← Тараджим

Тараджим · id 6663

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ت الفقي

ابن عبد الهادي

Полный текст (517 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَيحْتَمل أَن يُقَال لَا يصلح أَن يكون غير حَدِيث لَا تشد الرّحال مُعَارضا لَهُ لعدم مساواته إِيَّاه فِي الدرجَة لكَونه من أَعلَى أَقسَام الصَّحِيح وَالله اعْلَم وَقد بَلغنِي أَنه رزىء وضيق على الْمُجيب وَهَذَا أَمر يحار فِيهِ اللبيب ويتعجب مِنْهُ الأريب وَيَقَع بِهِ فِي شكّ مريب فَإِن جَوَابه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة قَاض بِذكر خلاف الْعلمَاء وَلَيْسَ حَاكما بالغض من الصَّالِحين والأنبياء فَإِن الْأَخْذ بِمُقْتَضى كَلَامه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَة رَفعه إِلَيْهِ هُوَ الْغَايَة القصوى فِي تتبع أوامره ونواهيه والعدول عَن ذَلِك مَحْذُور وَذَلِكَ مِمَّا لَا مرية فِيهِ وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَأَي حرج على من سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَذكر فِيهَا خلاف الْفُقَهَاء وَمَال فِيهَا إِلَى بعض أَقْوَال الْعلمَاء فَإِن الْأَمر لم يزل كَذَلِك على ممر العصور وتعاقب الدهور وَهل ذَلِك مَحْمُول من القادح إِلَّا على امتطاء نضو الْهوى المفضي بِصَاحِبِهِ إِلَى التوى فَإِن من يقتبس من فَوَائده ويلتقط من فرائده لحقيق بالتعظيم وخليق بالتكريم مِمَّن لَهُ الْفَهم السَّلِيم والذهن الْمُسْتَقيم وَهل حكم الْمظَاهر عَلَيْهِ فِي الظَّاهِر إِلَّا كَمَا قيل فِي الْمثل السائر وَقَول الشَّاعِر الشّعير يُؤْكَل ويذم

стр. 352

.. جزى بنوه أَب الغيلان عَن كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار ... غَيره ... وَحَدِيث ألذه وَهُوَ مِمَّا ... ينعَت الناعتون يُوزن وزنا منطق رائع ويلحن أَحْيَا ... نَا وَخير الحَدِيث مَا كَانَ لحناك ... وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولينصرن الله من ينصره إِن الله لقوي عَزِيز﴾ وَلَوْلَا خشيَة الملالة لما نكبت عَن الإطالة نسْأَل الله الْكَرِيم أَن يسْلك بِنَا وبكم سَبِيل الْهِدَايَة وَأَن يجنبنا وَإِيَّاكُم مَسْلَك الغواية إِنَّه على كل شَيْء قدير وبالإجابة جدير حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل وَنعم النصير وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وصلوات الله وَسَلَامه على سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد النَّبِي وَآله الطاهرين وَأَصْحَابه الْكِرَام المنتخبين

стр. 353

هَذَا جَوَاب الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين يُوسُف بن عبد الْمَحْمُود ابْن عبد السلام بن البتي الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ الْمُؤلف وَمن خطه نقلت آخر لبَعض عُلَمَاء أهل الشأم الْمَالِكِيَّة الْحَمد لله وَهُوَ حسبي السّفر إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة لَيْسَ بمشروع وَأما من سَافر إِلَى مَسْجِد النَّبِي ﷺ ليُصَلِّي فِيهِ وَيسلم على النَّبِي ﷺ وعَلى صَاحِبيهِ ﵄ فمشروع كَمَا ذكر بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَأما لَو قصد إِعْمَال الْمطِي لزيارته ﷺ وَلم يقْصد الصَّلَاة فَهَذَا السّفر إِذا ذكر رجل فِيهِ خلافًا للْعُلَمَاء وَأَن مِنْهُم من قَالَ إِنَّه مَنْهِيّ عَنهُ وَمِنْهُم من قَالَ أَنه مُبَاح وَأَنه على الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِطَاعَة وَلَا قربَة فَمن جعله طَاعَة وقربة على مُقْتَضى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ كَانَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاع وَذكر حجَّة كل قَول مِنْهُمَا أَو رجح أحد الْقَوْلَيْنِ لم يلْزمه مَا يلْزم من تنقص إِذْ لَا تنقص وَلَا إزراء بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 354

وَقد قَالَ مَالك ﵀ لسائل سَأَلَهُ أَنه نذر أَن يَأْتِي قبر النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن كَانَ أَرَادَ مَسْجِد النَّبِي ﷺ فليأته وَليصل فِيهِ وَإِن كَانَ أَرَادَ الْقَبْر فَلَا يفعل للْحَدِيث الَّذِي جَاءَ لَا تعْمل الْمطِي إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد وَالله أعلم كتبه أَبُو عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْمَالِكِي كَذَلِك يَقُول عبد الله بن أبي الْوَلِيد الْمَالِكِي قَالَ الْمُؤلف ﵀ نقلت هَذِه الْأَجْوِبَة كلهَا من خطّ الْمُفْتِينَ بهَا قَالَ ووقفت على كتاب ورد مَعَ أجوبة أهل بَغْدَاد وَصورته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله نَاصِر الْملَّة الإسلامية ومعز الشَّرِيعَة المحمدية بدوام أَيَّام الدولة الْمُبَارَكَة السُّلْطَانِيَّة الْمَالِكِيَّة الناصرية ألبسها الله تَعَالَى لِبَاس الْعِزّ المقرون بالدوام وحلاها بحلية النَّصْر المستمر بمرور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على النَّبِي الْمَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْأَنَام صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله البررة الْكِرَام اللَّهُمَّ إِن بابك لم يزل مَفْتُوحًا للسائلين ورفدك مَا برح مبذولا للوافدين من عودته مسألتك وَحدك لم يسْأَل أحدا سواك وَمن

стр. 355

منحته منائح رفدك لم يفد على غَيْرك وَلم يحتم إِلَّا بحماك أَنْت الرب الْعَظِيم الْكَرِيم الأكرم قصد بَاب غَيْرك على عِبَادك محرم أَنْت الَّذِي لَا إِلَه غَيْرك وَلَا معبود سواك عز جَارك وَجل ثناؤك وتقدست أسماؤك وَعظم بلاؤك وَلَا إِلَه غَيْرك وَلم تزل سنتك فِي خلقك جَارِيَة بامتحان أوليائك وأحبابك تفضلا مِنْك عَلَيْهِم وإحسانا من لَدُنْك إِلَيْهِم ليزدادوا لَك فِي جَمِيع الْحَالَات ذكرا ولإنعامك فِي جَمِيع التقلبات شكرا وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ اللَّهُمَّ وَأَنت الْعَالم الَّذِي لَا تعلم وَأَنت الْكَرِيم الَّذِي لَا تبخل قد علمت يَا عَالم السِّرّ وَالْعَلَانِيَة أَن قُلُوبنَا لم تزل ترفع إخلاص الدُّعَاء صَادِقَة وألسنتنا فِي حالتي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة ناطقة أَن تسعفنا بإمداد هَذِه الدولة الْمُبَارَكَة الميمونة السُّلْطَانِيَّة الناصرية بمزيد الْعلَا والرفعة والتمكين وَأَن تحقق آمالنا فِيهَا بإعلاء الْكَلِمَة فِي ذَلِك بِرَفْع قَوَاعِد دعائم الدّين وقمع مكايد الْمُلْحِدِينَ لِأَنَّهَا الدولة الَّتِي بَرِئت من غشيان الجنف والحيف وسلمت من طغيان الْقَلَم وَالسيف وَالَّذِي ينطوي عَلَيْهِ ضمائر الْمُسلمين ويشتمل عَلَيْهِ سرائر الْمُؤمنِينَ أَن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر للدّين مِمَّن قَالَ فِيهِ رب

стр. 356

الْعَالمين وإله السَّمَوَات وَالْأَرضين الَّذِي بتمكينه فِي أرضه حصل التَّمْكِين لملوك الأَرْض وَعُظَمَاء السلاطين فِي كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي يُتْلَى فَمن شَاءَ فليتدبر ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر﴾ وَهُوَ مِمَّن مكنه الله تَعَالَى فِي الأَرْض تمكينا يَقِينا لَا ظنا وَهُوَ مِمَّن يَعْنِي بقوله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا﴾ وَالَّذِي عهد الْمُسلمُونَ وتعوده الْمُؤْمِنُونَ من المراحم الْكَرِيمَة والعواطف الرحيمة إكرام أهل الدّين وإعظام عُلَمَاء الْمُسلمين وَالَّذِي حمل على رفع هَذِه الْأَدْعِيَة الصَّرِيحَة إِلَى الحضرة الشَّرِيفَة وَإِن كَانَت لم تزل مَرْفُوعَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ بِالنِّيَّةِ الصَّحِيحَة قَوْله ﷺ الدّين النَّصِيحَة قيل لمن يَا رَسُول الله قَالَ لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم وَقَوله ﷺ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فهذان الحديثان مشهوران بِالصِّحَّةِ ومستفاضان فِي الْأمة ثمَّ إِن هَذَا الشَّيْخ الْمُعظم الْجَلِيل وَالْإِمَام المكرم النَّبِيل أوحد

стр. 357

الدَّهْر وفريد الْعَصْر طراز المملكة الملكية وَعلم الدولة السُّلْطَانِيَّة لَو أقسم مقسم بِاللَّه الْعَظِيم الْقَدِير أَن هَذَا الإِمَام الْكَبِير لَيْسَ لَهُ فِي عصره مماثل وَلَا نَظِير لكَانَتْ يَمِينه برة غنية عَن التَّكْفِير وَقد خلت من وجود مثله السَّبع الأقاليم إِلَّا هَذَا الإقليم يُوَافق على ذَلِك كل منصف جبل على الطَّبْع السَّلِيم وَلست بالثناء عَلَيْهِ أطريه بل لَو أطنب مطنب فِي مدحه وَالثنَاء عَلَيْهِ لما أَتَى على بعض الْفَضَائِل الَّتِي هِيَ فِيهِ أَحْمد بن تَيْمِية درة يتيمة يتنافس فِيهَا تشترى وَلَا تبَاع لَيْسَ فِي خَزَائِن الْمُلُوك درة تماثلها وتؤاخيها انْقَطَعت عَن وجود مثله الأطماع لقد أَصمّ الأسماع وأوهى قوى المتبوعين والأتباع سَماع رفع أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية إِلَى القلاع وَلَيْسَ يَقع من مثله أَمر ينقم مِنْهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنه يكون أمرا قد لبس عَلَيْهِ وَنسب إِلَى مَا لَا ينْسب مثله إِلَيْهِ والتطويل على الحضرة الْعَالِيَة لَا يَلِيق إِن يكن فِي الدُّنْيَا قطب فَهُوَ القطب على التَّحْقِيق قد نصب الله السُّلْطَان أَعلَى الله شَأْنه فِي هَذَا الزَّمَان منصب يُوسُف الصّديق صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ لما صرف الله وُجُوه أهل الْبِلَاد إِلَيْهِ حِين أَمْحَلت الْبِلَاد وَاحْتَاجَ أَهلهَا إِلَى الْقُوت المدخر لَدَيْهِ وَالْحَاجة بِالنَّاسِ والآن إِلَى قوت الْأَرْوَاح الْمشَار فِي ذَلِك الزَّمَان إِلَيْهَا لإخفاء أَنَّهَا للعلوم الشَّرِيفَة والمعان اللطيفة

стр. 358

وَقد كَانَت فِي بِلَاد المملكة السُّلْطَانِيَّة حرسها الله تَعَالَى تكال إِلَيْنَا جزَافا بِغَيْر أَثمَان منحة عَظِيمَة من الله للسُّلْطَان ونعمة جسيمة إِذْ خص بِلَاد مَمْلَكَته وإقليم دولته بِمَا لَا يُوجد فِي غَيرهَا من الأقاليم والبلدان وَكَانَ قد وَفد الوافدون من سَائِر الْأَمْصَار إِلَى تِلْكَ الديار فوجدوا صَاحب صواع الْملك قد رفع إِلَى القلاع وَمثل هَذِه الْميرَة لَا تُوجد فِي غير تِلْكَ الْبِلَاد لتشترى أَو تبَاع فصادف ذَلِك جَدب الأَرْض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها حَتَّى صَارُوا من شدَّة حَاجتهم إِلَى الأقوات كالأموات وَالَّذِي عرض للْملك بالتضييق على صَاحب صواعه مَعَ شدَّة الْحَاجة إِلَى غذَاء الْأَرْوَاح لَعَلَّه لم يتَحَقَّق عِنْده أَن هَذَا الإِمَام من أكَابِر الْأَوْلِيَاء وأعيان أهل الصّلاح وَهَذِه نزغة من نزغات الشَّيْطَان قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَقل لعبادي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن إِن الشَّيْطَان ينزغ بَينهم إِن الشَّيْطَان كَانَ للْإنْسَان عدوا مُبينًا﴾ وَأما إزراء بعض الْعلمَاء عَلَيْهِ فِي فتواه وَجَوَابه عَن مَسْأَلَة شدّ الرّحال إِلَى الْقُبُور فقد حمل جَوَاب عُلَمَاء هَذِه الْبِلَاد إِلَى نظرائهم من الْعلمَاء وقرنائهم من الْفُضَلَاء وَكلهمْ أفتى أَن الصَّوَاب فِي الَّذِي بِهِ أجَاب وَالظَّاهِر بَين الْأَنَام أَن إكرام هَذَا الإِمَام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فِيهِ قوام الْملك ونظام الدولة وإعزاز الْملَّة واستجلاب

стр. 359

الدُّعَاء وكبت الْأَعْدَاء وإذلال أهل الْبدع والأهواء وإحياء الْأمة وكشف الْغُمَّة ووفور الْأجر وعلو الذّكر وَرفع الْبَأْس ونفع النَّاس ولسان حَال الْمُسلمين تال قَول الْكَبِير المتعال ﴿فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز مسنا وأهلنا الضّر وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الْكَيْل وَتصدق علينا إِن الله يَجْزِي المتصدقين﴾ والبضاعة المزجاة هِيَ هَذِه الأوراق المرقومة بالأقلام والميرة الْمَطْلُوبَة هِيَ الإفراج عَن شيخ الْإِسْلَام وَالَّذِي حمل على هَذَا الْإِقْدَام قَوْله ﵇ الدّين النَّصِيحَة وَالسَّلَام وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله الطيبين الْكِرَام وَسلم تَسْلِيمًا هَذَا آخر هَذَا الْكتاب قَالَ الْمُؤلف ووقفت على كتاب آخر من بَغْدَاد أَيْضا صورته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الْمُرْسلين مُحَمَّد النَّبِي وَآله وَصَحبه اجمعين اللَّهُمَّ فَكَمَا أيدت مُلُوك الْإِسْلَام وولاة الْأُمُور بِالْقُوَّةِ والأيد وشيدت لَهُم ذكرا وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخْرا وللمكسور العائذ بِأَكْنَافِ بابهم جبرا فاشدد اللَّهُمَّ مِنْهُم بِحسن معونتك لَهُم

стр. 360

أزرا وأعل لَهُم جدا وارفع قدرا وزدهم عزا وزودهم على أعدائك نصرا وامنحهم تَوْفِيقًا مُسَددًا وتمكينا مستمرا وَبعد فَإِنَّهُ لما قرع أسماع أهل الْبِلَاد المشرقية والنواحي العراقية التَّضْيِيق على شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية سلمه الله عظم ذَلِك على الْمُسلمين وشق على ذَوي الدّين وَارْتَفَعت رُؤُوس الْمُلْحِدِينَ وجابت نفوس أهل الْأَهْوَاء والمبتدعين وَلما رأى عُلَمَاء أهل هَذِه النَّاحِيَة عظم هَذِه النَّازِلَة من شماتة أهل الْبدع وَأهل الْأَهْوَاء بأكابر الأفاضر وأئمة الْعلمَاء أنهوا حَال هَذَا الْأَمر الفظيع وَالْأَمر الشنيع إِلَى الحضرة الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة زَادهَا الله شرفا وَكَتَبُوا أجوبتهم فِي تصويب مَا أجَاب بِهِ الشَّيْخ سلمه الله فِي فَتَاوَاهُ وَذكروا من علمه وفضائله بعض مَا هُوَ فِيهِ وحملوا ذَلِك إِلَى بَين يَدي مَوْلَانَا ملك الْأُمَرَاء أعز الله أنصاره وضاعف اقتداءه غيرَة مِنْهُم على هَذَا الدّين ونصيحة لِلْإِسْلَامِ وأمراء الْمُؤمنِينَ والآراء المولوية الْعَالِيَة أولى بالتقديم لِأَنَّهَا ممنوحة بالهداية إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَأفضل الصَّلَاة وأشرف التَّسْلِيم على النَّبِي الْأُمِّي صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الطيبين الطاهرين وَسلم تَسْلِيمًا

стр. 361

وَفَاة الشَّيْخ ﵀ بالقلعة وَمَا كتب بهَا قبل مَوته ثمَّ إِن الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى بَقِي مُقيما بالقلعة سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وأياما ثمَّ توفّي إِلَى رَحْمَة الله ورضوانه وَمَا برح فِي هَذِه الْمدَّة مكبا على الْعِبَادَة والتلاوة وتصنيف الْكتب وَالرَّدّ على الْمُخَالفين وَكتب على تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم جملَة كَثِيرَة تشْتَمل نفائس جليلة ونكت دقيقة وَمَعَان لَطِيفَة وَبَين فِي ذَلِك مَوَاضِع كَثِيرَة أشكلت على خلق من عُلَمَاء أهل التَّفْسِير وَكتب فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي حبس بِسَبَبِهَا عدَّة مجلدات مِنْهَا كتاب فِي الرَّد على ابْن الأخنائي قَاضِي الْمَالِكِيَّة بِمصْر تعرف بالأخنائية وَمِنْهَا كتاب كَبِير حافل فِي الرَّد على بعض قُضَاة الشَّافِعِيَّة وَأَشْيَاء كَثِيرَة فِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا وَفَاة الشَّيْخ عبد الله أخي الشَّيْخ وَفِي هَذِه الْمدَّة الَّتِي كَانَ الشَّيْخ فِيهَا بالقلعة توفّي أَخُوهُ الشَّيْخ الإِمَام

стр. 362

الْعَالم الْعَلامَة البارع الْحَافِظ الزَّاهِد الْوَرع جمال الْإِسْلَام شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله توفّي يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع عشر من جمادي الأولى من سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَصلى عَلَيْهِ ظهر الْيَوْم الْمَذْكُور بِجَامِع دمشق وَحمل إِلَى بَاب القلعة فصلى عَلَيْهِ مرّة أُخْرَى وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ وَخلق من دَاخل القلعة وَكَانَ الصَّوْت بِالتَّكْبِيرِ يبلغهما وَكثر الْبكاء فِي تِلْكَ السَّاعَة وَكَانَ وقتا مشهودا ثمَّ صلي عَلَيْهِ مرّة ثَالِثَة ورابعة وَحمل على الرؤوس والأصابع إِلَى مَقْبرَة الصُّوفِيَّة فَدفن بهَا وَحضر جنَازَته جمع كثير وعالم عَظِيم وَكثر الثَّنَاء والتأسف عَلَيْهِ وَكَانَ ﵀ صَاحب صدق وإخلاص قانعا باليسير شرِيف النَّفس شجاعا مقداما مُجَاهدًا بارعا فِي الْفِقْه إِمَامًا فِي النَّحْو مستحضرا لتراجم السّلف ووفياتهم لَهُ فِي ذَلِك يَد طولى عَالما بالتواريخ الْمُتَقَدّمَة والمتأخرة وَكَانَ ﵀ شَدِيد الْخَوْف والشفقة على أَخِيه شيخ الْإِسْلَام وَكَانَ يخرج من بَيته لَيْلًا وَيرجع إِلَيْهِ لَيْلًا وَلَا يجلس فِي مَكَان معِين بِحَيْثُ يقْصد فِيهِ وَلكنه يأوي إِلَى الْمَسَاجِد المهجورة والأماكن الَّتِي لَيست بمشهورة وَكَانَ كثير الْعِبَادَة والتأله والمراقبة وَالْخَوْف من الله وَلم يزل على ذَلِك إِلَى حِين مَرضه ووفاته

стр. 363

ومولده فِي الْيَوْم الْحَادِي عشر من الْمحرم سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بحران وَسمع من أبي الْيُسْر وَالْجمال عبد الرحمن الْبَغْدَادِيّ وَابْن الصَّيْرَفِي وَالشَّيْخ شمس الدّين وَابْن البُخَارِيّ وَخلق كثير وَحدث وَسمع الْكتب الْكِبَار وَقد سُئِلَ عَنهُ الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني فَقَالَ هُوَ بارع فِي فنون عديدة من الْفِقْه والنحو وَالْأُصُول ملازم لأنواع الْخَيْر وَتَعْلِيم الْعلم حسن الْعِبَادَة قوي فِي دينه جيد التفقه مستحضر لمذهبه استحضارا جيدا مليح الْبَحْث صَحِيح الذِّهْن قوي الْفَهم مُعَاملَة الشَّيْخ فِي سجنه بالقلعة قلت وَمَا زَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵀ فِي هَذِه الْمدَّة مُعظما مكرما يُكرمهُ نقيب القلعة ونائبها إِكْرَاما كثيرا ويستعرضان حَوَائِجه ويبالغان فِي قَضَائهَا وَكَانَ مَا صنفه فِي هَذِه الْمدَّة قد خرج بعضه من عِنْده وَكتبه بعض أَصْحَابه واشتهر وَظهر فَلَمَّا كَانَ قبل وَفَاته بأشهر ورد مرسوم السُّلْطَان بِإِخْرَاج مَا عِنْده كُله وَلم يبْق عِنْده كتاب وَلَا ورقة وَلَا دَوَاة وَلَا قلم وَكَانَ بعد

стр. 364

ذَلِك إِذا كتب ورقة إِلَى بعض أَصْحَابه يَكْتُبهَا بفحم وَقد رايت أوراقا عدَّة بعثها إِلَى أَصْحَابه وَبَعضهَا مَكْتُوب بفحم مِنْهَا ورقة يَقُول فِيهَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَنحن لله الْحَمد وَالشُّكْر فِي نعم متزايدة متوافرة وَجَمِيع مَا يَفْعَله الله فِيهِ نصر الْإِسْلَام وَهُوَ من نعم الله الْعِظَام ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ فَإِن الشَّيْطَان اسْتعْمل حزبه فِي إِفْسَاد دين الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَأنزل كتبه وَمن سنة الله أَنه إِذا إراد إِظْهَار دينه أَقَامَ من يُعَارضهُ فيحق الْحق بكلماته ويقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَالَّذِي سعى فِيهِ حزب الشَّيْطَان لم يكن مُخَالفَة لشرع مُحَمَّد ﷺ وَحده بل مُخَالفَة لدين جَمِيع الْمُرْسلين إِبْرَاهِيم ومُوسَى والمسيح وَمُحَمّد خَاتم النَّبِيين صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَكَانُوا قد سعوا فِي أَن لَا يظْهر من جِهَة حزب الله وَرَسُوله خطاب وَلَا كتاب وجزعوا من ظُهُور الأخنائية فاستعملهم الله تَعَالَى حَتَّى أظهرُوا أَضْعَاف ذَلِك وَأعظم وألزمهم بتفتيشه ومطالعته ومقصودهم إِظْهَار عيوبه وَمَا يحتجون بِهِ فَلم يَجدوا فِيهِ إِلَّا مَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِم

стр. 365

وَظهر لَهُم جهلهم وكذبهم وعجزهم وشاع هَذَا فِي الأَرْض وَأَن هَذَا مِمَّا لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله وَلم يُمكنهُم أَن يظهروا علينا فِيهِ عَيْبا فِي الشَّرْع وَالدّين بل غَايَة مَا عِنْدهم أَنه خُولِفَ مرسوم بعض المخلوقين والمخلوق كَائِنا من كَانَ إِذا خَالف أَمر الله تَعَالَى وَرَسُوله لم يجب بل وَلَا يجوز طَاعَته فِي مُخَالفَة أَمر الله وَرَسُوله بِاتِّفَاق الْمُسلمين وَقَول الْقَائِل إِنَّه يظْهر الْبدع كَلَام يظْهر فَسَاده لكل مستبصر وَيعلم أَن الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِن الَّذِي يظْهر الْبِدْعَة إِمَّا أَن يكون لعدم علمه بِسنة الرَّسُول أَو لكَونه لَهُ غَرَض وَهوى يُخَالف ذَلِك وَهُوَ أولى بِالْجَهْلِ بِسنة الرَّسُول وَاتِّبَاع هواهم بِغَيْر هدى من الله ﴿وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله﴾ مِمَّن هُوَ أعلم بِسنة الرَّسُول مِنْهُم وَأبْعد عَن الْهوى وَالْغَرَض فِي مخالفتها ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ﴾ وَهَذِه قَضِيَّة كَبِيرَة لَهَا شَأْن عَظِيم ولتعلمن نبأه بعد حِين ثمَّ ذكر الشَّيْخ فِي الورقة كلَاما لَا يُمكن قِرَاءَة جَمِيعه لانطماسه وَقَالَ بعده وَكَانُوا يطْلبُونَ تَمام الأخنائية فعندهم مَا يطمهم أضعافها وَأقوى فقها مِنْهَا وَأَشد مُخَالفَة لأغراضهم فَإِن الزملكانية قد بَين فِيهَا من

стр. 366

نَحْو خمسين وَجها أَن مَا حكم بِهِ ورسم بِهِ مُخَالف لإِجْمَاع الْمُسلمين وَمَا فَعَلُوهُ لَو كَانَ مِمَّن يعرف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ويتعمد مُخَالفَته لَكَانَ كفرا وردة عَن الْإِسْلَام لكِنهمْ جهال دخلُوا فِي شَيْء مَا كَانُوا يعرفونه وَلَا ظنُّوا أَنه يظْهر مِنْهُ أَن السلطنة تخَالف مُرَادهم وَالْأَمر أعظم مِمَّا ظهر لكم وَنحن وَللَّه الْحَمد على عَظِيم الْجِهَاد فِي سَبيله ثمَّ ذكر كلَاما وَقَالَ بل جهادنا فِي هَذَا مثل جهادنا يَوْم قازان والجبلية والجهمية والاتحادية وأمثال ذَلِك وَذَلِكَ من أعظم نعم الله علينا وعَلى النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ وَمِنْهَا ورقة قَالَ فِيهَا ورقة أُخْرَى مِمَّا كتبه الشَّيْخ فِي السجْن وَنحن وَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر فِي نعم عَظِيمَة تتزايد كل يَوْم ويجدد الله تَعَالَى من نعمه نعما أُخْرَى وَخُرُوج الْكتب كَانَ من اعظم النعم فَإِنِّي كنت حَرِيصًا على خُرُوج شَيْء مِنْهَا لتقفوا عَلَيْهِ وهم كَرهُوا خُرُوج الأخنائية فاستعملهم الله تَعَالَى فِي إِخْرَاج الْجَمِيع وإلزام المنازعين بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ وَبِهَذَا يظْهر مَا أرسل الله بِهِ رَسُوله من الْهدى وَدين الْحق

стр. 367

فَإِن هَذِه الْمسَائِل كَانَت خُفْيَة على أَكثر النَّاس فَإِذا ظَهرت فَمن كَانَ قَصده الْحق هداه الله وَمن كَانَ قَصده الْبَاطِل قَامَت عَلَيْهِ حجَّة الله وَاسْتحق أَن يذله الله ويخزيه وَمَا كتبت شَيْئا من هَذَا ليكتم عَن اُحْدُ وَلَو كَانَ مبغضا والأوراق الَّتِي فِيهَا جواباتكم غسلت وَأَنا طيب وعيناي طيبتان أطيب مَا كَانَتَا وَنحن فِي نعم عَظِيمَة لَا تحصى وَلَا تعد وَالْحَمْد لله حمدا كثيرا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ ثمَّ ذكر كلَاما وَقَالَ كل مَا يَقْضِيه الله تَعَالَى فِيهِ الْخَيْر وَالرَّحْمَة وَالْحكمَة إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء إِنَّه هُوَ الْقوي الْعَزِيز ﴿الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ وَلَا يدْخل على أحد ضَرَر إِلَّا من ذنُوبه ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ فَالْعَبْد عَلَيْهِ أَن يشْكر الله وَيَحْمَدهُ دَائِما على كل حَال ويستغفر من ذنُوبه فالشكر يُوجب الْمَزِيد من النعم وَالِاسْتِغْفَار يدْفع النقم وَلَا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيراله إِن أَصَابَته سراء شكر وَإِن أَصَابَته ضراء صَبر فَكَانَ خيرا لَهُ

стр. 368

وَهَذِه الورقة كتبهَا الشَّيْخ وأرسلها بعد خُرُوج الْكتب من عِنْده بِأَكْثَرَ من ثَلَاثَة أشهر فِي شهر شَوَّال قبل وَفَاته بِنَحْوِ شهر وَنصف وَلما أخرج مَا عِنْده من الْكتب والأوراق حمل إِلَى القَاضِي عَلَاء الدّين القونوي وَجعل تَحت يَده فِي الْمدرسَة العادلية وَأَقْبل الشَّيْخ بعد إخْرَاجهَا على الْعِبَادَة والتلاوة والتذكر والتهجد حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين وَختم الْقُرْآن مُدَّة إِقَامَته بالقلعة ثَمَانِينَ أَو إِحْدَى وَثَمَانِينَ ختمة انْتهى فِي آخر ختمة إِلَى آخر اقْتَرَبت السَّاعَة ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر﴾ ثمَّ كملت عَلَيْهِ بعد وَفَاته وَهُوَ مسجى كَانَ كل يَوْم يقْرَأ ثَلَاثَة أَجزَاء يخْتم فِي عشرَة أَيَّام هَكَذَا أَخْبرنِي أَخُوهُ زين الدّين وَكَانَت مُدَّة مَرضه بضعَة وَعشْرين يَوْمًا وَأكْثر النَّاس مَا علمُوا بمرضه فَلم يفجأ الْخلق إِلَّا نعيه فَاشْتَدَّ التأسف عَلَيْهِ وَكثر الْبكاء والحزن وَدخل إِلَيْهِ أَقَاربه وَأَصْحَابه وازدحم الْخلق على بَاب القلعة والطرقات وامتلأ جَامع دمشق وصلوا عَلَيْهِ وَحمل على الرؤوس ﵀ وَرَضي عَنهُ

стр. 369

مَا كتبه الْعلمَاء فِي وَفَاة الشَّيْخ قَالَ الشَّيْخ علم الدّين وَفِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ لعشرين من ذِي الْقعدَة من سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْفَقِيه الْحَافِظ الزَّاهِد الْقدْوَة شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن شَيخنَا الإِمَام الْمُفْتِي شهَاب الدّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام مجد الدّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي ثمَّ الدِّمَشْقِي بقلعة دمشق الَّتِي كَانَ مَحْبُوسًا فِيهَا وَحضر جمع إِلَى القلعة فَأذن لَهُم فِي الدُّخُول وَجلسَ جمَاعَة قبل الْغسْل وقرأوا الْقُرْآن وتبركوا بِرُؤْيَتِهِ وَتَقْبِيله ثمَّ انصرفوا

стр. 370

وَحضر جمَاعَة من النِّسَاء ففعلن مثل ذَلِك ثمَّ انصرفن وَاقْتصر على من يغسل ويعين فِي غسله فَلَمَّا فرغ من ذَلِك أخرج وَقد اجْتمع النَّاس بالقلعة وَالطَّرِيق إِلَى جَامع دمشق وامتلأ الْجَامِع وصحنه والكلاسة وَبَاب الْبَرِيد وَبَاب السَّاعَات إِلَى اللبادين والفوارة وَحَضَرت الْجِنَازَة فِي السَّاعَة الرَّابِعَة من النَّهَار أَو نَحْو ذَلِك وَوضعت فِي الْجَامِع والجند يحفظونها من النَّاس من شدَّة الزحام وَصلى عَلَيْهِ أَولا بالقلعة تقدم فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ الشَّيْخ مُحَمَّد بن تَمام ثمَّ صلى عَلَيْهِ بِجَامِع دمشق عقيب صَلَاة الظّهْر وَحمل من بَاب الْبَرِيد وَاشْتَدَّ الزحام وَألقى النَّاس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك وَصَارَ النعش على الرؤوس تَارَة يتَقَدَّم وَتارَة يتَأَخَّر وَخرج النَّاس من الْجَامِع من أبوابه كلهَا من شدَّة الزحام وكل بَاب أعظم زحمة من الآخر ثمَّ خرج النَّاس من أَبْوَاب الْبَلَد جَمِيعهَا من شدَّة الزحام لَكِن كَانَ الْمُعظم من الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة بَاب الْفرج الَّذِي أخرجت مِنْهُ الْجِنَازَة

стр. 371

وَمن بَاب الفراديس وَمن بَاب النَّصْر وَبَاب الْجَابِيَة وَعظم الْأَمر بسوق الْخَيل وَتقدم فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ هُنَاكَ أَخُوهُ زين الدّين عبد الرحمن وَحمل إِلَى مَقْبرَة الصُّوفِيَّة فَدفن إِلَى جَانب أَخِيه شرف الدّين عبد الله رحمهمَا الله وَكَانَ دَفنه وَقت الْعَصْر أَو قبلهَا بِيَسِير وأغلق النَّاس حوانيتهم وَلم يتَخَلَّف عَن الْحُضُور إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس أَو من أعجزه الزحام وحضرها نسَاء كثير بِحَيْثُ حزرن بِخَمْسَة عشر ألفا وَأما الرِّجَال فحزروا بستين ألفا وَأكْثر إِلَى مِائَتي الف وَشرب جمَاعَة المَاء الَّذِي فضل من غسله واقتسم جمَاعَة بَقِيَّة السدر الَّذِي غسل بِهِ وَقيل إِن الطاقية الَّتِي كَانَت على رَأسه دفع فِيهَا خَمْسمِائَة دِرْهَم وَقيل إِن الْخَيط الَّذِي فِيهِ الزئبق الَّذِي كَانَ فِي عُنُقه بِسَبَب الْقمل دفع فِيهِ مائَة وَخَمْسُونَ درهما وَحصل فِي الْجِنَازَة ضجيج وبكاء وتضرع وختمت لَهُ ختم كَثِيرَة بالصالحية والبلد وَتردد النَّاس إِلَى قَبره أَيَّامًا كَثِيرَة لَيْلًا وَنَهَارًا ورؤيت لَهُ منامات كَثِيرَة صَالِحَة ورثاه جمَاعَة بقصائد جمة

стр. 372

وَكَانَ مولده يَوْم الْإِثْنَيْنِ عَاشر ربيع الأول بحران سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَقدم مَعَ وَالِده وَأَهله إِلَى دمشق وَهُوَ صَغِير فَسمع الحَدِيث من ابْن عبد الدايم وَابْن أبي الْيُسْر وَابْن عَبْدَانِ وَالشَّيْخ شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ وَالْقَاضِي شمس الدّين بن عَطاء الْحَنَفِيّ وَالشَّيْخ جمال الدّين ابْن الصَّيْرَفِي ومجد الدّين بن عَسَاكِر وَالشَّيْخ جمال الدّين الْبَغْدَادِيّ والنجيب الْمِقْدَاد وَابْن أبي الْخَيْر وَابْن عَلان وَأبي بكر الْهَرَوِيّ والكمال عبد الرحيم وَالْفَخْر عَليّ وَابْن شَيبَان والشرف ابْن القواس وَزَيْنَب بنت مكي وَخلق كثير وَقَرَأَ بِنَفسِهِ الْكثير وَطلب الحَدِيث وَكتب الطباق والأثبات ولازم السماع بِنَفسِهِ مُدَّة سِنِين واشتغل بالعلوم وَكَانَ ذكيا كثير الْمَحْفُوظ فَصَارَ إِمَامًا فِي التَّفْسِير وَمَا يتَعَلَّق بِهِ عَارِفًا بالفقه وَاخْتِلَاف الْعلمَاء والأصلين والنحو واللغة وَغير ذَلِك من الْعُلُوم النقلية والعقلية وَمَا تكلم مَعَه فَاضل فِي فن إِلَّا ظن أَن ذَلِك الْفَنّ فنه وَرَآهُ عَارِفًا بِهِ متقنا لَهُ وَأما الحَدِيث فَكَانَ حَافِظًا لَهُ مُمَيّزا بَين صَحِيحه وسقيمه عَارِفًا بِرِجَالِهِ متضلعا من ذَلِك

стр. 373

وَله تصانيف كَثِيرَة وتعاليق مفيدة فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول كمل مِنْهَا جملَة وبيضت وكتبت عَنهُ وَجُمْلَة كَثِيرَة لم يكملها وَجُمْلَة كملها وَلَكِن لم تبيض وَأثْنى عَلَيْهِ وعَلى فضائله جمَاعَة من عُلَمَاء عصره مثل القَاضِي الخوى وَابْن دَقِيق الْعِيد وَابْن النّحاس وَابْن الزملكاني وَغَيرهم وَوجدت بِخَط الشَّيْخ جمال الدّين بن الزملكاني أَنه اجْتمعت فِيهِ شُرُوط الِاجْتِهَاد على وَجههَا وَأَن لَهُ الْيَد الطُّولى فِي حسن التصنيف وجودة الْعبارَة وَالتَّرْتِيب والتقسيم والتبيين وَكتب على تصنيف لَهُ هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة من نظمه وَهِي ... مَاذَا يَقُول الواصفون لَهُ ... وَصِفَاته جالت عَن الْحصْر هُوَ حجَّة لله قاهرة ... هُوَ بَيْننَا أعجوبة الدَّهْر هُوَ آيَة لِلْخلقِ ظَاهِرَة ... أنوارها أربت على الْفجْر ... وهذاالثناء عَلَيْهِ وَكَانَ عمره نَحْو الثَّلَاثِينَ سنة وَكَانَ بيني وَبَينه مَوَدَّة وصحبة من الصغر وَسَمَاع الحَدِيث والطلب من نَحْو خمسين سنة وَله فَضَائِل كَثِيرَة

стр. 374

وَأَسْمَاء مصنفاته وَمَا جرى بَينه وَبَين الْفُقَهَاء والدولة وحبسه مَرَّات وأحواله لَا يحْتَمل ذكر جَمِيعهَا هَذَا الْكتاب وَلما مَاتَ كنت غَائِبا عَن دمشق بطرِيق الْحجاز الشريف وبلغنا خَبره بعد مَوته بِأَكْثَرَ من خمسين يَوْمًا لما وصلنا إِلَى تَبُوك وَحصل التأسف لفقده رَحمَه الله تَعَالَى قلت وَقد قيل إِن الْخلق الَّذين حَضَرُوا جَنَازَة الشَّيْخ كَانُوا أَزِيد مِمَّا ذكر وَمن الْجَنَائِز الْعَظِيمَة فِي الْإِسْلَام جَنَازَة الإِمَام أبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل فَإِن الَّذين حضروها وصلوا عَلَيْهِ كَانُوا أَكثر من ألف ألف إِنْسَان وَقد قَالَ الإِمَام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي سَمِعت أَبَا عبد الرحمن السّلمِيّ يَقُول حضرت جَنَازَة أبي الْفَتْح القواس الزَّاهِد مَعَ الشَّيْخ أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ فَلَمَّا بلغ إِلَى ذَلِك الْجمع الْكثير أقبل علينا وَقَالَ سَمِعت أَبَا سهل بن زِيَاد الْقطَّان يَقُول سَمِعت عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول سَمِعت أبي يَقُول قُولُوا لأهل الْبدع بَيْننَا وَبَيْنكُم يَوْم الْجَنَائِز قَالَ أَبُو عبد الرحمن على إِثْر هَذِه الْحِكَايَة أَنه حزر الحزارون

стр. 375

الْمُصَلِّين على جَنَازَة أَحْمد فَبلغ الْعدَد بحزرهم ألف ألف وَسَبْعمائة ألف سوى الَّذين كَانُوا فِي السفن وَقد وجد بِخَط الشَّيْخ أَبْيَات قَالَهَا بالقلعة وَهِي ... أَنا الْفَقِير إِلَى رب السَّمَاوَات ... أَنا الْمِسْكِين فِي مَجْمُوع حالاتي أناالظلوم لنَفْسي وَهِي ظالمتي ... وَالْخَيْر إِن جَاءَنَا من عِنْده ياتي لَا أَسْتَطِيع لنَفس جلب مَنْفَعَة ... وَلَا عَن النَّفس فِي دفع المضرات وَلَيْسَ لي دونه مولى يدبرني ... وَلَا شَفِيع إِلَى رب البريات إِلَّا بِإِذن من الرَّحْمَن خالقنا ... رب السَّمَاء كَمَا قد جَاءَ فِي الْآيَات وَلست أملك شَيْئا دونه أبدا ... وَلَا شريك أَنا فِي بعض ذراتي وَلَا ظهير لَهُ كَيْمَا أعاونه ... كَمَا يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصف ذَات لَازم أبدا ... كَمَا الْغنى أبدا وصف لَهُ ذاتي وَهَذِه الْحَال حَال الْخلق أجمعهم ... وَكلهمْ عِنْده عبد لَهُ آتِي فَمن بغى مطلبا من دون خالقه ... فَهُوَ الجهول الظلوم الْمُشرك العاتي وَالْحَمْد لله ملْء الْكَوْن أجمعه ... مَا كَانَ مِنْهُ وَمَا من بعده ياتي ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار من مُضر ... خير الْبَريَّة من مَاض وَمن آتِي ...

стр. 376

وَله أَيْضا ... إِن لله علينا أنعما ... يعجز الْحصْر عَن الْعد لَهَا فَلهُ الْحَمد على أنعمه ... وَله الْحَمد على الشُّكْر لَهَا ... وَقد مدح الشَّيْخ ﵀ بقصائد كَثِيرَة فِي حَيَاته ورثي بِأَكْثَرَ مِنْهَا بعد وَفَاته فَمن القصائد الَّتِي مدح بهَا قصيدة نجم الدّين اسحق بن أبي بكر ابْن ألمى التركي وَهِي ... ذراني من ذكرى سعاد وَزَيْنَب ... وَمن ندب أطلال اللوى والمحصب وَمن مدح آرام سنحن برامة ... وَمن غزل فِي وصف سرب وربرب وَلَا تنشداني غير شعر إِلَى الْعلَا ... يظل ارتياحا يزدهيني ويطبي وَإِن أَنْتُمَا طارحتماني فَلْيَكُن ... حديثكما فِي ذكر مجد ومنصب بحب الأعالي لَا بحب أم جُنْدُب ... أقضى لبانات الْفُؤَاد المعذب ...

стр. 377

.. خلقت امْرَءًا جلدا على حمل الْهوى ... فلست أُبَالِي بالقلى والتجنب سَوَاء أرى للوصل تَعْرِيض جؤذر ... وإعراض ظَبْي ألعس الثغر أشنب وَلم أصب فِي عصر الشبيبة وَالصبَا ... فَهَل أصبون كهلا بلمة أشيب يعنفني فِي بغيتي رتب الْعلَا ... جهول أرَاهُ رَاكِبًا غير مركبي لَهُ همة دون الحضيض محلهَا ... ولي همة تسمو على كل كَوْكَب فَلَو كَانَ ذَا جهل بسيط عذرته ... وَلكنه يُدْلِي بِجَهْل مركب يَقُول علام اخْتَرْت مَذْهَب أَحْمد ... فَقلت لَهُ إِذْ كَانَ أَحْمد مَذْهَب ...

стр. 378

.. وَهل فِي ابْن شَيبَان مقَال لقَائِل ... وَهل فِيهِ من طعن لصَاحب مضرب أَلَيْسَ الَّذِي قد طَار فِي الأَرْض ذكره ... فطبقها مَا بَين شَرق ومغرب إِمَام الْهدى الدَّاعِي إِلَى سنَن الْهدى ... وَقد فاضت الْأَهْوَاء من كل مسغب أَتَوا بعظيم الْإِفْك وانتصروا لَهُ ... بِكُل مقَال بِالدَّلِيلِ مكذب وَقَالُوا كَلَام الله خلقا وكذبوا ... بِمَا صَحَّ نقلا عَن أبي وَمصْعَب وَأصْبح أهل الْحق بَين معاقب ... وَبَين معد للأذى مترقب فَقَامَ بِمَا يوهي ثبيرا ويذبلا ... قيام هزبر للفريسة مغضب ...

стр. 379

.. وَلم ينْتَه عَنْهُم وَلما يصده ... عُقُوبَة ذِي ظلم وجور معذب إِلَى أَن بدا الْإِسْلَام أَبْلَج ساطعا ... وكشف عَن ظلمائهم كل غيهب وَهدم من أركانهم كل شامخ ... ودوخ من شجعانهم كل قرهب ومزقهم أَيدي سبا فتفرقت ... كتائبهم مَا بَين شَرق ومغرب وَأَصْحَابه أهل الْهدى لَا يضرهم ... على دينهم طعن امرىء جَاهِل غبي هم الظاهرون القائمون بدينهم ... إِلَى الْحَشْر لم يَغْلِبهُمْ ذُو تغلب لنا مِنْهُم فِي كل عصر أَئِمَّة ... هداة إِلَى الْعليا مصابيح مرقب فأيدهم رب الْعلَا من عِصَابَة ... لإِظْهَار دين الله أهل تعصب ...

стр. 380

.. وَقد علم الرَّحْمَن أَن زَمَاننَا ... تشعب فِيهِ الرَّأْي أَي تشعب فجَاء بحبر عَالم من سراتهم ... لسبع مئين بعد هِجْرَة يثرب يُقيم قناة الدّين بعد اعوجاجها ... وينقذها من قَبْضَة المتغصب فَذَاك فَتى تَيْمِية خير سيد ... نجيب أَتَانَا من سلالة منجب عليم بأدواء النُّفُوس يسوسها ... بِحِكْمَتِهِ فعل الطَّبِيب المجرب بعيد من الْفَحْشَاء وَالْبَغي والأذى ... قريب إِلَى أهل التقى ذُو تحبب يغيب وَلَكِن عَن مسَاوٍ وغيبة ... وَعَن مشْهد الْإِحْسَان لم يتغيب حَلِيم كريم مُشفق بيد أَنه ... إِذا لم يطع فِي الله لله يغْضب يرى نصْرَة الْإِسْلَام أكْرم مغنم ... وَإِظْهَار دين الله أربح مكسب ...

стр. 381

.. لُيُوث أذا أهل الضلال تجمعُوا ... لكل فَتى مِنْهُم يعد بمقنب لَئِن جحدت علياء فضلك حسد ... لعمر أبي قد زَاد مِنْهُم تعجبي وَهل مُمكن فِي الْعقل أَن يجْحَد السنا ... ضحى وضياء الشَّمْس لم يتحجب أيا مطلبا حزناه من غير مهلك ... وَكم مهلك صد الورى دون مطلب بعزم تَقِيّ الدّين أَحْمد تتقى ... صروف زمَان بالفوادح مرعب وَفِي الجدب نستسقي الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... فنصبح فِي روض كناديه مخصب ربيب المعالى يافع الْجُود والندى ... فَتى الْعلم كهل الْحلم شيخ التأدب مفصل مَا قد جَاءَ من جمل النهى ... وإيضاحه للفهم غير مقرب بسيط معَان فِي وجيز عبارَة ... بتهذيبه تعجيز كل مهذب وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعلم والزهد مشبه ... سوى الْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن الْمسيب وَمن رام حبرًا غَيره الْيَوْم فِي الورى ... فَذَاك الَّذِي قد رام عنقاء مغرب أَلَيْسَ هُوَ النّدب الَّذِي بانتصاره ... حبا الدّين حبي بِالْإِمَامَةِ قد حبي وجاهد فِي ذَات الْإِلَه بِنَفسِهِ ... وبالمال والأهلين وَالأُم وَالْأَب ووازره فِي حالتيه ابْن أمه ... فَذَلِك عبد الله نعم الْفَتى الأبي عِقَاب الْمَعَالِي ضيغم الغابة الَّذِي ... فرى كل ذِي غير بناب ومخلب هما ناصرا دين الْإِلَه وحاميا ... حمى خير خلق الله من نسل يعرب مقيمان كالإسلام فِي دَار غربَة ... فيا حبذا فِي الله حسن التغرب ...

стр. 382

.. وَكم قد غَدا بالْقَوْل وَالْفِعْل مُبْطلًا ... ضَلَالَة كَذَّاب ورأي مكذب وَلم تلق من عَادَاهُ غير مُنَافِق ... وَآخر عَن نهج السَّبِيل منْكب لقد حاولوا مِنْهُ الَّذِي كَانَ رامه ... من الْمُصْطَفى قدما حييّ بن أَخطب وَلَكِن رأى من بأسه مِثْلَمَا رأى ... من الْمُصْطَفى فِي حربه رَأس مرحب تمسك أَبَا الْعَبَّاس بِالدّينِ واعتصم ... بِحَبل الْهدى تقهر عداك وتغلب وَلَا تخش من كيد الأعادي فَمَا هم ... سوى حائر فِي أمره ومذبذب جنودهم من طامع ومذلل ... مُسَيْلمَة مِنْهُم يلوذ بأشعب وجند من أهل السَّمَاء ملائك ... يمدك مِنْهُم موكب بعد موكب وكل امرىء قد بَاعَ لله نَفسه ... فَلَيْسَ إِذا يصغي لقَوْل مؤنب ...

стр. 383

.. خدمتهما مني بِعقد منضد ... بفكر سوائي دره لم يثقب تشنف سمع الدهرحسنا إِذا اغتدى ... بِهِ النَّاظِم التركي أفْصح مُعرب وَمَا جِئْت فِي مدحيهما متطلعا ... بِهِ عرضا يفنى وَلَا نيل منصب ولكنني أبغي رضَا الله خالقي ... وَأَرْجُو بِهِ غفران زلَّة مذنب وأجعله لي فِي الْمعَاد ذخيرة ... أفوز بهَا فِي الْحَشْر من خطبه الوبي ... نجزت وَهِي سَبْعَة وَسِتُّونَ بَيْتا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم صُورَة فتيا قدمت فِي مجْلِس تقى الدّين ﵁ فَأجَاب فِي الْمجْلس بِهَذَا الْجَواب وَهُوَ تَقْدِير الْقدر السُّؤَال ... أيا عُلَمَاء الدّين ذمِّي دينكُمْ ... تحير دلوه بأوضح حجتي إِذا مَا قضى رَبِّي بكفري بزعمكم ... وَلم يرضه مني فَمَا وَجه حيلتي دَعَاني وسد الْبَاب عني فَهَل إِلَى ... دخولي سَبِيل بينوا لي قضيتي قضى بضلالي ثمَّ قَالَ ارْض بالقضا ... فَمَا أَنا رَاض بِالَّذِي فِيهِ شقوتي ...

стр. 384

.. فَإِن كنت بالمقضي يَا قوم رَاضِيا ... فربي لَا يرضى بشؤم شكيتي فَهَل لي رضَا مَا لَيْسَ يرضاه سَيِّدي ... فقد حرت دلوني على كشف حيرتي إِذا شَاءَ رَبِّي الْكفْر مني مَشِيئَة ... فَهَل أَنا عَاص فِي اتِّبَاع الْمَشِيئَة وَهل لي اخْتِيَار ان أُخَالِف حكمه ... فبالله فاشفوا بالبراهين علتي ... الْجَواب الْحَمد لله رب الْعَالمين ... سؤالك يَا هَذَا سُؤال معاند ... تخاصم رب الْعَرْش باري الْبَريَّة وَهَذَا سُؤال خَاصم الْمَلأ الْعلَا ... قَدِيما بِهِ إِبْلِيس أصل البلية وَمن يَك خصما للمهيمن يرجعن ... على أم رَأس هاويا فِي الحفيرة ويدعى خصوم الله يَوْم معادهم ... إِلَى النَّار طرا معشر الْقَدَرِيَّة سَوَاء نفوه أَو سعوا ليخاصموا ... بِهِ الله أَو ماروا بِهِ للشريعة وأصل ضلال الْخلق من كل فرقة ... هُوَ الْخَوْض فِي فعل الْإِلَه بعلة فإنهمو لم يفهموا حِكْمَة لَهُ ... فصاروا على نوع من الْجَاهِلِيَّة وَإِن مبادي الشَّرّ فِي كل أمة ... ذَوي مِلَّة قدسية نبوية بخوضهم فِي ذَلِك صَار شركهم ... وَجَاء دروس الْبَينَات بفترة فَإِن جَمِيع الْكَوْن أوجب فعله ... مَشِيئَة رب الْخلق باري الخليقة وَذَات إِلَه الْخلق وَاجِبَة بِمَا ... لَهَا من صِفَات وَاجِبَات قديمَة ...

стр. 385

.. مَشِيئَته مَعَ علمه ثمَّ قدرَة ... لَوَازِم ذَات الله قَاضِي الْقَضِيَّة فقولك لم قد شَاءَ مثل سُؤال من ... يَقُول فَلم قد كَانَ فِي الأزلية وَذَاكَ سُؤال يبطل الْعقل وَجهه ... وتحريمه قد جَاءَ فِي كل شرعة وَفِي الْكَوْن تَخْصِيص كثير يدل من ... لَهُ نوع عقل أَنه بِإِرَادَة وإصداره عَن وَاحِد بعد وَاحِد ... أَو القَوْل بالتجويز رمية حيرة ولاريب فِي تَعْلِيق كل مسبب بِمَا قبله من عِلّة موجبية بل الشَّأْن فِي الْأَسْبَاب أَسبَاب مَا ترى ... ومصدرها عَن حكم مَحْض الْمَشِيئَة وقولك لم شَاءَ الْإِلَه هُوَ الَّذِي ... أزل عقول الْخلق فِي قَعْر حُفْرَة فَإِن الْمَجُوس الْقَائِلين بخالق ... لنفع وَرب مبدع للمضرة سُؤَالهمْ عَن عِلّة الشَّرّ أوقعت ... رؤوسهم فِي شُبْهَة المثنوية وَإِن ملاحيد الفلاسفة الأولى ... يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيم بعلة بغوا عِلّة للكون بعد انعدامه ... فَلم يَجدوا ذاكم فضلوا بضلة وَإِن مبادي الشَّرّ فِي كل أمة ... ذَوي مِلَّة مَيْمُونَة نبوية بخوضهمو فِي ذاكم صَار شركهم ... وَجَاء دروس الْبَينَات بفترة ...

стр. 386

.. وَيَكْفِيك نقضا أَن مَا قد سَأَلته ... من الْعذر مَرْدُود لَدَى كل فطْرَة فَأَنت تعيب الطاعنين جَمِيعهم ... عَلَيْك وترميهم بِكُل مذمة وتنحل من والاك صفو مَوَدَّة ... وَتبْغض من ناواك من كل فرقة وحالهم فِي كل قَول وفعلة ... كحالك يَا هَذَا بأرجح حجَّة وهبك كَفَفْت اللوم عَن كل كَافِر ... وكل غوي خَارج عَن محجة فيلزمك الْإِعْرَاض عَن كل ظَالِم ... على النَّاس فِي نفس وَمَال وَحُرْمَة وَلَا تغضبن يَوْمًا على سافك دَمًا ... وَلَا سَارِق مَالا لصَاحب فاقة وَلَا شاتم عرضا مصونا وَإِن علا ... وَلَا ناكح فرجا على وَجه غية وَلَا قَاطع للنَّاس نهج سبيلهم ... وَلَا مُفسد فِي الأَرْض فِي كل وجهة وَلَا شَاهد بالزور إفكا وفرية ... وَلَا قَاذف للمحصنات بريبة وَلَا مهلك للحرث والنسل عَامِدًا ... وَلَا حَاكم للْعَالمين برشوة وكف لِسَان اللوم عَن كل مُفسد ... وَلَا تأخذن ذَا جرمة بعقوبة وَسَهل سَبِيل الْكَاذِبين تعمدا ... على رَبهم من كل جَاءَ بفرية ...

стр. 387

.. وَإِن قصدُوا إضلال من تستجيبهم ... بروم فَسَاد النَّوْع ثمَّ الرياسة وجادل عَن الملعون فِرْعَوْن إِذْ طَغى ... فأغرق فِي اليم انتقاما بعصية وكل كفور مُشْرك بإلهه ... وَآخر طاغ كَافِر بنبوة كعاد ونمروذ وَقوم لصالح ... وَقوم لنوح ثمَّ أَصْحَاب الايكة وَخَاصم لمُوسَى ثمَّ سَائِر من أَتَى ... من الْأَنْبِيَاء محييا للشريعة على كَونهم إِذْ جاهدوا النَّاس إِذْ بغوا ... ونالوا من العَاصِي بُلُوغ الْعقُوبَة وَإِلَّا فَكل الْخلق فِي كل لَفْظَة ... ولحظة عين أَو تحرّك شَعْرَة وبطشة كف أَو تخطي قديمَة ... وكل حراك بل بِكُل سكينَة همو تَحت أقدار الْإِلَه وَحكمه ... كَمَا أَنْت فِيمَا قد أتيت بِحجَّة وهبك رفعت اللوم عَن كل فَاعل ... فعال ردي طردا لهذي المقيسة فَهَل يمكنن رفع الملام جَمِيعه ... عَن النَّاس طرا عِنْد كل قبيحة وَترك عقوبات الَّذين قد اعتدوا ... وَترك الورى الْإِنْصَاف بَين الرّعية فَلَا تضمنن نفس وَمَال بِمثلِهِ ... وَلَا تعقبن عَاد بِمثل الجريمة ...

стр. 388

.. وَهل فِي عقول النَّاس أَو فِي طباعهم ... قبُول لقَوْل النذل مَا وَجه حيلتي وَيَكْفِيك نفضا مَا بجسم ابْن آدم ... صبي وَمَجْنُون وكل بَهِيمَة من الْأَلَم الْمقْضِي فِي غير حِيلَة ... وَفِيمَا يَشَاء الله أكمل حِكْمَة إِذا كَانَ فِي هَذَا لَهُ حِكْمَة فَمَا ... يظنّ بِخلق الْفِعْل ثمَّ الْعقُوبَة وَكَيف وَمن هَذَا عَذَاب مخلد ... عَن الْفِعْل فعل العَبْد عبد الطبيعة كآكل سم أوجب الْمَوْت أكله ... وكل بِتَقْدِير لرب الْبَريَّة فكفرك يَا هَذَا كسم أَكلته ... وتعذيب نَار مثل جرعة غُصَّة أَلَسْت ترى فِي هَذِه الدَّار من جنى ... يُعَاقب إِمَّا بالقضا أَو بشرعة وَلَا عذر للجاني بِتَقْدِير خَالق ... كَذَلِك فِي الْأُخْرَى بِلَا مثنوية وَتَقْدِير رب الْخلق للذنب مُوجب ... كتقدير عُقبى الذَّنب إِلَّا بتوبة وَمن كَانَ من جنس المتاب لرفعه ... عواقب أَفعَال الْعباد الخبيثة ...

стр. 389

.. كجبرية تمحى الذُّنُوب ودعوة ... تجاب من الْجَانِي وَرب شَفَاعَة وَقَول حَلِيف الشّعْر إِنِّي مُقَدّر ... عَليّ كَقَوْل الذيب هذي طبيعتي وَتَقْدِيره للْفِعْل يجلب نقمة ... كتقديره الْآثَار طرا بعلة فَهَل ينفعن عذر الملوم لِأَنَّهُ ... كَذَا طبعه أم هَل يُقَال لعثرة أم الذَّنب والتعذيب أوكد للَّذي ... طَبِيعَته فعل الشرور الشنيعة فَإِن كنت ترجو أَن تجاب بِمَا عَسى ... ينجيك من نَار الْإِلَه الْعَظِيمَة فدونك رب الْخلق فاقصده ضارعا ... مرِيدا بِأَن يهديك نَحْو الْحَقِيقَة وذلل قياد النَّفس للحق واسمعن ... وَلَا تعرضن عَن فكرة مُسْتَقِيمَة وَمَا بَان من حق فَلَا تتركنه ... وَلَا تعص من يَدْعُو لأَقوم ريعة ...

стр. 390

.. ودع دين ذَا الْعَادَات لَا تتبعنه ... وعج عَن سَبِيل الْأمة الغضبية وَمن ضل عَن حق فَلَا تقفونه ... وزن مَا عَلَيْهِ النَّاس بالمعدلية هُنَالك تبدو طالعات من الْهدى ... تبشر من قد جَاءَ بالحنفية بِملَّة إِبْرَاهِيم ذَاك إمامنا ... وَدين رَسُول الله خير الْبَريَّة فَلَا يقبل الرَّحْمَن دينا سوى الَّذِي ... بِهِ جَاءَت الرُّسُل الْكِرَام السجية وَقد جَاءَ هَذَا الحاشر الْخَاتم الَّذِي ... حوى كل خير فِي عُمُوم الرسَالَة وَأخْبر عَن رب الْعباد بِأَن من ... عدا عَنهُ فِي الْأُخْرَى بأقبح جينة فهذي دلالات الْعباد لحائل ... وَأما هداه فَهُوَ فعل الربوبة وفقد الْهدى عِنْد الورى لَا يقيل من ... عدا عَنهُ بل يجزى بِلَا وَجه حجَّة وَحجَّة مُحْتَج بِتَقْدِير ربه ... يُرِيد عذَابا كاحتجاج مَرِيضَة وَأما رضانا بِالْقضَاءِ فَإِنَّمَا ... أمرنَا بِأَن نرضى بِمثل الْمُصِيبَة ...
следующие страницы →