← Тараджим

Тараджим · id 6663

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ت الفقي

ابن عبد الهادي

Полный текст (517 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فَقلت هَذَا الحَدِيث مَعَ أَنه رَوَاهُ أهل السّنَن كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهم فَهُوَ مَرْوِيّ من طَرِيقين مشهورين فالقدح فِي أَحدهمَا لَا يقْدَح فِي الآخر فَقَالَ أَلَيْسَ مَدَاره على ابْن عميرَة وَقد قَالَ البُخَارِيّ لَا يعرف لَهُ سَماع من الْأَحْنَف فَقلت قد رَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة فِي كتاب التَّوْحِيد الَّذِي إشترط فِيهِ أَنه لَا يحْتَج فِيهِ إِلَّا بِمَا نَقله الْعدْل عَن الْعدْل مَوْصُولا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 247

قلت وَالْإِثْبَات مقدم على النَّفْي وَالْبُخَارِيّ إِنَّمَا نفى مَعْرفَته لسماعه من الْأَحْنَف لم ينف معرفَة النَّاس بِهَذَا فاذا عرف غَيره كإمام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة الْإِسْنَاد كَانَت مَعْرفَته وإثباته مقدما على نفي غَيره وَعدم مَعْرفَته وَوَافَقَ الْجَمَاعَة على ذَلِك وَأخذ بعض الْجَمَاعَة يذكر من الْمَدْح مَا لَا يَلِيق أَن أحكيه وَأخذُوا يناظرون فِي أَشْيَاء لم تكن فِي العقيدة وَلَكِن لَهَا تعلق بِمَا أجبْت بِهِ فِي مسَائِل وَلها تعلق بِمَا قد يفهمونه من العقيدة فأحضر بعض أكابرهم كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي فَقَالَ هَذَا فِيهِ تَأْوِيل الْوَجْه عَن السّلف فَقلت لَعَلَّك تَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ فَقَالَ نعم قد قَالَ مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ يَعْنِي قبْلَة الله

стр. 248

فَقلت نعم هَذَا صَحِيح عَن مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا وَهَذَا حق وَلَيْسَت هَذِه الْآيَة من آيَات الصِّفَات وَمن عدهَا فِي الصِّفَات فقد غلط كَمَا فعل طَائِفَة فان سِيَاق الْكَلَام يدل على المُرَاد حَيْثُ قَالَ ﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ والمشرق وَالْمغْرب الْجِهَات وَالْوَجْه هُوَ الْجِهَة يُقَال أَي وَجه تُرِيدُ أَي أَي جِهَة وَأَنا أُرِيد هَذَا الْوَجْه أَي هَذِه الْجِهَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ وَلِهَذَا قَالَ ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ أَي تستقبلوا وتتوجهوا وَالله أعلم هَذَا آخر مَا علقه الشَّيْخ فِيمَا يتَعَلَّق بالمناظرة بِحَضْرَة نَائِب السُّلْطَان والقضاة وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم بِالْقصرِ كتاب السُّلْطَان بإرسال الشَّيْخ إِلَى مصر وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ خَامِس شهر رَمَضَان من سنة خمس وَسَبْعمائة وصل كتاب السُّلْطَان بالكشف عَمَّا كَانَ وَقع للشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي ولَايَة سيف الدّين جاغان وَفِي ولَايَة القَاضِي إِمَام الدّين وبإحضاره وإحضار القَاضِي نجم الدّين بن صصري إِلَى الديار المصرية

стр. 249

فَطلب نَائِب السلطنة الشَّيْخ وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء وسألهم عَن تِلْكَ الْوَاقِعَة وقرىء عَلَيْهِم المرسوم فَأجَاب كل مِنْهُم بِمَا كَانَ عِنْده من تِلْكَ الْقَضِيَّة وَكتبه عَنْهُم صَاحب الدِّيوَان مُحي الدّين وَالْقَاضِي نجم الدّين إِلَى مصر على الْبَرِيد وَخرج مَعَ الشَّيْخ خلق كثير وَبكوا وخافوا عَلَيْهِ من أعدائه واخبرت أَن نَائِب السلطنة كَانَ قد أَشَارَ على الشَّيْخ بترك التَّوَجُّه إِلَى مصر وَأَنه يُكَاتب فِي ذَلِك فَامْتنعَ الشَّيْخ من ذَلِك وَلم يقبل وَذكر أَن فِي توجهه إِلَى مصر مصَالح كَثِيرَة وقرأت بِخَط بعض أَصْحَاب الشَّيْخ قَالَ وَلما توجه الشَّيْخ فِي الْيَوْم الَّذِي توجه فِيهِ من دمشق المحروسة كَانَ يَوْمًا مشهودا غَرِيب الْمثل فِي كَثْرَة إزدحام النَّاس لوداعه ورؤيته حَتَّى إنتشروا من بَاب دَاره إِلَى قريب للجسورة فِيمَا بَين دمشق وَالْكِسْوَة الَّتِي هِيَ أول منزلَة مِنْهَا وهم مَا بَين باك وحزين ومتعجب ومتنزه ومزاحم متغال فِيهِ وَدخل الشَّيْخ مَدِينَة غَزَّة يَوْم السبت وَعمل فِي جَامعهَا مَجْلِسا عَظِيما وَفِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان وصل الشَّيْخ وَالْقَاضِي

стр. 250

إِلَى الْقَاهِرَة وَفِي ثَانِي يَوْم بعد صَلَاة الْجُمُعَة جمع الْقُضَاة وأكابر الدولة بالقلعة لمحفل وَأَرَادَ الشَّيْخ أَن يتَكَلَّم فَلم يكن من الْبَحْث وَالْكَلَام على عَادَته وانتدب لَهُ الشَّمْس ابْن عَدْلَانِ خصما احتسابا وَادّعى عَلَيْهِ القَاضِي ابْن مخلوف الْمَالِكِي أَنه يَقُول إِن الله فَوق الْعَرْش حَقِيقَة وَإِن الله يتَكَلَّم بِحرف وَصَوت وَسَأَلَ جَوَابه فَأخذ الشَّيْخ فِي حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ فَقيل لَهُ أجب مَا جِئْنَا بك لتخطب فَقَالَ وَمن الْحَاكِم فِي فَقيل لَهُ القَاضِي الْمَالِكِي قَالَ كَيفَ يحكم فِي وَهُوَ خصمي وَغَضب غَضبا شَدِيدا وانزعج فاقيم مرسما عَلَيْهِ وَحبس فِي برح أَيَّامًا ثمَّ نقل مِنْهُ لَيْلَة عيد الْفطر إِلَى الْحَبْس الْمَعْرُوف بالجب هُوَ وأخواه شرف الدّين عبد الله وزين الدّين عبد الرَّحْمَن ثمَّ إِن نَائِب السلطنة سيف الدّين سلارا بعد أَكثر من سنة

стр. 251

وَذَلِكَ لَيْلَة عيد الْفطر من سنة سِتّ وَسَبْعمائة أحضر الْقُضَاة الثَّلَاثَة الشَّافِعِي والمالكي والحنفي وَمن الْفُقَهَاء الْبَاجِيّ والجزري والنمراوي وَتكلم فِي إِخْرَاج الشَّيْخ من الْحَبْس فاتفقوا على أَنه يشْتَرط عَلَيْهِ امور وَيلْزم بِالرُّجُوعِ عَن بعض العقيدة فأرسلوا إِلَيْهِ من يحضرهُ ليتكلموا مَعَه فِي ذَلِك فَلم يجب إِلَى الْحُضُور وتكرر الرَّسُول إِلَيْهِ فِي ذَلِك مَرَّات وصمم على عدم الْحُضُور فطال عَلَيْهِم الْمجْلس وَانْصَرفُوا عَن غير شَيْء إرْسَال الشَّيْخ كتابا من سجنه إِلَى دمشق وَفِي الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة من سنة سِتّ وَسَبْعمائة أخبر نَائِب السلطنة بِدِمَشْق بوصول كتاب إِلَيْهِ من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من الْجب وَأعلم بذلك جمَاعَة مِمَّن حضر مَجْلِسه وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا رَأَيْت مثله وَلَا أَشْجَع مِنْهُ وَذكر مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي السجْن من التَّوَجُّه إِلَى الله تَعَالَى وَأَنه لم يقبل شَيْئا من الْكسْوَة السُّلْطَانِيَّة وَلَا من الادرار السلطاني وَلَا تدنس بِشَيْء من ذَلِك

стр. 252

وَفِي هَذَا الشَّهْر أَيْضا شهر ذِي الْحجَّة فِي يَوْم الْخَمِيس الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ طلب أخوا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عبد الله وزين الدّين عبد الرَّحْمَن إِلَى مجْلِس نَائِب السلطة سلار وَحضر القَاضِي زين الدّين بن مخلوف الْمَالِكِي وَجرى بَينهم كَلَام كثير وأعيدا على موضعهما بعد أَن بحث الشَّيْخ شرف الدّين مَعَ القَاضِي الْمَالِكِي وَظهر عَلَيْهِ فِي النَّقْل والمعرفة وَخَطأَهُ فِي مَوَاضِع إدعى فِيهَا الْإِجْمَاع وَكَانَ الْكَلَام فِي مَسْأَلَة الْعَرْش وَفِي مَسْأَلَة الْكَلَام وَفِي مَسْأَلَة النُّزُول وَفِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي الْيَوْم الْمَذْكُور أحضر الشَّيْخ شرف الدّين وَحده إِلَى مجْلِس نَائِب السلطنة وَحضر ابْن عَدْلَانِ وَتكلم مَعَه الشَّيْخ شرف الدّين وناظره وَبحث مَعَه وَظهر عَلَيْهِ وَفِي الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين من صفر من سنة سبع وَسَبْعمائة اجْتمع القَاضِي بدر الدّين بن جمَاعَة بالشيخ تَقِيّ الدّين فِي دَار الأوحدي بالقلعة بكرَة الْجُمُعَة وتفرقا قبل الصَّلَاة وَطَالَ بَينهمَا الْكَلَام إِخْرَاج ابْن مهنا الشَّيْخ من الْجب وَفِي شهر ربيع الأول من سنة سبع وَسَبْعمائة دخل الْأَمِير حسام الدّين مهنا بن عِيسَى ملك الْعَرَب إِلَى مصر وَحضر بِنَفسِهِ إِلَى الْجب

стр. 253

فَأخْرج الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بعد أَن إستأذن فِي ذَلِك فَخرج يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من الشَّهْر إِلَى دَار نَائِب السلطنة بالقلعة وَحضر بعض الْفُقَهَاء وَحصل بَينهم بحث كثير وَفرقت صَلَاة الْجُمُعَة بَينهم ثمَّ اجْتَمعُوا إِلَى الْمغرب وَلم ينْفَصل الْأَمر ثمَّ اجْتَمعُوا يَوْم الْأَحَد بعد يَوْمَيْنِ بمرسوم السُّلْطَان مَجْمُوع النَّهَار وَحضر جمَاعَة أَكثر من الْأَوَّلين حضر نجم الدّين بن الرّفْعَة وعلاء الدّين الْبَاجِيّ وفخر الدّين ابْن بنت أبي سعد وَعز الدّين النمراوي وشمس الدّين بن عَدْلَانِ وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء وَلم يحضر الْقُضَاة وطلبوا فَاعْتَذر بَعضهم بِالْمرضِ وَبَعْضهمْ بِغَيْرِهِ وَقبل عذرهمْ نَائِب السلطنة وَلم يكلفهم الْحُضُور بعد أَن رسم السُّلْطَان بحضورهم وانفصل الْمجْلس على خير وَبَات الشَّيْخ عِنْد نَائِب السلطنة وَكتب كتابا إِلَى دمشق بكرَة الْإِثْنَيْنِ السَّادِس وَالْعِشْرين من الشَّهْر يتَضَمَّن خُرُوجه وَأَنه أَقَامَ بدار ابْن شقير بِالْقَاهِرَةِ وَأَن الْأَمِير سيف الدّين سلار رسم بِتَأْخِيرِهِ عَن مُدَّة مقَام الشَّيْخ فِي الْجب ثَمَانِيَة عشر شهرا ففرح خلق كثير بِخُرُوجِهِ وسروا بذلك سُرُورًا عَظِيما وحزن آخَرُونَ وغضبوا

стр. 254

وامتدحه الشَّيْخ الإِمَام نجم الدّين سُلَيْمَان بن عبد الْقوي بقصيدة مِنْهَا ... فاصبر فَفِي الصَّبْر مَا يُغْنِيك عَن حيل ... وكل صَعب إِذا صابرته هانا وَلست تعدم من خطب رميت بِهِ ... إِحْدَى إثنتين فأيقن ذَاك إيقانا تمحيص ذَنْب لتلقى الله خَالِصَة ... أَو إمتحانا بِهِ تزداد قربانا يَا سعد إِنَّا لنَرْجُو أَن تكون لنا ... سَعْدا ومرعاك للوراد سعدانا وَأَن يَضْرِبك الرَّحْمَن طَائِفَة ... ولت وينفع من بالود والانا يَا أهل تَيْمِية العالين مرتبَة ... ومنصبا فرع الافلاك تبيانا جَوَاهِر الْكَوْن أَنْتُم غير أَنكُمْ ... فِي معشر أشربوا فِي الْعقل نُقْصَانا لَا يعْرفُونَ لكم فضلا وَلَو عقلوا ... لصيروا لكم الأجفان أوطانا يَا من حوى من عُلُوم الْخلق مَا قصرت ... عَنهُ الْأَوَائِل مذ كَانُوا إِلَى الآنا إِن تبتلى بلئام النَّاس يرفعهم ... دهر عَلَيْك لأهل الْفضل قد خَانا ...

стр. 255

.. إِنِّي لأقسم وَالْإِسْلَام معتقدي ... وإنني من ذَوي الْإِيمَان أيمانا لم الق قبلك إنْسَانا أسر بِهِ ... فَلَا بَرحت لعين الْمجد إنْسَانا ... فِي أَبْيَات كَثِيرَة غير هَذِه يمدح فِيهَا الشَّيْخ ويذم أعداءه وَفِي يَوْم الْجُمُعَة صلى الشَّيْخ فِي جَامع الْحَاكِم وَجلسَ فَاجْتمع إِلَيْهِ خلق عَظِيم وَسَأَلَهُ بَعضهم أَن يتَكَلَّم بِشَيْء يسمعونه مِنْهُ فَلم يجبهم إِلَى ذَلِك بل كَانَ يتبسم وَينظر يمنه ويسره فَقَالَ لَهُ رجل قَالَ الله فِي كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ فَنَهَضَ الشَّيْخ قَائِما وابتدأ بِخطْبَة الْحَاجة خطْبَة ابْن مَسْعُود ﵁ ثمَّ إستعاذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَقَرَأَ ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ وَتكلم على تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ وَفِي معنى الْعِبَادَة والاستعانة إِلَى أَن أذن مُؤذن الْعَصْر

стр. 256

وَفِي يَوْم الْخَمِيس السَّادِس من شهر ربيع الآخر سنة سبع وَسَبْعمائة عقد للشَّيْخ مجْلِس آخر بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بِالْقَاهِرَةِ وَاجْتمعَ فِيهِ الْقُضَاة وَغَيرهم وَكَانَ مِمَّا جرى فِي الْمجْلس فِيمَا بَلغنِي أَنه قيل للشَّيْخ نَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم ونتوب إِلَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخ كلنا نَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم ونتوب إِلَيْهِ والتفت إِلَى رجل مِنْهُم فَقَالَ لَهُ إستغفر الله الْعَظِيم وَتب إِلَيْهِ فَقَالَ أسْتَغْفر الله الْعَظِيم واتوب إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ لآخر وَلآخر وَكلهمْ يَقُول كَذَلِك فَقيل للشَّيْخ تب إِلَى الله من كَذَا وَكَذَا وَذكر لَهُ كَلَام فَقَالَ إِن كنت قلت كلَاما يسْتَوْجب التَّوْبَة فَأَنا تائب مِنْهُ فَقَالَ لَهُ قَائِل هَذِه لَيست تَوْبَة فَرد عَلَيْهِ الشَّيْخ وجهله وَوَقع كَلَام يطول ذكره وَوصل كتاب الشَّيْخ مُؤَخرا بليلة الْجُمُعَة الرَّابِع عشر من الشَّهْر يذكر فِيهِ أَنه عقد لَهُ مجْلِس ثَالِث بِالْمَدْرَسَةِ الصالحية بِالْقَاهِرَةِ بعد خُرُوج مهنا فِي يَوْم الْخَمِيس سادس الشَّهْر وَأَنه حصل فِيهِ خير وَأَن فِي إِقَامَته مصَالح وفوائد

стр. 257

كتاب الشَّيْخ إِلَى والدته وَإِلَى غَيرهَا وَقد وقفت على عدَّة كتب بِخَط الشَّيْخ بعثها من مصر إِلَى والدته وَإِلَى أَخِيه لأمه بدر الدّين وَإِلَى غَيرهمَا مِنْهَا كتاب إِلَى والدته يَقُول فِيهِ من أَحْمد بن تَيْمِية إِلَى الوالدة السعيدة أقرّ الله عينهَا بنعمه وأسبغ عَلَيْهَا جزيل كرمه وَجعلهَا من خِيَار إمائه وخدمه سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإنَّا نحمد إِلَيْكُم الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ للحمد أهل وَهُوَ على كل شَيْء قدير ونسأله أَن يُصَلِّي على خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا كتابي إِلَيْكُم عَن نعم من الله عَظِيمَة ومنن كَرِيمَة وآلاء جسيمة نشكر الله عَلَيْهَا ونسأله الْمَزِيد من فَضله وَنعم الله كلما جَاءَت فِي نمو وازدياد وأياديه جلت عَن التعداد وتعلمون أَن مقامنا السَّاعَة فِي هَذِه الْبِلَاد إِنَّمَا هُوَ لأمور ضَرُورِيَّة مَتى أهملناها فسد علينا امْر الدّين وَالدُّنْيَا ولسنا وَالله مختارين للبعد عَنْكُم وَلَو حملتنا الطُّيُور لسرنا إِلَيْكُم وَلَكِن الْغَائِب عذره مَعَه وَأَنْتُم لَو اطلعتم

стр. 258

على بَاطِن الْأُمُور فانكم وَللَّه الْحَمد مَا تختارون السَّاعَة إِلَّا ذَلِك وَلم نعزم على الْمقَام والإستيطان شهرا وَاحِدًا بل كل يَوْم نستخير الله لنا وَلكم وَادعوا لنا بالخيرة فنسأل الله الْعَظِيم ان يُخَيّر لنا وَلكم وللمسلمين مَا فِيهِ الْخيرَة فِي خير وعافية وَمَعَ هَذَا فقد فتح الله من أَبْوَاب الْخَيْر وَالرَّحْمَة وَالْهِدَايَة وَالْبركَة مَا لم يكن يخْطر بالبال وَلَا يَدُور فِي الخيال وَنحن فِي كل وَقت مهمومون بِالسَّفرِ مستخيرون الله فَلَا يظنّ الظَّان أَنا نؤثر على قربكم شَيْئا من أُمُور الدُّنْيَا قطّ بل وَلَا نؤثر من أُمُور الدّين مَا يكون قربكم أرجح مِنْهُ وَلَكِن ثمَّ أُمُور كبار نَخَاف الضَّرَر الْخَالِص وَالْعَام من إهمالها وَالشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب وَالْمَطْلُوب كَثْرَة الدُّعَاء بالخيرة فان الله يعلم وَلَا نعلم وَيقدر وَلَا نقدر وَهُوَ علام الغيوب وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ ((من سَعَادَة ابْن آدم إستخارته الله وَرضَاهُ بِمَا يقسم الله لَهُ وَمن شقاوة ابْن آدم ترك إستخارته الله وَسخطه بِمَا يقسم الله لَهُ)) والتاجر يكون

стр. 259

مُسَافِرًا فيخاف ضيَاع بعض مَاله فَيحْتَاج أَن يُقيم حَتَّى يَسْتَوْفِيه وَمَا نَحن فِيهِ أَمر يجل عَن الْوَصْف وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته كثيرا كثيرا وعَلى سَائِر من فِي الْبَيْت من الْكِبَار وَالصغَار وَسَائِر الْجِيرَان والأهل وَالْأَصْحَاب وَاحِدًا وَاحِدًا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كتاب آخر للشَّيْخ بَعثه من مصر إِلَى دمشق وَمِنْهَا كتاب قَالَ فِيهِ بعد حمد الله تَعَالَى وَالصَّلَاة على نبيه ﷺ أما بعد فان الله وَله الْحَمد قد أنعم عَليّ من نعمه الْعَظِيمَة ومننه الجسيمة وآلائه الْكَرِيمَة مَا هُوَ مستوجب لعَظيم الشُّكْر والثبات على الطَّاعَة واعتياد حسن الصَّبْر على فعل الْمَأْمُور وَالْعَبْد مَأْمُور بِالصبرِ فِي السَّرَّاء أعظم من الصَّبْر فِي الضراء قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير﴾

стр. 260

وتعلمون أَن الله سُبْحَانَهُ من فِي هَذِه الْقَضِيَّة من المنن الَّتِي فِيهَا من أَسبَاب نصر دينه وعلو كَلمته وَنصر جنده وَعزة أوليائه وَقُوَّة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وذل أهل الْبِدْعَة والفرقة وَتَقْرِير مَا قرر عنْدكُمْ من السّنة وزيادات على ذَلِك بانفتاح أَبْوَاب من الْهدى والنصر والدلائل وَظُهُور الْحق لأمم لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وإقبال الْخَلَائق إِلَى سَبِيل السّنة وَالْجَمَاعَة وَغير ذَلِك من المنن مَالا بُد مَعَه من عَظِيم الشُّكْر وَمن الصَّبْر وَإِن كَانَ صبرا فِي سراء وتعلمون أَن من الْقَوَاعِد الْعَظِيمَة الَّتِي هِيَ من جماع الدّين تأليف الْقُلُوب واجتماع الْكَلِمَة وَصَلَاح ذَات الْبَين فان الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم﴾ وَيَقُول ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَيَقُول ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم﴾

стр. 261

وامثال ذَلِك من النُّصُوص الَّتِي تَأمر بِالْجَمَاعَة والإئتلاف وتنهى عَن الْفرْقَة والإختلاف وَأهل هَذَا الأَصْل هم أهل الْجَمَاعَة كَمَا أَن الخارجين عَنهُ هم أهل الْفرْقَة وجماع السّنة طَاعَة الرَّسُول وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن ابي هُرَيْرَة ((إِن الله يرضى لكم ثَلَاثًا ان تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا وَأَن تناصحوا من ولاه الله أُمُوركُم)) وَفِي السّنَن من حَدِيث زيد بن ثَابت وَابْن مَسْعُود فقيهي الصَّحَابَة عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ ((نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ إِلَى من لم يسمعهُ فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل لله وَمنا صِحَة وُلَاة الْأَمر وَلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين فان دعوتهم تحيط من وَرَاءَهُمْ))

стр. 262

وَقَوله لايغل أَي لَا يحقد عَلَيْهِنَّ فَلَا يبغض هَذِه الْخِصَال قلب الْمُسلم بل يحبهن ويرضاهن وَأول مَا أبدأ بِهِ من هَذَا الأَصْل مَا يتَعَلَّق بِي فتعلمون رضى الله عَنْكُم أَنِّي لَا أحب أَن يُؤْذى أحد من عُمُوم الْمُسلمين فضلا عَن أَصْحَابنَا بِشَيْء أصلا لَا بَاطِنا وَلَا ظَاهرا وَلَا عِنْدِي عتب على أحد مِنْهُم وَلَا لوم أصلا بل لَهُم عِنْدِي من الْكَرَامَة والاجلال والمحبة والتعظيم أَضْعَاف أَضْعَاف مَا كَانَ كل بِحَسبِهِ وَلَا يَخْلُو لرجل إِمَّا أَن يكون مُجْتَهدا مصيبا أَو مخطئا أَو مذنبا فَالْأول مأجور مشكور وَالثَّانِي مَعَ أجره على الإجتهاد فمعفو عَنهُ مغْفُور لَهُ وَالثَّالِث فَالله يغْفر لنا وَله ولسائر الْمُؤمنِينَ فنطوي بِسَاط الْكَلَام الْمُخَالف لهَذَا الأَصْل

стр. 263

كَقَوْل الْقَائِل فلَان قصر فلَان مَا عمل فلَان أوذي الشَّيْخ بِسَبَبِهِ فلَان كَانَ سَبَب هَذِه الْقَضِيَّة فلَان كَانَ يتَكَلَّم فِي كيد فلَان وَنَحْو هَذِه الْكَلِمَات الَّتِي فِيهَا مذمة لبَعض الْأَصْحَاب والإخوان فَإِنِّي لَا أسامح من آذاهم من هَذَا الْبَاب وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه بل مثل هَذَا يعود على قَائِله بالملام إِلَّا أَن يكون لَهُ من حَسَنَة وَمِمَّنْ يغْفر الله لَهُ إِن شَاءَ وَقد عَفا الله عَمَّا سلف وتعلمون أَيْضا أَن مَا يجْرِي من نوع تَغْلِيظ أَو تخشين على بعض الْأَصْحَاب والإخوان مَا كَانَ يجْرِي بِدِمَشْق وَمِمَّا جرى الْآن بِمصْر فَلَيْسَ ذَلِك غَضَاضَة وَلَا نقصا فِي حق صَاحبه وَلَا حصل بِسَبَب ذَلِك تغير منا وَلَا بغض بل هُوَ بعد مَا عومل بِهِ من التَّغْلِيظ والتخشين أرفع قدرا وأنبه ذكرا وَأحب وَأعظم وَإِنَّمَا هَذِه الْأُمُور هِيَ من مصَالح الْمُؤمنِينَ الَّتِي يصلح الله بهَا بَعضهم بِبَعْض فَإِن الْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كاليدين تغسل إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى وَقد لَا ينقلع الْوَسخ إِلَّا بِنَوْع من الخشونة لَكِن ذَلِك يُوجب من النَّظَافَة والنعومة مَا نحمد مَعَه ذَلِك التخشين وتعلمون أَنا جَمِيعًا متعاونون على الْبر وَالتَّقوى وَاجِب علينا

стр. 264

نصر بَعْضنَا بَعْضًا أعظم مِمَّا كَانَ وَأَشد فَمن رام أَن يُؤْذِي بضع الْأَصْحَاب أَو الإخوان لما قد يَظُنّهُ من نوع تخشين عومل بِهِ بِدِمَشْق أَو بِمصْر السَّاعَة أَو غير ذَلِك فَهُوَ الغالط وَكَذَلِكَ من ظن أَن الْمُؤمنِينَ يَبْخلُونَ عَمَّا أمروا بِهِ من التعاون والتناصر فقد ظن سوء ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ وَمَا غَابَ عَنَّا أحد من الْجَمَاعَة أَو قدم إِلَيْنَا السَّاعَة أَو قبل السَّاعَة إِلَّا ومنزلته عندنَا الْيَوْم أعظم مِمَّا كَانَت وَأجل وَأَرْفَع وتعلمون رَضِي الله عَنْكُم أَن مَا دون هَذِه الْقَضِيَّة من الْحَوَادِث يَقع فِيهَا من اجْتِهَاد الآراء وَاخْتِلَاف الْأَهْوَاء وتنوع أَحْوَال اهل الْإِيمَان وَمَا لَا بُد مِنْهُ من نزغات الشَّيْطَان مَالا يتَصَوَّر أَن يعرى عَنهُ نوع الْإِنْسَان وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ بل أَنا أَقُول مَا هُوَ أبلغ من ذَلِك تَنْبِيها بالأدنى على الْأَعْلَى وبالأقصى على الْأَدْنَى فَأَقُول تعلمُونَ كَثْرَة مَا وَقع فِي هَذِه الْقَضِيَّة من الأكاذيب المفتراة والأغاليط المظنونة والأهواء الْفَاسِدَة وَأَن ذَلِك أَمر يحل عَن

стр. 265

الْوَصْف وكل مَا قيل من كذب وزور فَهُوَ فِي حَقنا خير ونعمة قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين جاؤوا بالإفك عصبَة مِنْكُم لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم لكل امْرِئ مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ وَقد أظهر الله من نور الْحق وبرهانه مَا رد بِهِ إفْك الْكَاذِب وبهتانه فَلَا أحب أَن ينتصر من أحد بِسَبَب كذبه عَليّ أَو ظلمه وعدوانه فَإِنِّي قد أحللت كل مُسلم وَأَنا أحب الْخَيْر لكل الْمُسلمين وَأُرِيد بِكُل مُؤمن من الْخَيْر مَا أحبه لنَفْسي وَالَّذين كذبُوا وظلموا فهم فِي حل من جهتي وَأما مَا يتَعَلَّق بِحُقُوق الله فَإِن تَابُوا أتاب الله عَلَيْهِم وَإِلَّا فَحكم الله نَافِذ فيهم فَلَو كَانَ الرجل مشكورا على سوء عمله لَكُنْت أشكر كل من كَانَ سَببا فِي هَذِه الْقَضِيَّة لما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَكِن الله هُوَ المشكور على حسن نعمه وآلائه وأياديه الَّتِي لَا يقْضى لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيرا لَهُ وَأهل الْقَصْد الصَّالح يشكرون على قصدهم وَأهل الْعَمَل الصَّالح يشكرون على عَمَلهم وَأهل السَّيِّئَات نسْأَل الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم

стр. 266

وَأَنْتُم تعلمُونَ هَذَا من خلقي وَالْأَمر أَزِيد مِمَّا كَانَ وأوكد لَكِن حُقُوق النَّاس بَعضهم مَعَ بعض وَحُقُوق الله عَلَيْهِم هم فِيهَا تَحت حكم الله وَأَنْتُم تعلمُونَ أَن الصّديق الْأَكْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك الَّتِي أنزل الله فِيهَا الْقُرْآن حلف لَا يصل مسطح بن أَثَاثَة لِأَنَّهُ كَانَ من الخائضين فِي الأفك فَأنْزل الله تعال ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولُوا الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين فِي سَبِيل الله وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ فَلَمَّا نزلت قَالَ أَبُو بكر بلَى وَالله إِنِّي لأحب أَن يغْفر الله لي فَأَعَادَ إِلَى مسطح النَّفَقَة الَّتِي كَانَ ينْفق وَمَعَ مَا ذكر من الْعَفو وَالْإِحْسَان وَأَمْثَاله وأضعافه وَالْجهَاد على مَا بعث الله بِهِ رَسُوله من الْكتاب وَالْحكمَة أَمر لَا بُد مِنْهُ ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾

стр. 267

وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا وَقد بعث الشَّيْخ ﵀ إِلَى أَقَاربه وَأَصْحَابه بِدِمَشْق كتبا غير هَذِه شكوى الصُّوفِيَّة الشَّيْخ إِلَى السُّلْطَان وَأمره بحبسه وَلم يزل بِمصْر يعلم النَّاس ويفتيهم وَيذكر بِاللَّه وَيَدْعُو إِلَيْهِ وَيتَكَلَّم فِي الْجَوَامِع على المنابر بتفسير الْقُرْآن وَغَيره من بعد صَلَاة الْجُمُعَة إِلَى الْعَصْر إِلَى أَن ضَاقَ مِنْهُ وانحصر وَاجْتمعَ خلق كثير من أهل الخوانق والرط والزوايا وَاتَّفَقُوا على أَن يشكو الشَّيْخ إِلَى السُّلْطَان فطلع مِنْهُم خلق إِلَى القلعة وَكَانَ مِنْهُم خلق تَحت القلعة فَكَانَت لَهُم ضجة شَدِيدَة حَتَّى قَالَ السُّلْطَان مَا لهَؤُلَاء فَقيل لَهُ هَؤُلَاءِ كلهم قد جَاءُوا من أجل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية يَشكونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ إِنَّه يسب مشايخهم وَيَضَع من قدرهم عِنْد النَّاس واستغاثوا مِنْهُ وأجلبوا عَلَيْهِ ودخلوا على الْأُمَرَاء فِي أمره وَلم يبقوا مُمكنا وَكَانَ بعض النَّاس يأْتونَ إِلَى الشَّيْخ فَيَقُولُونَ لَهُ إِن النَّاس قد جمعُوا لَك جمعا كثيرا

стр. 268

فَيَقُول حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَأمر من يعْقد لَهُ مَجْلِسا بدار الْعدْل فعقد مجْلِس يَوْم الثُّلَاثَاء فِي الْعشْر الأول من شَوَّال من سنة سبع وَسَبْعمائة وَظهر فِي ذَلِك الْمجْلس من علم الشَّيْخ وشجاعته وَقُوَّة قلبه وَصدق توكله وَبَيَان حجَّته مَا يتَجَاوَز الْوَصْف وَكَانَ وقتا مشهودا ومجلسا عَظِيما وَقَالَ لَهُ كَبِير من الْمُخَالفين من أَيْن لَك هَذَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ من أَيْن لَا تعلمه وَذكر بعض من حضر ذَلِك الْمجْلس أَن النَّاس لما تفَرقُوا مِنْهُ قَامَ الشَّيْخ وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَابه قَالَ فجَاء وَجئْت مَعَه إِلَى مَوضِع ذكره فِي دَار الْعدْل قَالَ فَلَمَّا جلسنا اسْتلْقى الشَّيْخ على ظَهره وَكَانَ هُنَاكَ حجر لأجل تثقيل الْحَصِير فَأَخذه وَوَضعه تَحت رَأسه فاضطجع قَلِيلا ثمَّ جلس وَقَالَ لَهُ إِنْسَان يَا سَيِّدي قد أَكثر النَّاس عَلَيْك فَقَالَ إِن هم إِلَّا كالذباب وَرفع كَفه إِلَى فِيهِ وَنفخ فِيهِ قَالَ وَقَامَ وقمنا مَعَه حَتَّى خرجنَا فَأتي بحصان فَرَكبهُ ويختل بذؤابته فَلم أر أحدا أقوى قلبا وَلَا أَشد بَأْسا مِنْهُ

стр. 269

قَالَ فَلَمَّا أَكْثرُوا الشكاية مِنْهُ والملام وأوسعوا من أَجله الْكَلَام رسم بتسفيره إِلَى بِلَاد الشأم فَخرج للسَّفر لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشر الشَّهْر إِلَى جِهَة الشأم ثمَّ رد فِي يَوْم الْخَمِيس الْمَذْكُور وَحبس بسجن الْحَاكِم بحارة الديلم فِي لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع عشر شَوَّال قَالَ وَلما دخل الْحَبْس وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللّعب يلتهون بهَا عَمَّا هم فِيهِ كالشطرنج والنرد وَنَحْو ذَلِك من تَضْييع الصَّلَوَات فَأنْكر الشَّيْخ عَلَيْهِم ذَلِك أَشد الْإِنْكَار وَأمرهمْ بملازمة الصَّلَاة والتوجه إِلَى الله بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة وَالتَّسْبِيح وَالِاسْتِغْفَار وَالدُّعَاء وعلمهم من السّنة مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ورغبهم فِي أَعمال الْخَيْر وحضهم على ذَلِك حَتَّى صَار الْحَبْس بِمَا فِيهِ من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَالدّين خيرا من الزوايا والربط والخوانق والمدارس وَصَارَ خلق من المحابيس إِذا أطْلقُوا يختارون الْإِقَامَة عِنْده وَكثر المترددون إِلَيْهِ حَتَّى كَانَ السجْن يمتلىء مِنْهُم فَلَمَّا كثر اجْتِمَاع النَّاس بِهِ وترددهم إِلَيْهِ سَاءَ ذَلِك أعداءه وحصرت صُدُورهمْ فسألوا نَقله إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وظنوا أَن قُلُوب أَهلهَا عَن محبته عرية وَأَرَادُوا أَن يبعد عَنْهُم خَبره أَو لَعَلَّهُم يقتلونه فَيَنْقَطِع أَثَره

стр. 270

فَأرْسل بِهِ إِلَى ثغر الْإسْكَنْدَريَّة فِي لَيْلَة يسفر صباحها عَن يَوْم الْجُمُعَة سلخ صفر من سنة تسع وَسَبْعمائة مَا ذكره البرزالي فِي حبس الشَّيْخ بالإسكندرية وَذكر الشَّيْخ البرزالي وَغَيره أَن فِي شهر شَوَّال من سنة سبع وَسَبْعمائة شكا شيخ الصُّوفِيَّة بِالْقَاهِرَةِ كريم الدّين الأبلى وَابْن عَطاء وَجَمَاعَة نَحْو الْخَمْسمِائَةِ من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَكَلَامه فِي ابْن عَرَبِيّ وَغَيره إِلَى الدولة فَرد الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى القَاضِي الشَّافِعِي وَعقد لَهُ مجْلِس وَادّعى عَلَيْهِ ابْن عَطاء بأَشْيَاء لم يثبت شَيْء مِنْهَا لكنه قَالَ إِنَّه لَا يستغاث إِلَّا بِاللَّه حَتَّى لَا يستغاث بِالنَّبِيِّ ﷺ استغاثة بِمَعْنى الْعِبَادَة وَلكنه يتوسل بِهِ ويتشفع بِهِ إِلَى الله فبعض الْحَاضِرين قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا شَيْء وَرَأى قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين أَن هَذَا فِيهِ قلَّة أدب فَحَضَرت رِسَالَة إِلَى القَاضِي أَن يعْمل مَعَه مَا تَقْتَضِيه الشَّرِيعَة فِي ذَلِك فَقَالَ القَاضِي قد قلت لَهُ مَا يُقَال لمثله ثمَّ إِن الدولة خيروه بَين أَشْيَاء وَهِي الْإِقَامَة بِدِمَشْق أَو الْإسْكَنْدَريَّة بِشُرُوط أَو الْحَبْس فَاخْتَارَ الْحَبْس

стр. 271

فَدخل عَلَيْهِ جمَاعَة فِي السّفر إِلَى دمشق مُلْتَزما مَا شَرط فأجابهم فأركبوهم خيل الْبَرِيد لَيْلَة الثَّامِن عشر من شَوَّال ثمَّ أرسل خَلفه من الْغَد بريدا آخر فَرده وَحضر عِنْد قَاضِي الْقُضَاة بِحُضُور جمَاعَة من الْفُقَهَاء فَقَالَ بَعضهم لَهُ مَا ترْضى الدولة إِلَّا بِالْحَبْسِ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة وَفِيه مصلحَة لَهُ واستناب شمس الدّين التّونسِيّ الْمَالِكِي وَأذن لَهُ أَن يحكم عَلَيْهِ فتحير فَقَالَ الشَّيْخ أَنا أمضي إِلَى الْحَبْس وأتبع مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة فَقَالَ نور الدّين الْمَأْذُون لَهُ فِي الحكم فَيكون فِي مَوضِع يصلح لمثله فَقيل لَهُ مَا ترْضى الدولة إِلَّا بمسمى الْحَبْس فَأرْسل إِلَى حبس القَاضِي وأجلس فِي الْموضع الَّذِي أَجْلِس فِيهِ القَاضِي تَقِيّ الدّين ابْن بنت الْأَعَز لما حبس وَأذن أَن يكون عِنْده من يَخْدمه وَكَانَ جَمِيع ذَلِك بِإِشَارَة الشَّيْخ نصر المنبجي ووجاهته فِي الدولة وَاسْتمرّ الشَّيْخ فِي الْحَبْس يستفتى ويقصده النَّاس ويزورونه وتأتيه الْفَتَاوَى المشكلة من الْأُمَرَاء وأعيان النَّاس قَالَ علم الدّين وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من شَوَّال من سنة ثَمَان وَسَبْعمائة طلب أخوا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَوجدَ زين الدّين وَعِنْده

стр. 272

جمَاعَة فرسم عَلَيْهِم وَلم يُوجد شرف الدّين ثمَّ أطلق الْجَمَاعَة سوى زين الدّين فَإِنَّهُ حمل إِلَى الْمَكَان الَّذِي فِيهِ الشَّيْخ وَهُوَ قاعة الترسيم بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ إِنَّه أخرج فِي خَامِس صفر سنة تسع وَسَبْعمائة قَالَ وَفِي اللَّيْلَة الْأَخِيرَة من شهر صفر هَذَا وَهِي لَيْلَة الْجُمُعَة توجه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين من الْقَاهِرَة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة مَعَ أَمِير مقدم وَلم يُمكن أحد من جماعته من السّفر مَعَه وَوصل هَذَا الْخَبَر إِلَى دمشق بعد عشرَة أَيَّام فَحصل التألم لأَصْحَابه ومحبيه وَضَاقَتْ الصُّدُور وتضاعف الدُّعَاء لَهُ وبلغنا أَن دُخُوله الْإسْكَنْدَريَّة كَانَ يَوْم الْأَحَد دخل من بَاب الخوخة إِلَى دَار السُّلْطَان وَنقل لَيْلًا إِلَى برج فِي شَرْقي الْبَلَد ثمَّ وصلت الْأَخْبَار أَن جمَاعَة من أَصْحَابه توجهوا إِلَيْهِ بعد ذَلِك وَصَارَ النَّاس يدْخلُونَ إِلَيْهِ ويقرأون عَلَيْهِ وَيَتَحَدَّثُونَ مَعَه وَكَانَ الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فسيحا متسعا كتاب الشَّيْخ شرف الدّين إِلَى أَخِيه بدر الدّين وَقد رَأَيْت كتابا بِخَط الشَّيْخ شرف الدّين كتبه إِلَى أَخِيه بدر الدّين بعد توجه الشَّيْخ إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة يَقُول فِيهِ

стр. 273

من أَخِيه عبد الله بن تَيْمِية سَلام الله وَرَحمته وَبَرَكَاته على الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْجَلِيل الْكَبِير بدر الدّين وَإِلَى الله عَلَيْهِ آلاءه وأتبعها وأسبغ عَلَيْهِ نعمه ونوعها ومنحه مننه وأينعها وأيده بِالْقُوَّةِ والتأييد لإِقَامَة الْحق على الْقَرِيب والبعيد غير مقصر وَلَا وان وَلَا مفتر وَلَا متوان بِالرَّأْيِ السديد والعزم الوكيد وجمعنا وإياه فِي هَذِه الدَّار على طَاعَته وَفِي دَار الْقَرار فِي دَار كرامته مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ أهل ولَايَته إِنَّه ذُو الْفضل الْعَظِيم والمن الجسيم والطول العميم أما بعد فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ للحمد أهل وَهُوَ على كل شَيْء قدير وأصلي على سيد ولد آدم وَخير خلق الله أَجْمَعِينَ وَسيد رسل رب الْعَالمين إِلَى الْأسود والأحمر وَالْجِنّ وَالْإِنْس بشيرا للْمُؤْمِنين وَنَذِيرا للْكَافِرِينَ أتم الصَّلَاة وأفضلها وَأَشْرَفهَا وأكملها دائمة إِلَى يَوْم الدّين وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَبعد فَنحْن وَالْجَمَاعَة فِي نعم الله الْكَامِلَة ومننه الشاملة الَّتِي تفوت الْعد والإحصاء وتعجز الْعُقُول عَن تصورها ودركها وتحصر

стр. 274

الألسن عَن نعتها ووصفها فضلا عَن كتَابَتهَا فنسأل الله الْعَظِيم أَن يوزعنا شكرها وَأَن يديمها علينا وعَلى جَمِيع الإخوان وَالْمُؤمنِينَ إِنَّه الْجواد الْكَرِيم فَمِنْهَا نزُول الْأَخ الْكَرِيم بالثغر المحروس فَإِن أَعدَاء الله قصدُوا بذلك أمورا يكيدون بهَا الْإِسْلَام وَأَهله وظنوا أَن ذَلِك يحصل عَن قريب فَانْقَلَبت عَلَيْهِم مقاصدهم الخبيثة الْمَعْلُومَة وانعكست من كل الْوُجُوه وَأَصْبحُوا وَمَا زَالُوا عِنْد الله وَعند العارفين من الْمُؤمنِينَ سود الْوُجُوه يَتَقَطَّعُون حسرات وندما على مَا فَعَلُوهُ وَأَقْبل أهل الثغر أَجْمَعُونَ إِلَى الْأَخ متقبلين لما يذكرهُ وينشره من كتاب الله وَسنة رَسُوله والحط والوقيعة فِي أعدائهما من أهل الْبدع والضلالات وَالْكفْر والجهالات خُصُوصا أَخبث الْمَلَاحِدَة والاتحادية ثمَّ الْجَهْمِية وَاتفقَ أَنه وجد بهَا إِبْلِيس إلحادهم قد باض وفرخ وَنصب بهَا عَرْشه ودوخ وأضل بهَا فريقي السبعينية والعربية فمزق الله بهَا بقدومه الثغر جموعهم شذر مذر وهتك أستارهم وكشف رمزهم إلحاد وَالْكفْر وأسرارهم وَفَضَحَهُمْ واستتاب جماعات مِنْهُم وتوب رَئِيسا من رُؤَسَائِهِمْ وَإِن كَانَ عِنْد عباد الله الْمُؤمنِينَ حَقِيرًا وصنف هَذَا

стр. 275

التائب كتابا فِي كشف كفرهم وإلحادهم وَكَانَ من خَواص خَواص اللعين عَدو الله وَرَسُوله نصير الْمُلْحِدِينَ واشتهر ذَلِك وَاسْتقر عِنْد عُمُوم الْمُؤمنِينَ وخواصهم من أَمِير وقاض وفقيه ومفت وَشَيخ وَعُمُوم الْمُجَاهدين إِلَّا من شَذَّ من الأغمار الْجُهَّال مَعَ الذلة وَالصغَار حذرا على نَفسه من أَيدي الْمُؤمنِينَ وألسنتهم وعلت كلمة الله بهَا على أَعدَاء الله وَرَسُوله ولعنوا لعنا ظَاهرا فِي مجامع النَّاس بِالِاسْمِ الْخَاص وَصَارَ بذلك عِنْد نصير الْمُلْحِدِينَ الْمُقِيم المقعد وَنزل بِهِ من الْخَوْف والذل مَا لَا يعبر عَنهُ وهم أَن يكيد كيدا آخر فَوَقع مَا وَقع عنْدكُمْ بالشأم من الْأَمر المزعج وَالْكرب المقلق وَالْبَلَاء الْعَظِيم والذل واستعطاف من كَانُوا لَا يلتفتون إِلَيْهِ بالأموال والأنفس والتذلل حَتَّى رق بعض الْأَصْحَاب لَهُم فزجر عَن ذَلِك وَقيل لَهُ ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ إِلَى أُمُور كَثِيرَة من المحن وَالْبَلَاء مِمَّا لَا يُمكن وَصفه فنسأل الله الْعَظِيم أَن يعجل تَمام النقمَة عَلَيْهِم وَأَن يقطع دابرهم وَأَن يرِيح عباده وبلاده مِنْهُم وَأَن ينصر دينه وَكتابه وَرَسُوله وعباده عَلَيْهِم وَأَن يوزعنا شكر هَذِه النِّعْمَة وَأَن يُتمهَا علينا وعَلى سَائِر الْمُؤمنِينَ

стр. 276

وَغير خَافَ عَنْك سيرتنا ... إِذا أعجبتك خِصَال امرىء ... فكنه يكن مَا يُعْجِبك فَلَيْسَ لَدَى الْمجد والمكرما ... ت إِذا جِئْتهَا حَاجِب يحجبك ... فأسأل الله الْعَظِيم أَن يعينك ويمدك ويؤيدك بِروح مِنْهُ وَأَن يقربك أعين الْمُؤمنِينَ وَأَن يخزي بك الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَن يوفقك لما يُحِبهُ ويرضاه وَأَن يتولاك فِي جَمِيع الْأُمُور ويعينك على الْقيام فِيهَا بِمَا يُرْضِي الله وَرَسُوله وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وعَلى السعيدة الْكَرِيمَة الطّيبَة الَّتِي ﵂ وأرضاها وَجعل بعد اجتماعنا بهَا الْجنَّة دارها ومأواها وأراها وَجهه الْكَرِيم فِي دَار النَّعيم الوالدة الَّتِي منحها الله تَعَالَى فِي آخرعمرها هَذِه الْكَرَامَة الْعَظِيمَة والمنزلة الرفيعة والدرجة الْعلية وأكمل السَّلَام وأنماه وعَلى جَمِيع الْأَهْل والإخوان وَالْأَصْحَاب والمعارف وَالْجِيرَان كَبِيرهمْ وصغيرهم قريبهم وبعيدهم كل فَرد فَرد لَهُ السَّلَام

стр. 277

وَغير خَافَ عَنْهُم الْعَجز عَن حصرهم فَالله تَعَالَى يرضى عَن جَمِيعهم ويجمعنا وإياهم بعد نصر دين الله وَرَسُوله على مَا يُحِبهُ ويرضاه وَكتب والخاطر مَشْغُول بِأَمْر الْمُسلمين لحدوث أَمر يذكرهُ لكم الشَّيْخ عبد الله وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا قلت بَقِي الشَّيْخ بثغر الْإسْكَنْدَريَّة ثَمَانِيَة أشهر مُقيما ببرج مليح نظيف لَهُ شباكان أَحدهمَا إِلَى جِهَة الْبَحْر يدْخل إِلَيْهِ من شَاءَ ويتردد إِلَيْهِ الأكابر والأعيان وَالْفُقَهَاء يقرأون عَلَيْهِ ويبحثون مَعَه ويستفيدون مِنْهُ

стр. 278

إِحْضَار الشَّيْخ من سجن الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى الْقَاهِرَة فَلَمَّا دخل السُّلْطَان النَّاصِر إِلَى مصر بعد خُرُوجه من الكرك وقدومه إِلَى دمشق وَتوجه مِنْهَا إِلَى مصر وَكَانَ قدومه إِلَيْهَا يَوْم عيد الْفطر من سنة تسع وَسَبْعمائة نفذ لإحضار الشَّيْخ من الْإسْكَنْدَريَّة فِي الْيَوْم الثَّامِن من شَوَّال وَخرج الشَّيْخ مِنْهَا مُتَوَجها إِلَى مصر وَمَعَهُ خلق من أَهلهَا يودعونه ويسألون الله أَن يردهُ إِلَيْهِم وَكَانَ وقتا مشهودا وَوصل إِلَى الْقَاهِرَة يَوْم السبت ثامن عشر الشَّهْر وَاجْتمعَ بالسلطان فِي يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وأكرمه وتلقاه فِي مجْلِس حفل فِيهِ قُضَاة المصريين والشاميين وَالْفُقَهَاء وَأصْلح بَينه وَبينهمْ وَلَقَد أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ أَخْبرنِي القَاضِي جمال الدّين بن القلانسي قَاضِي العساكر المنصورة فِيمَا تذاكرت أَنا وَهُوَ ذَات لَيْلَة حِين كَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين معتقلا فِي القلعة المنصورة يَعْنِي قلعة دمشق وَقد أشاع بعض الجهلة

стр. 279

وأرجف بعض المبغضين للسّنة بأخبار مُخْتَلفَة لَا حَقِيقَة لَهَا لَكِن وَقع فِي نفوس أَصْحَاب الشَّيْخ من ذَلِك مَا يلقيه الشَّيْطَان فِي قلب الْإِنْسَان وَمَا ذَاك إِلَّا من شدَّة الشَّفَقَة والمحبة فَقلت لَهُ فِيمَا تحدثنا بِهِ إِن النَّاس يَقُولُونَ كَيْت وَكَيْت وَأَن الشَّيْخ رُبمَا يخرج من القلعة ويدعى عَلَيْهِ وَيُعَزر وَيُطَاف بِهِ فَقَالَ يَا فلَان هَذَا لَا يَقع مِنْهُ شَيْء وَلَا يسمح السُّلْطَان خلد الله سعادته بِشَيْء من ذَلِك وَهُوَ أعلم بالشيخ من كل هَؤُلَاءِ وبعلمه وَدينه ثمَّ قَالَ أخْبرك بِأَمْر عَجِيب وَقع من السُّلْطَان فِي حق الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَذَلِكَ حِين توجه السُّلْطَان إِلَى الديار المصرية وَمَعَهُ الْقُضَاة والأعيان ونائب الشأم الأفرم فَلَمَّا دخل الديار المصرية وَعَاد إِلَى مَمْلَكَته وهرب سلار والشنكير وَاسْتقر أَمر السُّلْطَان جلسا يَوْمًا دست السلطنة وأبهة الْملك وأعيان الْأُمَرَاء من الشاميين والمصريين حضورعنده وقضاة مصر عَن يَمِينه وقضاة الشَّام عَن يسَاره وَذكر لي كَيْفيَّة جلوسهم مِنْهُ كحسب مَنَازِلهمْ قَالَ وَكَانَ من جملَة من هُنَاكَ ابْن صصرى عَن يسَار السُّلْطَان وَتَحْته الصَّدْر عَليّ قَاضِي الْحَنَفِيَّة ثمَّ بعده الْخَطِيب جلال الدّين ثمَّ بعده ابْن

стр. 280

الزملكاني قَالَ وَأَنا إِلَى جَانب ابْن الزملكاني وَالنَّاس جُلُوس خَلفه وَالسُّلْطَان على مقْعد مُرْتَفع فَبَيْنَمَا النَّاس على ذَلِك جُلُوس إِذْ نَهَضَ السُّلْطَان قَائِما فَقَامَ النَّاس ثمَّ مَشى السُّلْطَان فَنزل عَن تِلْكَ المقعدة وَلَا نَدْرِي مَا بِهِ وَإِذا بالشيخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀ مقبل من الْبَاب وَالسُّلْطَان قَاصد إِلَيْهِ فَنزل السُّلْطَان عَن الإيوان وَالنَّاس قيام والقضاة والأمراء والدولة فتسالم هُوَ وَالسُّلْطَان وتكارشا وذهبا إِلَى صفة فِي ذَلِك الْمَكَان فِيهَا شباك إِلَى بُسْتَان فَجَلَسَا فِيهَا حينا ثمَّ أَقبلَا وَيَد الشَّيْخ فِي يَد السُّلْطَان فَقَامَ النَّاس وَكَانَ قد جَاءَ فِي غيبَة السُّلْطَان تِلْكَ الْوَزير فَخر الدّين بن الْخَلِيل فَجَلَسَ عَن يسَار السُّلْطَان فَوق ابْن صصرى فَلَمَّا جَاءَ السُّلْطَان جلس على مقعدته وَجَاء الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَجَلَسَ بَين يَدي السُّلْطَان على طرف مقعدته متربعا فشرع السُّلْطَان يثني على الشَّيْخ عِنْد الْأُمَرَاء والقضاة بثناء مَا سمعته من غَيره قطّ وَقَالَ كلَاما كثيرا وَالنَّاس تَقول مَعَه وَمثله الْقُضَاة والأمراء وَكَانَ وقتا عجيبا وَذَلِكَ مِمَّا يسوء كثيرا من الْحَاضِرين من أَبنَاء جنسه

стр. 281

وَقَالَ فِي الشَّيْخ من الثَّنَاء وَالْمُبَالغَة مَالا يقدر أحد من أخص أَصْحَابه أَن يَقُوله ثمَّ إِن الْوَزير أنهى إِلَى السُّلْطَان أَن أهل الذِّمَّة قد بذلوا للديوان فِي كل سنة سَبْعمِائة ألف دِرْهَم زِيَادَة على الجالية على أَن يعودوا إِلَى لبس العمائم الْبيض المعلمة بالحمرة والصفرة والزرقة وَأَن يعفوا من هَذِه العمائم المصبغة كلهَا بِهَذِهِ الألوان الَّتِي ألزمهم بهَا ركن الدّين الشاشنكير فَقَالَ السُّلْطَان للقضاة وَمن هُنَاكَ مَا تَقولُونَ فَسكت النَّاس فَلَمَّا رَآهُمْ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين سكتوا جثا على رُكْبَتَيْهِ وَشرع يتَكَلَّم مَعَ السُّلْطَان فِي ذَلِك بِكَلَام غليظ وَيرد مَا عرضه الْوَزير عَنْهُم ردا عنيفا وَالسُّلْطَان يسكته بترفق وتؤدة وتوقير فَبَالغ الشَّيْخ فِي الْكَلَام وَقَالَ مَالا يَسْتَطِيع أحد أَن يقوم بِمثلِهِ وَلَا بقريب مِنْهُ حَتَّى رَجَعَ السُّلْطَان عَن ذَلِك وألزمهم بِمَا هم عَلَيْهِ واستمروا على هَذِه الصّفة فَهَذِهِ من حَسَنَات الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀ وَرَضي الله عَنهُ آمين

стр. 282

قَالَ هَذَا ملخص مَا أَخْبرنِي بِهِ ﵀ وَكنت جَلَست يَوْمًا إِلَى قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين قَاضِي الْحَنَفِيَّة فَقَالَ لي وَهُوَ يضْحك تحب الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية فَقلت نعم فَقَالَ وَالله تحب شَيْئا مليحا وَحكى لي قَرِيبا مِمَّا ذكر ابْن القلانسي لَكِن سِيَاق ابْن القلانسي أبسط وَأتم حلم الشَّيْخ وعفوه عَمَّن ظلمه وَسمعت الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀ يذكر أَن السُّلْطَان لما جلسا بالشباك أخرج من جيبه فَتَاوَى لبَعض الْحَاضِرين فِي قَتله واستفتاه فِي قتل بَعضهم قَالَ ففهمت مَقْصُوده وَأَن عِنْده حنقا شَدِيدا عَلَيْهِم لما خلعوه وَبَايَعُوا الْملك المظفر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير فشرعت فِي مدحهم وَالثنَاء عَلَيْهِم وشكرهم وَأَن هَؤُلَاءِ لَو ذَهَبُوا لم تَجِد مثلهم فِي دولتك أما أَنا فهم فِي حل من حَقي وَمن جهتي وسكنت مَا عِنْده عَلَيْهِم

стр. 283

قَالَ فَكَانَ القَاضِي زيد الدّين ابْن مخلوف قَاضِي الْمَالِكِيَّة يَقُول بعد ذَلِك مَا رَأينَا أتقى من ابْن تَيْمِية لم نبق مُمكنا فِي السَّعْي فِيهِ وَلما قدر علينا عَفا عَنَّا ثمَّ إِن الشَّيْخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إِلَى الْقَاهِرَة وَسكن بِالْقربِ من مشْهد الْحُسَيْن وَعَاد إِلَى بَث الْعلم ونشره والخلق يشتغلون عَلَيْهِ ويقرأون ويستفتونه ويجيبهم بالْكلَام وَالْكِتَابَة والأمراء والأكابر وَالنَّاس يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ وَفِيهِمْ من يعْتَذر إِلَيْهِ ويتنصل مِمَّا وَقع فَقَالَ قد جعلت الْكل فِي حل مِمَّا جرى وَبعث الشَّيْخ كتابا إِلَى أَقَاربه وَأَصْحَابه بِدِمَشْق يذكر مَا هُوَ فِيهِ من النعم الْعَظِيمَة وَالْخَيْر الْكثير وَيطْلب فِيهِ جملَة من كتب الْعلم يُرْسل بهَا إِلَيْهِ وَقَالَ فِي هَذَا الْكتاب

стр. 284

كتاب الشَّيْخ إِلَى أَقَاربه بِدِمَشْق تعلمُونَ أَنا بِحَمْد الله فِي نعم عَظِيمَة ومنن جسيمة وآلاء متكاثرة وأياد متظاهرة لم تكن تخطر لأكْثر الْخلق ببال وَلَا تَدور لَهُم فِي خيال وَالْحَمْد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يحب رَبنَا ويرضى إِلَى أَن قَالَ وَالْحق دَائِما فِي انتصار وعلو وازدياد وَالْبَاطِل فِي انخفاض وسفال ونفاد وَقد أخضع الله رِقَاب الْخُصُوم وأذلهم غَايَة الذل وَطلب أكابرهم من السّلم والانقياد مَا يطول وَصفه وَنحن وَللَّه الْحَمد قد اشترطنا عَلَيْهِم فِي ذَلِك من الشُّرُوط مَا فِيهِ عز الْإِسْلَام وَالسّنة وانقماع الْبَاطِل والبدعة وَقد دخلُوا فِي ذَلِك كُله وامتنعنا حَتَّى يظْهر ذَلِك إِلَى الْفِعْل فَلم نثق لَهُم بقول وَلَا عهد وَلم نجبهم إِلَى مطلوبهم حَتَّى يصير الْمَشْرُوط مَعْمُولا وَالْمَذْكُور مَفْعُولا وَيظْهر من عز الْإِسْلَام وَالسّنة للخاصة والعامة مَا يكون من الْحَسَنَات الَّتِي تمحو سيئاتهم وَقد أمد الله من الْأَسْبَاب الَّتِي فِيهَا عز الْإِسْلَام وَالسّنة وقمع الْكفْر والبدعة بِأُمُور يطول وصفهَا فِي كتاب وَكَذَلِكَ جرى من الأسبات الَّتِي هِيَ عز الْإِسْلَام وقمع الْيَهُود وَالنَّصَارَى بعد أَن كَانُوا قد استطالوا وحصلت لَهُم

стр. 285

شَوْكَة وَأَعَانَهُمْ من أعانهم على امْر فِي ذل كَبِير من النَّاس فلطف الله باستعمالنا فِي بعض مَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وَجرى فِي ذَلِك مِمَّا فِيهِ عز الْمُسلمين وتأليف قُلُوبهم وقيامهم على الْيَهُود وَالنَّصَارَى وذل الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مِمَّا هُوَ من أعظم نعم الله على عباده الْمُؤمنِينَ وَوصف هَذَا يطول وَقد أرْسلت إِلَيْكُم كتابا أطلب مَا صنفته فِي أَمر الْكَنَائِس وَهِي كراريس بخطي قطع النّصْف الْبَلَدِي فترسلون ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وتستعينون على ذَلِك بالشيخ جمال الدّين الْمزي فَإِنَّهُ يقلب الْكتب وَيخرج الْمَطْلُوب وترسلون أَيْضا من تَعْلِيق القَاضِي أبي يعلى الَّذِي بِخَط القَاضِي أبي الْحُسَيْن إِن أمكن الْجَمِيع وَهُوَ أحد عشر مجلدا وَإِلَّا فَمن أَوله مجلدا أَو مجلدين أَو ثَلَاثَة وَذكر كتبا يطْلبهَا مِنْهُم وَلم يزل الشَّيْخ مستمرا على عَادَته من الِاشْتِغَال بتعليم النَّاس ونفعهم وموعظتهم وَالِاجْتِهَاد فِي سبل الْخَيْر قيام جمَاعَة من الغوغاء على الشَّيْخ بِجَامِع مصر وضربه وَقيام أهل الحسينية وَغَيرهم انتصارا للشَّيْخ ثمَّ صفحه هُوَ عَمَّن آذوه فَلَمَّا كَانَ فِي رَابِع شهر رَجَب من سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة جَاءَ
следующие страницы →