Полный текст (517 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَقَالَ بَعضهم فِي شيخ الْإِسْلَام ﵀ وَرَضي عَنهُ وَجعل الْجنَّة مَأْوَاه ... دموعي على صحن الخدود تسيل ... وصبري قصير والغرام طَوِيل
على فقد من قد كَانَ للدّين ناصحا ... وكافح أهل الشّرك وَهُوَ فُضَيْل
لفقد تَقِيّ الدّين ضَاقَتْ مذاهبي ... وَفِي كَبِدِي نَار الْفِرَاق تجول
إِمَام كريم كَانَ لله عابدا ... وَفِي زهده شرح هُنَاكَ يطول
قد كَانَ لِلْإِسْلَامِ كهفا ومسعدا ... إِذا مَا أصَاب الْمُسلمين نزُول
وَكَانَ على حكم الْمُهَيْمِن صَابِرًا ... وَفِي كل مَا يلقى إِلَيْهِ حمول
بشرع رَسُول الله قد كَانَ قَائِما ... وَعَن سنة الرَّحْمَن لَيْسَ يحول
وجاهد فِي الرَّحْمَن حق جهاده ... وَكَانَ لَهُ صَبر عَلَيْهِ جميل
لقد بَكت الدُّنْيَا حَقِيقا لفقده ... ويبكيه علم نَافِع وأصول
وَفِي أَرض مصر يالها من عجائب ... لَدَيْهِ جرت وَهُوَ الصبور الحمول
إِلَّا يَوْم الْإِثْنَيْنِ الَّذِي كَانَ قَبضه ... فَفِيهِ عزاء الْمُسلمين جزيل
وَفِي سجنه يَتْلُو ثَمَانِينَ ختمة ... قِرَاءَة ترتيل وَقصد سَبِيل
وَفِي مَوته دقَّتْ بشائر رَحْمَة ... أَتَاهُ من الْمولى رضَا وَقبُول
وَسَار إِلَى رب قديم مهيمن ... عَظِيم كريم لَيْسَ ذَاك قَلِيل
عَلَيْهِ سَلام الله مَا لَاحَ بارق ... وَمَا سَار غيث بالسماء هطول ...
стр. 457
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
هَذَا نظمه الْفَقِير إِلَى رَحْمَة ربه ومغفرته بدر الدّين حسن بن مَحْمُود النَّحْوِيّ المارداني فِي الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الأوحد شيخ الْإِسْلَام وقدوة الْأَنَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية تغمده الله برحمته وَرَضي عَنهُ ... أَلا أَيهَا الْقلب الَّذِي عدم الصبرا ... أفق طالما جرعت من لوعة صبرا
وَيَا عبرات الجفن أظهرت بالأسى ... لنا عبرا بالدمع أسطرها تقرا
أيأمن من خطب اللَّيَالِي مُخَاطب ... وشيمتها فِي النَّاس أَن تظهر الغدرا
وَهل خَالِد فِي الدَّهْر عَمْرو وخَالِد ... لعمرك لَا يبْقى وَلَو أمل العمرا
قضى ماجد مَا مثله الْيَوْم وَاحِد ... وَأبقى جميل الْفِعْل من بعده ذكرا
دَمًا لَو بكته دمنة الرّبع والدما ... وأمطرت الشعرى العبور لَهَا العبرا
أَو أغبر وَجه الأَرْض يَوْم مصابه ... لقل وَجل الْخطب من فَقده قدرا
فَتى ألف الْمَعْرُوف والجود عَادَة ... تعودها طفْلا وَكَانَ بهَا أَحْرَى
كَأَن لم يقل يَوْمًا مقَالا فتنثني ... إِلَى قَوْله الأسماع طَائِعَة قهرا
وَلَا ظَهرت يين الْأَنَام علومه ... وَلَا طرزت شاما وَلَا جملت مصرا
دَعَاني ظلال الصَّبْر فِي صَبر فَقده ... فَأرْسل رسل الدمع من مقلتي تترى
سننت تَقِيّ الدّين أَحْمد سنة ... وأوسعت فِي كسب الْعلَا بالندى صَدرا
стр. 458
.. أيا شَافِعِيّ الْوَقْت فِي ضبط نَقله ... نثرت على الْأَيَّام من لفظك الدرا
قنعت وَفِي الدُّنْيَا زهدت ديانَة ... وفارقتها واخترت ضَرَّتهَا الْأُخْرَى
أفضت على الْأَيَّام بَحر مَكَارِم ... وَعلم فأربحت المتاجر والأجرا
عجبت لقبر ضم جسمك تربه ... أيحوي الثرى فِي تربه الشَّمْس والبحرا
نقلت من الدُّنْيَا إِلَى ظلّ رَوْضَة ... وحزت الَّذِي أملت بالمقلة السهرا
وشاهدت فِي حسن الزِّيَادَة نَضرة ... وألبست وشيا عِنْد نظرتها نظرا
تدرعت أَثوَاب المحامد والتقى ... كعرضك بيضًا وابتدلت بهَا خضرًا
لَئِن نقل الْأَعْدَاء عَنْك ضَلَالَة ... رِوَايَة نقل مَا أحاطت بهَا خَبرا
وَإِن أودعوك السجْن مِنْهُم جَهَالَة ... فقد زِدْت قدرا عِنْدَمَا نَقَصُوا قدرا
فَمَا يختفي إِلَّا الْجَوَاهِر فِي الورى ... وَمن ظلم الأصداف يسْتَخْرج الدرا
أيا سائلي عَن علمه وَصِفَاته ... هُوَ الْبَحْر فاعجب فِيهِ من يصف البحرا
هُوَ الْغَيْث يثنى عَنهُ كل لطيمة ... من الرَّوْض بل تزكو لأوصافه بشرا
سما حاتما جودا وفاخر عَاصِمًا ... ففاق لمن يقرى الضيوف وَمن يقرا
أيا بَطل يَوْم الْجِدَال مجندل ... فوارس علم من فواضله قهرا
إِذا قَالَ فِي علياك أمعن قَائِل ... فَمَا حاط من معشار مَا نلته العشرا
وماذا يَقُول المادحون بوصفه ... وقدرك فَوق الشّعْر حل عَن الشعرى
تفردت فِي علم وزهد وفطنة ... فضلت بهَا فِي الْفضل بَين الورى ذكرا
стр. 459
.. أعدت نهارالجهل لَيْلًا مسودا ... وَكَافِر ليل الْكفْر صيرته فجرا
نظمت على جيد الزَّمَان قلائدا ... بِفَضْلِك نظما من علومك أَو نثرا
لقد كنت فِي يَوْم الفخار وَفِي الوغى ... شجاعا يرد اللَّيْث عَن سبله قهرا
سيوفك بيض مثل عرضك فِي الورى ... إِذا اسود ليل النَّقْع صيرتها حمرا
كَأَنَّك قد أفرغت فِي فَرد قالب ... تلاشى فَلم يصبر على قلبة أُخْرَى
فَجئْت على الْأَيَّام فَردا وَمن رأى ... مثالك من كنز المكارم قد أثرى
فأقسم بِالْقُرْآنِ فِي الْعَصْر صَادِقا ... بأنك قد شرفت من دهرك العصرا
سقاك حَيا وَمن وابل الْغَيْث سحرة ... وَحيا ندى قد ضم من كفك البحرا
وَنور نوار الرّبيع ربوعه ... وأطلع فِي أرجائه الزهر والزهرا ...
تمت بِحَمْد الله وَحسن توفيقه
وَله أَيْضا فِيهِ ﵀ وَرَضي عَنهُ آمين ... أَبى الْيَوْم سر الْكَوْن أَن يتكتما ... وصبغ مشيب الدمع أَن يتكلما
وكل مصون من شجون ولوعة ... بِهِ تمّ فرط الْحزن والدمع قد نما
قضى وَمضى مولى سما كل ماجد ... فأوحش ربع المكرمات وأظلما
غمامة جود أقلعت بعد صوبها ... وَبدر سعود غَابَ لما تتمما ...
стр. 460
.. وبحر عُلُوم غاص زاخر يمه ... وركن معال قد وهى وتهدما
عيوني مصاب الْخطب لما تحققت ... بهَا الدمع من جفني تعندم عِنْدَمَا
أيا فَاضل الْعَصْر الَّذِي فِي صِفَاته ... تَأَخّر من فِي الْفضل عَنهُ تقدما
قضيت جميل الْفِعْل أوحد مِلَّة ... حمى الدّين وَالْإِسْلَام عزما وسلما
لِيَهنك كم جندلت يَوْمًا مجادلا ... وكلمته بِاللَّفْظِ مِنْهُ تكلما
نثرت على فرق الزَّمَان جواهرا ... ودرا على جيد اللَّيَالِي تنظما
بِفضل صَلَاة مَعَ صَلَاتك فِي الدجى ... وجودك وَالْإِحْسَان أربحت مغنما
سبقت الى الغايات فِي الْفضل للورى ... على قدم مقدامها قد تقدما
مضى علم فِي النَّاس حبر معلم ... فأوحش من ربع الْمدَارِس معلما
فَأصْبح درس الْفضل وَالْعلم دارسا ... يود بِأَن يشكو الجوى وتكلما
فَتى لَو قلامات الأظافر قَلما ... لَكَانَ شَبيه مثله الْيَوْم قَلما
فَلَو أنصفته الباكيات لفقده ... بكته دَمًا من فيض أجفانها الدما
مَتى صير الْمِعْرَاج للخلد فِي الدجى ... بأوراده لما تسلم سلما
فكم جادلت أَقْوَاله من معاند ... تقاصر عَنهُ حِين أقدم أحجما
وَكم ردعت آراؤه من مُخَالف ... عَن الدّين بحثا حِين سلم أسلما
لبست تَقِيّ الدّين ثوب تقاوة ... من الْفضل عَن مولى سواك تحرما
تخيرت مَا يبْقى على كل هَالك ... فأربحت من تِلْكَ التِّجَارَة مغنما ...
стр. 461
.. لقِيت الَّذِي قَدمته من صنائع ... من الْخَيْر أَو مَا جدت مِنْك تكرما
وَفِي الْحَشْر تلقى كل نفس نفائسا ... وتجزى الَّذِي فِي النَّاس أجرم أجرما
تَأَخَّرت عَن نيل المناصب رفْعَة ... وَمثلك فِي أيامنا مَا تقدما
بنيت على الْإِسْلَام ركنا ومعصما ... يقبل مِنْهُ الْمجد كفا ومعصما
أَقمت قناة الدّين مِنْك بعزمة ... وَأَطْفَأت نَار الشّرك مِنْك فأظلما
صبرت على حمل الْأَذَى مِنْك رَاضِيا ... وأعرضت عَن فعل الأعادي تكرما
شهرت على أهل الْبَدَائِع فِي الورى ... صوارم شرك الْكفْر مِنْهَا تصرما
وقفت على يَوْم الجلاد شجاعة ... بعزم يرد المشرفي مِثْلَمَا
إِذا بَكت الْأَبْطَال خوف قَبيلَة ... ضحِكت بثغر فِي الوغى قد تبسما
وَلما تبدى نور نَعشك لامعا ... تمنت بَنَات النعش أَن تتحطما
وودت بِأَن تَدْنُو الثريا إِلَى الثرى ... نثارا عَلَيْهِ رفْعَة وتعظما
نزلت على أهل الْمَقَابِر رَحْمَة ... وأنقذتهم من ظلمَة الظُّلم والظما
سقى قبر الوسمي فِي كل سحرة ... سحائب رضوَان بِهِ الرَّوْض وسما
ورف عَلَيْهِ الأقحوان مفلجا ... وأطلع فِيهِ الرَّوْض نجما وأنجما ...
تمت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
стр. 462
قصيدة
للشَّيْخ الإِمَام جمال الدّين عبد الصمد بن ابراهيم بن الْخَلِيل بن ابراهيم بن الْخَلِيل الْحَنْبَلِيّ يرثي شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد ابْن تَيْمِية قدس الله روحه وعدتها ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ بَيْتا ... عش مَا تشَاء فَإِن آخِره الفنا ... الْمَوْت مَالا بُد عَنهُ وَلَا غنى
والدهر إِن يَوْمًا أعَان فطالما ... بالسوء عان فعونه عين العنا
لَا بُد من يَوْم يؤمك حتفه ... حتما نأى الْأَجَل الْمُقدر أَو دنا
للنَّفس سهم من سِهَام نَوَائِب ... يَرْمِي فيصمي من هُنَاكَ وَمن هُنَا
من غرَّة الأمل المديد فَإِنَّهُ ... غر لِأَن طَعَامه لن يسمنا
شمس الْحَيَاة تضيفت ومشيبه ... ضيف يجر من الْمنية ضيفنا
من حِين أوجد كَانَ نفس وجوده ... فِي الْكَوْن بِالْعدمِ الْمُحَقق مُؤذنًا
يَا من يعد الدَّهْر صَاحب دهره ... ويعد فِيهِ للإقامة موطنا
أَو مَا رَأَيْت الْمَوْت كَيفَ سَطَا بِمن ... فِي الْخلق عَن مَحْض الْعُلُوم تَكُونَا
ندب مُبَاح الصَّبْر حظر بعده ... فَلم اسْتَحَالَ وَكَانَ شَيْئا مُمكنا
بذ الْأَنَام مَعَ البذاذة فَضله ... إِذْ لم يكن بسوى التقى متزينا ...
стр. 463
.. ترك الْجَمِيع على الجموع فَلم يهب ... تِلْكَ الجموع وَلَا استراب وَلَا ونى
وَلكم مقامات لَهُ فِي الْحق لَا ... بيض الظبا يخْشَى وَلَا سمر القنا
بِالْعرْفِ يَأْمر ناهيا عَن مُنكر ... متقربا وَهُوَ الْبعيد عَن الْخَنَا
ويخص أَوْقَات الْخَصَاصَة بالندى ... فَيعم عادا فقره أعلا الْغِنَا
فبخير مَا سنَن وبالسنن اقْتدى ... وَالشُّكْر وَالذكر الجميلين اقتنى
مَا جَار عَن نهج الصَّوَاب وَمَا اعْتدى ... وَبِغير تَحْصِيل الْفَضَائِل مَا اعتنى
إِمَّا تبارزه تَجدهُ مبرزا ... فِي اي علم شِئْت حبرًا متقنا
وَإِذا تجاريه فَمَا السَّيْل انبرى ... إِمَّا جرى فِي بَحثه متفننا
متزهدا متعبدا متهجدا ... متخشعا متورعا متدينا
فِي كل عصر سيد هُوَ حجَّة ال ... باري على كل الْخَلَائق فِي الدنا
ونرى أَحَق من اسْتحق فحاز ذَا ... من للْإِمَامَة لم يزل مُتَعَيّنا
شيخ الْأَنَام وَحجَّة الْإِسْلَام من ... أغناه نشر الذّكر عَن ذكر الكنى
أَعنِي أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن تق ... ي الدّين حَقًا والعليم الممعنا
فِي الله لَيْسَ يخَاف لومة لائم ... وَيرى النَّوَى فِيهِ نهايات المنى
لما تحقق أَن كل مخلف ... يفنى وَإِن كَانَ النفيس المثمنا
لم يدّخر قوتا لأجل غَد وَلَا ... أبقى لَهُ إِرْثا سوى حسن الثنا
صدر حوى فِي صَدره لكماله ... من كل علم معلوي معدنا
ظَهرت ولايات الْولَايَة بعده ... واسأل لتصبح بالحقائق موقنا
واسمع مقَالَة أَحْمد متوعدا ... أعداءه يَوْم الْجَنَائِز بَيْننَا ...
стр. 464
.. فأحق مَا يبكى عَلَيْهِ فَقده ... أيموت هَذَا الحبر رزءا هينا
فيض النُّفُوس يقل فِيهِ فَلَا تلم ... وأعن عيُونا فضن فِيهِ أعينا
يَا من أعَاد أولي التشدق علمه ... خرسا وأنطق بالثناء الألسنا
يَا دوحة الْفضل الَّتِي فِي أَصْلهَا ... طيب وزاكي فرعها حُلْو الجنا
يَا حبر بل يَا بَحر كم حيرت من ... حبر تصير ذَا الفصاحة ألكنا
يَا خَاتم الْفُضَلَاء علمك معجز ... بهر الورى فصدرت عَنهُ مُؤمنا
إِن كَانَ ذَا حفظا فوقتك ضيق ... عَنهُ وَلَو كَانَ الزَّمَان لَهُ أَنا
لكنه من فضل مَا هُوَ قَاذف ... بِالْحَقِّ من نور الْولَايَة والسنا
أسست بنيانا على تقوى ورضوان فَلَا سِيمَا قد ارْتَفع الْبَنَّا
غبرت يَا من لَا يشق غباره ... فِي أوجه الْفُضَلَاء قدما قبلنَا
جاهدت فِي ذَات الْمُهَيْمِن صَابِرًا ... عِنْد الْأَذَى فَأَتَت بشارات الهنا
إِن الَّذين يجاهدون عدونا ... فِينَا سنهديهم إِلَيْنَا سبلنا
الله قد أثنى على الْعلمَاء فِي ... نَص الْكتاب وَأَنت أولى من عَنى
لَا غرو إِن كنت ابْتليت بحاسد ... فالحر ممتحن بأولاد الزِّنَا
أَشْكُو إِلَيْك وَأَنت أصل شكايتي ... من فرط ضرّ فِي افتقادك مسنا
قد عبرت عبراتنا من حزننا ... وَبِمَا يجن من الجوى نطق الضنى
سقيا لتِلْك الرّوح من سحب الرِّضَا ... وتبوأت جنَّات عدن مسكنا
لَو كَانَ فِيهَا الْمَوْت يقبل فديَة ... كَانَ الْأَنَام فدى وأولهم أَنا ...
стр. 465
تمت بِحَمْد الله وعونه وَحسن توفيقه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
هَذِه القصيدة نظم الشَّيْخ عبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الرُّومِي الأَصْل الدِّمَشْقِي الحريري الْمَعْرُوف بالمتيم يرثي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية وَهُوَ اُحْدُ أَصْحَابه ﵁ وأرضاه ... لقد عذبُوا قلبِي بِنَار الْمحبَّة ... وذاب فُؤَادِي من فِرَاق الْأَحِبَّة
وَزَاد غرامي فِي اشتياقي إِلَى الْحمى ... وهيج بلبالي حنيني ولوعتي
فيا عظم أحزاني ووجدي عليهمو ... وَيَا طول أشواقي إِلَيْهِم ووحشتي
فَلم أنس أَيَّامًا تقضت بقربهم ... وَمن عيشتي لما توَلّوا تولت
مَلَأت النواحي من نواحي وَكَيف لَا ... أنوح على قوم همو خير جيرتي
وَمن عجبي أَنِّي أحن إِلَيْهِم ... وَقد سكنوا قلبِي وروحي ومهجتي
ذكرت فَلم أنسى زمَان وصالهم ... أأنسى لَيَال بالعذيب تقضت
منَازِل أحبابي مَوَاطِن سادتي ... مطالع أقماري شروق أهلتي
معاهد أفراحي ديار سعادتي ... مواسم أرباحي أويقات لذتي
مَضَت وَانْقَضَت عني كَأَن لم أكن بهَا ... وَمَا ذَاك إِلَّا من ترادف غَفلَة
أعلل روحي بالغوير وبانة ... وَمَا شوقها إِلَّا لسكان رامة
إِذا لم يلح لي بارق من حماهمو ... فيا خيبة الْمَسْعَى وَيَا طول شقوتي ...
стр. 466
.. وَإِن لم أقض الْعُمر بَين خيامهم ... فَلَا عِشْت فِي الدُّنْيَا وَلَا نلْت منيتي
وَإِن لم أشاهد حسنهم فِي مشاهدي ... فقد فَاتَنِي سؤلي ومت بحسرتي
وَإِن لم أجد نور الْهدى من خبائهم ... يضيء بِهِ قلبِي فيا عظم حيرتي
لغير رضاهم مَا تمنت مطامعي ... وَلَا لسواهم مَا حلالي تلفتي
يَقُولُونَ لي لم لَا سلوت هواهمو ... فَقلت دَعونِي مَا بليتم بمحنتي
وَلَا ذقتمو مَا ذاق قلبِي من الجوى ... وَلَا مسكم ضري وناري وحرقتي
فَهَل لي جنان أَن يهم بغيرهم ... وَهل لي لِسَان أَن يفوه بسلوتي
وحاشاي أَن أسلو هواهم وحبهم ... يذكرنِي حفظ العهود الْقَدِيمَة
فهم سر أسراري وَنور مناظري ... وروحي وريحاني وأنسى وبهجتي
وهم عين أعياني وقلبي وقالبي ... وهم مُنْتَهى قصدي ومشهد رؤيتي
وهم فِي معاينهم حَياتِي حَقِيقَة ... وهم فِي مغانيهم أهيل مودتي
وهم فِي تجليهم شموس إِذا بدوا ... وهم فِي تجنيهم رياضي ونزهتي
وهم أَيْنَمَا كَانُوا نِهَايَة مقصدي ... وهم أَيْنَمَا حلوا مرادي وبغيتي
وهم نور أنواري وسر حقائقي ... وهم أنس تأنيسي ومأمن خيفتي ...
стр. 467
.. ترى يشتفي قلبِي برؤيتهم على ... رياض الهنا يَوْمًا وتبرد غلتي
وتحيا بهم روحي حَيَاة هنيئة ... مسرمدة التَّنْعِيم فِي روض جنَّة
إِذا سمحوا لي نظرة من جمَالهمْ ... فقد نلْت من رضوانهم كل وصلَة
عَلَيْهِم سَلام الله مَا هبت الصِّبَا ... وَمَا ناحت الأطيار شوقا وحنت
وَقد آن أَن أبدي خفايا صبابتي ... وَأظْهر للعذال أصل رزيتي
وأبكي على من كَانَ يجمع شملنا ... على طَاعَة الرَّحْمَن فِي كل لمحة
وأندب أحزاني بِمَا قد أصابني ... وأنثر اشجاني بنظم قصيدتي
فقدت إِمَامًا كَانَ أوحد عصره ... وَقد فجعت فِيهِ جَمِيع الْبَريَّة ... فقدت إِمَامًا لم يزل متوكلا ... على الله لَا يصغي إِلَى غير سنة
فقدت إِمَامًا كَانَ بِالْعلمِ عَاملا ... وَكَانَ حَقِيقا قامعا كل بِدعَة
أَتَى بِكِتَاب الله وَالسّنة الَّتِي ... علت وارتقت حَقًا على كل مِلَّة
أَتَى بِأَحَادِيث الرَّسُول وَشَرحهَا ... وَعَمن رَوَاهَا بالمتون الصَّحِيحَة
أَتَى بعلوم الْعَالمين جَمِيعهَا ... بزهد وتأييد وَدين وَقُوَّة
أَتَى بأصول الدّين وَالْفِقْه مُجملا ... وفصلها تَفْصِيل من غير شُبْهَة
أَتَانَا بأحوال الرَّسُول حَقِيقَة ... وَسيرَته تسمو على كل سيرة
أَتَانَا بأحوال الصَّحَابَة كلهم ... وَالتَّابِعِينَ الْملَّة المستقيمة
أَتَانَا بأوصاف الْأَئِمَّة كلهَا ... وصنف كتبا فِي صِفَات الْأَئِمَّة ...
стр. 468
.. أَتَانَا بِوَصْف الصَّالِحين وحالهم ... وَمَا هم عَلَيْهِ من جميل العقيدة
وَعلمنَا شرع الرَّسُول وَدينه ... بأفصح أَلْفَاظ وأصدق لهجة
وَأَعْلَمنَا أَن النجَاة من الْهوى ... تمسكنا بِالسنةِ النَّبَوِيَّة
وحذرنا من كل زيغ وبدعة ... وَعَن كل طاغ خَارج عَن محجة
وناظر أَرْبَاب العقائد كلهم ... وَبَين من قد ضل من كل فرقة
ورد على أهل الضلال جَمِيعهم ... بأوضح برهَان وأبلغ حجَّة
وَبَين تَكْذِيب الْيَهُود وخبثهم ... وَمَا بدلُوا فِي الْملَّة الموسوية
وَأخْبرهمْ عَن سر أَسبَاب كفرهم ... فتعسا لَهُم من امة غضبية
وَأظْهر أَيْضا لِلنَّصَارَى ضلالهم ... وَمَا أَحْدَثُوا فِي الْملَّة العيسوية
وباحثهم حَتَّى تبين انهم ... سكارى حيارى بالطباع الخبيثة
ورد على كتب الفلاسفة الأولى ... بمنقول أَحْكَام ومعقول حِكْمَة
وَقرر إِثْبَات النبوات عِنْدهم ... وجال عَلَيْهِم كرة بعد كرة
ورد على جهم وجعد بن دِرْهَم ... وَبشر المريس عُمْدَة الْجَهْمِية
زنادقة كم أهلكوا من عوالم ... بِسوء اعتقادات النُّفُوس السقيمة
وجادل أهل الإعتزال جَمِيعهم ... وسل عَلَيْهِم سَيْفه بالأدلة
يَقُولُونَ قَول الله من بعض خلقه ... لقد كبكبوا فِي قَعْر نَار حمية
وباحث أَشْيَاخ الروافض وانثنى ... يقاتلهم بِالدرةِ العمرية
لأنهمو عَادوا خَواص مُحَمَّد ... وَسبوا فهم فِي الأَصْل شَرّ الْخَلِيفَة ...
стр. 469
.. بغوا وافتروا جهلا فهم أنجس الورى ... وأكذب خلق الله من كل فرقة
وهم خصماء الله تَبًّا لدينهم ... وبعدا لَهُم من عصبَة ثنوية
فكم أَحْدَثُوا فِي ديننَا من ضَلَالَة ... فَلَا مرْحَبًا بالفرقة الْقَدَرِيَّة
ورد على قوم تربت نُفُوسهم ... على النَّفْي والتعطيل من غير حجَّة
ورد على قوم وشتت شملهم ... وهم أهل تَشْبِيه أَتَوا بكبيرة
ورد على أهل التناسخ عِنْدَمَا ... تجروا وخاضوا فِي امور عَظِيمَة
ومزقهم فِي كل وَاد لأَنهم ... يَقُولُونَ لَا شَيْء سوى البرزخية
وَقد أَنْكَرُوا أَمر الْمعَاد بقَوْلهمْ ... نفوس نأت عَنَّا وَفِي الْغَيْر حلت
وجاهد أهل الِاتِّحَاد وردهم ... إِلَى أشرف المسرى وَأهْدى طَريقَة
وأنقذهم من ظلمَة الْجَهْل والعمى ... بِنور وبرهان وَدين النَّصِيحَة
ورد على أهل الْحُلُول فَإِنَّهُم ... يرَوْنَ تجلي الْحق فِي كل صُورَة
وَقد زَعَمُوا أَن التجلي مظَاهر ... وَلَا سِيمَا فِي صُورَة أمردية
فَمن أجل هَذَا يرقصون ديانَة ... وَفِي رقصهم جَاءُوا بِكُل قبيحة
يرَوْنَ شُهُود المرد والرقص قربَة ... فيا ويلهم من خزي يَوْم الفضيحة
ورد على أَتبَاع إِبْلِيس عِنْدَمَا ... رَآهُمْ وَقد مالوا إِلَى الجبرية
وَكم قد طوى فِي علمه من طوائف ... حرورية مِنْهُم على حشوية
مطايا بنيات الطَّرِيق سرت بهم ... إِلَى أَن أناخوا فِي عراص القطيعة
стр. 470
وَفِي بَحر آراء العقائد أغرقوا ... رَمَتْهُمْ خيالات الْعُقُول السخيفة ... وَكم قد أَرَاهُم كلهم سبل الْهدى ... وَكم قد نَهَاهُم مرّة بعد مرّة
فَمن كَانَ قطب الْكَوْن فِي حَال عصره ... سواهُ وَمن قد فَازَ بالبدلية
شُجَاع همام بارع فِي صِفَاته ... يروم مراما فِي المراقي الْعلية
تزهد فِي كل الْوُجُود وَغَيره ... يَدُور على الدُّنْيَا بِنَفس دنية
يجود على الْمِسْكِين فِي حَال عسره ... بأطماره فِي حب باري الْبَريَّة
ويلقى لمن يلقاه بالبشر وَالرِّضَا ... بأوصافه الْحسنى وَنَفس زكية
وَيَدْعُو لمن قد نَالَ من ثلم عرضه ... وَلم ينْتَقم مِمَّن أَتَى بالأذية
يُسَارع فِي الْخيرَات سرا وجهرة ... ويلهو عَن اللَّذَّات فِي كل طرفَة
يُجَاهد فِي الله الْكَرِيم بِجهْدِهِ ... بِصدق وإخلاص وعزم وَنِيَّة
وَيَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ حبا لرَبه ... وَينْهى عَن الْفَحْشَاء نهيا بهمة
تَقِيّ نقي طَاهِر الذيل مذ نشا ... كريم السجايا ذُو صِفَات حميدة
أَلَيْسَ الَّذِي قد شاع فِي الْكَوْن ذكره ... وَعم البرايا بالفتاوى الْعَظِيمَة
فَمن كَانَ تَاج العارفين لوقتنا ... وَشَيخ الْهدى قل لي بِغَيْر حمية
هُوَ الحبر والقطب الَّذِي شاع ذكره ... وفاح شذاه كالعبير المفتت
إِذا مَا ذكرنَا حَاله وَصِفَاته ... كأنا حللنا فِي نعيم وروضة
تهنأ أَبَا الْعَبَّاس بِالْقربِ وَالرِّضَا ... لقد نلْت مَا ترجو بِكُل مَسَرَّة ...
стр. 471
.. أَلا يَا تَقِيّ الدّين يَا فَرد عصره ... بروقك قد لاحت كشمس مضيئة
وَبَانَتْ لكل النَّاس أوصافك الَّتِي ... برزت بهَا مثل الْعُيُون الغزيرة
ظَهرت بأنواع الْعُلُوم وجنسها ... وسارت بهَا الركْبَان فِي كل بَلْدَة
فأظهرت مَا قد كَانَ للنَّاس خافيا ... بِكُل معَان والفنون الغريبة
وأوضحت إشْكَالًا وبينت مُبْهما ... وأبديت أسرارا بِنَفس عليمة
وَكم غصت فِي بَحر المعارف غوصة ... ولججت فاستخرجت كل يتيمة
ظَهرت بِإِحْسَان وَحسن سماحة ... وَدين وتوحيد وكل فَضِيلَة
خرجت من السجْن الَّذِي كَانَ ضيقا ... إِلَى دَار فوز فِي رياض فسيحة
وَقد نلْت من مَوْلَاك مَا كنت راجيا ... وأشهدك الْمَعْنى بِعَين قريرة
حملت على النعش الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ ... مئين ألوفا فِي بكاء وضجة
وَصلى عَلَيْك الْحَاضِرُونَ جَمِيعهم ... بِحسن اعْتِقَاد فِيك يَا شيخ قدوة
وَأما النِّسَاء الْمُؤْمِنَات فَإِنَّهُنَّ ... خرجن حيارى فوجة بعد فوجة
ومعهن أبكار تحجبن بالتقى ... يَنحن بأكباد عَلَيْك حزينة
صبرت على الْأَحْكَام طَوْعًا وَطَاعَة ... وذقت من الآلام طعم البلية
وَكنت حمولا للنوائب كلهَا ... صبورا على الأقدار فِي دَار غربَة
وأوسعت صَدرا للمقادير عِنْدَمَا ... شهِدت جمال الْحبّ فِي كل خلْوَة
ولاحت لَك الْأَنْوَار بالمشهد الَّذِي ... تَطوف بِهِ الْأَنْوَار فِي روض جنَّة
وعاينت مَوْجُودا تعالت صِفَاته ... وشاهدت محبوبا بِعَين البصيرة ...
стр. 472
.. فَلَا أوحش الرَّحْمَن مِنْك وَلَا خلت ... ربوعك من تِلْكَ الْعُلُوم الجليلة
وَلَا أقفرت مِنْك الطلول وَلَا نأت ... دِيَارك من تِلْكَ الصِّفَات الجميلة
وَلَا سكنت يَوْم الْوَدَاع دموعنا ... ولااكتحلت فِيك الجفون بغمضة
وَلَا احْتَجَبت أسماعنا عَنْك سَاعَة ... وَلَا أَيِست مِنْك الْعُيُون بنضرة
لقد كنت روحا للقلوب وراحة ... وقوتا وأنسا للنفوس النفيسة
تمسكت بِالدّينِ الحنيفي وَالْهدى ... وبالعروة الوثقى وأصل الشَّرِيعَة
ظَهرت إِلَى الدُّنْيَا بِأَحْسَن مظهر ... ورحت إِلَى الْأُخْرَى بأكمل رَوْحَة
وودعتنا توديع من غير رَاجع ... وفارقتنا والدر غير بعيدَة
شربت بكأس العارفين مدامة ... حَقِيقَتهَا من سر عين الْحَقِيقَة
وجدت بكأس الْفضل مِنْك تكرما ... على تابعين السّنة الأحمدية
فسبحان من أَعْطَاك من فضل جوده ... لقد نلْت قربا لَا ينَال بحيلة
لقد عِشْت محبوبا ومت مكرما ... عَلَيْك من الرَّحْمَن أزكى تحيني
وَمَا بَرحت تعلوك أنوار أنسه ... وَمَا زلت فِي عز وَقرب ورفعة
ومأواك جنَّات النَّعيم مَعَ الَّذِي ... تفرد من بَين الورى بالوسيلة
نَبِي الْهدى خير الورى صَاحب اللوا ... شَفِيع على الْإِطْلَاق فِي كل أمة
عَلَيْهِ صَلَاة الْحق ثمَّ سَلَامه ... على عدد الأنفاس فِي كل طرفَة
وَبعد فَللَّه المحامد كلهَا ... على مَا أرانا من وضوح المحجة
وَهَا أَنا يَا رَبِّي عبيد متيم ... عساك ترى حَالي وَتغْفر زلتي ...
стр. 473
تمت وعدتها مائَة وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم وَله أَيْضا ﵀ يرثي شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مرّة أُخْرَى ... لله عَيْشًا تقضى بالثنيات ... مَعَ جيرة لذ لي فيهم صباباتي
مَا كَانَ أهنا زماني فِي ربوعهمو ... والسعد يسْعَى بِمَا فِيهَا إراداتي
والكأس تجلى بأنواع السرُور وَفِي ... قرب الْأَحِبَّة تبدو لي سعاداتي
إِذا تجلوا على قلبِي بحسبهم ... كأنني فِي نعيم وسط روضاتي
قد كنت فِي قربهم والوصل مقترني ... لم يخْطر الصد والهجران فِي ذاتي
وَالْيَوْم أَصبَحت ابكي بعد بعدهمْ ... لما تناءوا نأت عني مسراتي
وَغَابَ مذ غَابَ عَن عَيْني جمالهمو ... راحي وروحي وريحاني وراحاتي
وَلَا صفا بعدهمْ عيشي بمنهلة ... ومذ توَلّوا تولى طيب لذاتي
يَا سادة ملكوا قلبِي بلطفهم ... مَا ضرهم لَو أعادوا لي أويقاتي
همو مرادي وهم سَمْعِي وهم بَصرِي ... وهم نعيمي وروضاتي وجناتي
وهم حَياتِي وهم أنسي وهم شرفي ... وَذكرهمْ لم يزل فِي الْقلب جلواتي
لهفي على زمن ولي وَمَا ظَفرت ... روحي بِمَا ترتجى يَوْم الأثيلات
لما سروا وفؤادي فِي هوادجهم ... ناديت من حرقي يَا عظم لوعاتي ...
стр. 474
.. مَا كنت أعلم قربي فِي محبتهم ... حَتَّى رمتني الى الأبعاد راياتي
فاندب على مَا مضى من عيشنا وَصفا ... وابك على مَا قد جرى يَا قلبِي العاتي
وَاذْكُر مصَارِع قوم كَيفَ قد شربوا ... بعد الزلَال بكاسات المنيات
فَأَصْبحُوا فِي الثرى تبلى وُجُوههم ... تَحت التُّرَاب فيا عظم المصيبات
أَأَنْت من بعدهمْ تسري كسيرهم ... إِمَّا بدار هوان أَو بجنات
أَقُول مَا قَالَه العَبْد الْمُنِيب وَقد ... أودى بِهِ السجْن فِي بر وطاعات
أَنا الذَّلِيل أَنا الْمِسْكِين ذُو شجن ... أَنا الْفَقِير الى رب السَّمَوَات
أَنا الكسير أَنا الْمُحْتَاج يَا أملي ... جدلي بِفَضْلِك واعف عَن خطياتي
أَنا الْغَرِيب فَلَا أهل وَلَا وَطن ... أَنا الوحيد فَكُن لي فِي ملماتي
أَنا العبيد الَّذِي مَا زلت مفتقرا ... إِلَيْك يَا سَيِّدي فِي كل حالاتي
مَا لي سواك وَمَا لي عَنْك منصرف ... ذكراك فِي الْقلب قرآني وآياتي
أَنْت الْقَدِير على جبري بوصلك لي ... أَنْت الْعَلِيم بأسراري الخفيات
أَدْعُوك يَا سَيِّدي يَا مشتكى حزني ... يَا جابري يَا مغيثي فِي مهماتي
فَانْظُر الى عبرتي وَارْحَمْ صبا جَسَدِي ... يَا رَاحِم الْخَيْر يَا باري البريات
مَا زَالَ مفتقرا فِي بَاب سَيّده ... مَا زَالَ مبتليا بالإمتحانات
مَا زَالَ يتبع آثَار الرَّسُول على الن ... هج القويم بأعلام الدلالات ...
стр. 475
.. يهدي لسنته يُفْتِي بشرعته ... يرْعَى لِحُرْمَتِهِ فِي كل سَاعَات
قطب الزَّمَان وتاج النَّاس كلهمو ... روح الْمعَانِي حوى كل الْعِبَادَات
حبر الْوُجُود فريد فِي معارفه ... أفنى بِسيف الْهدى أهل الضلالات
حوى من الْمُصْطَفى علما وَمَعْرِفَة ... وجاءه مِنْهُ إمداد النوالات
مَا جَاءَ سَائل إِلَّا ويمنحه ... إِمَّا بجود وَإِمَّا بالمداراة
مَاذَا أَقُول وَقَوْلِي فِيهِ منحصر ... فِي وصف أخلاقه كلت عباراتي
فِي علمه مَا علمنَا من يُنَاسِبه ... إِلَّا أئتمنا أهل العنايات
فِي زهده مَا سمعنَا من يشاكله ... إِلَّا رجال مضوا أهل الكرامات
فِي جوده مَا وجدنَا من يماثله ... غير البرامك كَانُوا فِي سعادات
يجود وَهُوَ فَقير إِن ذَا عجب ... هُوَ الَّذِي مَا سمعنَا فِي الحكايات
تلوح شمس الْمَعَالِي فِي شمائله ... وَفِي صفا وَجهه نور الهدايات
بَحر المعارف تاهوا فِي بدايته ... اهل الْمعَانِي وأرباب النهايات
قطب الْحَقَائِق حاروا فِي فضائله ... أهل التصوف اصحاب الرياضات
أعجوبة الدَّهْر فَرد فِي فضائله ... عَلامَة الْوَقْت فِي الْمَاضِي وَفِي الْآتِي
والهف قلبِي على من كَانَ يجمعنا ... على فنون الْمعَانِي والإشارات
فَارَقت من كَانَ يرويني بِرُؤْيَتِهِ ... إِذْ اتبدى بدى سر الْعِبَادَات
يروي الْأَحَادِيث عَن سكان كاظمة ... فيطرب الْكَوْن من طيب الرِّوَايَات
ويطنب الذّكر فِي إِحْسَان حسنهم ... فيرقص الْقلب شوقا نَحْو سَادَات ...
стр. 476
.. أفْضى الى الله والجنات مَسْكَنه ... عَلَيْهِ من ربه أزكى تحيات
ثمَّ الصَّلَاة على خير الْأَنَام وَمن ... قد خصّه الله من بَين البريات
اخْتَارَهُ لَيْلَة الاسرى لحضرته ... حَتَّى تجلى لَهُ رب السَّمَوَات
فَهُوَ الشَّفِيع الَّذِي ترجى شَفَاعَته ... عِنْد الشدائد فِي يَوْم المجازاة
عَلَيْهِ مني سَلام الله مَا همعت ... سحب وجادت بالزيادات
وَالْحَمْد لله حمدا لَا إنقطاع لَهُ ... أَرْجُو بِهِ من إلهي محو زلاتي ...
تمت وعدتها خَمْسَة وَخَمْسُونَ بَيْتا
وَسُئِلَ النَّاظِم لهَذِهِ القصيدة عَن عمره فَقَالَ نَحْو التسعين ومولدي بِبِلَاد الرّوم وَتُوفِّي يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَدفن بِبَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
مرثية
فِي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀ نظمها رجل اسْمه جمال الدّين مَحْمُود بن الْأَمِير الْحلَبِي وأرسلها من حلب المحروسة ... يَا دموعي سحى كسحب الْغَمَام ... هاطلات على الخدود سجام
لفراق الشَّيْخ الإِمَام المفدى ... ابْن تَيْمِية ونجل الْكِرَام ...
стр. 477
.. زاهد عَابِد تَقِيّ نقي ... فهمه لَا يُقَاس بالأفهام
ابْن تَيْمِية يتيمة دهز ... مَا لَهُ من مساوم ومسامي
فجعت فِيهِ كل أهل البرايا ... جمعهَا للعلوم وَالْأَحْكَام
أوحد فِي الْعُلُوم وَالْفضل والزهد ... لَا يرأى فِي مِلَّة الْإِسْلَام
بَحر علم يغوص كل لَبِيب ... فِي مَعَانِيه حَار كل الْأَنَام
فاق بِالْعلمِ والفضائل بالخلق ... فأضحى إِمَام كل إِمَام
إِن يكن غَابَ شخصه وتوارى ... وَمَضَت روحه لدار السَّلَام
فمناقبه والفضائل تبقى ... فِي ممر الدهور والأعوام
سيد قد علا بِعلم وحلم ... فعداه لَدَيْهِ كالأنعام
كم رَمَوْهُ الحساد بالكيد وَالْبَغي وَهُوَ لَا ينثني عَن الْأَقْدَام
طَالب الْحق لَا يخَاف لحيف ... وَهُوَ يحمي عَن ذرْوَة الْإِسْلَام
لَا يخَاف الْمُلُوك أَيْضا وَلَا الْخلق وَلَا العبيد مَعَ اللوام
كم مُلُوك أَتَى بجزم وعزم ... وَهُوَ فِي الله مسرع الاقدام
ولغازان إِذْ أَتَاهُ بقلب ... مَا أسود الغابات مَعَ ضرغام
فَتَلقاهُ بالبشاشة والرح ... ب والعطايا والعز والاكرام
أَخذ الْعَهْد مِنْهُ للنَّاس جمي ... عا بِأَمَان لكل أهل الشآم
نفس صَادِق تقبله الل ... هـ فأطاعه كل تِلْكَ الْأَنَام
وحماهم فِي الْحمى بخشوع ... وخضوع للْوَاحِد العلام ...
стр. 478
.. قل لمن رام للفخار ويبغى ... رُتْبَة قد علت بِحَدّ الحسام
هُوَ فِي رُتْبَة النَّبِيين فَاعْلَم ... هَكَذَا أخبر النَّبِي التهامي
فقدته الدنى مَعَ الدّين والعل ... م كل الزهاد والأيتام
كم فتاوي أَتَتْهُ مَعَ كل شخص ... أعجزت كل عَالم صمصام
حلهَا كالنسيم فِي الْحَال وجلى ... لصداها من عِلّة الأسقام
كَانَ بحرا للنَّاس من غاص فِيهِ ... فَازَ بالدر مِنْهُ لَا بالحطام
أوحد الْخلق فِي التفاسير طرا ... وَالْأَحَادِيث والعلوم التَّمام
شيخ كل الْإِسْلَام فِي الزّهْد والنس ... ك والعبادات والتقى وَالصِّيَام
كَانَ شمس الضُّحَى ونيل البرايا ... وَإِمَام الْعُلُوم والاحتشام
صَدره للعلوم وَالْقلب للرب ... ويداه للبذل والأنعام
ولديه أهل الْعُلُوم تداعت ... إِذْ هوت حوله فِي الازدحام
تبتغي من جنى مَعَانِيه نطقا ... يستضىء مِنْهُ فِي دياجي الظلام
فيروي قُلُوبهم بعلوم ... فتراهم سكرى بِغَيْر مدام
كلما رمت سلوة عَن هَوَاهُ ... قادني الشوق نَحوه بزمام
لَا تلمني على المديح وَدعنِي ... فَهُوَ شَيْخي وبغيتي وغرامي
خجل الْبَدْر من سناه فأضحى ... يَعْتَرِيه النُّقْصَان عِنْد التَّمام
كل من مَاتَ فِي هَوَاهُ بوجد ... مَا عَلَيْهِ فِي حتفه من ملام
اسْتمع يَا عذول بِاللَّه وافهم ... لمعانيه فِي جَمِيع نظامي ...
стр. 479
.. قد تساوى فِي الْحق كل وَزِير ... عِنْده مَعَ رذالة الأعوام
فَضله شاع بَين كل البرايا ... بعلوم شبه الْبحار الطوامي
كَانَ بَدْرًا يضىء فِي النَّاس بِالْعلمِ ... وإماما فيا لَهُ من إِمَام
حسدوه عِنْد الْوَفَاة على الْخلق فَلم يخل منهمو فِي الْحمام
نقلته أَيدي الْمنية بِالْحَقِّ ... بجنان الخلود والدمع دامي
يَا لَهَا سَاعَة لَقِي الله فِيهَا ... حَاز فِيهَا المنى ونيل المرام
فَهُوَ فِي جنَّة النَّعيم مفدى ... بَين حور كلؤلؤ فِي الْخيام
قدس الله روحه مَعَ أَخِيه ... مَا أَضَاء الصَّباح بالإبتسام
يَا نسيم الصِّبَا بِاللَّه بلغ ... لحبيبي تحيتي وسلامي
وَتعرض على المحبين ذكرى ... وشجوني وشقوتي وسقامي
ثمَّ صف مَا أكابد الْآن فِيهِ ... من همومي ولوعتي وهيامي
وَتقول العبيد مَحْمُود أضحى ... بدموع وعبرة كالغمام ...
تمت وَالْحَمْد لله وَحده وَهِي إِحْدَى وَخَمْسُونَ بَيْتا للشَّيْخ عَلَاء الدّين أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن حمائل ابْن غَانِم الْمَقْدِسِي ﵀ يرثي شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵁ ... أَي حبر مضى وَأي إِمَام ... فجعت فِيهِ مِلَّة الْإِسْلَام ...
стр. 480
.. بَحر جود علم قد غاض من بِعْ ... د مَا فاض نداه وَعم بالأنعام
زاهد عَابِد تنزه فِي دنيا ... هـ عَن كل مَا بهَا من حطام
كَانَ كنزا لكل طَالب علم ... وَلمن خَافَ أَن يرى فِي حرَام
ولعاف قد جَاءَ يشكو من الفق ... رلديه ينَال كل مرام
حَاز علما مَا لَهُ من مسَاوٍ ... فِيهِ من عَالم وَلَا من مسام
وَلم يكن فِي الدُّنْيَا لَهُ من نَظِير ... فِي البرايا فِي الْفضل وَالْأَحْكَام
كَانَ فِي علمه وحيدا فريدا ... لم ينالوا مَا نَالَ فِي الأحلام
عَالم فِي زَمَانه فاق بالعل ... م جَمِيع الْأَئِمَّة والأعلام
كل من فِي دمشق ناح عَلَيْهِ ... ببكاء من شدَّة الآلام
حملوه على الرّقاب الى القب ... بر وكادوا أَن يهْلكُوا بالزحام
مَا يرى عِنْد يَوْمه عِنْد مَا سا ... ر على النعش نَحْو دَار السَّلَام
فجع النَّاس فِيهِ فِي الغرب وَالشَّر ... ق وأضحوا فِي الْحزن كالأيتام
كل من فِي الْوُجُود فِيهِ مصاب ... فيعزي بِهِ جَمِيع الْأَنَام
أعظم الله أجرهم فِيهِ إِذْ صا ... ر على الرغم فِي الثرى والرغام
صَار جَار الْإِلَه رب السموا ... ت الرَّحِيم الْمُهَيْمِن العلام
كَانَ وَقت الحروب بالطعن والضر ... ب سريع الْقدوم والإقدام
لَا يهاب الهول الْعَظِيم بقو ... ل الْحق فِي نقضه وَفِي الابرام ...
стр. 481
.. تَابع سنة الرَّسُول عَلَيْهِ ... من إِلَه السَّمَاء أزكى سَلام
قَائِم فِي نصر الشَّرِيعَة بالعل ... م وبالفضل مِنْهُ كل قيام
كم بِنور الْعلم أخرج قوما ... من ضلال وَمن عَظِيم ظلام
نَالَ مَا نَالَ من شرِيف مقَال ... بعلوم شَتَّى وَعظم مقَام
طبق الأَرْض بالفتاوي اللواتي ... هِيَ منقذات الورى من الآثام
حسدوه إِذْ مَاله من نَظِير ... من بني دهره الْكِبَار الْكِرَام
خصّه بالكمال من كل علم ... رَبنَا ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
لَو يفدى بِالروحِ كُنَّا جَمِيعًا ... قد فديناه من هجوم الْحمام
قدس الله روحه وَسَقَى قب ... را حواه هاطلات الْغَمَام
ورضى عَنهُ رَبنَا وترضا ... هـ وملاه بالنعيم النامي
فَلَقَد كَانَ نَادرا فِي بني الده ... ر وحسنا فِي أوجه الْأَيَّام ...
تمت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وعدتها ثَلَاثُونَ بَيْتا
قصيدة من القصائد الَّتِي رثي بهَا شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية
وَهِي لرجل جندي بالديار المصرية يُقَال لَهُ بدر الدّين مُحَمَّد بن عز الدّين أندمن المغيثي رجل فَاضل لَهُ محفوظات متنوعة وَفِيه ديانَة وصلابة فِي دينه
стр. 482
أرسلها وَذكر أَنه عرضهَا على الإِمَام أبي حَيَّان ... خطب دنا فَبكى لَهُ الْإِسْلَام ... وبكت لعظم بكائه الْأَيَّام
وبكت لَهُ بعبرتها السَّمَاء فأمطرت ... فِي غير فصل تسمح الأعوام
وبكت لَهُ الأَرْض الجليلة بعد مَا ... أضحى عَلَيْهَا وَحْشَة وقتام
وتزلزلت كل الْقُلُوب لفقده ... وتواترت من بعده الآلام
ولمؤمنين الْجِنّ حزن شَامِل ... ونياحه نطقت بهَا الأحلام
وتفجع الدّين القويم لفقده ... وبقى غَرِيبا يبتلى ويضام
مذ مَاتَ ناصره الَّذِي أَوْصَافه ... أبدا تكون على سواهُ حرَام
لتقي دين الله وصف باهر ... وخصائص خضعت لَهَا الأفهام
ومواهب من ذِي الْجلَال تمده ... فَيتم فَخر شامخ ومقام
وَغدا تَقِيّ الدّين أَحْمد مَاله ... حد فَتحمل فَقده الْأَجْسَام
الْعَالم الحبر الإِمَام وَمن غَدا ... فِي راحتيه من الْعُلُوم زِمَام
ذُو المنصب الْأَعْلَى الَّذِي نصبت لَهُ ... فِي الأَرْض فِي أقطارها الْأَعْلَام
بَحر الْعُلُوم وكنز كل فَضِيلَة ... فِي الدَّهْر فَرد فِي الزَّمَان إِمَام ... حبر تخيره الْإِلَه لدينِهِ ... ختم لأعلام الْهدى وختام
فوفى بِأَحْكَام الْكتاب فكم لَهُ ... فِي نصر تَوْحِيد الْإِلَه قيام
وَالسّنة الْبَيْضَاء أَحْيَا ميتها ... فغدت عَلَيْهَا حُرْمَة وحجام ...
стр. 483
.. وأمات من بدع الضلال عوائد ... لَا يَسْتَطِيع لدفعها الصمصام
أس الْفَضَائِل وَالَّذِي لَا تهتدي ... لفنونه وعلومه الأوهام
وأناله رب السَّمَوَات الْعلَا ... فِي الْعلم سبقا مَا إِلَيْهِ مرام
ونفوذه فِي الْعلم قَول مُحَمَّد ... صلى عَلَيْهِ الْخَالِق العلام
إِن المنزه رَبنَا سُبْحَانَهُ ... يقْضِي بِمَا تَأتي بِهِ الْأَحْكَام
ببدى لكم فِي كل قرن قادم ... للدّين من تهدى بِهِ الأقوام
فلئن تَأَخّر فِي الْقُرُون لثامن ... فَلَقَد تقدم فِي الْعُلُوم أَمَام
فاق الْقُرُون سوى الثَّلَاث فانها ... خير الْقُرُون يزينهن تَمام
وَسوى ابْن حَنْبَل إِنَّه علم الْهدى ... حبر إِمَام صابر قوام
لَكِن أَحْمد مثل أَحْمد قد حوى ... علما وزهدا فِي الْعُلُوم تؤام
حدث بِلَا حرج وَقل عَن زهده ... مَا شِئْت لَا رد وَلَا آثام
هجر المطاعم والملابس والدنى ... ولعزمه فِي تَركهَا إحزام
نزر المآكل والمنام وَلَا يرى ... لبني الدنى فِي قلبه إعظام
وتراه يصمت لالعى دَائِما ... إِلَّا لعلم يقتنى ويرام
وَإِذا تكلم لَا يُرَاجع هَيْبَة ... وسكينة وَكَلَامه إبرام
ألْقى عَلَيْهِ مهابة من ربه ... فخطابه الإجلال وَالْإِكْرَام ...
стр. 484
.. وَإِذا دنا فترى الرِّجَال ذليلة ... فَكَأَنَّهَا فِي نَفسهَا احجام
بشر يعظم بالقلوب وقدوة ... أبدا يعظم وَهُوَ بعد غُلَام
منن يخص بهَا المهيمين من يشا ... من خلقه والجاهلون نيام
وجفا الْعباد لشغله بحبيبه ... فوداده للأقربين سَلام
وَله مقَام فِي الْوُصُول لرَبه ... ومقامه نطقت بهَا الأقتام
وَله فتوح من غيوب إلهه ... وتحزن وتمسكن وَكَلَام
وتصوف وتقشف وتعفف ... وَقِرَاءَة وَعبادَة وَصِيَام
وعناية وحماية ووقاية ... وصيانة وَأَمَانَة ومقام
وَله كرامات سمت وتعددت ... وَلها على مر الدهور دوَام
من رد عَن أَرض الشآم بعزمه ... من صد وَجه الْكفْر وَهُوَ حسام
من رد غازان الْهمام بحسرة ... من خلص الأسرى وهم أَيْتَام
من قَامَ بِالْفَتْح الْمُبين مؤيدا ... فِي كسروان وهم طغاة عِظَام
من جد فِي بدع الضلال وَحزبه ... وأذلهم بعد الرَّضَاع فطام
من صَار فِي سنَن الرَّسُول ونصرها ... حَتَّى اسْتَقر لأمرهن نظام ...
стр. 485
.. من قَامَ فِي خذل الصَّلِيب وَدينه ... لما تداعوا للباس وَقَامُوا
فوهوا وردوا خائبين بذلة ... وَعَلَيْهِم فَوق الْوُجُوه ظلام
فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ يفقد بعده ... والفاعلون النكر لَيْسَ يلاموا
فَكَأَن أَشْرَاط الْقِيَامَة قد دنت ... وانحل من سرج الزَّمَان حزَام
فالعلم فِينَا لَيْسَ يقبض سرعَة ... كلا وَلَا يَأْتِي حماه حمام
لَكِن بِقَبض الراسخين ذَهَابه ... وزواله وبقى رعاع طغام
لله مِمَّا لَاقَى تَقِيّ الدّين من ... محن تتابعه وَهن ضخام
ومكاره حفت بِكُل شَدِيدَة ... ومواقف زلت بهَا الْأَقْدَام
ومكائد نصبت لَهُ وحبائل ... قصدا إِلَيْهِ فَردهَا الْأَقْدَام
فَحكى ابْن حَنْبَل فِي فنون بلائه ... بجنان ثَبت لَيْسَ فِيهِ ذؤام
وبسجنه وبحصره ونكاله ... حَتَّى رثى العذال واللوام
فَأَرَادَ رب الْعَرْش ﷻ ... للقائه مذ حانه الإعدام
وَأَتَاهُ آتِي الْمَوْت يخْطب نَفسه ... فَأَجَابَهُ طَوْعًا لَهُ القمقام
فخلت مرابعه وأوحش ربعه ... وتقوضت عِنْد الرحيل خيام
وتفجعت كل الْقُلُوب بفقده ... وَغدا عَلَيْهَا ذلة وسقام ...
стр. 486
.. وَمَضَت جنَازَته الشَّرِيفَة بَعْدَمَا ... سد المسالك صارخ حام
وَأَتَتْ رِوَايَات الشآم بجمعها ... خَبرا صَحِيحا لَيْسَ فِيهِ اثام
أَن الأولى شهدُوا الصَّلَاة وشيعوا ... وَالله لَا تحصيهم الأقلام
فَعَلَيهِ افضل رَحْمَة تهدى لَهُ ... وَمن الآله تَحِيَّة وَسَلام
مَا دَامَت الأفلاك فِي دوراتها ... أَو ناح من فَوق الغصون حمام ...
تمت وعدتها سِتَّة وَسِتُّونَ بَيْتا مرثاة للشَّيْخ قَاسم بن عبد الرَّحْمَن الْمقري فِي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵁ ... عز التبصر وَالزَّمَان رماني ... بسهامه وترادفت أحزاني ... أَصبَحت مكتئبا لفقد أحبة ... جبلت جبلتهم على الْإِحْسَان
لَا صَبر لي عَنْهُم وَكَيف تصبري ... عَن سادة رحلوا من الأوطان
إِن أوحشوا نَظَرِي فقلبي موطن ... وَعمارَة الأوطان بالسكان
خلت الديار فَأَصْبحُوا فِي بلقع ... يَا وحشتاه لفرقة الإخوان
لما سَمِعت بِأَن أَحْمد قد قضى ... نحبا على التَّوْحِيد وَالْإِيمَان
ولقاء رب لَا مرد لحكمه ... سُبْحَانَهُ من قَادر منان
عظمت مُصِيبَتنَا لسَيِّد عصرنا ... فِي شرح سيد أَحْمد بِبَيَان
وَالْعلم حَاز أُصُوله وفروعه ... وغرائب التَّفْسِير لِلْقُرْآنِ ...
стр. 487
.. ويناظر الْفُقَهَاء فِي أَقْوَالهم ... ويجيبهم بالثبت والتبيان
غلب الْمُلُوك بثبته وجنانه ... وشجاعة بعث إِلَى غازان
أفديه من بَطل يلاقي عصبَة ... مِنْهُم بِلَا عون وَلَا أعوان
من ذَا يقوم مقَامه فِي عصرنا ... إِذْ مَا مضى فِي سالف الْأَزْمَان
وَله الزهادة وَالْعِبَادَة مَنْهَج ... وَكَذَا يكون الْعَالم الرباني
سَارَتْ ركائبه إِلَى دَار الجزا ... متمسكا بمواعد الرَّحْمَن
أَو مَا نظرت إِلَيْهِ فَوق سَرِيره ... حفت بِهِ الْأَنْوَار بالإمكان
وَالنَّاس من حول الْجِنَازَة أَحدقُوا ... كل يجود بعبرة الثكلان
وهمو الوف لَيْسَ يُحْصى جمعهم ... إِلَّا إِلَه عَم بالغفران
نزلُوا بِهِ كالبدر فِي إشراقه ... فتباشرت بقدومه القمران
عبد الحليم أَبوهُ سيد عصره ... وَأَخُوهُ عبد الله حبر ثَان
الْمجد حَاز الْمجد فِي عصر مضى ... فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل والبرهان
ولمثل هَذَا سارعوا أهل التقى ... فازوا بأرفع رُتْبَة وأمان
فِي جنَّة أنوارها قد أشرقت ... وقطوفها للطائفين دوان
أكوابها مَوْضُوعَة وقبابها ... من لُؤْلُؤ مَرْفُوعَة الْبُنيان
والنور يغشى أَهلهَا وهمو على ... تِلْكَ الأسرة فِي رضى وأمان
ولباسهم من سندس وخيامهم ... قد ألبسوا من أحسن التيجان
ولأهلها مَا يشتهون وشغلهم ... بِاللَّه لَا بالحور والغلمان ...
стр. 488
.. مِنْهُم تَقِيّ الدّين فَازَ بزهده ... وبصبره فِي طَاعَة الرَّحْمَن
ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي مُحَمَّد ... خير الْأَنَام ومعدن الْإِحْسَان
هاد وَأول شَافِع وَمُشَفَّع ... وَله الْوَسِيلَة مظهر الْإِيمَان
مَا حن مشتاق إِلَى وَادي منى ... وتطوفوا بِالْبَيْتِ والأركان ...
تمت وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وعدتها إِحْدَى وَثَلَاثُونَ بَيْتا
مرثاة للشَّيْخ برهَان الدّين ابراهيم بن الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد أبن عبد الكريم العجمي يرثي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية فِي جمادي الْآخِرَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ومولده فِي أَوَائِل سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ... جدي بانسجام الدمع يَا مقلة العاني ... إِلَى أَن تروي الأَرْض من فيض أجفاني
وذق يَا فُؤَادِي كل يَوْم وَلَيْلَة ... مرَارَة أشواق ولوعة أشجان
إِلَى أَن أرى وَجه ابْن تَيْمِية الَّذِي ... بِهِ الله من أهل الضَّلَالَة نجاني
وَمن لي بِأَن أَلْقَاهُ وَالْمَوْت قد أَتَى ... فغيبه فِي الترب عَن كل إِنْسَان
فيا وَحْشَة الدُّنْيَا لأنوار وَجهه ... وَيَا لهف إخْوَان عَلَيْهِ وجيران
يحِق الْعين لَا ترجى لقاءه ... إِلَى الْحَشْر أَن تنهل بدمعها القاني
لقد عَم أهل الأَرْض رزء مصابه ... وَلم ينج فيهم مِنْهُ قاص وَلَا داني
لقد كَانَت الدُّنْيَا بِهِ ذَات بهجة ... وَنور وإشراق وروح وَرَيْحَان ...
стр. 489
.. وَمَا كَانَ إِلَّا آيَة فِي زَمَانه ... وَفِي كل علم حَاز لَيْسَ لَهُ ثَان
إِمَام هدى يَدْعُو إِلَى دين ربه ... دُعَاء نصوح مُشفق غير خوان
فمذهبه مَا جَاءَ عَن خير مُرْسل ... وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ بأحسان
أَتَى بعلوم حيرت كل واصف ... على أَنه يهدي بهَا كل حيران
فكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله ... فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوان
ويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة ... إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيان
فَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا ... وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَان
يغار على الْإِسْلَام من كل بِدعَة ... وَمَا زَالَ مِنْهَا هادما كل بُنيان
وَفِي الله لم تَأْخُذهُ لومة لائم ... وَلم يخْش مخلوقا من الْإِنْس والجان
وَلم ينْتَقم فِي الدَّهْر يَوْمًا لنَفسِهِ ... وَلكنه يُؤْذى فيعفو عَن الْجَانِي
وَأما سخاء الْكَفّ فالبحر دونه ... وَلم يَك فِي بذل العطايا بمنان
وَلَو وزنوا أهل الشجَاعَة كلهم ... بِهِ رجح الشجعان فِي كل ميزَان
فَمن جَاهد الْأَعْدَاء فِي الدّين لَيْلَة ... وَمن سل سيف الْعَزْم فِي وَجه غازان
وَمن قَالَ للنَّاس اثتبوا يَوْم شقحب ... فَإِن الأعادي فِي انهزام وخذلان
فَمن خشِي الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَاتَّقَى ... إِلَه البرايا خانه كل سُلْطَان
وَمَا ضره إِن طَال فِي السجْن مكثه ... إِذا كَانَ فِي نسك وَطَاعَة رَحْمَن
منيبا إِلَى مَوْلَاهُ يقطع وقته ... بِنَقْل أَحَادِيث وَتَفْسِير قُرْآن
وَلم يَك مشغوفا بحب رياسة ... وَلَا شدّ بغلات وَلَا حسن غلْمَان ...
стр. 490
.. وَمَا كَانَ مَشْغُولًا بجاه ومنصب ... وَلَا رفع بُنيان وَلَا غرس بُسْتَان
وَلَكِن بِعلم نَافِع وَعبادَة ... وزهد وإخلاص وصبر وإيمان
وَفِي مَوته قد كَانَ للنَّاس عِبْرَة ... لما شاهدوا من غير زور وبهتان
إِذْ انتشروا مثل الْجَرَاد وَكَاد أَن ... تزِيغ عقول من رجال ونسوان
وَسَار على أَعْنَاقهم نَحْو قَبره ... يجاور مولى ذَا امتنان وغفران
إِلَى الذَّهَب الْبَاقِي دَعَاهُ إلهه ... فَذَاك لَهُ خير من الخزف الفاني
دَعَاهُ إِلَى جنَّات عدن وطيبها ... ومتعه فِيهَا بحور وولدان
فنسأل رب الْعَرْش يجمع شملنا ... بِهِ فِي جنان الْخلد من بعد حرمَان
ويجبرنا بعد انكسار قُلُوبنَا ... ويروي برؤيا وَجهه كل ظمآن ...
تمت وَللَّه الْحَمد وَهِي خَمْسَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا
للشَّيْخ الإِمَام الْمُحدث الْفَاضِل الأديب البارع صفي الدّين عبد الْمُؤمن بن عبد الحق الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ مدرس الْمدرسَة البشيرية بِبَغْدَاد
يَقُول قَالَ العَبْد الْفَقِير عبد المؤمن بن عبد الحق حِين بلغه وَفَاة الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم بَقِيَّة الْعلمَاء الْمُجْتَهدين تقى الدّين احْمَد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي ﵀ وَرَضي عَنهُ وبوأه الْجنَّة بمنه وَكَرمه آمين
стр. 491
.. طبت مثوى يَا خَاتم الْعلمَاء ... فِي مقَام الزلفة مَعَ الأتقياء
أَوْلِيَاء الرَّحْمَن والسادة الغر الهداة الْأَئِمَّة الصلحاء
وَيْح للْمَوْت كم طوى بك من علم غزير وفطنة وذكاء
وَبَيَان يشفي الْقُلُوب من الغ ... ي ويجلو عَنْهَا صدى الغماء
أَيْن تِلْكَ الْعُلُوم والمنطق الصا ... ئب عِنْد السُّؤَال والإفتاء
أَيْن ذَاك الْخلق الْجَمِيل وحس ... ن الْبشر للزائرين عِنْد اللِّقَاء
رمدت مقلة الْفَضَائِل مذ مت وقرت عُيُون أهل الشَّقَاء
حِين لَا عَالم يرد الَّذِي قا ... لوا وَمَا نمقوه للإغواء
من ضلال أهل فلسفة اليو ... نان والاعتزال والإرجاء
وَذَوي الرَّفْض من يدينون بالطعن على الصَّالِحين والإزراء
من لحل الشكوك بعْدك والمردو ... د من شُبْهَة وَقَول هراء
من لتبيين مُشكل قصرت عَنهُ عقول لما بِهِ من خَفَاء
من لقمع الْخصم المجادل فِي الدّين عنادا من مِلَّة عوجاء
من ترى للغريب بعْدك يلقاه بِوَجْه طلق وَفضل حَيَاء
ضَاعَ من بعْدك الْغَرِيب فَمَا يلقى معينا لَهُ على اللأواء
أَيّمَا عَالم نعاه لنا النا ... عي وَحبر قد صين فِي الغبراء
أَي حبر قد غيضته المنايا ... فِي رجا حُفْرَة من الأرجاء
أعلم النَّاس كلهم بكتا ... ب الله جلّ اسْمه بِغَيْر مراء ...
стр. 492
.. بمعانيه والعلوم الَّتِي فِيهِ وأدرى بِالسنةِ الغراء
من أَحَادِيث سيد الرُّسُل يرويهِ كبار الْأَئِمَّة النبلاء
من صَحِيح وَمن سقيم وأخبا ... ر الروَاة الثِّقَات والضعفاء
وبآثار صَحبه وفتاو ... ي من أَتَى بعدهمْ من الْعلمَاء
وبإجماعهم وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ من الحكم سادة الْفُقَهَاء
حَاله إِن نظرت فِيهِ تَجِد ... مثل أَحْوَال سادة الْأَوْلِيَاء
قَانِع النَّفس بالدنى من الْعَيْش غَنِيا يعد فِي الْفُقَرَاء
مُؤثر بِالَّذِي لَدَيْهِ لعافيه على نَفسه بِغَيْر رِيَاء
ورع طَاهِر ونسك وإخبا ... ت وشكر فِي شدَّة ورخاء
والتقى والعفاف والزهد فِي الدُّنْيَا حلاه وَالصَّبْر عِنْد الْبلَاء
لم يزل جاهدا يُجَاهد فِي الله قبيل الضلال والأهواء
بجنان ثَبت وجأش قوي ... وفؤاد راس لَدَى الهيجاء
يَزع الْخصم بِالْجَوَابِ عَن الشَّك ... ويدلي بِالْحجَّةِ الْبَيْضَاء
صَابِرًا نَفسه إِلَى أَن قضى الل ... هـ بِمَا قد قضى على الْأَنْبِيَاء
وَقد أضمروا لَهُ السوء قوم ... للَّذي حملُوا من الْبغضَاء
حسدا مِنْهُم لما خصّه الل ... هـ بِهِ من ملابس الْفُضَلَاء
فاستحلوا مِنْهُ الَّذِي حرم الل ... هـ لما أضمروا من الشحناء ... ٥ حرفوا قَوْله كَمَا حرف الق ... وم نُصُوص الْقُرْآن للإغواء ...
стр. 493
.. ورموه بِكُل قَول شنيع ... بَين الْكَذِب ظَاهر الإفتراء
أعجزوا عَنهُ مرّة بعد أُخْرَى ... فاستعانوا عَلَيْهِ بالإغراء
هَل يباري الْغَضَب الصَّقِيل كهام ... صدىء فِي ضرابه ومضاء
أم تجارى الْحمير فِي حلبة السب ... ق جوادا مُضْمر الأحشاء
لم ينالوا مِنْهُ الَّذِي أَملوهُ ... بل رمى الله جمعهم بالفناء
يَا تَقِيّ الدّين الَّذِي صدقت فِي ... هـ وحقت مخايل الْآبَاء
عِنْد تلقيبه كَذَلِك قد كن ... ت وَسميت أحسن الْأَسْمَاء
ياابن تَيْمِية لقد فزت فِي الدن ... يَا بِذكر بَاقٍ وَحسن ثَنَاء
وَكَذَا أَنْت يعلم الله فِي الْأَخ ... رى مَعَ الصَّالِحين وَالشُّهَدَاء
بوئت روحك الشَّرِيفَة فِي الْجِنّ ... ة أعلا منَازِل السُّعَدَاء
وَسَقَى قبرك الرِّضَا وأتا ... ك الرّوح فِي كل بكرَة وعشاء
وتوالت عَلَيْك من نعم الل ... هـ ورضوانه صنوف الْعَطاء ...
آخرهَا وعدتها ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ بَيْتا
للشَّيْخ زين الدّين بن الشَّيْخ حسام الدّين أقش الشبلي يرثي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية ﵁ ... لَو كَانَ يقنعني عَلَيْك بُكَائِي ... لجرت سوابق عبرتي بدماء ...
стр. 494
.. وَكنت فِي يَوْم انتقالك للبلى ... صخرا لزدت على بكي الخنساء
لَكِن اصبر عَنْك نَفسِي كَاتِما ... للحزن خوف شماتة الْأَعْدَاء
أَتَرَى علمت وَأَنت أفضل عَالم ... مَا عندنَا من لوعة وبلاء
أسفي على تِلْكَ الدّيانَة والتقى ... والجود آذن قربه بتناء
أسفي عَلَيْك نفى الْكرَى عَن ناظري ... من فرط أحزاني وفرط عنائي
أسفي عَلَيْك وَمَا التأسف نَافِع ... صبا عَلَيْك مقلقل الأحشا
غاضت بحار الْعلم بعْدك والورى ... فِي غَفلَة يَا سيد الْعلمَاء
بِأبي وحيدا مَاتَ مُنْفَردا عَن ال ... أحباب كَانَ بَقِيَّة الصلحاء
بَحر الْعُلُوم حوى الْفَضَائِل كلهَا ... وسما سمو كواكب الجوزاء
متفردا فِي كل علم دونه ... لعلو رتبته ذرى العلياء
بِالْفَضْلِ قد شهِدت لَهُ أعداؤه ... وَبِه سما فضلا على النظراء
شيخ الْعُلُوم وتابع السّلف الَّذِي ... تبعوا الرَّسُول بِشدَّة ورخاء
وَإِمَام أهل الأَرْض والمبدى لَهُم ... سنَن الْهدى عَن صِحَة الأنباء
ذُو الصَّالِحَات وَذُو الشجَاعَة والتقى ... والجود والبركات والآلاء
من كَانَ لَا يثني لطَالب جوده ... حَتَّى يبلغهُ لكل رَجَاء
يجفو الْمضَاجِع رَاكِعا أَو سَاجِدا ... أَو ذَاكِرًا لله فِي الظلماء ...
стр. 495
.. كالصبر فِي حنك الْعَدو مذاقه ... وألذ من شهد إِلَى الجلساء
المانح الْبَحْر الإِمَام الْعَالم ... الحبر الْهمام وَحجَّة الْفُقَهَاء
الْوَاهِب المَال الجزيل وغامر الضَّيْف النزيل بوافر النعماء
المحسن الْكَافِي السُّؤَال وحاسم الداءالعضال وَكَاشف الغماء
صدر الْمدَارِس والمجالس أَحْمد المح ... مود فِي عود وَفِي إبداء
وَإِذا الْمسَائِل فِي الفتاوي أفحمت ... أهل الْعُلُوم وحجبت بخفاء
وَأَتَتْ تَقِيّ الدّين أظهر مَا اختفى ... مِنْهَا وأبداه لعين الرَّائِي
فترى سهاها فِي الخفاء بكشفه ... كَالشَّمْسِ مشرقة بصحو سَمَاء
وَيرى الْبَصِير الْحق فِيمَا قَالَه ... وَالْحق لَا يخفى على البصراء
سجنوه خشيَة أَن يرى متبذلا ... صونا فنال منَازِل الشُّهَدَاء
للْمُؤْمِنين لَهُ وَعند عدوهم ... ذَاك الكسير وَعزة الْخُلَفَاء
فِي الْمُحدثين أَتَى بِفضل باهر ... ومناقب أربت على القدماء
أَي خاشع أَي شَاكر أَي ذَاكر ... لله فِي الإصباح والإمساء
أَي زاهد أَي حَامِد أَي باذل ... للْمُسلمين نصائح النصحاء
خير الصِّفَات صِفَاته وثناؤه ... بالجود بَين النَّاس خير ثَنَاء
ويظل يسْأَل جوده عَن سَائل ... ذِي فاقة ليبره بعطاء
وتراه يشرق وَجهه متهللا ... للسائلين لَهُ شروق ذكاء ...
следующие страницы →