← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6658

منهج النقد في علوم الحديث

نور الدين عتر

Полный текст (503 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أما في الجرح فقال: ١ - وأردأ عبارات الجرح: دجال، كذاب، وضاع، يضع الحديث. ٢ - ثم: متهم بالكذب، ومتفق على تركه. ٣ - ثم متروك، وليس بثقة، وسكتوا عنه .... ٤ - ثم واه بمرة، وليس بشيء، وضعيف جدا، وضعفوه ... ٥ - ثم يضعف، وفيه ضعف، وقد ضعف، وليس بالقوي، سيئ الحفظ ... إلخ. وجاء العراقي فتابع الذهبي في تقسيمه وأدخل عليه تفصيلا وإيضاحا كلمة: المرتبة الأولى -المرتبة الثانية، بدلا من كلمة ثم. وتوسع في ذكر ألفاظ كل مرتبة، وأبان حكم المراتب وأوضحه. فالأولى والثانية من مراتب التعديل، إذا قيل للواحد شيء من ألفاظهما فهو ممن يحتج بحديثه والثالثة يكتب حديثه وينظر فيه، والرابعة بمنزلة التي قبلها يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دونها. وقال في المراتب الثلاث الأولى من مراتب الجرح: "وكل من قيل فيه ذلك من هذه المراتب الثلاث لا يحتج به ولا يستشهد به ولا يعتبر به"، وفي المرتبتين الرابعة والخامسة: "يخرج حديثه للاعتبار". ثم جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني فزاد في نخبته مرتبة في التعديل أعلى من المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي وهي ما عبر فيها بأفعل التفضيل، كأوثق الناس، فصارت مراتب التعديل خمسا وزاد عليها في كتابيه "تهذيب التهذيب"، و"تقريب التهذيب" رتبة أخرى

стр. 107

اعتبرها أعلى أيضا وهي رتبة الصحابة، فصارت مراتب التعديل ستا. وصنيع الحافظ ابن حجر في إفراد رتبة الصحبة معقول، فإن توثيقهم إنما علم بالنصوص من الكتاب والسنة، وهي أعلى دلالة وأسمى شرفا ممن ثبتت عدالته بتعديل بشر. وأما مراتب الجرح فزاد عليها الحافظ رتبة المبالغة كأكذب الناس، وتابعه عليها السخاوي فصارت مراتب الجرح ستا أيضا. التقسيم المختار لمراتب الجرح والتعديل: ونحن نختار هذا التقسيم للمراتب فنفصلها بعد هذا التمهيد ونسوق لك مع كل رتبة ما ينطبق عليها من ألفاظ الجرح أو التعديل، بدءا من أعلى مراتب التعديل إلى أسوأ مراتب التجريح. مراتب التعديل: "المرتبة الأولى": وهي أعلاها شرفا، مرتبة الصحابة ﵃ وأرضاهم. "المرتبة الثانية": وهي أعلى المراتب في دلالة العلماء على التزكية، وهي ما جاء التعديل فيها بما يدل على المبالغة، أو عبر بأفعل التفضيل، كقولهم، أوثق الناس، وأثبت الناس، وأضبط الناس، وإليه المنتهى في التثبت. ويلحق به: لا أعرف له نظيرا في الدنيا، وقولهم: لا أحد أثبت منه، أو من مثل فلان، أو فلان لا يسأل عنه. "المرتبة الثالثة": إذا كرر لفظ التوثيق، إما مع تباين اللفظين كقولهم: ثبت حجة، أو ثبت حافظ، أو ثقة ثبت، أو ثقة متقن، أو مع إعادة اللفظ الأول، كقولهم: ثقة ثقة، ونحوها، وأكثر ما وجدوا

стр. 108

قول ابن عيينة حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة ثقة ثقة ... ، إلى أن قال تسع مرات، ومن هذه المرتبة قول ابن سعد في شعبة: "ثقة مأمون ثبت حجة، صاحب حديث". "المرتبة الرابعة": ما انفرد فيه بصيغة دالة على التوثيق، كثقة. أو ثبت أو متقن، أو كأنه مصحف، أو حجة، أو إمام، أو عدل ضابط. والحجة أقوى من الثقة. "المرتبة الخامسة": ليس به بأس، أو لا بأس به، أو صدق، أو مأمون، أو خيار الخلق. أو ما أعلم به بأسا، أو محله الصدق. "المرتبة السادسة": ما أشعر بالقرب من التجريح، وهي أدنى المراتب، كقولهم: ليس ببعيد من الصواب، أو شيخ، أو يروى حديثه، أو يعتبر به، أو شيخ وسط، أو روي عنه. أو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو مقارب الحديث، أو ما أقرب حديثه، أو صويلح، أو صدوق إن شاء الله، أو أرجو أن لا بأس به، أو جيد الحديث، أو حسن الحديث. أو وسط، أو مقبول، أو صدوق تغير بأخرة، أو صدوق سيء الحفظ، أو صدوق له أوهام، أو صدوق مبتدع، أو صدوق يهم. "ثم إن الحكم في أهل هذه المراتب: الاحتجاج بالأربعة الأولى منها. وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط، بل يكتب حديثهم ويختبر، وأم السادسة فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها، وفي بعضهم من يكتب حديثه للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم". كذا قال الحافظ السخاوي (١)، وهو ينطبق على تقسيمنا هذا أيضا، لما عرفت أثناء

стр. 109

الشرح. وهو موافق لما قاله ابن أبي حاتم وأقره ابن الصلاح في أحكام التقسيم لمراتب التعديل. وهذا اتفاق منهم على أن كلمة "صدوق" لا يحتج بمن قيلت فيه إلا بعد الاختبار والنظر، ليعلم هل يضبط الحديث أو لا (١). وذلك يرد ما زعمه بعض الناس من أن من قيلت فيه يكون حديثه حجة من الحسن لذاته، دون أن يقيده بأن ينظر فيه. مراتب الجرح: "المرتبة الأولى": وهي أسهل مراتب الجرح، قولهم: فيه مقال، أو أدنى مقال، أوضعف، أو ينكر مرة ويعرف أخرى، أو ليس بذاك، أو ليس بالقوي، أو ليس بالمتين، أو ليس بحجة، أو ليس بعمدة، أو ليس بمأمون (٢)، أو ليس بالمرضي، أو ليس يحمدونه، أو ليس بالحافظ، أو غيره أوثق منه، أو فيه شيء، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو فيه ضعف، أو لين الحديث، أو سيئ الحفظ، أو ضعف، أو للضعف ما هو. أو فيه لين "عند غير الدارقطني، فإنه قال: إذا قلت: لين لا يكون ساقطا متروك الاعتبار ولكن مجروحا بشيء لا يسقط لا يسقط به عن العدالة".

стр. 110

ومنه قولهم: تكلموا فيه، أو سكتوا عنه، أو مطعون فيه. أو فيه نظر، عند غير البخاري، فإنه يقول ذلك فيمن تركوا حديثه. "المرتبة الثانية": وهو أسوأ من سابقتها، وهي: فلان لا يحتج به، أو ضعفوه، أو مضطرب الحديث، أو له ما ينكر، أو حديثه منكر، أو له مناكير، أو ضعيف، أو منكر، عند غير البخاري، أما البخاري فقد قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه". وحكم من ذكر في هاتين المرتبتين -كما بين السخاوي-: يعتبر بحديثه، أي يخرج حديثه للاعتبار- وهو البحث عن روايات تقويه ليصير بها حجة- لاشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك، وعدم منافاتها لها. "المرتبة الثالثة": أسوأ من سابقتيها. كقولهم: فلان رد حديثه، أو مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو ليس بثقة، أو واه بمرة، أو طرحوه، أو مطروح الحديث، أو مطروح، أو ارم به، أو لا يكتب حديثه، أو لا تحل كتابة حديثه، أو لا تحل الرواية عنه، أو ليس بشيء، أو لا يساوي شيئا، أو لا يستشهد بحديثه، أو لا شيء خلافا لابن معين. "المرتبة الرابعة": كقولهم: فلان يسرق الحديث، وفلان متهم بالكذب أو الوضع، أو ساقط، أو متروك، أو ذاهب الحديث، أو تركوه، أو لا يعتبر به، أو بحديثه، أو ليس بالثقة، أو غير ثقة، وكذا قولهم: مجمع على تركه، ومود أي هالك، وهو على يدي عدل. "المرتبة الخامسة": كدجال، والكذاب، والوضاع، وكذا: يضع، ويكذب، ووضع حديثا. "المرتبة السادسة": ما يدل على المبالغة كأكذب الناس، أو إليه

стр. 111

المنتهى في الكذب، أو هو ركن الكذب، أو منبعه، أو معدنه. ونحو ذلك. وحكم هذه المراتب الأربع الأخيرة قال فيه السخاوي: "إنه لا يحتج بواحد من أهلها ولا يستشهد به، ولا يعتبر به". إيضاح لبعض هذه الألفاظ: ونوضح فيما يلي ما يحتاج إلى الشرح من هذه الألفاظ، ونبين ما وجد فيه اصطلاح خاص لبعض العلماء، لم يوافق فيه المصطلح العام الذي ذكرنا مراتبه: ١ - قولهم: "لا بأس به"، أو "ليس به بأس" قال ابن معين: إذا قلت: "ليس به بأس فثقة". ومثله عند دحيم الحافظ أيضا. أما عند غيرهما فإنه من المرتبة التي دون ثقة وهي الخامسة (١). ٢ - قولهم: "إلى الصدق ما هو" يعني أنه قريب من الصدق ما هو ببعيد (٢). ٣ - قولهم: "مقارب الحديث" بفتح الراء وكسرها من صيغ التعديل على الصحيح. والمعنى على الفتح أن حديث غيره يقارب حديثه، والمعنى على كسر الراء أن حديثه يقارب حديث غيره، أي أن حديثه ليس بشاذ ولا منكر (٣) وهو من المرتبة السادسة، ومثله في الرتبة: "ما أقرب حديثه". ٤ - قولهم: "تعرف وتنكر"، أو "يعرف وينكر"

стр. 112

على الوجهين، والمعنى: أنه يأتي مرة بالأحاديث المعروفة ومرة بالأحاديث المنكرة، فأحاديثه تحتاج إلى عرض وموازنة بأحاديث الثقات المعروفين. وقد وجدنا المحدثين أكثر استعمالا للصيغة الأولى، ولعل ذلك لأنها وردت في الحديث الصحيح عنه ﷺ (١). ٥ - قولهم: "منكر الحديث"، و"يروي المناكير"، وقولهم: "حديث منكر". بين هاتين العبارتين فرق ينبغي التنبه له، فإن معنى العبارة الأولى كثرة تفرده. وقولهم: "حديث منكر". اصطلح المتأخرون على أن المنكر هو الحديث الذي رواه ضعيف مخالفا للثقة. لكن المتقدمين كثيرا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد، ولو كان الراوي ثقة، وذلك كثير في كلام الإمام أحمد بن حنبل، ودحيم، وغيرهما (٢). ومن هذا تعلم خطأ من ضعف يزيد بن خصيفة راوية حديث أن الصحابة كانوا في عهد عمر يصلون التراويح عشرين ركعة، حيث ضعفه شيئا لأن الإمام أحمد قال فيه في رواية عنه: "منكر الحديث"، وقد عرفت أن هذا القول من الإمام أحمد لا يقتضي تضعيف الحديث، بل هو حكم منه بأنه يتفرد بأحاديث وليس يضر الثقة أن يتفرد بأحاديث، إنما يضره المخالفة، والمقصود هنا هو التفرد، بدليل أن أحمد ﵁ وثقه أيضا، وكذلك اعتمد توثيقه جماهير العلماء.

стр. 113

٦ - قولهم: "يسرق الحديث"، سرقة الحديث معناها أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضا من شيخ ذاك المحدث، أو يكون الحديث عرف براوٍ فيضيفه السارق لراوٍ غيره ممن شاركه في طبقته (١). ٧ - قولهم: "هل على يدي عدل". كان الحافظ العراقي يقول إنه من ألفاظ التوثيق، وينطق به "على يدي عدل" بكسر الدال الأولى وبرفع اللام وتنوينها، لكن حقق الحافظ ابن حجر أنها من ألفاظ التجريح الشديد كناية عن الهالك، لأنه مأخوذ من المصل السائر: "وضع على يدي عدل" وعدل هو رجل من شرط تبع، فكان تبع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه (٢). وثمة اصطلاحات أخرى تحتاج للتنبيه أضربنا عنها كي لا نخرج عما يناسب الاختصار الذي نقصده. مصادر الجرح والتعديل: والمصنفات في الجرح والتعديل عديدة كثيرة، معظمها في دراسة أحوال الرواة تفصيلا مما سنذكره في معرفة الثقات والضعفاء. وصنفوا أيضا في قواعد الجرح والتعديل تآليف نافعة من أهمها: ١ - مقدمة كتاب الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي. ٢ - الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي " (١٣٠٤) هـ". وهو كتاب نفيس جدا في غاية الفائدة طبع في حلب ثم في بيروت في جزء واحد متوسط.

стр. 114

٣ - الصحابة ﵃: الصحابة رضوان الله عليهم هم خلفاء رسول الله ﷺ في نشر الدعوة وحمل أعبائها، ومن ثم لم يقع خلاف "بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب النبي ﷺ من أوكد علم الخاصة، وأرفع علم الخبر، وبه ساد أهل السير" (١). وأصل الصحبة في اللغة يطلق على مجرد الصحبة، دون اشتراط استمرارها طويلا، وعلى ذلك درج المحدثون. قال الحافظ ابن حجر: "الصحابي من لقي النبي ﷺ -مؤمنا به، ومات على الإسلام". فقوله: "من لقي" يدخل في الصحابة من طالت مجالسته أو قصرت ومن غزا أو لم يغز. وقوله: "مؤمنا به" خرج به من لقيه كافرا ثم أسلم بعد ذلك ولم يجتمع به ﷺ بعد الإسلام (٢). مثل رسول هرقل.

стр. 115

أما الأصوليون: فيراعي كثير منهم دلالة العرف في معنى الصحبة. فيطلقون اسم الصحابي على "من طالت صحبته للنبي ﷺ وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ منه". وهو مروي عن سعيد بن المسيب فقد كان يقول: "الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين" (١). لكن انتقد العلماء هذا القول بأنه يؤدي إلى إخراج أقوام وقع الاتفاق على اعتبارهم من الصحابة، قال ابن الصلاح (٢): "لكن في عبارته ضيق يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي، ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة". وقد اختار أصحاب الحديث هذا التوسع نظرا إلى شرف النبي ﷺ وعظيم بركته التي تحصل للمؤمن إذا لقيه، فأعطوا كل من رآه ﷺ مؤمنا به حكم الصحبة. ومعرفة الصحابة لها فوائد مهمة في الدين والعلم. منها: ١ - أنهم هداة البشرية بهدي رسول الله ﷺ . وهم أمثلة تطبيق الدين، سيرتهم تملأ القلوب يقينا، وتحث الهمم على الجهاد والعمل، وتلهب الحماس في النفوس. ٢ - معرفة الحديث المرسل وتمييزه عن المنقطع والموصول، فإذا لم نعرف الناقل للحديث أهو صحابي أو ليس بصحابي لا يمكن لنا ذلك.

стр. 116

وقد ذكر العلماء ضوابط يعرف بها الصحابي، نحررها لك فيما يلي: ١ - التواتر، بأن ينقل إثبات صحبته عن عدد كثير جدا من الصحابة، كالخلفاء الراشدين الأربعة، وكبار الصحابة المعروفين لدى الخاصة والعامة. ٢ - الشهرة والاستفاضة القاصرة عن رتبة التواتر، كضمام بن ثعلبة، وعكاشة بن محصن. ٣ - أن يروي عن واحد من الصحابة أن فلانا له صحبة، مثل حممة الدوسي: شهد له أبو موسى الأشعري فقال: "إنا والله ما سمعنا فيما سمعنا من نبيكم ﷺ وما بلغ علمنا إلا أن حممة شهيد" (١). ٤ - أن يروي عن أحد التابعين أن فلانا له صحبة (٢). ٥ - أن يقول هو عن نفسه إنه صحابي، وذلك بشرطين: أن يكون ثابت العدالة وأن يكون في المدة الممكنة، وهي مائة سنة بعد وفاته ﷺ . لقوله في آخر عمره لأصحابه: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد" رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر. ورواه مسلم من حديث جابر ولفظه: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "أقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ".

стр. 117

وقد كان آخر الصحابة موتا سنة مائة وعشر سنين وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة ﵁ (١). ولهذا التحديد النبوي المعجز لم يصدق الأئمة أحدا ادعى الصحبة بعد المدة المذكورة. وقد ادعاها جماعة فكذبوا، آخرهم رتن الهندي ادعى الصحبة بعد الستمائة، فياله من كذاب (٢). طبقات الصحابة: فصل الحاكم النيسابوري (٣) طبقات الصحابة بحسب النظر الدقيق إلى سبقهم في الإسلام وشهود المشاهد الفاضلة، فجعلهم اثنتي عشرة طبقة، فقال: "أولهم: قوم أسلموا بمكة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. والطبقة الثانية من الصحابة: أصحاب دار الندوة، وذلك أن عمر ابن الخطاب ﵁ لما أسلم وأظهر إسلامه حمل رسول الله ﷺ إلى دار الندوة فبايعه جماعة من أهل مكة. والطبقة الثالثة من الصحابة: المهاجرة إلى الحبشة. والطبقة الرابعة من الصحابة: الذين بايعوا النبي ﷺ عند العقبة، يقال: فلان عقبي. والطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثانية، وأكثرهم من الأنصار. والطبقة السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء قبل أن يدخلوا المدينة ويبنى المسجد.

стр. 118

والطبقة السابعة: أهل بدر الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: "لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". والطبقة الثامنة: المهاجرة الذين هاجروا بين بدر والحديبية. والطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضٍيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. وكانت بيعة الرضوان بالحديبية لما صد رسول الله ﷺ عن العمرة، وصالح كفار قريش على أن يعتمر من العام المقبل. والطبقة العاشرة: المهاجرة بين الحديبية والفتح، منهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة، وغيرهم، وفيهم كثرة. والطبقة الحادية عشرة: هم الذين أسلموا يوم الفتح، وهم جماعة من قريش. ثم الطبقة الثانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع وغيرها وعدادهم في الصحابة" اهـ. واشتهر تقسيم الصحابة تقسيما إجماليا إلى ثلاث طبقات: طبقة كبار الصحابة، كالعشرة المبشرين بالجنة، ومن في طبقتهم ممن تقدم إسلامهم، وطبقة أوساط الصحابة، وطبقة صغار الصحابة الذين تأخر إسلامهم أو كانوا صغارا في عهد رسول الله ﷺ . ويقدر عدد الصحابة كلهم بما يزيد على مائة ألف، وقدرهم أو زرعة الرازي مائة ألف وأربعة عشر ألفا (١).

стр. 119

عدالة الصحابة: وقد اختص الله الصحابة ﵃ بخصيصة ليست لطبقة من الناس غير طبقتهم، وهي أنهم لا يسأل عن عدالة أحد منهم، فهم جميعهم عدول ثبتت عدالتهم بأقوى ما تثبت به عدالة أحد، فقد ثبتت بالكتاب، والسنة، وبالإجماع، والمعقول. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. وهذا ينطبق على الصحابة كلهم، لأنهم المخاطبون مباشرة بهذا النص. وكذا قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾. وغير ذلك كثير من الآيات في فضل الصحابة والشهادة بعدالتهم. وأما السنة: ففي نصوصها الشاهدة بذلك كثرة غزيرة، منها: حديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته (١) أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". وتواتر عنه ﷺ قوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم" (٢).

стр. 120

ومما ورد في إثبات عدالة مجهول الصحابة: حديث ابن عباس الصحيح قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. يعني رمضان، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ " قال: "نعم" قال: "يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا". أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وله شاهد من حديث أنس، وحديث ربعي بن حراش، فقد أخذ النبي ﷺ بمجرد معرفة إسلامه. وفي الصحيحين من حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له؟ فقال: كيف؟ وقد زعمت أن قد أرضعتكما! ! (١) فهذه النصوص وغيرها كثير تثبت العدالة لكل صحابي، من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن طالت صحبته، ومن ظفر بمجرد اللقاء بالنبي ﷺ . وأما الإجماع: فيقول أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب (٢) "قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول". وقال الخطيب في الكفاية (٣): "هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء". ونقل الإجماع محمد بن الوزير اليماني عن أهل السنة وعن الزيدية والمعتزلة أيضا وكذا الصنعاني (٤).

стр. 121

وقال ابن الصلاح (١): "ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة". وأما دلالة العقل: فقد قررها وأحسن فيها الخطيب البغدادي فقال (٢): "على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء". وبهذا ثبتت عدالة الصحابة بالأدلة القطعية النقلية والعقلية، مما لا يدع للشك أو التردد مجالا في ثبوت هذه الخصوصية الفاضلة لأحد منهم ﵃. لذلك شدد العلماء النكير على من يقدح في هؤلاء الكرام، لما أنه شأن المارقين، والحائدين عن سواء الطريق، ورحم اله إمام الحديث أبا زرعة الرازي حيث قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما

стр. 122

يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (١). من مناقب الصحابة: ١ - اختلفت الروايات وأقوال العلماء في أول الصحابة إسلاما اختلافا، واختار ابن الصلاح في ذلك اختيارا حسنا راعى فيه الاحتياط، وأخذ به العلماء من بعده. قال ابن الصلاح: "الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان أو الأحداث علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال". ٢ - أفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈: أبو بكر عبد الله بن عثمان "أبي قحافة" التيمي، وسمي بالصديق لمبادرته إلى تصديق الرسول ﷺ قبل الناس كلهم، ثم بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب. ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. ٣ - اشتهر بعض الصحابة بالعلم، وانتشر علمهم في الآفاق: أ- قال أحمد بن حنبل: "ستة من أصحاب النبي ﷺ أكثروا الرواية عنه وعمروا: أبو هريرة، وابن عمر،

стр. 123

وعائشة، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس". وأبو هريرة أكثرهم حديثا وحمل عنه الثقات. ب- العبادلة: "عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، هؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيء قيل: هذا قول العبادلة، أو هذا فعلهم. وأكثر الصحابة في الفتوى ابن عباس. أما ابن مسعود ونحوه من كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة، فقد تقدم موتهم، لكن هؤلاء تأخر متوهم، واحتاج الناس إلى علمهم، لقلة الصحابة إذا ذاك، فكثرت الرواية عنهم وكثر نقل الفقه عنهم. جـ- رؤساء الصحابة في العلم: قال مسروق: "وجدت علم أصحاب النبي ﷺ انتهى إلى ستة: عمر وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود. ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله". واستقصى أبو محمد بن حزم الظاهري فقهاء الصحابة استقصاء له أهميته وفائدته البالغة، في رسالة خاصة بالمجتهدين (١)، بلغ عددهم فيها مائة واثنين وستين: فالمكثرون هم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين ﵃. قال: ويمكن أن يجمع من فقه كل واحد منهم سفر ضخم.

стр. 124

والمتوسطون من فقهاء الصحابة عشرون، منهم أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الله بن الزبير ... ويمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جدا. والمقلون في الفتيا هم الباقون: مثل جرير بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن أبي أوفى، وسمرة بن جندب، هؤلاء وغيرهم مقلون في الفتيا جدا لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك. ٤ - آخرهم على الإطلاق موتًا أبو الطفيل عامر بن واثلة، توفي كما سبق سنة عشر ومائة (١). وأما آخرهم وفاة بالنسبة للبلاد فقد قالوا: آخر من مات بمكة أبو الطفيل، وآخر من مات بالمدينة محمود بن الربيع " (٩٩) "، وبالبصرة أنس " (٩٣) "، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى " (٨٦) "، وبالشام عبد الله بن بسر " (٩٦) " بحمص، وبمصر عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي " (٨٦) ". رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وجعلنا من محبيهم وتابعيهم بإحسان (٢). المصنفات في تراجم الصحابة: يقول أبو عمر يوسف بن عبد البر (٣): "وما أظن أهل دين من

стр. 125

الأديان إلا وعلماؤهم معتنون بمعرفة أصحاب أنبيائهم لأنهم الواسطة بين النبي وبين أمته" اهـ. ولا ريب أن المسلمين كانوا أعظم الأمم عناية بمعرفة أصحاب نبيهم، وها هي ذي المؤلفات في الصحابة تتجاوز العشرات من الكتب، نعرفك بأهمها، وهي أربعة مؤلفات قيمة أخرجتها المطابع: ١ - "الاستيعاب في أسماء الأصحاب" للإمام الحافظ المحدث الفقيه أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري المتوفى سنة (٤٦٣) هـ عن مائة سنة كاملة. قصد فيه إلى جمع ما تفرق في كتب الصحابة المدونة من قبله ذكر منها في مقدمته خمسة عشر مرجعا، وأشار إلى مراجع أخرى كثيرة لم يذكرها (١)، واقتصر في جمعه "ذلك على النكت التي هي البغية من المعرفة بهم". فلذلك سمى كتابه "الاستيعاب" ورتبه على حروف المعجم. لكن انتقد عليه أنه فاته جمع من الصحابة كثير، فإن غاية ما جمعه يبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة. وأنه كما قال ابن الصلاح شأنه بذكر ما شجر بين الصحابة، وحكاياته فيه عن الأخباريين لا المحدثين. والمحدثون لا يرتاحون إلى هؤلاء الأخباريين، لأن الغالب عليهم الإكثار والتخليط فيما يروونه. ٢ - كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة"، للإمام المحدث الحافظ عز الدين علي بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير المتوفى سنة (٦٣٠) هـ. جمع في كتابه هذا بين الكتب التي هي غاية ما انتهى إليه الجمع في الصحابة حتى عهده، فاجتمع له من الصحابة /٧٥٠٠/. وعني

стр. 126

بترتيبه على الأحرف ترتيبا أدق من كتاب الاستيعاب (١)، فجاء كتابا عظيما حافلا. قال الحافظ: (٢) "إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم". ٣ - كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة" للإمام الحافظ البحر الحجة أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢) هـ. جمع في كتابه ما كتبه السابقون، وأعاد النظر في مراجع الصحابة الأولى من كتب السنة وتاريخ الرواة والسير والمغازي، فاستخرج منها أسماء صحابة فاتت غيره. وقد رتب الكتاب على أحرف الهجاء وقسم كل حرف أربعة أقسام، عني فيها بتمييز من ثبت لقاؤه للنبي ﷺ ممن لم يثبت، ونبه فيه على ما ذكر في الكتب السابقة على سبيل الوهم والغلط، وهذا زبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر، وقد وقع فيه التنبيه على عجائب يستغرب وقوع مثلها (٣). ٤ - كتاب "حياة الصحابة" للعلامة الداعية المحدث الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي -الهندي المتوفى سنة (١٣٨٣) تغمده الله برحمته. وهو كتاب بديع جدا في هذا الفن، تناول فيه سيرة الصحابة ﵃ من حيث كونهم أمثلة عليا في تطبيق هذا الدين، ومن حيث كونهم قدوة تحتذى في العلم والعمل والتقى والورع، فجمع فيه أخبارهم مرتبة على الأبواب لا الأسماء. مثل: "باب تحمل الشدائد في الله"، "باب الهجرة"، "باب الجهاد" وهكذا ... والكتاب بهذا عدة هامة، وسلاح ماض للداعية لا يستغنى عنه

стр. 127

٤ - الثقات والضعفاء: هذا النوع من علوم الحديث ثمرة من ثمار النوعين الأول والثاني، فإنه ينتج من الأبحاث التي قام بها العلماء لمعرفة صفة كل راو من رواة الحديث، ثم ما رأوه مناسبا له من مراتب الجرح والتعديل. من هنا نبه العلماء على أهمية هذا النوع، وأنه كما قال ابن الصلاح: "من أجل نوع وأفخمه، فإنه المرقاة إلى معرفة صحة الحديث وسقمه". وقد لقي هذا العلم عناية أئمة الحديث في القديم والحديث، فصنفوا فيه التآليف الكثيرة، تكلموا فيها على الرواة مما شاهدوه من أحوالهم أو ما نقلوه من الكلام في صفاتهم عن أئمة العلم. وتنقسم التصانيف ثلاثة أقسام: ما أفرد في الثقات، وما أفرد في الضعفاء، وما جمع فيه من الثقات والضعفاء. أما المؤلفات في الثقات: فأشهرها: ١ - "كتاب الثقات" للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي "المتوفى (٣٥٤) "، ذكر فيه من هو ثقة بما يشمل اصطلاحه الخاص الذي سبق أن أشرنا إليه (١).

стр. 128

٢ - "الثقات" للإمام أحمد بن عبد الله العجلي "المتوفى (٢٦١) " في مجلد متوسط الحجم، لكنه غير مرتب، فرتبه الإمام السبكي وسماه "ترتيب الثقات". ٣ - "كتاب تذكرة الحفاظ" للإمام الحافظ شمس الدين محمد الذهبي "المتوفى سنة (٧٤٨) هـ"، ترجم فيه لكل من بلغ مرتبة توصف بالحافظ، وقال في مقدمته: "هذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف والتصحيح والتزييف". وأما المؤلفات في الضعفاء: فكثيرة جدا مثل كتب الضعفاء للبخاري، والنسائي، والعقيلي، وابن حبان، والجوزجاني، والأزدي، وغيرهم، ممن كانوا المرجع والعمدة في هذا الفن، ومن أهم هذه المؤلفات: ١ - "الكامل في الضعفاء"، للحافظ الإمام أبي أحمد عبد الله بن عدي "المتوفى (٣٦٥) " جمع فيه ما سبقه من التآليف، وأضاف إليها أشياء لم يسبق إليها، وأورد فيه كل من تكلم فيه، ولو لم يكن الكلام مؤثرا، لكنه على كل حال جمود وتشديد. ٢ - "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، للإمام الذهبي، اعتمد فيه على كتاب الكامل، فسار على منهجه في إيراد كل من تكلم فيه (١).

стр. 129

لكنه تعقب ابن عدي، وشنع عليه في مواطن كثيرة لأنه أورد في كامله من الثقات الحفاظ ما لا يناسب الكتاب. ٣ - "المغني في الضعفاء"، للإمام الذهبي أيضا، جمع فيه من تكلم فيهم من الرواة على سبيل الاختصار الشديد، فاجتزأ في الكلام على كل راو بجملة يسيرة، لخص فيها أبحاثا طويلة، ويسر على القارئ البحث، مع تفرده بفوائد ليست في غيره. وقد حققنا هذا الكتاب على نسخ خطية منها نسخة قيمة مقروءة على المؤلف، وعليها خطه، وعلقنا عليه بما يهدي إليه البحث من خلاف رأي الذهبي، أو باستكمال فائدة ضرورية. كذلك عنينا بالراوة المتكلم فيهم من رجال الصحيحين أو أحدهما، فأوضحنا في التعليق دفع الطعن عن البخاري ومسلم في الرواية لهم في الصحيح، مع التعليل الفني الحديثي. ٤ - "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني أورد فيه من رجال كتاب الميزان من لم يذكرهم في كتابيه تهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب. وهو يذكر كلام الذهبي في الميزان أولا، ثم يتكلم بما عنده تأييدا للذهبي، أو نقدا له، أو استدراكا عليه. وأما الكتب التي تجمع الثقات والضعفاء: فهي كتب كثيرة وفي غاية من الأهمية، منها: ١ - "الجرح والتعديل"، للإمام سيد النقاد عبد الرحمن بن الإمام أبي حاتم الرازي "٣٢٧"، وهو كتاب جليل في هذا الشأن اعتمد فيه مصنفه على أئمة العلم، ولا سيما الإمام الكبير والده، رحمهما الله. ٢ - "الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي

стр. 130

"٦٠٠" اقتصر فيه على رجال الكتب الستة فقط. وكان السابق لهذا الاقتصار، فحذا العلماء من بعده حذوه، واستدركوا عليه أشياء في كتابه. ٣ - "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، للإمام الحافظ الحجة أبي الحجاج جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي "المتوفى ٧٤٢"، ﵀، هذب كتاب الكمال السابق، واستدرك عليه ما فاته واستوفى البحث فيه في كل راو، فجاء كتابا حافلا لم يصنف مثله. ٤ - "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر، لخص فيه تهذيب الكمال، وأضاف إليه فوائد زادها على الكتاب الأصل فبلغ ثلث حجمه، وطبع في اثني عشر مجلدا. ٥ - "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر أيضا، لخص فيه تهذيب التهذيب، وأتى فيه بنتائج البحث في كل راو بكلمة واحدة، واستعمل الرموز المصطلحة للكتب التي تروي له، فرمز للبخاري: خ، ولمسلم: م، ولأبي داود: د، وللترمذي: ت، وللنسائي: س، ولابن ماجه: ق، وللستة: ع، ولأصحاب السنن، أي ما عدا البخاري ومسلما: عه. مثل: "خ م د ت ق أحمد بن سعيد بن صخر الدارمي، أبو جعفر السرخسي ثقة حافظ، من الحادية عشرة. مات سنة ثلاث وخمسين". فالرموز تعني أن هذا الراوي روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه القزويني. وقوله: "الدارمي": نسبة إلى القبيلة التي ينتمي إليها. والسرخسي: نسبة إلى البلد التي عاش فيها. وقوله: من الحادية عشرة، أي ممن مات بعد المائتين. فتكون وفاته سنة مائتين وثلاث وخمسين. والكتاب بهذه المثابة في غاية الأهمية لطالب الحديث.

стр. 131

٥ - من اختلط في آخر عمره من الثقات: معنى الاختلاط فساد العقل، وعدم انتظام الأقوال والأفعال. وفائدة دراسة الرواة المختلطين تمييز المقبول من حديثهم من غير المقبول (١)، لذلك نبهوا على أن "هذا فن عزيز مهم ... ". وقد ألف فيه الإمام الحافظ العلائي خليل بن كيكلدي "المتوفى (٧٦١) " ثم أفرده بالتصنيف الإمام الحافظ إبراهيم بن محمد سبط ابن العجمي الحلبي المتوفى سنة (٨٤١) هـ وسماه "الاغتباط بمن رمي بالاختلاط" (٢). والحكم في حديث من رمي بالاختلاط من الثقات قرر فيه المحدثون: التفصيل: فما سمع منهم قبل الاختلاط يقبل ويحتج به. أما ما سمع بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده فإنه يرد ولا يقبل (٣). ويتميز ذلك بالراوي عنه.

стр. 132

ومن القرائن التي تتميز بها الرواية قبل الاختلاط أن يكون الحديث من رواية الكبار من أصحاب الراوي المختلط أي الذين علم أنهم سمعوا منه في وقت مبكر وإن لم ينص على تاريخ سماعهم. فقد وجدناهم يصرحون بصحة رواية هؤلاء، مثل عطاء بن السائب، قال الخطيب في الكفاية (١): "قد اختلط في آخره عمره، فاحتج أهل العلم برواية الأكابر عنه مثل سفيان الثوري وشعبة لأن سماعهم منه كان في الصحة، وتركوا الاحتجاج برواية من سمع منهم أخيرا". ومثل سعيد بن أبي سعيد المقبري: قيل أنه اختلط قبل وفاته بأربع سنين فأخرج له البخاري من حديث مالك وإسماعيل بن أبي أمية وعبيد الله بن عمر العمري وغيرهم من الكبار كما في هدي الساري. قال العلامة التهانوي (٢) "قلت فرواية الكبار من أصحاب المختلط محمولة على الصحة". وقد وقع في الصحيحين أحاديث يروى عمن اختلط من الثقات، مما قد يستشكل، فقال ابن الصلاح (٣): "واعلم أن من كان من هذا القبيل محتجا به في الصحيحين أو أحدهما فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما تميز وكان مأخوذا عنه قبل الاختلاط". وهذا جواب سديد أيده العلماء وقرروه في مصنفاتهم (٤) يشهد له إجماع العلماء على تلقي أحاديث الكتابين بالقبول.

стр. 133

وقد عني النقاد في أبحاث هؤلاء الرواة ببيان تاريخ اختلاطهم، ومن سمع منهم قبل الاختلاط، ومن سمع بعده ومن لم يتبين وقت سماعه. وينقسم هؤلاء الرواة بحسب سبب اختلاطهم أقساما كثيرة: منهم من اختلط لخرفه أو هرمه أو مرضه أو مصاب نزل به، مثل سعيد بن أبي عروبة، الثقة الحافظ، ابتدأ اختلاطه سنة اثنتين وأربعين، واستحكم به سنة خمس وأربعين ومائة واستمر حتى وفاته سنة خمس وخمسين ومائة. وعامة الرواة سمعوا منه قبل اختلاطه، وممن عرف أنه سمع منه بعد اختلاطه وكيع بن الجراح، والمعافى بن عمران الموصلي. ومنهم من اختلط لذهاب بصره، كعبد الرزاق بن هام الصنعاني الإمام صاحب المصنف، قال أحمد: "من سمع منه بعدما عمي فليس بشيء، وما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فغنه كان يلقن فيتلقن". والضابط لم سمع منه قبل الاختلاط أن يكون سماعه قبل المائتين. فممن سمع منه قبل الاختلاط الأئمة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ووكيع ويحيى بن معين. وممن سمع منه بعد ذلك: إبراهيم بن منصور الرمادي، وإسحاق ابن إبراهيم الدبري (١). هذا وقد تنكب جادة الصواب بعض من نصب نفسه للحديث إذ ضعف حديث عبد الرزاق الذي في مصنفه في صلاة التراويح بأن عبد الرزاق قد اختلط، ليسلم له دعواه عدم مشروعية أدائها عشرين

стр. 134

ركعة، فقد عرفت أن كتبه صحيحة، وإن التخليط أضر بما سمع منه مما كان يحدث به من حفظه. لكن الرجل ضحى بهذا الجامع العظيم من جوامع الحديث النبوي في سبيل فكرته التي يصر عليها. ومن أقسام المخلطين أيضا من اختلط لذهاب كتبه، فحدث من حفظه فخلط في حديثه. مثل عبد الله بن لهيعة المصري القاضي: احترقت كتبه فراح يحدث من حفظه، فوقع في حديثه التخليط، ولم يتميز من حديثه ما كان قبل الاختلاط إلا النادر، قال في التقريب: "صدوق، اختلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما. وله في مسلم بعض شيء مقرون". ٦ - الوحدان: وهم الرواة الذين لم يرو عنهم إلا راو واحد فقط. وفائدة هذا العلم معرفة المجهول إذا لم يكن صحابيا. ومن أمثلته من الصحابة: وهب بن خنبش، والمسيب بن حزن والد سعيد، وعمرو بن تغلب. ولصعوبة الحكم بالتفرد انتقد العلماء كثيرا مما قيل فيه: لم يرو عنه إلا واحد.

стр. 135

وادعى الحاكم في كتابه "المدخل إلى كتاب الإكليل" (١) أن الشيخين لم يخرجا من رواية هذا النوع شيئا، لكن انتقده بعض العلماء بجماعة من الرواة أخرج لهم الشيخان ليس لهم إلا راو واحد (٢). وذكر الذهبي (٣) عشرة من الصحابة أخرج لهم البخاري ليس لهم سوى راو واحد فقط. والجواب عن هذا بالنسبة للصحابة أنه ليس بضائر في حقهم، لأنهم عدول كما عرفت. وقد ثبت استثناء الحاكم إياهم (٤). وأما بالنسبة لغير الصحابة فالجواب أن "الشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط" (٥).

стр. 136

٧ - المدلسون: المدلس: هو من يحدث عمن سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة توهم أنه سمعه منه. كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان. والتدليس على أقسام تأتي في الحديث المدلس، مع بيان حكمها إن شاء الله. وتتفاوت أحوال المدلسين تفاوتا كبيرا، فمنهم من احتمله الأئمة لثقته وندرة تدليسه، بحيث يرى المحدث أن هذا من صحيح حديثه، ليس مما دلسه. ومنهم من احتملوه لكونه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل سفيان بن عيينة الإمام الكبير، وقد أخرج له الشيخان (١). ومنهم ثقات كثر تدليسهم عن الضعفاء والمجهولين، مثل بقية بن الوليد الحمصي، فلا يحتج بحديث هذا الصنف إلا إذا صرح بالسماع (٢). ومنهم ضعفاء لا يحتج بهم ولو صرحوا بالسماع، وازدادوا بالتدليس ضعفا مثل عطية العوفي. وقد فصل مراتبهم الحافظ العلائي (٣) بأحسن بيان، واستمد منه الحافظ ابن حجر.

стр. 137

وقد عني المحدثون بهذا الفن، فأفرد كثير من الأئمة أسماء المدلسين بالتصنيف مثل: ١ - "التبيين في أسماء المدلسين"، للبرهان الحلبي الحافظ. ٢ - "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس" لابن حجر، وهو أجمعها وأوسعها إحصاءً، وقد بلغ مجموع ما احتواه /١٥٢/ مائة واثنين وخمسين مدلسا فقط. ومن هنا فإنا لا نستطيع أن نوافق الباحث الفاضل الدكتور صبحي الصالح على قوله (١): "ما أقل من سلم من التدليس" فهذا قول مبالغ جدا في تضخيم أمر التدليس، وغلو لا ستنده الحقيقة العلمية. وهذا أوسع إحصاء للمدلسين يبلغ مائة واثنين وخمسين مدلسا من بين آلاف الرواة، مما يدل على أن الأولى أن نقول: "ما أكثر من سلم من التدليس". نتائج الفصل: ونسجل في ختام الفصل هذه النتائج الهامة في منهج النقد الحديثي: ١ - إن المقياس الذي يعرف به الراوي المقبول من المردود مقياس موضوعي شامل، حيث لم يكتف فيه المحدثون بمجرد استقامة السلوك الديني، بل لاحظوا العوامل الداخلية، فنظروا إلى ما يخشى أن يدفع الراوي من انحياز فكري "بدعة" أو اجتماعي إلى عدم التحري في

стр. 138

النقل، ودرسوا حالة النفسية من حيث الاعتدال والتحرز، أو الاستهتار والتساهل على ضوء ما أسمعوه "بالمروءة"، وراعوا أهليته العلمية والذهنية للأداء الصحيح في شروط الضبط. فجاء مقياسهم هذا موضوعيا لا يتحيز ولا يحيف، شاملا كافة العوامل الدينية والنفسية والاجتماعية التي تدفع إلى الصدق وتنزه الراوي عن الكذب وتجعله قمينا بأداء الحديث كما هو، وبذا أصبح ميزانا يعرف حقيقة الرواة بكل دقة وإنصاف وعدالة. ٢ - إن المحدثين طبقوا هذا المقياس تطبيقا دقيقا تجلى في مراتب الجرح والتعديل وعبارتها التي تحدد منزلة الراوي من القبول أو الرد تحديدا دقيقا يبين ما يحتج به من التعديل، وما يكتب حديثه وينظر فيه، وما يعتبر به من مراتب الضعف، ثم ما يترك ولا يلتفت إليه. يبينون بذلك واقع الراوي بيانا علميا صادقا. ٣ - إن ثمار هذا التطبيق أودعت في تصانيف متنوعة كثيرة، بين العلماء فيها حال كل راو من القبول أوالرد، وما فيه من اختلاف اجتهاد العلماء وتقديرهم. ويجد الباحث في تلك المصادر من المعارف الدقيقة ما يعد بحق آية البحث النقدي في الرواة وفين التاريخ، تجعل الناقد بصيرا بالحقائق الدقيقة في هذا الركن الهام من أصول البحث النقدي.

стр. 139

الفصل الثاني: في العلوم التي تبين شخص الراوي وهي مجموعة من المعارف تحدد شخص الراوي وتبرز هويته، كي يتميز عن غيره فيبحث بعد ذلك عن حالهن ويحكم عليه جراحا أو تعديلا كما قرر الحكماء فقالوا: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره". والحاجة إلى تحديد شخص الراوي وتمييزه إما أن تكون من الناحية الزمنية أو من ناحية الاسم وما يتصل به من الكنية أو النسب أو غيرهما، فنقسم هذه المعارف إلى قسمين، ندرسهما في مبحثين: المبحث الأول: في علوم الرواة التاريخية. المبحث الثاني: في علوم أسماء الرواة.

стр. 140

المبحث الأول: في علوم الرواة التاريخية ويشمل هذا المبحث الأنواع الآتية من علوم الحديث: ١ - تواريخ الرواة ٢ طبقات الرواة ٣ - التابعون ٤ - أتباع التابعين ٥ - الأخوة والأخوات ٦ - المدبج ورواية الأقران ٧ - الأكابر الرواة عن الأصاغر ٨ - السابق واللاحق ٩ - رواية الآباء عن الأبناء ١٠ - رواية الأبناء عن الآباء ١ - تواريخ الرواة: التاريخ عند المحدثين هو (١): "التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال في المواليد والوفيات ويلتحق به من الحوادث والوقائع التي ينشأ عنها معان حسنة من تعديل وتجريح ونحو ذلك".

стр. 141

وهذا النوع كالأصل بالنسبة للأبحاث التاريخية في رواة الحديث، لأنها مبنية على ما يثبته التاريخ من المواقيت في حياة الراوي. وقد احتل التاريخ عند أهل الحديث مكانة هامة جدا لمعرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها، وفي الكشف عن أحوال الرواة وفضح الكذابين. قال سفيان الثوري: "لما استعمل الرواة الكذب استعلمنا لهم التاريخ". وقال حفص بن غياث: "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين". يعني احسبوا سنه وسن من كتب عنه. قال عفير بن معدان الكلاعي: "قدم علينا عمر بن موسى حفص، فاجتمعا إليه في المسجد، فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر قلت له: من شيخنا هذا الصالح؟ سمه لنا نعرفه. قال فقال: خالد بن معدان. قلت له: في أي سنة لقيته؟ قال لقيته سنة ثمان ومائة. قلت فأين لقيته؟ قال لقيته في غزاة أرمينية، قال: فقلت: اتق الله يا شيخ ولا تكذب! مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين! " (١). وقال الحاكم: لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي وحدث عن عبد بن حميد سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين. فقلت لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.! ! وزعم أبو خالدج السقاء في سنة تسع ومائتين أنه سمع أنس بن مالك ورأى عبد الله بن عمرز فقال أبو نعيم "ابن كم يزعم أنه؟ قالوا:

стр. 142

"ابن خمس وعشرين ومائة سنة" فقال أبو نعيم: "على زعمه مات ابن عمر قبل أن يولد بخمس سنين" (١). ولذلك أوجب العلماء على طالب الحديث تقديم الاهتمام بالتاريخ، ومعرفة وفيات الشيوخ لأنه من أهم علوم الحديث. ولا سيما ما يتصل بالنبي ﷺ وأكابر أصحابه وأئمة علماء الدين فلا يجوز أن يغفل عنها مسلم فضلا عن طالب العلم، فإن من ارتبط بفكرة تعلق قلبه بداعيتها ورجالها الذين جاهدوا في سبيلها والمسلم أحق بذلك (٢). ومن أعظم المؤلفات في تاريخ الرواة: ١ - "التاريخ الكبير"، للإمام البخاري. تكلم فيه بإيجاز عن الراوي، وذكر شيوخه وتلامذته، وتعرض أحيانا للجرح والتعديل، وسكت في الأكثر عن بيان ذلك. طبع في ثمانية أجزاء. ٢ - "التاريخ"، لابن أبي خيثمة، كتاب كبير، قال فيه ابن الصلاح: "وما أغزر فوائده". ٣ - مشاهير علماء الأمصار"، لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تكلم فيه عن كل راو بإيجاز شديد في سطرين أو ثلاثة، وذكر تاريخ وفاته. والكتاب مطبوع في جزأين.

стр. 143

٢ - طبقات الرواة: الطبقة في اللغة: القوم المتشابهون في صفة من الصفات. وفي اصطلاح المحدثين: القوم المتعاصرون إذا تشابهوا في السن وفي الإسناد "أي الأخذ عن المشايخ" فهي بمعنى كلمة "جيل" مع ملاحظة الاشتراك في الأساتذة. وربما اكتفوا بالاشتراك في التلقي. وهو غالبا ملازم للاشتراك في السن (١). والباحث الناظر في هذا الفن يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات. ومن أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم (٢). ويختلف اعتبار الراوي من أي طبقة هو باختلاف الجهة والأمر الذي نصنفه على أساسه، وعند هذا فرب شخصين يكونان من طبقة واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها. فأنس بن مالك الأنصاري وغيره من أصاغر الصحابة دون أبي بكر ونحوه من أكابر الصحابة بطبقات، إذا نظرنا إلى تفاوتهم في السبق إلى

стр. 144

الإسلام. لكنه يعد معهم من طبقة واحدة هي عموم الصحابة إذا نظرنا إلى اشتراكهم في أصل صفة الصحبة، وعلى هذا فالصحابة بأسرهم طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين طبقة ثالثة، وأتباع أتباع التابعين طبقة رابعة، وأتباع أتباع أتباع التابعين طبقة خامسة. وهذه الطبقات الخمس هي طبقات الرواة حتى نهاية القرن الثالث، وهو نهاية عصر الرواية. وقد قسمها الحافظ ابن حجر بحسب تقارب رجالها في الإسناد، أو تشابههم في الشيوخ والمعاصرة إلى اثنتي عشرة طبقة، ثم بين الزمن التقريبي لأفراد كل طبقة، في كتابه تقريب التهذيب (١). ومعرفة الطبقات لها أهمية كبيرة، إذ يتوصل بها إلى التمييز بين الرواة المتشابهين، والأمن من التداهل بينهم كالمتفقين في الاسم، والكنية، كما يتوصل به إلى الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على المراد من العنعنة "أي قول الراوي: عن فلان" أهي على سبيل الاتصال، أم الانقطاع. ولأهمية هذا الفن عني به المحدثون وصنفوا فيه الكتب الكثيرة. طبع منها كتابان: أ- "الطبقات الكبرى" للإمام الحافظ محمد بن سعد. وهو كتاب حفيل غزير الفوائد فاق سائر كتب الطبقات شهرة، ومؤلفه حافظ ثقة، غير أنه كثر الرواية فيه عن الضعفاء، منهم محمد بن عمر الواقدي شيخه، ويذكره باسمه واسم أبيه: "محمد بن عمر"،

стр. 145

دون أن ينسبه. ومنهم شيخه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فقد أكثر عنهما في كتابه. ب- "الطبقات" للإمام خليفة بن خياط. وهو كتاب نافع مفيد مختصر جدا، يقع في جزأين، طبع بدمشق. ٣ - التابعون: المختار في تعريف التابعي عندنا ما قاله الحاكم (١) وهو: "من شافه (٢) أصحاب رسول الله ﷺ " أي مع كونه مؤمنا. ولهذا العلم فائدة عظيمة فإنه إذا "غفل الإنسان عن هذا العلم لم يفرق بين الصحابة والتابعين، ثم لم يفرق أيا بين التابعين وأتباع التابعين".
следующие страницы →