← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6658

منهج النقد في علوم الحديث

نور الدين عتر

Полный текст (503 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الباب الثاني: في علوم رواة الحديث هذه المعارف التي تبحث في راوي الحديث لها بالغ الأهمية في معرفة درجة الحديث من الصحة أو الحسن أو الضعف، وموقعه من القبول أو الرد، لذلك اتخذ البحث عن الرجال وسيلة هامة جدا، في علم مصطلح الحديث، وتعددت علوم الرواة وكثرت لتتناول كل ما يتصل بالراوي من الأمور، إذ ربما يشابه آخر في اسمه، أو كنيته، أو يعرف بكنيته فيحتاج إلى الكشف عن اسمه، أو يحتاج إلى إزالة النقاب عن نسبه وقبيلته كي يتبين هوية شخصه، أو غير ذلك. وقد تتبعنا هذه الأنواع كلها بالنظرة الفاحصة، وسبرناها من حيث الغرض الذي تؤديه، فوجدناها تنقسم إلى قسمين، نبحث كل واحد منهما في فصل مستقل.

стр. 72

الفصل الأول: في علوم الرواة المعرفة بحال الراوي. وهي علوم تبحث في الراوي من حيث قبول خبره أو رده. الفصل الثاني: في علوم الرواة المبينة لشخص الراوي. وهي تبحث في معلومات وأمور توصل إلى البحث عن حال الراوي، وذلك بأن تكشف النقاب عما يحدد شخصه ويميزه تماما.

стр. 73

الفصل الأول: في العلوم المعرفة بحال الراوي ويشتمل على تمهيد في تعريف الرواة وألقابهم العلمية، ثم على الأبحاث الآتية: ١ - صفة من تقبل روايته ومن ترد. ٢ - الجرح والتعديل. ٣ - الصحابة. ٤ - الثقات والضعفاء. ٥ - من اختلط في آخر عمره من الثقات. ٦ - الوحدان. ٧ - المدلسون. تعريف الرواة وألقابهم العلمية: الراوي هو من تلقى الحديث وأداه بصيغة من صيغ الأداء (١). وقد صنف العلماء رواة الحديث كلهم (٢) بحسب كثرة مروياتهم

стр. 74

وعنايتهم بالحديث وفنونه إلى درجات علمية، خصوا كل واحدة منها بلقب يميزها، وهي: ١ - المسند: وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرواية. ٢ - المحدث: وهو كما عرفه ابن سيد الناس: "من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه" (١). أي صار يقصد للإفادة في الحديث ورواته حتى اشتهر بذلك، وعرف خطه لكثرة ما يكتب من الأجوبة على أسئلة الناس. وقال ابن الجزري: "المحدث: من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية" (٢). ٣ - الحافظ: أرفع من المحدث وهو كما يؤخذ من كلامهم: من توسع في الحديث وفنونه بحيث يكون ما يعرفه من الأحاديث وعللها أكثر مما لا يعرفه (٣). وقال ابن الجزري: "الحافظ: من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج لديه". وقد تفاوتت عبارات العلماء في تعريف الحافظ حتى بلغوا أحيانا ما عده بعض الباحثين تغاليا في الحفاظ، كقول الزهري: "لا يولد الحافظ إلا كل أربعين سنة"، وقولهم في الإمام أحمد بن حنبل "كان يحفظ ألف ألف حديث".

стр. 75

وهذا صدر عنهم باعتبار المرتبة العليا في الحفظ. كما أنهم صرحوا يتفاوت العرف وأثر اختلاف الزمان في ذلك. وقد وضع للأئمة من كبار الحفاظ ألقاب تشعر بتفوقهم، هي التالية: ٤ - الحجة: وهو فيما يبدو لنا يطلق على الحافظ من حيث الاتقان، فإذا كان الحافظ عظيم الاتقان والتدقيق فيما يحفظ من الأسانيد والمتون لقب بالحجة .. وعرفه المتأخرون بأنه من يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع معرفة أسانيدها ومتونها ... ويدخل في الأحاديث التي يذكرون عددها في حفظ العلماء بعشرات الألوف أو مئات الألوف يدخل فيها تعدد الأسانيد للحديث الواحد، واختلاف الروايات، فإن تغيير الحديث بكلمة في السند أو المتن يعتبر بها حديثا جديدا، وكن اجتهد المحدثون ورحلوا من أجل كلمة في حديث. ٥ - الحاكم: وهو من أحاط علما بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير. ٦ - أمير المؤمنين في الحديث: وهو أرفع المراتب وأعلها، وهو من فاق حفظا وإتقانا وتعمقا في علم الأحاديث وعللها كل من سبقه من المراتب بحيث يكون لاتقانه مرجعا للحكام والحفاظ وغيرهم. ومن أمراء المؤمنين في الحديث: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم. ومن المتأخرين الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني وغيرهم ﵀ ورضي عنهم (١).

стр. 76

وهذه المراتب العلمية إنما يلحظ فيها الحفظ لا اقتناء الكتب حتى إن من كانت عنده الكتب ولا يحفظ ما فيها لا يعتبر عندهم محدثا. ولكن بعض الناس في هذه العصر هان عندهم العلم، ولم يفقهوا منه إلا تقليب الأوراق عن طريق الفهارس، حتى راح بعضهم يستخف بحفظ القرآن أو الحديث، ويقول: "يزيد الكتاب نسخة"! ! . وهذا يدل على مبلغ ما عندهم من معرفة الفضل لذوي الفضل. ١ - صفة من تقبل روايته ومن ترد: هذا النوع من علوم الحديث له أهمية بالغة، إذ أنه يبحث في شروط الراوي الذي يقبل حديثه ويحتج به. وقد اختلفت عبارات العلماء في تعداد صفات القبول، فمن مقل ومن مكثر، وجمع أبو عمرو بن الصلاح تلك الخصال، فقال (١): "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يروي. وتفصيله: أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا غير مغفل،

стр. 77

حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابة إن حدث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني". وبالتأمل في هذه الصفات وغيرها مما ذكره العلماء نجد أنها لدى النظر ترجع كلها إلى أمرين ذكرهما ابن الصلاح هما: العدالة والضبط. فلنشرح كلها من العدالة والضبط فيما يلي: أولا: العدالة وهي ملكة تحمل صاحبها على التقوى، واجتناب الأدناس وما يخل بالمروءة عند الناس. ويشترط فيها الأمور الآتية: أ- الإسلام: لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، وغير المسلم ليس من أهل الرضى قطعا. ب- البلوغ: لأنه مناط تحمل المسؤلية، والتزام الواجبات وترك المحظورات. ج- العقل: لأنه لا بد منه لحصول الصدق وضبط الكلام. د- التقوى: وهي اجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر. أما الكبائر فركوبها فسق قطعا، وكذا الاصرار على الصغائر، لأن الاصرار يجعلها كبيرة -والعياذ بالله- كما قالوا: "لا صغيرة مع الإصرار". ودليل اشتراط التقوى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقوله عز من قائل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. وهذه

стр. 78

الآيات وإن كانت في الأموال ونحوها فإن الرواية للحديث دين، فهي أجدر من المال في أن يشترط لها هذا الشرط. هـ- الاتصاف بالمروءة وترك ما يخل بها، وهو كل ما يحط من قدر الإنسان في العرف، الاجتماعي الصحيح، مثل التبول في الطريق، وكثرة السخرية والاستخفاف، لأن من فعل ذلك كان قليل المبالاة، لا نأمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي. هذه الخصال إذا توفرت في الراوي عرفت عدالته وكان صادقا، لأنها إذا اجتمعت حملت صاحبها على الصدق وصرفته عن الكذب لما توفر فيه من الدوافع الدينية والاجتماعية والنفسية، مع الادراك التام لتصرفاته وتحمل المسؤولية. ثانيا: الضبط هذه الصفة تؤهل الراوي لأن يروي الحديث كما سمعه، ومراد المحدثين بالضبط أن يكون الراوي: "متيقظا غير منفعل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني". ويعرف كون الراوي ضابطا بمقياس قرره العلماء واختبروا به ضبط الرواة، وهو كما لخصه ابن الصلاح: "أن نعتبر -أي نوازن- رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والاتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لروايتهم أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه". فإذا اجتمع في الراوي هذان الركنان: العدالة والضبط، فهو حجة يلزم العمل بحديثه، ويطلق عليه "ثقة". وذلك لأنه قد تحقق

стр. 79

فيه الاتصاف بالصدق، وتحلى بقوة الحفظ التي تمكنه من استحضار الحديث وتسعفه لأدائه كما سمع، فتحقق أنه أدى الحديث كما سمعه، فصار حجة، وإذا اختل فيه شيء من خصال الثقة، كان مردود الحديث بحسب الاختلال الذي لحقه. ونذكر لك فيما يلي أهم الفروع لذلك (١): فروع اختلال العدالة: ١ - لا يقبل حديث الراوي الكافر، بل يجب أن يكون وقت روايته للحديث مسلما، فإن الكفر أعظم موجبات العداء للدين وأهله، فكيف تقبل رواية الكافر مهما كان عليه من الصدق؟ ! . وها نحن نتتبع أخبار المحدثين السابقين واللاحقين، والعلماء المتقدمين والمتأخرين، فمحال أن نجد محدثا أو عالما تلقى الحديث أو علم الإسلام عن غير المسلمين. ٢ و ٣ - لا تقبل رواية الصبي والمجنون، لأنهما لا مسؤولية عليهما، فقد يتعمد الصبي الكذب بهذا الاعتبار، أو يتساهل، والمجنون أولى لأنه فاقد شريطة الضبط من الأصل. ٤ - لا يقبل خبر الفاسق بارتكاب المعاصي والخروج عن طاعة الله تعالى، وإن لم يظهر عليه الكذب، وكذلك من كان فسقه بسبب كذبه في حديث الناس وإن توقى الكذب في الحديث النبوي، لأنه لا يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد

стр. 80

الفسق. إلا إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أما من لم يقع في الكبيرة، ولا عرف بالاصرار والاستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو من من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله. ٥ - ترفض رواية التائب من الكذب في الحديث: لكن العلماء استثنوا خبر التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول الله ﷺ فإنه لا يقبل خبره، وفي هذا يقول ابن الصلاح (١): "التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته، إلا التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول الله ﷺ ، فإنه لا تقبل روايته أبدا وإن حسنت توبته على ما ذكر عن غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري ... ". والسبب في عدم قبوله الزجر والتغليظ، والمبالغة في الاحتياط للحديث، كما أن الشريعة غلظت حرمة أعراض الناس فردت شهادة القاذف ولو تاب بعد ذلك على ما ذهب إليه كثير من العلماء. واستدل السيوطي (٢) على ذلك باستدلال بديع يدل على تحقيقه

стр. 81

وفقهه فقال: "ذكروا في باب اللعان أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته، لا يعود محصنا ولا يحد قاذفه بعد ذلك لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا ... ". ٦ - خبر المبتدع: المبتدع هو من فسق لمخالفته عقيدة السنة، وتنقسم البدعة إلى قسمين: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة، أما المبتدع الذي يرمى ببدعة مكفرة فترد روايته قولا واحدا، خلافا لمن شذ في ذلك. لكن ينبغي التثبت مما يرمى به، وألا تسرع بتكفيره، خلافا لما درج عليه كثير من المبتدعة في الأعصر الخالية وفي زماننا هذا حديث تهوكو في رمي المسلمين بالكفر والشرك لمجرد الأوهام (١). وأما المبتدع الذي لم يبلغ في بدعته حد الخروج عن الملة وخلع ربقة الإسلام فقد قال فيه ابن الصلاح: "اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يكفر في بدعته، فمنهم من رد روايته مطلقا لأنه فاسق ببدعته .. ، ومنهم من قبل رواية المبتدع إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه، سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن. وقال قوم: تقبل روايته إذا لم يكن داعية إلى بدعته. وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء. وقال أبو حاتم بن حبان البستي من أئمة الحديث: الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافا. وهذا المذهب الثالث أعدلها وأولالها. والأول بعيد مباعد للشائع

стр. 82

عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة. وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول (١) ". واشترط الإمام الجوزجاني شرطا آخر لقبول رواية المبتدع غير الداعية هو أن لا يكون الحديث الذي رواه مؤيدا لبدعته، فقال: "ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة- صادق اللهجة فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا إذا لم يقو به بدعته". وأيد الحافظ ابن حجر هذا الرأي فقال: "ما قاله -اي الجوجاني- مته، لأن العلة التي رد لها حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولم يكن داية" (٢) اهـ. وإجماع الأئمة على تلقي الصحيحين بالقبول، وفيهما أحاديث المبتدعة غير الدعاة خير شاهد لتقوية هذا المذهب. وأما ما وقع في الصحيحين من الرواية لبعض المبتدعة الدعاة، فلا يخل بهذه القاعدة، ولا يطعن في الكتابين (٣) لأنه قليل نادر جدا كما حقق الحافظ ابن حجر (٤)، وقد توفر فيهم من الصدق: ما لو أن أحدهم أن يخر من السماء أهون عليه من أن يكذب على رسول الله ﷺ . لذلك استثني هؤلاء الرواة القلائل. وواضح أن هذا أمر لا يستطيع تقديره غير أولئك الأئمة المعاصرين للرواة أو قريبي العهد بهم كما أن النادر لا حكم له (٥).

стр. 83

٧ - خبر من أخذ على الحديث أجرًا: مضت سنة الصحابة والتابعين أن يرووا الحديث للناس احتسابا يبتغون الأجر عند الله، حتى شاع قولهم: "علم مجانا كما علمت مجانا" (١). ثم جاء بعض الرواة وخالفوا هذا العرف وصاروا يتقاضون من طلابهم أجرا لإسماعهم الحديث. وقد أثار هذا التصرف اسيتاء علماء الحديث ونقاده، واستنكروه، وحذروا من السماع من هؤلاء المتاجرين بالرواية، لما في صنيعهم هذا من خرم المروءة، ولما يخشى أن يجر أحدهم الحرص على الأجر إلى الوقوع في شبهة الكذب أو صريح الكذب لكي يرغب فيه ... ! ! لك بعض حفاظ الحديث الثقات ألجأتهم ظروف معيشتهم الضيقة لأخذ الأجرة، حيث كانوا محط رحال الطلاب، حتى لقد منعهم اشتغالهم بالعلم ونشره عن الكسب لعيالهم، فاغتفر لهم النقاد ذلك لما علم من صدقهم وأمانتهم، مثل أبي نعيم الفضل بن دكين، وعبد العزيز المكي وهما من شيوخ البخاري، قال أبو نعيم: "يلومونني على الأجر وفي بيتي ثلاثة عشر، وما في بيتي رغيف" (٢). وفيما عدا تلك القلة التي تقاضت الأجر على الحديث جرى سائر المحدثين على رفض الأجرة وضربوا لذلك أمثلة عالية جدا. قال جعفر بن يحيى البرمكي: "ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس عرضت عليه مائة ألف فقال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا ... ". وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعي شيئا، فلما اجتمعوا قال لهم:

стр. 84

أنتم بالخيار، إن شئتم قبلته ولم أحدثكم أو رددته وحدثتكم، فاختاروا الرد، وحدثهم، ومرض أبو الفتح الكروخي راوي جامع الترمذي، فأرسل إليه بعض من كان يحضر مجلسه مقدارًا من الذهب، فما قبله لمجرد اشتباهه أن صاحبه أرسله لأجل أنه كان يسمع منه الحديث، وقال: "بعد السبعين واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله شيئا! ! "، ورده مع الاحتياج إليه (١). فروع اختلال الضبط: ١ - لا يقبل حديث من عرف بقبول التلقين في الحديث، ومعنى التلقين أن يعرض عليه الحديث الذي ليس من مروياته، ويقا له: إنه من روايتك، فيقبله ولا يميزه، وذلك لأنه مغفل فاقد لشرط التيقظ، فلا يقبيل حديثه. ٢ - لا تقبل رواية من كثرت الشواذ أين المخالفات، والمناكير أي التفرد الذي لا يحتمل منه. جاء عن شعبة أنه قال: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ"، وعلة هذا أنه يدلى على عدم حفظه. ٣ - لا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته، إذا لم يحدث من أصل مكتوب صحيح، لأن كثرة السهو تدل على سوء الحف أو التغفيل، فلا يكون الراوي ضابطا. ٤ - ورد عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي وغيرهم أن من غلط في حديث وبين له غلطه فلم يرجع عنه وأصر على روايته

стр. 85

لذلك الحديث سقطت رواياته ولم يكتب عنه، وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد أو نحو ذلك. ٥ - لا تقبل رواية من يتساهل في نسخته التي يروي منها إن كان يروي الحديث من كتاب، كمن يحدث من أصل غير صحيح أي من كتاب أو مكتوب غير مقابل على الأصول المسموعة المتلقاة عن المصنفين بالسند الصحيح (١). تساهل المتأخرين في شروط الراوي: راعى المحدثون هذه الشروط بكل أمانة ودقة، وتناولوا في كلامهم عن الرجال أحوالهم كلها للتثبت من سلامة حديث الراوي واستيثاقا منه، حتى جاء عصر التدوين فدونت الأحاديث في المصنفات والمسانيد، والجوامع والمعاجم والأجزاء، ونقلت هذ المؤلفات عن أصحابها بالأسانيد الصحيحة كما ينقل الحديث الواحد، حتى كثتر النسخ لكل كتاب، وشاعت في الأقطر شيوع التواتر. فأصبحت العمدة عندئذ على هذه النسخ المنقولة بالسند إلى مؤلفيها، وقامت مقام الرواة، فتساهل العلماء في بعض شروط الراوي، واكتفوا بما يحصل المقصود، وهو أهليته بكونه عدلا، وحسن رعايته وضبطه للكتاب. وقد أبان الإمام ابن الصلاح أمر ذلك وأوضحه فقال (٢): "اعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في رواياتهم، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم أو كان عليه من تقدم.

стр. 86

ووجه ذلك ما قدمناه أول كتابنا هذا (١)، من كون المقصود آل آخرا إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في اأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها. فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بها الغرض على تجرده، وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلما، بالغا، عاقلا، غير متظاهر بالفسق والسخف. وفي ضبطه بوجود سماه مثبتا بخر غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه ... ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقعت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم ... لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال البيهقي، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خصصت بها هذه الأمة شرفا لنبينا المصطفى ﷺ ". تقسيم الرواة من حيث معرفة صفتهم: ينقسم رواة الحديث من حيث معرفة صفتهم وعدم معرفتها إلى قسمين: القسم الأول علوم الحديث انظر ص (١٣).

стр. 87

أما مجروح. فيعمل بما علم فيهم من الجرح والتعديل حسب المراتب التي سنرشحها. القسم الثاني: من لم يعرف وصفه: وهو المحهول. وهذا يقسم بحسب نوع الجهالة إلى ثلاثة أقسام: وذلك أن الجهالة إما أن تكون في عين الراوي وهو مجهول العين، أو في صفته الظاهرة والباطنة معا وهو مجهول الحال، أو في صفته الباطنة مع العلم بحاله الظاهر أنه على العدالة ويسمى "المستور". فانقسم المجهول بذلك إلى ثلاثة أقسام درج عليها المحدثون في منصفات علوم الحخديث ثم جاء الحافظ ابن حجر، فذهب تقسيمه قسمين تكلم عليهما في النخبة وشرحه. فقال: "فإن سمي الراوي وانفرد راو وحد بالرواية عنه فهو مجهول الحال وهو المستور". وهذا التقسيم هو الذي نختاره. ونتكلم على قسمي المجهول فيما يلي: مجهول العين: قال الخطيب ١ في تعريفه: "المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتنهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، وممن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد" ا. هـ. وحاصله أن مجهول العين هو من لم يرو عنه إلا راو واحد. ومن أمثلته عمرو ذو مر، وجبار الطائي لم يرو عنهم غير أبي إساق السبيعي.

стр. 88

"ولا تزال جهالة العين عن الراوي إلا أن يروي عنه اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه". وإنما يصبح من طبقة "مجهول الحال" وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة أو "المستور" وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم (١). وحكم هذا على الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم أنه لا يقبل حديثه، وقيل يقبلمطلقا وهو قول مردود لا يلتفت إليه، وقيل غير ذلك مما لا نظيل بذكره. نعم يقبل حديث مجهول العين على الأصح، بأحد أمرين ذكرهما الحافظ: الأول: أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح. الثاني: وكذا أي الأصح إذا زكاه من يتفرد عنه إذا كان متأهلا لذلك. أي إذا كان هذا المتفرد من أئمة الجرح والتعديل ثم زكى من انفرد بالرواية عنه قبل حديثه (٢). مجهول الحال وهو المستور: وهذا قال الحافظ في حكمه: "قد قبل روايته جماعة بغير قيد" أي بغير اعتبار لعصر دون عصر وردها الجمهور. وذلك لأنه يجوز أن يكون غير عدل، فلا تقبل روايته، حتى يتبين حاله.

стр. 89

والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال أي احتمال العدالة وضدها، لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله (١). وما اختاره الحافظ من التوقف في خبر المستور حتى يتبين حاله، لا يختلف كثرا عما ذكرناه عن الجمهور من عدم قبول روايته، غاية الأمر أنه أراد ألا يعتبر ذلك جرحا له وطعنا فيه، وذلك ما تقضي به العدالة في الحكم، والتحري فيه (٢). وسبب اختيارنا هذا التقسيم الثنائي أنه أقرب للعمل به، فإن التقسيم الثلاثي السابق إنما يمكن لمن شاهد الرواة، فإنه هو الذي يمكن أن يشاهد العدالة الظاهرة والباطنة معا بالبحث والفحص أو يشاهد الظاهرة فقط، فيكون الراوي عنده مستورا. وأما بالنسبة إلينا فليس أمامنا إلا المصنفات في الرجال، وهذه يصعب العثور فيها على التمييز بين مجهول الحال والمستور، فكان هذان القسمان بالنسبة إلينا سواء.

стр. 90

٢ - الجرح والتعديل: الجرح عند المحدثين: هو الطعن في راوي الحديث بما يسلب أو يخل بعدالته أو ضبطه (١). والتعديل: عكسه، وهو تزكية الراوي والحكم عليه بأنه عدل أو ضابط (٢). وعلم الجرح والتعديل ميزان رجال الرواية، يثقل بكفته الراوي فيقبل، أو تخف موازينه فيرفض، وبه نعرف الراوي الذي يقبل حديثه ونميزه عمن لا يقبل حديثه. ومن هنا اعتنى به علماء الحديث كل العناية، وبذلوا فيه أقصى جهد، وانعقد إجماع العلماء على مشروعيته، بل على وجوبه للحاجة الملجئة إليه (٣). قال بعض الصوفيين لعبد الله بن المبارك: أتغتاب؟ قال: "اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل". وقال أبو تراب النخشبي الزاهد لأحمد بن حنبل: "يا شيخ لا تغتب العلماء! ".

стр. 91

فقال له أحمد: "ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا الغيبة" (١). وقال أبو بكر بن خلاد ليحيى بن سعيد: "أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله؟ ! ". فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ . يقول: "لم لمْ تذبّ الكذب عن حديثي؟ ! " (٢). ولولا ما بذله الأئمة النقاد في هذا الشأن من الجهود في البحث عن عدالة الرواة واختبار حفظهم وتيقظهم حتى رحلوا في سبيل ذلك، وتكبدوا المشاق، ثم قاموا في الناس بالتحذير من الكذابين والضعفاء المخلطين، لاشتبه أمر الإسلام، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجالون (٣). شروط الجارح والمعدل: يجب أن تتوفر في الجارح والمعدل الخصال التي تجعل حكمه منصفا كاشفا عن حال الراوي، وهي: ١ - يشترط في الجارح والمعدل: العلم والتقوى، والورع والصدق، لأنه إن لم يكن بهذه المثابة فكيف يصير حاكمًا على غيره بالجرح والتعديل، وهو ما زال مفتقرا لإثبات عدالته! !

стр. 92

قال الحافظ (١): "وينبغي ألا يقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ أي مستحضر ذي يقظة تحمله على التحري والضبط فيما يصدر عنه". ٢ - أن يكون عالما بأسباب الجرح والتعديل. قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة "وتقبل التزكية من عارف بأسبابها لا من غير عارف لئلا يزكي بمجرد ما يظهر له ابتداء من غير ممارسة واختبار". ٣ - أن يكون عالما بتصاريف كلام العرب، لا يضع اللفظ لغير معناه، ولا يجرح بنقله لفظا هو غير جارح. خصال لا تشترط في الجارح والمعدل: ١ و ٢ - لا يشترط كون الجارح أو المعدل ذكرا أو حرا، بل المعتمد أنه تقبل تزكية كل عدل وجره ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا (٢). ٣ - قيل لا يقبل الجرح ولا التعديل إلا بقول رجلين كما في الشهادة. لكن الأكثرين على الاكتفاء في جرح الراوي وتعديله بالواحد، إذا استوفى شروط الجارح والمعدل، كما نقهل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما (٣). وهذا كما قال ابن الصلاح (٤): "هو الصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره أنه يثبت بواحد، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادة".

стр. 93

آداب الجارح والمعدل: وثمة آداب ينبغي على الجارح والمعدل مراعاتها، من أهمها: ١ - الاعتدال في التزكية، فلا يرفع الراوي عن مرتبته، ولا ينزل عنها. كما يقع لكثير من الناس في عصرنا. ٢ - لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة، لأن الجرح شرع للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها. ٣ - لا يجوز الاقتصار على نقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل كلاهما من النقاد، لأن في ذلك إجحافا بحق الراوي وقد عاب المحدثون من يفعل ذلك. ٤ - لا يجوز جرح من لا يحتاج إلى جرحه لأن الجرح شرع للضرورة، فما لم توجد إليه لا يجوز الخوض فيه، وقد شدد العلماء النكير على من فعل ذلك، ونبهوا على خطئه، ولكن هذا لم يجد نفعا -ويا للأسف- مع بعض الغلاة من المنتسبين إلى العلم في هذا العصر، فقد ظنوا أن مجابهة مخالفيهم بالطعن والقذف دليل على وفرة العلم وقوة الفهم، حتى صار "من عاداتهم الخبيثة: أنهم كلما ناظروا أحدا من الأفاضل في مسألة من المسائل توجهوا إلى جرحه بأفعاله الذاتية، وبحثوا عن أعماله العرضية، وخلطوا ألف كذبات بصدق واحد، وفتحوا لسان الطعن عليه بحيث يتعجب منه كل ساجد، وغرضهم منه إسكات مخاصمهم بالسب والشتم، والنجاة من تعقب مقابلهم بالتعدي والظلم بجعل المناظرة مشاتمة، والمباحثة مخاصمة" (١). وحسبنا في الحكم على هذا المسلك قوله ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (٢).

стр. 94

بل ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" (١). شروط قبول الجرح والتعديل: الشرط الأول: أن يصدر الجرح والتعديل ممن استوفى شروط الجارح والمعدل قال اللكنوي ﵀ في الرفع والتكميل (٢). "يجب عليك ألا تبادر إلى الحكم بجرح الراوي بوجود حكمه من بعض أهل الجرح والتعديل، بل يلزم عليك أن تنقح الأمر فيه، فإن الأمر ذو خطر وتهويل. ولا يحل لك أن تأخذ بقول كل جارح في أي راو كا. فكثيرا ما يوجد أمر يكون مانعا من قبول جرحه، وله صور كثيرة لا تخفى على مهرة كتب الشريعة، فمنها: أن يكون الجارح في نفسه مجروحا، فحينئذ لا يبادر إلى قبول جرحه وكذا تعديله ما لم يوافقه فيه غيره. قال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب -بعد ما نقل عن الأزدي قوله فيه: "غير مرضي"- قلت: "لم يلتفت أحد إلى هذا القول، بل الأزدي غير مرضي" (٣). ومنها: أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين، فإن هناك جمعا من أئمة الجرح والتعديل له تشدد في هذا الباب يجرحون الراوي بأدنى جرح، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر، وجرحه لا يعتبر إلا إذا وافقه

стр. 95

غيره ممن ينصف ويعتبر، فمنهم أبو حاتم، والنسائي، وابن معين، وابن القطان، ويحيى القطان، وابن حبان، وغيرهم فإنهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه، فليثبت العاقل في الرواة الذين تفردوا بجرحهم وليتفكر فيه". قال الذهبي (١) في ترجمة محمد بن الفضل السدوسي عارم شيخ البخاري بعد أن ذكر توثيقه نقلا عن الدارقطني: قلت: القائل الذهبي: "فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله، فأين هذا القول من قول ابن حبان الحشاف المتهور في عارم، فقال: "اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإذا لم يعرف هذا من هذا ترك الكل ولا يحتج بشيء منها؟ ! " قلت: "ولم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثا منكرا فأين ما زعم" انتهى كلام الذهبي. الشرط الثاني: لا يقبل الجرح إلا مفسرا أي مبين السبب، أما التعديل فلا يشترط تفسيره هذا الذي عليه جمهور العلماء، واقتصر على إيراده ابن الصلاح دون الأقوال الأخرى. قال ابن الصلاح (٢): "التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا، وكذا، فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جدًّا.

стр. 96

وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرا مبين السبب، لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا، وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه، لينظر فيه أهو جرح أو لا. وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله". وذكر الخطيب الحافظ (١) أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم وغيرهما. وعقد الخطيب بابا في "بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر مالا يصلح جارحا" (٢)، منها: عن شعبة أنه قيل له: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون فتركت حديثه! ! . ومنها عن مسلم بن غبراهيم أنه سئل عن حديص لصالح المري فقال: ما تصنع بصالح! ذكروه يوما عند حماد بن سلمة فامتخط حماد! ؟ . استشكال الجرح المجمل في كتب الرجال: وقد أورد ابن الصلاح ههنا استشكالا لا بد أن يورده كل مسلم بالحديث، وهو أن كتب الجرح والتعديل التي صنفها الأئمة، "قل ما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم فلان ضعيف .. وفلان ليس بشيء، ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر". وهذا الإشكال قد أجاب عنه الإمام أبو عمرو بن الصلاح جوابا

стр. 97

حسنا ارتضاه العلماء، فقال (١): وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف. ثم من انزاحت عن الريبة ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه، ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مخلص حسن" (٢). فاحفظ هذه الفائدة الهامة في باب الجرح المبهم. ولا تبادر تقليدا لمن لا يعرف الحديث وأصوله إلى تضعيف الحديث وتوهينه بمجرد الأقوال المبهمة، والجروح غير المفسرة. الشرط الثالث: يقبل الجرح المجمل غير المفسر في حق من خلا من التعديل على ما اختاره الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (٣) حيث قال: "فإن خلا المجروح عن التعديل، قبل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب، إذا صدر عن عارف على المختار، لأنه إذا لم يكن فيه تعديل كأنه في حيز المجهول، وإعمال قول المجروح أولى من إهماله".

стр. 98

الشرط الرابع: أن يسلم الجرح من الموانع التي تمنع قبوله فإذا وجد مانع من قبول الجرح أو التعديل لم يقبل. تعارض الجرح والتعديل: إذا تعارض الجرح والتعديل في راوٍ واحد بأن ورد فيه الجرح والتعديل، ففيه أقوال ذكرها العلماء. الصحيح الذي نقله الخطيب البغدادي عن جمهور العلماء وصححه ابن الصلاح وغيرهما عن المحدثين وجماعة من الأصوليين أن الجرح مقدم على التعديل ولو أن المعدلون أكثر، "لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل". لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها في تقديم الجرح، فقد وجدناهم يقدمون التعديل على الجرح في مواطن كثيرة، ويمكننا أن نقول إن القاعدة مقيدة بالشروط الآتية: ١ - أن يكون الجرح مفسرًا، مستوفيًا لسائر الشروط، لما مر معك سابقًا. ٢ - أن لا يكون الجارح متعصبًا على المجروح أو متعنتًا في جرحه. فلم يقبل كلام النسائي في أحمد بن صالح المصري لما بينهما من الجفاء (١). ٣ - أن لا يبين المعدل أن الجرح مدفوع عن الراوي، ويثبت ذلك بدليل الصحيح، مثل ثابت بن عجلان الأنصاري: قال العقيلي: "لا يتابع على حديثه". وتعقب ذلك أبو الحسن بن القطان بأن ذلك

стр. 99

لا يضره إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ومخالفة الثقات وأقر ذلك الحافظ ابن حجر فقال: "وهو كما قال" (١). وهذا يدل على أن اختلاف ملحظ النقاد يؤدي إلى اختلافهم في الجرح والتعديل، لذلك قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة". أي لأن الثقة إذا ضعف يكون ذلك بالنظر لسبب غير قادح، والضعيف إذا وثق يكون توثيقه من الأخذ بمجرد الظاهر (٢). فاعرف هذه القيود التي ذكرناها لقاعدة تقديم الجرح، فقد زل كثير من الباحثين لغفلتهم عن التقييد والتفصيل، توهمًا منهم أن الجرح مطلقًا أي جرح كان، مقدم على التعديل مطلقًا أي تعديل كان من أي معدل كان في شأن أي راوٍ كان، فوقعوا بسبب ذلك في الخطأ (٣). بم يثبت تعديل الراوي وجرحه: يثبت تعديل الراوي وجرحه بعدة وسائل، تتحدث عن أهمها فيما يلي: ١ - أن ينص اثنان من أهل العلم على عدالته. وذلك باتفاق الجماهير من العلماء، قياس على التزكية في الشهادة حيث يشترط فيها اثنان.

стр. 100

٢ - أن يستفيض بين أهل الرواية أن فلانا ثقة، فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة استغنى بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصًا. مثل: مالك. وشعبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر. قال الخطيب في الكفاية (١): "فهؤلاء وأمثالهم لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، وخفي أمره على الطالبين". والدليل على ذلك أن العلم بظهور المستور من أمرهم واشتهار عدالتهم بالاستفاضة والشهرة أقوى في النفوس من تعديل واحد أو اثنين. وقد سئل الإمام أحمد عن إسحاق بن راهويه، فقال: "مثل إسحاق يسأل عنه؟ ! . إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين". وسئل ابن معين عن أبي عبيد القاسم بن سلام فقال: "مثلي يسأل عنه؟ ! هو يسأل عن الناس". وحكم الجرح فيما ذكرنا كالتعديل أيضًا. ٣ - التعديل بواحد: اختار الخطيب البغدادي وابن الصلاح وكثير من المحققين أن يثبت التعديل بواحد (٢). واستدلوا على ذلك: بأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلا

стр. 101

يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات، فإنها لا تقبل من شاهد واحد. واستدلوا أيضا بأن التزكية بمنزلة الحكم من المعدل بأن الراوي عدل، والحكم لا يحتاج فيه لاثنين. وخالف بعض العلماء فقال: لا يثبت التعديل إلا باثنين، قياسا على الجرح والتعديل في الشهادات. وقد عرفت الفرق بينهما من قبل فلا يصح هذا القياس. ٤ - تعديل من عرف بالعناية بحمل العلم: قال ابن عبد البر: "كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة، حتى يتبين جرحه في حاله، أو في كثرة غلطه، لقوله ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (١). وقد انتقده ابن الصلاح فقال: "وفيما قاله اتساع غير مرضي"، وكأن ابن الصلاح لحظ في ذلك إلى الشبه بالمستور. لكن صوب هذا القول المحققون من أهل الحديث كالجزري، والمزي، والذهبي، والسخاوي، وصوروه بما لا يشابه مجهول الحال، قال الذهبي: "ولا يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا

стр. 102

ولا اتفق لهم على علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ وأنه يكون مقبول الحديث، إلى أن يلوح فيه جرح" (١). ويؤيد ذلك قول أبي عمران: الشهرة والمعرفة بين أهل العلم تدل على عدالته، فإنهم لو علموا فيه جرحا لبينوه وما سكتوا عنه، فكان ذلك دليلا على عدالته. وسائل مردودة للجرح والتعديل: ١ - التعديل على الإبهام، كأن يقول حدثني الثقة، أو من لا أتهم، من غير أن يسميه، لم يكتف به على الصحيح حتى يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه كان ممن جرحه غيره بجرح قادح، بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع ترددا في القلب. وكذا لو قال: كل شيوخي ثقات لم يعمل بتزكيته حتى يسمي الرواة. لكن استثنوا من ذلك الإمام المجتهد، كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، إذا قال ذلك كفى في حق من يقلده في المذهب (٢). ٢ - ذهب ابن حبان إلى أن الراوي إذا خلا من أن يكون مجروحا أو فوقه في السند مجروح أو دونه مجروح ولم يرو منكرا، فإنه يقبل حديثه، لذلك فإنه يوثق الراوي المجهول إذا روى عن ثقة وكان الراوي عنه ثقة، ولم يرو منكرا. ولا يخفى أنه لا يلزم مما ذكره أن يكون الراوي ثقة فما أكثر

стр. 103

الضعفاء الذين يروون عن الثقات، وما أكثر الثقات الذين يروون عن الضعفاء. لذلك وصف ابن حبان بالتساهل في تصحيح الأحاديث وفي تعديل الرواة (١)، في هذه النقطة وهي تعديل المجهولين، وإن كان متعنتا في الجرح من جهة أخرى لأدنى سبب يلوح له. ٣ - إذا روى العدل عن راو، وسماه، لم يكن تعديلا عند الأكثرين من أهل الحديث، وهو الصحيح لأن هؤلاء رووا عن الثقات وعن غيرهم. ٤ - عمل العالم وفتياه على وفق حديث يرويه ليس حكما بصحته. كذلك مخالفته للحديث ليست قدحا في صحته ولا في رواته، لأن عمله على وفق الحديث قد يكون احتياطا، أو لدليل آخر وافق الخبر. وكذلك عمله على خلافه قد يكون لمانع من معارض قوي أو تأويل. وقد روى مالك عن نافع عن ابن عمر حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، ولم يعمل بظاهره، ولم يكن ذلك قدحا في نافع راويه (٢). وفي الموطأ سبعون حديثا ترك مالك ﵁ العمل به، منها أحاديث في الصحيحين. ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها: اصطلح علماء هذا الفن على استعمال ألفاظ يعبرون بها عن وصف حال الراوي من حيث القبول أو الرد، ويدلون بها على المرتبة التي ينبغي أن يوضع فيها من مراتب الجرح أو التعديل، ولا ريب أن معرفة

стр. 104

هذه الألفاظ في غاية الأهمية لطالب الحديث، والباحث فيه، لأنها الأداة التعبيرية التي تعرفنا صفة الراوي. وقد كتب العلماء كثيرا عن هذه المراتب واجتهدوا في تقسيمها وبيان منازلها. وكان أول ما وصلنا من ذلك تصنيف سيد النقاد الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي "المتوفى (٣٢٧) هـ" في كتابه العظيم "الجرح والتعديل" (١)، فقد صنف مراتب التعديل أربع مراتب، ومراتب التجريح أربعا. مراتب التعديل عند الرازي: قال ابن أبي حاتم: "وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى: ١ - فإذا قيل للواحد: إنه ثقة أو متقن أو ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه. ٢ - وإذا قيل له: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية. ٣ - وإذا قيل: "شيخ"، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية. ٤ - وإذا قالوا: "صالح الحديث" فإنه يكتب حديثه للاعتبار. مراتب الجرح عند الرازي: ١ - وإذا أجابوا في الرجل بـ"لين الحديث" فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا.

стр. 105

٢ - وإذا قالوا: "ليس بقوي" فهو بمنزلة الأولى في كتبة حديثه إلا أنه دونه. ٣ - وإذا قالوا: "ضعيف الحديث"، فهو دون الثاني لا يطرح حديثه بل يعتبر به. ٤ - وإذا قالوا: "متروك الحديث"، أو "ذاهب الحديث"، أو "كذاب" فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه. وهو المنزلة الرابعة. وقد تابع الرازي على هذا التقسيم ابن الصلاح والنووي وغيرهما (١) فوافقوه موافقة تامة. وجاء غيرهما فوافقوا على التقسيم وأحكامه من حيث الاجمال وزادوا عليه بعض التفاصيل، أشهرهم الذهبي، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي. قال الذهبي في ديباجة ميزان الاعتدال: ١ - فأعلى الرواة المقبولين: ثبت حجة، وثبت حافظ، أو ثقة متقن، وثقة ثقة. ٢ - ثم ثقة. ٣ - ثم صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس. ٤ - ثم محله الصدق، وجيد الحديث، وصالح الحديث، وشيخ وسط، وشيخ حسن الحديث، وصدوق إن شاء الله، وصويلح، ونحو ذلك. فقد زاد رتبة أعلى من الأولى عند ابن أبي حاتم، وجعل الثالثة والرابعة مرتبة واحدة.

стр. 106

أما في الجرح فقال: ١ - وأردأ عبارات الجرح: دجال، كذاب، وضاع، يضع الحديث. ٢ - ثم: متهم بالكذب، ومتفق على تركه. ٣ - ثم متروك، وليس بثقة، وسكتوا عنه .... ٤ - ثم واه بمرة، وليس بشيء، وضعيف جدا، وضعفوه ... ٥ - ثم يضعف، وفيه ضعف، وقد ضعف، وليس بالقوي، سيئ الحفظ ... إلخ. وجاء العراقي فتابع الذهبي في تقسيمه وأدخل عليه تفصيلا وإيضاحا كلمة: المرتبة الأولى -المرتبة الثانية، بدلا من كلمة ثم. وتوسع في ذكر ألفاظ كل مرتبة، وأبان حكم المراتب وأوضحه. فالأولى والثانية من مراتب التعديل، إذا قيل للواحد شيء من ألفاظهما فهو ممن يحتج بحديثه والثالثة يكتب حديثه وينظر فيه، والرابعة بمنزلة التي قبلها يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دونها. وقال في المراتب الثلاث الأولى من مراتب الجرح: "وكل من قيل فيه ذلك من هذه المراتب الثلاث لا يحتج به ولا يستشهد به ولا يعتبر به"، وفي المرتبتين الرابعة والخامسة: "يخرج حديثه للاعتبار". ثم جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني فزاد في نخبته مرتبة في التعديل أعلى من المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي وهي ما عبر فيها بأفعل التفضيل، كأوثق الناس، فصارت مراتب التعديل خمسا وزاد عليها في كتابيه "تهذيب التهذيب"، و"تقريب التهذيب" رتبة أخرى

стр. 107

اعتبرها أعلى أيضا وهي رتبة الصحابة، فصارت مراتب التعديل ستا. وصنيع الحافظ ابن حجر في إفراد رتبة الصحبة معقول، فإن توثيقهم إنما علم بالنصوص من الكتاب والسنة، وهي أعلى دلالة وأسمى شرفا ممن ثبتت عدالته بتعديل بشر. وأما مراتب الجرح فزاد عليها الحافظ رتبة المبالغة كأكذب الناس، وتابعه عليها السخاوي فصارت مراتب الجرح ستا أيضا. التقسيم المختار لمراتب الجرح والتعديل: ونحن نختار هذا التقسيم للمراتب فنفصلها بعد هذا التمهيد ونسوق لك مع كل رتبة ما ينطبق عليها من ألفاظ الجرح أو التعديل، بدءا من أعلى مراتب التعديل إلى أسوأ مراتب التجريح. مراتب التعديل: "المرتبة الأولى": وهي أعلاها شرفا، مرتبة الصحابة ﵃ وأرضاهم. "المرتبة الثانية": وهي أعلى المراتب في دلالة العلماء على التزكية، وهي ما جاء التعديل فيها بما يدل على المبالغة، أو عبر بأفعل التفضيل، كقولهم، أوثق الناس، وأثبت الناس، وأضبط الناس، وإليه المنتهى في التثبت. ويلحق به: لا أعرف له نظيرا في الدنيا، وقولهم: لا أحد أثبت منه، أو من مثل فلان، أو فلان لا يسأل عنه. "المرتبة الثالثة": إذا كرر لفظ التوثيق، إما مع تباين اللفظين كقولهم: ثبت حجة، أو ثبت حافظ، أو ثقة ثبت، أو ثقة متقن، أو مع إعادة اللفظ الأول، كقولهم: ثقة ثقة، ونحوها، وأكثر ما وجدوا

стр. 108

قول ابن عيينة حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة ثقة ثقة ... ، إلى أن قال تسع مرات، ومن هذه المرتبة قول ابن سعد في شعبة: "ثقة مأمون ثبت حجة، صاحب حديث". "المرتبة الرابعة": ما انفرد فيه بصيغة دالة على التوثيق، كثقة. أو ثبت أو متقن، أو كأنه مصحف، أو حجة، أو إمام، أو عدل ضابط. والحجة أقوى من الثقة. "المرتبة الخامسة": ليس به بأس، أو لا بأس به، أو صدق، أو مأمون، أو خيار الخلق. أو ما أعلم به بأسا، أو محله الصدق. "المرتبة السادسة": ما أشعر بالقرب من التجريح، وهي أدنى المراتب، كقولهم: ليس ببعيد من الصواب، أو شيخ، أو يروى حديثه، أو يعتبر به، أو شيخ وسط، أو روي عنه. أو صالح الحديث، أو يكتب حديثه، أو مقارب الحديث، أو ما أقرب حديثه، أو صويلح، أو صدوق إن شاء الله، أو أرجو أن لا بأس به، أو جيد الحديث، أو حسن الحديث. أو وسط، أو مقبول، أو صدوق تغير بأخرة، أو صدوق سيء الحفظ، أو صدوق له أوهام، أو صدوق مبتدع، أو صدوق يهم. "ثم إن الحكم في أهل هذه المراتب: الاحتجاج بالأربعة الأولى منها. وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط، بل يكتب حديثهم ويختبر، وأم السادسة فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها، وفي بعضهم من يكتب حديثه للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم". كذا قال الحافظ السخاوي (١)، وهو ينطبق على تقسيمنا هذا أيضا، لما عرفت أثناء

стр. 109

الشرح. وهو موافق لما قاله ابن أبي حاتم وأقره ابن الصلاح في أحكام التقسيم لمراتب التعديل. وهذا اتفاق منهم على أن كلمة "صدوق" لا يحتج بمن قيلت فيه إلا بعد الاختبار والنظر، ليعلم هل يضبط الحديث أو لا (١). وذلك يرد ما زعمه بعض الناس من أن من قيلت فيه يكون حديثه حجة من الحسن لذاته، دون أن يقيده بأن ينظر فيه. مراتب الجرح: "المرتبة الأولى": وهي أسهل مراتب الجرح، قولهم: فيه مقال، أو أدنى مقال، أوضعف، أو ينكر مرة ويعرف أخرى، أو ليس بذاك، أو ليس بالقوي، أو ليس بالمتين، أو ليس بحجة، أو ليس بعمدة، أو ليس بمأمون (٢)، أو ليس بالمرضي، أو ليس يحمدونه، أو ليس بالحافظ، أو غيره أوثق منه، أو فيه شيء، أو فيه جهالة، أو لا أدري ما هو، أو فيه ضعف، أو لين الحديث، أو سيئ الحفظ، أو ضعف، أو للضعف ما هو. أو فيه لين "عند غير الدارقطني، فإنه قال: إذا قلت: لين لا يكون ساقطا متروك الاعتبار ولكن مجروحا بشيء لا يسقط لا يسقط به عن العدالة".

стр. 110

ومنه قولهم: تكلموا فيه، أو سكتوا عنه، أو مطعون فيه. أو فيه نظر، عند غير البخاري، فإنه يقول ذلك فيمن تركوا حديثه. "المرتبة الثانية": وهو أسوأ من سابقتها، وهي: فلان لا يحتج به، أو ضعفوه، أو مضطرب الحديث، أو له ما ينكر، أو حديثه منكر، أو له مناكير، أو ضعيف، أو منكر، عند غير البخاري، أما البخاري فقد قال: "كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه". وحكم من ذكر في هاتين المرتبتين -كما بين السخاوي-: يعتبر بحديثه، أي يخرج حديثه للاعتبار- وهو البحث عن روايات تقويه ليصير بها حجة- لاشعار هذه الصيغ بصلاحية المتصف بها لذلك، وعدم منافاتها لها. "المرتبة الثالثة": أسوأ من سابقتيها. كقولهم: فلان رد حديثه، أو مردود الحديث، أو ضعيف جدا، أو ليس بثقة، أو واه بمرة، أو طرحوه، أو مطروح الحديث، أو مطروح، أو ارم به، أو لا يكتب حديثه، أو لا تحل كتابة حديثه، أو لا تحل الرواية عنه، أو ليس بشيء، أو لا يساوي شيئا، أو لا يستشهد بحديثه، أو لا شيء خلافا لابن معين. "المرتبة الرابعة": كقولهم: فلان يسرق الحديث، وفلان متهم بالكذب أو الوضع، أو ساقط، أو متروك، أو ذاهب الحديث، أو تركوه، أو لا يعتبر به، أو بحديثه، أو ليس بالثقة، أو غير ثقة، وكذا قولهم: مجمع على تركه، ومود أي هالك، وهو على يدي عدل. "المرتبة الخامسة": كدجال، والكذاب، والوضاع، وكذا: يضع، ويكذب، ووضع حديثا. "المرتبة السادسة": ما يدل على المبالغة كأكذب الناس، أو إليه
следующие страницы →