← Тараджим

Тараджим · id 6668

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الجندي، بهاء الدين

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثمَّ لما قتل الْمُهْتَدي قَامَ بِالْأَمر بعده الْمُعْتَمد على الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المتَوَكل فَلبث ثَلَاثًا وَعشْرين سنة فِي أَثْنَائِهَا جرد أَخَاهُ الْمُوفق لقِتَال صَاحب الزنج قَالَ المؤرخون وَكَانَ من أَخبث الْخَوَارِج مشتتا للْمُسلمين واستحل دِمَاءَهُمْ وَكَانَ يُنَادي على الْمَرْأَة فِي محطته باسمها ونسبها وَرُبمَا كَانَت شريفة فتباع بالبخس وَبِهَذَا بَان عدم شرفه وَبحث عَن نسبه فَلم يُوجد لَهُ فِي العلويين صِحَة وَكَانَت فتنته مُخْتَصَّة بِالْبَصْرَةِ وَلم يزل الْمُوفق يحاربه حَتَّى قَتله فِي صفر سنة سبعين ومئتين مدَّته أَربع عشرَة سنة وَهُوَ من أَشد مدد الْخَوَارِج وَلَوْلَا أَن خَبره دخيل لذكرت مِنْهُ كثيرا لكنه لَيْسَ خَارِجا بِالْيمن فَلم أجد إِدْخَاله فِي أخباره حسنا وَإِنَّمَا ذكرت مَا ذكرت ليعلم زَمَانه ومكانه وقبح مَا جبل عَلَيْهِ وَحين اتَّصل قيام الْمُعْتَمد بِالْيمن قَامَ ابْن يعفر وَأخذ الْبيعَة لَهُ وَأخرج وُلَاة الْمُلُوك قبله من صنعاء وتابع الْخطْبَة للمعتمد فحين بلغ الْمُعْتَمد ذَلِك كتب إِلَيْهِ بنيابته على صنعاء فغلب على صنعاء والجند وحضرموت وَهُوَ مَعَ ذَلِك يوالي ابْن زِيَاد وَيحمل إِلَيْهِ الْخَوَارِج وَيُوجد أَنه نَائِب عَنهُ لعلمه بعجزه على مقاومته وَكَانَ قدوم كتاب الْمُعْتَمد عَلَيْهِ سنة تسع وَخمسين ومئتين فِي الْمحرم وَفِي أَيَّامه

стр. 142

حصل بِصَنْعَاء سيل عَظِيم يعرف بسيل يعمد وأخرب فِيهَا دورا كَثِيرَة وَاحْتمل أَمْوَالًا وعالما لَا تكَاد تحصى وَخرج مُحَمَّد بن يعفر عقيب ذَلِك إِلَى مَكَّة حَاجا بعد أَن اسْتخْلف ابْنه إِبْرَاهِيم ثمَّ لما عَاد من مَكَّة بنى جَامع صنعاء على الْحَال الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْآن وَأَن ذَلِك سنة خمس وَسِتِّينَ ومئتين هَكَذَا ذكره القَاضِي سري بن إِبْرَاهِيم الْآتِي ذكره فِي الْفُقَهَاء إِن شَاءَ الله أَن هَذَا وجد مَكْتُوبًا بألواح قريبَة من سقف الْجَامِع بنجر النجار وَأَن بعض الْوُلَاة حسد ابْن يعفر على بَقَاء ذكره وَأَرَادَ محوه وعني بِهِ فَلم يقدر على ذَلِك لصلابة الْخشب الَّذِي نقر بِهِ ثمَّ كَانَت وَفَاة الْمُعْتَمد وَقتل مُحَمَّد بن يعفر قَتله ابْنه إِبْرَاهِيم وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَارِيخه قتل إِبْرَاهِيم أَبَاهُ وَعَمه وَابْن عَمه وجدته أم أَبِيه فَقيل كَانَت وَفَاة الْمُعْتَمد قبل قَتله بِسِتَّة أشهر وَقيل بل كَانَ مُوَافقا لتاريخ وَاحِد وَالأَصَح أَن الْمُعْتَمد توفّي بعد قَتله بِسِتَّة أشهر وَكَانَ قَتله لَيْلَة الْجُمُعَة لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من الْمحرم سنة تسع وَسبعين ومئتين ووفاة الْمُعْتَمد لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة تسع وَسبعين ومئتين مدَّته ثَلَاث وَعشْرين سنة ثمَّ قَامَ بِالْأَمر المعتضد وَهُوَ ابْن أخي الْمُعْتَمد اسْمه أَحْمد بن أبي أَحْمد بن

стр. 143

المتَوَكل لقبه أَبُو الْعَبَّاس وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الجبروت وَمَال إِلَى التَّشَيُّع وَأظْهر محبَّة الطالبيين وإكرامهم فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ كنت مرّة فِي مجْلِس أبي فَرَأَيْت فِي الْمَنَام عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فَسَأَلته عَن حَالي فبشرني بِالْخرُوجِ ثمَّ قَالَ أيا أَحْمد إِن هَذَا الْأَمر صائر إِلَيْك فاستوص بأولادي خيرا فَقلت سمعا وَطَاعَة لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم تزل صنعاء مَعَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد يعفر وَهُوَ يهادن ابْن زِيَاد وَابْن زِيَاد قد اتخذ مَدِينَة زبيد دَار ملك وَلم تطل مُدَّة إِبْرَاهِيم ثمَّ هلك وَقَامَ بعده ابْنه أسعد وَلم يكن فيهم شَيْء من الْبِدْعَة أَعنِي آل يعفر وَفِي أَيَّامه ظَهرت القرامطة عَليّ بن الْفضل بِبَلَد يافع وَمَنْصُور بن حسن يعرف بمنصور الْيمن فَحِينَئِذٍ أذكر نبذة من أحوالهما على مَا ذكره الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَالك بن أبي الْقَبَائِل أحد فُقَهَاء الْيمن وعلماء السّنة وَكَانَ مِمَّن دخل فِي مَذْهَبهمَا أَيَّام الصليحي وَتحقّق أصل مَذْهَبهمَا فَلَمَّا تحقق فَسَاده رَجَعَ عَنهُ وَعمل رِسَالَة مَشْهُورَة يخبر بِأَصْل مَذْهَبهم وَيبين عوارهم ويحذر من الاغترار بهم فَقَالَ كَانَ عَليّ بن الْفضل من عرب يُقَال لَهُم الأجدون ينسبون إِلَى ذِي جدن وَكَانَ شِيعِيًّا على مَذْهَب الاثْنَي عشرِيَّة فحج مَكَّة ثمَّ خرج مَعَ ركب الْعرَاق يُرِيد زِيَارَة مشْهد الْحُسَيْن فَلَمَّا وَصله جعل يولول ويصيح يَقُول لَيْت من حضرك يَا ابْن رَسُول الله حِين جَاءَك جَيش الفجرة وَمَيْمُون القداح

стр. 144

ملازم للضريح وَمَعَهُ وَلَده عبيد يَخْدمه فحين رَأيا ابْن الْفضل على تِلْكَ الْحَال طَمَعا فِي اصطياده ثمَّ خلا بِهِ مَيْمُون وعرفه أَنه لَا بُد لوَلَده عبيد من دولة تقوم ويتوارثها بنوه لَكِن لَا بتكون حَتَّى تكون بدايتها فِي الْيمن على يَد بعض دعاته فَقَالَ لَهُ ابْن فضل ذَلِك يُمكن فِي الْيمن والناموس جَائِز عَلَيْهِم فَأمره بالتثبت وَالْوُقُوف حَتَّى ينظر فِي الْأَمر وَكَانَ مَيْمُون فِي الأَصْل يَهُودِيّا قد حسد الْإِسْلَام واغتار على دينه فَلم يجد حِيلَة غير العكوف على تربة الْحُسَيْن بكربلاء وَإِظْهَار الْإِسْلَام وَأَصله من سليمَة مَدِينَة فِي الشَّام وانتسب إِلَى العلويين وَأَكْثَرهم يُنكر صِحَة نسبه وَالله أعلم وَقطع ابْن مَالك بِأَنَّهُ يَهُودِيّ وَصَحبه رجل من كربلاء يعرف بمنصور بن حسن بن زَاذَان بن حَوْشَب بن الْفرج بن الْمُبَارك من ولد عقيل بن أبي طَالب كَانَ جده زَاذَان اثْنَي عشري الْمذَاهب أحد أَعْيَان الْكُوفَة وَسكن أَوْلَاده على تربة الْحُسَيْن فحين قدم مَيْمُون تفرس بمنصور النجابة والرياسة فاستماله وَصَحبه وَكَانَت لَهُ دنيا يستمد بهَا وَكَانَ ذَا علم بالفلك فَأدْرك أَن لَهُ دولة وَأَنه يكون أحد الدعاة إِلَى وَلَده فَلَمَّا قدم ابْن الْفضل وَصَحبه رأى أَنه قد تمّ لَهُ المُرَاد وَأَن ابْن الْفضل من أهل الْيمن خَبِير بِهِ وبأهله فَقَالَ مَيْمُون لمنصور يَا أَبَا الْقَاسِم إِن الدّين يمَان والكعبة يَمَانِية والركن يمَان وكل أَمر يكون مبتدأه من الْيمن فَهُوَ ثَابت لثُبُوت نجمه وَقد رَأَيْت أَن تخرج أَنْت وصاحبنا عَليّ بن فضل إِلَى الْيمن وَتَدعُوا لوَلَدي فسيكون لَكمَا بهَا شَأْن وسلطان وَكَانَ مَنْصُور قد عرف من مَيْمُون إصابات كَثِيرَة فَأَجَابَهُ إِلَى مَا دَعَا فَجمع بَينه وَبَين عَليّ بن فضل وَعَاهد بَينهمَا وَأوصى كلا مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ خيرا قَالَ مَنْصُور لما عزم مَيْمُون على إرسالنا إِلَى الْيمن أَوْصَانِي بوصايا مِنْهَا أنني مَتى دخلت الْيمن سترت أَمْرِي حَتَّى أبلغ غرضي وَقَالَ لي الله الله مرَّتَيْنِ صَاحبك يَعْنِي عَليّ بن فضل احفظه وَأحسن إِلَيْهِ وَأمره بِحسن السِّيرَة فَإِنَّهُ شَاب وَلَا آمن عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لِابْنِ فضل الله الله أوصيك بصاحبك خيرا وقره واعرف حَقه ولاتخرج عَن أمره فَإِنَّهُ أعرف مِنْك ومني وَإِن عصيته لم ترشد ثمَّ وَدعنَا وَخَرجْنَا مَعَ الْحَاج حَتَّى أَتَيْنَا

стр. 145

مَكَّة فحججنا ثمَّ سرنا مَعَ حَاج الْيمن حَتَّى جِئْنَا غلافقة ثمَّ تواصينا بِأَن لَا ينسى أحد منا صَاحبه وَلَا يَنْقَطِع خَبره عَنهُ ثمَّ سرت حَتَّى قدمت الْجند وَهِي إِذْ ذَاك بيد الْجَعْفَرِي قد تغلب عَلَيْهَا وانتزعها من ابْن يعفر وَكَانَ الشَّيْخ قد قَالَ لي إياك أَن تبتدئ بِشَيْء من أَمرك إِلَّا فِي بلد يُقَال لَهَا عدن لاعة فَإِنَّهَا الْبَلَد الَّذِي يتم بِهِ ناموسك وتنال غرضك فِيهَا فَلم أعرفهَا فقصدت عدن أبين وَسَأَلت عَن عدن لاعة فَقيل إِنَّهَا بِجِهَة حجَّة فَسَأَلت عَن من يقدم من أَهلهَا فأرشدت إِلَى جمَاعَة قدمُوا لغَرَض التِّجَارَة وَاجْتمعت بهم وصحبتهم وتطلعت عَلَيْهِم حَتَّى أحبوني وَقلت أَنا رجل من أهل الْعلم بَلغنِي أَن لكم بَلَدا جبلا وَأُرِيد صحبتكم إِلَيْهِ فرحبوا وأهلوا ثمَّ لما أَرَادوا السّفر خرجت من جُمْلَتهمْ وَكنت فِي أثْنَاء الطَّرِيق أتحفهم بالأخبار وأحثهم على الصَّلَاة وَكَانُوا يأتمون بِي فحين دخلت لاعة سُئِلت عَن الْمَدِينَة فِيهَا فأرشدت إِلَيْهَا فأتيتها ولزمت بعض مساجدها وَأَقْبَلت على الْعِبَادَة حَتَّى مَال إِلَيّ جمع من النَّاس فَلَمَّا علمت أَن قد استحكمت محبتي فِي قُلُوبهم أَخْبَرتهم أَنِّي قدمت عَلَيْهِم دَاعيا للمهدي الَّذِي بشر بِهِ النَّبِي ﷺ فحالفت جمعا مِنْهُم على الْقيام وَصَارَ يُؤْتى لي بِالزَّكَاةِ فَلَمَّا اجْتمع عِنْدِي مِنْهَا شَيْء كثير قلت إِنَّه يَنْبَغِي أَن يكون لي معقل تحفظ بِهِ هَذِه الزَّكَاة وَيكون بَيت مَال الْمُسلمين فبنيت عين محرم وَهُوَ حصن كَانَ لقوم يعْرفُونَ ببني العرجاء ونقلت إِلَيْهِ مَا كَانَ تحصل عِنْدِي من طَعَام ودراهم فحين صرت إِلَيْهِ بِمَا معي وَقد عاهدني خمسمئة رجل على النُّصْرَة صعدوا معي الْحصن بِمَا مَعَهم من مَال وَأَوْلَاد فأظهرت حِينَئِذٍ الدعْوَة إِلَى عبيد الله الْمهْدي بن الشَّيْخ مَيْمُون

стр. 146

وَمَال إِلَى موافقتي خلق ناشر ثمَّ لما أَخذ جبل مسور وَاسْتعْمل الطبول والرايات بِحَيْثُ كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ طبلا إِذا أقبل إِلَى مَكَان سَمِعت إِلَى مَسَافَة بعيدَة وَكَانَ للحوالي حصن بجبل مسور لَهُ بِهِ وَال انتزعه مِنْهُ ثمَّ حِين علم استقامة أمره كتب إِلَى مَيْمُون يُخبرهُ بِقِيَام أمره وظهوره على من عانده وَبعث لَهُ بِهَدَايَا وتحف جليلة وَذَلِكَ سنة تسعين ومئتين فحين بلغه الْأَمر ووصلت الْهَدَايَا قَالَ لوَلَده عبيد هَذِه دولتك قد قَامَت لَكِن لَا أحب ظُهُورهَا إِلَّا من الْمغرب ثمَّ بعث أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الْمَعْرُوف بالشيعي الصَّنْعَانِيّ إِلَى الْمغرب وَأمره بِدُخُول إفريقية وسياسة أَهلهَا واستمالتهم إِلَى طَاعَة وَلَده عبيد فَقدم الْمغرب حسب أمره وَكَانَ من رجال الْعَالم الَّذِي يضْرب بهم الْمثل فِي السياسة فَلم يستحكم أمره إِلَّا فِي سنة سِتّ وَتِسْعين ومئتين فَكتب إِلَى الْمهْدي يُخبرهُ بِقِيَام الْأَمر وَطَاعَة النَّاس لَهُ ويأمره بالقدوم إِلَيْهِ فبادر عبيد الملقب بالمهدي وَقدم إفريقية وَقد كَانَ الشيعي غلب على ملكهَا وَصَارَ بِيَدِهِ فحين قدم الْمهْدي سلمه إِلَيْهِ فندمه وذمه أَخُوهُ وَقَالَ لَهُ بئس مَا صنعت بِيَدِك ملك تسلمه لغيرك وَجعل يُكَرر عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى أثر عِنْده وهم أَن يغدر بالمهدي وبلغه ذَلِك فاستشعر مِنْهُ ودس عَلَيْهِ من قَتله وَقتل أَخَاهُ فِي سَاعَة وَاحِدَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَتِسْعين ومئتين وَهَذَا عبيد الله الملقب بالمهدي هُوَ جد مُلُوك الْمغرب ثمَّ مصر فَابْن خلكان يَقُول فِي نسبهم العبيديين نِسْبَة إِلَى هَذَا عبيد وناس يسمونهم العلويين على صِحَة

стр. 147

دَعوَاهُم وَالله أعلم بِالصَّوَابِ فَهَذِهِ نبذة ثَبت فِيهَا بداية حَال مَذْهَب القرامطة فِي الْيمن وَحَال مَنْصُور الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ وَكَانَ مَنْصُور ملكا مُسَددًا وَأما ابْن فضل فَسَيَأْتِي من ذكره مَا يبين حَاله فقد مضى نسبه وأصل بَلَده فقد ذكر من نقل سيرته أَنه لما فَارق منصورا من غلافقة كَمَا قدمنَا ذكره طلع الْجَبَل وَدخل الْجند ثمَّ خرج عَنْهَا إِلَى أبين وَهِي إِذْ ذَاك بيد رجل من الأصابح يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن أبي الْعلَا ثمَّ خرج عَنْهَا إِلَى بلد يافع فَلَقِيَهُمْ رعاعا فَجعل يتعبد فِي بطُون الأودية ويأتونه بِالطَّعَامِ فَلَا يَأْكُل مِنْهُ إلااليسير لمن تحقق حَاله فَأُعْجِبُوا بِهِ وهم يسكنون برؤوس الْجبَال فَسَأَلُوهُ أَن يسكن مَعَهم فَلم يكد يُجِيبهُمْ إِلَّا بعد مُدَّة حَتَّى ألحوا عَلَيْهِ فَذكر لَهُم أَنه مَا يمنعهُ من مساكنتهم إِلَّا عدم امتثالهم الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَشرب الْخُمُور والتظاهر بِالْفُجُورِ فَحَلَفُوا لَهُ على الطَّاعَة وَأَن لَا يخالفوه بِمَا أَمر فَوَعَدَهُمْ خيرا وصاروا يجمعُونَ لَهُ زكواتهم حَتَّى اجْتمع لَهُ شَيْء جيد ثمَّ إِنَّه قصد أبين فَقتل صَاحبهَا واستباحها وَأخذ أَمْوَالًا جليلة ثمَّ قصد المذيخرة بلد الْجَعْفَرِي وَكَانَت مَدِينَة عَظِيمَة بجبل ريمة فحاربه مرَارًا وَكَانَت الدائرة لَهُ فَقتله واستباح بَلَده وسبى الْحَرِيم وَقد ذكر ابْن مَالك ذَلِك برسالته على أكمل وَجه وَلَيْسَ هُوَ من ملازم الْكتاب فنأتي بِهِ وَلما صَار بالمذيخرة أَعْجَبته فأظهر بهَا مذْهبه وَجعلهَا دَار ملكه ثمَّ ادّعى النُّبُوَّة وَأحل لأَصْحَابه شرب الْخمر وَنِكَاح الْبَنَات وَالْأَخَوَات ثمَّ دخل الْجند فِي موسمها

стр. 148

أول خَمِيس من رَجَب فَصَعدَ الْمِنْبَر وَقَالَ الأبيات الْمَشْهُورَة ... خذي الدُّف يَا هَذِه والعبي ... وغني هزاريك ثمَّ اطربي تولى نَبِي بني هَاشم ... وَهَذَا نَبِي بني يعرب لكل نَبِي مضى شرعة ... وهاتي شَرِيعَة هَذَا النَّبِي فقد حط عَنَّا فروض الصَّلَاة ... وَحط الصّيام فَلم نتعب إِذا النَّاس صلوا فَلَا تنهضي ... وَإِن صُومُوا فكلي واشربي وَلَا تطلبي السَّعْي عِنْد الصَّفَا ... وَلَا زورة الْقَبْر فِي يثرب وَلَا تمنعي نَفسك المعرسين ... من الْأَقْرَبين مَعَ الْأَجْنَبِيّ فَبِمَ ذَا حللت لهَذَا الْغَرِيب ... وصرت مُحرمَة للْأَب أَلَيْسَ الْغِرَاس لمن ربه ... وأسقاه فِي الزَّمن المجدب وَمَا الْخمر إِلَّا كَمَاء السَّمَاء ... مَحل فقدست من مَذْهَب ... ثمَّ لما استقام أمره وَغلب على مخلاف جَعْفَر والجند عزم على غَزْو صنعاء وَبهَا يَوْمئِذٍ أسعد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يعفر فَمر بذمار وَأخذ حصن هران وَدخل واليه وغالب من مَعَه فِيهِ بِالْمذهبِ وَلحق بَقِيَّتهمْ بِأَسْعَد ابْن أبي يعفر وَلما سمع أسعد بِكَثْرَة جيوشه خرج من صنعاء هَارِبا ودخلها ابْن فضل يَوْم الْخَمِيس لثلاث مضين من رَمَضَان سنة سبع وَتِسْعين ومئتين فَنزل الْجَامِع وَحصل

стр. 149

بقدومه مطر عَظِيم فَأمر بسد الميازيب الَّتِي للجامع وأطلع النِّسَاء اللَّاتِي سبين من صنعاء وَغَيرهَا وطلع المنارة وَجعلُوا يلقونهن إِلَى المَاء متكشفات عاريات فَمن أَعْجَبته اجتذبها إِلَى المنارة وافتضها حَتَّى قيل إِنَّه افتض عدَّة من البكور وَأثر ذَلِك المَاء وتحقنه على السّقف حَتَّى يُوجد أثر ذَلِك إِلَى الْيَوْم ذكره القَاضِي السّري الْآتِي ذكره ثمَّ إِنَّه حلق رَأسه فحلق مَعَه مُوَافقَة مئة ألف نفس وَأمر بإخراب دَار ابْن عَنْبَسَة ظن أَنه يجد بهَا دَفِينا فَلم يجد غير عشرَة آلَاف دِينَار وَكَانَ ابْن عَنْبَسَة من أَعْيَان أهل صنعاء خرج مَعَ أسعد حِين خرج فَلَمَّا بلغه إخراب بَيته أَخَذته بَطْنه وَمَات وَحين بلغ منصورا دُخُول ابْن فضل صنعاء سره ذَلِك وتجهز حَتَّى جَاءَهُ واجتمعا وَفَرح كل بِصَاحِبِهِ ثمَّ خرج ابْن فضل إِلَى حراز ثمَّ نزل المهجم فَأَخذهَا وَسَار إِلَى الكدرى فَأَخذهَا أَيْضا ثمَّ قصد زبيد فهرب صَاحبهَا وَهِي يَوْمئِذٍ بيد أبي الْجَيْش إِسْحَق بن

стр. 150

إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْوَاصِل من بَغْدَاد فَقيل هرب وَقيل قَاتل فَقتله ابْن الْفضل واستباح زبيد وسبى الْحَرِيم وَذكر نقلة الْأَخْبَار أَنه أَخذ مِنْهَا نَحْو أَرْبَعَة آلَاف بكر سوى الْجَوَارِي ثمَّ خرج مِنْهَا يُرِيد المذيخرة على طَرِيق الْمِيزَاب جبل شَرْقي زبيد فَلَمَّا صَار بعسكره فِي مَوضِع يُسمى الملاحيط أَو المناحض أَمر صائحه فصاح على الْعَسْكَر بالنزول فَلَمَّا نزلُوا ناداهم بالاجتماع فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ وحضروا لَدَيْهِ فَقَالَ لَهُم لقد علمْتُم إِنَّمَا خَرجْتُمْ للْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَقد غَنِمْتُم من نسَاء الْحصيب مَا لَا يخفى وَلست آمنهن عَلَيْكُم أَن يَفْتِنكُم ويشغلنكم عَن الْجِهَاد فليذبح كل رجل مِنْكُم من صَار مَعَه مِنْهُنَّ فَفَعَلُوا ذَلِك فَصَارَ الدَّم فِي ذَلِك أَثَره سِنِين كَثِيرَة وَلذَلِك سمي الملاحيط المشاحيط ثمَّ توجه إِلَى المذيخرة فَلَمَّا صَار بهَا أَمر بِقطع الطّرق لَا سِيمَا طَرِيق الْحَج وَقَالَ حجُّوا الجرف موضعا بِالْقربِ من المذيخرة واعتمروا التالبي وَهُوَ وَاد بِالْقربِ من الجرف

стр. 151

وَلما علم ابْن فضل أَنه قد استحكم لَهُ أَمر الْيمن خلع طَاعَة عبيد بن مَيْمُون الَّذِي كَانَ يظْهر أَنه دَاع إِلَيْهِ ثمَّ كَاتب صَاحبه منصورا بذلك فَعَاد جَوَابه إِلَيْهِ يعاتبه وَيَقُول لَهُ كَيفَ تخلع من لم تنَلْ خيرا إِلَّا بِهِ وببركة الدُّعَاء إِلَيْهِ فَمَا تذكر مَا بَيْنك وَبَينه من عهود وَمَا أَخذ علينا جَمِيعًا من الْوَصِيَّة على الِاتِّفَاق وَعدم الِافْتِرَاق فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ بل كتب إِلَيْهِ ثَانِيًا يُخبرهُ وَيَقُول لَهُ إِن لي بِأبي سعيد الجنابي أُسْوَة إِذْ قد دَعَا إِلَى نَفسه وَأَنت إِذا لم تنزل إِلَى طَاعَتي وَتدْخل بإجابتي نابذتك الْحَرْب فَلَمَّا ورد كِتَابه إِلَى مَنْصُور بذلك غلب على ظَنّه صِحَّته وطلع جبل مسور وَأخذ بتحصينه وَقَالَ إِنَّمَا حصنت هَذَا الْجَبَل من هَذَا الطاغية وَأَمْثَاله وَلَقَد عرفت الشَّرّ بِوَجْهِهِ حِين اجْتَمَعنَا بِصَنْعَاء ثمَّ إِن ابْن فضل بعد مديدة من تصديره الْكتاب تجهز إِلَى غَزْو مَنْصُور وانتدب لذَلِك عشرَة آلَاف رجل من الْمَعْدُودين فِي عسكره وَسَار من المذيخرة حَتَّى دخل شبام فَحصل بَينه وَبَين عَسْكَر مَنْصُور حَرْب وتكرر ذَلِك وَدخل ابْن فضل بلد لاعة وَصعد جبل الجميمة بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة وَهُوَ جبل فائش على الْقرب من مسور وَهُوَ لقوم يُقَال لَهُم بَنو المنتاب فَأَقَامَ بِهِ ثَمَانِيَة أشهر يحاصر منصورا فَلم يدْرك مِنْهُ طائلا وشق بِهِ الْوُقُوف وَعلم مَنْصُور بذلك فراسله بِالصُّلْحِ فَقَالَ ابْن فضل لَا أفعل إِلَّا أَن ترسل إِلَيّ ولدك يقف معي على الطَّاعَة وَإِلَّا فَلَا يسمع بِأَنِّي رحت بِغَيْر قَضَاء حَاجَة ويشيع عِنْد الْعَالم أَنِّي تركته تفضلا لَا عَجزا فَفعل مَنْصُور ذَلِك وَتقدم مَعَه بعض أَوْلَاد مَنْصُور ثمَّ إِن ابْن فضل طوقه بطوق من ذهب وانهمك بالمذيخرة على تَحْلِيل مُحرمَات الشَّرِيعَة وَإِبَاحَة محظوراتها وَعمل بهَا دَارا وَاسِعَة يجمع فِيهَا

стр. 152

غَالب أهل مذْهبه نسَاء ورجالا متزينين متطيبين ويوقد بَينهم الشمع سَاعَة ويتحادثون فِيهَا بأطيب الحَدِيث وأطربه ثمَّ يطفأ الشمع وَيَضَع كل مِنْهُم يَده على امْرَأَة فَلَا يتْرك الْوُقُوع عَلَيْهَا وَإِن كَانَت من ذَوَات مَحَارمه وَقد تقع مَعَ أحدهم مَا لَا تعجبه إِمَّا بِعَجُوزٍ أَو غَيرهَا فيريد التفلت مِنْهَا فَلَا تكَاد تعذره فقد حكى ابْن مَالك أَن رجلا من الْقَوْم وَقعت يَده على عَجُوز كَبِيرَة محدودية فحين تحقق حَالهَا أَرَادَ التفلت مِنْهَا فَقَالَت لَهُ دوبد من ذِي حكم الْأَمِير ودو بِالدَّال الْمُهْملَة فِي لُغَة بعض اليمنيين بِمَعْنى لَا فَكَأَنَّهَا قَالَت لَا بُد من ذِي حكم الْأَمِير وَذُو بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بِمَعْنى الَّذِي كَأَنَّهَا قَالَت لَا بُد من الَّذِي حكم بِهِ الْأَمِير يَعْنِي ابْن فضل وَهَذِه مخزية عَظِيمَة شاعت عَنهُ وَحَتَّى عَمت جَمِيع من انتسب إِلَى السمعلة وَهُوَ شَيْء لم يتَحَقَّق عَن أحد غَيره وَلَقَد سَأَلت جمعا من الَّذين يتَحَقَّق مِنْهُم الْمَذْهَب فأنكروا ذَلِك ورأيتهم مُجْمِعِينَ على أَن ابْن فضل زنديق وَأَن مَنْصُور من أَعْيَان مَذْهَبهم وأخيارهم وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي تقرر فِي ذهني وَكَانَ ابْن فضل لما طابت لَهُ المذيخرة وَجعلهَا دَار إِقَامَة استناب على صنعاء أسعد بن أبي يعفر الْمُقدم ذكره استنابه مَكَانَهُ إِلَّا أَنه لم يثبت أَن أسعد اجْتمع بِهِ بل كَانَ حذرا من غدره فَأَقَامَ أسعد بِصَنْعَاء نَائِبا لَهُ وَهُوَ يود أَن يَأْخُذ بثأر الْمُسلمين مِنْهُ وَهُوَ أَيْضا حذر متيقظ وَكَانَ لَا يكَاد يسْتَقرّ بِصَنْعَاء خشيَة غَازِيَة من ابْن فضل أَو هجمة قَالَ ابْن جرير وَكَانَ عنوان كتب ابْن فضل إِلَى أسعد من باسط الأَرْض وداحيها ومزلزل الْجبَال ومرسيها عَليّ بن الْفضل إِلَى عَبده أسعد بن أبي يعفر وَكفى بِهَذَا الْكَلَام دَلِيلا على كفره فنسأل الله الْعِصْمَة

стр. 153

وَفِي أثْنَاء نِيَابَة أسعد قدم غَرِيب يزْعم أَنه شرِيف بغدادي فصحب أسعد وَأنس بِهِ وَقيل أَن قدومه كَانَ بإرسال من صَاحب بَغْدَاد لما بلغه من قوم ابْن فضل ليعْمَل الْحِيلَة فِي قَتله فَلبث عِنْد أسعد مُدَّة وَكَانَ جراحيا ماهرا بصناعة الْأَدْوِيَة بَصيرًا بِفَتْح الْعُرُوق ومداواة الأجرحة وَسقي الْأَشْرِبَة النافعة وَلما رأى شدَّة خوف أسعد لِابْنِ فضل قَالَ إِنِّي عزمت على أَن أهب بنفسي لله تصدقا على الْمُسلمين لأريحهم من هَذَا الطاغية فعاهدني إِن أَنا عدت إِلَيْك على أَن تقاسمني مَا يصير إِلَيْك من الْملك فَأَجَابَهُ أسعد إِلَى مَا سَأَلَ فتجهز الْغَرِيب وَخرج من عِنْد أسعد وَهُوَ إِذْ ذَاك مُقيم بالجوف بِبَلَد هَمدَان على تخوف من ابْن فضل فَسَار الْغَرِيب حَتَّى قدم المذيخرة فخالط وُجُوه الدولة وكبراءها وَفتح لَهُم الْعُرُوق وسقاهم الْأَدْوِيَة النافعة وَأَعْطَاهُمْ المعجونات فَرفعُوا ذكره إِلَى ابْن فضل وأثنوا عَلَيْهِ عِنْده ووصفوه بِمَا فِيهِ من الصَّنْعَة وَقيل لَهُ إِنَّه لَا يصلح إِلَّا لمثلك فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم أحب الافتصاد فبحث عَنهُ وَطَلَبه فجيء لَهُ بِهِ فحين وَصله الطَّالِب عمد إِلَى سم فعمله بِشعرِهِ فِي مقدم رَأسه وَكَانَ ذَا شعر كثير ثمَّ لما دخل عَلَيْهِ أمره أَن يتجرد من ثِيَابه ويلبس غَيرهَا من ثِيَاب كَانَت عِنْد ابْن فضل ثمَّ أمره بالدنو مِنْهُ ليفصده فَفعل وَقعد بَين يَدَيْهِ ثمَّ أخرج المفصد وأمتصه تَنْزِيها لَهُ من السم ثمَّ مَسحه بِرَأْسِهِ فِي مَوضِع السم فعلق بِهِ بعض السم ثمَّ فصده بالأكحل وربطه وَخرج من فوره وَحمل هداده على حمَار لَهُ وَخرج من المذيخرة مبادرا إِلَى أسعد بن أبي يعفر وَلما قعد ابْن فضل سَاعَة أحس بالسم وَعلم أَنه قد أكيد على يَد الفاصد فَأمر بِطَلَبِهِ فَلم يُوجد فازداد تَيَقنا وَأمر أَن يلْحق حَيْثُ كَانَ وَيُؤْتى بِهِ فَخرج العساكر فِي طلبه بنواح شَتَّى حَتَّى أدْركهُ بَعضهم بوادي

стр. 154

السحول عِنْد الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بقينان فَلم يلْتَزم بل مَانع على نَفسه حَتَّى قتل وقبره هُنَالك وَهُوَ مَسْجِد جَامع لَهُ مَنَارَة يزار ويتبرك بِهِ دَخلته فِي الْمحرم أول سنة سِتّ وَتِسْعين وستمئة وَتُوفِّي ابْن فضل عقب ذَلِك لَيْلَة الْخَمِيس منتصف ربيع الآخر سنة ثَلَاث وثلاثمئة وَكَانَت مُدَّة امتحان الْمُسلمين بِملكه سبع عشرَة سنة وَلما علم أسعد بوفاته فَرح وَكَذَلِكَ جَمِيع أهل الْيمن فرحوا فَرحا شَدِيدا ثمَّ كاتبوا أسعد أَن يَغْزُو المذيخرة ويستأصل شأفة القرامطة فأجابهم إِلَى ذَلِك وتجهز بعسكر جرار من صنعاء ونواحيها ثمَّ لما صَار بمخلاف جَعْفَر اجْتمع إِلَيْهِ أَهله ثمَّ أهل الْجند والمعافر والتقت العساكر إِلَى المذيخرة وَكَانَ قد خلف ابْن فضل ولد لَهُ يعرف بالفأفاء لفأفأة كَانَت بِهِ فحصر أسعد المذيخرة بِمن مَعَه من النَّاس وَكَانَت محطته بجبل ثومان الَّذِي تقدم ذكره عِنْد ذكر الْجَعْفَرِي الَّذِي يعرف الْآن بجبل خولان لِأَن بِهِ عربا مِنْهُم يعْرفُونَ ببني البعم فَلم يزل العساكر فِيهِ وكل مَا خرج لَهُم عَسْكَر من المذيخرة كسرهم الْمُسلمُونَ وتتابع ذَلِك مرّة على مرّة حَتَّى ذلوا وخضعوا ثمَّ نصب أسعد على الْمَدِينَة المنجنيقات فهدم غَالب دُورهمْ ودخلها قهرا ثمَّ قتل ابْن فضل وَجَمِيع من ظفر بِهِ من خواصه وَأَهله وَمن دخل مذْهبه وسبى بَنَاته وَكن ثَلَاثًا اصْطفى أسعد مِنْهُنَّ وَاحِدَة اسْمهَا معَاذَة ثمَّ وَهبهَا لِابْنِ أَخِيه قحطان فَولدت لَهُ عبد الله بن قحطان الْآتِي ذكره والاثنتان صارتا إِلَى رعين وَكَانَت مُدَّة حِصَار الْمُسلمين وأسعد للمذيخرة سنة كَامِلَة قيل إِنَّه لم ينْزع فِيهَا أسعد درعه وَلم يزل مُتَقَلِّدًا لسيفه وانقطعت دولة القرامطة من مخلاف جَعْفَر وَلم تزل

стр. 155

المذيخرة خرابا مُنْذُ ذَلِك إِلَى عصرنا وَأما مَنْصُور فَهُوَ على الْحَال الْمُتَقَدّم لكنه كَانَ رَئِيسا لبيبا يحب المباقاة لم يبرح فِي جِهَة لاعة حَتَّى توفّي قبل ابْن فضل سنة اثْنَتَيْنِ وثلثمئة بعد أَن أوصى ولدا لَهُ اسْمه الْحسن ورجلا آخر من أَصْحَابه اسْمه عبد الله بن الْعَبَّاس الشاوري كَانَ خصيصا بِهِ وَكَانَ قد أرْسلهُ إِلَى الْمهْدي برسالة وهدية وَصَارَ عِنْد الْمهْدي مِنْهُ صُورَة وَمَعْرِفَة وَذَلِكَ أَن منصورا لما أحس بِالْمَوْتِ جمع بَينهمَا وَقَالَ أوصيكما بِهَذَا الْأَمر فاحفظاه وَلَا تقطعا دَعْوَة بني عبيد بن مَيْمُون فَنحْن غرس من غروسهم وَلَوْلَا مَا دَعونَا إِلَيْهِ من طاعتهم لم يتم لنا مُرَاد وَعَلَيْكُم بمكاتبة إمامنا الْمهْدي فَلَا تقطعا أمرا فِي مشاروته فَإِن هَذَا الْأَمر لم آخذه بِكَثْرَة مَال وَلَا رجال وَلم أصل هَذِه الْبِلَاد إِلَّا بعصا وَبَلغت مَا لم يخف ببركة الْمهْدي الَّذِي بشر بِهِ النَّبِي ﷺ وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقُول ذَلِك فِي مَلأ من النَّاس ثمَّ لما توفّي مَنْصُور كتب وَصِيّه الشاوري إِلَى الْمهْدي وَهُوَ مُقيم بالمهدية لم يبرح يُخبرهُ بوفاة مَنْصُور وَترك أمرالدعوة مرجى حَتَّى يرد أمره وَأعلم الْمهْدي بِأَنَّهُ يقوم بِأَمْر الدعْوَة قيَاما شافيا وافيا دون أَوْلَاد مَنْصُور وَبعث بِالْكتاب مَعَ بعض أَوْلَاد مَنْصُور فَسَار بِهِ حَتَّى قدم المهدية وَدفع الْكتاب إِلَى الْمهْدي فَلَمَّا قَرَأَهُ وَكَانَ قد عرف الشاوري من وَقت قدم عَلَيْهِ برسالة مَنْصُور وَأَنه مكمل الدعْوَة وخشي عجز أَوْلَاد للشاوري بالاستقلال وَعَاد ولد مَنْصُور خائبا فَعَاد الْبِلَاد وَهُوَ مُضْمر الشَّرّ فأوصل جَوَاب الْمهْدي إِلَى الشاوري وَصَارَ هُوَ وأخوته يواصلونه وَهُوَ يكرمهم ويبجلهم وَلَا يحجب أحدا مِنْهُم بل يدْخلُونَ مَتى شَاءُوا من غير حَاجِب ثمَّ إِن الَّذِي وصل من الْمهْدي دخل عَلَيْهِ فِي بعض الغفلات فَقتله وَاسْتولى على الْبِلَاد وَلما صَار مستوليا جمع الرعايا من أنحاء بَلَده وأشهدهم أَنه قد خرج إِلَى مَذْهَب

стр. 156

السّنة وَترك مَذْهَب أَبِيه فأعجب النَّاس ذَلِك وأحبوا ودانوا لَهُ فَدخل عَلَيْهِ أَخ لَهُ اسْمه جَعْفَر فَنَهَاهُ عَمَّا فعل وقبحه عَلَيْهِ فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ وَخرج عَنهُ مغضبا وَقصد الْمهْدي إِلَى القيروان فَوَجَدَهُ قد توفّي وَقَامَ بعده ابْنه الْقَائِم وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلثمئة أَعنِي موت الْمهْدي وَقيام الْقَائِم فَلبث ابْن مَنْصُور عِنْده ثمَّ إِن أَخَاهُ قتل أهل مَذْهَب أَبِيه وشردهم حَتَّى لم يبْق حوله إِلَّا من لَا يعرف وَبَقِي فِي الْبَلَد جمَاعَة قَلِيلُونَ يكاتبون بني عبيد بن مَيْمُون إِلَى القيروان ثمَّ إِن ابْن مَنْصُور خرج من مسور إِلَى عين محرم الْمَذْكُورَة أَولا وكاتبه رجل من بني العرجى سلاطين تِلْكَ النَّاحِيَة واستخلف الَّذِي ينْسب مسور إِلَيْهِ فَيُقَال مسور المنتاب فَلَمَّا صَار بِعَين محرم وثب عَلَيْهِ ابْن العرجي فَقتله وَحين سمع ابْن عبد الحميد ذَلِك أخرج من بَقِي مَعَه بمسور من أهل مَنْصُور وَحرمه إِلَى جبل أعشب فَوَثَبَ النَّاس عَلَيْهِم ينهبون ويسلبون وَيقْتلُونَ ثمَّ حصل بَين ابْن العرجى وَابْن عبد الحميد اتِّفَاق واقتسما الْبِلَاد وَرجع ابْن عبد الحميد عَن مَذْهَب مَنْصُور وابتنى جَامعا وَعمل منبرا وتابع الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس وَجعل يتتبع القرامطة حَيْثُ سمع بهم حَتَّى أفناهم وَلم يبْق مِنْهُم غير شريذمة قَليلَة بِنَاحِيَة مسور كاتمين أَمرهم مقيمين ناموسهم بِرَجُل يُقَال لَهُ ابْن رَحِيم وَمَات ابْن عبد الحميد وَقَامَ بعده ابْنه المنتاب وَكَانَ ابْن رَحِيم حازما لَا يكَاد يعرف أَيْن قراره خوفًا أَن يغتاله المنتاب أَو غَيره من أهل السّنة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُكَاتب أَوْلَاد الْمهْدي إِلَى القيروان وَإِلَى مصر

стр. 157

وَفِي أَيَّامه قدم الْمعز بن الْقَائِم بن الْمهْدي من القيروان إِلَى مصر وابتنى الْقَاهِرَة وَجعلهَا دَار إِقَامَته ثمَّ لما دنت وَفَاته اسْتخْلف على أهل مذْهبه رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ يُوسُف بن الْأَشَج ثمَّ توفّي وَولي الْأَمر يَوْمئِذٍ الْحَاكِم فَكَانَ ابْن الْأَشَج يَدْعُو إِلَيْهِ ويبايع لَهُ سرا حَتَّى دنت وَفَاته واستخلف رجلا يُقَال لَهُ سُلَيْمَان بن عبد الله الزواحي من ضلع شبام وَكَانَ ذَا مَال جزيل يُدَارِي بِهِ وَيدْفَع عَن أهل مذْهبه وَكلما هم أحد من النَّاس بقتْله يَقُول لَهُ أَنا رجل من الْمُسلمين أَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله كَيفَ يحل لكم سفك دمي وَأخذ مَالِي فيمسكون عَنهُ وَلما دنت وَفَاته اسْتخْلف عَليّ بن مُحَمَّد الصليحي وَأَصله من الأخروج سبع من أَسْبَاع حراز هَذَا مَا لَاق ذكره من الْمُلُوك من أول الْإِسْلَام إِلَى نَيف وثلثمائة ثمَّ بعد ذَلِك نعود إِلَى أَخْبَار الْفُقَهَاء مَا قدمنَا من المئتين وَالثَّلَاث الْمَاضِيَة وَكَانَ مُعظم مَا ذكرت أهل عناية وتوفر على طلب علم الْأَحْكَام وَفقه كَلَام رَسُول الله ﷺ وَإِجْمَاع الْعلمَاء وَاخْتِلَافهمْ وَالِاحْتِيَاط لأَنْفُسِهِمْ فِيمَا يدينون الله رَبهم وَقل مَا فَاتَنِي من أهل هَذِه الصّفة كَانَ مَوْجُودا بِالْيمن فِي الْمدَّة الْمَاضِيَة وَفِي الْمُسْتَقْبلَة بِحَمْد الله وأنتهي بذلك إِلَى فُقَهَاء زَمَاننَا وأستوعبهم ثمَّ أذكر بعد ذَلِك الْمُلُوك الْمُتَأَخِّرين من ذَلِك إِلَى عصرنا كَمَا ذكرت من كَانَ فِي المئتين وَالثَّلَاث الْمُتَقَدّمَة وَاعْلَم أَن المئة الرَّابِعَة كَانَت فقهاؤها أعيانا

стр. 158

مِنْهُم أَبُو سعيد الْمفضل بن مُحَمَّد الجندي الْمُقدم ذكره لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودا فِي آخرالمئة الثَّالِثَة وَصدر المئة الرَّابِعَة وَذَلِكَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وَلأَجل وجوده فِي آخر المئة الثَّالِثَة وَعدم تحققي لوُجُوده فِي المئة الرَّابِعَة ذكرته أَولا ثمَّ رَأَيْت بِخَط الْفَقِيه ابْن أبي ميسرَة مَا تحقق وجوده بالتاريخ الَّذِي ذكرته آنِفا وَمِنْهُم أَبُو الْحسن الْمُغيرَة بن عَمْرو بن الْوَلِيد الْعَدنِي أَخذ بِمَكَّة سنَن أبي قُرَّة عَن أبي سعيد الْمفضل الجندي مقدم الذّكر وَذَلِكَ سنة خمس وَسِتِّينَ وثلثمائة وَكَانَ هَذَا يعرف بالتاجر فَيُقَال الْمُغيرَة الْعَدنِي التَّاجِر وَفِي هَذِه المئة أَعنِي الرَّابِعَة دخل مَذْهَب الشَّافِعِي الْيمن وانتشر فأبدأ بِمن ذكر أَنه نشره فِي الْجبَال وَمِنْهُم مُوسَى بن عمرَان بن مُحَمَّد الخداشي ثمَّ السكْسكِي أَصله من المعافر ثمَّ كَانَ يخْتَلف إِلَى الْجند ومخلاف جَعْفَر وَرُبمَا أَقَامَ بقرية الملحمة الْآتِي ضَبطهَا عِنْد ذكر وَلَده وفقهاؤها المعروفون ببني مَضْمُون من ذُريَّته وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إنْشَاء الله تَعَالَى وَعنهُ أَخذ جمَاعَة من المعافر والجند ومخلاف جَعْفَر وَلم أكد أَقف لَهُ على تَحْقِيق تَارِيخه ثمَّ صَار الْعلم يُؤْخَذ عَن جمَاعَة أهل طبقَة مُتَأَخِّرَة مِنْهُم أَبُو الْخطاب عبد الْوَهَّاب بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الله الْعَدنِي لِأَنَّهُ ولي قَضَاء عدن وَإِلَّا فأصله من أبين من قَرْيَة الطرية بهَا وجده عَنْبَسَة النُّون فِيهِ سَاكِنة مُقَدّمَة على الْبَاء الْمُوَحدَة بِقَضَاء عدن وَكَانَ من الروَاة الْمَعْدُودين وجدت فِيمَا قرأته بِخَط ابْن أبي ميسرَة سندا مُتَّصِلا إِلَى هَذَا أبي الْخطاب أَنه قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي النّوم وَأَنا بقرية الطرية من أبين لَيْلَة الْخَمِيس سَابِع رَمَضَان

стр. 159

سنة خمس عشرَة وأربعمئة كَأَنَّهُ جَالس فِي بَيت لَا أعرفهُ على شَيْء مُرْتَفع شبه الدكة وناس جُلُوس دونه قَلِيلا فَدخلت عَلَيْهِ ودنوت مِنْهُ وَقلت لَهُ يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك إِنَّه قد اقْترب أَجلي وَأُرِيد مِنْك أَن تلبس قَمِيصِي هَذَا لآمر بتكفيني فِيهِ بعد الْمَوْت فَعَسَى الله أَن يقيني بِهِ حر جَهَنَّم فَرَأَيْت الْقَمِيص على رَسُول الله ﷺ ثمَّ لم أره ثمَّ قَامَ رَسُول الله إِلَى مَوضِع آخر وَرَأَيْت صَدره مكشوفا لَا قَمِيص عَلَيْهِ فدنوت مِنْهُ وعانقته وعانقني وألزقت صَدْرِي إِلَى صَدره حَتَّى حسست خشونة شعر صَدره بصدري وَجعلت فمي إِلَى فَمه وهممت أسأله يبزق فِي فمي وَقلت لَهُ سل الله أَن يجمع بيني وَبَيْنك فِي الرفيق الْأَعْلَى وَهُوَ مَعَ ذَلِك يضمني إِلَى صَدره ويجيبني إِلَى مَا أسأله وَيَدْعُو لي وَأَنا أضمه إِلَى صَدْرِي ثمَّ قَامَ ﷺ إِلَى مَوضِع آخر وَقَعَدت بَين يَدَيْهِ وَأَقْبل ﷺ عَليّ يعرض لي بِشَيْء أهبه لامْرَأَة كَانَت بَين يَدَيْهِ وَقت دخولي عَلَيْهِ فَنَظَرت إِلَيْهَا وَفتحت صرارا كَانَت بثوبي فَقلت لَهُ وَالله يَا رَسُول الله مَا معي إِلَّا هَذَا وَوجدت بالصرا دينارين مطوقين ودريهمات نَحْو عشْرين لم أعدهَا وسلمت ذَلِك إِلَيْهِ وانتهيت وَكنت قد رَأَيْته ﷺ عِنْد الْقيام الأول وَلبس الْقَمِيص قد تنَاول من مَوضِع آخر منديلا مدرحاد منقشا مطرزا بأحمر فَقلت فِي نَفسِي كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يرد عَليّ الْقَمِيص ويهب لي المنديل ثمَّ مضى إِلَى الْموضع الثَّانِي ﷺ رَزَقَنِي الله شَفَاعَته وَلَا حرمني النّظر إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة بمنه وَكَرمه وَقد تركت الْقَمِيص وأوصيتهم يكفنوني بِهِ قَالَ الشِّيرَازِيّ وَهُوَ الَّذِي روى الْخَبَر عَن هَذَا أبي الْخطاب وَقد سألناه إِخْرَاج الْقَمِيص فَأخْرجهُ ولبسناه وأعطانا مِنْهُ شَيْئا قَالَ الشِّيرَازِيّ وَسمعت مِنْهُ أَيْضا قَالَ رَأَيْت كَأَنِّي دخلت دَارا فَلَقِيت النَّبِي ﷺ قَائِما تَحت الدَّار بَين ثَانِي حَانُوت وَمَعَهُ جمَاعَة أعرف بَعضهم وهم قيام لقِيَامه ﷺ وَكَانَ بالموضع سراج موقد فَقلت يَا رَسُول الله قَالَ الله ﵎ ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ وروينا عَنْك أَنَّك قلت ادخرت

стр. 160

شَفَاعَتِي لمن يعْمل الْكَبَائِر من أمتِي فَإِذا كَانَ الله قد سامحنا فِي الصَّغِيرَة وشفعت لنا أَنْت فِي الْكَبِيرَة فَنحْن إِذا نرجو من الله الرَّحْمَة فَقَالَ لي كَذَا هُوَ قَالَ الشِّيرَازِيّ أَيْضا وسمعته يَقُول مرّة رَأَيْت فِي تَفْسِير النقاش عَن حميد عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة تَحت الْعَرْش فِي ظلّ الله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله قلت من هم يَا رَسُول الله قَالَ من فرج عَن مكروب من أمتِي وَأَحْيَا سنتي وَأكْثر الصَّلَاة عَليّ وَأَخذه لسنن أبي قُرَّة عَن الْمُغيرَة الْعَدنِي مقدم الذّكر وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا نَحْو الْعشْرين وأربعمئة وَمن نَاحيَة الْجند قَرْيَة تسمى الصردف هِيَ شرقيها تَحت الْجَبَل الْمَعْرُوف بسورق بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْوَاو بعْدهَا رَاء مَفْتُوحَة وقاف والصردف بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ فَاء مُوَحدَة وَهِي إِحْدَى الْقرى الْمُبَارَكَة بِكَثْرَة الْفُقَهَاء فِيمَا تقدم وَبهَا إِلَى الْآن مَسْجِد جَامع مشهود لَهُ بِالْبركَةِ وَفِي جنبه الشَّرْقِي من خَارجه قبر الْفَقِيه عبد الله بن زيد العريقي صَاحب الْمُهَذّب الَّذِي صنفه فِي الْفِقْه صرف عَنهُ الْقَوْلَيْنِ والوجهين ويقاربه قبر الْفَقِيه إِسْحَاق الصردفي الْآتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى غربي الْمَسْجِد الْمَذْكُور فِي الْجَبَل الْمُقَابل للقرية وَالْمَسْجِد قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَ بالقرية الْمَذْكُورَة وَهِي على ثلث مرحلة من مَدِينَة الْجند جمَاعَة فُقَهَاء متقدمون يعْرفُونَ بآل زرقان وزرقان بطن من مُرَاد من مشهورهم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ الزّرْقَانِيّ كَانَ فَقِيها كَبِيرا رحالا فِي طلب الْعلم وَكَانَت لَهُ أراض كَثِيرَة مِنْهَا فِي قريته الْمَذْكُورَة وَمِنْهَا فِي معشار الْجند وَمِنْهَا فِي

стр. 161

الشعبانية وَهِي عزلة كَبِيرَة ضَبطهَا بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف وخفض النُّون وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ هَاء سَاكِنة وَهُوَ صقع كَبِير ينْسب الْآن إِلَى حصن تعز وارتحل هَذَا الْفَقِيه إِلَى مَكَّة سنة ثَلَاث وَخمسين فَسمع فِيهَا عَن الأسيوطي عَن الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي وَسمع فِي رحلته أَيْضا عَن أبي الْعَبَّاس الْكِنْدِيّ وَلما قدم أَبُو زيد الْمروزِي إِلَى ذمار من أَرض الْيمن ارتحل هَذَا الْفَقِيه إِلَيْهِ فَأخذ عَنهُ صَحِيح البُخَارِيّ وَأخذ عَن هَذَا جمَاعَة أَعنِي الْفَقِيه عبد الله فَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْقرشِي الْآتِي ذكره وَكَانَ من الْأَئِمَّة الْمَعْدُودين فِي الْيمن وَهُوَ من الْمُتَقَدِّمين فِي نشر مَذْهَب الشَّافِعِي وَهَذَا جملَة مَا استطعته من ذكر أَحْوَاله وَقد عرض مَعَ ذكره جمَاعَة من الْأَعْيَان أَحْبَبْت بَيَان اللَّائِق مِمَّا صَحَّ لدي من أخبارهم أما أَبُو زيد الْمروزِي فَلم يعرف بذلك أَعنِي الْإِسْلَام غير مُحَمَّد بن أَحْمد عبد الله الْمروزِي صَاحب أبي إِسْحَاق ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي طبقاته وَقَالَ كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب حسن النّظر فِيهِ مَشْهُورا بالزهد وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء مرو وَمِنْهُم الْقفال وَكَانَت وَفَاته بمرو سنة إِحْدَى وَسبعين وثلثمئة برجب

стр. 162

وَمِنْهُم الأسيوطي وَهُوَ أَبُو عَليّ الْحسن بن الْخضر الأسيوطي بَلَدا تفقه بالطحاوي وَمِنْهُم أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَلامَة بن عبد الْملك الْأَزْدِيّ نسبا الطَّحَاوِيّ بَلَدا نِسْبَة إِلَى بلد اسْمهَا طحا بِفَتْح الطَّاء والحاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِي بلد بصعيد مصر مولده سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَقيل سنة سبع وَعشْرين ومئتين وَهُوَ ابْن أُخْت الْمُزنِيّ وَكَانَ قد تفقه عَلَيْهِ بِمذهب الشَّافِعِي فَذكرُوا أَنه غضب عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ وَالله لَا أفلحت أَو لَا جَاءَ مِنْك شَيْء فَغَضب لذَلِك وانتقل إِلَى صُحْبَة أبي جَعْفَر بن أبي عمرَان الْحَنَفِيّ واشتغل عَلَيْهِ بمذهبه وَصَارَ صَدرا فِيهِ ورأسا ودرس وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة أَصْحَاب أبي حنيفَة بِمصْر وصنف فِي مَذْهَبهم كتبا مفيدة وَمَعَ ذَلِك كَانَ لَهُ شعر رائق مِنْهُ مَا كتبه جَوَابا لأبيات وَردت إِلَيْهِ وَهِي ... أَبَا جَعْفَر مَاذَا تَقول فَإِنَّهُ ... إِذا نابنا خطب عَلَيْك نعول وَلَا تنكرن قولي وأبشر برحمة ... من الله فِي الْأَمر الَّذِي عَنهُ نسْأَل أَفِي الْحبّ عَار لَا بل الْعَار تَركه ... وَهل من لحا أهل الصبابة يجهل وَهل من مُبَاح فِيهِ قتل متيم ... يهاجره أحبابه ويواصل فرأيك فِي رد الْجَواب فإنني ... بِمَا فِيهِ يقْضى أَيهَا الشَّيْخ أفعل ... فَأجَاب عَنهُ فِي ظهر الرقعة الْوَاصِلَة ... سأقضي قَضَاء فِي الَّذِي عَنهُ تسْأَل ... وَأحكم بَين العاشقين فأعدل فديتك مَا فِي الْحبّ عَار عَلمته ... وَلَا الْعَار ترك الْحبّ إِن كنت تعقل وَلكنه إِن مَاتَ فِي الْحبّ لم يكن ... لَهُ قَود عِنْدِي وَلَا مِنْهُ يعقل وَمهما لحا فِي الْحبّ لَاحَ فَإِنَّهُ ... لعمرك عِنْدِي من ذَوي الْجَهْل أَجْهَل ووصلك من تهوى وَإِن صد وَاجِب ... عَلَيْك كَذَا حكم المتيم يفعل فَهَذَا جَوَاب فِيهِ عِنْدِي قناعة ... لما جِئْت عَنهُ أَيهَا الشَّيْخ تسْأَل ... وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مَذْهَب الشَّافِعِي بِأَخْذِهِ لَهُ عَن خَاله وَإِن كَانَ قد شهر عَنهُ

стр. 163

الْخُرُوج فقد ثَبت لنا عَن جمَاعَة من الصُّدُور أَنه كَانَ يدرس المذهبين مَعَ غَلَبَة أَحدهمَا عَلَيْهِ وَلما صَار صَدرا لمَذْهَب أبي حنيفَة كَانَ يَقُول رحم الله أَبَا إِبْرَاهِيم يَعْنِي خَاله لَو كَانَ حَيا لكفر عَن يَمِينه يَعْنِي قَوْله وَالله لَا أفلحت وَقد مضى قَالَ شَيخنَا ﵀ مَا أرَاهُ كَانَ يكفر عَنْهَا لِأَنَّهُ لم يفلح إِذْ المعتقد أَنه انْتقل من الصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ فَمن يعْتَقد فِيهِ ذَلِك لم تجب الْكَفَّارَة على عدم فلاحه وَكَانَت وَفَاته يَعْنِي الطَّحَاوِيّ بِأحد شهور سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلثمئة وَأما شيخ الطَّحَاوِيّ فِي الْمَذْهَب فَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل بن يحيى بن إِسْمَاعِيل بن عَمْرو بن إِسْحَاق الْمُزنِيّ نِسْبَة إِلَى قَبيلَة من الْعَرَب تسمى مزينة بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي وَسُكُون الْيَاء مثناة من تَحت وَفتح النُّون ثمَّ هَاء وهم جمع كثير وأصل بَلَده مصر وَكَانَ إِمَام الشَّافِعِيَّة وأعرفهم بمذهبه وأنقلهم لأقواله وَكَانَ زاهدا ورعا محجاجا مُجْتَهدا غواصا على دقائق الْفِقْه عَالما بجلائله قَالَ الْأنمَاطِي قَالَ الْمُزنِيّ أَنا مُنْذُ خمسين سنة أنظر فِي كتاب الرسَالَة للشَّافِعِيّ مَا نظرت فِيهِ مرّة إِلَّا اسْتَفَدْت مِنْهُ فَائِدَة لم أستفدها قبل ذَلِك وَكَانَ كثير الْعِبَادَة لُزُوما للسّنة من أعرف النَّاس بِإِرَادَة الشَّافِعِي وفيا بِحَيْثُ يقدم نَقله عَنهُ على كل نقل وَذَلِكَ لعدالته وتحقيقه لمذهبه وَعنهُ وَبِه انْتَشَر مذْهبه انتشارا كَامِلا قَالَ الشَّافِعِي فِي حق الْمُزنِيّ نَاصِر مذهبي وَله عدَّة مصنفات مِنْهَا الجامعان الصَّغِير وَالْكَبِير ومختصر الْمُخْتَصر والمنثور والمسائل الْمُعْتَبرَة وَالتَّرْغِيب فِي الْعلم وَكتاب الوثائق وَكَانَ فِي أثْنَاء تصنيفه فِي كِتَابه الْمُخْتَصر كلما فرغ مَسْأَلَة قَامَ إِلَى الْمِحْرَاب وَصلى رَكْعَتَيْنِ شكرا لله وانتفع النَّاس بِهَذَا الْمُخْتَصر انتفاعا لم يكن لَهُ نَظِير وَأقَام أهل مَذْهَب الشَّافِعِي عَلَيْهِ عاكفين وَله دارسين وَبِه مطالعين دهرا ثمَّ كَانُوا بَين شَارِح مطول ومختصر مقلل والجميع مِنْهُم معترف أَنه لم يدْرك من حقائقه غير

стр. 164

الْيَسِير حَتَّى قَالَ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج الْآتِي ذكره يخرج مُخْتَصر الْمُزنِيّ من الدُّنْيَا بكرا لم يفتض لِأَنَّهُ كَانَ من أعرف النَّاس بِهِ وَكَانَ لَا يُفَارق حمله وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بقوله ... صديق فُؤَادِي مُنْذُ عشْرين حجَّة ... وصيقل ذهني والمفرج عَن همي ... وهما بيتان يأتيان فِي تَرْجَمَة ابْن سُرَيج وَكَانَ هَذَا الْمُخْتَصر أول مُصَنف صنف فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَانَ الْمُزنِيّ شَدِيد الْوَرع ذكرُوا أَنه أَقَامَ دهرا لَا يشرب إِلَّا بكوز من نُحَاس وَسُئِلَ عَن سَببه فَقَالَ بَلغنِي أَنهم يخلطون بالطين سرجينا فَلم تطب نَفسِي بالشرب مِنْهُ لِأَن النَّار لَا تطهره وَكَانَ مَتى فَاتَتْهُ صَلَاة الْجَمَاعَة صلى مُنْفَردا خمْسا وَعشْرين صَلَاة مستدركا لفضل الْجَمَاعَة ومستشهدا بقوله ﷺ صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة أحدكُم بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة ومناقب الْمُزنِيّ أجل من أَن تحصى وَكَانَت وَفَاته بِمصْر سنة أَربع وَسِتِّينَ ومئتين وَدفن على قرب من تربة الشَّافِعِي وَقد انْتهى بَيَان اتِّصَال هَذَا الْفَقِيه بِإِمَام الْمَذْهَب وَلم يبْق إِلَّا الْعود إِلَى تَتِمَّة الْفُقَهَاء ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة أُخْرَى مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى بن سراقَة العامري نسبا الْمعَافِرِي بَلَدا ارتحل إِلَى الْعرَاق وَأخذ بهَا عَمَّن أَخذ عَن ابْن اللبان الْفَرَائِض وَكَانَ إِمَامًا فِيهَا وَله فِيهَا مصنفات وَأدْركَ الشَّيْخ أَبَا حَامِد الإسفرائيني وَأخذ عَنهُ وَله مصنفات فِي الْفِقْه مِنْهَا مُخْتَصر سَمَّاهُ بِمَا لَا يسع الْمُكَلف جَهله وَآخر سَمَّاهُ آدَاب الشَّاهِد وَمَا يثبت بِهِ الْحق على الجاحد وَبِه تفقه جمَاعَة من أهل الْيمن مِنْهُم أَبُو الْفتُوح بن ملامس الْآتِي ذكره وَلم يكن يذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي طبقاته من متأخري الْيمن غَيره أَعنِي ابْن سراقَة وَقد عرض مَعَ ذكره رجلَانِ من الْأَعْيَان هما ابْن اللبان وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد فَأَما ابْن اللبان فَهُوَ أَبُو الْحسن بن اللبان قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي حَقه كَانَ إِمَامًا فِي

стр. 165

الْفَرَائِض وَالْفِقْه وَله مصنفات كَثِيرَة غالبها فِي الْفَرَائِض وَعنهُ أَخذ النَّاس فِي الْفَرَائِض فَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ أَبُو حَامِد بن أبي مُسلم الفرضي شيخ الْفَقِيه أبي حَامِد الإسفرائيني فِي الْفَرَائِض خَاصَّة وَابْن سراقَة وَأَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف الكازروني الَّذِي لم يكن فِي عصره أفرض مِنْهُ وَلَا أَحسب مِنْهُ وَكَانَ الشَّيْخ ابْن اللبان يَقُول لَيْسَ فِي الأَرْض فَرضِي إِلَّا من أَصْحَابِي أَو أَصْحَاب أَصْحَابِي أَو لَا يحسن شَيْئا وَلم يذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق لَهُ تَارِيخا وَلَا تحققت من غَيره ذَلِك وَأما الشَّيْخ أَبُو حَامِد فَهُوَ أَحْمد بن أبي الطَّاهِر مُحَمَّد بن أَحْمد الإسفرائيني مولده بِأحد شهور سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلاثمئة بإسفرائين بَلْدَة من خُرَاسَان من نواحي نيسابور وإسفرائين بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَالرَّاء وَألف ثمَّ خفض الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ نون قدم بَغْدَاد فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وتفقه بهَا تفقها جيدا وَفِي سنة سبعين رَأس ودرس وَأفْتى وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة أَصْحَاب الشَّافِعِي وَكَانَ إِمَام عصره وأوحد مصره قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي حَقه إِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الدّين وَالدُّنْيَا بِبَغْدَاد وَكَانَت حلقته تجمع أَكثر من ثلثمئة متفقه وَله على الْمُخْتَصر تعاليق يحسن نظرها وطبق الأَرْض بالأصحاب وَله عدَّة مصنفات مِنْهَا التعليقة الْكُبْرَى ثمَّ الْبُسْتَان والرونق مختصران قَالَ ابْن خلكان أجمع أهل عصره على تَقْدِيمه وتفضيله لجودة النّظر الفقهي حَتَّى قَالَ الْقَدُورِيّ أحد أَصْحَاب أبي حنيفَة الْمُتَأَخِّرين فِيمَا يُرَاجع بِهِ هُوَ وَبَعض الْفُقَهَاء الشَّيْخ أَبُو حَامِد عِنْدِي أفقه وَأنْظر من الشَّافِعِي قَالَ جمَاعَة من الْأَصْحَاب الَّذين بَلغهُمْ قَول الْقَدُورِيّ إِنَّمَا قَالَ الْقَدُورِيّ مَا قَالَ تعصبا على الشَّافِعِي وَحسن اعْتِقَاده فِي الشَّيْخ أبي حَامِد فَإِن أَبَا حَامِد وَمن ناظره من الشَّافِعِي بِمَنْزِلَة كَمَا قَالَ الأول ... نزلُوا بِمَكَّة فِي قبائل نَوْفَل ... وَنزلت فِي الْبَيْدَاء أبعد منزل ...

стр. 166

وَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد لَيْلَة السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شَوَّال سنة سِتّ وأربعمئة فَدفن بداره ثمَّ نقل إِلَى مَقْبرَة بَاب جرب سنة عشر وأربعمئة وَمِنْهُم أَبُو بكر بن المضرب سكن مَدِينَة زبيد وَكَانَ بهَا فُقَهَاء كَثِيرُونَ إِلَيْهِ ارتحل الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْقرشِي من سهفنة كَمَا سَيَأْتِي وَأخذ الْفِقْه عَن رجل يُقَال لَهُ ابْن الْمثنى بِحَق أَخذه عَن الْمروزِي بِأَخْذِهِ عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي عَن ابْن سُرَيج عَن الْأنمَاطِي عَن الْمُزنِيّ وَالربيع كِلَاهُمَا عَن الشَّافِعِي وَلما كَانَ ابْن المضرب شيخ الطَّبَقَة هُوَ وَالقَاسِم الْقرشِي أَحْبَبْت ذكر الْمُحَقق من أَحْوَاله وَبَيَان اتِّصَاله بِالْإِمَامِ كَمَا تقدم وَأما ابْن الْمثنى فَلم أتحقق من أَحْوَاله شَيْئا وَأما الْمروزِي فشيخه هُوَ أَبُو حَامِد أَحْمد بن عَامر بن بشر بن حَامِد الْمروزِي أحد عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة صنف الْجَامِع فِي الْمَذْهَب وَشرح الْمُخْتَصر وصنف فِي أصُول الْفِقْه وَسكن الْبَصْرَة وَعنهُ أَخذ فقهاؤها ونسبته إِلَى مرو الروذ الْبَلَد الَّتِي تقدم ذكرهَا عِنْد ذكر ابْن رَاهَوَيْه حِين ذكرته فِي من قدم على عبد الرَّزَّاق وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلثمئة وَأما شَيْخه أَبُو إِسْحَاق فَهُوَ إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن إِسْحَاق الْمروزِي كَانَ إِمَام عصره فِي الْفَتْوَى والتدريس وتفقه بِابْن سُرَيج كَمَا مضى وبرع فِي الْفِقْه قَالَ ابْن خلكان فِي حَقه إِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْفِقْه بالعراق بعد ابْن سُرَيج وصنف كتبا كَثِيرَة وَشرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ بِبَغْدَاد وصنف فِي الْأُصُول وَعنهُ أَخذ الْأَئِمَّة وانتشر الْفِقْه عَن أَصْحَابه فِي الْبِلَاد وَمن أحسن مَا ذكر عَنهُ من الشّعْر أَنه سمع مِنْهُ من يَقُول ... لَا يغلون عَلَيْك الْحَمد فِي ثمن ... فَلَيْسَ حمدا وَإِن أثمنت بالغالي الْحَمد يبْقى على الْأَيَّام مَا بقيت ... وَيذْهب الدَّهْر بِالْأَيَّامِ وَالْمَال ...

стр. 167

وَخرج إِلَى مصر فِي آخر عمره فَتوفي بهَا لسبع خلون من رَجَب سنة أَرْبَعِينَ وثلثمئة وَدفن على قرب من تربة الشَّافِعِي وَأما شَيْخه ابْن سُرَيج فَهُوَ أشهر أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة ميلاده سنة ثَمَان وَقيل سبع وَأَرْبَعين ومئتين قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي حَقه كَانَ من عُظَمَاء الشافعيين وأئمة الْمُسلمين حَتَّى كَانَ يُقَال لَهُ الباز الْأَشْهب ولي الْقَضَاء بشيراز وَهُوَ أول من وليه من أَصْحَاب الشَّافِعِي حَتَّى كَانُوا يعاتبونه وَيَقُولُونَ لَهُ لم يكن هَذَا يعرف فِي أَصْحَاب الشَّافِعِي إِنَّمَا كَانَ الْقَضَاء فِي غَيرهم وَكَانَ يفضل على أكَابِر الْأَصْحَاب حَتَّى على الْمُزنِيّ وَكَانَ لَا يزَال حَامِلا لمختصر الْمُزنِيّ فِي كمه وَفِيه يَقُول ... صديق فُؤَادِي مُنْذُ عشْرين حجَّة ... وصيقل ذهني والمفرج عَن همي عَزِيز على مثلي إِعَارَة مثله ... لما فِيهِ من علم لطيف وَمن فهم جموع لأصناف الْعُلُوم بأسرها ... حقيق على أَن لَا يُفَارِقهُ كمي ... واشتملت فهرست مصنفاته تزيد على أربعمئة مُصَنف وَقَامَ بنصرة مَذْهَب الشَّافِعِي قيَاما مرضيا ورد على مخالفيه وناظرهم وَبَالغ فِي ذَلِك وَفرع على كتب مُحَمَّد بن الْحسن وَكَانَ مُعظم مناظرته لأبي بكر بن دَاوُد الظَّاهِرِيّ حُكيَ أَنه قَالَ لَهُ يَوْمًا وهما فِي المناظرة أبلعني ريقي فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أبلعتك دجلة وَقَالَ لَهُ يَوْمًا أُكَلِّمك من الرجل فتجيبني من الرَّأْس فَقَالَ لَهُ هَكَذَا الْبَقر إِذا حفيت أظلافها دهنت قُرُونهَا وَقَالَ لَهُ يَوْمًا أمهلني سَاعَة فَقَالَ أمهلتك إِلَى يَوْم السَّاعَة وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد الْمُقدم ذكره يَقُول نَحن نجري مَعَ أبي الْعَبَّاس فِي ظواهر الْفِقْه دون دقائقه وَعَن ابْن سُرَيج أَخذ فُقَهَاء الْإِسْلَام وانتشر مَذْهَب الشَّافِعِي

стр. 168

فِي جَمِيع الْآفَاق وافتقد قَوْله ﷺ إِن الله يبْعَث لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مئة من يجدد لَهَا معالم دينهَا قَالَ ابْن خلكان فَكَانَ يُقَال فِي عصره إِن الله بعث عمر بن عبد الْعَزِيز على رَأس المئة من الْهِجْرَة فأظهر كل سنة وأمات كل بِدعَة وَمن الله على رَأس المئتين بِالْإِمَامِ الشَّافِعِي فأظهر السّنة وأخفى الْبِدْعَة وَمن الله تَعَالَى على رَأس الثلاثمائة بِأبي الْعَبَّاس بن سُرَيج فَقَوِيت بِهِ كل سنة وضعفت بِهِ كل بِدعَة وَذَلِكَ من ابْن خلكان إِشَارَة إِلَى الْخَبَر الْمُتَقَدّم وَكَانَ لَهُ مَعَ فضائله نظم حسن هَكَذَا قَالَ ابْن خلكان وَكَانَت وَفَاته لخمس بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وثلثمئة بِبَغْدَاد وَدفن بسويقة غَالب بالجانب الغربي بِالْقربِ من محلّة الكرخ وعمره سَبْعَة وَخَمْسُونَ سنة وَسِتَّة أشهر وَحكي أَن سَبَب الْبركَة فِيهِ أَن جده سُرَيج كَانَ رجلا صَالحا اشْتهر بالصلاح الوافر وَكَانَ رجلا أعجميا لَا يعرف من الْعَرَبيَّة شَيْئا فَرَأى الْبَارِي فِي مَنَامه وَكَانَ لَهُ مِنْهُ خطاب قَالَ لَهُ فِي الْأَخير يَا سُرَيج طلب كن فَقَالَ يَا خداي سر بسر قَالَهَا ثَلَاثًا وَهَذَا لفظ أعجمي مَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ يَا سُرَيج اطلب فَقَالَ يَا رب رَأس بِرَأْس كَمَا يُقَال رضيت أَن أخْلص رَأْسا بِرَأْس وَأما شَيْخه الْأنمَاطِي فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم عُثْمَان بن سعيد بن بشار الْأنمَاطِي نِسْبَة إِلَى الأنماط وَبَيْعهَا وَهِي الْبسط الَّتِي تفرش وَقيل اسْمه عبيد الله بن أَحْمد بن بشار قَالَه ابْن خلكان عَن أبي حَفْص عمر بن عَليّ المطوعي فِي كِتَابه الْمُهَذّب فِي ذكر أَئِمَّة الْمَذْهَب بعد أَن صدر كَلَامه بتسميته بعثمان تفقه بِمصْر على الْمُزنِيّ والمرادي قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق كَانَ هُوَ سَبَب نشاط النَّاس بِبَغْدَاد لتحفظ كتب مَذْهَب الشَّافِعِي والمثابرة عَلَيْهَا وَبِه تفقه ابْن سُرَيج وَكَانَ إِمَامًا مُبَارَكًا كَبِيرا وَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ ومئتين

стр. 169

وَأما شيخاه الْمُزنِيّ وَالربيع فالمزني قد تقدم ذكره فِي طبقَة الزّرْقَانِيّ وَأما الرّبيع فَهُوَ أَبُو مُحَمَّد الرّبيع بن سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن كَامِل الْمرَادِي بِالْوَلَاءِ الْمُؤَذّن الْمصْرِيّ صَاحب الإِمَام الشَّافِعِي وراوي أَكثر كتبه قَالَ الشَّافِعِي فِي حَقه الرّبيع راويتي وَقَالَ مَا أَخذ مني أحد مَا أَخذ مني الرّبيع وَكَانَ يَقُول يَا ربيع لَو أمكنني أَن أطعمك الْعلم لأطعمتك وَقَالَ دخلت على الشَّافِعِي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَعِنْده الْبُوَيْطِيّ والمزني وَابْن عبد الحكم فَنظر إِلَيْنَا ثمَّ قَالَ أما أَنْت يَا أَبَا يَعْقُوب يَعْنِي الْبُوَيْطِيّ فتموت فِي حديدك وَأما أَنْت يَا مزني فسيكون لَك فِي مصر هَنَات وهنات لتذكرن زَمَانا تكون فِيهِ أَقيس أهل زَمَانك وَأما أَنْت يَا ابْن عبد الحكم فنسترجع إِلَى مَذْهَب مَالك وَأما أَنْت يَا ربيع فَأَنت أنفعهم لي فِي نشر الْكتب فَلَمَّا مَاتَ صَار كل مِنْهُم إِلَى مَا قَالَه الشَّافِعِي حَتَّى كَأَنَّهُ ينظر إِلَى الْغَيْب من ستر رَقِيق توفّي الرّبيع هَذَا بِمصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشر بَقينَ من شَوَّال سنة سبعين ومئتين وَقد شرك هَذَا فِي الاسمية وصحبة الشَّافِعِي ربيع آخر هُوَ أَبُو مُحَمَّد الرّبيع بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الْأَعْرَج الْأَزْدِيّ بِالْوَلَاءِ نسبا الجيزي بَلَدا فاتفقا فِي الكنية والاسمية والأبوة وَاخْتلفَا بالأجداد تَسْمِيَة وَنسبَة كَمَا هُوَ مشَاهد فالجيزي نِسْبَة إِلَى الجيزة بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَبعدهَا زَاي ثمَّ هَاء بَلْدَة قبالة مصر يفصل بَينهمَا عرض النّيل والأهرام الْبناء الْمَشْهُور فِي حَدهَا وَكَانَ الرّبيع هَذَا قَلِيل الرِّوَايَة عَن الشَّافِعِي وَجل رِوَايَته عَن عبد الله بن عبد الحكم وَكَانَ ثِقَة روى عَنهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَخمسين

стр. 170

ومئتين وَلم أورد ذكره إِلَّا لِأَنَّهُ كثيرا مَا يشْتَبه بِالربيعِ الْمرَادِي وَكنت مِمَّن يَقع عَلَيْهِ ذَلِك وَقد انْتهى اللَّائِق من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من أهل الْيمن أَعنِي من الَّذين انْتَشَر عَنْهُم مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي وَمِمَّنْ قدم زبيد وَصَارَ لَهُم ذكر فِي الْعلم وذرية يشهرون بِهِ فِي طبقَة ابْن المضرب وَقَبله الْقُضَاة بَنو أبي عقامة فَأَما جدهم القادم فَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن هَارُون وَقد مضى بَيَان حَاله قبل ذكر الشَّافِعِي وَلَا أعلم مَا كَانَ مذْهبه وَإِن كنت قدمت ذكره فِي الطَّبَقَة وَلم أتحقق من كَانَ فِي طبقَة ابْن المضرب مِنْهُم من تحققت ذكر الْحسن وَجَمَاعَة يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن طبقَة الْحسن مُتَأَخِّرَة إِذْ كَانَ وجوده فِي آخر المئة الْخَامِسَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمن المعافر عبد الْعَزِيز بن الربحي من حرازة قَرْيَة بالمعافر بِضَم الْحَاء وَفتح الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ ألف وَفتح الزَّاي ثمَّ هَاء سَاكِنة صحب أَبَا عمرَان الْمَذْكُور أَولا وتفقه بِهِ وَهُوَ أحد شُيُوخ الْقَاسِم أَخذ عَنهُ كتاب الْمُنْتَقى فِي سنة تسعين وثلثمئة وَقد انْقَضى ذكر من تحققته أَهلا للذّكر لم يبْق إِلَّا الطَّبَقَة الثَّالِثَة من أهل مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي فأبدأ بِالْإِمَامِ المشتهر الْبركَة وَهُوَ الَّذِي عَمت بركته واشتهرت رئاسته أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد بن عبد الله الجُمَحِي الْقرشِي ثمَّ السهفني وَالنِّسْبَة الأولى ظَاهِرَة وَأما الثَّانِيَة فنسبة إِلَى قَرْيَة السهفنة قبلي الْجند على ثلث مرحلة مِنْهَا بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء وَفتح الْفَاء وَالنُّون ثمَّ هَاء سَاكِنة وَفِي النَّاس من يحذف

стр. 171

الْهَاء الأولى وَهِي مولد الْفَقِيه الْمَذْكُور إِذْ خرج أَهله من مَكَّة لاخْتِلَاف وَقع بَين مُلُوكهمْ فسكنوا الْقرْيَة الْمَذْكُورَة أَخذ فِي بدايته عَن عبد الله بن عَليّ الزّرْقَانِيّ ثمَّ انْتقل إِلَى زبيد فَأخذ عَن ابْن المضرب وَعَاد الْجَبَل فَأخذ عَن ابْن ربحي صَاحب حرازة الْمُقدم ذكره وتدير قريته سهفنة وَهِي إِحْدَى قرى الْجبَال الْمَقْصُودَة لطلب الْعلم من عصر هَذَا الرجل إِلَى عصرنا لم تكد تَخْلُو عَن فَقِيه مدرس وطلبة مجتهدين حَتَّى استولى عَلَيْهَا بعض الصعبيين فصرف وَقفهَا فِي غير وَجهه فصرف الله عَنهُ الْبركَة وَلم يبْق بهَا فَقِيه من أَهلهَا وَلَا غَيرهم لاستيلاء من لَا نظر لَهُ على مَا وقف لمدرس ودرسة فَلَمَّا صَار الْقَاسِم يدرس اشْتهر ذكره وَعلا قدره وقصده طلبة الْعلم من جَمِيع أنحاء الْيمن قَالَ ابْن سَمُرَة قَصده الطّلبَة من صنعاء ونواحيها والجند ونواحيها وعدن وَأبين ولحج ونواحيها وَمن المعافر والسحول وأحاظة وَجَمَاعَة من نَاحيَة بَلَده من مخلاف جَعْفَر كوادي ظبا وشقب وبحرانه ونواحي هَذِه الْأَمَاكِن وَكَانَ هَذَا الْقَاسِم من عُلَمَاء الْيمن وعظمائهم انْتَشَر عَنهُ الْمَذْهَب انتشارا كَامِلا وطبق الأَرْض بالأصحاب لم يكن لأحد فِي الْمُتَقَدِّمين من أهل الْيمن أَصْحَاب كأصحابه كَثْرَة وفضلا من أعيانهم إِسْحَاق العشاري وَعبد الْملك بن أبي ميسرَة المعافريان وجعفر بن عبد الرَّحِيم من الظرافة وَعمر بن المصوع وَولده عبد الله وَأَبُو الْمَوْت من ذِي السفال وَأَيوب بن مُحَمَّد بن كديس من ظبأ وَإِبْرَاهِيم بن أبي عمرَان من الملحمة وأسعد بن خَلاد وَمُحَمّد بن سَالم الأشرقيان وَلما أَرَادَ ابْن سَمُرَة إِفْرَاد ذكره قَالَ يَنْبَغِي أَن أبدأ بطبقة الإِمَام الَّذِي أيد الله بِهِ

стр. 172

الْمُسلمين وعضد بِهِ الدّين الإِمَام الْعَارِف أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَحج الْقَاسِم سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلثمئة فرافقه فِي سَفَره ذَلِك أَحْمد بن عبد الله الصعبي جد قُضَاة سهفنة فلقي بهَا أحد المراوزة فَأخذ عَنهُ وَعَن الْحُسَيْن بن جَعْفَر المراغي ثمَّ سألاه الْقدوم مَعَهُمَا إِلَى الْيمن وبذلا لَهُ الْقيام بِمَا يَحْتَاجهُ فأجابهما إِلَى ذَلِك وأخذا عَنهُ مُخْتَصر الْمُزنِيّ وسننه وَسنَن الرّبيع وَثمّ تواليف ألفها الْحُسَيْن فِي علم الْكَلَام مِنْهَا كتاب سَمَّاهُ السَّبْعَة الأحرف وَغَيره وَكَانَت وَفَاته بالقرية الْمَذْكُورَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وأربعمئة وقبر بمقبرتها الشرقية تَحت أكمة حَمْرَاء هُنَالك وهنالك قُبُور كَثِيرَة بِحَيْثُ لَا يكَاد يعرف قَبره لتقادم الزَّمَان وَالْمَسْجِد الَّذِي على المخلف من سهفنة إِلَى غيلها وَيعرف مَسْجِد قَاسم نِسْبَة إِلَيْهِ هَكَذَا سَمِعت جمَاعَة من قدماء الْقرْيَة وَمِنْهَا أَحْمد بن عبد الله الصعبي رَفِيق الْقَاسِم فِي طَرِيق مَكَّة الْمُقدم ذكره توفّي تَقْرِيبًا على رَأس أربعمئة وَمن مخلاف جَعْفَر ثمَّ من المشيرق جمَاعَة مِنْهُم بعزلة القرانات بَنو ملامس أَوَّلهمْ أَبُو الْفَتْح يحيى بن عِيسَى بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن ملامس كَانَ من أَعْيَان الْعلمَاء وأكابر الْفُضَلَاء تفقه بِابْن سراقَة وبالمراغي الْمَذْكُورين أَولا ثمَّ حج وَأقَام بِمَكَّة أَربع سِنِين أَو نَحْوهَا شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ فِي إِقَامَته بذلك ذكر الْأَصْحَاب أَنه شرح مُفِيد وَهُوَ يُوجد بِالْيمن وَكَانَ ذَا مَال كثير تزوج فِي إِقَامَته بِمَكَّة سِتِّينَ امْرَأَة وَلما عزم ابْنه على الْحَج استأذنه فِي الْمُجَاورَة فَقَالَ لَهُ بِشَرْط أَنَّك مَتى أردْت النِّكَاح لَا تتَزَوَّج إِلَّا بكرا فإنني لَا آمن أَن تتَزَوَّج من كنت قد تَزَوَّجتهَا حكى ابْن سَمُرَة أَنه قَالَ رَأَيْت بِمَكَّة الشَّيْخ أَبَا حَامِد الإسفرائيني وَعَلِيهِ ثِيَاب

стр. 173

من ثِيَاب الْمُلُوك وَله مركب من مراكبهم وَالنَّاس تعظمه فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الطّواف إِذْ سمع قَارِئًا يقْرَأ ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا﴾ الْآيَة فَبكى عِنْد ذَلِك وَقَالَ اللَّهُمَّ أما الْعُلُوّ فقد أردناه وَأما الْفساد فَلم نرده قَالَ ثمَّ حضرت مَعَه مجْلِس مذاكرته فَألْقى عَليّ سِتِّينَ مَسْأَلَة فأجبته عَن الْجَمِيع غير مكترث وَلَا مخيب بقولين عَن وَجْهَيْن وَلَا بِوَجْهَيْنِ عَن قَوْلَيْنِ ثمَّ استأذنته بالإلقاء عَلَيْهِ فَأذن لي فَكَانَ كثيرا مَا يجيبني بِمَسْأَلَة الْقَوْلَيْنِ بِوَجْهَيْنِ وَتارَة بِالنَّصِّ وَتارَة بِالنّظرِ ثمَّ لما علم أَنِّي استقصرت حفظه قَالَ لي مَا أَنْت إِلَّا ذكي فطن فاهم تصلح لطلب الْعلم فَهَل لَك أَن تروح معي بَغْدَاد وأجعلك ملقى مدرستي وأعز أَصْحَابِي عِنْدِي فَلم أَزْد على شكره فِي تَحْسِين قَوْله إجلالا للْعلم وَأَهله واعتذرت بِأَنِّي لم أخرج عَن بلدي بِهَذِهِ النِّيَّة وَكَانَت وَفَاة هَذَا الرجل بِبَلَدِهِ الْمَذْكُور بعد عشْرين وأربعمئة تَقْرِيبًا وتوارث ذُريَّته الْعلم مُدَّة وَلم يكد يعلم مِنْهُم أحد فِي عصرنا سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة وَلَقَد بحثت عَن ذَلِك وَقت دخلت بَلَده سنة عشر وسبعمئة فَلم أجد وَلَا وجدت من يُحَقّق لي تربته لقدم الْعَهْد بِهِ وبذريته وكتبهم يُوجد الْبَعْض بأيدي ذُرِّيَّة الْهَيْثَم وَالْبَعْض مَعَ غَيرهم والمشيرق على زنة مفيعل تَصْغِير مشرق بالشين الْمُعْجَمَة والقرانات صقع مِنْهُ بِضَم الْقَاف وَفتح الرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ نون مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ تَاء مثناة من فَوق وَمن قَرْيَة السحي وَهِي أَيْضا من المشيرق بِفَتْح السِّين وخفض الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَمِنْهُم جمَاعَة أَوَّلهمْ أَبُو سعيد الْهَيْثَم بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن المشيع عبد الله بن ناكور الكلَاعِي ثمَّ الْحِمْيَرِي من ولد أحاظة والمشيع بِضَم

стр. 174

الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ عين مُهْملَة وناكور وزن فاعول مولده لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من الْمحرم سنة سبع وَسِتِّينَ وثلثمئة وتفقه بالمراغي وَكَانَ فَقِيها مَشْهُورا بِالْعلمِ وَله ذُرِّيَّة بورك بهَا مَا لم يُبَارك فِي غَيرهَا من ذَرَارِي الْفُقَهَاء لَا تكَاد تَخْلُو من فَقِيه يُفْتِي وحاكم يقْضِي ومدرس يقرىء وهم حكام بلدهم يتوارثون ذَلِك بَطنا بعد بطن وخلت الْقرْيَة الْمَذْكُورَة عَنْهُم من دهر طَوِيل لاخْتِلَاف عرب النَّاحِيَة فِيمَا بَينهم فانتقلوا إِلَى قَرْيَة تعرف بالحجفة ثمَّ سَار بَعضهم إِلَى مَوضِع آخر ابتنى فِيهِ مسكنا وَسَماهُ الجرينة فَالْأولى بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وَفتح الْفَاء ثمَّ هَاء سَاكِنة وَالْأُخْرَى بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح النُّون ثمَّ هَاء وَلم أَقف لَهُ على تَارِيخ وَفَاته وَمِمَّنْ ورد الْيمن وانتفع بِهِ فِيهَا وعد من أَهلهَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن جَعْفَر بن مُحَمَّد المراغي الَّذِي ذكرت أَولا أَنه قدم مَعَ الْقَاسِم بسؤال مِنْهُ إِلَى سهفنة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْأَصْحَاب وانتفعوا بِهِ وَحصل بَينه وَبَين ابْن سراقَة منافرة لكَلَام نقل بَينهمَا وَكَانَ متضلعا بالفقه والأصولين وَله كتاب فِي الْفِقْه سَمَّاهُ الْحُرُوف السَّبْعَة ضمنه الرَّد على الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من أهل الْبدع وَله كتاب فِي الْفِقْه سَمَّاهُ التَّكْلِيف وَآخر مُخْتَصر سَمَّاهُ مَا لم يسع الْمُكَلف جَهله من علم الصَّلَاة ومختصر آخر يتَضَمَّن المعتقد وجدته وعلقته فَوَجَدته مُوَافق لمعتقد السّنة إِلَّا مَسْأَلَة راجعت فِيهَا بعض الأكابر لَعَلَّهَا أدخلت عَلَيْهِ فقد فعل أهل الضلال وأعداء السّنة ذَلِك مَعَه وَمَعَ كثير من الْفُضَلَاء فِي مصنفاتهم كَمَا فعل الشَّيْطَان فِي شَيْء من الْوَحْي حِين نزلت

стр. 175

سُورَة ﴿النَّجْم إِذا هوى﴾ وَسكن آخر عمره بالوادي الْمَعْرُوف بوادي الْحَاجِب وَتُوفِّي بِإِحْدَى قريتين السُّرَّة أَو الفهنة وَكَانَ قد اشْترى بهَا أَرضًا كَثِيرَة وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا بل زَمَنه مَأْخُوذ من زمن الْقَاسِم وَابْن ملامس والهيثم فَإِنَّهُم تلاميذه فَاعْلَم ذَلِك وَمن تهَامَة ثمَّ من قَرْيَة المعقر وَهِي قَرْيَة على وَادي ذؤال أحدثها الْحُسَيْن بن سَلامَة كَمَا سَيَأْتِي ذكره وَهِي بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ثمَّ رَاء كَانَ فِيهَا جمَاعَة فُقَهَاء يعْرفُونَ بآل أبي الطلق ذكرهم عمَارَة فِي مفيده وَأثْنى عَلَيْهِم وَقَالَ هم بَيت علم وَصَلَاح وَرُوِيَ عَن رجل مِنْهُم اسْمه إِبْرَاهِيم وَقَالَ وَكَانَ وجودهم فِي آخر المئة الثَّالِثَة وَصدر الرَّابِعَة وَلم أتحقق مِنْهُم من يَنْبَغِي أَمر آخِره بل ذكر عمَارَة جمَاعَة مِمَّن ذكرته لاغير ثمَّ صَار الْعلم فِي طبقَة أُخْرَى وغالبها أَصْحَاب الْمَذْكُورين فِيمَن مضى فأعلاهم رُتْبَة وَأَكْثَرهم نشرا للْعلم أَصْحَاب الْقَاسِم مِنْهُم أَبُو عبد الله جَعْفَر بن عبد الرَّحِيم المحابي وَقيل جَعْفَر بن أَحْمد بن

стр. 176

مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم المحابي ثمَّ الكلَاعِي تفقه بالقاسم غَالِبا ثمَّ بِابْن ملامس وغالب شهرته بِالْأَخْذِ عَن الْقَاسِم وَكَانَ فَقِيها عَارِفًا محققا مبرهنا للنصوص نقالا لَهَا محققا مدققا مَسْكَنه قَرْيَة الظرافة قَرْيَة هِيَ شَرْقي الْقرْيَة الَّتِي تعرف بسهفنة الْمُقدم ذكرهَا وَهِي بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة الْقَائِمَة وَفتح الرَّاء ثمَّ ألف وَفتح الْفَاء ثمَّ هَاء وَكَانَ مَعَ سَعَة علمه عابدا مَشْهُورا بالصلاح وَالْعلم وَشدَّة الْوَرع مَذْكُور وَكَانَ كثير التَّرَدُّد من بَلَده إِلَى مَدِينَة الْجند رَغْبَة فِي زِيَارَة مَسْجِدهَا ومراجعة علمائها والجند يَوْمئِذٍ بأيدي الكرنديين مُلُوك يَأْتِي ذكرهم وَكَانَ النَّائِب لَهُم فِيهَا رجل فِيهِ خير وَعبادَة يصحب الْفُقَهَاء ويحبهم وَكَانَ لَهُ بالفقه عقيدة جَيِّدَة فَلم يزل يتلطف بالفقيه ويسأله أَن يسكن مَعَه فِي الْجند وَيحسن لَهُ ذَلِك بِالْقربِ للنَّاس بالفتوى والتدريس والجند إِذْ ذَاك أعمر مَدِينَة بالجبال وأكثرها أَهلا وَلم يكن للفقيه إِذْ ذَاك أهل وَلم يكن لَهُ إِذْ ذَاك نظر فِي الْعلم وَهُوَ رَأس الْفُقَهَاء حِينَئِذٍ إِلَيْهِ تَنْتَهِي الْفَتْوَى فَلَمَّا كثر من الْوَالِي مُلَازمَة الْفَقِيه أَجَابَهُ بِشَرْط أَن لَا يكلفه الحكم وَشرط أَن لَا يَدعُوهُ إِلَى منزله وَإِن دَعَاهُ لم يكلفه إِلَى أكل الطَّعَام فالتزم الْوَالِي ذَلِك فَنزل الْفَقِيه إِلَى الْجند وسكنها فَذكر أَنه حدث للوالي حَادث أوجب دَعْوَة النَّاس إِلَى منزله فاستدعاهم والفقيه فِي جُمْلَتهمْ فَلَمَّا صَارُوا على الطَّعَام والفقيه مُمْسك يَده نَاوَلَهُ الْوَالِي موزة أَو قَالَ اثْنَتَيْنِ وَقَالَ يَا سَيِّدي الْفَقِيه هَذَا موز أهداه إِلَيّ فلَان لرجل يعرف بِالْحلِّ وتطيب نفس الْفَقِيه بِأَكْل طَعَامه فاستحياه الْفَقِيه وَأخذ الْحبَّة فَجعل مَا أمكن فِي فِيهِ ثمَّ خرج مبادرا موحدا أَن ثمَّ عذرا يُوجب الْخُرُوج وَلما صَار فِي الدهليز أخرج الْحبَّة من بَاطِنه ثمَّ صَار إِلَى بَيته وَلم يزل مُقيما بالجند إِلَى أَن قدم الصليحي سنة أَربع أَو خمس وَخمسين وأربعمئة فَلَمَّا صَار بدار الْملك فِيهَا دخل فُقَهَاء الْجند للسلام عَلَيْهِ والفقيه من جُمْلَتهمْ وَكَانَ قد استخبر عَنْهُم استخبارا محققا وَعرف حَال الْفَقِيه وَعلمه وصلاحه وَأَنه رَأس الْفُقَهَاء وَبِه يقتدون وَإِلَيْهِ ينتهون فَلَمَّا صَار الْفُقَهَاء عِنْده بحث عَن الْفَقِيه فَلَمَّا تحقق أمره قَالَ يَا فَقِيه الْقَضَاء مُتَعَيّن عَلَيْك ونريد مِنْك أَن تقبل فَقَالَ الْفَقِيه لَا أصلح لَهُ وَلَا يصلح لي أَو كَمَا قَالَ فَأَعْرض عَنهُ مغضبا حَيْثُ لم يقبل مِنْهُ واشتغل

стр. 177

بِالْحَدِيثِ مَعَ بعض حاضري مَجْلِسه فبادر الْفَقِيه وَخرج مبادرا وَلم يعرج على شَيْء وَأخذ طَرِيق قريته مجدا فِي السّير ثمَّ إِن الصليحي سَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه خرج فَأمر بِطَلَبِهِ فَلم يُوجد فِي الْمَدِينَة فَأمر جمَاعَة يلحقونه إِلَى بَلَده وَأَن يقعوا بِهِ فَخرج جمَاعَة من السرعان فأدركوه على قرب الْقرْيَة وجدلوه بسيوفهم وضربوه بهَا فَلم تقطع بِهِ شَيْئا غير أه من شدَّة ألم الضَّرْب وتكرره وَقع على الأَرْض مغشيا عَلَيْهِ فبادروا الْعود لِئَلَّا يلحقهم أَو يراهم أحد وظنوا مَوته وَأخذُوا شَيْئا من ثِيَابه ليتوهم أَنهم حَرْب وَلما وصلوا إِلَى الصليحي أَخْبرُوهُ بِمَا فعلوا وَأَن سيوفهم لم تقطع بِهِ وَأَنَّهُمْ فارقوه مَيتا فَأَمرهمْ بكتم ذَلِك وَلم يزل الصليحي مُدَّة حَيَاته يعظم أمره ويحترمه وَيَقُول لَيْسَ فِي أهل السّنة مثله ويشفعه فِيمَن يشفع ويحترم أَصْحَابه ويعفي أراضهيم من الْخراج إحسانا وتألفا لباطن الْفَقِيه ولسائر الْفُقَهَاء وليظنوا بِهِ خيرا ثمَّ إِن بعض من حسب وجد الْفَقِيه مغشيا عَلَيْهِ فاصطاح بِالنَّاسِ فَأَسْرعُوا إجَابَته فوجدوا الْفَقِيه مغشيا عَلَيْهِ لما بِهِ فَحَمَلُوهُ إِلَى منزله ورشوه بِالْمَاءِ فأفاق فَسَأَلُوهُ عَن قَضيته فَقَالَ وَمَا هُوَ الْخَبَر فَقيل لَهُ إِنَّهُم ضربوك بسيوفهم فَلم تقطع فَمَا الَّذِي كنت تقْرَأ فَقَالَ كنت أَقرَأ سُورَة ياسين وَقيل إِن بعض من يخْتَص بالفقيه قَالَ لَهُ سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي كَيفَ لم تقطع سيوفهم بك وَلم تألم فَقَالَ جَاءُونِي وَقد أَحرمت بِالصَّلَاةِ فَلم أشعر بفعلهم وَمن الله عَليّ بالعافية والسلامة وَكَانَ لهَذَا الْفَقِيه مُصَنف يُسمى الْجَامِع وَهُوَ من الْكتب المعدودة من الْخلاف وَآخر يُسمى التَّقْرِيب وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا على رَأس سِتِّينَ وأربعمئة وَمِنْهُم أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق العشاري أسمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يُحَقّق عشرَة عُلُوم وَهُوَ مَعْدُود فِي أَصْحَاب الْقَاسِم أَيْضا وَقد مضى وَكَانَ يعرف بالمعافري إِذْ هِيَ بَلَده وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْفِقْه بهَا وَعنهُ أَخذ فقهاؤها

стр. 178

وَمِنْهُم أَبُو حَفْص عمر بن إِسْحَاق بن المصوع من قَرْيَة تعرف بِذِي السفال على مرحلة من قبلي الْجند وعَلى نصفهَا من قبلي سهفنة الْقرْيَة الْمَذْكُورَة أَولا وَهِي إِحْدَى الْقرى الْمَذْكُورَات بالفقه خرج مِنْهَا جمَاعَة شهروا بالفقه الْمُحَقق وَالصَّلَاح الْكَامِل يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم وضبطها بذال مُعْجمَة مخفوضة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ سين مُشَدّدَة مُهْملَة مَضْمُومَة قبلهَا ألف وَلَام ثمَّ فتح الْفَاء ثمَّ ألف وَلَام وَقد يحذف بَعضهم لفظ ذِي كَانَ هَذَا كَبِير الْقدر شهير الذّكر مَعْرُوفا بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَكَانَ ذَا دنيا متسعة أَمْلَاك أراض وَغَيرهَا وَذكروا أَن غَالب الصوافي الْقَدِيمَة بِذِي السفال لَهُ وَإِنَّمَا صَارَت صوافي لما قتل وَلَده أَخا الْمفضل وللفقيه هَذَا مُصَنف فِي فروع الْفِقْه سَمَّاهُ الْمَذْهَب بِضَم الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة نقل عَنهُ شَيْخي أَبُو الْحسن الأصبحي فِي تَصْحِيحه وَأخْبر الثِّقَة أَن الْفَقِيه الإِمَام أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل كَانَ قل أَن يَأْتِيهِ أحد من أهل الْجبَال إِلَّا وَسُئِلَ عَن الْكتاب ووجوده وَله مُصَنف آخر سَمَّاهُ الْجَامِع وَلما كَانَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وسبعمئة قدمت قريته وَأَنا إِذْ ذَاك أبالغ فِي الْبَحْث عَن أَخْبَار الْفُقَهَاء وأعلق مَا صَحَّ لي مِنْهَا وَلم يكن ابْن سَمُرَة ذكر لهَذَا تَارِيخا بداية وَلَا نِهَايَة فبحثت عَن ذَلِك فَقيل لي إِنَّه توفّي مُتَقَدما وَلَا يعرف لَهُ علم فَسَأَلت فَقِيه الْقرْيَة عَن قَبره لعَلي أتبارك بزيارته فَسَار بِي إِلَى مَوضِع شَبيه السدر وَقَالَ ذكر لنا المتقدمون من أهل الْبَلَد عَن أمثالهم أَن قَبره بِهَذَا الْمَكَان فقرأنا بَعْضنَا مَا يقرأه الزائرون ثمَّ جعلنَا ثَوَابه لَهُ ودعونا لأنفسنا وَلم يذكر ابْن سَمُرَة لَهُ وَلَا للفقيه جَعْفَر تَارِيخا بل ذكرت تَارِيخه من وجوده أَيَّام قدوم الصليحي الْجند وَهَذَا الْفَقِيه من أترابه

стр. 179

وَمِنْهُم أَبُو الْخَيْر أَيُّوب بن مُحَمَّد بن كديس بِضَم الْكَاف وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ سين مُهْملَة مَسْكَنه قَرْيَة ظباء وَهِي مَا بَين ذِي السفال وسهفنة القريتين المذكورتين أَولا وَهِي إِلَى ذِي سفال أقرب وَهِي من الْقرى المعدودات فِي بِلَاد الْجبَال بِكَثْرَة الْفُقَهَاء وَهِي بَاقِيَة إِلَى الْآن بهَا جمَاعَة يسكنونها غير فُقَهَاء وَبهَا جَامع يقْصد للتبرك يُقَال إِنَّه بني على زمن عمر بن الْخطاب وبأمره وَفِيه جب للْمَاء من ذَلِك الزَّمن من رَغْبَة أهل الْقرْيَة فِيهِ ومحبتهم لَهُ بنوا عَلَيْهِ وقضضوه وَهُوَ مَسْجِد معتدل بِهِ مِنْبَر لطيف أَيْضا دَخلته مرَارًا لغَرَض الزِّيَادَة والتبرك وَإِجْمَاع أهل النَّاحِيَة على بركته وَكَانَ هَذَا الْفَقِيه رجلا صَالحا مُبَارَكًا ذَا إِسْنَاد عَال وَله على من قَصده من الطّلبَة إفضال وتفقه بالقاسم وَقد ذكر وَكَانَ يقْرَأ الْعلم ويقري الطَّعَام وَلما حج أدْرك بِمَكَّة الْحَافِظ عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ فَأخذ عَنهُ كثيرا من مسموعاته وَذَلِكَ سنة سبع وأربعمئة وَكَانَ يُنَادي فِي الْمَوْسِم لَهُ من أَرَادَ الْوَرق وَالْوَرق الأول بِفَتْح الرَّاء وَالثَّانِي بخفضها وَالسَّمَاع العالي فَعَلَيهِ بِأَيُّوب بن مُحَمَّد بن كديس إِلَى قلعة ظباء من أَرض الْيمن وَلَعَلَّ الْفَقِيه كَانَ يسكن القلعة وَهِي بِقرب قَرْيَة ظباء بِضَم الظَّاء الْقَائِمَة الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَذَلِكَ أَنَّهُمَا بمَكَان وَاحِد ومحارثهما وَاحِدَة وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا على رَأس عشر وأربعمئة وَلم يُحَقّق ابْن سَمُرَة ذَلِك وَلَا غَيره وَمِنْهُم أَبُو الْمَوْت لم أتحقق من حَاله شَيْئا وَلَا تَسْمِيَته لِأَن ابْن سَمُرَة لم يسمه غير بِأبي الْمَوْت وَذكر أَنه لم يتَحَقَّق من نَعته شَيْئا وَذكر بعض من رَأَيْته قد علق شَيْئا من

стр. 180

أَحْوَاله أَنه كَانَ فَقِيها مُحدثا وَقد عددته فِي أَصْحَاب الْقَاسِم وَمِمَّا وجدته فِي شَيْء من كتب الْفُقَهَاء بني مقبل الْآتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله وَفِي نُسْخَة بلغ مِنْهَا مَا مِثَاله روى الشَّيْخ سَالم بن مهرام عَن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز عَن الْفَقِيه أبي الْمَوْت يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى يَسْتَوْفِي حُقُوقه على يَد من لَا يسْتَحق الِاسْتِيفَاء للحقوق عِنْد عدم الْأَئِمَّة قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْمَوْت وَدَلِيل صِحَة الْخَبَر أَن أهل الْمشرق لما تركُوا الصَّلَاة سلط الله عَلَيْهِم الْقَتْل فِيمَا بَينهم وَهُوَ حد تَارِك الصَّلَاة بِدَلِيل قَوْله ﷺ من ترك الصَّلَاة حل قَتله وَأَن أهل جبال تهَامَة واليمن لما تركُوا الزَّكَاة سلط الله عَلَيْهِم سلاطين الْجور يَأْخُذُونَ أَمْوَالهم وَذَلِكَ حد تَارِك الزَّكَاة لقَوْله ﷺ فِي من غل الزَّكَاة فَإنَّا نأخذها وشطرا من مَاله قَالَ الْفَقِيه فَإِن قيل إِنَّمَا يتْرك الصَّلَاة وَالزَّكَاة بعض النَّاس فَلم عَم الْعقَاب قيل للسَّائِل عَن ذَلِك قد سُئِلَ ﷺ عَنهُ فَقَالَ الرَّحْمَة تعم والسخط يعم أَلا ترى أَن عَاقِر النَّاقة وَاحِد والهالك بِذَنبِهِ أُمَم وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْفَقِيه عمر بن المصوع الْمُقدم الذّكر كَانَ فَقِيها فَاضلا تفقهه بِأَبِيهِ وَذكره ابْن سَمُرَة مَعَ أَبِيه وَكَانَ ذَا دنيا وَاسِعَة مَال ونشب وَكَانَ يواصل وَالِي التعكر لكَونه الْحَاكِم على بَلَده ذِي السفال وَهُوَ إِذْ ذَاك أَخُو الْمفضل بن أبي البركات الْمُسَمّى الْمَنْصُور وَكَانَت فِيهِ أَعنِي هَذَا الْفَقِيه بلاهة وسلامة صدر وَكَانَ الْوَالِي يأتمنه وَيَأْمُر البوابين لَا يمنعونه عَن الطُّلُوع مَتى شَاءَ وَلَا يحتجب عَنهُ لما اعْتقد فِيهِ من الْخَيْر فطوعت لَهُ نَفسه أَن يقتل الْوَالِي استبداد واستحلالا لكَونه على مَذْهَب الرَّفْض وَلم يشاور بذلك أحدا بل خيلت لَهُ نَفسه أَنه مَتى وجد المرتبون
следующие страницы →