← Тараджим

Тараджим · id 6663

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ت الفقي

ابن عبد الهادي

Полный текст (517 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

انتصارا لمن ينصر دين الله بَين اعداء الله فِي رَأس السبعمائة فَإِن نصْرَة مثل هَذَا الرجل وَاجِبَة على كل مُؤمن كَمَا قَالَ ورقة بن نَوْفَل لَئِن أدركني يَوْمك لأنصرنك نصرا مؤزرا ثمَّ أسأَل الله تَعَالَى الْعِصْمَة فِيمَا أَقُول عَن تعدِي الْحُدُود والإخلاد إِلَى الْهوى أَقُول مثل هَذَا وَلَا أعين الشَّخْص الْمَذْكُور بِعَيْنِه لَا يَخْلُو من أُمُور أَحدهَا أَن يكون ذَا سنّ تغير رَأْيه لسنه لَا بِمَعْنى أَنه اضْطربَ بل بِمَعْنى أَن السن إِذا كبر يجْتَهد صَاحبه للحق ثمَّ يَضَعهُ فِي غير موَاضعه مثلا يجْتَهد أَن إِنْكَار الْمُنكر وَاجِب وَهَذَا مُنكر وَصَاحبه قد راج على النَّاس فَيجب عَليّ تَعْرِيف النَّاس مَا راج عَلَيْهِم وتغيب عَلَيْهِ الْمَفَاسِد فِي ذَلِك فَمِنْهَا تخذيل الطّلبَة وهم مضطرون إِلَى محبَّة شيخهم ليأخذوا عَنهُ فَمَتَى تَغَيَّرت قُلُوبهم عَلَيْهِ وَرَأَوا فِيهِ نقصا حرمُوا فَوَائده الظَّاهِرَة والباطنة وَخيف عَلَيْهِم المقت من الله أَولا ثمَّ من الشَّيْخ ثَانِيًا الْمفْسدَة الثَّانِيَة إِذا شعر أهل الْبدع الَّذين نَحن وَشَيخنَا قائمون اللَّيْل وَالنَّهَار بِالْجِهَادِ والتوجه فِي وُجُوههم لنصرة الْحق أَن فِي أَصْحَابنَا

стр. 317

من ثلب رَئِيس الْقَوْم بِمثل هَذَا فَإِنَّهُم يتطرقون بذلك إِلَى الاشتفاءمن أهل الْحق ويجعلونه حجَّة لَهُم الْمفْسدَة الثَّالِثَة تعديد المثالب فِي مُقَابلَة مَا يستغرفها وَيزِيد عَلَيْهَا بأضعاف كَثِيرَة من المناقب فَإِن ذَلِك ظلم وَجَهل وَالْأَمر الثَّانِي من الْأُمُور الْمُوجبَة لذَلِك تغير حَاله وَقَلبه وَفَسَاد سلوكه بحسد كَانَ كامنا فِيهِ وَكَانَ يَكْتُمهُ بُرْهَة من الزَّمَان فَظهر ذَلِك الكمين فِي قالب صورته حق وَمَعْنَاهُ بَاطِل فصل وَفِي الْجُمْلَة أيدكم الله إِذا رَأَيْتُمْ طاعنا على صَاحبكُم فافتقدوه فِي عقله أَولا ثمَّ فِي فهمه ثمَّ فِي صدقه ثمَّ فِي سنه فَإِذا وجدْتُم الِاضْطِرَاب فِي عقله دلكم على جَهله بصاحبكم وَمَا يَقُول فِيهِ وَعنهُ وَمثله قلَّة الْفَهم وَمثله عدم الصدْق أَو قصوره لِأَن نُقْصَان الْفَهم يُؤَدِّي إِلَى نُقْصَان الصدْق بِحَسب مَا غَابَ عقله عَنهُ وَمثله الْعُلُوّ فِي السن فَإِنَّهُ يشيخ فِيهِ الرَّأْي وَالْعقل كَمَا تشيخ فِيهِ القوى الظَّاهِرَة الحسية فاتهموا مثل هَذَا الشَّخْص واحذروه وأعرضوا عَنهُ إِعْرَاض مداراة بِلَا جدل وَلَا خُصُومَة وَصفَة الامتحان بِصِحَّة إِدْرَاك الشَّخْص وعقله وفهمه أَن تسألوه

стр. 318

عَن مَسْأَلَة سلوكية أَو علمية فَإِذا أجَاب عَنْهَا فأوردوا على الْجَواب إشْكَالًا مُتَوَجها بتوجيه صَحِيح فَإِن رَأَيْتُمْ الرجل يروح يَمِينا وَشمَالًا وَيخرج عَن ذَلِك الْمَعْنى إِلَى معَان خَارِجَة وحكايات لَيست فِي الْمَعْنى حَتَّى ينسى رب الْمَسْأَلَة سُؤَاله حَيْثُ توهه عَنهُ بِكَلَام لَا فَائِدَة فِيهِ فَمثل هَذَا لَا تعتمدوا على طعنه وَلَا على مدحه فَإِنَّهُ نَاقص الْفطْرَة كثير الخيال لَا يثبت على تحري المدارك العلمية وَلَا تنكروا مثل إِنْكَار هَذَا فَإِنَّهُ اشْتهر قيام ذِي الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَوله لَهُ اعْدِلْ فَإنَّك لم تعدل إِن هَذِه قسْمَة لم يرد بهَا وَجه الله تَعَالَى أَو نَحْو ذَلِك فوقوع هَذَا وَأَمْثَاله من بعض معجزات الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ قَالَ لتركبن سنَن من كَانَ قبلكُمْ حَذْو القذة بالقذة وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَكِن لما كَانُوا منحرفين عَن نهج الصَّوَاب فَكَذَلِك يكون فِي هَذِه الْأمة من يحذو حَذْو كل منحرف وجد فِي الْعَالم مُتَقَدما كَانَ أَو مُتَأَخِّرًا حَذْو القذة بالقذة حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب لدخلوه يَا سُبْحَانَ الله الْعَظِيم أَيْن عقول هَؤُلَاءِ أعميت أَبْصَارهم وبصائرهم أَفلا يرَوْنَ مَا النَّاس فِيهِ من الْعَمى والحيرة فِي الزَّمَان المظلم المدلهم الَّذِي قد ملكت فِيهِ الْكفَّار مُعظم الدُّنْيَا وَقد بقيت هَذِه الخطة الضيقة

стр. 319

يشم الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا رَائِحَة الْإِسْلَام وَفِي هَذِه الخطة الضيقة من الظُّلُمَات من عُلَمَاء السوء والدعاة إِلَى الْبَاطِل وإقامته ودحض الْحق وَأَهله مَالا يحصر فِي كتاب ثمَّ إِن الله تَعَالَى قد رحم هَذِه الْأمة بِإِقَامَة رجل قوي الهمة ضَعِيف التَّرْكِيب قد فرق نَفسه وهمه فِي مصَالح الْعَالم وَإِصْلَاح فسادهم وَالْقِيَام بمهماتهم وحوائجحهم ضمن مَا هُوَ قَائِم بصدد الْبدع والضلالات وَتَحْصِيل مواد الْعلم النَّبَوِيّ الَّذِي يصلح بِهِ فَسَاد الْعَالم ويردهم إِلَى الدّين الأول الْعَتِيق جهد إِمْكَانه وَإِلَّا فَأَيْنَ حَقِيقَة الدّين الْعَتِيق فَهُوَ مَعَ هَذَا كُله قَائِم بجملة ذَلِك وَحده وَهُوَ مُنْفَرد بَين أهل زَمَانه قَلِيل ناصره كثير خاذله وحاسده والشامت فِيهِ فَمثل هَذَا الرجل فِي هَذَا الزَّمَان وقيامه بِهَذَا الْأَمر الْعَظِيم الخطير فِيهِ أيقال لَهُ لم يرد على الأحمدية لم لَا تعدل فِي الْقِسْمَة لم تدخل على الْأُمَرَاء لم تقرب زيدا وعمرا أَفلا يستحيي العَبْد من الله يذكر مثل هَذِه الجزئيات فِي مُقَابلَة هَذَا العبء الثقيل وَلَو حوقق الرجل على هَذِه الجزئيات وجد عِنْده نُصُوص صَحِيحَة ومقاصد صَحِيحَة ونيات صَحِيحَة تغيب عَن الضُّعَفَاء الْعُقُول بل عَن الكمل مِنْهُم حَتَّى يسمعوها أما رده على الطَّائِفَة الْفُلَانِيَّة أَيهَا المفرط التائه الَّذِي لَا يدْرِي

стр. 320

مَا يَقُول أفيقوم دين مُحَمَّد بن عبد الله الَّذِي أنزل من السَّمَاء إِلَّا بالطعن على هَؤُلَاءِ وَكَيف يظْهر الْحق إِن لم يخذل الْبَاطِل لَا يَقُول مثل هَذَا إِلَّا تائه أَو مسن أَو حَاسِد وَكَذَا الْقِسْمَة للرجل فِي ذَلِك اجْتِهَاد صَحِيح وَنظر إِلَى مصَالح تترتب على إِعْطَاء قوم دون قوم كَمَا خص الرَّسُول ﷺ الطُّلَقَاء بِمِائَة من الْإِبِل وَحرم الْأَنْصَار حَتَّى قَالَ مِنْهُم أحداثهم شَيْئا فِي ذَلِك لاذووا أحلامهم وفيهَا قَامَ ذُو الْخوَيْصِرَة فَقَالَ مَا قَالَ وَأما دُخُوله على الْأُمَرَاء فَلَو لم يكن كَيفَ كَانَ شم الْأُمَرَاء رَائِحَة الدّين الْعَتِيق الْخَاص وَلَو فتش المفتش لوجد هَذِه الْكَيْفِيَّة الَّتِي عِنْدهم من رَائِحَة الدّين وَمَعْرِفَة الْمُنَافِقين إِنَّمَا اقتبسوها من صَاحبكُم وَأما تقريب زيد وَعَمْرو فلمصلحة باطنة لَو فتش عَنْهَا مَعَ الْإِنْصَاف وجد هُنَالك مَا يرى أَن ذَلِك من الْمصلحَة ونفرض أَنَّك مُصِيب فِي ذَلِك إِذْ لَا نعتقد الْعِصْمَة إِلَّا فِي الْأَنْبِيَاء وَالْخَطَأ جَار على غَيرهم أيذكر مثل هَذَا الْخَطَأ فِي مُقَابلَة مَا تقدم من الْأُمُور الْعِظَام الجسام لَا يذكر مثل هَذَا فِي كراسة ويعددها ثمَّ يَدُور بهَا على وَاحِد وَاحِد كَأَنَّهُ يَقُول شَيْئا إِلَّا رجل يسْأَل الله الْعَافِيَة فِي عقله

стр. 321

وخاتمة الْخَيْر على عمله وَأَن يردهُ عَن انحرافه إِلَى نهج الصَّوَاب بِحَيْثُ لَا يبْقى معشره يعِيبهُ بِعِلْمِهِ وتصنيفه من أولى الْعُقُول والأحلام ونستغفر الله الْعَظِيم من الْخَطَأ والزلل فِي القَوْل وَالْعَمَل وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم هَذَا آخر الرسَالَة الَّتِي سَمَّاهَا مؤلفها (التَّذْكِرَة وَالِاعْتِبَار والانتصار للأبرار) فرحم الله من قَامَ بِحمْل الْإِصْرَار وَتَصْحِيح التَّوْبَة النصوح بالاستغفار إِلَى عَالم الْأَسْرَار نفع الله من وقف عَلَيْهَا وأصغى إِلَى مَا يفتح مِنْهَا ولديها آمين فَتَاوَى الشَّيْخ بِدِمَشْق وَبَعض اختياراته الَّتِي خَالف فِيهَا الْمذَاهب الْأَرْبَعَة أَو بَعْضهَا ثمَّ إِن الشَّيْخ ﵀ بعد وُصُوله من مصر إِلَى دمشق واستقراره بهَا لم يزل ملازما للاشتغال والإشغال وَنشر الْعلم وتصنيف الْكتب وإفتاء النَّاس بالْكلَام وَالْكِتَابَة المطولة وَغَيرهَا ونفع الْخلق وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَالِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة

стр. 322

فَفِي بعض الْأَحْكَام يُفْتِي بِمَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده من مُوَافقَة أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَفِي بَعْضهَا قد يُفْتِي بخلافهم أَو بِخِلَاف الْمَشْهُور من مذاهبهم وَمن اختياراته الَّتِي خالفهم فِيهَا أَو خَالف الْمَشْهُور من اقوالهم القَوْل بقصر الصَّلَاة فِي كل مَا يُسمى سفرا طَويلا كَانَ أَو قَصِيرا كَمَا هُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة وَقَول بعض الصَّحَابَة وَالْقَوْل بِأَن الْبكر لَا تستبرأ وَإِن كَانَت كَبِيرَة كَمَا هُوَ قَول ابْن عمر وَاخْتَارَهُ البُخَارِيّ صَاحب الصَّحِيح وَالْقَوْل بِأَن سُجُود التِّلَاوَة لَا يشْتَرط لَهُ وضوء كَمَا يشْتَرط للصَّلَاة كَمَا هُوَ مَذْهَب ابْن عمر وَاخْتِيَار البُخَارِيّ أَيْضا وَالْقَوْل بِأَن من أكل فِي شهر رَمَضَان مُعْتَقدًا أَنه ليل فَبَان نَهَارا لَا قَضَاء عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الصَّحِيح عَن عمر بن الْخطاب ﵁ وَإِلَيْهِ ذهب بعض التَّابِعين وَبَعض الْفُقَهَاء بعدهمْ وَالْقَوْل بِأَن الْمُتَمَتّع يَكْفِيهِ سعي وَاحِد بَين الصَّفَا والمروة كَمَا هُوَ فِي حق الْقَارِن والمفرد كَمَا هُوَ قَول ابْن عَبَّاس ﵄ وَرِوَايَة عَن الإِمَام بن حَنْبَل رَوَاهَا عَنهُ ابْنه عبد الله وَكثير من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد لَا يعرفونها

стр. 323

وَالْقَوْل بِجَوَاز الْمُسَابقَة بِلَا مُحَلل وَإِن خرج المتسابقان وَالْقَوْل باستبراء المختلعة بِحَيْضَة وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَة بِشُبْهَة والمطلقة آخر ثَلَاث تَطْلِيقَات وَالْقَوْل بِإِبَاحَة وَطْء الوثنيات بِملك الْيَمين وَالْقَوْل بِجَوَاز عقد الرِّدَاء فِي الْإِحْرَام وَلَا فديَة فِي ذَلِك وَجَوَاز طواف الْحَائِض وَلَا شَيْء عَلَيْهَا إِذا لم يُمكنهَا أَن تَطوف طَاهِرا وَالْقَوْل بِجَوَاز بيع الأَصْل بالعصير كالزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج وَالْقَوْل بِجَوَاز الْوضُوء بِكُل مَا يُسمى مَاء مُطلقًا كَانَ أَو مُقَيّدا وَالْقَوْل بِجَوَاز بيع مَا يتَّخذ من الْفضة للتحلي وَغَيره كالخاتم وَنَحْوه بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضلا وَجعل الزَّائِد من الثّمن فِي مُقَابلَة الصَّنْعَة وَالْقَوْل بِأَن الْمَائِع لَا ينجس بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ إِلَّا أَن يتَغَيَّر قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا وَالْقَوْل بِجَوَاز التَّيَمُّم لمن خَافَ فَوَات الْعِيد وَالْجُمُعَة بِاسْتِعْمَال المَاء وَالْقَوْل بِجَوَاز التَّيَمُّم فِي مَوَاضِع مَعْرُوفَة وَالْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي أَمَاكِن مَشْهُورَة وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام الْمَعْرُوفَة من أَقْوَاله

стр. 324

وَكَانَ يمِيل أخيرا لتوريث الْمُسلم من الْكَافِر الذِّمِّيّ وَله فِي ذَلِك مُصَنف وَبحث طَوِيل وَمن أَقْوَاله الْمَعْرُوفَة الْمَشْهُورَة الَّتِي جرى بِسَبَب الْإِفْتَاء بهَا محن وقلاقل قَوْله بالتكفير فِي الْحلف بِالطَّلَاق وَأَن الطَّلَاق الثَّلَاث لَا يَقع إِلَّا وَاحِدَة وَأَن الطَّلَاق الْمحرم لَا يَقع وَله فِي ذَلِك مصنفات ومؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا قَاعِدَة كَبِيرَة سَمَّاهَا تَحْقِيق الْفرْقَان بَين التَّطْلِيق وَالْإِيمَان نَحْو أَرْبَعِينَ كراسة وَقَاعِدَة سَمَّاهَا الْفرق الْمُبين بَين الطَّلَاق وَالْيَمِين بِقدر النّصْف من ذَلِك وَقَاعِدَة فِي أَن جَمِيع أَيْمَان الْمُسلمين مكفرة مُجَلد لطيف وَقَاعِدَة فِي تَقْرِير أَن الْحلف بِالطَّلَاق من الْأَيْمَان حَقِيقَة وَقَاعِدَة سَمَّاهَا التَّفْصِيل بَين التَّكْفِير والتحليل وَقَاعِدَة سَمَّاهَا اللمْعَة

стр. 325

وَغير ذَلِك من الْقَوَاعِد والأجوبة فِي ذَلِك لَا ينْحَصر وَلَا يَنْضَبِط وَله فِي ذَلِك جَوَاب اعْتِرَاض ورد عَلَيْهِ من الديار المصرية وَهُوَ جَوَاب طَوِيل فِي ثَلَاث مجلدات بِقطع نصف الْبَلَدِي وَكَانَ القَاضِي شمس الدّين بن مُسلم الْحَنْبَلِيّ ﵀ فِي يَوْم الْخَمِيس منتصف شهر ربيع الآخر من سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة قد اجْتمع بالشيخ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بترك الْإِفْتَاء فِي مَسْأَلَة الْحلف بِالطَّلَاق فَقبل الشَّيْخ إِشَارَته وَعرف نصيحته وَأجَاب إِلَى ذَلِك وَكَانَ قد اجْتمع إِلَى القَاضِي جمَاعَة من الْكِبَار حَتَّى فعل ذَلِك فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت مستهل جمادي الأولى من هَذِه السّنة ورد الْبَرِيد إِلَى دمشق وَمَعَهُ كتاب السُّلْطَان بِالْمَنْعِ من الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة الْحلف بِالطَّلَاق الَّتِي رَآهَا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية وَأفْتى فِيهَا وصنف فِيهَا وَالْأَمر بِعقد مجْلِس فِي ذَلِك فعقد يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث الشَّهْر الْمَذْكُور بدار السَّعَادَة وانفصل الْأَمر على مَا أَمر بِهِ السُّلْطَان وَنُودِيَ بذلك فِي الْبَلَد يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع الشَّهْر الْمَذْكُور ثمَّ إِن الشَّيْخ عَاد إِلَى الْإِفْتَاء بذلك وَقَالَ لَا يسعني كتمان الْعلم فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة

стр. 326

تسع عشرَة وَسَبْعمائة جمع الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء عِنْد نَائِب السلطنة بدار السَّعَادَة وقرىء عَلَيْهِم كتاب السُّلْطَان وَفِيه فصل يتَعَلَّق بالشيخ بِسَبَب الْفَتْوَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وأحضر وَعُوتِبَ على فتياه بعد الْمَنْع وأكد عَلَيْهِ فِي الْمَنْع من ذَلِك سجن الشَّيْخ بِسَبَب فتياه فِي الطَّلَاق فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بِمدَّة فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب من سنة عشْرين وَسَبْعمائة عقد مجْلِس بدار السَّعَادَة حَضَره النَّائِب والقضاة وَجَمَاعَة من الْمُفْتِينَ وَحضر الشَّيْخ وعاودوه فِي الْإِفْتَاء بِمَسْأَلَة الطَّلَاق وعاتبوه على ذَلِك وحبسوه بالقلعة فَبَقيَ فِيهَا خَمْسَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا ثمَّ ورد مرسوم السُّلْطَان بِإِخْرَاجِهِ فَأخْرج مِنْهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ يَوْم عَاشُورَاء من سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة وَتوجه إِلَى دَاره ثمَّ لم يزل بعد ذَلِك يعلم النَّاس ويلقي الدَّرْس بالحنبلية أَحْيَانًا وَيقْرَأ عَلَيْهِ فِي مدرسته بالقصاصين فِي أَنْوَاع من الْعلم وَكنت أتردد إِلَيْهِ فِي هَذِه الْمدَّة احيانا وقرأت عَلَيْهِ قِطْعَة من

стр. 327

الْأَرْبَعين للرازي وَشَرحهَا لي وَكتب لي على بَعْضهَا شَيْئا وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمدَّة من كتبه وَهُوَ يصلح فِيهَا وَيزِيد وَينْقص وَلَقَد حضرت مَعَه يَوْمًا فِي بُسْتَان الْأَمِير فَخر الدّين بن الشَّمْس لُؤْلُؤ وَكَانَ قد عمل وَلِيمَة وقرأت على الشَّيْخ فِي ذَلِك الْيَوْم أَرْبَعِينَ حَدِيثا وَكتب بعض الْجَمَاعَة أَسمَاء الْحَاضِرين وَأخذ الشَّيْخ بعد ذَلِك فِي الْكَلَام فِي أَنْوَاع الْعُلُوم فنهت الْحَاضِرُونَ لكَلَامه وَاشْتَغلُوا بذلك عَن الْأكل وَمِمَّا حفظت من كَلَامه فِي الْمجْلس قَوْله يَقُول الله تَعَالَى فِي بعض الْكتب أهل ذكري أهل مشاهدتي وَأهل شكري أهل زيارتي وَأهل طَاعَتي أهل كَرَامَتِي وَأهل معصيتي لَا أؤيسهم من رَحْمَتي إِن تَابُوا فَأَنا حبيبهم وَإِن لم يتوبوا فَأَنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب وَحصل فِي ذَلِك الْمجْلس خير كثير وَكَانَ فِيهِ غير وَاحِد من الْمَشَايِخ وَاسْتمرّ الشَّيْخ بعذ ذَلِك على عَادَته الْكَلَام على شدّ الرّحال إِلَى الْقُبُور فَلَمَّا كَانَ فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَقع الْكَلَام فِي مَسْأَلَة شدّ

стр. 328

الرّحال وإعمال الْمطِي إِلَى قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وظفروا للشَّيْخ بِجَوَاب سُؤال فِي ذَلِك كَانَ قد كتبه من سِنِين كَثِيرَة يتَضَمَّن حِكَايَة قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة وَحجَّة كل قَول مِنْهُمَا وَكَانَ للشَّيْخ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَلَام مُتَقَدم أقدم من الْجَواب الْمَذْكُور بِكَثِير ذكره فِي كتاب اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَغَيره وَفِيه مَا هُوَ أبلغ من هَذَا الْجَواب الَّذِي ظفروا بِهِ وَكثر الْكَلَام والقيل والقال بِسَبَب العثور على الْجَواب الْمَذْكُور وَعظم التشنيع على الشَّيْخ وحرف عَلَيْهِ وَنقل عَنهُ مَا لم يقلهُ وَحصل فتْنَة طَار شررها فِي الْآفَاق وَاشْتَدَّ الْأَمر وَخيف على الشَّيْخ من كيد القائمين فِي هَذِه الْقَضِيَّة بالديار المصرية والشامية وَكثر الدُّعَاء والتضرع والابتهال إِلَى الله تَعَالَى وَضعف من أَصْحَاب الشَّيْخ من كَانَ عِنْده قُوَّة وَجبن مِنْهُم من كَانَت لَهُ همة وَأما الشَّيْخ ﵀ فَكَانَ ثَابت الجأش قوي الْقلب وَظهر صدق توكله واعتماده على ربه وَلَقَد اجْتمع جمَاعَة معروفون بِدِمَشْق وضربوا مشورة فِي حق الشَّيْخ فَقَالَ أحدهم ينفى فنفي الْقَائِل وَقَالَ آخر يقطع لِسَانه فَقطع لِسَان الْقَائِل

стр. 329

وَقَالَ آخر يُعَزّر فعزر الْقَائِل وَقَالَ آخر يحبس فحبس الْقَائِل أَخْبرنِي بذلك من حضر هَذِه المشورة وَهُوَ كَارِه لَهَا وَاجْتمعَ جمَاعَة آخَرُونَ بِمصْر وَقَامُوا فِي هَذِه الْقَضِيَّة قيَاما عَظِيما واجتمعوا بالسلطان وَأَجْمعُوا أَمرهم على قتل الشَّيْخ فَلم يوافقهم السُّلْطَان على ذَلِك أَمر السُّلْطَان بِحَبْس الشَّيْخ بقلعة دمشق وَلما كَانَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ بعد الْعَصْر السَّادِس من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة حضر إِلَى الشَّيْخ من جِهَة نَائِب السلطنة بِدِمَشْق مشد الْأَوْقَاف وَابْن خطير أحد الْحجاب وأخبراه أَن مرسوم السُّلْطَان ورد بِأَن يكون فِي القلعة وأحضرا مَعَهُمَا مركوبا فأظهر الشَّيْخ السرُور بذلك وَقَالَ أَنا كنت منتظرا ذَلِك وَهَذَا فِيهِ خير عَظِيم وركبوا جَمِيعًا من دَاره إِلَى بَاب القلعة وأخليت لَهُ قاعة حَسَنَة

стр. 330

وأجرى إِلَيْهَا المَاء ورسم لَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهَا وَأقَام مَعَه أَخُوهُ زين الدّين يَخْدمه بِإِذن السُّلْطَان ورسم لَهُ بِمَا يقوم بكفايته وَفِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر الشَّهْر الْمَذْكُور قرىء بِجَامِع دمشق الْكتاب السلطاني الْوَارِد بذلك وبمنعه من الْفتيا وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء منتصف شعْبَان أَمر القَاضِي الشَّافِعِي بِحَبْس جمَاعَة من اصحاب الشَّيْخ بسجن الحكم وَذَلِكَ بمرسوم النَّائِب وإذنه لَهُ فِي فعل مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْع فِي أَمرهم وأوذي جمَاعَة من أَصْحَابه واختفى آخَرُونَ وعزر جمَاعَة وَنُودِيَ عَلَيْهِم ثمَّ أطْلقُوا سوى الإِمَام شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر إِمَام الجوزية فَإِنَّهُ حبس بالقلعة وسكنت الْقَضِيَّة وَهَذَا صُورَة الْفتيا وموافقة البغاددة لَهُ وَغَيرهم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين وصلواته وَسَلَامه على مُحَمَّد وَآله أما بعد فَهَذِهِ فتيا أفتى بهَا الشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية رَضِي الله عَنهُ

стр. 331

ثمَّ بعد مُدَّة نَحْو سبع عشرَة سنة أنكرها بعض النَّاس وشنع بهَا جمَاعَة عِنْد بعض وُلَاة الْأُمُور وَذكرت بعبارات شنيعة ففهم مِنْهَا جمَاعَة غير مَا هِيَ عَلَيْهِ وانضم إِلَى الْإِنْكَار والشناعة وَتغَير الْأَلْفَاظ أُمُور أوجب ذَلِك كُله مُكَاتبَة السُّلْطَان سُلْطَان الْإِسْلَام بِمصْر أيده الله تَعَالَى فَجمع قُضَاة بَلَده ثمَّ اقْتضى الرَّأْي حَبسه فحبس بقلعة دمشق المحروسة بِكِتَاب ورد سَابِع شعْبَان الْمُبَارك سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَفِي ذَلِك كُله لم يحضر الشَّيْخ الْمَذْكُور بِمَجْلِس حكم وَلَا وقف على خطه الَّذِي أنكر وَلَا ادعِي عَلَيْهِ بِشَيْء فَكتب بعض الغرباء من بَلَده هَذِه الْفتيا وأوقف عَلَيْهَا بعض عُلَمَاء بَغْدَاد فَكَتَبُوا عَلَيْهَا بعد تأملها وَقِرَاءَة ألفاظها وَسُئِلَ بعض مالكية دمشق عَنْهَا فَكَتَبُوا كَذَلِك وبلغنا أَن بِمصْر من وقف عَلَيْهَا فَوَافَقَ ونبدأ الْآن بِذكر السُّؤَال الَّذِي كتب عَلَيْهِ أهل بَغْدَاد وبذكر الْفتيا وَجَوَاب الشَّيْخ الْمَذْكُور عَلَيْهَا وَجَوَاب الْفُقَهَاء بعده وَهَذِه صُورَة السُّؤَال والأجوبة الْمَسْئُول من إنعام السَّادة الْعلمَاء والهداة الْفُضَلَاء أَئِمَّة الدّين وَهُدَاة الْمُسلمين وفقهم الله لمرضاته وأدام بهم الْهِدَايَة أَن ينعموا ويتأملوا

стр. 332

الْفَتْوَى وجوابها الْمُتَّصِل بِهَذَا السُّؤَال الْمَنْسُوخ عقبه وَصُورَة ذَلِك مَا يَقُول السَّادة الْعلمَاء أَئِمَّة الدّين نفع الله بهم الْمُسلمين فِي رجل نوى السّفر إِلَى زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ مثل نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَغَيره فَهَل يجوز لَهُ فِي سَفَره أَن يقصر الصَّلَاة وَهل هَذِه الزِّيَارَة شَرْعِيَّة أم لَا وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حج وَلم يزرني فقد جفاني وَمن زارني بعد موتِي كمن زارني فِي حَياتِي وَقد رُوِيَ عَنهُ ﷺ أَيْضا أَنه قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام ومسجدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى افتونا مَأْجُورِينَ رحمكم الله الْجَواب الْحَمد لله رب الْعَالمين أما من سَافر لمُجَرّد زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَهَل يجوز لَهُ قصر الصَّلَاة على قَوْلَيْنِ معروفين أَحدهمَا وَهُوَ قَول مُتَقَدِّمي الْعلمَاء الَّذين لَا يجوزون الْقصر فِي سفر الْمعْصِيَة كَأبي عبد الله بن بطة وَأبي الْوَفَاء بن عقيل وَطَوَائِف كَثِيرَة

стр. 333

من الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين أَنه لَا يجوز الْقصر فِي مثل هَذَا السّفر لِأَنَّهُ سفر منهى عَنهُ وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَن السّفر المنهى عَنهُ فِي الشَّرِيعَة لَا يقصر فِيهِ وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه يقصر وَهَذَا يَقُوله من يجوز الْقصر فِي السّفر الْمحرم كَأبي حنيفَة ويقوله بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْمَدْ مِمَّن يجوز السّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ كَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَأبي الْحسن ابْن عَبدُوس الْحَرَّانِي وَأبي مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن هَذَا السّفر لَيْسَ بِمحرم لعُمُوم قَوْله ﷺ زوروا الْقُبُور وَقد يحْتَج بعض من لَا يعرف الحَدِيث بالأحاديث المروية فِي زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ كَقَوْلِه من زارني بعد مماتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأما مَا ذكره بعض النَّاس من قَوْله من حج وَلم يزرني فقد جفاني فَهَذَا لم يروه أحد من الْعلمَاء وَهُوَ مثل قَوْله من زارني وزار أبي إِبْرَاهِيم فِي عَام وَاحِد ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة فَإِن هَذَا أَيْضا بِاتِّفَاق الْعلمَاء لم يروه أحد وَلم يحْتَج بِهِ أحد وَإِنَّمَا يحْتَج بَعضهم بِحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ وَنَحْوه

стр. 334

وَقد احْتج أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي على جَوَاز السّفر لزيارة الْقُبُور بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يزور مَسْجِد قبَاء وَأجَاب عَن حَدِيث لَا تشد الرّحال بِأَن ذَلِك مَحْمُول على نفي الِاسْتِحْبَاب وَأما الْأَولونَ فَإِنَّهُم يحتجون بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام ومسجدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهَذَا الحَدِيث مِمَّا اتّفق الْأَئِمَّة على صِحَّته وَالْعَمَل بِهِ فَلَو نذر أَن يشد الرحل ليُصَلِّي بِمَسْجِد أَو مشْهد أَو يعْتَكف فِيهِ ويسافر إِلَيْهِ غير هَذِه الثَّلَاثَة لم يجب عَلَيْهِ ذَلِك بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة وَلَو نذر أَن يُسَافر وَيَأْتِي الْمَسْجِد الْحَرَام لحج أَو عمْرَة وَجب عَلَيْهِ ذَلِك بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَلَو نذر أَن يَأْتِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ أَو الْمَسْجِد الْأَقْصَى لصَلَاة أَو اعْتِكَاف وَجب عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهَذَا النّذر عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه وَأحمد وَلم يجب عَلَيْهِ عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَا يجب عِنْده بِالنذرِ إِلَّا مَا كَانَ جنسه وَاجِبا بِالشَّرْعِ أما الْجُمْهُور فيوجبون الْوَفَاء بِكُل طَاعَة كَمَا ثَبت فِي صَحِيح

стр. 335

البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من نذر أَن يُطِيع الله فليطعه وَمن نذر أَن يَعْصِي الله فَلَا يَعْصِهِ وَالسّفر إِلَى المسجدين طَاعَة فَلهَذَا وَجب الْوَفَاء بِهِ وَأما السّفر إِلَى بقْعَة غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة فَلم يُوجب اُحْدُ من الْعلمَاء السّفر غليه إِذا نَذره حَتَّى نَص الْعلمَاء على أَنه لَا يُسَافر إِلَى مسسجد قبَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة مَعَ أَن مَسْجِد قبَاء يسْتَحبّ زيارته لمن كَانَ فِي الْمَدِينَة لِأَن ذَلِك لَيْسَ بشد رَحل كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح من تطهر فِي بَيته ثمَّ أَتَى مَسْجِد قبَاء لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِيهِ كَانَ كعمرة قَالُوا وَلِأَن السّفر إِلَى زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ بِدعَة لم يَفْعَلهَا أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا أَمر بهَا رَسُول الله ﷺ وَلَا اسْتحبَّ ذَلِك أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين فَمن اعْتقد ذَلِك عبَادَة وَفعله فَهُوَ مُخَالف للسّنة ولإجماع الْأَئِمَّة وَهَذَا مَا ذكره أَبُو عبد الله بن بطة فِي الْإِبَانَة الصُّغْرَى من الْبدع الْمُخَالفَة للسّنة وَالْإِجْمَاع وَبِهَذَا يظْهر بطلَان حجَّة أبي مُحَمَّد الْمَقْدِسِي لِأَن زِيَارَة النَّبِي ﷺ لمَسْجِد قبَاء لم تكن بشد رَحل وَلِأَن السّفر إِلَيْهِ لَا يجب بِالنذرِ

стр. 336

وَقَوله بِأَن الحَدِيث الَّذِي مضمونه لَا تشد الرّحال مَحْمُول على نفي الِاسْتِحْبَاب يُجَاب عَنهُ بِوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن هَذَا إِن سلم فِيهِ أَن هَذَا السّفر لَيْسَ بِعَمَل صَالح وَلَا قربَة وَلَا طَاعَة وَلَا هُوَ من الْحَسَنَات فَإِذا من اعْتقد أَن السّفر لزيارة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ قربَة وَعبادَة وَطَاعَة فقد خَالف الْإِجْمَاع وَإِذا سَافر لاعتقاد أَن ذَلِك طَاعَة كَانَ ذَلِك محرما بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَصَارَ التَّحْرِيم من جِهَة اتِّخَاذه قربَة وَمَعْلُوم أَن أحدا لَا يُسَافر إِلَيْهَا إِلَّا لذَلِك وَأما إِذا نذر الرجل أَن يُسَافر إِلَيْهَا لغَرَض مُبَاح فَهَذَا جَائِز وَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب الْوَجْه الثَّانِي أَن هَذَا الحَدِيث يَقْتَضِي النَّهْي وَالنَّهْي يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَمَا ذَكرُوهُ من الْأَحَادِيث فِي زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ فَكلهَا ضَعِيفَة بِاتِّفَاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ بل هِيَ مَوْضُوعَة لم يرو أحد من أهل السّنَن الْمُعْتَمدَة شَيْئا مِنْهَا وَلم يحْتَج أحد من الْأَئِمَّة بِشَيْء مِنْهَا بل مَالك إِمَام أهل الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة الَّذين هم أعلم النَّاس بِحكم هَذِه الْمَسْأَلَة كره أَن يَقُول الرجل زرت قبر النَّبِي ﷺ وَلَو كَانَ هَذَا اللَّفْظ مَعْرُوفا عِنْدهم أَو مَشْرُوعا أَو مأثورا عَن النَّبِي ﷺ لم يكرههُ عَالم أهل الْمَدِينَة وَالْإِمَام أَحْمد أعلم النَّاس فِي زَمَانه بِالسنةِ لما سُئِلَ عَن ذَلِك لم

стр. 337

يكن عِنْده مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي ذَلِك من الْأَحَادِيث إِلَّا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من رجل يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇ وعَلى هَذَا اعْتمد أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَكَذَلِكَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ رُوِيَ عَن عبد الله بن عمر أَنه كَانَ إِذا دخل الْمَسْجِد قَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا بكر السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَت ثمَّ ينْصَرف وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لاتتخذوا قَبْرِي عيدا وصلوا عَليّ فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُمَا كُنْتُم وَفِي سنَن سعيد بن مَنْصُور أَن عبد الله بن حسن بن حسن بن عَليّ بن أبي طَالب رأى رجلا يخْتَلف إِلَى قبر النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عيدا وصلوا عَليّ فَإِن صَلَاتكُمْ حَيْثُمَا كُنْتُم تبلغني فَمَا أَنْت وَرجل بالأندلس مِنْهُ إِلَّا سَوَاء وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي مرض مَوته لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد

стр. 338

يحذر مَا فعلوا وَلَوْلَا ذَلِك لابرز قَبره وَلَكِن كره أَن يتَّخذ مَسْجِدا وهم دفنوه ﷺ فِي حجرَة عَائِشَة ﵂ خلاف مَا اعتادوه من الدّفن فِي الصَّحرَاء لِئَلَّا يُصَلِّي أحد عِنْد قَبره ويتخذه مَسْجِدا فيتخذ قَبره وثنا وَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون لما كَانَت الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة مُنْفَصِلَة عَن الْمَسْجِد إِلَى زمن الْوَلِيد بن عبد الملك لَا يدْخل أحد إِلَيْهِ لَا لصَلَاة هُنَاكَ وَلَا تمسح بالقبر وَلَا دُعَاء هُنَاكَ بل هَذَا جَمِيعه إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِد وَكَانَ السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِذا سلمُوا على النَّبِي ﷺ وَأَرَادُوا الدُّعَاء دعوا مستقبلي الْقبْلَة وَلم يستقبلوا الْقَبْر وَأما الْوُقُوف للسلام عَلَيْهِ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فَقَالَ أَبُو حنيفَة يسْتَقْبل الْقبْلَة أَيْضا وَلَا يسْتَقْبل الْقَبْر وَقَالَ أَكثر الْأَئِمَّة يسْتَقْبل الْقَبْر عِنْد الدُّعَاء وَلَيْسَ فِي ذَلِك إِلَّا حِكَايَة مكذوبة تروى عَن مَالك ومذهبه بِخِلَافِهَا وَاتفقَ الْأَئِمَّة على أَنه لَا يمس قبر النَّبِي ﷺ وَلَا يقبله

стр. 339

وَهَذَا كُله مُحَافظَة على التَّوْحِيد فَإِن من أصُول الشّرك بِاللَّه اتِّخَاذ الْقُبُور مَسَاجِد كَمَا قَالَ طَائِفَة من السّلف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَا تذرن آلِهَتكُم وَلَا تذرن ودا وَلَا سواعا وَلَا يَغُوث ويعوق ونسرا﴾ قَالُوا هَؤُلَاءِ كَانُوا قوما صالحين فِي قوم نوح فَلَمَّا مَاتُوا عكفوا على قُبُورهم ثمَّ صوروا على صورهم تماثيل ثمَّ طَال عَلَيْهِم الأمد فعبدوها وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه هَذَا الْمَعْنى عَن ابْن عَبَّاس وَذكره مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيره فِي التَّفْسِير عَن غير وَاحِد من السّلف وَذكره وثيمة وَغَيره فِي قصَص الْأَنْبِيَاء من عدَّة طرق وَقد بسطت الْكَلَام على أصُول هَذِه الْمسَائِل فِي غير هَذَا الْموضع وَأول من وضع هَذِه الْأَحَادِيث فِي السّفر لزيارة الْمشَاهد الَّتِي على الْقُبُور أهل الْبدع من الرافضة وَنَحْوهم الَّذين يعطلون الْمَسَاجِد ويعظمون الْمشَاهد يدعونَ بيُوت الله الَّتِي أَمر الله أَن يذكر فِيهَا اسْمه ويعبد

стр. 340

وَحده لَا شريك لَهُ ويعظمون الْمشَاهد الَّتِي يُشْرك فِيهَا ويكذب ويبتدع فِيهَا دين لم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا فَإِن الْكتاب وَالسّنة إِنَّمَا فيهمَا ذكر الْمَسَاجِد دون الْمشَاهد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد وادعوه مُخلصين لَهُ الدّين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن أظلم مِمَّن منع مَسَاجِد الله أَن يذكر فِيهَا اسْمه وسعى فِي خرابها﴾ وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيح أَنه كَانَ يَقُول إِن من كَانَ قبلكُمْ كَانُوا يتخذون الْقُبُور مَسَاجِد أَلا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد فَإِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك هَذَا آخر مَا أجَاب بِهِ شيخ الْإِسْلَام وَالله أعلم وَله من الْكَلَام فِي مثل هَذَا كثير كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْجَواب وَلما ظفروا فِي دمشق بِهَذَا الْجَواب كتبوه وبعثوا بِهِ إِلَى الديار المصرية وَكتب عَلَيْهِ قَاضِي الشَّافِعِيَّة

стр. 341

قابلت الْجَواب عَن هَذَا السُّؤَال الْمَكْتُوب على خطّ ابْن تَيْمِية فصح إِلَى أَن قَالَ وَإِنَّمَا المحرف جعله زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ وقبور الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم مَعْصِيّة بِالْإِجْمَاع مَقْطُوع بهَا هَذَا كَلَامه فَانْظُر إِلَى هَذَا التحريف على شيخ الْإِسْلَام وَالْجَوَاب لَيْسَ فِيهِ الْمَنْع من زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ قَوْلَيْنِ فِي شدّ الرحل وَالسّفر إِلَى مُجَرّد زِيَارَة الْقُبُور وزيارة الْقُبُور من غير شدّ رَحل إِلَيْهَا مَسْأَلَة وَشد الرحل لمُجَرّد الزِّيَارَة مَسْأَلَة أُخْرَى وَالشَّيْخ لَا يمْنَع الزِّيَارَة الخالية عَن شدّ رَحل بل يستحبها وَينْدب إِلَيْهَا وَكتبه ومناسكه تشهد بذلك وَلم يتَعَرَّض الشَّيْخ إِلَى هَذِه الزِّيَارَة فِي الْفتيا وَلَا قَالَ إِنَّهَا مَعْصِيّة وَلَا حكى الْإِجْمَاع على الْمَنْع مِنْهَا وَالله لَا تخفى عَلَيْهِ خافية وَلما وصل خطّ القَاضِي الْمَذْكُور إِلَى الديار المصرية كثر الْكَلَام وعظمت الْفِتْنَة وَطلب الْقُضَاة بهَا فَاجْتمعُوا وَتَكَلَّمُوا وَأَشَارَ بَعضهم بِحَبْس الشَّيْخ فرسم السُّلْطَان بِهِ وَجرى مَا تقدم ذكره ثمَّ جرى بعد ذَلِك أُمُور على القائمين فِي هَذِه الْقَضِيَّة لَا يُمكن ذكرهَا فِي هَذَا الْموضع

стр. 342

انتصار عُلَمَاء بَغْدَاد للشَّيْخ فِي مَسْأَلَة شدّ الرّحال للقبور وَقد وصل مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى عُلَمَاء بَغْدَاد فَقَامُوا فِي الِانْتِصَار لَهُ وَكَتَبُوا بموافقته وَرَأَيْت خطوطهم بذلك وَهَذَا صُورَة مَا كتبُوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يَقُول العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى بعد حمد الله السابغة نعمه السَّابِقَة مننه وَالصَّلَاة على أشرف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ مُحَمَّد ﷺ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ إِنَّه حَيْثُ قد من الله تَعَالَى على عباده وتفضل برحمته على بِلَاده بِأَن وسد أُمُور الْأمة المحمدية وَأسْندَ أزمة الْملَّة الحنيفية إِلَى من خصصه الله تَعَالَى بِأَفْضَل الكمالات النفسانية وخصص بأكمل السعادات الروحانية محيي سنَن الْعدْل ومبدي سنَن الْفضل المعتصم بِحَبل الله المتَوَكل على الله المكفتي بنعم الله الْقَائِم بأوامر الله المستظهر بِقُوَّة الله المستضيء بِنور الله أعز الله سُلْطَانه وَأَعْلَى على سَائِر الْمُلُوك شَأْنه وَلَا زَالَت رِقَاب الْأُمَم خاضعة لأوامره وأعناق الْعباد طَائِعَة لمراسمه وَلَا زَالَ موَالِي دولته بِطَاعَتِهِ مجبورا ومعادي صولته بخزيه مذموما مَدْحُورًا

стр. 343

فالمرجو من ألطاف الحضرة المقدسة زَادهَا الله تَعَالَى علوا وشرفا أَن يكون للْعُلَمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وصفوة الأصفياء وعماد الدّين ومدار أهل الْيَقِين حَظّ من الْعِنَايَة السُّلْطَانِيَّة وافر وَنصِيب من الرَّحْمَة والشفقة فَإِنَّهَا منقبة لَا يعادلها فَضِيلَة وحسنة لَا يحيطها سَيِّئَة لِأَنَّهَا حَقِيقَة التَّعْظِيم لأمر الله تَعَالَى وخلاصة الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى وَلَا ريب أَن الْمَمْلُوك وقف على مَا سُئِلَ عَنهُ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة وحيد دهره وفريد عصره تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية وَمَا أجَاب بِهِ فَوَجَدته خُلَاصَة مَا قَالَه الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب حسب مَا اقْتَضَاهُ الْحَال من نَقله الصَّحِيح وَمَا أدّى إِلَيْهِ الْبَحْث من الْإِلْزَام والالتزام لَا يداخله تحامل وَلَا يَعْتَرِيه تجاهل وَلَيْسَ فِيهِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه مَا يَقْتَضِي الإزراء والتنقيص بِمَنْزِلَة الرَّسُول ﷺ وَكَيف يجوز للْعُلَمَاء أَن يحملهم العصبية أَن يتفوهوا بالإزراء والتنقيص فِي حق الرَّسُول ﷺ وَهل يجوز أَن يتَصَوَّر مُتَصَوّر أَن زِيَارَة قَبره ﷺ تزيد فِي قدره وَهل تَركهَا مِمَّا ينقص من تَعْظِيمه حاشا للرسول من ذَلِك

стр. 344

نعم لَو ذكر ذَلِك ذَاكر ابْتِدَاء وَكَانَ هُنَاكَ قَرَائِن تدل على الإزراء والتنقيص أمكن حمله على ذَلِك مَعَ أَنه كَانَ يكون كِنَايَة لَا صَرِيحًا فَكيف وَقد قَالَه فِي معرض السُّؤَال وَطَرِيق الْبَحْث والجدل مَعَ أَن الْمَفْهُوم من كَلَام الْعلمَاء وأنظار الْعُقَلَاء أَن الزِّيَارَة لَيست عبَادَة وَطَاعَة لمجردها حَتَّى لَو حلف أَنه يَأْتِي بِعبَادة أَو طَاعَة لم يبر بهَا لَكِن القَاضِي ابْن كج من متأخري أَصْحَابنَا ذكر أَن نذر هَذِه الزِّيَارَة عِنْده قربَة تلْزم ناذرها وَهُوَ مُنْفَرد بِهِ لَا يساعده فِي ذَلِك نقل صَرِيح وَلَا قِيَاس صَحِيح وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ مُطلق الْخَبَر النَّبَوِيّ فِي قَوْله ﷺ لَا تشد الرّحال إِلَى آخِره أَنه لَا يجوز شدّ الرّحال إِلَى غير مَا ذكر أَو وُجُوبه أَو ند بَيته فَإِن فعله كَانَ مُخَالفا لصريح النَّهْي وَمُخَالفَة النَّهْي مَعْصِيّة إِمَّا كفر أَو غَيره على قدر المنهى عَنهُ ووجوبه وتحريمه وَصفَة النَّهْي والزيارة أخص من وَجه فالزيارة بِغَيْر شدّ غير مَنْهِيّ عَنْهَا وَمَعَ الشد مَنْهِيّ عَنْهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين على الْوَجْه الْمَذْكُور الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لم يسْتَحق عَلَيْهِ عقَابا وَلَا يُوجب عتابا

стр. 345

والمراحم السُّلْطَانِيَّة أَحْرَى بالتوسعة وَالنَّظَر بِعَين الرأفة وَالرَّحْمَة إِلَيْهِ وللآراء الملكية علو الْمَزِيد حَرَّره ابْن الكتبي الشَّافِعِي حامدا لله على نعمه اه جَوَاب الله الْمُوفق مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ الْأَجَل الأوحد بَقِيَّة السّلف وقدوة الْخلف رَئِيس الْمُحَقِّقين وخلاصة المدققين تَقِيّ الْملَّة وَالْحق وَالدّين من الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة صَحِيح مَنْقُول فِي غير مَا كتاب من كتب أهل الْعلم لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي ذَلِك إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِك ثلب لرَسُول الله ﷺ وَلَا غض من قدره ﷺ وَقد نَص الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فِي كتبه على تَحْرِيم السّفر لزيارة الْقُبُور وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي الإِمَام عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض فِي إكماله وَهُوَ من أفضل الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا

стр. 346

وَمن الْمُدَوَّنَة وَمن قَالَ على الْمَشْي إِلَى الْمَدِينَة أَو بَين الْمُقَدّس فَلَا يأتيهما أصلا إِلَّا أَن يُرِيد الصَّلَاة فِي مسجديهما فليأتهما فَلم يَجْعَل نذر زِيَارَة قَبره ﷺ طَاعَة يجب الْوَفَاء بهَا إِذْ من أصلنَا أَن من نذر طَاعَة لزمَه الْوَفَاء بهَا كَانَ من جِنْسهَا مَا هُوَ وَاجِب بِالشَّرْعِ كَمَا هُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَو لم يكن

стр. 347

قَالَ القَاضِي أَبُو اسحق اسمعيل بن اسحق عقيب هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَوْلَا الصَّلَاة فيهمَا لما لزمَه إتيانهما وَلَو كَانَ نذر زِيَارَة طَاعَة لما لزمَه ذَلِك وَقد ذكر ذَلِك القيرواني فِي تقريبه وَالشَّيْخ ابْن سِيرِين فِي تنبيهه وَفِي الْمَبْسُوط قَالَ مَالك وَمن نذر الْمَشْي إِلَى مَسْجِد من الْمَسَاجِد ليُصَلِّي فِيهِ قَالَ فَإِنِّي أكره ذَلِك لَهُ لقَوْله ﷺ لاتعمل الْمطِي إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد بَيت الْمُقَدّس ومسجدي هَذَا وروى مُحَمَّد بن الْمَوَّاز فِي الْمُوازِية إِلَّا أَن يكون قَرِيبا فَيلْزمهُ الْوَفَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بشد رَحل وَقد قَالَ الشَّيْخ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي كِتَابه التَّمْهِيد يحرم على الْمُسلمين أَن يتخذوا قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِد وَحَيْثُ تقرر هَذَا فَلَا يجوز أَن ينْسب من أجَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَنَّهُ سفر مَنْهِيّ عَنهُ إِلَى الْكفْر فَمن كفره بذلك من غير مُوجب فَإِن كَانَ مستبيحا ذَلِك فَهُوَ كَافِر وَإِلَّا فَهُوَ فَاسق قَالَ الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْمَازرِيّ فِي كتاب الْمعلم من كفر أحدا من أهل الْقبْلَة فَإِن كَانَ مستبيحا ذَلِك فقد كفر وَإِلَّا فَهُوَ فَاسق يجب على الْحَاكِم إِذا رفع أمره إِلَيْهِ أَن يؤدبه ويعزره بِمَا يكون رادعا لأمثاله فَإِن ترك مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَهُوَ آثم وَالله تَعَالَى أعلم أه

стр. 348

كتبه مُحَمَّد بن عبد الرحمن الْبَغْدَادِيّ الْخَادِم للطائفة الْمَالِكِيَّة بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَة المستنصرية رَحْمَة الله على منشئها أجَاب غَيره فَقَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله الطاهرين مَا ذكره مَوْلَانَا الإِمَام الْعَالم الْعَامِل جَامع الْفَضَائِل والفوائد بَحر الْعُلُوم ومنشأ الْفضل جمال الدّين كَاتب خطه أَمَام خطى هَذَا جمل الله بِهِ الْإِسْلَام وأسبغ عَلَيْهِ سوابغ الْأَنْعَام أَتَى فِيهِ بِالْحَقِّ الْجَلِيّ الْوَاضِح وَأعْرض فِيهِ عَن إغضاء الْمَشَايِخ إِذْ السُّؤَال وَالْجَوَاب اللَّذَان تقدماه لَا يخفى على ذِي فطنة وعقل أَنه أَتَى فِي الْجَواب المطابق للسؤال بحكاية أَقْوَال الْعلمَاء الَّذين تقدموه وَلم يبْق عَلَيْهِ فِي ذَلِك إِلَّا أَن يَعْتَرِضهُ معترض فِي نَقله فيبرزه لَهُ من كتب الْعلمَاء الَّذين حكى أَقْوَالهم والمعترض لَهُ بالتشنيع إِمَّا جَاهِل لَا يعلم مَا يَقُول أَو متجاهل يحملهُ حسده وحمية الْجَاهِلِيَّة على رد مَا هُوَ عِنْد الْعلمَاء مَقْبُول أعاذنا الله تَعَالَى من غوائل الْحَسَد وعصمنا من مخائل النكد بِمُحَمد وَآله الطيبين الطاهرين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين كتبه الْفَقِير إِلَى عَفْو ربه ورضوانه عبد المؤمن بن عبد الحق الْخَطِيب غفر الله لَهُ وللمسلمين أَجْمَعِينَ

стр. 349

وَأجَاب غَيره فَقَالَ بعد حمد الله الَّذِي هُوَ فاتح كل كَلَام وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله مُحَمَّد خير الْأَنَام وعَلى آله وَأَصْحَابه البررة الْكِرَام أَعْلَام الْهدى ومصابيح الظلام يَقُول أفقر عباد الله وأحوجهم إِلَى عَفوه مَا حَكَاهُ الشَّيْخ الإِمَام البارع الْهمام افتخار الْأَنَام جمال الْإِسْلَام ركن الشَّرِيعَة نَاصِر السّنة قامع الْبِدْعَة جَامع أشتات الْفَضَائِل قدوة الْعلمَاء الأماثل فِي هَذَا الْجَواب من أَقْوَال الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة النبلاء رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ بَين لَا يدْفع ومكشوف لَا يتقنع بل أوضج من النيرين وَأظْهر من فرق الصُّبْح لذِي عينين والعمدة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته ومنشأ الْخلاف بَين الْعلمَاء من احتمالي صيغته وَذَلِكَ أَن صِيغَة قَوْله ﷺ لَا تشد الرّحال ذَات وَجْهَيْن نفي وَنهي لاحتمالهما فَإِن لحظ معنى النَّفْي فمقتضاه نفي فَضِيلَة واستحباب شدّ الرّحال وإعمال الْمطِي إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة إِذْ لَو فرض وقوعهما لامتنع رفعهما فَتعين توجه النَّفْي إِلَى فضيلتهما

стр. 350

واستحبابهما دون ذاتهما وَهَذَا عَام فِي كل مَا يعْتَقد أَن إِعْمَال الْمطِي وَشد الرّحال إِلَيْهِ قربَة وفضيلة من الْمَسَاجِد وزيارة قُبُور الصَّالِحين وَمَا جرى هَذَا المجرى بل أَعم من ذَلِك وَإِثْبَات ذَلِك بِدَلِيل ضَرُورَة إِثْبَات ذَلِك الْمَنْفِيّ الْمُقدر فِي صدر الْجُمْلَة لما بعد إِلَّا وَإِلَّا لما افترق الحكم بَين مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا وَهُوَ مفترق حِينَئِذٍ لَا يلْزم من نفي الْفَضِيلَة والاستحباب نفي الْإِبَاحَة فَهَذَا وَجه متمسك من قَالَ بِإِبَاحَة هَذَا السّفر بِالنّظرِ إِلَى أَن هَذِه الصِّيغَة نفي وَبنى على ذَلِك جَوَاز الْقصر وَإِن كَانَ النَّهْي ملحوظا فَالْمَعْنى نَهْيه عَن إِعْمَال الْمطِي وَشد الرّحال إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة إِذْ الْمُقَرّر عِنْد عَامَّة الْأُصُولِيِّينَ أَن النَّهْي عَن الشَّيْء قَاض بِتَحْرِيمِهِ أَو كَرَاهَته على حسب مُقْتَضى الْأَدِلَّة فَهَذَا وَجه متمسك من قَالَ بِعَدَمِ جَوَاز الْقصر فِي هَذَا السّفر لكَونه مَنْهِيّا عَنهُ وَمِمَّنْ قَالَ بحرمته الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ من الشَّافِعِيَّة وَالشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء ابْن عقيل من الْحَنَابِلَة وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ القَاضِي عِيَاض من الْمَالِكِيَّة إِلَى اخْتِيَاره وَمَا جَاءَ من الْأَحَادِيث فِي اسْتِحْبَاب زِيَارَة الْقُبُور فَمَحْمُول على مَا لم يكن فِيهِ شدّ رَحل وإعمال مطي جمعا بَينهمَا

стр. 351

وَيحْتَمل أَن يُقَال لَا يصلح أَن يكون غير حَدِيث لَا تشد الرّحال مُعَارضا لَهُ لعدم مساواته إِيَّاه فِي الدرجَة لكَونه من أَعلَى أَقسَام الصَّحِيح وَالله اعْلَم وَقد بَلغنِي أَنه رزىء وضيق على الْمُجيب وَهَذَا أَمر يحار فِيهِ اللبيب ويتعجب مِنْهُ الأريب وَيَقَع بِهِ فِي شكّ مريب فَإِن جَوَابه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَاض بِذكر خلاف الْعلمَاء وَلَيْسَ حَاكما بالغض من الصَّالِحين والأنبياء فَإِن الْأَخْذ بِمُقْتَضى كَلَامه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَة رَفعه إِلَيْهِ هُوَ الْغَايَة القصوى فِي تتبع أوامره ونواهيه والعدول عَن ذَلِك مَحْذُور وَذَلِكَ مِمَّا لَا مرية فِيهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَأَي حرج على من سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَذكر فِيهَا خلاف الْفُقَهَاء وَمَال فِيهَا إِلَى بعض أَقْوَال الْعلمَاء فَإِن الْأَمر لم يزل كَذَلِك على ممر العصور وتعاقب الدهور وَهل ذَلِك مَحْمُول من القادح إِلَّا على امتطاء نضو الْهوى المفضي بِصَاحِبِهِ إِلَى التوى فَإِن من يقتبس من فَوَائده ويلتقط من فرائده لحقيق بالتعظيم وخليق بالتكريم مِمَّن لَهُ الْفَهم السَّلِيم والذهن الْمُسْتَقيم وَهل حكم الْمظَاهر عَلَيْهِ فِي الظَّاهِر إِلَّا كَمَا قيل فِي الْمثل السائر وَقَول الشَّاعِر الشّعير يُؤْكَل ويذم

стр. 352

.. جزى بنوه أَب الغيلان عَن كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار ... غَيره ... وَحَدِيث ألذه وَهُوَ مِمَّا ... ينعَت الناعتون يُوزن وزنا منطق رائع ويلحن أَحْيَا ... نَا وَخير الحَدِيث مَا كَانَ لحناك ... وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولينصرن الله من ينصره إِن الله لقوي عَزِيز﴾ وَلَوْلَا خشيَة الملالة لما نكبت عَن الإطالة نسْأَل الله الْكَرِيم أَن يسْلك بِنَا وبكم سَبِيل الْهِدَايَة وَأَن يجنبنا وَإِيَّاكُم مَسْلَك الغواية إِنَّه على كل شَيْء قدير وبالإجابة جدير حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَنعم النصير وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وصلوات الله وَسَلَامه على سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد النَّبِي وَآله الطاهرين وَأَصْحَابه الْكِرَام المنتخبين

стр. 353

هَذَا جَوَاب الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين يُوسُف بن عبد الْمَحْمُود ابْن عبد السلام بن البتي الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ الْمُؤلف وَمن خطه نقلت آخر لبَعض عُلَمَاء أهل الشأم الْمَالِكِيَّة الْحَمد لله وَهُوَ حسبي السّفر إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة لَيْسَ بمشروع وَأما من سَافر إِلَى مَسْجِد النَّبِي ﷺ ليُصَلِّي فِيهِ وَيسلم على النَّبِي ﷺ وعَلى صَاحِبيهِ ﵄ فمشروع كَمَا ذكر بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَأما لَو قصد إِعْمَال الْمطِي لزيارته ﷺ وَلم يقْصد الصَّلَاة فَهَذَا السّفر إِذا ذكر رجل فِيهِ خلافًا للْعُلَمَاء وَأَن مِنْهُم من قَالَ إِنَّه مَنْهِيّ عَنهُ وَمِنْهُم من قَالَ أَنه مُبَاح وَأَنه على الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِطَاعَة وَلَا قربَة فَمن جعله طَاعَة وقربة على مُقْتَضى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ كَانَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاع وَذكر حجَّة كل قَول مِنْهُمَا أَو رجح أحد الْقَوْلَيْنِ لم يلْزمه مَا يلْزم من تنقص إِذْ لَا تنقص وَلَا إزراء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 354

وَقد قَالَ مَالك ﵀ لسائل سَأَلَهُ أَنه نذر أَن يَأْتِي قبر النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن كَانَ أَرَادَ مَسْجِد النَّبِي ﷺ فليأته وَليصل فِيهِ وَإِن كَانَ أَرَادَ الْقَبْر فَلَا يفعل للْحَدِيث الَّذِي جَاءَ لَا تعْمل الْمطِي إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد وَالله أعلم كتبه أَبُو عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْمَالِكِي كَذَلِك يَقُول عبد الله بن أبي الْوَلِيد الْمَالِكِي قَالَ الْمُؤلف ﵀ نقلت هَذِه الْأَجْوِبَة كلهَا من خطّ الْمُفْتِينَ بهَا قَالَ ووقفت على كتاب ورد مَعَ أجوبة أهل بَغْدَاد وَصورته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله نَاصِر الْملَّة الإسلامية ومعز الشَّرِيعَة المحمدية بدوام أَيَّام الدولة الْمُبَارَكَة السُّلْطَانِيَّة الْمَالِكِيَّة الناصرية ألبسها الله تَعَالَى لِبَاس الْعِزّ المقرون بالدوام وحلاها بحلية النَّصْر المستمر بمرور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي الْمَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْأَنَام صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله البررة الْكِرَام اللَّهُمَّ إِن بابك لم يزل مَفْتُوحًا للسائلين ورفدك مَا برح مبذولا للوافدين من عودته مسألتك وَحدك لم يسْأَل أحدا سواك وَمن

стр. 355

منحته منائح رفدك لم يفد على غَيْرك وَلم يحتم إِلَّا بحماك أَنْت الرب الْعَظِيم الْكَرِيم الأكرم قصد بَاب غَيْرك على عِبَادك محرم أَنْت الَّذِي لَا إِلَه غَيْرك وَلَا معبود سواك عز جَارك وَجل ثناؤك وتقدست أسماؤك وَعظم بلاؤك وَلَا إِلَه غَيْرك وَلم تزل سنتك فِي خلقك جَارِيَة بامتحان أوليائك وأحبابك تفضلا مِنْك عَلَيْهِم وإحسانا من لَدُنْك إِلَيْهِم ليزدادوا لَك فِي جَمِيع الْحَالَات ذكرا ولإنعامك فِي جَمِيع التقلبات شكرا وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ اللَّهُمَّ وَأَنت الْعَالم الَّذِي لَا تعلم وَأَنت الْكَرِيم الَّذِي لَا تبخل قد علمت يَا عَالم السِّرّ وَالْعَلَانِيَة أَن قُلُوبنَا لم تزل ترفع إخلاص الدُّعَاء صَادِقَة وألسنتنا فِي حالتي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ناطقة أَن تسعفنا بإمداد هَذِه الدولة الْمُبَارَكَة الميمونة السُّلْطَانِيَّة الناصرية بمزيد الْعلَا والرفعة والتمكين وَأَن تحقق آمالنا فِيهَا بإعلاء الْكَلِمَة فِي ذَلِك بِرَفْع قَوَاعِد دعائم الدّين وقمع مكايد الْمُلْحِدِينَ لِأَنَّهَا الدولة الَّتِي بَرِئت من غشيان الجنف والحيف وسلمت من طغيان الْقَلَم وَالسيف وَالَّذِي ينطوي عَلَيْهِ ضمائر الْمُسلمين ويشتمل عَلَيْهِ سرائر الْمُؤمنِينَ أَن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر للدّين مِمَّن قَالَ فِيهِ رب
следующие страницы →