Полный текст (1 016 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أصلحوا فغزا الْيَمَامَة الْغَزْوَة الْمَشْهُورَة الَّتِي قتل بهَا مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَسَائِر الْعمَّال لم يبرحوا من عَمَلهم حَتَّى توفوا عَلَيْهِ وَبِه كَانَ مبدأ خلَافَة الصّديق يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ من الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر ربيع الأول وعَلى وَفَاة عشر من الْهِجْرَة وَقد مضى بَيَان بيعَة الْمُسلمين لَهُ وَأَنَّهَا كَانَت فِي الْيَوْم الأول
وَمن عَجِيب مَا حدث أَيَّام خلَافَة الصّديق بِالْيمن أَنه حصل مطر عَظِيم فأبرز عَن بَاب مغلق وَظن النَّاس أَنه كنز وهابوا فَتحه دون مشاروة الْخَلِيفَة فَكَتَبُوا إِلَى أبي بكر يعلمونه بذلك فَعَاد جَوَابه إِلَى عَامل الْبَلَد أَن لَا يتْرك أحدا يقرب الْموضع حَتَّى يقدم أمناؤه ثمَّ لما قدم الْأُمَنَاء فتحُوا الْبَاب فَإِذا هُوَ على مغارة فَدَخَلُوهَا وَإِذا بهَا سَرِير عَلَيْهِ رجل فَوْقه سَبْعُونَ حلَّة منسوجة بِالذَّهَب وَبِيَدِهِ الْيُمْنَى لوح فِيهِ مَكْتُوب ... إِذا خَان الْأَمِير وكاتباه ... وقاضي الأَرْض داهن بِالْقضَاءِ
فويل ثمَّ ويل ثمَّ ويل ... لقَاضِي الأَرْض من قَاضِي السَّمَاء ... وَفِي كَفه الْأَيْسَر خَاتم عَلَيْهِ مَكْتُوب ﴿وَمَا وجدنَا لأكثرهم من عهد وَإِن وجدنَا أَكْثَرهم لفاسقين﴾
وَعند رَأسه مَكْتُوب ... يَا لائمي فِي هجرهم جَاهِلا ... عُذْري منقوش على خَاتمِي ... ثمَّ سيف أَشد خضرَة من البقلة مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذَا سيف هود بن عَاد بن إرم
وَهَذَا أعجب مَا جرى فِي الْيمن بأيام أبي بكر وَلم يزل الْيمن بيد الْأُمَرَاء الْمُتَقَدِّمين مذ خِلَافَته حَتَّى كَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة لسبع بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وَكَانَ آخر كَلَام سمع مِنْهُ رب توفني مُسلما وألحقني بالصالحين
وَكَانَ رزقه من بَيت المَال كل
стр. 107
عَام ثلاثمئة دِينَار بعد أَن بلغ عمره ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وخلافته سنتَانِ وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا وغسلته امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس بِوَصِيَّة مِنْهُ ثمَّ دفن مَعَ النَّبِي ﷺ بحجرة عَائِشَة
وَجعل رَأسه بِإِزَاءِ كتف رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الْقَمَر الثَّانِي المدفون تَصْدِيقًا لرؤيا أم الْمُؤمنِينَ الْمُتَقَدّم ذكرهَا
ثمَّ ولي أَمر الْأمة بعده أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن رَبَاح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ وَأبي بكر فِي كَعْب بن لؤَي اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر فَقَامَ بِأَمْر الْأمة أتم قيام وَكَانَ ﵁ أول من سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ فأبقى عُمَّال الْيمن على حَالهم لم يُغير على أحد مِنْهُم غير يعلى بن أُميَّة صَاحب صنعاء فَإِنَّهُ أشخصه عَن صنعاء مرَّتَيْنِ وَوصل الْمَدِينَة
سَبَب الأولى أَن أَخا ليعلى أَو بعض أَهله اشْترى فرسا لرجل بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم وَلم يوفه الثّمن فَذهب إِلَى عمر وشكا ذَلِك فاستدعاه وحاقق بَينهمَا ثمَّ عَاد من فوره إِذْ لم يتَوَجَّه عَلَيْهِ حق
وَالثَّانيَِة أَن رجلا من أهل حفاش قتل ابْنا لآخر فوصل إِلَى يعلى فَأخْبرهُ فاستدعى الْقَاتِل وَسَأَلَهُ هَل قتل ولد الشاكي فاعترف بذلك فَأخذ يعلى سَيْفا وَسلمهُ إِلَى أبي الْمَقْتُول وَقَالَ اذْهَبْ فاقتله كَمَا قتل ولدك ثمَّ إِنَّه ضربه ضربات مُتعَدِّدَة فَوَقع مغشيا عَلَيْهِ وَلم يشك أَنه مَاتَ فَأَخذه أَهله وَأَرَادُوا دَفنه فوجدوا فِيهِ عرقا يَتَحَرَّك فَذَهَبُوا بِهِ الْبَيْت ولاطفوه بالأدوية فتعافى فَبينا هُوَ ذَات يَوْم يرْعَى الْغنم إِذْ مر بِهِ أَبُو الْمَقْتُول فَعرفهُ فَذهب إِلَى يعلى فَأخْبرهُ فاستدعاه يعلى فاستخبره فَوجدَ فِيهِ جراحات كَثِيرَة فَأمر يعلى من قدر أروشها فبلغت الدِّيَة فَقَالَ يعلى لأبي الْمَقْتُول إِمَّا أَن تدفع الدِّيَة ونقتله أَو تخليصه فَقَالَ أُرِيد قَتله وَمَا فعلته بِهِ يكون هدرا فَلم يساعده يعلى على ذَلِك فَقدم إِلَى عمر وشكا إِلَيْهِ من يعلى وَقَالَ حَال بيني وَبَين قَاتل وَلَدي فَبعث عمر الْمُغيرَة بن شُعْبَة على صنعاء واستدعى يعلى
стр. 108
فَلَمَّا دخل الْمُغيرَة صنعاء أَسَاءَ إِلَى يعلى وَأخرجه إِلَى عمر بِوَجْه لَا يَلِيق فَلَمَّا قدم يعلى والمقتول وَلَده أَن يتحاققا فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه إِن يعلى لفقيه وَقَالَ عمر إِنَّك لقاض ثمَّ لبث بِالْمَدِينَةِ سنتَيْن
وَسَأَلَ عمر عَن قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ وَقلت قد أمنا فَقَالَ عمر عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ثمَّ إِن عمر أعَاد يعلى على عمله فَلَمَّا قدم صنعاء أحسن إِلَى الْمُغيرَة وجهزه إِلَى عمر أحسن جهاز فَكَانَ الْمُغيرَة يَقُول عِنْد ذكره يعلى خير مني حِين ولي وَحين عزل
وَفِي أَيَّام يعلى كَانَت قصَّة أصيل وَهِي مَا أوردهُ الرَّازِيّ بكتابه بِسَنَد حذفته اختصارا وَذَلِكَ أَن رجلا من أهل صنعاء غَابَ عَن امْرَأَة لَهُ اسْمهَا زَيْنَب وَترك مَعهَا ابْنا لَهُ من غَيرهَا اسْمه أصيل صبي فِي سنّ التَّمْيِيز وَكَانَت فاسقة وَلها سَبْعَة أخلاء فَصَارَت تتبرم من الصَّبِي أَن يفضحهم وَقَالَت لخلانها إِن هَذَا الصَّبِي فاضحنا لَا محَالة وَلست آمِنَة أَن يفضحني وَإِيَّاكُم ثمَّ حسنت لَهُم قَتله وَلم تزل بهم حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فخنقوه حَتَّى مَاتَ ثمَّ حملوه فألقوه ببئر الديبانادى وَهِي بوسط غمدان خلف بِئْر سَام بن نوح قَالَ الرَّازِيّ وَهِي فِي عصرنا خراب وعصره فِي المئة الْخَامِسَة ثمَّ إِن الْمَرْأَة أظهرت بعد ذَلِك فقد الصَّبِي وَجعلت تَدور شوارع صنعاء راكبة على حمَار وَهِي تَقول اللَّهُمَّ لَا تخف عَليّ من قتل أصيلا ثمَّ اتَّصل الْعلم بيعلى وَأَن صَبيا فقد لَا يعلم خَبره فشق بِهِ ذَلِك وساءه ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ انْظُرُوا هَل تُحِسُّونَ لهَذَا الصَّبِي خَبرا أَو يذكر لكم فَلم يجبهُ أحد بِشَيْء ثمَّ بعد أَيَّام مر رجل من أهل صنعاء بالبئر فَظهر لَهُ مِنْهَا ريح مُنْتِنَة وذباب أَخْضَر يطلع من الْبِئْر وَيرجع فِيهَا فغلب على ظَنّه وجود الْغُلَام بالبئر فَذهب إِلَى يعلى وَقَالَ أظنني قد قدرت على طلبتك أَيهَا الْأَمِير ثمَّ أخبرهُ بِمَا وجد فِي الْبِئْر فبادر يعلى وَركب من فوره حَتَّى وقف بِرَأْس الْبِئْر وَمَعَهُ جمع من الحفدة وَأهل الْبَلَد وَمن جُمْلَتهمْ
стр. 109
بعض القتلة فَقَالَ أدلوني أنظر مَا فِي الْبِئْر وأكشف الْخَبَر فَربط بحبال وَأنزل فَلَمَّا صَار بِالْقربِ من المَاء وجد الصَّبِي قد نبذه المَاء وَهُوَ على وَجه المَاء فغيبه فِي جرف من جروف الْبِئْر ثمَّ صَاح أطلعوني فَإِنِّي لم أجد شَيْئا فَأطلع فَقَالَ النَّاس لَهُ إِنَّك لما ضربت المَاء وحركته اشتدت الرَّائِحَة وَكثر صعُود الذُّبَاب فَقَالَ رجل آخر أدلوني مَكَانَهُ فحين قَالَ ذَلِك أخذت الأول رعدة شَدِيدَة فاستوثقوا بِهِ فأدلوا الثَّانِي فَلَمَّا صَار بِالْمَاءِ تبع الرَّائِحَة فَوجدَ الصَّبِي بِغَار وَعَلِيهِ أثر التقليب فشده بالحبل وَأمر بجره فَأطلع أَولا وطلع الصَّبِي الْهَالِك فَلَمَّا ظهر الصَّبِي وَرَآهُ الْمنزل الأول اشتدت رعدته وَهَذَا من قبيل قَوْلهم فِي الْمثل كَاد الْمُرِيب أَن يَقُول خذوني فَأخذ يعلى عَلَيْهِ بالتهديد فاعترف أَنه قَتله من جملَة سَبْعَة وَأَن سَبَب ذَلِك زَوْجَة أَبِيه فطلبوا جَمِيعًا فَلَمَّا حصلوا سجنوا وَجعلت الْمَرْأَة بمعزل عَنْهُم وَكتب يعلى إِلَى عمر يسْأَله الحكم فيهم فحين وصل الْكتاب إِلَى عمر استحضر جمَاعَة من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَعرض عَلَيْهِم كتاب يعلى واستشارهم وَقَالَ إِنِّي أرى بقتل الرِّجَال وَالْمَرْأَة غير أَنِّي أردْت لَا ينفذ ذَلِك إِلَّا بعد مشورة مِنْكُم فصوبوا رَأْيه حَتَّى قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه رَأَيْت صَوَابا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت لَو أَن جمَاعَة اشْتَركُوا فِي سَرقَة جزور سرق كل وَاحِد مِنْهُم عضوا أَكنت قاطعهم بذلك قَالَ نعم قَالَ فَهَؤُلَاءِ كَذَلِك فقوي عزم عمر وَكتب إِلَى يعلى بذلك ثمَّ قَالَ لَو تمالأ أهل صنعاء على قَتله لقتلتهم بِهِ فحين وصل الْكتاب إِلَى يعلى بَادر فَقتل الرِّجَال وَالْمَرْأَة وَقد اسْتشْهد كثير من مصنفي الْفِقْه على جَوَاز قتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ لهَذَا الْخَبَر
ثمَّ بعد ذَلِك أَن موَالِي ليعلى ضربوا رجلا حَتَّى أحدث فِي ثِيَابه فَذهب الرجل إِلَى عمر واشتكى إِلَيْهِ فَكتب عمر إِلَى يعلى أَن يَأْتِيهِ مَاشِيا على قَدَمَيْهِ فَخرج من صنعاء كَذَلِك حَتَّى إِذا صَار على مراحل مِنْهَا لقِيه كتاب عُثْمَان بن عَفَّان يبقيه على عمله ويخبره بوفاة عمر فَعَاد يعلى إِلَى صنعاء وَعمل فرحة
وَأما ابْن أبي ربيعَة فَلم أسمع لَهُ خَبرا يستظرف غير مَا ذكر الرَّازِيّ فَذكر بعض الْفُقَهَاء أَنه بعث إِلَى عمر ظرفا بِهِ شَيْء من الغالية فوصل إِلَى عمر وَعِنْده
стр. 110
جمَاعَة من الصَّحَابَة فاستخرج مَا فِيهِ وضمخ بِهِ من حَضَره من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَقيل دهنهم بِهِ
قَالَ الرَّازِيّ فَذكر بعض الْفُقَهَاء أَن فِي فعل عمر ذَلِك ثَلَاث فَوَائِد مِنْهَا قبُول الْهَدِيَّة والادهان بالغالية وطهارة الْمسك إِذْ هُوَ الْغَالِب فِي جوانحها وَمن محَاسِن عمر ﵁ مَا ذكر طَاوُوس أَنه قَالَ للنَّاس وهم حوله أَرَأَيْتُم إِذا اسْتعْملت عَلَيْكُم خير من أعلمهُ ثمَّ أوصيته بِالْعَدْلِ فِيكُم أَتَرَوْنَ قضيت مَا عَليّ قَالُوا نعم قَالَ لَا حَتَّى أطالعه وأفتقده فِي عمله هَل هُوَ كَمَا أَمرته أم لَا
وَقَالَ لَهُ حُذَيْفَة بن الْيَمَان اسْتعْملت الْفجار على رِقَاب أمة مُحَمَّد ﷺ وَلم يفعل ذَلِك من قبلك فَقَالَ أستعين بجلد الْفَاجِر وَإِن عرفت فجوره ثمَّ أباشر عمله بنفسي فَقَالَ حُذَيْفَة أخْشَى أَن يوليهم من يَأْتِي بعْدك احتجاجا بك ثمَّ لَا يباشرهم وَفعل عمر مَعَ يعلى دَلِيل على مَا ذكره من الافتقاد
وَكَانَ عمر أول من سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ سَمَّاهُ بِهِ عَمْرو بن الْعَاصِ فاشمأز مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَلسنا الْمُؤمنِينَ وَأَنت أميرنا قَالَ بلَى ثمَّ سكت فَمن هُنَالك سمي كل قَائِم بِالْأَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أول من دون الدَّوَاوِين وجند الأجناد وَعرف العرفاء وَوضع الْجِزْيَة وَنفى الْمُشْركين عَن جَزِيرَة الْعَرَب
وَلما أَرَادَ وضع الدِّيوَان جمع أكَابِر الصَّحَابَة واستشارهم فوافقوه ثمَّ سَأَلَهُمْ بِمن تكون الْبِدَايَة فَقَالُوا بك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا الْأَمر لرَسُول الله وَنحن نوابه فِي أمته أبدأ برهطه الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثمَّ فرض للْعَبَّاس فِي كل عَام سِتَّة آلَاف دِرْهَم ثمَّ لعلى نَحوه وَفرض لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن خَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَقَالَ ألحقهما بأبيهما لمكانهما من رَسُول الله ﷺ ثمَّ فرض لكل مُهَاجِرِي خَمْسَة آلَاف وَلكُل أَنْصَارِي أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ جعل
стр. 111
نَفسه وَأَهله فِي الْبَيْت الثَّامِن وَكَانَ إِذا أَخذ أحد مِنْهُ رزقا لَهُ بَارك الله لَك فِيهِ هَذَا مَا وَعدك الله فِي الدُّنْيَا وَمَا ادخر لَك فِي الْآخِرَة أفضل ثمَّ يَتْلُو وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنبوئنهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ولأجر الْآخِرَة أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ وَفرض لكل امْرَأَة من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ اثْنَي عشر ألف دِرْهَم مَا خلا صَفِيَّة ابْنة حَيّ النَّضْرِية وَجُوَيْرِية ابْنة الْحَارِث الْمُصْطَلِقِيَّة فَإِنَّهُ جعل لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا سِتَّة آلَاف وَكَانَ مَتى قيل لَهُ جَزَاك الله عَن الْإِسْلَام خيرا قَالَ بل جزى الله عني الْإِسْلَام خيرا
وَكَانَ طَعَامه من أقرب الْأَطْعِمَة لَا يغالي فِيهِ وَقد يُعَاتب على ذَلِك فَيَقُول أخْشَى أَن أكون من الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ وَلَوْلَا ذَلِك لأمرت بجدي سمين فيطبخ بِاللَّبنِ وَكَانَ فِي آخر عمره كثير الرَّغْبَة عَن الدُّنْيَا يَدْعُو بالوفاة قبل انصرام أمره وَخُرُوج الْخَوَارِج عَلَيْهِ
وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن ابْن الْمسيب أَنه حج فِي آخر سنة
فَلَمَّا نزل بطحاء مَكَّة جمع شَيْئا من بطائحها شبه الدكة ثمَّ بسط عَلَيْهَا رِدَاءَهُ ثمَّ اضْطجع وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ كبر سني ورق عظمي وضعفت قوتي وخشيت الانتشار من رعيتي فاقبضني إِلَيْك غير عَاجز وَلَا مضيع ثمَّ قدم الْمَدِينَة فَمَا انْقَضى الشَّهْر حَتَّى توفّي
قَالَ ابْن عَبَّاس لما تكَرر عَليّ سَماع عمر بِطَلَب الْوَفَاة قلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أكثرت الدُّعَاء بِالْمَوْتِ حَتَّى حسبت أَن يكون ذَلِك أسهل عِنْد نُزُوله فَمَاذَا مللت من قَوْمك وهم مَعَك إِمَّا تعين صَالحا أَو تقيم مائلا فَقَالَ إِنِّي قَائِل لَك قولا وَهُوَ إِلَيْك فَقلت لَهُ يعدوني قَالَ كَيفَ لَا أحب فراقهم وَفِيهِمْ نَاس كل فاتح فاها للهوة من
стр. 112
الدُّنْيَا إِمَّا بِحَق لَا يتَوَجَّه أَو بباطل لَا يَنَالهُ وَلَوْلَا أَن أسأَل عَنْكُم لهربت مِنْكُم وأصبحت الأَرْض مني بَلَاقِع ومضيت لشأني
وَلما جرحه العلج وَأدْخل إِلَى منزله اجْتمع النَّاس عِنْده وَجعلُوا يثنون عَلَيْهِ بِالْخَيرِ فَقَالَ هَؤُلَاءِ بَين رَاغِب وراهب وَلما قيل لَهُ اسْتخْلف قَالَ لَا أتحمل أَمركُم حَيا وَمَيتًا وددت الكفاف لَا عَليّ وَلَا لي وَلما قَالَ لَهُ الطَّبِيب أوص أَمر ابْنَته حَفْصَة إِلَى عَائِشَة تسألها الْإِذْن فِي دَفنه مَعَ رَسُول الله ﷺ وَصَاحبه فَأَذنت ثمَّ لما أَيقَن بِالْمَوْتِ أَمر ابْنه عبد الله أَيْضا إِلَى عَائِشَة يستوثق مِنْهَا بِالْإِذْنِ فَأَذنت ثمَّ جعل أَمر الْمُسلمين شُورَى فِي سِتَّة نفر من الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم رَسُول الله ﷺ بِالْجنَّةِ وهم عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأخرج ابْن عَمه سعيدا ﵃ وَلم يكن بَقِي من الْعشْرَة غَيرهم وَأمر صهيبا الرُّومِي أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِلَى أَن يتفقوا على إِمَام لَهُم ثمَّ توفّي سلخ الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة وَقيل ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَمُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام ثمَّ دفن مَعَ صَاحِبيهِ وَجعل رَأسه بِإِزَاءِ كتف أبي بكر وَكَانَ هُوَ الْقَمَر الثَّالِث فِي رُؤْيا عَائِشَة ﵂
وَفِي اجْتِمَاعهم قَالَ حسان بن ثَابت ... ثَلَاثَة برزوا لسبقهم ... فِي نَصرهم لرَبهم إِذا بروا
عاشوا بِلَا فرقة حياتهم ... ثمَّ الْتَقَوْا فِي الْمَمَات إِذْ قبروا
فَلَيْسَ من مُسلم لَهُ بصر ... يُنكر فضلا لَهُم إِذا ذكرُوا ... ثمَّ اتّفقت كلمة أهل الشورى على اسْتِخْلَاف عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف فأبقى الْعمَّال على حَالهم وَلم يزل عُمَّال الْيمن خُصُوصا يعلى وَابْن أبي ربيعَة بمخلافي الْجند وَصَنْعَاء
стр. 113
فَكَانَ أول شَيْء فعله مِمَّا يُنكره النَّاس بِخِلَاف مَا كَانَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ صُعُوده من الْمِنْبَر وقعوده فِيهِ على الْمرقاة الَّتِي كَانَ يقْعد عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ أَن مِنْبَر رَسُول الله ﷺ كَانَ ثَلَاث درج يقف رَسُول الله ﷺ على الثَّالِثَة مِنْهُنَّ فَلَمَّا قَامَ أَبُو بكر وقف على الثَّانِيَة وَقَالَ لَا يراني الله وَاقِفًا موقف نبيه ثمَّ لما ولي عمر وقف على الأولى وَقَالَ لَا يراني أَهلا لموقف أبي بكر فَلَمَّا ولي عُثْمَان صعد على الثَّالِثَة وَقَالَ مَا بِهَذَا من بَأْس فحدقه النَّاس بِأَبْصَارِهِمْ فارتج عَلَيْهِ الْكَلَام فَقَالَ إِنَّكُم إِلَى إِمَام فعال أحْوج مِنْكُم إِلَى إِمَام قَوَّال
وَكَانَ طلوعه ذَلِك عقيب مبايعة الْمُسلمين لَهُ ثَالِث الْمحرم وَقيل رابعه سنة أَربع وَعشْرين وَاسْتمرّ إِلَى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ لم يسْلك هُوَ وَلَا أحد من نوابه غير طَرِيق الشَّيْخَيْنِ ثمَّ حصل من عماله فِي مصر وَالْعراق مَا أوجب الطعْن عَلَيْهِ وَخُرُوج الْخَوَارِج إِلَيْهِ من أنحاء شَتَّى وَلم يزَالُوا كَذَلِك إِلَى أَن قتل يَوْم الْجُمُعَة صَابِرًا محتسبا صَائِما بعد أَن حوصر أَرْبَعِينَ يَوْمًا لم يبد مِنْهُ كلمة يكون فِيهَا لمبتدع حجَّة وَلَقَد قيل لَهُ وَهُوَ مَحْصُور مَا الَّذِي تَأْمُرنَا بِهِ إِن كَانَ بك كَون فَقَالَ انْظُرُوا مَا اجْتمعت عَلَيْهِ أمة مُحَمَّد فكونوا عَلَيْهِ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة حَتَّى قتل قتلة كَابْن آدم حِين قَالَ لِأَخِيهِ ﴿لَئِن بسطت إِلَيّ يدك لتقتلني مَا أَنا بباسط يَدي إِلَيْك لأقتلك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين﴾ وَقد كَانَ رأى النَّبِي ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة فَقَالَ يَا عُثْمَان أفطر عندنَا فَلَمَّا أصبح قَالَ لعبيده المحيطين ببيته من أغمد سَيْفه فَهُوَ حر فأغمدوا سيوفهم فجد الْخَوَارِج عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ لثلاث خلون من الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَقيل كَانَ قَتله أَيَّام التَّشْرِيق بعد أَن حوصر أَرْبَعِينَ يَوْمًا
وَاخْتلف فِي عمره فَقيل اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سنة وَأشهر وَقيل ثَمَانِي وَثَمَانُونَ سنة وَقيل تسع وَثَمَانُونَ وَقيل تسعون سنة
стр. 114
ثمَّ اسْتخْلف خَاتم الْخُلَفَاء أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف فحين سمع عَاملا الْيمن يعلى وَابْن أبي ربيعَة بقتل عُثْمَان خافا على نفسيهما فَخَرَجَا مُجْتَمعين حَتَّى قدما مَكَّة سَالِمين فوجدا بهَا عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَقد اتَّفقُوا على خُرُوج الْعرَاق للطلب بِدَم عُثْمَان فأهدى يعلى لعَائِشَة جملا يُقَال لَهُ عَسْكَر وَبِه يعرف الْيَوْم الْمَشْهُور بِيَوْم الْجمل
وَبعث عَليّ على الْيمن عبيد الله بن الْعَبَّاس على صنعاء وَسَعِيد بن سعد الْأنْصَارِيّ على الْجند فَلبث ابْن عَبَّاس بِصَنْعَاء أَرْبَعِينَ شهرا ثمَّ إِن مُعَاوِيَة وَجه بشر بن أَرْطَأَة العامري الْيمن بِأَلف فَارس وَأمره بِطَلَب دم عُثْمَان فحين بلغ ذَلِك الْعلم إِلَى صنعاء جمع ابْن عَبَّاس أهل صنعاء وخطبهم وحضهم على الْقِتَال وَهُوَ يُرِيد الْأَبْنَاء إِذْ هم حِينَئِذٍ رَأس النَّاس فَقَالَ لَهُ فَيْرُوز الديلمي مَا عندنَا قتال فاستر شَأْنك فَحِينَئِذٍ أيس من نَصرهم واستخلف عَمْرو بن أراكة الثَّقَفِيّ ثمَّ ترك وَلدين لَهُ مَعَ أم سعيد ابْنة بزرج الَّتِي تقدم ذكرهَا أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَانَ كل قادم مِنْهُم إِلَى صنعاء ينزل بَيتهَا إِذْ كَانَت امْرَأَة داذويه أَمِير الْفرس يَوْمئِذٍ وَهِي أول امْرَأَة قَرَأت الْقُرْآن بِصَنْعَاء وصلت الصَّلَاة وَهِي أُخْت الرجلَيْن الْمَذْكُورين أَولا النُّعْمَان وَعبد الرَّحْمَن
فَلَمَّا قدم ابْن أَرْطَأَة صنعاء وَقد خرج عَنْهَا ابْن عَبَّاس لاحقا بعلي استدعى بالولدين وَكَانَ الْكَبِير ابْن عشر سِنِين وَالصَّغِير ابْن ثَمَان وَفِي اسمهما خلاف فَقيل الْحسن وَالْحُسَيْن وَقيل عبد الرَّحْمَن وَقثم بِضَم الْقَاف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ثمَّ مِيم فَلَمَّا حضرا إِلَى بسر أَمر بِقَتْلِهِمَا فَقَالَا لَهُ يَا عَم وَمَا ذنبنا فَقَالَ الْخَبيث ذكوا ابْني أخي فَاخْرُج إِلَى بَاب المصرع وذبحا وَقتل عَمْرو بن أراكة الثَّالِث وَقتل اثْنَيْنِ وَسبعين
стр. 115
من الْأَبْنَاء كَانُوا قد شفعوا إِلَيْهِ فِي الطفلين فَحصل للأبناء فِي ذَلِك مَا قَالَ ﷺ من سل سيف الْبَغي ضرب بِهِ وَمن أعَان ظَالِما أغري بِهِ فَإِنَّهُم أعانوا بشرا على ظلمه
وَكَانَ بشر يُقَال لَهُ بسر بن أَرْطَأَة العامري نِسْبَة إِلَى عَامر بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك أول جَبَّار دخل الْيمن وعسف أَهله واستحل الْحَرَام ولاقى من ذَلِك قتل الشهيدين كثير وَقد قتل من ذَلِك أمما لَا تحصر وعاث فِي الْيمن حَتَّى بلغ الْبَحْر بَحر عدن وقبر الطفلين مَشْهُور بِصَنْعَاء فِي مَسْجِد يعرف بِمَسْجِد الشهيدين يزار ويستنجح من الله فِيهِ الْحَاجَات وَلما بلغ عليا كرم الله وَجهه دُخُول بسر الْيمن جهز ألفي فَارس من الْكُوفَة وَمثلهَا من الْبَصْرَة وَجعل على الْجَمِيع جَارِيَة بن قدامَة السَّعْدِيّ وَأمره بِدُخُول الْيمن ومتابعة بسر حَيْثُ كَانَ ومطالبته بِمَا أحدث فِي الْيمن من قتل أَو فَسَاد فَلَمَّا دخل جَارِيَة الْيمن تهرب بسر وتفرق أَصْحَابه ثمَّ إِن جمَاعَة من الْيمن وَغَيره كَانُوا قد وافقوا بشرا على رَأْيه فلزمهم وَنكل بهم وَقتل من اسْتحق الْقَتْل مِنْهُم ثمَّ عَاد مَكَّة فحين دَخلهَا بلغه موت عَليّ كرم الله وَجهه فَأخذ الْبيعَة على أَصْحَابه وَأهل مَكَّة بالبيعة لمن بَايع لَهُ أَصْحَاب عَليّ وَلم يمت عَليّ حَتَّى قد سمع مِنْهُ الْكَرَاهَة للبقاء كَمَا سمع عَن عمر
قَالَ الْخطابِيّ فِي كتاب الْعُزْلَة بِسَنَد إِلَى ابْن سِيرِين قَالَ قَالَ عُبَيْدَة سَمِعت عليا كرم كرم الله وَجهه يَقُول فِي خطبَته اللَّهُمَّ إِنِّي قد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني فأرحني مِنْهُم وأرحهم مني مَا يمْنَع أشقاها أَن يخضبها بِدَم وَوضع يَده على لحيته وَمعنى قَوْله كرم الله وَجهه مَا يمْنَع أشقاها الْكَلَام إِلَى آخِره فِيهِ بَيَان قَول النَّبِي ﷺ أَن أَشْقَى لأخربن من يخضب هَذِه وَأَشَارَ إِلَى لحية عَليّ من هَذِه وَأَشَارَ إِلَى قرينته وَكَانَ الْيمن وَالْعراق والحجاز وخراسان تَحت طوع عَليّ يسْتَخْلف عَلَيْهِم من يَشَاء
стр. 116
وَكَانَت وَفَاته كرم الله وَجهه شَهِيدا من ضَرْبَة ضربه ابْن ملجم وَهُوَ فِي الصَّلَاة محرم بِجَامِع الْكُوفَة وَذَلِكَ لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة وَبلغ عمره ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وَقبل ثمانيا وَخمسين سنة وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الْحسن وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَقد ذكرت مَوضِع دَفنه فِيمَا مضى وَختم الله بِهِ الْخلَافَة كَمَا ختم النُّبُوَّة بِمُحَمد
وَمن ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ الْخلَافَة ثَلَاثُونَ عَاما فَكَانَ آخر قيام عَليّ آخر الثَّلَاثِينَ وَقيل بَقِي مِنْهَا أشهر أَخذهَا الْحسن كرم الله وَجهه ثمَّ خلع نَفسه ميلًا إِلَى حقن دِمَاء الْمُسلمين
وَكَيْفِيَّة ذَلِك أَن مُعَاوِيَة لما قَصده إِلَى الْكُوفَة بِجَيْش عَظِيم من الشَّام ومصر وَخرج إِلَيْهِ الْحسن بِجَيْش لم يكن بِدُونِ جَيْشه فَلَمَّا رأى الْحسن كَثْرَة الجيشين خشِي على الْمُسلمين أَن يتفانوا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا مُعَاوِيَة الله الله بِأمة مُحَمَّد لَا تفنهم على طلب الدِّينَا
إِن كَانَ هَذَا الْأَمر لَك فَمَا يَنْبَغِي لي أَن أنازعك فِيهِ وَإِن كَانَ لي فقد آثرتك بِهِ إبْقَاء على الْمُسلمين وحقنا لدمائهم فَقَالَ الْمُغيرَة حِينَئِذٍ لقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُؤمنِينَ
فَخلع الْحسن نَفسه وَبَايع لمعاوية وَذَلِكَ بعد أَن أَقَامَ سَبْعَة أشهر واثني عشر يَوْمًا وَكَانَت هَذِه الْمدَّة هِيَ الْبَقِيَّة من الثَّلَاثِينَ الَّتِي عناها النَّبِي ﷺ بقوله الْخلَافَة ثَلَاثُونَ عَاما ثمَّ يكون بعد ذَلِك الْملك
وَقد عرض مَعَ ذكر عَليّ كرم الله وَجهه ذكر عبيد الله بن الْعَبَّاس وَهُوَ ابْن عَمه وَأحد الصَّحَابَة وَله عَن رَسُول الله ﷺ رِوَايَات وَكَانَ أكبر من أَخِيه عبد الله الْمُفَسّر بِسنتَيْنِ كَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ سنة سبع وَثَمَانِينَ
ثمَّ صَار الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة فاستناب عُثْمَان بن عَفَّان الثَّقَفِيّ فَلبث مُدَّة ثمَّ عَزله بأَخيه عتبَة بن أبي سُفْيَان وَجمع لَهُ ولَايَة المخلافين صنعاء والجند فَلبث فِي الْيمن سنتي وَلحق بأَخيه فاستخلف فَيْرُوز الديلمي بِصَنْعَاء وبالجند قيس الْكَاتِب
стр. 117
وبتلك الْمدَّة مَاتَ فَيْرُوز على الْعَمَل ثمَّ بعث مُعَاوِيَة مَكَان أَخِيه النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ فَأَقَامَ بِالْيمن سنة ثمَّ عَزله ببشير بن سعيد الْأَعْرَج الَّذِي تقدم ذكر انتصابه
كَانَ معينا ليعلى زمن عمر ثمَّ عَزله بِرَجُل من أهل الْجند يُقَال لَهُ سعيد بن داذويه فَأَقَامَ واليا تِسْعَة أشهر وَمَات عَقبهَا فَبعث مُعَاوِيَة على صنعاء الضَّحَّاك بن فَيْرُوز الْمُقدم ذكره فِي عداد الْفُقَهَاء وَلم أعلم من كَانَ نَائِبه على مخلاف الْجند
ثمَّ كَانَت وَفَاة مُعَاوِيَة وَالضَّحَّاك وَال على المخلافين برجب الْكَائِن فِي سنة سِتِّينَ وَقد بلغ عمره ثمانيا وَسبعين سنة
وَكَانَ ألزم النَّاس لِلْبيعَةِ لِابْنِهِ يزِيد فَبَايعُوا طَوْعًا وَكرها فَبعث على الْيمن بحير بن ريسان الْحِمْيَرِي أحد كرام الْوُلَاة وَكَانَت ولَايَته ضمانا ضمنهَا من يزِيد بِمَال يحملهُ فِي كل سنة مَا بقيت ليزِيد ولَايَة وَكَانَ رجلا جوادا يأنف أَن يسْأَل شَيْئا قَلِيلا وَرُبمَا عاقب سائله حَتَّى أَن رجلا قَصده من الْحجاز وامتدحه بِشعر مِنْهُ ... بحير بن ريسان الَّذِي سَاد حميرا ... ونائله مثل الْفُرَات غزير
وَإِنِّي لأرجو من بحير وليدة ... وَذَاكَ من الْحر الْكَرِيم كثير ... فَغَضب عَلَيْهِ بحير وَقَالَ ترحل إِلَيّ من الْحجاز لَا ترجو إِلَّا وليدة لأؤدبنك ثمَّ أَمر بِهِ فَضرب أسواطا وَبعث لَهُ بِعشر ولائد وَأحسن جائزته
ثمَّ إِن الْحُسَيْن استدعاه أهل الْكُوفَة من الْمَدِينَة فَلَمَّا صَار بِالْقربِ مِنْهَا قدمهَا عبيد الله بن زِيَاد بِجَيْش وَغلب على الْمَدِينَة وَأخرج الْعَسْكَر فِي طلبه فَقتل الْحُسَيْن فِي عَاشر الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ وقصته ثَانِيَة مصائب الْمُسلمين إِذْ أَولهَا قتل عُثْمَان وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين استضيموا فِي قَتلهمَا عَلَانيَة
قَالَه ابْن حزم وَقَامَ ابْن
стр. 118
الزبير فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ لمضي ثَلَاثَة أشهر مِنْهَا واسْمه عبد الله وكنيته أَبُو بكر وَكَانَ فِي أَيَّام يزِيد تَخْلِيط كثير وَلم يكن من الْحُسَيْن وَلَا من ابْن الزبير هَذَا بيعَة فَقتل الْحُسَيْن كَمَا قدمنَا وغزا الْمَدِينَة فَقتل بهَا خلقا كثير من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار حَتَّى لم يكد يبْقى بهَا أحد مِنْهُم وَهِي تسمى غَزْوَة يَوْم الْحرَّة وَكَانَت ثَالِثَة من وقائع الْإِسْلَام وخرومه لِأَن أفاضل الْمُسلمين وَبَقِيَّة الصَّحَابَة وأخيار التَّابِعين ﵃ قتلوا ذَلِك الْيَوْم فِي الْحَرْب صبرا وظلما وعدوانا وجالت الْخَيل فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وراثت وبالت فِي الرَّوْضَة بَين الْقَبْر والمنبر وَلم تصل جمَاعَة فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ تِلْكَ الْأَيَّام وَلَا كَانَ بِهِ أحد حاشا ابْن الْمسيب فَإِنَّهُ لم يُفَارق الْمَسْجِد وَلَوْلَا شَهَادَة مَرْوَان بن الحكم وَعَمْرو بن عُثْمَان لَهُ أَنه مَجْنُون عِنْد مقدم الْجَيْش وَهُوَ مجرم بن عقبَة لقَتله وَبَايع مجرم الْمُسَمّى مُسلم النَّاس ليزِيد على أَنهم عبيد لَهُ إِن شَاءَ بَاعَ وَإِن شَاءَ أعتق وَذكر لَهُ بَعضهم أَنه يُبَايع على كتاب الله وَسنة رَسُوله فَأمر بقتْله صبرا ونهبت الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام وَمَات مجرم بعد أَن خرج من الْمَدِينَة بأيام وَمَات يزِيد بعد ذَلِك بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أشهر وأزيد من شَهْرَيْن وَذَلِكَ فِي نصف ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ مدَّته ثَلَاث سِنِين وَثَلَاث أشهر
وَقد صَار الْأَمر لِابْنِ الزبير بالحجاز واليمن وخراسان على بيعَة ابْن الزبير حاشا شرذمة من الْأَعْرَاب بالأردن فَوجه إِلَيْهِم ابْن الزبير مَرْوَان بن الحكم
فَلَمَّا ورد الْأُرْدُن خلع ابْن الزبير فَكَانَ أول من شقّ عَصا الْمُسلمين بِلَا تَأْوِيل وَلَا شُبْهَة وَبَايَعَهُ أهل الْأُرْدُن وَخرج على ابْن الزبير وَقتل النُّعْمَان بن بشير أول مَوْلُود فِي الْإِسْلَام من الْأَنْصَار صَاحب رَسُول الله ﷺ بحمص وتغلب على مصر وَالشَّام فَمَاتَ بعد عشرَة أشهر من ولَايَته فَقَامَ ابْنه عبد الْملك مقَامه وَبقيت فتْنَة حَتَّى قوي أمره وَبعث الْحجَّاج لِابْنِ الزبير فحاصره وَرمى الْبَيْت بِالْحِجَارَةِ والمنجنيق فَقتل ابْن الزبير بِالْمَسْجِدِ
стр. 119
الْحَرَام وَكَانَ ذَلِك رَابِع خرم فِي الْإِسْلَام ومصائبه لِأَن الْمُسلمين استضيموا بقتْله وصلبه مُنَكسًا وَكَانَت ولَايَته تِسْعَة أَعْوَام وشهرين وَنصفا
وَقد ذكرت من كَانَ واليا لليمن أَيَّام يزِيد وَلما صَار الْأَمر لِابْنِ الزبير كَانَ أول وَال ولاه أَن بعث بعهده للضحاك بن فَيْرُوز مقدم الذّكر فَلبث سنة ثمَّ عَزله بِعَبْد الله بن عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد فَلبث مُدَّة ثمَّ عَزله بِعَبْد الله بن الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي فَلبث سنة وَثَمَانِية أشهر ثمَّ عَزله بأَخيه خَالِد بن الزبير فَلبث مُدَّة ثمَّ عَزله بمغيث بن ذِي الثوجم الْأَوْزَاعِيّ الَّذِي تقدم ذكره أَنه قيل أَنه مولى لوالد عبد الرَّزَّاق الْفَقِيه فَلبث خَمْسَة أشهر ثمَّ عزل بحنش بن عبد الله الْفَقِيه الْمُقدم الذّكر فَلبث مُدَّة ثمَّ عزل بقيس بن يزِيد السَّعْدِيّ التَّمِيمِي فَلبث سَبْعَة أشهر ثمَّ عَزله بِأبي النجُود مولى عُثْمَان بن عَفَّان فَمَكثَ خَمْسَة أشهر ثمَّ أُعِيد الضَّحَّاك الَّذِي ذكرت أَولا ولَايَته فَمَكثَ سِتَّة أشهر ثمَّ عزل بخلاد بن السَّائِب الْأنْصَارِيّ ثمَّ عزل بِأبي النجُود وَفِي أَيَّامه قدمت الحرورية إِلَى صنعاء وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَسبعين فاضطرب أَمر الْيمن وَلم يزل مضطربا حَتَّى قتل ابْن الزبير كَمَا قدمنَا سنة ثَلَاث وَسبعين
ثمَّ اسْتَقل عبد الْملك بِالْملكِ وَحين استولى الْحجَّاج على مَكَّة بقتل ابْن الزبير بعث على صنعاء أَخَاهُ مُحَمَّد بن يُوسُف وعَلى الْجند وَاقد بن سَلمَة الثَّقَفِيّ وعَلى حَضرمَوْت الحكم بن أَيُّوب الثَّقَفِيّ فأقاموا جَمِيعًا على ذَلِك سنة ثمَّ عزل وَاقد وَجمع المخلافين لِأَخِيهِ فَلم يزل عَلَيْهِمَا إِلَى أَن توفّي ثمَّ توفّي عبد الْملك فِي شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَكَانَت مُدَّة استيلائه على الْيمن ثَلَاث عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر فِي غالبها نَائِبه عَلَيْهَا أَخُو الْحجَّاج
ثمَّ قَامَ بعد ذَلِك ابْنه الْوَلِيد وَذَلِكَ بِعَهْد لَهُ من أَبِيه وَكَانَ يقظا فِي أُمُور دينه ودنياه وَهُوَ الَّذِي بنى جَامع دمشق الَّذِي أجمع أهل الْمعرفَة أَنه لم يعرف لَهُ نَظِير فِي الْمشرق وَلَا فِي الْمغرب ونسبته إِلَى بني أُميَّة
стр. 120
وَكَانَ يَصُوم يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَهُوَ أول من صامهما من مُلُوك الْإِسْلَام وَأول من أحدث المارستانات وَأول من أجْرى الطَّعَام فِي الْمَسَاجِد لَا سِيمَا فِي رَمَضَان وَهُوَ الَّذِي فسح بالحرمين وَفِي أَيَّامه هلك الْحجَّاج فعلى هَذِه لَهُ مَنَاقِب تعد فِي أَيَّامه ﵀ وَغفر لَهُ
وَتُوفِّي الْوَلِيد منتصف جُمَادَى الأولى فِي سنة سِتّ وَتِسْعين مدَّته تسع سِنِين وَسِتَّة أشهر
وَقَامَ بِأَمْر النَّاس بعده أَخُوهُ سُلَيْمَان بطرِيق الْوَصِيَّة من أَبِيه أَيْضا فَاسْتعْمل على الْيمن عُرْوَة بن مُحَمَّد السَّعْدِيّ فَلبث مُدَّة بَقَاء سُلَيْمَان فِي الْملك وَهُوَ عامان وَتِسْعَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام ثمَّ اسْتخْلف ابْن عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم الْمَذْكُور أَولا وَأمه ابْنة عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ولي باستخلاف سُلَيْمَان وَهُوَ أحد مُلُوك الْإِسْلَام الْمَعْدُودين المقتدى بهم فِي الْعدْل وَحسن السِّيرَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر والتواضع وَالْعلم
قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي سُئِلَ عَن أهل صفّين مَا تَقول فيهم فَقَالَ تِلْكَ دِمَاء طهر الله يَدي مِنْهَا فَلَا أخضب لساني بهَا وَكَانَ ملكه قَوِيا من غير عنف لينًا من غير ضعف فَلم يُغير على عُرْوَة ولَايَته بِالْيمن
وَمن عَجِيب مَا حُكيَ أَنه قدم عَلَيْهِ نعيم بن سَلامَة الْحِمْيَرِي وَكَانَ أحد أَعْيَان الْيمن فَقَالَ لَهُ يَا نعيم قَوْمك الَّذين قَالُوا ﴿رَبنَا باعد بَين أسفارنا وظلموا أنفسهم﴾ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَوْمك أَشد جهلا بعث الله إِلَيْهِم نَبيا قد عرفُوا صدقه وأمانته فَقَالُوا ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء﴾ هلا قَالُوا فاهدنا لَهُ فَتَبَسَّمَ عمر
قَالَ ابْن حزم وَفضل عمر بن عبد الْعَزِيز أشهر من أَن يتَكَلَّف ذكره وَتُوفِّي عمر نَهَار الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى ومئة مُدَّة ملكه سنتَانِ وَأَرْبَعَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام وسنه تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَلم يكن نَائِب فِي الْيمن غير عُرْوَة كَمَا
стр. 121
قدمنَا أَنه كَانَ نَائِب سُلَيْمَان ثمَّ قَامَ بِالْأَمر يزِيد بن عبد الْملك بِعَهْد سُلَيْمَان لَهُ بعد عمر فاستناب يزِيد على الْيمن مَسْعُود بن عَوْف الْكَلْبِيّ فَلم يزل إِلَى أَن توفّي يزِيد لَيْلَة الْجُمُعَة لأَرْبَع بَقينَ من شعْبَان سنة خمس ومئة مُدَّة ولَايَته أَربع سِنِين وَشهر وَاحِد
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده أَخُوهُ هِشَام فَأمر مسعودا على الْيمن سنة من ولَايَته ثمَّ عَزله بِيُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ فَلبث على المخاليف الثَّلَاثَة حَضرمَوْت وَصَنْعَاء والجند ثَلَاث عشرَة سنة واستقضى على صنعاء الغطريف بن الضَّحَّاك بن فَيْرُوز الديلمي الْمُقدم ذكر أَبِيه فِي الْفُقَهَاء والعمال وجده فِي الْعمَّال
ثمَّ لما كَانَ فِي سنة عشْرين ومئة وَصله كتاب هِشَام يَأْمُرهُ بِأَن يسْتَخْلف وَلَده على الْيمن ويتقدم الْعرَاق لقبض خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي أَمِير الْعرَاق يَوْمئِذٍ وَيكون مَكَانَهُ حَتَّى يَأْتِيهِ أمره فَفعل يُوسُف ذَلِك وَترك ابْنه الصَّلْت مَكَانَهُ فَلبث خمس سِنِين إِلَى أَن توفّي هِشَام لسبع خلون من ربيع الأول الْكَائِن فِي سنة خمس وَعشْرين ومئة وَمُدَّة ملكه تِسْعَة عشر عَاما
ثمَّ ولي بعده ابْن أَخِيه الْوَلِيد بن يزِيد باستخلاف لَهُ من أَبِيه بعد عَمه فَبعث على الْيمن خَاله مَرْوَان بن مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ ابْن أخي الْحجَّاج فَلم يزل بِالْيمن مُدَّة الْوَلِيد وَإِلَيْهِ قدمت الْفتيا الْمَذْكُورَة أَولا الْمَجْمُوع لَهَا الْفُقَهَاء وَكَانَ من أَشد بني أُميَّة جبروتا وعسفا وظلما
وَذكر أَنه تفاءل يَوْمًا بالمصحف فَخرج فأله ﴿واستفتحوا وخاب كل جَبَّار عنيد﴾ فَأَخذه وَجعله بِرَأْس رمح ثمَّ رَمَاه بالنشاب وَأنْشد شعرًا مِنْهُ قَوْله ... أتوعد كل جَبَّار عنيد ... فها أَنا ذَاك جَبَّار عنيد
إِذا وافيت رَبك يَوْم حشر ... فَقل يارب حرقني الْوَلِيد ... ثمَّ لما تفرق ورق الْمُصحف من شدَّة الرَّمْي جمعهَا وأحرقها وَله مخاز يطول
стр. 122
شرحها ذكر مَا أوردناه يدل على أَنه فَوق مَا حُكيَ عَنهُ
وَكَانَت وَفَاته مقتولا لأجل الْمُنْكَرَات الَّتِي كَانَ يَأْتِيهَا قَتله ابْن عَمه يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك يَوْم الْخَمِيس لثلاث بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين ومئة مدَّته سنة وشهران
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده قَاتله يزِيد بن الْوَلِيد أثنى عَلَيْهِ ابْن حزم قَالَ كَانَ فَاضلا قَامَ مُنْكرا للْمُنكر غير أَنه نقص الْجند عطاءهم فَسُمي يزِيد النَّاقِص وَلما قَامَ اسْتخْلف على الْيمن الضَّحَّاك بن وَائِل السكْسكِي واستقضى يحيى بن شُرَحْبِيل بن أَبْرَهَة
وَذكر أَنه كَانَ أول ملك فِي الْإِسْلَام نفى الْقَضَاء وَالْقدر على الْمُعْتَزلَة وَكَانَت وَفَاته بِالْحجَّةِ سنة سِتّ وَعشْرين ومئة مدَّته سِتَّة أشهر
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر من بعده أَخُوهُ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد فَلبث ثَلَاثَة أشهر وَلم يتم لَهُ أَمر فَخلع نَفسه وَبَايع لمروان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم الْمُقدم ذكره فَبعث مَرْوَان مَكَان الضَّحَّاك عُرْوَة فَأَقَامَ تِسْعَة أشهر بِتَمَامِهَا
ثمَّ انْقَضتْ دولة بني أُميَّة وَذَلِكَ بقتل مَرْوَان ببوصير من أَرض مصر لَيْلَة الْجُمُعَة لثلاث عشرَة خلت من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ومئة مدَّته خمس سِنِين وَشهر
قَالَ ابْن حزم وَكَانَت دولة بني أُميَّة على علاتها دولة عَرَبِيَّة لم يتخذوا مِنْهَا قَاعِدَة وَلَا أَكْثرُوا من احتجان الْأَمْوَال وَلَا بِنَاء الْقُصُور وَلَا استعلوا على الْمُسلمين أَن
стр. 123
يخاطبوهم أَو يكاتبوهم بالعبودية والمولوية وَلَا بتقبيل الأَرْض والأرجل وَالْأَيْدِي إِنَّمَا كَانَ غرضهم الطَّاعَة الصَّحِيحَة من التَّوْلِيَة والعزل فِي أقاصي الْبِلَاد وأدانيها
ثمَّ انْتقل الْأَمر إِلَى بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب كَانَت دولتهم أَعْجَمِيَّة سَقَطت مِنْهَا دواوين الْعَرَب وغلبت عجم خُرَاسَان على الْأَمر وَعَاد ملكا محققا كسرويا غير أَنهم لم يعلنوا سبّ الصَّحَابَة بِخِلَاف مَا فعل بَنو أُميَّة إِذْ كانو يستعملون لعن عَليّ حَتَّى جَاءَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَقطع ذَلِك وأكده يزِيد بن الْوَلِيد
وَأول قَائِم من العباسيين أَبُو الْعَبَّاس السفاح واسْمه عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَكَانَت بيعَته إِلَى يَده بِالْكُوفَةِ فِي شهر الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ومئة فَبعث على الْحجاز واليمن عَمه دَاوُد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَأَقَامَ بِمَكَّة وَبعث على الْيمن عمر بن عبد الْمجِيد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب الْعَدوي وَهُوَ أول من قدم الْيمن نَائِبا للعباسيين وَلما أَقَامَ بِصَنْعَاء بوب جَامعهَا وَلم يكن لَهُ بَاب
وَكَانَ السفاح كَرِيمًا حَلِيمًا بارا بأَهْله وصُولا لرحمه ثمَّ توفّي عَمه دَاوُد بعد مُضِيّ خَمْسَة أشهر من قدوم ابْن عبد الْمجِيد صنعاء فَبعث أَبُو الْعَبَّاس السفاح على الْيمن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد بن عبد المدان فَقَدمهَا فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ومئة فَأَقَامَ بِصَنْعَاء وَبعث أَخَاهُ إِلَى ثغر عدن فَسَاءَتْ سيرة الْكل مِنْهُم فأحدث بِصَنْعَاء قبائح كَثِيرَة مِنْهَا أَنه هم بإحراق المجذومين وَأمر أَن يجمع لَهُم الْحَطب وَقَالَ لَو كَانَ بهم خير مَا أوقع الله بهم الجذام فَمَرض أَيَّامًا يسيرَة وَمَات قبل أَن يحدث بهم شَيْئا وَمَات أَخُوهُ بعدن يُقَال كَانَ مَوْتهمَا بِيَوْم وَاحِد فَكتب أهل صنعاء إِلَى أَخِيه بعدن يعلمونه وَكتب أهل عدن إِلَى أَخِيه بِصَنْعَاء يخبرونه وَسَار الرسولان فَالْتَقَيَا وتحادثا وَخبر كل وَاحِد صَاحبه بِمَا جَاءَ من الْعلم فناول رَسُول صنعاء رَسُول عدن كتبه وَأخذ مِنْهُ كتبه
стр. 124
الَّتِي جَاءَ بهَا ثمَّ قفل كل وَاحِد مِنْهُمَا بكتب صَاحبه فحين علم خبرهما السفاح بعث مكانهما عبد الله بن مَالك الْحَارِثِيّ فَمَكثَ أَرْبَعَة أشهر ثمَّ عَزله بعلي بن الرّبيع بن عبد الله بن عبد المدان ابْن أخي الْمَذْكُور أَولا فَلبث إِلَى أَن توفّي السفاح بِأحد أَيَّام التَّشْرِيق من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ ومئة مدَّته أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بِوَصِيَّة من أَخِيه ونازعه عَمه عبد الله بن عَليّ مُنَازعَة أفضت إِلَى حروب كَبِيرَة وَبَايَعَهُ على ذَلِك جمع كثير وَشهد لَهُ جمَاعَة أَن السفاح شَرط لَهُ ولَايَة الْأَمر بعده إِن خرج لقِتَال مَرْوَان وَأَنه خرج وَتَوَلَّى قتل مَرْوَان ثمَّ لم يزل الْمَنْصُور يخادعه ويلاطفه حَتَّى حصل بِيَدِهِ على ذمام وعهوده مكينة فَلَمَّا حصل بِيَدِهِ سجنه فِي بَيت بني أساسه على ملح وَأطلق المَاء حوله فَسقط فَمَاتَ هديما وَقتل أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي الْقَائِم بالدولة العباسية
وَكَانَ بَخِيلًا مبخلا فظا غليظا على الْأمة وعَلى أَهله أَشد وَهُوَ أول من أوقع الشَّرّ بَين الطالبيين والعباسيين وَقتل من الطالبيين جمعا كثيرا وَكَانَ حسودا وَهُوَ أول من ولي الْقَضَاء بِنَفسِهِ لم يكله إِلَى أحد غَيره وَأول من قرب المنجمين وَأول من ترجمت لَهُ الْكتب من الفارسية إِلَى الْعَرَبيَّة ككتاب كليلة ودمنة وَكتاب السَّنَد هِنْد وَكتب أرسطا طاليس وَسَائِر كتب الفلسفة من اليونانية والرومية والفارسية والسريانية وَفِي أَيَّامه وضع مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ كتب الْمَغَازِي وَالسير وأخبار مُبْتَدأ الْخلق وَلم تكن قبل ذَلِك مَجْمُوعَة وَبنى بَغْدَاد وَجعلهَا دَار ملك وَلم يصر إِلَيْهِ الْأَمر إِلَّا وَقد نظر فِي الْعُلُوم وتتبع الْمذَاهب وارتاض فِي الآراء وَكتب الحَدِيث وَفِي أَيَّامه كثرت رِوَايَات النَّاس واتسعت علومهم
هَذَا جملَة مَا لَاق ذكره من أَحْوَاله مُلَخصا مَنْقُولًا من التواريخ
стр. 125
ثمَّ نرْجِع حِينَئِذٍ إِلَى ذكر ولَايَته بِالْيمن فَقَامَ بِالْأَمر وَإِلَيْهِ من أَخِيه عَليّ بن الرّبيع عَزله بأَخيه عبد الله فَمَكثَ أَربع سِنِين وَنصفا ثمَّ عَاد الْعرَاق واستخلف ابْنه فَمَكثَ سنّ وَثلث سنة ثمَّ عزل بمعن بن زَائِدَة
وَلما كَانَ من أَعْيَان الْكِرَام أَحْبَبْت رفع نسبه وإيراد بعض مَا لَاق من أَحْوَاله فَهُوَ معن بن زَائِدَة بن مطر بن شريك بن عَامر بن همام بن مرّة الربعِي الشَّيْبَانِيّ قدم صنعاء واليا لمخلافها ومخلاف الْجند فَبعث أَخَاهُ وَقيل ابْن عَمه واليا على الْجند فسكن قَرْيَة من قراها الخارجية قد صَارَت خرابا وَكَانَت تعرف بالزريبة قبلي الذنبتين قَرْيَة هِيَ على ربع مرحلة من الْجند من جِهَة الْقبْلَة وَضبط الزريبة بزاي مَفْتُوحَة مُشَدّدَة بعد الْألف وَاللَّام ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء والذنبتين مِنْهَا جمَاعَة من أَعْيَان الْفُقَهَاء فَسَاءَتْ سيرة خَليفَة معن على أهل مخلاف الْجند بِحَيْثُ شَاءَ مِنْهُم الحليلة واحتقرهم وَصَارَ مُولَعا بإذلالهم
من جملَة مَا ذكر عَنهُ أَنه كَانَت لَا تزف امْرَأَة إِلَى بَعْلهَا حَتَّى تعرض عَلَيْهِ وَرُبمَا وَقع بهَا فأوقعه الله مَعَ من يَقُول بقول ابْن كُلْثُوم ... مَتى كُنَّا لأمك مقتوينا
يُخَاطب عَمْرو بن هِنْد فَقتله
فحين بلغ معن ذَلِك غزا الْجند نَوَاحِيهَا وأخرب الْقرْيَة الْمَذْكُورَة الَّتِي قتل بهَا وَهِي على ذَلِك خراب إِلَى عصرنا وَقتل من أهل الْقرْيَة نَحْو الْأَلفَيْنِ وَكَانَ إِذا
стр. 126
خُوطِبَ بالكف عَن الْقَتْل قَالَ لَا أكف حَتَّى أقتل أَلفَيْنِ ثمَّ ينشد ... إِذا تمت الألفان كَادَت حرارة ... على الصَّدْر من ذكرى سُلَيْمَان تبرد ... وَلم يكن لَهُ مَا يذم بِهِ غير هَذِه الْغُزَاة وَقتل من قتل بهَا وَلم يقنع بذلك حَتَّى غور مياها كَانَت بقاع الْجند مِنْهَا المَاء الْمَوْجُود فِي مَحَارِث اليهاقر وَغَيره وَمِنْهَا أَنه ألزم النَّاس لبس الثِّيَاب المصبغة بالنيل وَترك شُعُورهمْ منشورة فَصَارَ ذَلِك لَهُم عَادَة حَتَّى صَارُوا يعدونه جمالا وزينة لعدم عَهدهم بذلك ومعرفتهم لَهُ وَكَانَ أحد شجعان الْعَرَب وفتاكيها ويعد من المخضرمين أدْرك الدولة الأموية وَقَاتل وَرَأس فِيهَا ثمَّ أدْرك الدولة العباسية فقاتل فِيهَا قتالا عَظِيما
ويحكى من كرمه أَخْبَار يطول شرحها مَا خيب أمل من أمله وَلَا علم بِدُخُول أحد من الْأَعْيَان صنعاء وَلم يَقْصِدهُ إِلَّا أنف من ذَلِك وَرُبمَا عاقب فَاعله وَدخل سُفْيَان الثَّوْريّ صنعاء فِي أَيَّامه فَوَجَدَهُ خَارِجا عَن صنعاء وَقد علم حَاله وَأَنه علم قصد دُخُول الْيمن دون قَصده فساءه ذَلِك فَسلم عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَيْن تُرِيدُ فَقَالَ لَهُ دين أثقلني فقصدتك فأسف أَن لَا يكون أدْركهُ بِصَنْعَاء ثمَّ كتب لَهُ إِلَى ابْنه زَائِدَة بِأَلف دِينَار فَأخذ سُفْيَان الصَّك وَدخل صنعاء وَقضى حَاجته بهَا ثمَّ خرج وَلم يجْتَمع بزائدة وَلَا قدم معن من سَفَره حَتَّى قد خرج سُفْيَان عَن صنعاء وَحين دخل سَأَلَ وَلَده عَنهُ فَقَالَ لم أره وَلَا الْخط الَّذِي كتبت لَهُ فَقَالَ معن خدعني سُفْيَان
وَبعد سِتّ سِنِين من إِقَامَته بِالْيمن كتب إِلَيْهِ الْمَنْصُور باستخلاف وَلَده بِالْيمن والوصول إِلَيْهِ فَفعل ذَلِك وَحين قدم عَلَيْهِ وَجهه إِلَى خُرَاسَان لقِتَال الْخَوَارِج بهَا فَلبث فِيهَا ثَلَاث سِنِين وَابْنه بِالْيمن كَذَلِك ثمَّ قتل بخراسان سنة أَربع وَخمسين ومئة فَحِينَئِذٍ بعث الْمَنْصُور الْحجَّاج بن مَنْصُور على الْيمن فَأَقَامَ مديدة ثمَّ عزل بالفرات بن سَالم الْعَبْسِي فَلبث ثَلَاث سِنِين ثمَّ عزل بِيَزِيد بن مَنْصُور فَلبث خمس سِنِين وَمَات الْمَنْصُور قَاصِدا الْحَج فِي شهر ذِي الْحجَّة الْكَائِن فِي سنة ثَمَان وَخمسين ومئة فِي بِئْر
стр. 127
مَيْمُون على مقربة من مَكَّة وَدفن هُنَالك
ومدته اثْنَتَانِ وَعشْرين سنة
ثمَّ ولي الْأَمر بعده ابْنه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الملقب بالمهدي باستخلاف أَبِيه لَهُ فَأقر خَاله بن يزِيد بن مَنْصُور سنة ثمَّ كتب إِلَيْهِ أَن يَسْتَنِيب عَن الْيمن وَيقدم مَكَّة ليقيم الْحَج للنَّاس فاستخلف عبد الْخَالِق بن مُحَمَّد الشهابي وَخرج إِلَى مَكَّة فِي شَوَّال سنة تسع وَخمسين ومئة فَأَقَامَ الْحَج ثمَّ توفّي فِي منتصف الْحجَّة فَبعث الْمهْدي مَكَانَهُ رجا بن سَلام بن روح بن زنباع الحذامي فَلبث بِالْيمن سنة ثمَّ عزل بعلي بن سُلَيْمَان فَلبث سنة وَخَمْسَة أشهر واستناب وَاسع بن عصمَة وقفل إِلَى بَغْدَاد فَلبث نَائِبه أحد عشر شهرا ثمَّ عزل بِعَبْد الله بن سُلَيْمَان فَلبث سَبْعَة أشهر ثمَّ عزل بمنصور بن يزِيد بن مَنْصُور الْحِمْيَرِي فَمَكثَ سنة ثمَّ عزل بِسُلَيْمَان بن يزِيد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الْحَارِثِيّ فَمَكثَ سنة وَعشرَة أشهر ثمَّ توفّي الْمهْدي فِي الْمحرم أول سنة تسع وَسِتِّينَ ومئة بعد أَن اسْتخْلف ابْنه الْهَادِي وَكَانَت ولَايَته عشر سِنِين وشهرا فَقَامَ الْهَادِي واستخلف على الْيمن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الزَّيْنَبِي فَمَكثَ سنة ثمَّ عزل بإبراهيم فَلبث أَرْبَعَة أشهر وَتُوفِّي الْهَادِي فَجْأَة منتصف ربيع الأول سنة سبعين ومئة ومدته عَام وشهران
ثمَّ قَامَ بعده أَخُوهُ هَارُون الملقب الرشيد باستخلاف أَبِيه لَهُ كَمَا قدمنَا فَبعث على الْيمن الغطريف بن عَطاء وَكَانَ ابْن خَاله فَلبث بهَا ثَلَاث سِنِين وَسَبْعَة أشهر ثمَّ خرج مِنْهَا بعد أَن اسْتخْلف عباد بن مُحَمَّد الشهابي فَبعث الرشيد مَكَانَهُ الرّبيع بن
стр. 128
عبد الله بن عبد المدان الْحَارِثِيّ فَمَكثَ سنة
وَفِي أَيَّامه حصل الثَّلج بِصَنْعَاء وَلم يكن حصل من قبل ذَلِك ثمَّ عزل بعاصم بن عُيَيْنَة الغساني فَلبث فِيهِ سنة ثمَّ عزل بِأَيُّوب بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَلبث سنة ثمَّ ولي الرّبيع الْمَذْكُور أَولا وَجعل مَعَه الْعَبَّاس بن سعيد فلبثا سنتَيْن ثمَّ عزلا بِمُحَمد بن إِبْرَاهِيم الْهَاشِمِي ثمَّ عزل بولده الْعَبَّاس بن مُحَمَّد فَسَاءَتْ سيرته وقبحت آثاره فَشَكَاهُ النَّاس وَحج الرشيد تِلْكَ السّنة فَشَكَاهُ أهل الْيمن إِلَيْهِ بِمَكَّة فَعَزله بعد سِتَّة أشهر بِعَبْد الله بن مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام فَلبث سنة ثمَّ عزل بِأَحْمَد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن عبد الله بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة فَلبث سنة كَانَ فِيهَا تَخْلِيط عَظِيم بِالْيمن ثمَّ عزل بِمُحَمد بن خَالِد بن برمك أخي يحيى بن خَالِد بن برمك فَقدم صنعاء فِي جُمَادَى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَكَانَ يسكن منكث أَيَّام جباية الْخراج وَإِلَيْهِ مخلاف صنعاء والجند فَكَانَ من أخير الْوُلَاة القادمين الْيمن عدلا ورفقا وَحسن سيرة وعدالة فِي الرّعية مرضية وَكَانَ يحب بَقَاء الذّكر وَالثنَاء على طَرِيق أَهله وَلأَجل فعلهم فَقَالَ فيهم الشَّاعِر ... إِن البرامكة الَّذين تعلمُوا ... كرم النُّفُوس وعلموه الناسا ... وببركة أفعالهم تِلْكَ ختم لَهُم بِالشَّهَادَةِ وأحدث هَذَا مُحَمَّد فِي صنعاء أَن جر الغيل إِلَيْهَا الَّذِي يعرف بالبرمكي قدم ميمه على بائه مجَاز لَهُ من بَاب التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير ثمَّ لما فرغ من عِمَارَته جمع أهل صنعاء وَأقسم لَهُم الْإِيمَان الْمُغَلَّظَة أَنه لم
стр. 129
يصرف فِي جَرّه شَيْئا من مَال السُّلْطَان وَلَا من مَال حرَام وَلَا شُبْهَة ثمَّ وَقفه على الْمُسلمين وببركة ذَلِك هُوَ مُسْتَمر إِلَى عصرنا سنة أَربع وَعشْرين وسبعمئة
وَبنى مَسْجِدا بِصَنْعَاء عِنْد سوق اللسانين قَالَ الرَّازِيّ أَدْرَكته خرابا قَالَ كَانَ هَذَا مُحَمَّد بن خَالِد كثير الصَّدَقَة فِي جَمِيع أَحْوَاله بِحَيْثُ أَنه كَانَ إِذا ركب حمل الدَّرَاهِم فِي كمه وكل من سَأَلَ شَيْئا أناله وَكَانَ فِي إصْلَاح الطَّرِيق إِلَى مَكَّة أَمَان وَعمارَة وَكَانَ شَدِيد التفقد على الرّعية
يحْكى أَنه خرج يَوْمًا إِلَى سَواد صنعاء فَوَافى أَهله وَعَلِيهِ ثِيَاب الصُّوف الْأسود الَّتِي تسمى شمالا وظنهم سؤالا فَقَالَ لخدمه تصدقوا على هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين فَقيل لَهُ هَؤُلَاءِ الرّعية الَّذين تَأْخُذ مِنْهُم الْأَمْوَال فَقَالَ مَا يَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ مِنْهُم شَيْء ثمَّ إِنَّهُم بطروا وأرادو الْخُرُوج عَلَيْهِ
وَأما أهل تهَامَة خُصُوصا عك فَخَرجُوا عَن طَاعَته فَكتب إِلَى الرشيد يشكوهم فَبعث مَكَانَهُ مَوْلَاهُ حَمَّاد الْبَرْبَرِي وَقَالَ لَهُ أسمعني أصوات أهل الْيمن فَلَمَّا قدم عاملهم بالعسف والجبروت وَقتل من رُؤَسَائِهِمْ جمَاعَة وشرد جمعا فِي الْبِلَاد حَتَّى دانوا وأطاعوا بالخراج الْمُعْتَاد وَزِيَادَة عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُ وَأمنت الطّرق فِي أَيَّامه أَمَانًا لم يكد يعْهَد مثله حَتَّى أَن الجلب كَانَ يسير من الْيَمَامَة إِلَى صنعاء لَا يَخْشونَ عاسفا وَمن جُمْلَتهمْ يصلونَ بالأغنام فِي عنق كل شَاة مخلاة مَمْلُوءَة تَمرا فتبتاع بالرخص وأخصب الْيمن فِي أَيَّامه خصبا لم يعْهَد ورخصت الأسعار غير أَن النَّاس تعبت مِنْهُ من شدَّة العسف فَلَمَّا حج مِنْهُم من حج شكوه إِلَى الرشيد فِي بعض حجاته فَلم يشكهم وأغلظوا على الرشيد الْكَلَام فَلم يجبهم حَتَّى أَنهم قَالُوا إِن كَانَ لَك بحماد طَاقَة فاعزله عَنَّا فَلم يلتف وَلم يزل حَمَّاد على الْيمن حَتَّى توفّي الرشيد وَذَلِكَ مستهل جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَتِسْعين ومئة
فَقَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه الْأمين مُحَمَّد باستخلافه لَهُ فَلبث حَمَّاد على الْيمن سنة
стр. 130
بعد موت الرشيد ثمَّ عَزله الْأمين بِمُحَمد بن عبد الله بن مَالك الْخُزَاعِيّ فَلَمَّا قدم الْيمن صادر عُمَّال حَمَّاد وَأخذ مِنْهُم أَمْوَالًا وَحسنت سيرته بالرعية وأحبه أهل الْيمن وَبعد سنة عَزله الْأمين بِمُحَمد بن سعيد بن السَّرْح فَلبث ثَلَاث سِنِين ثمَّ عزل بجرير بن يزِيد بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ الصَّحَابِيّ وَفِي أَيَّامه قدم طَاهِر بن الْحُسَيْن بَغْدَاد من الْمَأْمُون فَقتل الْأمين فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَتِسْعين ومئة وَوجه إِلَى الْيمن نَائِبا عَن الْمَأْمُون يزِيد بن جرير بن يزِيد بن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فقبحت سيرته بِالْيمن فَبلغ ذَلِك الْمَأْمُون فَكتب إِلَى عمر بن إِبْرَاهِيم بن وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب بِولَايَة الْيمن وَهُوَ إِذْ ذَاك يسكن مَعَ أَخْوَاله بني أرحب بِظَاهِر بلد هَمدَان وهم بطن مِنْهُم
قَالَ ابْن جرير وهم يعْرفُونَ بالسلمانيين فحين بلغه الْكتاب دخل صنعاء وَقبض على يزِيد وصادره بِمَال جزيل وسجنه فَمَاتَ فِي السجْن عقيب ذَلِك
وَلما تمت لَهُ سنة فِي الْولَايَة عَزله الْمَأْمُون بإسحق بن مُوسَى بن عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَلبث سنة ثمَّ استناب ابْن عَم لَهُ اسْمه الْقَاسِم بن إِسْمَاعِيل وَسَار إِلَى مَكَّة حِين بلغه خُرُوج المبيضة قائدهم إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ أول طالبي أَقَامَ الْحَج سنة اثْنَتَيْنِ ومئتين وتغلب على مَكَّة وَكَانَ سفاكا للدماء وَقتل خلقا
стр. 131
من المكيين وَغَيرهم حَتَّى قَالَ المَسْعُودِيّ كَانَ إِبْرَاهِيم هَذَا مِمَّن سعى فِي الأَرْض الْفساد وَكَانَت إِقَامَته بِمَكَّة على شبه اللائذ وكل مَا قدم سفر من بلد بايعهم لنَفسِهِ وَمن أَبى قَتله فتخشى الْمَأْمُون يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بن ماهان الْمُقدم ذكره أَنه قتل عبد الْملك الْفَقِيه الذمارِي فحاربه إِبْرَاهِيم حروبا كَثِيرَة كَانَت الْعَاقِبَة فِيهَا لإِبْرَاهِيم بِحَيْثُ أسر ابْن ماهان قَالَ ابْن جرير وَكَانَ مبلغ ولَايَة ابْن ماهان لليمن سنتَيْن وَسَبْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وَأقَام بِالْيمن وَلم يزل بِهِ يخْطب لِلْمَأْمُونِ وَيظْهر الطَّاعَة حَتَّى كَانَ سنة ثَلَاث عشرَة ومئتين قدم أَحْمد بن عبد الحميد مولى الْمَأْمُون فَلبث سنة بِصَنْعَاء ثمَّ نزل الْجند وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن أبي جَعْفَر ذِي الْمثلَة المناخي قد تغلب على جبل ثومان وَهُوَ رجل من أَوْلَاد ذِي الْمثلَة الْحِمْيَرِي ثمَّ من ولد ذِي مناخ وَمن ذُريَّته قوم تقاة إِلَى عصرنا يعْرفُونَ بالسلاطين سلاطين قياض بَيت عز قديم وكرم عميم وتغلب مَعَ ثومان على جبل ريمة الْمَعْرُوف بريمة المناخي نِسْبَة إِلَى جده وهوبفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْمِيم ثمَّ ألف وَنون كَأَنَّهُ تَثْنِيَة ثوم وتغلب على غَالب مخلاف جَعْفَر وَكَانَ هَذَا يذكر بالجبروت والعسف فَلَمَّا قدم ابْن عبد الحميد صنعاء ودانت لَهُ وَكَانَ إِلَيْهِ مخلاف الْجند نزل الْجند وعزم على حَرْب المناخي فقصده إِلَى بَلَده بعسكر
стр. 132
جرار فحين تورطوا بِلَاده وَهِي وعرة باغتهم الْحَرْب فكسرهم وَقَتله مَعَ عدَّة من عسكره وَذَلِكَ لست بَقينَ من شعْبَان سنة أَربع عشرَة ومئتين ثمَّ هرب ابْن أُخْت لَهُ إِلَى صنعاء فِيمَن سلم من الْعَسْكَر ولبث هَذَا إِبْرَاهِيم إِلَى أَن دخل رَمَضَان وغزا الْجند فنهبها وأخرب غالبها واحترم الْجَامِع وَمن دخله لم يتَعَرَّض لَهُ كَمَا فعل ابْن مهْدي على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
فَذكر الرَّازِيّ أَنه استضاف إِلَى الْمَسْجِد قوم عُمْيَان وَضعف وَأَغْلقُوا عَلَيْهِم أبوابه وَمَعَهُمْ منيحة عنز فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة إِذْ رَأَوْا رجلا مستضيئا فَلَمَّا أَخذ العنز وَمسح ظهرهَا وقربها من حَوْض مَاء فَسَقَاهَا فَحملت ثمَّ وضعت توأمين ثمَّ صَارَت إِلَى السّلف فَهِيَ أفضل الْبِلَاد معزى إِلَى وقتنا وَحين بلغ الْخَبَر الْمَأْمُون بعث إِلَى الْيمن إِسْحَاق بن مُوسَى الْمَذْكُور أَولا فَقدم صنعاء سنة خمس عشرَة ومئتين فَأَقَامَ بهَا سنة وَتُوفِّي بعد أَن اسْتخْلف وَلَده فَلم يكد يصفو لَهُ الْيمن وَحصل بَينه وَبَين أهل صنعاء شقَاق أفْضى إِلَى قتال قتل بِهِ جمَاعَة من أهل صنعاء ثمَّ انهزم إِلَى ذمار فَعَزله الْمَأْمُون بِعَبْد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَقدم فِي الْمحرم سنة سبع عشرَة فَلم يزل بِهِ إِلَى ثَمَانِي عشرَة ومئتين فِي رَجَب مِنْهَا فَمَاتَ الْمَأْمُون فِيهِ وَاسْتمرّ عبد الله إِلَى شَوَّال
وَقد قَامَ بِالْأَمر بعد الْمَأْمُون أَخُوهُ المعتصم وَذَلِكَ بالعهد من أَبِيهِم الرشيد ثمَّ اسْتخْلف على الْيمن عباد بن الْغمر بن عباد الشهابي فَلبث سنة عشْرين ومئتين ثمَّ عَزله بِعَبْد الرَّحِيم بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس فَلبث إِلَى سنة خمس وَعشْرين ومئتين ثمَّ عزل بِجَعْفَر بن دِينَار مولى المعتصم ثمَّ عزل بإيتاخ مَوْلَاهُ
стр. 133
أَيْضا فَلبث يَسِيرا ثمَّ كَانَت وَفَاة المعتصم بربيع الأول سنة سِتّ وَعشْرين ومئتين ومدته ثَمَانِي سِنِين ثمَّ قَامَ ابْنه الواثق فتظاهر بالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن ودعا النَّاس إِلَيْهِ وَكَانَ الْقَائِم بالحجاج فِيهِ وَالدُّعَاء إِلَيْهِ ابْن أبي دؤاد وعاقب الواثق على القَوْل بِعَدَمِ خلق الْقُرْآن جمعا كثيرا فعزل إيتاخ بِجَعْفَر بن دِينَار مولى المعتصم فَقدم صنعاء وَقد ظهر يعفر بن عبد الرَّحْمَن فِي أَيَّام إيتاخ فحاربه مرَارًا وَحصل الصُّلْح بَينهمَا ثمَّ وصل خبر الواثق وَكَانَت وَفَاته لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ومئتين مدَّته خمس سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَثَلَاثَة عشر يَوْمًا
وَاخْتلف هَل مَاتَ على القَوْل بِخلق الْقُرْآن أم لَا فَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْأَكْثَر أَنه مَاتَ على ذَلِك
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده أَخُوهُ المتَوَكل أَبُو الْفضل جَعْفَر بن مُحَمَّد فَنهى النَّاس عَن الْخَوْض فِي علم الْكَلَام وَترك الْكَلَام فِي خلق الْقُرْآن وتعدى ذَلِك إِلَى النَّهْي عَن الْخلف والجدل حَتَّى فِي النَّحْو حسما للمادة وَأقر الْيمن مَعَ جَعْفَر مولى أَبِيه أَيَّامًا ثمَّ بعث حمير بن الْحَارِث فَلم يتم لَهُ أَمر مَعَ يعفر بل حاربه وَقَوي عَلَيْهِ حَتَّى عَاد الْعرَاق هَارِبا وَاسْتولى يعفر على صنعاء والجند ومخاليفهما
هَذَا ذكر مَا كَانَ فِي مخلافي صنعاء والجند دون مخلاف تهَامَة فَإِنَّهُ فِي سنة أَربع ومئتين استولى عَلَيْهِ آل زِيَاد وَكَانَ من خبرهم فِيمَا ذكر عمَارَة الفرضي الْمَذْكُور أَنه
стр. 134
قدم على الْمَأْمُون كتاب من عَامله بِالْيمن وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ ومئتين يُخبرهُ بِخُرُوج الأشاعر وعك فِي تهَامَة فَقَالَ الْمَأْمُون لوزيره الْفضل بن سهل انْظُر لنا من نوجه إِلَى الْيمن يسد خللها فَأثْنى على ثَلَاثَة رجال قد وشي إِلَيْهِ بهم وهم بِقَتْلِهِم ثمَّ عَفا عَنْهُم
وَبَيَان ذَلِك أَنهم لما حَضَرُوا مَجْلِسه بتاريخ سنة تسع وَتِسْعين ومئة استخبر كلا عَن اسْمه وَنسبه فانتسب أحدهم إِلَى عبيد الله بن زِيَاد بن أَبِيه وَالْآخر إِلَى سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وَالثَّالِث إِلَى تغلب وَقَالَ اسْمِي مُحَمَّد بن هَارُون فَبكى الْمَأْمُون وَقَالَ وأنى لي بِمُحَمد بن هَارُون يَعْنِي أَخَاهُ الْأمين وَقَالَ للمنتسب إِلَى سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك يَا هَذَا إِن عبد الله بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس ضرب عنق سُلَيْمَان وأعناق ولديه فِي سَاعَة وَاحِدَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا من ولد سُلَيْمَان كَانَ جدي صَغِيرا يَوْمئِذٍ لم يدْرك وَمنا قوم فِي أفناء النَّاس بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ الْمَأْمُون يقتل الأمويان ويعفى عَن التغلبي برا لاسمه وَاسم أَبِيه فَقَالَ ابْن زِيَاد مَا أكذب النَّاس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَهُ وَكَيف ذَلِك قَالَ يَزْعمُونَ أَنَّك حَلِيم كثير الْعَفو متورع عَن سفك الدِّمَاء فَإِن كنت تَقْتُلنَا على ذنوبنا فَلم نخرج لَك عَن طَاعَة وَلم نفارق عَن بيعتك رَأْي الْجَمَاعَة وَإِن كنت تَقْتُلنَا على جنايات بني أُميَّة فِيكُم فَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فَاسْتحْسن الْمَأْمُون كَلَامه وَعَفا عَنْهُم جَمِيعًا وَأمر وزيره بضمهم إِلَيْهِ حَتَّى يطلبهم مِنْهُ
فَلَمَّا ورد كتاب عَامل الْيمن الْمُقدم ذكره فَأمر الْمَأْمُون وزيره بِمَا قدمنَا من
стр. 135
طلب سداد خلل الْيمن وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورين وَقَالَ يكون ابْن زِيَاد أَمِيرا وَابْن هِشَام وزيرا والتغلبي قَاضِيا فَالْتَفت الْمَأْمُون إِلَى قَوْله وَاعْتَمدهُ فاستحضرهم الْمَأْمُون وَكتب بِمَا ذكر لَهُ الْوَزير
فَابْن زِيَاد جد بني زِيَاد الْمُلُوك وَابْن هِشَام جد الوزراء الَّذين مِنْهُم الْوَزير خلف بن أبي الطَّاهِر أحد وزراء الْحَبَشَة موَالِي بني زِيَاد وَسَيَأْتِي ذكره والتغلبي جد الْقُضَاة المعروفين ببني عقامة سَيَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله
وَكَانَ من جملَة وَصَايَا الْمَأْمُون لِابْنِ زِيَاد أَن أمره بإحداث مَدِينَة بِالْيمن تكون فِي بِلَاد الأشاعر بوادي زبيد فَقدم الْيمن بعد الْحَج فِي سنة ثَلَاث ومئتين وأطاعته عرب الْيمن كَافَّة سهلهم وجبلهم واختط مَدِينَة زبيد فِي سنة أَربع ومئتين امتثالا لأمر الْمَأْمُون وَكَانَ يغلب على وَادي زبيد ورمع الْعَرَب الَّذين يعْرفُونَ بالأشاعر قوم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الصَّحَابِيّ
ولهذين الواديين بركَة ظَاهِرَة ذكر أَن سَببهَا دَعْوَة من رَسُول الله ﷺ
قَالَ ابْن الجون فِي شرح الْخمر طاشية زبيد بِفَتْح الزَّاي وخفض الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ يَاء سَاكِنة مثناة ثمَّ دَال مُهْملَة اسْم وَاد بِالْيمن للأشعريين إِلَيْهِ تنْسب الْمَدِينَة فَيُقَال مَدِينَة زبيد لِأَنَّهَا من أراضيه
قَالَ فِي كتاب ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ حدث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرِي عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر قَالَ بَلغنِي أَن النَّبِي ﷺ لما قدم عَلَيْهِ الأشعريون قَالَ لَهُم من
стр. 136
أَيْن جئْتُمْ قَالُوا من زبيد قَالَ بَارك الله فِي زبيد قَالُوا وَفِي رمع قَالَ بَارك الله فِي زبيد قَالُوا وَفِي رمع قَالَ بَارك الله فِي زبيد قَالَهَا فِي زبيد ثَلَاثًا وَفِي رمع مرّة وَاحِدَة
فَهَذِهِ بركَة عَظِيمَة فِي زبيد وَقد تقدم فِي خطْبَة الْكتاب مَا ذكره الرَّازِيّ وَأَنَّهَا إِحْدَى الْبِقَاع المرحومات والمقدسات فِي الْيمن
وَلما اسْتَقر أَمر ابْن زِيَاد وهابه أهل الْيمن وأطاعوه بعد حروب جرت بَينه وَبينهمْ وَكَانَ هُوَ الْغَالِب فِي جَمِيعهَا دخل بِطَاعَتِهِ بَنو يعفر أهل صنعاء وحملوا إِلَيْهِ الْخراج وَقد ذكرت مَا كَانَ فِي الْجبَال حَتَّى قدم حمير وَأَنه لم يتم لَهُ أَمر من جِهَة المتَوَكل
стр. 137
فارغة
стр. 138
فارغة
стр. 139
وهروبه وَأَن المتَوَكل قتل عقب ذَلِك وَهُوَ لثلاث خلون من شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين
стр. 140
ومئتين مدَّته أَربع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَأَنه قدم من جِهَة المتَوَكل وهروبه وَأَن المتَوَكل قتل عقب ذَلِك وَهُوَ لثلاث خلون من شَوَّال سنة تسع وَأَرْبَعين ومئتين مدَّته أَربع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَتِسْعَة أَيَّام ثمَّ قَامَ بِالْأَمر ابْنه مُحَمَّد الْمُنْتَصر وَهُوَ الَّذِي دس على قتل أَبِيه فَلم تطل مدَّته بل توفّي بعد سِتَّة أشهر من قِيَامه بربيع الأول سنة ثَمَانِي وَأَرْبَعين ومئتين ثمَّ قَامَ بِالْأَمر ابْن عَمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن المعتصم الملقب بالمستعين فولي ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن قتل فِي شعْبَان سنة خمس وَخمسين ومئتين مدَّته ثَلَاث سِنِين وَسَبْعَة أشهر
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده خير العباسيين أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْمُهْتَدي بن الواثق الْمَذْكُور أَولا فَكَانَ خير خلفاء بني الْعَبَّاس سيرة حَتَّى أَن كثيرا من الْعلمَاء يعدونه خَليفَة لحسن سيرته وَجَمِيل طَرِيقَته وَكَانَ كثير الِاقْتِدَاء بسيرة عمر بن عبد الْعَزِيز وَيَقُول لأَهله وخواصه دَعونِي يَا بني الْعَبَّاس أكون فِيكُم كعمر بن عبد الْعَزِيز فِي بني أُميَّة وَلم يسكن بَغْدَاد بل مَدِينَة سر من رأى
وَأخرج عَنْهَا المغنين والمغنيات وَقَالَ لَا يجاورني فِيهَا من تحققت فِيهِ مَعْصِيّة لله ثمَّ بَاعَ مَا فِي خَزَائِن الْمُلُوك من آلَات اللَّهْو والطرب وَكَانَ لَا يَأْخُذ من بَيت المَال إِلَّا مَا لَا بُد لَهُ مِنْهُ ولولدين لَهُ وأخباره مستقصاة فِي التواريخ وَلم تطل مدَّته بل قتل بالشهر الْحَادِي عشر من خِلَافَته وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة سِتّ وَخمسين ومئتين
وَفِي أَيَّامه ظهر صَاحب الزنج وَكَانَ من فساق الْخَوَارِج يَدعِي أَنه علوي وَلم يُوجد لذَلِك صِحَة بل ثَبت أَنه عجمي من صناع الرّيّ ذكر ذَلِك صَاحب زهر الْآدَاب
стр. 141
ثمَّ لما قتل الْمُهْتَدي قَامَ بِالْأَمر بعده الْمُعْتَمد على الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المتَوَكل فَلبث ثَلَاثًا وَعشْرين سنة فِي أَثْنَائِهَا جرد أَخَاهُ الْمُوفق لقِتَال صَاحب الزنج
قَالَ المؤرخون وَكَانَ من أَخبث الْخَوَارِج مشتتا للْمُسلمين واستحل دِمَاءَهُمْ وَكَانَ يُنَادي على الْمَرْأَة فِي محطته باسمها ونسبها وَرُبمَا كَانَت شريفة فتباع بالبخس وَبِهَذَا بَان عدم شرفه وَبحث عَن نسبه فَلم يُوجد لَهُ فِي العلويين صِحَة وَكَانَت فتنته مُخْتَصَّة بِالْبَصْرَةِ وَلم يزل الْمُوفق يحاربه حَتَّى قَتله فِي صفر سنة سبعين ومئتين مدَّته أَربع عشرَة سنة وَهُوَ من أَشد مدد الْخَوَارِج وَلَوْلَا أَن خَبره دخيل لذكرت مِنْهُ كثيرا لكنه لَيْسَ خَارِجا بِالْيمن فَلم أجد إِدْخَاله فِي أخباره حسنا وَإِنَّمَا ذكرت مَا ذكرت ليعلم زَمَانه ومكانه وقبح مَا جبل عَلَيْهِ
وَحين اتَّصل قيام الْمُعْتَمد بِالْيمن قَامَ ابْن يعفر وَأخذ الْبيعَة لَهُ وَأخرج وُلَاة الْمُلُوك قبله من صنعاء وتابع الْخطْبَة للمعتمد فحين بلغ الْمُعْتَمد ذَلِك كتب إِلَيْهِ بنيابته على صنعاء فغلب على صنعاء والجند وحضرموت وَهُوَ مَعَ ذَلِك يوالي ابْن زِيَاد وَيحمل إِلَيْهِ الْخَوَارِج وَيُوجد أَنه نَائِب عَنهُ لعلمه بعجزه على مقاومته
وَكَانَ قدوم كتاب الْمُعْتَمد عَلَيْهِ سنة تسع وَخمسين ومئتين فِي الْمحرم وَفِي أَيَّامه
стр. 142
حصل بِصَنْعَاء سيل عَظِيم يعرف بسيل يعمد وأخرب فِيهَا دورا كَثِيرَة وَاحْتمل أَمْوَالًا وعالما لَا تكَاد تحصى وَخرج مُحَمَّد بن يعفر عقيب ذَلِك إِلَى مَكَّة حَاجا بعد أَن اسْتخْلف ابْنه إِبْرَاهِيم ثمَّ لما عَاد من مَكَّة بنى جَامع صنعاء على الْحَال الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْآن وَأَن ذَلِك سنة خمس وَسِتِّينَ ومئتين هَكَذَا ذكره القَاضِي سري بن إِبْرَاهِيم الْآتِي ذكره فِي الْفُقَهَاء إِن شَاءَ الله أَن هَذَا وجد مَكْتُوبًا بألواح قريبَة من سقف الْجَامِع بنجر النجار وَأَن بعض الْوُلَاة حسد ابْن يعفر على بَقَاء ذكره وَأَرَادَ محوه وعني بِهِ فَلم يقدر على ذَلِك لصلابة الْخشب الَّذِي نقر بِهِ
ثمَّ كَانَت وَفَاة الْمُعْتَمد وَقتل مُحَمَّد بن يعفر قَتله ابْنه إِبْرَاهِيم وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَارِيخه قتل إِبْرَاهِيم أَبَاهُ وَعَمه وَابْن عَمه وجدته أم أَبِيه فَقيل كَانَت وَفَاة الْمُعْتَمد قبل قَتله بِسِتَّة أشهر وَقيل بل كَانَ مُوَافقا لتاريخ وَاحِد وَالأَصَح أَن الْمُعْتَمد توفّي بعد قَتله بِسِتَّة أشهر وَكَانَ قَتله لَيْلَة الْجُمُعَة لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من الْمحرم سنة تسع وَسبعين ومئتين ووفاة الْمُعْتَمد لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة تسع وَسبعين ومئتين مدَّته ثَلَاث وَعشْرين سنة
ثمَّ قَامَ بِالْأَمر المعتضد وَهُوَ ابْن أخي الْمُعْتَمد اسْمه أَحْمد بن أبي أَحْمد بن
стр. 143
المتَوَكل لقبه أَبُو الْعَبَّاس وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الجبروت وَمَال إِلَى التَّشَيُّع وَأظْهر محبَّة الطالبيين وإكرامهم فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ كنت مرّة فِي مجْلِس أبي فَرَأَيْت فِي الْمَنَام عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فَسَأَلته عَن حَالي فبشرني بِالْخرُوجِ ثمَّ قَالَ أيا أَحْمد إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك فاستوص بأولادي خيرا فَقلت سمعا وَطَاعَة لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَلم تزل صنعاء مَعَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد يعفر وَهُوَ يهادن ابْن زِيَاد وَابْن زِيَاد قد اتخذ مَدِينَة زبيد دَار ملك وَلم تطل مُدَّة إِبْرَاهِيم ثمَّ هلك وَقَامَ بعده ابْنه أسعد وَلم يكن فيهم شَيْء من الْبِدْعَة أَعنِي آل يعفر
وَفِي أَيَّامه ظَهرت القرامطة عَليّ بن الْفضل بِبَلَد يافع وَمَنْصُور بن حسن يعرف بمنصور الْيمن فَحِينَئِذٍ أذكر نبذة من أحوالهما على مَا ذكره الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَالك بن أبي الْقَبَائِل أحد فُقَهَاء الْيمن وعلماء السّنة وَكَانَ مِمَّن دخل فِي مَذْهَبهمَا أَيَّام الصليحي وَتحقّق أصل مَذْهَبهمَا فَلَمَّا تحقق فَسَاده رَجَعَ عَنهُ وَعمل رِسَالَة مَشْهُورَة يخبر بِأَصْل مَذْهَبهم وَيبين عوارهم ويحذر من الاغترار بهم فَقَالَ كَانَ عَليّ بن الْفضل من عرب يُقَال لَهُم الأجدون ينسبون إِلَى ذِي جدن وَكَانَ شِيعِيًّا على مَذْهَب الاثْنَي عشرِيَّة فحج مَكَّة ثمَّ خرج مَعَ ركب الْعرَاق يُرِيد زِيَارَة مشْهد الْحُسَيْن فَلَمَّا وَصله جعل يولول ويصيح يَقُول لَيْت من حضرك يَا ابْن رَسُول الله حِين جَاءَك جَيش الفجرة وَمَيْمُون القداح
стр. 144
ملازم للضريح وَمَعَهُ وَلَده عبيد يَخْدمه فحين رَأيا ابْن الْفضل على تِلْكَ الْحَال طَمَعا فِي اصطياده ثمَّ خلا بِهِ مَيْمُون وعرفه أَنه لَا بُد لوَلَده عبيد من دولة تقوم ويتوارثها بنوه لَكِن لَا بتكون حَتَّى تكون بدايتها فِي الْيمن على يَد بعض دعاته فَقَالَ لَهُ ابْن فضل ذَلِك يُمكن فِي الْيمن والناموس جَائِز عَلَيْهِم فَأمره بالتثبت وَالْوُقُوف حَتَّى ينظر فِي الْأَمر وَكَانَ مَيْمُون فِي الأَصْل يَهُودِيّا قد حسد الْإِسْلَام واغتار على دينه فَلم يجد حِيلَة غير العكوف على تربة الْحُسَيْن بكربلاء وَإِظْهَار الْإِسْلَام وَأَصله من سليمَة مَدِينَة فِي الشَّام وانتسب إِلَى العلويين وَأَكْثَرهم يُنكر صِحَة نسبه وَالله أعلم
وَقطع ابْن مَالك بِأَنَّهُ يَهُودِيّ وَصَحبه رجل من كربلاء يعرف بمنصور بن حسن بن زَاذَان بن حَوْشَب بن الْفرج بن الْمُبَارك من ولد عقيل بن أبي طَالب
كَانَ جده زَاذَان اثْنَي عشري الْمذَاهب أحد أَعْيَان الْكُوفَة وَسكن أَوْلَاده على تربة الْحُسَيْن فحين قدم مَيْمُون تفرس بمنصور النجابة والرياسة فاستماله وَصَحبه وَكَانَت لَهُ دنيا يستمد بهَا وَكَانَ ذَا علم بالفلك فَأدْرك أَن لَهُ دولة وَأَنه يكون أحد الدعاة إِلَى وَلَده فَلَمَّا قدم ابْن الْفضل وَصَحبه رأى أَنه قد تمّ لَهُ المُرَاد وَأَن ابْن الْفضل من أهل الْيمن خَبِير بِهِ وبأهله فَقَالَ مَيْمُون لمنصور يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الدّين يمَان والكعبة يَمَانِية والركن يمَان وكل أَمر يكون مبتدأه من الْيمن فَهُوَ ثَابت لثُبُوت نجمه وَقد رَأَيْت أَن تخرج أَنْت وصاحبنا عَليّ بن فضل إِلَى الْيمن وَتَدعُوا لوَلَدي فسيكون لَكمَا بهَا شَأْن وسلطان وَكَانَ مَنْصُور قد عرف من مَيْمُون إصابات كَثِيرَة فَأَجَابَهُ إِلَى مَا دَعَا فَجمع بَينه وَبَين عَليّ بن فضل وَعَاهد بَينهمَا وَأوصى كلا مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ خيرا قَالَ مَنْصُور لما عزم مَيْمُون على إرسالنا إِلَى الْيمن أَوْصَانِي بوصايا مِنْهَا أنني مَتى دخلت الْيمن سترت أَمْرِي حَتَّى أبلغ غرضي وَقَالَ لي الله الله مرَّتَيْنِ صَاحبك يَعْنِي عَليّ بن فضل احفظه وَأحسن إِلَيْهِ وَأمره بِحسن السِّيرَة فَإِنَّهُ شَاب وَلَا آمن عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لِابْنِ فضل الله الله أوصيك بصاحبك خيرا وقره واعرف حَقه ولاتخرج عَن أمره فَإِنَّهُ أعرف مِنْك ومني وَإِن عصيته لم ترشد ثمَّ وَدعنَا وَخَرجْنَا مَعَ الْحَاج حَتَّى أَتَيْنَا
стр. 145
مَكَّة فحججنا ثمَّ سرنا مَعَ حَاج الْيمن حَتَّى جِئْنَا غلافقة ثمَّ تواصينا بِأَن لَا ينسى أحد منا صَاحبه وَلَا يَنْقَطِع خَبره عَنهُ ثمَّ سرت حَتَّى قدمت الْجند وَهِي إِذْ ذَاك بيد الْجَعْفَرِي قد تغلب عَلَيْهَا وانتزعها من ابْن يعفر وَكَانَ الشَّيْخ قد قَالَ لي إياك أَن تبتدئ بِشَيْء من أَمرك إِلَّا فِي بلد يُقَال لَهَا عدن لاعة فَإِنَّهَا الْبَلَد الَّذِي يتم بِهِ ناموسك وتنال غرضك فِيهَا فَلم أعرفهَا فقصدت عدن أبين وَسَأَلت عَن عدن لاعة فَقيل إِنَّهَا بِجِهَة حجَّة فَسَأَلت عَن من يقدم من أَهلهَا فأرشدت إِلَى جمَاعَة قدمُوا لغَرَض التِّجَارَة وَاجْتمعت بهم وصحبتهم وتطلعت عَلَيْهِم حَتَّى أحبوني وَقلت أَنا رجل من أهل الْعلم بَلغنِي أَن لكم بَلَدا جبلا وَأُرِيد صحبتكم إِلَيْهِ فرحبوا وأهلوا ثمَّ لما أَرَادوا السّفر خرجت من جُمْلَتهمْ وَكنت فِي أثْنَاء الطَّرِيق أتحفهم بالأخبار وأحثهم على الصَّلَاة وَكَانُوا يأتمون بِي فحين دخلت لاعة سُئِلت عَن الْمَدِينَة فِيهَا فأرشدت إِلَيْهَا فأتيتها ولزمت بعض مساجدها وَأَقْبَلت على الْعِبَادَة حَتَّى مَال إِلَيّ جمع من النَّاس فَلَمَّا علمت أَن قد استحكمت محبتي فِي قُلُوبهم أَخْبَرتهم أَنِّي قدمت عَلَيْهِم دَاعيا للمهدي الَّذِي بشر بِهِ النَّبِي ﷺ فحالفت جمعا مِنْهُم على الْقيام وَصَارَ يُؤْتى لي بِالزَّكَاةِ فَلَمَّا اجْتمع عِنْدِي مِنْهَا شَيْء كثير قلت إِنَّه يَنْبَغِي أَن يكون لي معقل تحفظ بِهِ هَذِه الزَّكَاة وَيكون بَيت مَال الْمُسلمين فبنيت عين محرم وَهُوَ حصن كَانَ لقوم يعْرفُونَ ببني العرجاء ونقلت إِلَيْهِ مَا كَانَ تحصل عِنْدِي من طَعَام ودراهم فحين صرت إِلَيْهِ بِمَا معي وَقد عاهدني خمسمئة رجل على النُّصْرَة صعدوا معي الْحصن بِمَا مَعَهم من مَال وَأَوْلَاد فأظهرت حِينَئِذٍ الدعْوَة إِلَى عبيد الله الْمهْدي بن الشَّيْخ مَيْمُون
следующие страницы →