← Фатава

Фатава · id 663

الدرر البهية من الفتاوى الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (3 933 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

أجابت اللجنة بما يلي: التجسس على الآخرين حرام بنص قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. أما نشر صور من تُجسس عليهم من العامة؛ فلا يجوز دفعاً للضرر عنهم والتجاوز على حقوقهم، ولأن ما أخذ بشكل محرم فنشره محرم. أما تعميم المنكر -بمعنى اتهام الناس بالفساد، وانتشاره بينهم- منكر آخر لما فيه من الفتنة، قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل: هَلَكَ الناسُ فهو أهلكُهم» أخرجه مسلم برقم (٤٧٥٥)، ويكون دفع المنكر بمنعه بدءاً من الكلمة الطيبة والنصيحة بالحسنى. وواجب كل عالم مسلم سواء كان في هيئة الفتوى أو خارجها إذا سئل عن مسألة يعلم حكمها الشرعي أن يبينه للسائل ولا يكتمه عنه، وإذا كان لا يعلم حكمها أن يسكت عن الجواب أو يقول: لا أدري، ويحيله على من يثق به من العلماء الآخرين، ولا يجوز له أن يفتيه بغير علم، وقد كان علماء السلف الصالح يفعلون ذلك من زمن أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ثم إن على المفتي أن يتحرى ملابسات السؤال، وما يتعلق به من أحوال قبل الإجابة عنه ليقع الجواب موافقاً له، ولا يجوز له التسرع في الإجابة قبل ذلك ولو استغرق ذلك مدة طويلة، لئلا تأتي فتواه في غير محلها فتكون بغير الحق. أما تأخر أو امتناع هيئة الفتوى عن الإجابة على أسئلة وجهت لها، فإن كان بسبب شرعي كالترَوِّي والمشاورة واستكمال مستلزمات السؤال، وتبيّن ملابساته وأبعاده واستنباط الحكم الشرعي، وبخاصة في المسائل المستحدثة؛ فهذا هو المطلوب شرعاً قبل إصدار الفتوى، وإن كان التأخر في الجواب أو الامتناع لغير سبب شرعي؛ فهو من الإثم الذي يجب أن يتحاشاه كل مسلم، فضلاً عن هيئة

стр. 3572

الفتوى؛ لحديث النبي ﷺ : «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (١). والله أعلم. [١٥/ ٤٢١ / ٤٨٤٤] مدى وجوب الالتزام بالفتوى الصادرة عن لجنة الإفتاء ٣١١٩ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من رئيس جمعية طلابية في جامعة الكويت - السيد / ماجد، ونصُّه: هل الإجابات التي نحصل عليها من لجنة الفتوى هي رأي كبقية الآراء؟ أم أنها ملزمة بصفتها صادرة من مؤسسة شرعية هي مرجعية الإفتاء في هذه البلاد؟ أجابت اللجنة بما يلي: ما تقدمه من الإجابات بنته اللجنة على القواعد العامة للشريعة، والمبادئ العامة للفقه الإسلامي، وهي محل اجتهاد، وقد تقدم أن على المستفتي أن يتخير من يثق بعلمه ودينه، ويلتزم بفتواه، ولا يخرج عنها حسماً لمادة الخلاف. والله أعلم. [١١/ ٤٧٧ / ٣٥٤٩] هل تلتزم لجنة الإفتاء بما أخذ به القانون ؟ ٣١٢٠ - عرض على الهيئة السؤال المقدَّم من الشيخ / محمد، حول بعض الأمور التي تتعلق بأعمال لجنة الأحوال الشخصية.

стр. 3573

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: هل لجنة الإفتاء ملزمة بالأخذ بما جاء في قانون الأحوال الشخصية؟ وهل لها أن تخالف ذلك القانون؟ أجابت الهيئة بما يلي: الهيئة (هيئة الفتوى) واللجان المتفرعة عنها غير ملزمة شرعاً بالأخذ بكل ما ذهبت إليه القوانين، بل تفتي بما تراه الأرجح دليلاً، مع مراعاة اليسر إن تعذر الترجيح. والله أعلم. [٦/ ٣٥٩ / ١٩٨٤] هل يجب ذكر الدليل مع الفتوى ؟ ٣١٢١ - عرض على الهيئة السؤال المقدَّم من الشيخ / محمد، حول بعض الأمور التي تتعلق بأعمال لجنة الأحوال الشخصية. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: هل يجب ذكر الدليل مع الفتوى؟ وهل الفتوى المقتضبة، المقتصرة على الحكم فقط من غير تعليل، أو ذكر الدليل؛ هل هي كافية للوفاء بحاجة المسلم، حالا ومآلا؟ أم أن الأفضل استيعاب البيان، والاستدلال؟ أجابت الهيئة بما يلي: الأفضل اشتمال الفتوى على الدليل ما أمكن. والله أعلم. [٦/ ٣٦٠ / ١٩٨٧]

стр. 3574

متى تحيل لجان الفتوى السؤال إلى غيرها ؟ ٣١٢٢ - عرض على الهيئة السؤال المقدَّم من الشيخ / محمد حول بعض الأمور التي تتعلق بأعمال لجنة الأحوال الشخصية. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: متى تجوز الإحالة إلى القضاء أو جهة أخرى؟ وهل تجوز الإحالة إلى جهات أخرى لها رأي خاصُّ إذا ما اقتنعت اللجنة بالتحريم أم لا؟ أجابت الهيئة بما يلي: إذا اقتنعت الهيئة أو اللجان المتفرعة عنها بالتحريم في مسألة، وكان هناك احتمال وجود مخرج شرعي لدى القضاء أو هيئة إفتاء أخرى، فإنه يجوز إحالة الموضوع إلى القضاء، مع وجوب التنبيه إلى الأخذ بالأحوط في الحرام إلى أن يصدر الحكم أو الفتوى من الجهة المحال إليها. والله أعلم. [٦/ ٣٥٩ / ١٩٨٥] اللجنة لا تتدخل في الأمور المعروضة على القضاء ٣١٢٣ - حضر أمام اللجنة السيد / أحمد، وقدم الاستفتاء التالي: هل يستطيع الزوج منع زوجته من العمل، علماً بأنني تزوجت من زوجتي وهي تعمل، ولكني طلبت منها ترك العمل، وقد وافقت على ذلك، ولكن ليس لدي شهود على هذا، وكان ذلك بعد الزواج، ولم أشترط عليها حين كتابة عقد الزواج؛ لأن أهلها لم يطلبوا مني هل أوافق على بقائها بالعمل أم لا؟ وأنا الآن على خلاف مع زوجتي منذ حوالي ٥ سنوات والقضايا متداولة

стр. 3575

في المحاكم، وحصلت على حكم طاعة ولم تنفذه، وطلبت من القاضي بأن يصدر حكماً بأن لي الحق في منعها من العمل، ولكن للأسف القضاة يقولون: إذا تزوجت المرأة وهي تعمل ولم يكتب في العقد أي شرط بإقالتها عن العمل تبقى تعمل، وهذا طبعاً هدمٌ للحياة الأسرية إذا كان الشخص يريد أن يربي أولاده مع زوجته، وتكون متفرغة لتربيتهم. وقد استوضحت منه اللجنة عن موضوعه بتوجيه الأسئلة التالية له: س ١: هل حضرت معك الزوجة؟ ج: لا. س ٢: هل هي مطلقة؟ ج: لا، لكنها ناشز. س ٣: هل كانت الزوجة تعمل يوم أن تزوجتها؟ ج: نعم، ولا تزال تعمل. س ٤: هل رزقت منها بأولاد؟ ج: نعم. بنت واحدة. س ٥: هل صدر في قضيتكم حكم قضائي؟ ج: هي طلبت من المحكمة الطلاق بسبب الضرر، وخسرته بسبب النشوز. وبعد الاستيضاح من المستفتي والمناقشة أفهمته اللجنة: أنه لو كان الأمر عرض على اللجنة قبل عرضه على القضاء لكان من الممكن الإصلاح بين الزوجين، لكن طالما أن الأمر معروض على القضاء فإن منهج اللجنة ألا تنظر في القضايا المعروضة على القضاء. والله أعلم. [٨/ ٤٠٩ / ٢٥٣١]

стр. 3576

مدى صحة هذه العبارة: المفتي يجتهد لبيان الرؤية الإلهية ٣١٢٤ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / إبراهيم، ونصُّه: نشر في إحدى الصحف المحلية اليومية موضوع بعنوان: (الفتوى الجماعية لمواجهة القضايا المعاصرة)، وجاء في مقدمة الموضوع العبارة التالية: لما كانت الفتوى تعني بيان حكم الله في المسألة الحادثة الواقعة فإن المفتي بهذا الاعتبار يجتهد لبيان (الرؤية الإلهية). السؤال: هل تستقيم مثل هذه العبارة من وجهة النظر الشرعية، فيقال (الرؤية الإلهية)؟ أفيدونا أفادكم الله. أجابت اللجنة بما يلي: لا يجوز هذا التعبير، والصواب أن يقال: إن المفتي يجتهد لبيان الحكم الشرعي في المسألة. والله أعلم. [٢٢/ ٤٤٩ / ٧٢٦٠] أشهر كتب المذهب الشافعي ٣١٢٥ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيدة / أم أحمد، ونصُّه: ما هي أفضل كتب الفقه على المذهب الشافعي؟ أجابت اللجنة بما يلي: فيما يتعلق بإرشاد السائلة إلى أفضل كتاب في المذهب الشافعي ... الكتب المعتمدة في المذهب الشافعي كثيرة: بعضها مختصر، وبعضها مطوَّل.

стр. 3577

فمن المختصر: (مختصر المزني) و (المهذب للشيرازي)، ومن المطوَّل: (مغني المحتاج) للشربيني، و (المجموع) للنووي. وترشِّح اللجنة الأخذ بكتاب (كفاية الأخيار) للمبتدئين، والله أعلم. [١١/ ٤٧٨ / ٣٥٥٠] تقييد قاعدة (سقوط الحق بالتقادم) ٣١٢٦ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / سامي، ونصُّه: الرجاء التكرم بالنظر في العبارات التالية، وهل تصلح لتكون أساساً لتشريع قانون مدني على أساس فقه الإمام مالك فيما يختص بقانون التقادم: «إذا ثبت أن موظفاً بهيئة سلطوية استغل وظيفته، وقام في يوم ما بعملية تزوير في مستندات رسمية، وأدى هذا الفعل إلى غصب لحقوق الآخرين، ثم استغل سلطة وظيفته، أو طبيعة العمل وإجراءاته في حجب المعلومات والمستندات (والتي لا يثبت الحق إلا بها) عن المضرور لمدة تجاوزت ١٥ سنة، فإنه عند اكتشاف عملية الغصب لا يجوز تطبيق قانون التقادم (سقوط الحق بالتقادم)، وبطلان المطالبة بالحق على اعتبار مضي أكثر من ١٥ سنة على عملية التزوير والغصب، بل تجري فترة التقادم في هذه الحالة منذ لحظة العلم بالغصب، والتي يقدرها الشرع الحنيف؛ كما جاء في فقه الإمام مالك بـ ١٥ سنة، وليس منذ وقوع عملية الغصب، والتي ليست بعلم المضرور، كما أن للمضرور الحق بأن يعوَّض عن فوات الكسب، إن كان المغصوب معداً للكسب، أو استفاد منه الغاصب بقيمة يحددها ولي الأمر، ويقع التعويض على كاهل من تبع له الغاصب إن كان الغصب بسبب عمله».

стр. 3578

أجابت اللجنة بما يلي: لا يسقط الحق بالتقادم -مهما طالت المدة- ما دام ثابتاً بحجج شرعية معتبرة، أما الدعوى به لدى القضاء عند إنكار الخصم له فتسقط بمرور مدة طويلة، اختلف الفقهاء في تحديدها، فأعلاها ست وثلاثون سنة، وأدناها عشر سنين، إلا أن يصدر ولي الأمر قانوناً يخالف ذلك، لأن مبنى هذا الحكم قائم على الاجتهاد وفقاً للمصلحة، هذا إذا لم يوجد عذر لعدم رفع الدعوى به، أما إذا كان لذلك عذر؛ فلا تسقط الدعوى به مهما طالت المدة. والله أعلم. [٢٢/ ٤٥٣ / ٧٢٦٢] العمل في سلك القضاء العام ٣١٢٧ - عرض على الهيئة الاستفتاء الوارد من السيد / عادل، ونصُّه: - أرجو التكرم بإفادتي في العمل في القضاء الكويتي؟ - والاستفتاء الثاني المقدَّم من السيد / منصور، ونصُّه: ما حكم العمل في المحاكم كقاضٍ، علماً بأنه يستطيع أن يتجنب القضايا المتعلقة بالحدود الشرعية (جنايات وجنح)، وكذلك الحكم بها، والحكم بالفوائد الربوية يستطيع أن يتجنبه كذلك. - فهل قضاؤه في المواضيع المختلفة مثل الإيجارات والأحوال الشخصية والتجارية والمدنية، وإلى ما ذلك من القوانين المطبقة في الكويت يعتبر موافقاً للشرع؟ وعن راتبه هل هو حلال أم حرام؟ وهل يعتبر ممن يحكم بغير ما أنزل الله؟ أفتوني مأجورين جزاكم الله خيراً.

стр. 3579

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والاستفتاء الثالث الوارد بواسطة د. محمد، ونصُّه: أنا خريج جامعي وأرغب الالتحاق بسلك القضاء؛ فهل يحق لي ذلك شرعاً؟ على أساس من القول أن ما يطبق غير شرعي، بل قانون وضعي؟ أجابت الهيئة بما يلي: يجوز العمل في سلك القضاء إن كان يمكنه أن لا يحكم إلا بما وافق الشرع، بأن يتخلى عن النظر في القضايا التي تخالف الشريعة. والله أعلم. [٤/ ٤٤٣ / ١٣٦٦] تولية المرأة القضاء ٣١٢٨ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / بدر، ونصُّه: س ١: هل يجوز تولي المرأة القضاء -وظيفة قاضٍ-، وهل هناك فريق من العلماء يجيزون تولي المرأة في جميع القضاء، والبعض يجيزونها في جزء من هذا القضاء، والباقون لا يجيزون؟ ونُقل -حُكي- عن الإمام ابن جرير الطبري أنه يجيز أن تكون المرأة قاضية؛ فهل هذا النقل صحيح وثابت؟ ٢ - ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قدم امرأة على حسبة السوق؛ فهل هذا ثابت وصحيح؟ أفيدونا مأجورين،،،

стр. 3580

أجابت اللجنة بما يلي: ١ - يشترط جمهور الفقهاء أن يكون القاضي ذكراً، وقد استدل الجمهور على عدم جواز تولية المرأة بقوله ﷺ : «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امرَأَةً» رواه البخاري (١)، ولأن القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال، والنساء لسن أهلاً لذلك، وقد نبّه الله تعالى إلى نسيانهن بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز أن تلي النساء القضاء فيما يجوز أن تقبل شهادتهنّ فيه، وحدهنّ أو مع الرجال، لأن في الشهادة معنى الولاية، ولا يجوز في الحدود والقصاص لأن شهادتهنّ لا تقبل في ذلك، وحُكي عن ابن جرير الطبري أنه أجاز تقليد المرأة القضاء مطلقاً، وعلل جواز ولايتها بجواز فتياها، وقد ذهب بعض الشافعية إلى أنه لو ولّى سلطان ذو شوكة امرأة القضاء؛ نفذ قضاؤها. ٢ - اشترطت طائفة من العلماء فيمن يتولَّى الحسبة أن يكون ذكراً، وأيده ابن العربي، وتبعه القرطبي، وقال: لأن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا أن تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالة برزة؛ لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم، وتكون منظرة لهم ولن يفلح قط من تصور هذا، ولا من اعتقده، واستدل على منعها من الولاية بحديث: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُم امْرَأَةً» رواه البخاري. وأجاز توليتها آخرون؛ لما ثبت من أن السمراء بنت نهيك الأسدية كانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها، ويستدل على جواز ولايتها وعدمه بالخلاف الوارد في جواز توليتها الإمارة

стр. 3581

والقضاء، قال ابن حجر بعد أن نقل كلام الخطابي: (إن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء، وأنها لا تزوج نفسها، ولا تلي العقد على غيرها). والمنع من أن تلي الإمارة والقضاء قول الجمهور وأجازه الطبري، وهي رواية عن مالك، وعن أبي حنيفة: تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء. والله أعلم. [١٧/ ٤٢٥ / ٥٥٠٤] إعطاء القاضي الولاية للمرأة ٣١٢٩ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / مدير معهد علوم الشريعة الإسلامية في جنوب أفريقيا، ونصُّه: الولاية حق للرجال فقط بشكل عام في الشريعة، فهل إذا سمح القانون الوضعي في بلد غير مسلم بحق الولاية للنساء أيضاً، وتقوم بها في ميادين التزويج والتربية والتعاقد، فهل يعمل به إذا كان المسلمون أقلية؟ أجابت اللجنة بما يلي: لقد قسّم الله تعالى رعاية الصغار بين الرجال والنساء قسمة عادلة، فأوكل للأب ومن بعده من الأقارب الرجال الولاية، وأوكل للأم ومن بعدها من النساء الحضانة، وشرط لكل شروطاً، وعند انعدام الأولياء والحاضنات، أو انعدام الشروط يرجع الأمر للقاضي، فيقيم على الصغار من شاء من الرجال والنساء، ويسمَّى المقام عليها هنا: الوصي، وعليه فلو أقام القاضي واحدة من النساء ولياً على الصغار عند انعدام الولي المستوفي الشروط جاز، وكانت وصي القاضي، ولا يجوز للقاضي إقامة أحد من النساء أو الرجال وصياً مع وجود وليًّ مستوف

стр. 3582

للشروط، والله أعلم. [١٣/ ٣٥٣ / ٤٢٢٣] - نفقات التقاضي - التقاضي ليأخذ صاحب الحق حقه ٣١٣٠ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / علي، ونصُّه: هل يجوز شرعاً مطالبة من صدر لصالحه حكم من المحكمة بالرسوم القضائية المستحقة للدولة؟ علماً بأن نص أحكام المادة ١١٩ من قانون المرافعات تلزم خاسر الدعوى بالرسوم القضائية والمصاريف، مع العلم بأن من صدر لصالحه الحكم لم يتم تنفيذ حكمه تجاه خصمه من قبل إدارة التنفيذ بالعدل، ولم يستلم ما حكم له به من مبالغ حتى يتسنى له تسديد الرسوم القضائية المستحقة للدولة، وفقكم الله وألهمكم صواب الرأي وطمأنينة اليقين. أجابت اللجنة بما يلي: إذا تعذر وصول صاحب الحق إلى حقه إلا عن طريق التقاضي، فإن نفقات التقاضي الضرورية التي يتكبدها صاحب الحق، تجب على من صدر الحكم ضده، إذا طالب بها المحكوم له. والله أعلم. [١٦/ ٤٦٥ / ٥١٩٣] مكانة الاجتهاد في الإسلام ٣١٣١ - عرض على اللجنة مقال السيد / نبيل، المنشور في جريدة ... بعنوان (حكاية سد الذرائع)، ونصُّه:

стр. 3583

حكاية سد الذرائع: كان اسمه «شاوول»، وكان يهودياً فريسياً من أهل العلم عند اليهود، حارب المسيحية والمسيحيين وعذبهم حتى الموت -حسب اعترافه-؛ فلم يفلح في إيقاف انتشار المسيحية، ثم أتى بدعوى ظهور المسيح له وهو مسافر إلى دمشق، وتحول إلى المسيحية، تغير اسمه إلى «بول» أو «بولص» كما في المسيحية العربية التي انتقلت معظم الأسماء من المسيحية اليونانية، وبعد مناظرات مع تلميذ المسيح وحوارييه اضطر للاعتراف به «رسولاً» ليخرجوا من مأزق الرسل الاثني عشر الذين أوصى بهم المسيح، وكانوا موجودين في ذلك الوقت، فقد أسموه «رسول الأمم»؛ لأنه الرسول الوحيد الذي لم يلتق المسيح ﵇ أصلاً، ولأنه مكان رقم ثلاثة عشر، وبولس هذا كان وراء ثلاثة تغييرات أساسية في المسيحية باجتهاده، أولها السماح بعدم «الختان» رغم أن الختان منصوص عليه في العهد القديم، وفي سفر: «التكوين»، وأول المختتنين كان الصبي إسماعيل ﵇، وثانيهما كان إبراهيم ﵇، وهو أبو الثمانين حولاً، وكذلك كان المسيح مختتناً. ثم اجتهد بالسماح بأكل الخنزير الذي لم يأكله المسيح في حياته؛ وذلك لتحريم التوراة له. وكانت فتواه بأحقية النساك والرهبان في تسلم الهبات والعطايا من الناس بحجة انشغالهم بالأمور الإلهية، وكانت فتواه هذه هي القاعدة التي قامت عليها المؤسسة الكنسية المالية، ووصلت إلى ما وصلت إليه من جبروت وتسلط. وهكذا فإن الإفتاء والاجتهاد في مراحل المسيحية المبكرة كان له الأثر الأكبر في وضع قواعد مخالفة للأصل، بنيت عليها قواعد أكثر مخالفة، وأكثر ابتعاداً عن الأصل، ولعل السبب الرئيس لذلك هو عدم وجود نص مكتوب للمسيحية

стр. 3584

الأولى، وكان التبشير بها تبشيراً شفوياً، مما جعل المجال مفتوحاً للتصرف والتحريف والإضافة والحذف والتقول، حتى انحرفت المسيحية عن مسارها ومنهاجها الأصلي الذي سنه سيدنا المسيح ﵇. والإسلام لم يختلف فيما تعرض له عما تعرضت له المسيحية رغم وجود القرآن نصاً مكتوباً منذ البداية؛ وذلك لأن الإسلام يقوم على القرآن والسنة التي هي قول أو فعل أو تقرير سيدنا محمد ﷺ ، وهذه السنة قد ظلت شفوية مروية غير مكتوبة حتى عهد متقدم من القرن الثاني الهجري، ولعل السبب الرئيس لاهتمام مسلمي القرن الثاني بجمع السنة وتنقيحها تحت باب الحديث، ووضع الشروط الصارمة -كما فعل البخاري- للمتن والإسناد، السبب الرئيس هو انتشار الحديث الموضوع، أي الحديث المكذوب والملفق عن سيد الخلق، هنا المشابهة بين الإسلام والمسيحية، والمشابهة الأخرى التي بين الاثنين هي في تقديس المتقدمين وتنزيههم حتى بلغوا بهم مراتب لا يصل إليها بشر، فالمسيحيون أسموهم بالرسل والملائكة، والمسلمون أسموهم بالنجوم التي نقتدي بأيٍّ منهم، ويكفينا أن نشير إلى أن أول المذاهب الإسلامية -السنّة على الأقل- كان صاحبه أبو حنيفة؛ يقول بالأخذ بتصرف أيِّ صحابي كحجة في أمر ما، حتى وإن تعددت تصرفات ومواقف الصحابة في الأمر نفسه، وذلك في غياب النص أو السنة طبعاً، فأيُّ صحابي حجة وقدوة، وبأيٍّ نقتدي نهتدي. والأدهى من ذلك كله أن أصحاب المذاهب الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل قد اجتهدوا وبين أيديهم نص الكتاب وليس بين أيديهم صحيح الحديث ككتاب البخاري، وذلك لأن البخاري قد ولد بعد وفاة ثلاثة منهم، والتقى الرابع الذي لم ير (صحيح البخاري)، ولم يأخذ به. نعم لقد اجتهدوا في حدود ما يسمح به الاجتهاد والعقل البشري في

стр. 3585

زمانهم، وبما أتيح بين أيديهم من أدوات الاجتهاد التي كان أولها القرآن، وثانيها ما تواتر من حديث، ولم يلجأ إلا لما اقتنع به تماماً، وهذا لم يتجاوز مائة وبضعة أحاديث، في حين أن مجموع أحاديث البخاري -غير المكررة- فاقت الألفي حديث، ولقد لجأ الإمام أبو حنيفة إلى القياس وبرع فيه، أما مالك فقد استدل بالحديث، ولم يعن بتمحيصه، وجعل ما يعمل به سكان المدينة المنورة في اجتهاده على أساس أنهم حفدة الصحابة الأولون، وهم مستمرون في نهجهم، أما ابن حنبل فقد استعمل الحديث ووضع مسند ابن حنبل، ولكنه حوى ما حوى من حديث موضوع، ولا غرابة في ذلك؛ فنهج ابن حنبل كان يقوم على أن الحديث الموضوع أفضل من القياس، وهذا تطرف وشطط ما بعده شطط في اعتقاد كاتب هذه السطور، الوحيد الذي كان حذراً وموضوعياً هو الشافعي، ولكن ذلك لا يعني أن الشافعي قد اجتهد بوجود مرجع للحديث بين يديه؛ كمسند أحمد -رغم علَّاته - أو صحيح البخاري. إذن فأئمة المذاهب الأربعة رغم تقديرنا وتقدير التاريخ والمسلمين لهم، قد اختلفوا في النهج مثلما اختلفت الأدوات المتوفرة لديهم لاستقاء السنة الشريفة التي هي العماد الثاني في الشرع والتشريع والاجتهاد والإفتاء؛ فأهل الحديث وكتب الحديث الستة من بخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه قد كتبوا وألفوا مؤلفاتهم بعد زمان الأئمة بعهد طويل. والذي لاشك فيه أن العالم المسلم المتفقه في يومنا هذا هو أقدر على وضع منهاج للاجتهاد والإفتاء يفوق ما قدمه الأئمة الأربعة؛ وذلك لأسباب أربعة: فالقرآن هو القرآن، والسنة لها مصادر موثقة يندر فيها الخطأ، والمعرفة البشرية اليوم تتيح فهم القرآن والتحقق من السنة بشكل أكبر وأدق، وهناك بعد هذا وذاك وسائل الإجماع بين علماء المسلمين، ووسائل الاتصال مما يتيح أن يقوم

стр. 3586

الاجتهاد على يد هيئة أو مجمع اجتهادي عوضاً عن اجتهاد الفرد، وبدلاً من ادعاء الإجماع الذي تتشدق به كتب الفقه القديمة، فالإجماع الذي يتحدثون عنه هو خيال، وحجة لدعم فتاوى يختلف فيها المسلمون؛ وذلك استناداً لحديث عن النبي يقول فيه ما معناه: «لا تجتمع أمتي على باطل» (١)؛ فكانت حجة الإجماع في وقت لا يمكن تصور وسيلة للحصول عليه، فلا وسائل نقل سريعة، ولا خطوط اتصال واضحة، وقضية الاجتهاد المعاصر أو عصرنة وتجديد فتح باب الاجتهاد موضوع في غاية الأهمية، ويحتاج بحثاً وحديثاً تزيد عن مساحة هذا المقال، ولكن لنا عودة له إن شاء الله. ونعود لمعاناة الإسلام من أهله، ومدعي حمل الدين من فقهاء وأئمة، الذين ما برحوا عن محاباة الوضع القائم في زمانهم حتى منذ القديم، فالإمام مالك مثلاً كتب «الموطأ» بأمر من الخليفة «المنصور» أعنف خلفاء بني العباس وأكثرهم دموية، والأمثلة كثيرة لا حصر لها، وأقام أهل الفقه والاجتهاد قواعد لا أثر لها في الكتاب والسنة، معتدِّين بقول من سبقهم من رجال اجتهاد وفقه، ربما فهموا أو حاولوا إفهامه لنا من قول أولئك، ولم يضفوا الشرعية والألوهية على ما أقدموا عليه، كان لزاماً عليهم أن يمهدوا له بتقديس السابقين، واعتبارهم أقرب إلى الله والذين من تابعيهم، وأنشأوا في ذلك الوصوف والنعوت التي وصلت إلى حد الكفر في بعض الأحيان، كالقول بكمال الشخص أو كتاب؛ كما يدعي البعض بكمال «صحيح البخاري» مثلاً، بل لقد ادعوا أن القواعد التي ابتدعوها هي قواعد شرعية، لا يأتيها الباطل من أي جنب، ولعل إحدى تلك القواعد المتهافتة ما يطل علينا به البعض، ويهتف بأنها قاعدة شرعية يجب الأخذ بها والاستناد عليها، وهي قاعدة «سد الذرائع» التي هي قاعدة لا أساس لها في كتاب ولا سنة، بل هي منافية نفياً تاماً للنهج الإسلامي المحمدي القرآني

стр. 3587

الرباني الذي يقوم على أن كل شيء حلال ما لم يحرم بنصٌّ، بل إن تحليل المحرم جائز تحت بعض الظروف ومن باب الضرورة تحل المحرمات، إلا أنه لا يوجد ما يجيز تحريم الحلال تحت أي ظرف حتى أتى من لا يختلف «عن شاوول بولص» فاجتهد بقاعدة فتحت باباً لقواعد ما أنزل الله بها من سلطان. فهل يجوز مثلاً استناداً لتلك القاعدة في سد الذرائع أن نقطع أيدي الأطفال؛ لأنهم قد يستخدمونها في السرقة؟ طبعاً لا يعقل، ولكن سمح ولا يزال يسمح بختان البنات لسد باب الشهوة لديهنّ، فهل ختان البنات فيه نصٌّ أم له سابق سنّة؟ ولو سمح للمتقوِّلين بالدين أن يؤكدوا شرعية غير موجودة لهذه القاعدة المتطرفة؛ لضاع الناس في متاهات يكون منع الاختلاط عندها كالاحتفال بالعيد، ونحن ننصح ثم ننصح أن قاعدة سد الذرائع، ومنه الاختلاط، والذي لا يقوم على سند شرعي غيرها -وهي غير شرعية أصلاً- ما هي إلا ككرة الثلج إن سمح لها بالدوران؛ فإنها ستستمر وستكبر وتكبر حتى تتهشم بنا وبهم في وديان الجهل. إن الاختلاط تقبله الفطرة ويمليه العقل، ولا يحرمه الدين، ولنسأل المنادين بمنعه: أأنتم أكثر علماً من أهل الدين في مصر أو الشام؟ أم أنتم أكثر ديناً منهم؟ فما بالهم لم يطالب علماؤهم بما تطالبون من منع وسوء ظن ينهى عنه الإسلام بالنص والسنة؟ ولعل الإنسان يسأل أعضاء مجلس الأمة الذين تورطوا في هذه المؤامرة الاجتماعية -لأنها غير دينية بتاتاً- نسألهم ما بالكم لا تكونون قدوة للمجتمع بطرد جميع النساء العاملات في مجلس الأمة ودهاليزه وغرفه المغلقة التي تتيح الخلوة والشبهة أكثر من فصول الجامعة؟ بل نسأل الأساتذة المحترمين الذين يرون حرمة التعليم المختلط: ما بالكم ما تنجون بأنفسكم ودينكم من حرام الاختلاط

стр. 3588

وتستقيلون من أعمالكم الجامعية، أنتم ونساؤكم صوناً لكم ولهن. وختاماً همسة عتاب شاعرية في أذن شعراء الكويت، أما حركت هذه الصفعة المرتدة قراءكم؟ أم أنها لا تعنيكم؟ أم -ونرجو ذلك- أنها قد أذهلتكم؟ أجابت اللجنة بما يلي: إن المقال قد تضمَّن كثيراً من المعلومات التاريخية والعلمية المغلوطة، وقد رتب صاحبه على هذه المعلومات استنتاجات فكانت مغلوطة مثلها، من ذلك: ١ - زعم أن المسلمين يقدسون المتقدمين، وهو ما لم يقل به أحد منهم، ولا دليل لصاحب المقال عليه، والثابت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى قوله: (ما منا إلاّ من ردّ ورُدّ عليه إلا رسول الله ﷺ ، ولو استعمل الكاتب كلمة «يكرمون»؛ لكان مصيباً، والتكريم غير التقديس. ٢ - ذكر أن المسلمين يسمُّون المتقدمين من السلف «نجوماً» ويحضون على الاقتداء بهم -ذكر ذلك في معرض التنديد-، والحقيقة أن هذا المعنى ثابت من توجيهات النبي ﷺ حيث قال: «فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضّوا عليها بالنواجذ» رواه أحمد والترمذي (١) عن العرباض بن سارية ﵁. وقال: «خير الناس قَرْني، ثم الذين يَلُونهم ... » رواه البخاري ومسلم (٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁. وقال: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» رواه البخاري ومسلم (٣) عن أبي موسى ﵁.

стр. 3589

وقال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أُبيّ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» رواه الترمذي (١). ثم إن الفقهاء مختلفون في الأصل على حجية قول الصحابي وعمله، وكان يسع صاحب المقال أن يرجح قول من يشاء من الفقهاء دون أن يستهتر وينال منهم. ٣ - ادعى صاحب المقال أن الأئمة من الفقهاء اجتهدوا دون أن يكون بين أيديهم سنة صحيحة، لأن البخاري ومسلماً وأمثالهما وُجدوا بعد عصر الأئمة، والحق أن السنة الصحيحة كانت قبل البخاري ومسلم وغيرهما بيقين، وما عمل هؤلاء الأئمة إلاّ أنهم جمعوها، مثلهم مثل علماء النحو؛ وجدوا في عصر متأخر، ولا يضر ذلك بفصاحة العرب السابقين عليهم. ٤ - زعم صاحب المقال أن الأحاديث التي اقتنع بها الأئمة لا تزيد على مئة وبضعة أحاديث، وهذا خطأ، فالأحاديث الصحيحة تعدّ بالآلاف، وإذا قصد الكاتب الأحاديث المتواترة؛ فالردّ عليه بأن الأحاديث الصحيحة ليست محدودة بالمتواترة فقط. ٥ - زعم صاحب المقال أن الإمام مالكاً استدل بالحديث، ولم يُعْنَ بتمحيصه، والحقيقة أن مالكاً من أئمة الحديث إلى جانب فقهه، وأن عنايته بالحديث الشريف لا تقل عن عنايته بالفقه، وأن الإمام البخاري جعل مالكاً من رواته. ٦ - قال صاحب المقال: (أما ابن حنبل فقد استعمل الحديث ... )، وهذا

стр. 3590

سوء في التعبير، والواجب أن يقول: (استدل بالحديث .. )، ثم إنه زعم أن في المسند أحاديث موضوعة، وهو باطل، وربما قصد أحاديث ضعيفة، ولكن خانه التعبير، أو أعماه التطرف، والضعيف غير الموضوع. ٧ - زعم أن الإمام أحمد بن حنبل يقدم الحديث الموضوع على القياس، وهو غلط، وربما قصد الحديث الضعيف لا الموضوع، لأن الضعيف غير الموضوع، كما تقدم. ٨ - زعم أن الشافعي اجتهد دون وجود مرجع للحديث أمامه، ونسي أن الشافعي محدث مثلما هو فقيه تماماً. ٩ - زعم أن الفقيه في يومنا هذا أقدر على الاجتهاد والإفتاء ممن تقدمه من الأئمة، والحقيقة أنه يسعدنا أن يكون بيننا فقهاء كبار قادرون على الاجتهاد، ولكن لا يصح أبداً أن نجعل المحدَثين البعيدين عن عصر النبوة أقدر على الاجتهاد من القدماء المعاصرين للنبي ﷺ ، أو القريبين من عصره، هذا إلى جانب أننا نتعلم العربية لغة القرآن تعلماً، وهم يقولونها سليقة، وأقوالهم حجة لها، ثم الحديث الشريف الذي يحتج به، لأنه إنما هو من روايتهم ونقلهم له عن النبي ﷺ . ١٠ - زعم أن وسائل الإجماع الآن أفضل منها في الماضي، وهذا مما يسعدنا، ولكن الحقيقة غيره، فالإجماع معناه اجتماع أقوال جميع علماء الأمة دون تخلف واحد منهم، وهو بين جماعة محدودة ومعدودة أكثر إمكاناً فيه بين جماعة لا عدد لها، أو كثيرة العدد. ١١ - اتهم علماء الأمة بمحاباة الخلفاء، ونسي أدوارهم في تقويم الخلفاء، ونصحهم لهم، وتحمل الأذى الشديد من وراء ذلك، ونسي أن أبا حنيفة حبس وعزر، وأن أحمد بن حنبل عزر وحبس، وأن بعض الأئمة قتل.

стр. 3591

١٢ - زعم أن الفقهاء وضعوا قواعد للفقه، لا أصل لها من الكتاب والسنة، وهذا جهل فاضح بنصوص القرآن والسنة، ذلك أن جل القواعد الفقهية مأخوذ عن نصوص الكتاب والسنة ومعتمد عليها، مثل قاعدة: (الحرج مرفوع)؛ فهي مضمون قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقاعدة: (الضرر يزال) مأخوذة من الحديث الشريف: «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وابن ماجه (١) عن ابن عباس ﵄، وهكذا جميع القواعد الأخرى. ١٣ - زعم أن الفقهاء أضفوا على قواعد الفقه الشرعية والألوهية، وهذا باطل لم يفعله أحد، بل إن جلَّ القواعد الفقهية هي محلُّ اجتهاد واختلاف بين الفقهاء، وهي أغلبية لا قطعية، ولا يخلو واحدة منها من استثناء أو استثناءات. ١٤ - حمل حملة شعواء على قاعدة سد الذرائع، مع أن أصولها في الكتاب الكريم والسنة المطهرة؛ فقد نعى الله تعالى على اليهود عندما أمروا بالامتناع عن الصيد يوم السبت، فاتخذوا لذلك ذريعة وحيلة، فشنع الله عليهم بذلك فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٤]. ثم إن الله تعالى أمر المؤمنين ذكوراً وإناثاً بغض البصر فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]، وما ذلك في الحقيقة إلا لأن النظر ذريعة إلى الفاحشة، ومثل ذلك كثير في النصوص والأحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ

стр. 3592

عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وفي ما رواه البخاري قوله ﷺ في الحديث: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» رواه مسلم (١) عن النعمان بن بشير ﵁. ١٥ - حمل الكاتب على ختان البنات، وادعى أنه ثبت بقاعدة سدّ الذرائع، مع أنه ثابت بالسنة في أحاديث منها ما رواه أحمد والبيهقي عن رسول الله ﷺ مرفوعاً: «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» رواه البيهقي في (السنن الكبرى) (٢) عن ابن عباس ﵄، وهو على كل حال مندوب عند أكثر الفقهاء، ويسع الإنسان تركه إذا بدا له ضرره. ١٦ - حمل على من يقول بمنع الاختلاط، وادَّعى أن دليله سدّ الذرائع، والحقيقة أن الاختلاط مسموح به في أحوال، وممنوع منه في أحوال، والمدار في ذلك على الضرر المترتب عليه، إن وجد الضرر منع منه، وإن أمن الضرر جاز. ومثل هذا كثير في الأحكام، ودليله قول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» رواه أحمد وابن ماجه (٣) عن ابن عباس ﵄. ١٧ - ادعى الكاتب أن منع الاختلاط بين الشباب من الجنسين في الجامعات مؤامرة اجتماعية؛ لأنها غير دينية، ونسي أن ديننا شامل لكل فضيلة ومانع لكل رذيلة، وأن كل ممنوع يوصف بأن المنع فيه ديني، وكل حسن يوصف بأنه مباح في الدين، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ١٨ - والخطيئة التي لا تغتفر للكاتب هي تحريضه الشعراء على الانخراط في قافلة المخالفين لمبدأ الفصل بين الجنسين، وهو مثير للفتنة، وما درى الكاتب

стр. 3593

أن شعراء أمتنا كعلمائها هم حماة لدينها وشعائرها وأخلاقياتها، بل هم الرواد في ذلك، وهم من الشعراء المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]. ١٩ - قاس الكاتب علماء المسلمين وأئمتهم وفقهاءهم على اليهودي شاوول، والقارئ لا بد أن يحار في علة هذا القياس، وكيف استطاع الكاتب تدبيرها وترتيبها في خياله دون أن يكون لها أيُّ وجود في عالم الواقع، فأين الأتقياء قوام الليل وصوام النهار ابتغاء مرضات الله تعالى من المتفلتَّين من كل القيم؟ وأين أذكياء العالم مع كل هذه التقوى والزهد في الدنيا من شاوول اليهودي المعروف؟ بل أين وأين وأين، بل أين ضياء الشمس من حلكة الظلام؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. ٢٠ - ومن الأخطاء التي وقع فيها الكاتب أنه ادعى أن الإسلام قد حُرِّف كما حرفت المسيحية، ولا وجه للمقارنة بين الدينين، فإن التحريف في المسيحية جاء نتيجة تحريف التوراة والإنجيل بعهديه القديم والجديد، وطال التحريف العقائد والشرائع معاً، أما الإسلام فلم تحرَّف عقائده ولا شرائعه، وهي قائمة كما أنزلت على الرسول ﷺ ، لأن هذه العقائد والشرائع تعتمد على القرآن، ومن الثابت أن القرآن يقيناً لم يحَّرف ولا يختلف مسلم في ذلك، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، كما أن مدخل التحريف في المسيحية كان من شاوول وأمثالَه، أو مُعِدِّ كتب التلمود من اليهود وجعله قريناً للتوراة، أما علماء الإسلام فلم يحرفوا النصوص، ولم يضعوا قريناً للقرآن والسنة، إنما اجتهدوا في تفسير نصوص القرآن والسنة، بأصول الاجتهاد المعتبرة، المستمدة منهما ومن اللغة العربية، وكل اجتهاد وافق أصول الاجتهاد فهو اجتهاد مقبول منسوب إلى الشريعة؛ كالاجتهاد في سد الذرائع، وكل اجتهاد خالفها فهو مردود

стр. 3594

غير منسوب إلى الشريعة ككلام الكاتب، إن جاز أن نسمِّي الهذيان اجتهاداً. والله أعلم. [١٢/ ٤٥٤ / ٣٩٢٢] التقصير في القيام بالواجب الكفائي ٣١٣٢ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / صلاح / الأمين العام للجنة دعوية، ونصُّه: بما أن لجنتنا ألزمت نفسها بسد فرض كفاية على المجتمع، وذلك بالتعريف بالإسلام لغير المسلمين، والاهتمام بالمهتدين الجدد، وتثقيف الجاليات الموجودة في الكويت، وحيث إن المجتمع وثق بها في هذا الخصوص، وتقبل توليها الأمر، ونظراً لمرور اللجنة في عجز مادي شديد وديون متراكمة؛ فإنها تضطر لعمل التالي: أ - عدم الوصول إلى شرائح كثيرة غير مسلمة، رغم معرفتنا بأماكنهم، ووسائل التأثير فيهم. ب - رفض طلبات المهتدين والمهتديات في تعلم شؤون دينهم واختيار أقل عدد ممكن. ج - توقيف مشروعات تعليم الجاليات المتواجدة في الكويت باستثناء المشروعات الصغيرة وغير المكلفة. د - عدم متابعة المهتدين والمهتديات الذين سافروا إلى بلدانهم. وحتى لا تقع اللجنة والقائمون عليها خاصة في حرج شرعي فإننا نسأل:

стр. 3595

١ - هل يقع علينا الإثم في تقدير الأعمال الممكن عملها، أم هناك أولويات شرعية في مثل هذه الظروف؟ ٢ - هل يجب على اللجنة أو القائمين عليها إعلام المجتمع بعدم استطاعتها السيطرة على الوضع كله؟ ٣ - هل يجب على اللجنة أو القائمين عليها إعلام المسؤولين في الدولة بذلك؟ ومن هم المسؤولون عن ذلك؟ ٤ - هل يقع الإثم على القائمين على هذا العمل لو تركوه أو أوكلوه للجهات الرسمية المسؤولة عن ذلك؟ برجاء الإفادة وبالسرعة الممكنة مأجورين ومشكورين. أجابت اللجنة بما يلي: لا يجوز للجنة أن تتعمَّد التقصير فيما أنيط بها من أعمال، أو فيما أذن لها بالعمل من أجله، فإذا عجزت عذرت، وتركت لها تقدير الأولويات حسب قدرتها، وحتى لا تضيع الأمانة التي تحملتها، وهي دعوة غير المسلمين إلى الإسلام؛ يجب عليها السعي لدى المسؤولين لتدارك العجز، أو لإناطة التكليف بغيرها. والله أعلم. [١٠/ ٤٢١ / ٣١٤٦] الشكاوى الكيدية التي لا يعلم صاحبها ٣١٣٣ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / فلاح، ونصُّه: ترد على بعض المسؤولين الكثير من الشكاوى غير المذيلة بأسماء أصحابها، أو انتحال شخصيات وهمية كمجموعة من الموظفين ... إلخ، وقد يكون كاتبها

стр. 3596

شخصاً واحداً، وغالباً ما تكون هذه الشكاوى مغايرة للحقائق، والتي اصطلح على تسميتها بالشكاوى الكيدية، نظراً لما تحمل في طياتها من الضغينة أو الحسد أو تصفية حسابات أو تشويه السمعة أو الاصطياد في الماء العكر .. إلخ، وفي الإجابة عن هذا النوع من الشكاوى مشغلة وإضاعة للوقت في غير فائدة، وتفويت للمصالح الشرعية، والمهام التي أنيطت بالمسؤولين، لذا نسأل عن التخريج الشرعي لهذا النوع من الشكاوى غير المذيلة بأسماء أصحابها، أو بمعنى آخر: الشكاوى التي يتقدم بها مجهول العين والحال بالفاكس أو بالهاتف، ويتعمَّد عدم ذكر اسمه أو أي معلومة يستدل بها عليه - على أيِّ موظف أو مسؤول في أيِّ وزارة أو مؤسسة- هل هذه الشكوى تعتبر دعوى أم شهادة؟ وإذا كانت دعوى؛ فهل تصح أو تسمع الدعوى عند فقد أحد أركانها وهو المدَّعي؟ وقد قال ابن فرحون ﵀: (علم القضاء يدور على معرفة المدَّعي من المدَّعى عليه). «تبصرة الحكام (١/ ٩٨)»، وقد ذكر جمهور الفقهاء أن أركان الدعوى هي: المدَّعي، والمدَّعى عليه، والمدعى به، والقول الذي يصدر عن المدعي يقصد به طلب حق لنفسه أو لمن يمثله. (الموسوعة الفقهية) (٢٠/ ٢٧٢)، وإذا كانت شهادة؛ فهل تصح شهادة مجهول العين والحال؟ وقد اشترط الفقهاء العدالة في الشاهد. (الموسوعة الفقهية) (٣٠/ ١٠) وإذا كانت هذه الشكوى مغايرة للحقيقة تماماً، وبقصد إيذاء أخيه المسلم؛ فهل تدخل في شهادة الزور وفي قوله ﷺ الذي رواه أبو داود والترمذي وأحمد (١): «وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه»؟ وماذا تنصحون من يكتب مثل هذا النوع من الشكاوى، ويتعمَّد عدم كتابة اسمه؛ حتى لا تتمكن الجهة المقصودة لديه من فتح باب التحقيق وطلب البينة منه. نرجو الإجابة مشكورين. أجابت اللجنة بما يلي:

стр. 3597

ترى اللجنة أن ما ذكره المستفتي من باب الإخبار، لا من باب الدعوى، ولا من باب الشهادة، والإخبار في الأصل يحتمل الصدق والكذب، فإذا غلب على ظن من وصلته هذه الرسالة، أو هذا الهاتف من الرؤساء وأولياء الأمور، من معلوم أو من مجهول، أنها صادقة -بحسب ما يتوفر له من قرائن الأحوال-؛ فعليه أن يحقق فيه، سواء علم مرسلها أو لم يعلمه، فإذا ثبت له صدقها، وإدانة من اتهمته الرسالة أو الاتصال الهاتفي من الموظفين، فيتخذ في حقه الإجراءات اللازمة والمناسبة وفق الأنظمة النافذة، وإن ثبت له كذبها برَّأ ساحة من اتُّهم بها، وإن غلب على ظنه كذبها وأنها كيدية، فإنه يهملها ويغضي عنها. فإذا اختلط عليه الأمر ولم يرجح لديه شيء، حقق فيها احتياطاً، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. فإن أهملها وهو يظن صحتها وأحقيتها، وكانت التهمة مما يضر بمصالح المسلمين، أثم على ذلك. وأما كاتبها أو المخبر بها: فإن كان صادقاً في قوله، ومتأكداً من انحراف من أخبر عنه، فهو مأجور فيما أخبر به، لما في إخباره من حماية للمصلحة، ويعد ذلك له من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضره أنه لم يخبر باسمه، فلربما أراد بذلك استبعاد ضرر ينزل به أو يلحقه من بيان اسمه، وإن كانت كيديه وباطلة وكاذبة، فهو آثم عند الله تعالى، لما فيها من الكذب والإيذاء وقصد الإضرار ببريء. والرسول ﷺ يقول: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وشهادة الزور -ثلاثاً- أو قول الزور». فما زال يكررها حتى قلنا ليته

стр. 3598

سكت. رواه البخاري (١). واللجنة تهيب بالجميع أن يتقوا الله تعالى في أقوالهم وادعاءاتهم، ولا يتهموا بريئاً، ولا يقولون إلا ما يرون صدقه وأحقيته، وأن يقصدوا بذلك وجه الله تعالى في ذلك، لا تحقيق مصلحة شخصية لهم من وراء ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار» رواه الترمذي (٢). والله أعلم. [١٩/ ٤٩٧ / ٦٢٣٥] تعزير السارق عقوبة له ٣١٣٤ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / مدير الشؤون الإدارية في إحدى الشركات، ونصُّه: إننا نقوم بنشاط بيع التجزئة للمواد الغذائية، ونرجو بيان حكم الشرع فيما يلي: تعلمون أننا نراقب أسواقنا بكاميرات سرية، وعندما نمسك بلص يسرق، ومقابل عدم إبلاغ الشرطة نأخذ منه إقراراً بأنه قد سرق، ويدفع لنا غرامة مالية، عشرة أضعاف المسروق. فما رأيكم في ذلك؟ وما هو التصرف الأمثل في مثل هذه الحالة من أجل الحفاظ على أموالنا من اللصوص، وردعاً لهم؟

стр. 3599

أجابت اللجنة بما يلي: ترى اللجنة أنه ليس للمستفتي أن يأخذ من اللص أكثر مما سَرَقَه منه، أو قيمته عند تلفه، وله مع ذلك رفعه للقضاء؛ لتعزيره أو إقامة حد السرقة عليه، وفقاً لأحكام الشريعة، وليس له أن يأخذ من اللص أكثر من ذلك، لأن العقوبة من حق القاضي وحده. ولا مانع من أن يحصل صاحب المحل على إقرار من السارق على ما وقع منه. وتنصح اللجنة صاحب المحل التجاري بأن يكتفي من السارق باسترداد ما سرقه منه أو قيمته مع إقراره بالواقعة، وتعهده بأن لا يعود لمثلها، دون زيادة على ذلك، ما لم يتكرر منه فعل السرقة، فإذا تكرر منه ذلك يرفعه للقضاء. والله أعلم. [١٩/ ٥٠٠ / ٦٢٣٦] التنازل عن عقوبة خائن الأمانة ٣١٣٥ - حضر أمام اللجنة السيد / محمد، وقدم الاستفتاء التالي: لي ابن عم كان يعمل (مندوب جمع تبرعات) في جمعية خيرية، وقبل شهر تقريباً اتُّهم من قبل الجمعية بخيانة الأمانة بمبلغ (١٥٠٠) ألف وخمسمائة د. ك، واستردت الجمعية المبلغ، لكنها رفعت عليه قضية خيانة أمانة، وهو الآن موقوف في السجن على ذمة القضية، ولما ناشدناهم التنازل عن القضية - لاسيما وقد تم إرجاع المبلغ- قالوا لنا: يمكن أن نتنازل عن القضية إذا أفتت لجنة الفتوى بجواز مساعدة المتهم بالتنازل عن القضية، آملين من فضيلتكم أن تفتونا بذلك، حيث لم تصل القضية للمحكمة، وجزاكم الله خيراً.

стр. 3600

أجابت اللجنة بما يلي: ما دام المتهم قد أعاد المبلغ المتهم بأخذه بغير حق إلى الجمعية، ولم تصل القضية بعد إلى المحكمة، فإن حق طلب معاقبة المتهم هو حق شخصي للجمعية، فإن رأت الجمعية أن المتهم قد تاب توبة نصوحاً وعزم على عدم العود إلى مثل فعلته الأولى، وسعها إعفاؤه من المطالبة بإنزال العقوبة به، وإن رأت أنه لم يتب بعد، كان لها رفعه إلى القضاء لينال عقوبته المناسبة، حسماً لمادة الفساد، وليرتدع به غيره، والله أعلم. [١٣/ ٣٥٤ / ٤٢٢٥]

стр. 3601

باب الشهادات - شهادة البنت لأمها - شهادة زوج البنت لأم زوجته ٣١٣٦ - عرض على اللجنة الاستفتاء الآتي المقدَّم من السيد / سهيل، ونصُّه: طلَّق شخص زوجته طلقة أولى رجعية، ولم يراجعها حتى تاريخ وفاته، وقد ترك بعد وفاته خمس بنات بالغات، منهنّ اثنتان متزوجتان، وتدعي الزوجة أن زوجها راجعها قبل مضيِّ عدَّتها، وبدون إشهاد رسمي بالمراجعة، والسؤال هو: ١ - هل تقبل شهادة البنت لأمها؟ ٢ - هل تقبل شهادة زوج إحدى البنات لأم زوجته؟ أجابت اللجنة بما يلي: أولاً: إن شهادة الفرع لأصله لا تجوز؛ للتهمة. ثانيا: إن شهادة الإناث في الرجعة لا تجوز حتى عند من يقول بوجوب الإشهاد على الرجعة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وذوا العدل هما الرجلان، وأما شهادة زوج إحدى البنات وحده فلا تقبل، فضلاً عن أنها قد تجر نفعاً. والله أعلم. [٤/ ٤٤٤ / ١٣٦٧]

стр. 3602

الشهادة على الوفاة ٣١٣٧ - عرض السؤال المقدَّم من السيد / عبد الفتاح، وهو: وقع حادث مع أشخاص، الذين بقوا أحياء رجل وزوجته قالوا: إننا بعد الحادث نقلنا إلى المستشفى، وفي الطريق سمعنا صراخاً فتوقفت سيارة الإسعاف على أثره ثم تابعت مسيرتها، وعند الوصول إلى المستشفى؛ قال الممرض: إن امرأة توفيت بالطريق، ثم أنزل المصابين إلى غرفة الإسعاف، وكان الزوج معهم، ولم تنزل هذه المرأة التي قال عنها الممرض أنها توفيت، بل قال الممرض: إننا أدخلناها إلى ثلاجة المستشفى، وفي حوالي الساعة ١٠: ٠٠ صباحاً من نفس اليوم ماتت بنت، وهي تحت العلاج، وقد أعلنت إدارة المستشفى في شهادة التبليغ عن الحادث أن المرأة والبنت ماتتا في يوم واحد، وفي ساعة واحدة الساعة ١٠: ٣٠ صباحاً، فأيهما تؤخذ شهادته في هذا الموضوع؟ شهادة المستشفى أم شهادة الرجل وزوجته؟ مع العلم أن زوجة الرجل كانت في وعي كامل؟ أجابت اللجنة بما يلي: أولاً: نصاب الشهادة لم يستكمل؛ لأن ظاهر الاستفتاء أن من شهد بالوفاة رجل وامرأة، وظاهر من الاستفتاء أيضاً أنهما بنيا شهادتيهما على السماع، لا على الرؤية، وعلى كل حال فالمحكمة هي التي يمكنها أن تثبت أي المرأتين ماتت قبل. هذا وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. [٢/ ٢٧٩ / ٦٣٧]

стр. 3603

شهادة غير المسلم ٣١٣٨ - حضر إلى اللجنة السيد / هاني، وقدَّم الأسئلة الآتية: بحكم وظيفتي نرسل العينات الغذائية إلى المختبر؛ (المختبر الكيميائي)؛ لمعرفة ما إذا كانت العينة الغذائية تحتوي على دهن خنزير أو كحولات، وعندما تصل نتيجة المختبر الكيميائي نقوم إما بمنع دخول تلك المادة الغذائية، أو السماح لها على ضوء تلك النتيجة، ولما كانت رئيسة المختبر هي امرأة غير مسلمة، ويوجد تحتها ثمانية محللين كيميائيين للأغذية، من بينهم كذلك اثنان من غير المسلمين، فما هو موقفي هل أقبل النتيجة التي قام بتحليلها غير المسلمين، وقالوا لي: إن العينة تحتوي أو لا تحتوي على دهن خنزير أو كحول، وما موقفي بشكل عامٍّ أمام النتائج الصادرة بموافقة الرئيسة التي تساهم في إبداء رأيها في النتيجة النهائية للعينة الغذائية؟ وبسؤاله عن دور رئيسة المختبر الكيميائي في إعطاء النتيجة أجاب بأنها هي وحدها التي تتلقى طلبات الاختبار، وتحيل العيِّنات إلى المحلِّلين، ثم تتسلَّم النتائج، وتعطي النتيجة بتوقيعها. وسئل المستفتي: هل لها دور في إبداء الرأي؟ قال نعم. أجابت اللجنة بما يلي: بعدم جواز اعتماد النتيجة فيما يتعلق بدهن الخنزير أو الكحول وسائر ما يتصل بالأمور الشرعية، لأنه لا يقبل في هذه الأمور إلاّ خبر المسلم، ويتعيَّن في ذلك أخذ رأي المحلل المسلم المؤتمن بتوقيع معروف. والله أعلم. [٢/ ٢٨٠ / ٦٣٨]

стр. 3604

الشهادة دون علم أو رؤية ٣١٣٩ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / ثامر، ونصُّه: ما حكم الشهادة إذا جاءت على شيء لم يُر، ولم يُسمع، ولكن المشهود له هو الذي أبلغ الشاهد أن يشهد له بالشهادة. مثال: خلاف بين (س) و (ص)، الطرف الأول (س) جاء بشهود ضد الطرف الثاني (ص)، والشهود جاءت شهادتهم، وقالوا إن (س) أبلغهم بما حدث من (ص). السؤال: هل يعتد بهذه الشهادة؟ وهل هذه الشهادة شرعية؟ وهل تعد من شهادة الزور؟ أجابت اللجنة بما يلي: الشهادة على الحقوق بين الناس لا يجوز أن يقوم بها الشاهد إلا إذا كان عالماً بالشيء المشهود به، ومتأكداً من صحة ما يشهد به تأكداً كاملاً، وإلا كان آثماً في شهادته، وترد شهادته إذا علم القاضي بعدم تأكده منها وعاقبه عليها، وإذا طلب أحد من المسلم أن يشهد له على أمر لم يعلم هو به من قبل، ولم يشاهده بنفسه؛ فعليه الامتناع عن الشهادة به، وإلا كان شاهد زور، وشهادة الزور من أكبر الكبائر، فقد روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت» وفي رواية: «فما زال

стр. 3605

يكررها حتى قلنا: ليته سكت» رواه البخاري (١). والله أعلم. [١٧/ ٤١٩ / ٥٥٠١] كتمان الشهادة عن صاحب الحق ٣١٤٠ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / ثامر، ونصُّه: ما حكم كتمان الحق عن صاحبه مع العلم بوجود الضرر على صاحب الحق، وهل يدخل كتمان الحق في شهادة الزور؟ أجابت اللجنة بما يلي: كتمان الحق عن صاحبه عند حاجته إليه، وتعيَّن شهادته عليه به مع القدرة على الإفصاح عنه - وذلك بأن لا يلحقه ضرر في بدنه أو ماله أو أهله - نوع من الخيانة، وهي حرام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. والله أعلم. [١٧/ ٤١٩ / ٥٥٠٠] كتمان الطبيب سبب الوفاة حفاظاً على خصوصية المريض وسمعة العائلة ٣١٤١ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من كل من السيدين / أسامة وشهاب، ونصُّه:

стр. 3606

نحن مجموعة من الأطباء، نقوم بعلاج مرضى مصابين بمرض الإيدز، وكما تعلمون مدى حساسية هذا المرض في مجتمعنا الذي نعيش فيه، وانعكاساته السلبية على سمعة العائلة والفرد، ومن أجل المحافظة على خصوصية المريض وعلى سمعة العائلة، فإننا نضطر لعدم الإفصاح عن سبب الوفاة الحقيقي في شهادة الوفاة، والاكتفاء بكتابة سبب عامٍّ لا يوحي بأن سبب الوفاة هو مرض الإيدز، وقد يكون في هذا إخلال بالإحصائيات العامَّة لوزارة الصحة، وقد يكون في هذا نوع من الكذب والتدليس، فهل عملنا هذا جائز أم لا؟ أجابت اللجنة بما يلي: ما دام نظام الدولة يوجب أن يقدم الطبيب المختص شهادة وفاة لمن فارقته الحياة تتضمَّن سبب الوفاة، فإن الطبيب يجب عليه في كل الأحوال أن يدوّن في الوثيقة الصادرة منه ما رآه، وما علمه من سبب الوفاة، لأنها شهادة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ولا بأس بأن يجعل ذلك في تقرير سرِّي، لا يطَّلع عليه غير السلطات المسؤولة في الدولة، إذا كانت الأنظمة تسمح بذلك. والله أعلم. [١٧/ ٤٢١ / ٥٥٠٢]

стр. 3607

باب الجهاد الجهاد لتحرير أرض المسلمين المغتصبة ٣١٤٢ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / أمين، ونصّه: السادة هيئة الفتوى في إدارة الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أرجو إفتائي في الأسئلة التالية: ١ - هل الجهاد المقدّس لتحرير أرض المسلمين المغتصبة من غير المسلمين فرض على جميع المسلمين، أو فرض كفاية؟ ٢ - ما حكم من يغلق الطريق أمام المسلمين لتحرير أراضيهم المحتلة من غير المسلمين. نرجو التكرم بالإجابة خطياً في أسرع وقت ممكن، وفقكم الله لما يوافق كتابه العزيز، وسنة نبيه محمد ﷺ . أجابت اللجنة بما يلي: الجهاد لتحرير ما احتل من أرض المسلمين فرض عين على أهلها، فإن لم يكن بهم كفاية شملت الفريضة من يليهم من المسلمين ممن تحصل بهم الكفاية، وهكذا حتى يعمّ جميع المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ

стр. 3608

فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، مع مراعاة أهداف الجهاد وشروطه، وخصوصاً أن يكون لإعلاء كلمة الله، ولاسترجاع أراضي المسلمين وممتلكاتهم، والمحافظة على أنفسهم ولإقامة أحكام الإسلام، وأن يسبق الجهاد إعداد المستطاع من القوة، وعلى أن لا يتضمَّن الجهاد غدراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. والله أعلم. [٥/ ٤١٤ / ١٧٠٠] استئذان الوالدين في الجهاد ٣١٤٣ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدَّم من السيد / عبد الله، وهو كالآتي: أتقدم إليكم بهذا السؤال على أن أجد لديكم ما يسعدني بالجواب الشافي، مع حسن ظني بكم، واحترامي لكم، والسؤال هو ما يلي: أنا شاب أعمل في الكويت مع أخي ووالدي، وعملنا مصلحته واحدة، ويصب في مجرى واحد، وأما جوهر السؤال: فإنني ولله الحمد مغرمٌ بالجهاد في سبيل الله، وذلك من يوم أن كنت صبياً، ولا يكاد يفارقني هذا الشوق للجهاد في سبيل الله، أما الآن وبعد أن دخل العدو في أرض المسلمين الحبيبة، فقد زاد شوقي له لثقتي الكاملة بأن الجهاد في تلك الجهة إسلامي المنطلق، ولكن هنا توجد عقبة تعيق تحركي إلى هناك وهي أنني عندما أعلمت أبي بهذا؛ كان رده أن لك زوجةً تقيِّدكَ عن الخروج للجهاد بما لها عليك من حقوق وواجبات، فهل صحيح أن الزوجة تمنع من الجهاد؟ والأمر الثاني يقول والدي: إن والدتك ستتأثر وتحزن لفقدك كثيراً، مع العلم أن لديها غيري ستة من الأولاد والبنات فهل أعتبر عاقّاً إذا خرجت لأمر الجهاد مع وجود حزن أمي فقط؟ من ناحية المادة

стр. 3609

فهي مكتفية ولله الحمد، هذا وجزاكم الله خير الجزاء. أجابت اللجنة بما يلي: على السائل أن يتحرَّى من الجهة التي يثق بها عن حاجة المجاهدين إلى الرجال المقاتلين، فإن كانت الحاجة قائمة فهذا الجهاد فرض عين لا يستأذن فيه الوالدان، فيجوز له أن يخرج من غير إذن والدته، ولا يعتبر عاقاً، لأن فرض العين مقدم على طاعة الوالدين، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أما إذا كانت حاجةُ المجاهدين للرجال غيرَ قائمةٍ، وإنما الحاجة للأسلحة الحديثة؛ فعليه أن يجاهد بماله، وإذا أراد أن يجاهد بنفسه في هذه الحال؛ فعليه؛ أن يستأذن والديه، فإن أذنا له فبها وإلَّا فعليه طاعتهما، لأن فرض الكفاية يترك لطاعة الوالدين، وفي جميع الأحوال يجب عليه إن كان قادراً أن يوفر لزوجته وأولاده ما يكفيهم، لقول النبي ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يَعُول» (١). والله أعلم. [٢/ ٢٨٢ / ٦٣٩] خروج المرأة للجهاد بدون إذنٍ ولا مَحْرم ٣١٤٤ - عرض على اللجنة الاستفتاء المقدّم من / لجنة للدعوة في جمعية خيرية، وكان قد وَصَلَها من أختين في خمس صفحات. وخلاصة السؤال عن حكم الشرع في ذهابهما لأداء فريضة الجهاد في أفغانستان من غير محرم، ورغم معارضة الوالدين؟ أجابت اللجنة بما يلي: إن الإسلام حين كرم المرأة لم يكتف بمجرد تحريرها من رق الجاهلية، وإنما

стр. 3610

احترم رأيها، وقبل مشورتها في أمور كثيرة، وأعطاها حقها في العبادة، حتى في الجهاد والاشتراك في الفتوحات الإسلامية، وقد اشتركت نساء كثيرات في الجهاد بدور طليعي، وسجَّل تاريخ الإسلام أسماء كثيرات منهنّ. وإذا كان الإسلام قد منحها هذا الشرف فإنه لم يلزمها به إلزامه للرجال؛ تمشياً مع طبيعتها البدنية، وعملاً على قيامها بالمهمة التي هي أكبر من ذلك، وهي مهمة تربية أولادها، وحين تريد الخروج للجهاد فإنه يلزمها بما ألزم به الرجال من استئذان والديها؛ لأن العمل على إرضائهما لون من ألوان الطاعة الواجبة، وخدمتهما تعدل الجهاد، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يكتتب في الجهاد فسأله النبي ﷺ «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد» رواه مسلم (١). وفي رواية أخرى «فهل لك من أم؟» قال: نعم. قال: «فالزمها فإن الجنة عند رجليها» رواه أحمد (٢). ومما هو مقرَّر أن برَّ الوالدين من أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله وبعد الصلاة، فقد ورد في صحيح البخاري (٣) أن عبد الله بن مسعود قال للنبي ﷺ : «أيُّ العمل أحبُّ إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برُّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله»؛ فأخبر النبي ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام ورتب ذلك (بِثُمّ) التي تعطي الترتيب والمهلة) (تفسير القرطبي مجلد / ١٠ ص ١٣٨). ونهى النبي ﷺ المرأة من السفر مسيرة يوم وليلة دون زوج أو محرم (متفق عليه)، وعلى ذلك فخروج المرأة للجهاد و (لو) مع نسوة أخريات دون علم أهلها أمر مرفوض شرعاً، وكذلك خروجها للجهاد مع غير محرم، أما خروجها
следующие страницы →