← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6658

منهج النقد في علوم الحديث

نور الدين عتر

Полный текст (503 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وكذا ما رواه البخاري (١): حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ أو قال: قال أبو القاسم ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". فهذا يوافقان حديث الشافعي، لكنهما من حديث صحابي آخر، فكل منهما شاهد لحديث الشافعي ﵀. ومن هذا يتضح الفرق بين التابع والشاهد، وهو أن التابع يختص بالرواية عن نفس الصحابي، والشاهد بالرواية عن غيره. وهذا عند الجمهور. وفرق قوم بين التابع والشاهد فخصوا التابع بالموافقة على رواية لفظ الحديث عن النبي ﷺ ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أو غيره. وخصوا الشاهد بالموافقة في المعنى كذلك. قال الحافظ ابن حجر: "وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل" (٢). وهذا لأن المقصود بكل منهما هو التقوية، وهو "حاصل بكل منهما سواء سمي متابعة أو شاهدا". ولما كان المقصود بالمتابعات والشواهد التقوية، فإن المحدثين يتساهلون، فيقبلون فيها رواية من يقارب الثقة، وينزلون إلى الضعيف، وهذا هو السبب في أن البخاري ومسلما يخرجان أحاديث بعض الضعفاء.

стр. 422

في المتابعات والشواهد. وذلك لأن الاعتماد ليس على التابع والشاهد، إنما هو على الأصل الصحيح الذي أريد إردافه بالمتابعة أو الشاهد. لكن المحدثين لم يفرطوا في هذا التساهل بل تحرزوا فلم يعتدوا بكل أحد من الضعفاء في المتابعات والشواهد بل اشترطوا فيه ألا يكو قد اشتد ضعفه، وفقا لما سبق في مراتب الجرح والتعديل من بيان المراتب التي يعتبر بها والتي لا يعتبر بها (١). مثال ذلك ما روى الترمذي (٢): "حدثنا أبو كريب حدثنا سويد بن عمرو الكلبي عن حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد ين سيرين عن أبي هريرة أراه رفعه قال: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما". قال أبو عيسى: "هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه .. " إلى آخره. والحديث يرويه أيضا الحسن بن دينار عن ابن سيرين، مما قد يوهم أنه خرج بذلك عن الغرابة، وتقوى، لكن الحسن بن دينار شديد الضعف. قال الذهبي (٣): "تركوه". لذلك لم يخرجه الترمذي عن حد الغرابة والضعف لأنه لا يصلح للمتابعة.

стр. 423

الفصل الثالث: في اختلاف رواية الحديث اختلاف الرواة ظاهرة لها أهمية كبيرة في علوم الحديث، لما تكشف عنه من الفوائد الحديثية في السند أو في المتن، أو فيهما. ذلك أنه عن طريق البحث الناقد المتعمق في هذه الظاهرة يتبين ما وقع في الحديث من الوهم لبعض الرواة، أو ما في سنده أو متنه من قدح أو غير ذلك، كما أنها أحيانا تكون مقوية للحديث كما في بعض أحوال زيادات الثقات في السند. ويضم هذا المبحث عشر أنواع من علوم الحديث، هي: ١ - زيادات الثقات. ٢ و ٣ - الشاذ والمحفوظ. ٤، ٥ - المنكر والمعروف. ٦ - المضطرب. ٧ - المقلوب. ٨ - المدرج. ٩ - المصحف. ١٠ - المعل.

стр. 424

وبعض هذه الأنواع إنما يتبين في أغلب الأحيان عن طريق تعدد السندن وقد يتبين على قلة بدون تعدد السند، مثل زيادة الثقة، فإنها قد ترد من راوي الحديث نفسه، وكالمدرج والمصحف، فإنهما قد يعرفان بغير نظر في رواية أخرى للحديث، لكن الأكثر فيها أن تعرف بتعدد السند لذلك أدرجنا مثل هذه الأنواع في هذا المبحث. واكتفينا بالتبينه على ذلك هنا، رفعا للالتباس، وحجبا للتظنن. ١ - زيادات الثقات: زيادة الثقة: هي ما يتفرد به الثقة في رواية الحديث من لفظة أو جملة في السند أو المتن. وهذا فن مهم عني به المحدثون، وفتشوا الأسانيد والروايات وتعبوا في البحث عنه، ثم اختلفوا في حكمه اختلافا كثيرا، حتى أخل ببحثه بعض الكاتبين. وبالنظر في التعريف نجدها تنقسم إلى قسمين، نلخص زبدة بحثهما فيما يلي: القسم الأول: الزيادة في السند: وفيها ما يكثر من اختلاف الرواة في وصل الحديث وإرساله. وكذا في رفعه ووقفه (١).

стр. 425

وقد ذهب الجمهور وأكثر أهل الحديث إلى ترجيح رواية الارسال على الوصل، وترجيح رواية الوقف على الرفع. لكن الراجح الذي عليه المحققون من أئمة هذا الفن هو ترجيح الوصل على الارسال، والرفع على الوقف، إذا كان راويهما حافظا متقنا ضابطا (١)، ولم تكن قرينة أقوى على ترجيح إرساله أو وقفه (٢). قال الخطيب البغدادي (٣): "وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضي له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى لا يضعف ذلك أيضا، لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معا عن قصد منه لغرض له فيه .. ". مثال ذلك: ما رواه الترمذي (٤): حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شيبان أبو معاوية حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: قال: خرج النبي ﷺ في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه يها أحد، فأتاه أبو بكر ..

стр. 426

قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". ثم قال: "حدثنا صالح بن عبد الله حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه خرج يوما .. ". وهذا إسناد مرسل والإسناد الأول متصل، وراوي الوصل فيه شيبان ثقة حجة (١) صاحب كتاب احتج به الجماعة. لذلك صحح الترمذي روايته للوصل. القسم الثاني: الزيادة في المتن: وهي أن يروي أحد الرواة زيادة لفظة أو جملة في متن الحديث لا يرويها غيره. وقد وقع الخلاف بين العلماء في حكم هذه الزيادة أكثر من سابقتها، ثم جاء أبو عمرو بن الصلاح فبحث فيها بحثا يمكن أن يحل كثيرا من الخلاف، ويحقق الرأي المحرر الواضح. وذلك أنه قسم الزيادة في المتن إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن تخالف الزيادة ما رواه الثقات، فهذه حكمها الرد. النوع الثاني: أن لا يكون فيه منافاة أو مخالفة أصلا لما رواه غيره. فهذه تقبل سواء كانت من الراوي نفسه بأن رواه ناقصا ومرة فيه تلك الزيادة، أو رواه هو فيه تلك الزيادة وغيره بدونها، لأنها بمثابة خبر منفصل تفرد به الراوي فيقبل منه (٢). النوع الثالث: ما يقع هاتين المرتبتين، كزيادة لفظة معنوية

стр. 427

لم يذكرها سائر رواته فيخالف الزائد إطلاق الحديث، أو شيئا من وصفه. مثاله: ما رواه أبو مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة: قال قال رسول الله ﷺ : " ... وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا ظهورا .. ". أخرجه مسلم (١). تفرد أبو مالك الأشجعي برواية الحديث بهذه الزيادة: "تربتها". وجه تردد هذا القسم بين القسمين: أنه يشبه الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام لشموله جميع أجزاء الأرض، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص بالتراب، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوع مخالفة يختلف فيها الحكم. ويشبه القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما. ولم يصرح ابن الصلاح بحكم القسم الأخير المتوسط بين المرتبتين، وقد اختلف فيه العلماء، فقبله مالك والشافعي لما عرفت من عدم المنافاة، ولم يقبله أبو حنيفة ومن وافقه، لأن الزيادة لما كانت تقتضي تغييرا للحكم فقد أصبحت من قبيل الزيادة المعارضة، فلا تكون مقبولة. وبسبب هذا الخلاف اختلف العلماء في العمل بموارد كثير من الزيادات، ومن ذلك أن الحنفية جوزوا التيمم بكل ما كان من جنس الأرض كالصخر والحصى، ولم يقيدوه بأن يكون ترابا. وخص الشافعية التيمم بأن يكون بالتراب فقط عملا برواية "وتربتها". وهذا التقسيم هو الذي نرجحه ونأخذ به، لأنه يوافق قواعد المحدثين في أنه يشترط لقبول الحديث ألا يكون شاذا، فالزيادة المنافية ما دامت دون روايات الحديث في القوة فهي غير مقبولة. فلا بد من تقييد

стр. 428

قبول الزيادة بكونها غير منافية كما حققه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (١).

стр. 429

٢، ٣ - الشاذ والمحفوظ: الشاذ في اللغة: المنفرد عن الجماعة، شذ يشذ ويشذّ شذوذا، إذا انفرد. وفي اصطلاح المحدثين: الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه لكثرة عدد أو زيادة حفظ. والمحفوظ: مقابل الشاذ، وهو ما رواه الثقة مخالفا لمن هو دونه في القبول. وينقسم الشاذ بحسب موضعه في الحديث إلى قسمين: شاذ في السند، وشاذ في المتن. مثاله: ما أخرجه الدارقطني (١) عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم". فهذا حديث رجال إسناده ثقات، وقد صحح إسناده الدارقطني. لكنه شاذ سندا ومتنا: أما السند فلأنه خالف ما اتفق عليه الثقات عن عائشة أنه من فعلها غير مرفوع. وأما المتن فلأن الثابت عندهم مواظبته ﷺ على قصر الصلاة في السفر، لذلك قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (٢): "والمحفوظ من فعلها". أي رواية ذلك موقوفا عليها لا مرفوعا. والحكم في الشاذ أنه مردود لا يقبل، لأن راويه وإن كان ثقة، لكنه لما خالف من هو أقوى منه علمنا أنه لم يضبط هذا الحديث. فيكون مردودا.

стр. 430

وهذا النوع دقيق جدا، لأنه يشتبه كثيرا بزيادة الثقة في السند أو المتن ويحتاج إلى نظر دقيق للفصل بينهما. هذا هو المشهور في الشاذ، وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي وغيره. وخالف الحاكم والخليلي في تعريف الشاذ، وذهبا فيه مذهبا آخر: قال الحاكم (١): "الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو، أو أرسله واحد فوصله واهم. فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". وقال الخليلي في كتابه الارشاد (٢): "الذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به". وقد انتقد ابن الصلاح هذا الرأي الذي يتوسع في الحديث الشاذ بالأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة التي سبق أن ذكرنا أمثلة منها في الغريب (٣)، فقد اتفق العلماء على تصحيح عدد كثير من الأحاديث الغريبة والأفراد، "مما يبين -كما قال ابن الصلاح- أنه ليس الأمر في ذلك على الاطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم". وبهذا يثبت أن الأليق في تعريف الشاذ ما عرفه به الإمام الشافعي ﵁.

стр. 431

٤، ٥ - المنكر والمعروف: اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر، حتى يكاد يشتبه أمره لدى الناظر، والتحقيق الذي يتبين بالبحث أن ذلك الاختلاف يرجع إلى اختلاف مقصد كل طائفة منهم من استعمال هذا الاصطلاح. وقد وجدنا بالبحث في ذلك مسلكين للعلماء نفصلهما فيما يلي: المسلك الأول: اطلاق المنكر على نوع خاص من المخالفة وهو: ما رواه الضعيف مخالفا للثقة. وهذا القسم يقع في مقابلة المعروف. والمعروف هو: حديث الثقة الذي خالف رواية الضعيف. وعلى هذا كثير من المحدثين، وهو الذي استقر عليه هذا الاصطلاح عند المتأخرين، وعليه جرى الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها. المسلك الثاني: التوسع في إطلاق المنكر وأنه: ما تفرد به راويه، خالف أو لم يخالف ولو كان ثقة. وهذا يشمل صورا متعددة، اطلق المحدثون على كل منها "منكر" وهو مسلك كثير من المتقدمين، وهذه أمثلة مما وجدناه عنهم: ١ - قال الإمام أحمد في أفلح بن حميد الأنصاري، أحد رجال الصحيحين الثقات: "روى أفلح حديثين منكرين: أن النبي أشعر، وحديث: وقت لأهل العراق ذات عرق" (١).

стр. 432

فسمى الإمام أحمد هذين الحديثين منكرين لتفرد أفلح بروايتهما مع كونه ثقة. ٢ - حديث أبي الزبير المكي قال: سألت جابرا عن ثمن السنور والكلب، فقال: زجر النبي ﷺ عن ذلك" هكذا أخرجه مسلم (١). ورواه النسائي قال: "أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: أنبأنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد". قال أبو عبد الرحمن. "هذا منكر" (٢). وهذا إسناد رجاله ثقات (٣)، لكنه تفرد برواية "إلا كلب صيد" لذلك قال فيه النسائي: "منكر". ويمكن أن يدخل هذا في الشاذ لأن هذه الزيادة فيها مخالفة. ٣ - قال الترمذي (٤): "حدثنا الفضل بن الصباح بغدادي حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "السلام قبل الكلام" ... قال أبو عيسى: هذا حديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

стр. 433

وسمعت محمدا يقول: "عنبسة بن عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث". فقد حكم أبو عيسى الترمذي على الحديث بأنه "منكر" وهو مروي بإسناد فيه ضعيفان ولم يعرف الحديث من وجه آخر. ٤ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة". أخرجه البزار والطبراني في الأوسط (١)، وفي سنده إبراهيم بن قدامة الجمحي "لا يعرف". فقال الذهبي (٢) "هذا خبر منكر". وهذا من قليل استعمال المتأخرين لهذا الاصطلاح. أما حكم المنكر: فهو بالنسبة للاصطلاح الأول ضعيف جدا، لأن راويه ضعيف، وازداد بالمخالفة ضعفا. وأما بالنسبة للاصطلاح الثاني الذي يطلقه على الفرد وكذا الشاذ إذا أريد به ذلك فالحكم فيه حكم الغريب متنا وإسنادا والفرد المطلق، قد يكون صحيحا وقد يكون حسنا وقد يكون ضعيفا. ومن هنا يتعين على من يطالع كتب المحدثين أن يتفطن ويتنبه لاطلاق كلمة "منكر" ولا يتاثر بدافع التعجل فيضعف مالا يستحق التضعيف، ويتكلم بغير علم، كما وقع لبعض العصريين. قولهم: أنكر ما رواه فلان: قال السيوطي (٣): "وقع في عباراتهم: أنكر ما رواه فلان كذا،

стр. 434

وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفا، قال ابن عدي: أنكر ما روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: "إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها" قال: وهذا طريق حسن رواته ثقات وقد أدخله قوم في صحاحهم". انتهى، والحديث في صحيح مسلم. وقال الذهبي: أنكر ما للوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن "وهو عند الترمذي وحسنه وصححه الحاكم على شرط الشيخين" (١). ٦ - المضطرب: المضطرب: اسم فاعل من اضطرب. أصله مادة "ضرب". يقال: اضطرب الموج أي ضرب بعضه بعضا. واضطرب الأمر اختل. والحديث المضطرب: هو الحديث الذي يروى من قبل راو واحد أو أكثر على أوجه مختلفة متساوية، لا مرجح بينها، ولا يمكن الجمع. فالمضطرب لا بد فيه مع اختلاف رواياته من شرطين: الأول: أن تكون متساوية في القوة بحيث لا يترجح منها شيء، فإن ترجح شيء فالحكم للراجح، ويكون محفوظا أو معروفا، ومقابله الشاذ أو المنكر. الثاني: أن لا يمكن التوفيق بينها. فإن أمكن إزالة الاختلاف

стр. 435

بوجه صحيح زال الاضطرب، وإذا اختل شرط واحد من هذين الشرطين زال الاضطراب عن الحديث. والاضطراب بحسب موقعه في الحديث ينقسم إلى قسمين: الاضطراب في السند، وهو الأكثر، والاضطراب في المتن، وهو نادر (١). ومن أمثلة المضطرب: حديث زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث" (٢). قال الترمذي: (٣): "حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب". وسبب اضطرابه أنه اختلف فيه على قتادة اختلافا كثيرا: فرواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم. وقال هشام الدستوائي عن قتادة عن زيد بن أرقم. ورواه شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم. ورواه معمر عن قتادة عن النضر عن أبيه عن النبي ﷺ . وهذا الاختلاف موجب لاضطراب الحديث. وحكم الاضطراب: أنه يوجب ضعف الحديث. لأنه يشعر بعدم

стр. 436

ضبط الراوي للحديث، ذلك أنه لما كان يروي الحديث تارة على وجه وأخرى على وجه آخر فإن ذلك معناه أنه لم يستقر الحديث في حفظه، وكذا إذا وقع التعارض بين الرواة المتعددين لا نعلم أيهم ضبط الحديث فنحكم بضعف الحديث بسبب ذلك. وللحافظ ابن حجر كتاب قيم في هذا الفن سماه "المقترب في بيان المضطرب". ٧ - المقلوب: القلب في اللغة: صرف الشيء عن وجهه. والمقلوب في اصطلاح المحدثين، يمكننا أن نعرفه فنقول: هو الحديث الذي أبدل فيه راويه شيئا بآخر في السند أو المتن سهوا أو عمدا (١). وهذا فيما يبدو لنا أضبط تعريف للمقلوب. ومنه يمكن أن نقسم المقلوب تقسيما يحصر ما تفرق في مراجع هذا الفن، ذلك أن القلب بحسب موضعه إما أن يكون في السند أو المتن، وكلاهما إما أن يصدر من الراوي سهوا أو عمدا، ويعني المحدثون بهذين الأخيرين لما يتوقف عليهما من القبول والرد والجرح والتعديل. القسم الأول: ما وقع من الراوي سهوا كأن يكون متن الحديث لإسناد فينقلب على الراوي ويرويه بإسناد آخر.

стр. 437

مثل ما ورد عن إسحاق بن عيسى الطباع قال: حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال: وهم أبو النضر -يعني جرير بن حازم- إنما كنا جميعا في مجلس ثابت البناني وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني". فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس". وبهذا تبين انقلاب السند على الراوي وأنه جعل المتن لغير السند الذي روي به (١). وقد يقع السهو بأن توضع لفظة موضع لفظة من متن الحديث. ومن أمثلته ما رواه مسلم في حديث: "سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله". فقد جاء في هذه الرواية: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله". وهذا قد انقلب على روايه "والحديث مروي في البخاري وغيره من طرق بلفظ "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (٢). ومما قيل فيه ذلك: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله

стр. 438

صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" (١). قال ابن القيم في زاد المعاد (٢): " .. إن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله، ولعله: "وليضع ركبتيه قبل يديه". وحكم هذا القسم أنه ضعيف، لأنه ناشيء عن اختلال ضبط الراوي للحديث حتى أحاله عن وجهه، وإذا كثر وقوع ذلك منه أدى إلى اختلال اتصافه بالضبط وضعف كل حديثه. القسم الثاني: ما وقع فيه القلب عمدا وهذا أخطر أقسام المقلوب، عني العلماء بدراسته وتحليله، وبينوا ما وراءه من أهداف للرواة والمحدثين تدفعهم إليه. نذكر منها: ١ - رغبة الراوي في إيقاع الغرابة على الناس، حتى يظنوا أنه يروي ما ليس عند غيره فيقبلوا على أخذ حديثه والتحمل عنه، كأن يكون الحديث مشهورا عن راوٍ من الرواة أو بإسناد من الأسانيد فيقلبه أحد الضعفاء الكذابين براوٍ أو إسناد آخر. وممن عرف بذلك من الضعفاء حماد بن عمرو النصيبي، وإسماعيل ابن أبي حية اليسع، وبهلول بن عبيد الكندي. ومثل له الحافظ العراقي بما رواه عمرو بن خالد الحراني عن حماد بن عمرو النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدءوهم بالسلام ... ".

стр. 439

هذا مقلوب السند، قلبه حماد بن عمرو وجعله عن الأعمش، وهو معروف من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. قال العقيلي: "لا نحفظ هذا من حديث الأعمش إنما هذا من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه". وهذا صنيع، يقدح في عدالة صاحبه، ويدرجه في زمرة الهالكين المتهمين بالكذب. ويكون الحديث الذي قلبه من نوع المختلق الموضوع. وإذا كان الراوي المبدل به قد تفرد بالحديث فإن هذا القلب يسمى "سرقة الحديث"، ويقال في فاعله إنه يسرق الحديث. وربما قيل في الحديث نفسه مسروق (١). ٢ - رغبة الراوي في اختبار حفظ المحدث، أهو حافظ أم غير حافظ. وهل بقي على حفظه أو دخله الاختلاط، كما أنهم يختبرون به تيقظ الراوي وحسن انتباهه، هل يقبل التلقين أولا (٢)؟ فإن معرفة الحديث المقلوب تحتاج إلى سعة في الحفظ واتقان دقيق لمعرفة الروايات والأسانيد. وكان أهل الحديث يسلكون هذا الطريق من الاختبار كثيرا: قال العجلي: "ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من ابن معين، لقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت، فيقول: "هذا كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال". وأشهر اختبار فعله المحدثون مما دونته لنا مصادر التاريخ اختبارهم

стр. 440

للإمام العظيم محمد بن إسماعيل البخاري لما ورد مدينة بغداد. وكانت شهرته قد سبقته في الآفاق، فعمد أصحاب الحديث إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس أصحاب الحديث من الغرباء والبغدايين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث فقال: لا أعرفه، فما زال يلقي عليه حديثا بعد آخر حتى فرغ من عشرته، وهكذا حتى فرغوا من الأحاديث المائة المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على "لا أعرفه" فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا وهكذا إلى آخر الأحاديث المائة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل (١). ٨ - المدرج: الإدراج لغة: جعل شيء في طي شيء آخر. وفي اصطلاح المحدثين: ما ذكر في ضمن الحديث متصلا به من غير فصل وليس منه. وقد قسموا الإدراج بحسب موضعه إلى قسمين: مدرج المتن، ومدرج الإسناد.

стр. 441

القسم الأول: مدرج المتن وهو ما ذكر في ضمن متن الحديث من قول بعض الرواة الصحابي أو من دونه موصولا بالحديث، من غير فصل بين الحديث وبين ذلك الكلام، أي من غير أن يذكر قائله فيؤدي عدم الفصل إلى الإلتباس على من لا يعلم حقيقة الحال، ويتوهم أن الجميع من أصل الحديث. والإدراج في المتن قد يقع في آخر الحديث وهو الأكثر، أو في وسطه، أو في أوله وهو قليل نادر. وغالبا ما يكون الإدراج في المتن تفسيرا لعبارة في الحديث، وقد يكون استنباطا لحكم منه ظنه السامع جزءا منه فأدرجه فيه. ومن أمثلة مدرج المتن: حديث عائشة ﵂ في بدء الوحي: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله (١) .. جملة "وهو التعبد" مدرجة في الحديث من كلام الزهري، لتفسير "يتحنث" (٢). القسم الثاني: مدرج الإسناد ذكر العلماء لإدراج السند صورا متعددة يمكن أن تجمل فيما يلي: ١ - أن يسمع الراوي حديثا عن جماعة مختلفين في إسناده، فيرويه عنهم بإسناد واحد، ولا يبين اختلافهم.

стр. 442

ومما وجدناه من هذا ما رواه أبو داود (١): حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم وسمى آخر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي ﵁ عن النبي ﷺ : "فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ... ". هذا قد أدرج فيه إسناد في آخر، ذلك أن عاصم بن ضمرة رواه موقوفا على علي، والحارث رواه مسندا أي مرفوعا، والحارث متهم بالكذب، فجاء جرير بن حازم وجعله مرفوعا من روايتهما. وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان وهما من جبال العلم وكذا غيرهما رووا الحديث عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ولم يرفعوه، فعلمنا من ذلك أن جريرا قد داخله الوهم فجعل الحديث مرفوعا من رواية عاصم أيضا وأدرجها مع رواية الحارث. ٢ - أن يكون المتن عند راو إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه عنه راو تاما بإسناد واحد، ونحوه فيما نرى إذا كان عنده حديثان بإسنادين فجمع بينهما بإسناد واحد. ومن أمثلة هذه الصورة: حديث سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعا: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تنافسوا ... ". قوله: "ولا تناقسو" مدرج في الحديث بهذا السند، إنما هو من حديث آخر رواه مالك عن أبي الزناد عن أبي هريرة مرفوعا (٢) ...

стр. 443

٣ - أن يسوق المحدث إسناد حديث، ثم يعرض له عارض فيقول كلاما من عند نفسه فيظنه بعض السامعين متن ذلك الإسناد، فيرويه به. مثال هذه الصورة قصة ثابت بن موسى الزاهد المشهورة، في روايته "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". فقد دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبد الله القاضي وهو يقول: "ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله ﷺ ". فدخل ثابت عليه، فلما نظر إلى ثابت ذكر ذلك يريد به ثابتا لزهده وورعه. فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد (١). وهذا عده ابن الصلاح شبه الوضع، وعده بعض العلماء موضوعا، واختار الحافظ ابن حجر أن يعد من المدرج، وهو أولى لأن معنى الإدراج فيه أظهر. كيف يعرف المدرج: لما كان الإدراج في الحديث ذا أثر خطير، لما يترتب عليه أحيانا أن يجعل من الحديث ما ليس منه، فقد شدد العلماء البحث عنه، وتحروا، وأخذوا فيه بالحيطة، فوضعوا لكشفه وسائل عديدة تحقق معرفته، وكشفه، وهي: ١ - ورود رواية تفصل القدر المدرج عن أصل الحديث، وهذا ظاهر جدا. ٢ - أن يرد التنصيص على ذلك من الراوي نفسه، أو من أحد الأئمة المطلعين. ٣ - أن يعرف الإدراج من ظاهر سياق الحديث، كما في حديث

стр. 444

إن بلالا يؤذن بليل، أو باستحالة صدور ذلك عن النبي ﷺ ، مثل حديث أبي هريرة مرفوعا (١): "للعبد الملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك". وظاهر أنه يستحيل منه ﷺ أن يتمنى الرق، لأنه غير لائق بالنبوة، كما أن أمه لم تكن إذ ذاك موجودة حتى يبرها، فعلمنا من ذلك أن قوله "والذي نفسي ... إلخ" ليس من الحديث، وإنما هو مدرج فيه من كلام أبي هريرة. حكم المدرج والإدراج: والمدرج من أنواع الحديث الضعيف؛ لأنه إدخال في الحديث لما ليس منه، وهذا المدرج وإن كان ربما صح أو حسن من حيث احتمال وروده من طريق أخرى يصح بها، لكن هذا لا يمنع الحكم عليه بالضعف هنا؛ لأننا نحكم عليه من حيث دخوله في هذا الحديث الذي وقع فيه الإدراج وظاهر أنه ليس منه. ثم الإدراج إن وقع خطأ وسهوا فلا يؤاخذ عليه صاحبه، إلا إذا كثر منه وقوع ذلك، فإنه يكون حينئذ جرحا في ضبطه. وأما الإدراج عن تعمد فهو حرام بإجماع أهل الحديث والفقه، حتى قال ابن السمعاني: "من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحق بالكذابين (٢) ". واستثنى السيوطي (٣) من تحريم الإدراج العمد ما كان لتفسير

стр. 445

غريب فإنه لا يمنع، ويؤيده في ذلك صنيع أئمة الحديث المعتمدين، كالزهري وغيره، لكن الأولى أن ينص على ذلك، وأن يميزه من عرفه. وقد جمعت الأحاديث المدرجة في تأليف خاص، يسر سبيل معرفتها على الناس، وهو كتاب "الفصل للوصل المدرج في النقل" للخطيب البغدادي، نقحه الحافظ ابن حجر وزاد عليه قدره مرتين وأكثر، في كتابه "تقريب المنهج بترتيب المدرج" فجاء أوسع كتب هذا النوع وأعظمها فائدة. ٩ - المصَحَّف: التصحيف لغة: تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد، وأصله الخطأ، يقال: صحَّفه فتصحَّف، أي غيره فتغير. وعند المحدثين: تحويل الكلمة في الحديث من الهيئة المتعارفة إلى غيرها (١). وهذا فن جليل، لما يحتاج إليه من الدقة والفهم واليقظة، لم ينهض به إلا الحفاظ الحاذقون، قد عني به المحدثون وبضبطه. وقسموه إلى عدة تقسيمات، كي يكون طالب الحديث على غاية التنبه والتفطن له. فهو ينقسم بحسب موضعه إلى قسمين: تصحيف في السند: مثل جواب التيمي، قرأه حبيب كاتب مالك: جراب. وأبي حُرّة، قرأه بعضهم أبو جَرّة.

стр. 446

وتصحيف في المتن: مثاله ما رواه عبد الله بن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة إليه بإسناده عن زيد بن ثابت "أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد". فقد تصحف عليه، وإنما هو بالراء "احتجر في المسجد بخص أو حصير حجرة يصلي فيها" (١) احتجر: أي اتخذ حجرة فصحفه ابن لهيعة لكونه أخذه من كتاب بغير سماع. ومثل حديث: "نهيه ﷺ عن الحلق قبل الصلاة في الجمعة". صحفه كثير من المحدثين ورواه "الحلق". قال الخطابي (٢): "قال لي بعض مشايخنا: لم أحلق رأسي قبل الصلاة نحوا من أربعين سنة بعدما سمعت هذا الحديث"! ! وينقسم التصحيف تقسيما آخر بحسب نشأته إلى قسمين: تصحيف بصر، وهو الأكثر، كالأمثلة السابقة. وتصحيف سمع نحو حديث لعاصم الأحول، صحفه بعضهم فقال: واصل الأحدب. وهذا كما ذكر الدارقطني تصحيف سمع لا بصر، لأنه لا يشتبه في الكتابة لكنه يشتبه في السمع. وينقسم قسمة ثالثة: إلى تصحيف اللفظ، بأن يقع التغيير على نفس اللفظ كالأمثلة السابقة. وتصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ بأن ينطق باللفظ كما هو لكن يضعه لغير معناه المراد في الحديث، مثل ما يذكر عن الحافظ محمد بن

стр. 447

موسى العنزي أنه قال يوما: "نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، قد صلى النبي ﷺ إلينا" يريد حديث "أن النبي ﷺ صلى إلى عَنزة" متفق عليه (١) توهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة ههنا حربة نصبت بين يديه فصلى إليها. وقسمة الحافظ ابن حجر (٢) قسمة رابعة إلى قسمين: الأول المصحف: وهو ما غير فيه النقط، الثاني المحرف وهو ما غير فيه الشكل مع بقاء الحروف. ثم إن التصحيف إذا صدر من المحدث نادرا لا يعاب به، ولا يطعن فيه، لكن إذا كثر منه ذلك دل على ضعفه، لأنه ليس من أهل هذا الشأن. وظاهر أن ما وقع فيه التصحيف مردود، وإن كان أصل الحديث ربما يكون صحيحا. والسبب في وقوع التصحيف والإكثار منه إنما يحصل غالبا للآخذين من بطون الكتب والصحف، دون تلق للحديث عن أستاذ من ذوي الاختصاص، لذلك حذر أئمة الحديث من الأخذ عمن هذا شأنه، وقالوا: "لا يؤخذ الحديث من صحفي". وقد ألف المحدثون في الحديث المصحف كتبا كثيرة، نبهوا فيها على تصحيفات الرواة والمحدثين، وفي كثير منها ما يضحك اللبيب، لكنهم لم يقصدوا بها الحط ممن وقعت منهم، إنما قصدوا التنبيه عليها حتى لا يغتر بها أحد، أو يقع في مثلها.

стр. 448

ومن أشهر هذه المصنفات: ١ - "إصلاح خطأ المحدثين" لأبي سليمان حمد الخطابي "٣٨٨". ٢ - "التصحيف" للدارقطني "٣٨٥ هـ" وهو تصنيف مفيد، توسع مؤلفه فأورد فيه كل تصحيف وقع للعلماء حتى في القرآن الكريم. ١٠ - المعلل: كذا اشتهر استعمال هذا الاصلاح عند المحدثين، ووقع في كلام بعضهم "حديث معلول"، وكلاهما منتقد بأنه لا يساعد استعمال المحدثين من حيث اللغة، فإنهم يستعلمونه فيما وجد فيه وصف قادح. وهذا الأولى فيه أن يقال "معل"، لأنه مشتق من أعله الرباعي. والعلة: سبب خفي غامض يطرأ على الحديث فيقدح في صحته. والحديث المعلل: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. ولما كان البحث في هذا النوع يكتنفه الغموض كان أجل معارف المحدثين وأعلاها وأشرفها. تظهر فيه عظمتهم، وعظمة نهجهم النقدي الذي يبلغ الأعماق السحيقة، ليستخرج ما فيها من آفة تضعف الحديث، وتزيل عن حقيقة الضعف قشرة الصحة الظاهرة التي تستره. وينقسم الحديث المعل بحسب موقع العلة إلى معل في السند، ومعل في المتن، ومعل فيهما.

стр. 449

القسم الأول: المعلل في السند وهو الأكثر والأغلب وهذا القسم قد تكون العلة قادحة في السند وقادحة في المتن، بأن كان لا يعرف إلا من راو واحد. ثم ظهرت فيه علة، كالاضطراب، أو الانقطاع الباطن، أو وقف المرفوع ... ومن أمثلة ذلك "حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه". هذا حديث ظاهره الصحة حتى اغتر به غير واحد من الحفاظ وصححوه لكن فيه علة خفية قادحة. والصواب فيه ما رواه وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل عن عون بن عبد الله من قوله، أي ليس بمرفوع. فقد خالف وهيب موسى بن عقبة. وقضى له البخاري بالرجحان وصرح بأنه لا يعرف في الدنيا في هذا الباب بسند ابن جريج بهذا إلا هذا الحديث، قال: ولا نذكر لموسى سماعا من سهيل. فجاءت هذه القرائن لترجح من خالف موسى بن عقبة. وقد تكون العلة الواقعة في الإسناد غير قادحة في المتن، وذلك إذا كان الخلاف فيما له أكثر من طريق، أو في تعيين واحد من ثقتين. ومن أمثلة ذلك مما وجدناه: حديث جريج عن عمران بن أبي أنس بن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها وفي البر صدقته". فهذا إسناد ظاهره الصحة حتى اغتر بظاهره الحاكم. وصححه على

стр. 450

شرط الشيخين ووافقه الذهبي (١). وهذا التصحيح فيه نظر كبير، فإن الترمذي رواه في كتابه "العلل الكبير" ثم قال سألت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس، هو يقول: حدثت عن عمران بن أبي أنس" (٢). لكن هذا الإعلال للسند لا يقدح في صحة المتن، لأنه ورد من طريق أخرى صحيحة من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام قال حدثنا عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر إلى آخره فصح المتن لثبوته من طريق ثانية صحيحة. القسم الثاني: المعل في المتن مثل حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الطيرة من الشرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (٣). فهذا الحديث صحيح ظاهرا سندا ومتنا، إلا أن متنه معلول بعلة خفية، في قوله "وما منا إلا" قال البخاري: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: وما منا ولكن يذهبه بالتوكل قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله بن مسعود". قال الخطابي قوله: "وما منا إلا" معناه: إلا يعتريه التطير ويسبق

стр. 451

إلى قلبه الكراهة فيه. فحذف اختصارا للكلام واعتمادا على فهم السامع" انتهى. "ولكن الله يذهبه بالتوكل" أي يزيل أثر ذلك الوهم المكروه بسبب الاعتماد عليه تعالى والاستناد إليه سبحانه. ويؤيد الحكم بإعلال المتن أن صدر الحديث رواه غير واحد عن ابن مسعود بدون الزيادة (١). القسم الثالث: المعل في السند والمتن مثاله: ما أخرجه النسائي وابن ماجه (٢) من حديث بقية عن يونس عن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فقد أدرك". قال أبو حاتم الرازي (٣): "هذا خطأ المتن والإسناد، إنما هو الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي الله عليه وسلم: "من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها"، وأما قوله من صلاة الجمعة فليس هذا في الحديث فوهم في كليهما". والحديث مروي من أوجه كثيرة في الصحيحين وغيرهما (٤) على خلاف حديث بقية عن يونس، وهو دليل العلة في هذا الحديث. كيف يعرف الحديث المعل: لما كانت معرفة الحديث المعل دقيقة غامضة، وكانت من الأهمية

стр. 452

بمكان كبير، رأينا أن ننبه على وسائل الوصول إليه مما استخرجناه من كلام أئمة هذا الشأن، وذلك بأحد الوسائل الآتية: ١ - أن يجمع المحدث اليقظ روايات الحديث الواحد، ويوازن بينها سندا ومتنا فيرشده اختلافها واتفاقها على موطن العلة، مع قرائن تنضم لذلك تنبه العارف. وهذا الطريق هو الأكثر اتباعا وهو أيسرها. وقد يحتاج إلى جمع أحاديث الباب كله وكل ما له علاقة بمضمون الحديث، وذلك يحتاج لحفظ غزير سريع الاستحضار. ٢ - موازنة نسق الرواة في الإسناد بمواقعهم في عامة الأسانيد، فيتبين منه أن تسلسل هذا الإسناد تفرد عن المعروف من وقوع رواته في الأسانيد، مما ينبه على علة خفية فيه، وإن كانت هذه العلة يصعب تعيينها، وهذا أمر لا يدرك إلا بالحفظ التام والتيقظ الدقيق، وسرعة الاستحضار الخاطف لجمل الأسانيد في الدنيا. وهذا قد أدخله الحاكم في تعريفه للشاذ الذي تعرضنا له سابقا. فإنه قال (١) في حديث قتيبة بن سعيد: ثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار ... إلخ. قال الحاكم: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن. لا نعرف له علة نعلله بها ... ، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل. فقلنا: الحديث شاذ" .. إلى آخر كلامه.

стр. 453

ولولا أن لما ذكرنا أثرا في إعلال الحديث لما ذكره الحاكم. ٣ - قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل جامع الترمذي (١): "قاعدة مهمة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم للرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك ... وإنما يرجع فيه إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم". ٤ - أن ينص على علة الحديث، أو القدح فيه أنه معلل إمام من أئمة الحديث المعروفين بالغوص في هذا الشأن، فإنهم الأطباء الخبيرون بهذه الأمور الدقيقة. أنواع العلة: والأسباب التي يستنبطها المحدثون في تنقيبهم، ويعلون بها الأحاديث كثيرة مثل الإرسال أو الانقطاع في الموصول، والوقف في المرفوع، أو الإدراج في الحديث، أو وهم الثقة، بما يورث ضعف الحديث. قال الحاكم النيسابوري (٢): "وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه. وعلة الأحاديث: يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا. والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير". ولما كان شأن العلل الدقة والخفاء توقف المحدثون كثيرا عن التصريح بما يعل به الحديث، إما لعدم استحضار عبارة يعبرون بها، أو لعدم قابلية السامع أن يتفهم.

стр. 454

قيل لعبد الرحمن بن مهدي. إنك تقول للشيء: هذا صحيح. وهذا لم يثبت. فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك. فقال: هذا جيد وهذا بهرج. أكنت تسأل عمن ذلك أو تسلم له الأمر؟ . قال: فهذا كذلك، بطول المجالسة والمناظرة والخبرة. وقال ابن مهدي أيضا: "في معرفة علل الحديث إلهام. لو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك" (١). والمقصود بهذا ما ذكرناه، لا أن الحكم في العلل أمر مزاجي لا مسوغ له في لغة العلم، لذلك عقب السخاوي على قولة ابن مهدي: "لم يكن له حجة" قال السخاوي (٢): "يعني يعبر بها غالبا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللرفض". وهذا دأب كل ذي اختصاص أن يحكم بممارسته، وكثيرا ما يغيب عنه التعبير عن المعنى الدقيق الذي في نفسه، وهذه كلمة أبي حاتم الرازي توضح ذلك حيث يقول: "مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم". هذا وقد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرنا، مما يجب التنبه له: قال ابن الصلاح: "ثم اعلم أنه يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك نجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح.

стр. 455

وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث. ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط، حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول، كما قال بعضهم: من الصحيح ما هو صحيح شاذ" انتهى كلام ابن الصلاح. مصادر علل الحديث: عني أئمة الحديث النقاد بالتصنيف في هذا الفن، وأودعوا تصانيفهم زبدة أبحاثهم الدقيقة، وإليك نخبة من هذه الصفات. ١ - "العلل الكبير" أو المفرد للإمام الترمذي. وهو كتاب قيم متوسط الحجم أكثر فيه من الاعتماد على شيخه الإمام البخاري. جمعنا طائفة من نصوصه في بحث هام (١) هو أول بحث عن هذا الكتاب. ٢ - "علل الحديث" للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، طبع في مجلدين. ٣ - "العلل الواردة في الأحاديث النبوية" للإمام الدارقطني. وهو أجمع ما صنف في هذا الفن العظيم. وتوجد منه عدة نسخ خطية.

стр. 456

نتيجة وموازنة: نستخلص من هذا الباب أن المحدثين شملوا بالبحث المقارن كل احتمالاته واستنتجوا الأنواع المشتركة بين السند والمتن، وذلك أن الحديث إما أن يتفرد به روايه حقيقة "غريب سندا ومتنا"، أو يتفرد به بوجه ما من أوجه التفرد النسبي "الغريب سندا لا متنا" و"الفرد". وإما أن يتعدد رواته مع الاتفاق أو يختلفوا في روايته: أما التعدد مع الاتفاق فقد استقصى المحدثون كل صوره من أدنى التعدد بأن يكون له طريقان "العزيز" أو ثلاثة فأكثر وكان جمعا محصورا "المشهور" أو يكون رواته جمعا يؤمن تواطؤهم على الكذب "المتواتر". وهذا التقسيم أدق من تقسيم الأصوليين الذين قسموا الخبر إلى قسمين فقط "المتواتر" الذي ذكرناه، و"الآحاد" وهو كل ما لم يبلغ درجة التواتر. أما تعدد رواة الحديث مع اختلافهم فيه فهذا الاختلاف إما بالزيادة والنقصان وهو "زيادات الثقات"، وإما بالباين بينهم، وقد استقصى المحدثون أوجه هذا الاختلاف وجعلوا لك واحد منها نوعا خاصا به على نحو ما سبق بيان في خاتمة الباب الخاسم (١)، فإنه ينطبق على هذه الأنواع المشتركة، ومن تأمل درساتها يتصح له دقة المحدثين في موازنة المرويات وأنهم لك يكتفوا في ذلك بأسانيد الحديث المبحثو وألفاظ منه بل اسحضروا أحاديث الباب، ثم قاموا باستقراء موقع الراوي بين حلقات الأسانيد من أجل كشف العلل الخفية، وهو استقراء عظيم يحتاج إلى خبرة وحافظة محيطة متيقظة سريعة الاسحضار، كما أعملوا النظر الناقد في المتون فساتخرجوا من موازنتها ما قد يفع في بعضها من العلل واستعانوا كذلك بالاحتكام إلى دلائل العقل والشرع لكشف العلة في المتن، نحو المدرج والمصحف، فجاءت دراساتهم لهذه المسائل الامضة الخطيرة آية في دقة البحث النقدي، وعظمة المنهج الذي وضعوه من أجل صيانة الحديث النبوي، والمحافظة عليه.

стр. 457

الخاتمة: مناقشات ونتائج عامة: في نهاية هذا التطواف العلمي العقلي للبحث وراء علل الأخبار واحتمالات النقد فيها، نستخلص بشكل جازم قاطع شمول منهج المحدثين النقدي كل أوجه الاحتمال في جوانب الحديث كافة، سندا ومتنا، شمولا دقيقا متناسقا يشكلل نظرية وفلسفة نقدية كاملة، سندا ومتنا، شمولا دقيقا متناسقا يشكل نظرية وفلسفة نقدية كاملة، وذلك ما قد جلاه كتابنا هذا، بحمد الله وتوفيقه، فالأساس الأول هو أداء الراوي للحديث كما سمعه، وهذا يقتضي أولا دراسة الراوي، وقد حقق المحدثون ذلك بدراسات مستفيضة متنوعة دقيقة، وضعوا فيها شروط الراوي الثقة "العدالة والضبط، ثم وضعوا العلوم التي تكشف أمور الرواة، فبحثوا في اسمائهم وفي تواريخهم وأماكنهم وبما يتصل بهذه الأوصل من المسائل في ثلاثين نوعا من أنواع علوم الحديث، لها فروعها ومسائلها وتصانيفها الكثيرة التي تتناول جزئياتها بالنسبة لكل راو جزئية جزئية. ثم إن للحديث جوانب أخرى سوى شخص الراوي قد تدل على الضعف أو السلامة في النقل، وهي إما أن تكون قد أخذ الراوي أو أدائه للحديث أو في سلسلة السند أو في عين المتن، أو مشتركة بين السند والمتن، وقد استوفى المحدثون بحث ذلك كله وتتبعوا كل احتمال للقوة أو الضعف فيها حسبما درسناه مفصلا في كل باب من الأبواب

стр. 458

السابقة، ثم استخصلناه في نهاية كل باب نتيجة واضحة لا خفاء فيها. ومن هنا فقد جاءت أحكام المحدثين سليمة واضحة الحجة نيرة المحجة، قد أقام أهل الحديث بنيانها على الدراسة الشاملة لكل وجه من أوجه احتمال القوة أو الضعف ووضعوا كل حال منها في موضعه الملائم. ومن ثم نجد أحكامهم في القبول والرد تنقسم بدقة متدرجة تبدأ من قمة الصحة فيما أسموه أصح الأسانيد وما يحفه من قرائن أخرى، ثم باقي مراتب الصحيح فالحسن لذاته، فالحسن لغيره، إلى الضعف اليسير الذي قد يعمل به بشروط تقوي احتمال سلامته، ثم الضعف الشديد وهو الناشئ عن فحش الغلط والغفلة أو كون الراوي متهما بمفسق، وهذا متروك لا يلتف إليه، ثم ما هو مشر من ذلك كله وهو الكذب المختلق، لا تجوز روايته إلا على سبيل التحذير منه والتنبيه على كذبه. فهذا أسلم دقيق للقبول والرد أخذت كل درجة منه شروطها، وحكمها الملائم تماما، كما هو واضح جلي. وبناء على ذلك يمكن أن نلخص الحكم على أنواع الأحاديث عامة بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول: المقبول الذي استوفى شروط القبول، بأي رتبة من مراتب القبول، ويندرج تحته هذه الأنواع، نسردها تبعا لفقد كل شرط منها: ١ - ما ضعف لاختلال العدالة: الموضوع، المتروك، المطروح. ٢ - ما ضعف لاختلال الضبط: الضعيف، المنكر، المضطرب، المصحف، المقلوب، المدرج. ٣ - ما ضعف لفقد الاتصال: المنقطع، المرسل، المعضل.

стр. 459

المعلق، المدلس، المرسل الخفي. وهذا القسم يرد للجهل بحال المحذوف فيحتمل أن يكون ضعيفا. ٤ - ما ضعف لفقد شرط عدم الشذوذ، وهو الشاذ، والمنكر بالأولى، لأنه دليل على اختلال الضبط. ٥ - ما ضعف لفقد شرط عدم العلة، وهو المعلل بأحد أوجه الإعلال، فهذا مردود، لأن العلة فيه إما من وهم الراوي، أو تبين الانقطاع في سند ظاهره الاتصال. وقد ظهر من ذلك أن مدار الشروط في الحقيقة على توفر العدالة والضبط، وسائر الشروط دلائل على هذين الشرطين اللذين لا بد منهما لتوفر أداء الحديث كما هو. القسم الثالث: المشترك بين القبول والمردود. وذلك لأنه لا يشتمل دائما على صفات القبول، بل تجتمع فيه أحيانا وتختل أحيانا أخرى. ويندرج تحت هذا القسم هذه الأنواع: الحديث القدسي: المرفوع، الموقوف، المقطوع، المتصل، المسند، المعنعن، المؤنن، المسلسل، العالي، النازل، المزيد في متصل الأسانيد (١) الغريب، الفرد، العزيز، المشهور، زيادة الثقة (٢). ثم إن المحدثين لم يكتفوا بمجرد اختبار السند والمتن، بل قاموا بموازنة ضخمة بين الأحاديث سندا ومتنا استخرجوا بها أنواعا كثيرة من علوم الحديث أوضحها الباب السابع من كتابنا هذا مفصلا. ونجد أنهم في هذه المقارنة لم يكتفوا بعرض الحديث على أشباهه من الروايات، بل عرضوه أيضا على كل الدلائل العقلية والشرعية، كما في المعلل، والموضوع، والمدرج ...

стр. 460

وهذا كله يثبت كيف أن بحثهم النقدي قد جاء شاملا لجوانب الحديث، ولكل الدلائل الخارجية التي ترشد إلى معرفة قوة الحديث أو ضعفه، مما يجعل كل مطلع متفهم منصف يقطع بسلامة أحكامهم على الأحاديث، وبأن منهجهم هو السبيل الوحيد المتكامل للوصول إلى تمييز المقبول من المردود من المرويات.
следующие страницы →