذَلِكَ انه شاع اَوْ اشاع ارباب الغايات ان قد اصابته ﵀ امراض دماغية يَوْم خلعه فاضطربت احواله وَكَانَ يتخيل ان البواخر الراسية فِي البوغاز تطلق النَّار على الْعَدو فزاده ذَلِك قلقا وَلم يسْتَطع الرقاد فِي لَيْلَة الاحد التالية لعزله فَلَمَّا اصبح الصَّباح ذهب إِلَى الْحمام كعادته ثمَّ إِلَى الْبُسْتَان ثمَّ رَجَعَ إِلَى حجرته وَصَارَ يَأْمر بِفَتْح الشبابيك والابواب ثمَّ يخرج إِلَى الْبُسْتَان وَيعود ثمَّ يخرج ثَانِيًا كَأَن الدُّنْيَا ضَاقَتْ امامه برحبها ثمَّ حاول الْخُرُوج إِلَى شاطئ الْبَحْر فَرَآهُ الضَّابِط الَّذِي كَانَ يحرس الْبَاب فَقَالَ لَهُ بلطف لَا اذن بِالْخرُوجِ ياسيدي فهدده بغدارة كَانَت فِي يَده ثمَّ دخل وَيُقَال ان هَذِه الْحَادِثَة كَانَت سَببا فِي ازدياد اعراض الْخلَل وَاسْتشْهدَ اصحاب هَذَا الرَّأْي بِبَعْض خُدَّامه وحجابه فَقَالُوا انه ﵀ كَانَ يتَوَهَّم ان عدوا هاجم عَلَيْهِ وانه يجب على العساكر ان تمانعه وتطارده وعَلى البواخر ان توجه نيرانها على هَذَا الْعَدو المفاجئ
واخيرا طلب من احدى الْجَوَارِي مقصا ومرآة ليقص اطراف لحيته كَمَا كَانَت عَادَته فاحضرتهما لَهُ من والدته وانصرفت ثمَّ رأى والدته تنظره من وَرَاء فَغَضب وامرها بالانصراف وَبعد ذَلِك حضر اُحْدُ اعوانه فَأخذ يحادثه فِي مَسْأَلَة مهاجمة الْعَدو الَّتِي كَانَ يتخيلها وَفِي اثناء الحَدِيث اخذ المقص وَقطع بِهِ عرقا من ذراعه الايمن فحاول العون مَنعه وَلما لم يتَمَكَّن ذهب وَاخْبَرْ والدته وَلما خرج العون قفل السُّلْطَان الشبابيك والابواب وَقطع عرق ذراعه الايسر واضطجع
следующие страницы →