← Тараджим

Тараджим · id 6668

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الجندي، بهاء الدين

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم المحابي ثمَّ الكلَاعِي تفقه بالقاسم غَالِبا ثمَّ بِابْن ملامس وغالب شهرته بِالْأَخْذِ عَن الْقَاسِم وَكَانَ فَقِيها عَارِفًا محققا مبرهنا للنصوص نقالا لَهَا محققا مدققا مَسْكَنه قَرْيَة الظرافة قَرْيَة هِيَ شَرْقي الْقرْيَة الَّتِي تعرف بسهفنة الْمُقدم ذكرهَا وَهِي بِضَم الظَّاء الْمُعْجَمَة الْقَائِمَة وَفتح الرَّاء ثمَّ ألف وَفتح الْفَاء ثمَّ هَاء وَكَانَ مَعَ سَعَة علمه عابدا مَشْهُورا بالصلاح وَالْعلم وَشدَّة الْوَرع مَذْكُور وَكَانَ كثير التَّرَدُّد من بَلَده إِلَى مَدِينَة الْجند رَغْبَة فِي زِيَارَة مَسْجِدهَا ومراجعة علمائها والجند يَوْمئِذٍ بأيدي الكرنديين مُلُوك يَأْتِي ذكرهم وَكَانَ النَّائِب لَهُم فِيهَا رجل فِيهِ خير وَعبادَة يصحب الْفُقَهَاء ويحبهم وَكَانَ لَهُ بالفقه عقيدة جَيِّدَة فَلم يزل يتلطف بالفقيه ويسأله أَن يسكن مَعَه فِي الْجند وَيحسن لَهُ ذَلِك بِالْقربِ للنَّاس بالفتوى والتدريس والجند إِذْ ذَاك أعمر مَدِينَة بالجبال وأكثرها أَهلا وَلم يكن للفقيه إِذْ ذَاك أهل وَلم يكن لَهُ إِذْ ذَاك نظر فِي الْعلم وَهُوَ رَأس الْفُقَهَاء حِينَئِذٍ إِلَيْهِ تَنْتَهِي الْفَتْوَى فَلَمَّا كثر من الْوَالِي مُلَازمَة الْفَقِيه أَجَابَهُ بِشَرْط أَن لَا يكلفه الحكم وَشرط أَن لَا يَدعُوهُ إِلَى منزله وَإِن دَعَاهُ لم يكلفه إِلَى أكل الطَّعَام فالتزم الْوَالِي ذَلِك فَنزل الْفَقِيه إِلَى الْجند وسكنها فَذكر أَنه حدث للوالي حَادث أوجب دَعْوَة النَّاس إِلَى منزله فاستدعاهم والفقيه فِي جُمْلَتهمْ فَلَمَّا صَارُوا على الطَّعَام والفقيه مُمْسك يَده نَاوَلَهُ الْوَالِي موزة أَو قَالَ اثْنَتَيْنِ وَقَالَ يَا سَيِّدي الْفَقِيه هَذَا موز أهداه إِلَيّ فلَان لرجل يعرف بِالْحلِّ وتطيب نفس الْفَقِيه بِأَكْل طَعَامه فاستحياه الْفَقِيه وَأخذ الْحبَّة فَجعل مَا أمكن فِي فِيهِ ثمَّ خرج مبادرا موحدا أَن ثمَّ عذرا يُوجب الْخُرُوج وَلما صَار فِي الدهليز أخرج الْحبَّة من بَاطِنه ثمَّ صَار إِلَى بَيته وَلم يزل مُقيما بالجند إِلَى أَن قدم الصليحي سنة أَربع أَو خمس وَخمسين وأربعمئة فَلَمَّا صَار بدار الْملك فِيهَا دخل فُقَهَاء الْجند للسلام عَلَيْهِ والفقيه من جُمْلَتهمْ وَكَانَ قد استخبر عَنْهُم استخبارا محققا وَعرف حَال الْفَقِيه وَعلمه وصلاحه وَأَنه رَأس الْفُقَهَاء وَبِه يقتدون وَإِلَيْهِ ينتهون فَلَمَّا صَار الْفُقَهَاء عِنْده بحث عَن الْفَقِيه فَلَمَّا تحقق أمره قَالَ يَا فَقِيه الْقَضَاء مُتَعَيّن عَلَيْك ونريد مِنْك أَن تقبل فَقَالَ الْفَقِيه لَا أصلح لَهُ وَلَا يصلح لي أَو كَمَا قَالَ فَأَعْرض عَنهُ مغضبا حَيْثُ لم يقبل مِنْهُ واشتغل

стр. 177

بِالْحَدِيثِ مَعَ بعض حاضري مَجْلِسه فبادر الْفَقِيه وَخرج مبادرا وَلم يعرج على شَيْء وَأخذ طَرِيق قريته مجدا فِي السّير ثمَّ إِن الصليحي سَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه خرج فَأمر بِطَلَبِهِ فَلم يُوجد فِي الْمَدِينَة فَأمر جمَاعَة يلحقونه إِلَى بَلَده وَأَن يقعوا بِهِ فَخرج جمَاعَة من السرعان فأدركوه على قرب الْقرْيَة وجدلوه بسيوفهم وضربوه بهَا فَلم تقطع بِهِ شَيْئا غير أه من شدَّة ألم الضَّرْب وتكرره وَقع على الأَرْض مغشيا عَلَيْهِ فبادروا الْعود لِئَلَّا يلحقهم أَو يراهم أحد وظنوا مَوته وَأخذُوا شَيْئا من ثِيَابه ليتوهم أَنهم حَرْب وَلما وصلوا إِلَى الصليحي أَخْبرُوهُ بِمَا فعلوا وَأَن سيوفهم لم تقطع بِهِ وَأَنَّهُمْ فارقوه مَيتا فَأَمرهمْ بكتم ذَلِك وَلم يزل الصليحي مُدَّة حَيَاته يعظم أمره ويحترمه وَيَقُول لَيْسَ فِي أهل السّنة مثله ويشفعه فِيمَن يشفع ويحترم أَصْحَابه ويعفي أراضهيم من الْخراج إحسانا وتألفا لباطن الْفَقِيه ولسائر الْفُقَهَاء وليظنوا بِهِ خيرا ثمَّ إِن بعض من حسب وجد الْفَقِيه مغشيا عَلَيْهِ فاصطاح بِالنَّاسِ فَأَسْرعُوا إجَابَته فوجدوا الْفَقِيه مغشيا عَلَيْهِ لما بِهِ فَحَمَلُوهُ إِلَى منزله ورشوه بِالْمَاءِ فأفاق فَسَأَلُوهُ عَن قَضيته فَقَالَ وَمَا هُوَ الْخَبَر فَقيل لَهُ إِنَّهُم ضربوك بسيوفهم فَلم تقطع فَمَا الَّذِي كنت تقْرَأ فَقَالَ كنت أَقرَأ سُورَة ياسين وَقيل إِن بعض من يخْتَص بالفقيه قَالَ لَهُ سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي كَيفَ لم تقطع سيوفهم بك وَلم تألم فَقَالَ جَاءُونِي وَقد أَحرمت بِالصَّلَاةِ فَلم أشعر بفعلهم وَمن الله عَليّ بالعافية والسلامة وَكَانَ لهَذَا الْفَقِيه مُصَنف يُسمى الْجَامِع وَهُوَ من الْكتب المعدودة من الْخلاف وَآخر يُسمى التَّقْرِيب وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا على رَأس سِتِّينَ وأربعمئة وَمِنْهُم أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق العشاري أسمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يُحَقّق عشرَة عُلُوم وَهُوَ مَعْدُود فِي أَصْحَاب الْقَاسِم أَيْضا وَقد مضى وَكَانَ يعرف بالمعافري إِذْ هِيَ بَلَده وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْفِقْه بهَا وَعنهُ أَخذ فقهاؤها

стр. 178

وَمِنْهُم أَبُو حَفْص عمر بن إِسْحَاق بن المصوع من قَرْيَة تعرف بِذِي السفال على مرحلة من قبلي الْجند وعَلى نصفهَا من قبلي سهفنة الْقرْيَة الْمَذْكُورَة أَولا وَهِي إِحْدَى الْقرى الْمَذْكُورَات بالفقه خرج مِنْهَا جمَاعَة شهروا بالفقه الْمُحَقق وَالصَّلَاح الْكَامِل يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم وضبطها بذال مُعْجمَة مخفوضة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ سين مُشَدّدَة مُهْملَة مَضْمُومَة قبلهَا ألف وَلَام ثمَّ فتح الْفَاء ثمَّ ألف وَلَام وَقد يحذف بَعضهم لفظ ذِي كَانَ هَذَا كَبِير الْقدر شهير الذّكر مَعْرُوفا بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَكَانَ ذَا دنيا متسعة أَمْلَاك أراض وَغَيرهَا وَذكروا أَن غَالب الصوافي الْقَدِيمَة بِذِي السفال لَهُ وَإِنَّمَا صَارَت صوافي لما قتل وَلَده أَخا الْمفضل وللفقيه هَذَا مُصَنف فِي فروع الْفِقْه سَمَّاهُ الْمَذْهَب بِضَم الْمِيم وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة نقل عَنهُ شَيْخي أَبُو الْحسن الأصبحي فِي تَصْحِيحه وَأخْبر الثِّقَة أَن الْفَقِيه الإِمَام أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل كَانَ قل أَن يَأْتِيهِ أحد من أهل الْجبَال إِلَّا وَسُئِلَ عَن الْكتاب ووجوده وَله مُصَنف آخر سَمَّاهُ الْجَامِع وَلما كَانَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وسبعمئة قدمت قريته وَأَنا إِذْ ذَاك أبالغ فِي الْبَحْث عَن أَخْبَار الْفُقَهَاء وأعلق مَا صَحَّ لي مِنْهَا وَلم يكن ابْن سَمُرَة ذكر لهَذَا تَارِيخا بداية وَلَا نِهَايَة فبحثت عَن ذَلِك فَقيل لي إِنَّه توفّي مُتَقَدما وَلَا يعرف لَهُ علم فَسَأَلت فَقِيه الْقرْيَة عَن قَبره لعَلي أتبارك بزيارته فَسَار بِي إِلَى مَوضِع شَبيه السدر وَقَالَ ذكر لنا المتقدمون من أهل الْبَلَد عَن أمثالهم أَن قَبره بِهَذَا الْمَكَان فقرأنا بَعْضنَا مَا يقرأه الزائرون ثمَّ جعلنَا ثَوَابه لَهُ ودعونا لأنفسنا وَلم يذكر ابْن سَمُرَة لَهُ وَلَا للفقيه جَعْفَر تَارِيخا بل ذكرت تَارِيخه من وجوده أَيَّام قدوم الصليحي الْجند وَهَذَا الْفَقِيه من أترابه

стр. 179

وَمِنْهُم أَبُو الْخَيْر أَيُّوب بن مُحَمَّد بن كديس بِضَم الْكَاف وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ سين مُهْملَة مَسْكَنه قَرْيَة ظباء وَهِي مَا بَين ذِي السفال وسهفنة القريتين المذكورتين أَولا وَهِي إِلَى ذِي سفال أقرب وَهِي من الْقرى المعدودات فِي بِلَاد الْجبَال بِكَثْرَة الْفُقَهَاء وَهِي بَاقِيَة إِلَى الْآن بهَا جمَاعَة يسكنونها غير فُقَهَاء وَبهَا جَامع يقْصد للتبرك يُقَال إِنَّه بني على زمن عمر بن الْخطاب وبأمره وَفِيه جب للْمَاء من ذَلِك الزَّمن من رَغْبَة أهل الْقرْيَة فِيهِ ومحبتهم لَهُ بنوا عَلَيْهِ وقضضوه وَهُوَ مَسْجِد معتدل بِهِ مِنْبَر لطيف أَيْضا دَخلته مرَارًا لغَرَض الزِّيَادَة والتبرك وَإِجْمَاع أهل النَّاحِيَة على بركته وَكَانَ هَذَا الْفَقِيه رجلا صَالحا مُبَارَكًا ذَا إِسْنَاد عَال وَله على من قَصده من الطّلبَة إفضال وتفقه بالقاسم وَقد ذكر وَكَانَ يقْرَأ الْعلم ويقري الطَّعَام وَلما حج أدْرك بِمَكَّة الْحَافِظ عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ فَأخذ عَنهُ كثيرا من مسموعاته وَذَلِكَ سنة سبع وأربعمئة وَكَانَ يُنَادي فِي الْمَوْسِم لَهُ من أَرَادَ الْوَرق وَالْوَرق الأول بِفَتْح الرَّاء وَالثَّانِي بخفضها وَالسَّمَاع العالي فَعَلَيهِ بِأَيُّوب بن مُحَمَّد بن كديس إِلَى قلعة ظباء من أَرض الْيمن وَلَعَلَّ الْفَقِيه كَانَ يسكن القلعة وَهِي بِقرب قَرْيَة ظباء بِضَم الظَّاء الْقَائِمَة الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَذَلِكَ أَنَّهُمَا بمَكَان وَاحِد ومحارثهما وَاحِدَة وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا على رَأس عشر وأربعمئة وَلم يُحَقّق ابْن سَمُرَة ذَلِك وَلَا غَيره وَمِنْهُم أَبُو الْمَوْت لم أتحقق من حَاله شَيْئا وَلَا تَسْمِيَته لِأَن ابْن سَمُرَة لم يسمه غير بِأبي الْمَوْت وَذكر أَنه لم يتَحَقَّق من نَعته شَيْئا وَذكر بعض من رَأَيْته قد علق شَيْئا من

стр. 180

أَحْوَاله أَنه كَانَ فَقِيها مُحدثا وَقد عددته فِي أَصْحَاب الْقَاسِم وَمِمَّا وجدته فِي شَيْء من كتب الْفُقَهَاء بني مقبل الْآتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله وَفِي نُسْخَة بلغ مِنْهَا مَا مِثَاله روى الشَّيْخ سَالم بن مهرام عَن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز عَن الْفَقِيه أبي الْمَوْت يرفعهُ إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى يَسْتَوْفِي حُقُوقه على يَد من لَا يسْتَحق الِاسْتِيفَاء للحقوق عِنْد عدم الْأَئِمَّة قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْمَوْت وَدَلِيل صِحَة الْخَبَر أَن أهل الْمشرق لما تركُوا الصَّلَاة سلط الله عَلَيْهِم الْقَتْل فِيمَا بَينهم وَهُوَ حد تَارِك الصَّلَاة بِدَلِيل قَوْله ﷺ من ترك الصَّلَاة حل قَتله وَأَن أهل جبال تهَامَة واليمن لما تركُوا الزَّكَاة سلط الله عَلَيْهِم سلاطين الْجور يَأْخُذُونَ أَمْوَالهم وَذَلِكَ حد تَارِك الزَّكَاة لقَوْله ﷺ فِي من غل الزَّكَاة فَإنَّا نأخذها وشطرا من مَاله قَالَ الْفَقِيه فَإِن قيل إِنَّمَا يتْرك الصَّلَاة وَالزَّكَاة بعض النَّاس فَلم عَم الْعقَاب قيل للسَّائِل عَن ذَلِك قد سُئِلَ ﷺ عَنهُ فَقَالَ الرَّحْمَة تعم والسخط يعم أَلا ترى أَن عَاقِر النَّاقة وَاحِد والهالك بِذَنبِهِ أُمَم وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْفَقِيه عمر بن المصوع الْمُقدم الذّكر كَانَ فَقِيها فَاضلا تفقهه بِأَبِيهِ وَذكره ابْن سَمُرَة مَعَ أَبِيه وَكَانَ ذَا دنيا وَاسِعَة مَال ونشب وَكَانَ يواصل وَالِي التعكر لكَونه الْحَاكِم على بَلَده ذِي السفال وَهُوَ إِذْ ذَاك أَخُو الْمفضل بن أبي البركات الْمُسَمّى الْمَنْصُور وَكَانَت فِيهِ أَعنِي هَذَا الْفَقِيه بلاهة وسلامة صدر وَكَانَ الْوَالِي يأتمنه وَيَأْمُر البوابين لَا يمنعونه عَن الطُّلُوع مَتى شَاءَ وَلَا يحتجب عَنهُ لما اعْتقد فِيهِ من الْخَيْر فطوعت لَهُ نَفسه أَن يقتل الْوَالِي استبداد واستحلالا لكَونه على مَذْهَب الرَّفْض وَلم يشاور بذلك أحدا بل خيلت لَهُ نَفسه أَنه مَتى وجد المرتبون

стр. 181

مِنْهُ المَال للجوامك أطاعوه على مَا يُرِيد فعامل سلاطا من عَادَته أَن يطلع الْحصن بالسليط ويبيعه على من فِيهِ أَن يطلع فِي بطاطه مَكَان السليط ذَهَبا وَفِضة مسكوكين فَلَمَّا صَار الْفَقِيه بالحصن والسلاط كَذَلِك خلى الْفَقِيه بالأمير فَقتله وَصَاح من طاق الدَّار بالسلاط يَأْكُل كَمَا يَأْكُل بانزعاج فارتاب أهل الْحصن من ذَلِك ودخلوا الدَّار فوجدوا الْأَمِير مقتولا فبادروا إِلَى قتل الْفَقِيه وإعلام المكرم بِمَا جرى فَجعل مَكَانَهُ أَخَاهُ الْمفضل فَغَضب أَمْوَال الْفَقِيه وبساتينه وَخرج بعض الْفُقَهَاء من ظباء ونخلان بِسَبَب تِلْكَ النّوبَة وَكَانَ ذَلِك تَقْرِيبًا على رَأس ثَمَانِينَ وأربعمئة وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه أبي عمرَان مُوسَى بن عمرَان الخداشي الْمُقدم ذكره وَأَنه أحد من نشر مَذْهَب الشَّافِعِي أول ظُهُوره وَسكن إبا والسحول ثمَّ تدير الملحمة وَهِي قَرْيَة بوادي السحول تَحت الْحصن الْمَعْرُوف بشواحط وضبطها بِفَتْح الْمِيم بعد ألف وَلَام وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْمِيم ثمَّ هَاء والشواحط بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْوَاو ثمَّ ألف وخفض الْحَاء ثمَّ طاء مهملتين وَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي وَله بهَا عقب وَلم يزل فيهم الْفُقَهَاء والأخيار غَالِبا يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم إِن شَاءَ الله وقدمت هَذِه الْقرْيَة سنة ثَلَاث عشرَة وسبعمئة لَا غَرَض لي إِلَّا زِيَارَة تربة هَذَا

стр. 182

الْفَقِيه وَمن قد بَلغنِي من أَهله فاجتمعت ببعضهم حِين صرت إِلَى الْقرْيَة وَسَأَلته أَن يريني شَيْئا من كتبهمْ لعَلي أجد فِيهَا شَيْئا من أخبارهم وآثارهم وَأَخْبرنِي أَن غالبها قد فَاتَ بالعارة والنهب وتقاسم الْوَرَثَة وَأَن الْبَاقِي يسير فَسَأَلته أَن يخرج إِلَيّ الْمَوْجُود فَأخْرج لي كتابا وجدت بِهِ ورقة قديمَة قد اضمحلت كتَابَتهَا وكادت تذْهب فتأملت ذَلِك وَإِذا بِهِ قد عد جمَاعَة من عُلَمَاء الْيمن الْمُتَكَلِّمين الْمُتَقَدِّمين وعد فيهم وأكد هَذَا عمرَان فَقَالَ فَقِيه من أَعلَى شُيُوخ الْيمن الَّذين ظهر عَنْهُم مَذْهَب الشَّافِعِي فِي ابْن عمرَان الْمعَافِرِي قَالَ وَعنهُ أَخذ ابْنه إِبْرَاهِيم قلت وَهَذَا مَحْمُول على أَن الشَّيْخ الْحَافِظ مُوسَى طَال عمره وَأدْركَ وَلَده إِبْرَاهِيم وتفقه بِهِ وبالقاسم الَّذِي حقق ابْن سَمُرَة أَنه من أَصْحَابه وَلما حج إِبْرَاهِيم سمع بِمَكَّة مُخْتَصر الْمُزنِيّ على أبي رَجَاء مُحَمَّد بن حَامِد الْبَغْدَادِيّ وَقد تفقه بإبراهيم هَذَا جمَاعَة مِنْهُم يَعْقُوب البعداني وأسعد بن الْهَيْثَم وَغَيرهمَا وَمِنْهُم أَبُو الْوَلِيد عبد الْملك بن مُحَمَّد بن أبي ميسرَة اليافعي سكن جبل الصلو وتفقه بالقاسم وَكَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث وثبتا فِي النَّقْل عَارِفًا بطرق الحَدِيث وَرُوَاته يعرف بالشيخ الْحَافِظ حج مَكَّة سنة إِحْدَى وَخمسين وأربعمئة فَأدْرك بهَا الشَّيْخ الْعَارِف سعد الريحباني وَأخذ عَنهُ وَعَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْمَالِكِي العكي ثمَّ عَاد الْيمن وَكَانَ قد دخل عدن فلقي بهَا أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البردي فَأخذ عَنهُ الرسَالَة الجديدة للْإِمَام الشَّافِعِي وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي سَمَاعنَا لَهَا وَذَلِكَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وأربعمئة وَكَانَ كثير الترحل إِلَى الْعلمَاء وَقد أَخذ عَن أَيُّوب بن مُحَمَّد بن كديس الظبائي أَيْضا كتاب الرَّقَائِق لعبد الله بن الْمُبَارك وَدخل عدن مرّة ثَانِيَة

стр. 183

سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وأربعمئة فَأخذ بهَا عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مَنْصُور بن أبي الزَّعْفَرَانِي وَكَانَ يكثر التَّرَدُّد مَا بَين بَلَده والجؤة والجند وعدن وَله بِكُل مَدِينَة أَصْحَاب وشيوخ وَكَانَ أَكثر مقَامه بِمَدِينَة الجؤة بِضَم الْجِيم وهمزة على الْوَاو ومفتوحة ثمَّ هَاء وَهِي فِيمَا مضى من المدن المعدودة بِكَثْرَة الْبناء والعالم وسكنى الْمُلُوك وَظُهُور جمَاعَة من الْفُضَلَاء بهَا وَبهَا جَامع بِهِ مأذنة وَهِي على مرحلة من الْجند من جِهَة الْيمن تَحت جبل الْحصن الْمَشْهُور فِي الْيمن بحصن الدملوة الَّذِي هُوَ بَيت ذخائر الْمُلُوك ومالهم مُنْذُ زمن مُتَقَدم وَهُوَ بِضَم الدَّال الْمُهْملَة بعد ألف وَلَام وَسُكُون الْمِيم وَضم اللَّام وَفتح الْوَاو وَقد يَجْعَل مَكَانهَا همزَة ثمَّ هَاء وَكَانَ مُعظم إِقَامَة هَذَا الْحَافِظ بِهَذِهِ الْمَدِينَة لكَونهَا على قرب من بَلَده وَأخذ عَنهُ بجامعها عدَّة كتب وقصده الطّلبَة إِلَيْهَا لِأَنَّهُ انْتقل من جبل الصلو إِلَى بلد تعرف بالحاظنة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ ألف وظاء مُعْجمَة مخفوضة وَنون مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء وَهِي صقع كَبِير يجمع قرى كَثِيرَة سكن الْفَقِيه الْمَذْكُور قَرْيَة مِنْهَا تعرف بالقرنين بقاف مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام ثمَّ رَاء سَاكِنة ثمَّ يَاء بَين نونين وَلم يزل الْفَقِيه بهَا حَتَّى توفّي وَبهَا قَبره وَكَانَ بعض مَشَايِخ بني البعداني من جبل بعدان كتب إِلَيْهِ يسْأَله أَن ينْتَقل إِلَيْهِ وبذل لَهُ الْإِكْرَام وَالْقِيَام بِحَالهِ أتم الْقيام فَلم يرغب فِي ذَلِك وجوب لَهُ جَوَابا من جملَته شعر مِنْهُ ... منزلي منزل رحيب أنيق ... فِيهِ لي من فواكه الصَّيف سوق ...

стр. 184

ثمَّ شكر تفضل الشَّيْخ وعد مَا كتب إِلَيْهِ بِهِ إحسانا وَاعْتذر عَن الِانْتِقَال وَسكن الحاظنة حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسبعين وأربعمئة ويزار قَبره من أنحاء شَتَّى ويتبرك بِهِ ويشم زَائِره رَائِحَة الْمسك وَأَخْبرنِي الثِّقَة أَنه يُوجد على قَبره كل لَيْلَة جُمُعَة طَائِر أَخْضَر وَمن ذِي أشرق وَهِي قَرْيَة كَبِيرَة بالوادي الْمَعْرُوف بنخلان على نصف مرحلة من الْجند تَقْرِيبًا وَهِي أَيْضا من الْقرى الْمُبَارَكَة من الْيمن خرج مِنْهَا جمع من الْعلمَاء وضبطها ذِي ذال مُعْجمَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ همزَة مَفْتُوحَة ثمَّ شين مُعْجمَة سَاكِنة وَرَاء مخفوضة ثمَّ قَاف أول من ذكره ابْن سَمُرَة من أَهلهَا أسعد بن خَلاد تفقه بالقاسم أَيْضا وَكَانَ فَقِيها محققا زاهدا ورعا وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا بل هُوَ من طبقَة أَصْحَاب الْقَاسِم وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَالم بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سَالم بن يزِيد الشّعبِيّ وَقد يُقَال اليزيدي نِسْبَة إِلَى جده الْمَذْكُور وأصل بلد أَهله جبل ذبحان أحد معاشير الدملوة انْتقل إِلَى هَذِه الْقرْيَة وتديرها وَلَهُم بهَا عقب إِلَى الْآن يعْرفُونَ ببني الإِمَام بَيت صَلَاح وَعلم ميلاده شهر صفر الْكَائِن فِي سنة خمس وَتِسْعين وثلثمئة أثنى ابْن سَمُرَة على جمَاعَة مِنْهُم وَأول من ذكر مِنْهُم هَذَا وَهُوَ جدهم وَأَظنهُ أول من ولي للْإِمَام بِذِي أشرق بالجامع مِنْهُم وَذريته على ذَلِك إِلَى الْآن سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة قَالَ ابْن سَمُرَة حِين ذكره وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن سَالم تفقه بالقاسم وَأخذ عَنهُ

стр. 185

أبي الْفتُوح بن ملامس سنَن التِّرْمِذِيّ وَذَلِكَ سنة عشْرين وأربعمئة بصفر الْكَائِن فِيهَا وَكَانَ رجلا خيرا زاهدا فَاضلا ورعا وَتُوفِّي بالقرية فِي رَمَضَان الْكَائِن فِي سنة سِتّ وَخمسين وأربعمئة وَمِنْهُم أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم السلالي ثمَّ الْكِنَانِي كَانَ من أتراب الْفَقِيه مُحَمَّد بن سَالم وأقرانه تفقه بِأبي الْفتُوح بن ملامس وأخيه أسعد صهر الْفَقِيه إِسْحَاق الصردفي زوج أُخْته وَابْنه عَليّ مِنْهَا وَيَأْتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِنْهُم أَبُو بكر بن الْفَقِيه أَحْمد الصعبي السهفني الْمُقدم ذكره أَنه رَفِيق الْقَاسِم فِي سفر مَكَّة وأنهما قدما بالمراغي تفقه هَذَا بِأَبِيهِ وَرُبمَا قيل إِنَّه أَخذ عَن الْقَاسِم وَقد انْقَضتْ طبقَة أَصْحَاب الْفَقِيه الْقَاسِم وَمن ناظرهم ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة أُخْرَى مَعَ جمَاعَة وَمِنْهُم أَبُو سعيد بن خير بن الْفَقِيه يحيى بن ملامس مقدم الذّكر خير بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ رَاء تفقه بِأَبِيهِ الْمُقدم ذكره وَحج مَكَّة فَوجدَ بهَا جمعا من الْعلمَاء مِنْهُم الْحَافِظ أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ وَأَبُو بكر بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الشهرزوري أحد شرَّاح الْمُخْتَصر وَأخذ عَن أبي ذَر البُخَارِيّ وَعلم الشهرزوري شَيْئا من الْفِقْه وَسنَن أبي دَاوُود وَلَقي أَيْضا أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَزَّاز الْمَكِّيّ وَأخذ عَنهُ الشَّرِيعَة للآجري وَرجع بَلَده فَأخذ عَنهُ جمَاعَة بهَا جمع كَبِير مِنْهُم أسعد بن زيد بن الْحسن ثمَّ أسعد بن الْهَيْثَم وَأَوْلَاده زيد وَعَمْرو الْآتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ وبلد أَبِيه عزلة القرانات من مشيرق أحاظة سنة ثَمَانِينَ وأربعمئة وَمِنْهُم أَبُو الغارات عَليّ بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس التباعي ثمَّ الْحِمْيَرِي مَسْكَنه

стр. 186

علقان قَرْيَة قد تقدم ذكرهَا خرج مِنْهَا جمَاعَة من أَعْيَان الْفُضَلَاء متقدمين ومتأخرين وَكَانَ رَفِيق الْفَقِيه فِي الْأَخْذ للشريعة عَن الْبَزَّار بِمَكَّة يَرْوِيهَا عَن مصنفها مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْآجُرِيّ وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن الْفَقِيه أبي الْخَيْر أَيُّوب بن مُحَمَّد بن كديس مقدم الذّكر وَحج فَأدْرك الشهرزوري بِمَكَّة وَأخذ عَنهُ إِسْمَاعِيل بن المبلول الْآتِي ذكره غَرِيب أبي عبيد وَغَيره وَمِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن الإِمَام جَعْفَر بن عبد الرَّحِيم المحابي الْمُقدم ذكره وَكَانَ فَقِيها جليل الْقدر شهير الذّكر محققا مدققا مستخرجا للنكت الغامضة والمعاني الرائقة إِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْعلم بِالْيمن بتفقهه بِأَبِيهِ وَكَانَ يُقَال إِنَّه حَاز رُتْبَة الْقَاسِم شيخ أَبِيه فِي سَعَة الْعلم وصفاء الذِّهْن وسعة نشره وَعنهُ أَخذ زيد اليفاعي فِي بدايته وَزيد بن الْحسن وَجمع كثير لَا يكَاد الْحصْر يدركهم وَكَانَ ذَاكِرًا لكتب الْمَذْهَب نَاقِلا لَهَا يحفظ الْمَجْمُوع تصنيف أَبِيه ومجموع الْمحَامِلِي وَكَانَت لَهُ فِي كل سنة رحْلَة إِلَى زبيد يناظر بهَا الْحَنَفِيَّة ورأسهم يَوْمئِذٍ القَاضِي مُحَمَّد بن أبي عَوْف وَيُقَال ابْن عون أحد مصنفيهم وَله كتاب القَاضِي الْمَشْهُور عِنْدهم وَكَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر يقطعهُ مرَارًا ويستظهر عَلَيْهِ بِقُوَّة حفظه وسعة نَقله قَالَ ابْن سَمُرَة سَمِعت القَاضِي طَاهِر بن يحيى العمراني يخبر عَن أَبِيه يحيى بن أبي الْخَيْر يَقُول سَمِعت جمَاعَة من شيوخي يثنون على هَذَا الْفَقِيه وَيَقُولُونَ كَانَ حَافِظًا عَالما مستنبطا للْأَحْكَام

стр. 187

قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَ حَافِظًا رَئِيسا فِي الدّين وَالدُّنْيَا يصحب الْمُلُوك وَيقبل جوائزهم كجياش بن نجاح صَاحب زبيد الْآتِي ذكره فِي الْمُلُوك وَالْحُسَيْن بن الْمُغيرَة التبعي وَأحمد بن عبد الله الكرندي وَكَانَ الْمُلُوك المذكورون أهل سنة ومجانبة لما عَلَيْهِ الصليحيون وَغَيرهم من الْبِدْعَة وَكَانَ تدريسه وغالب سكناهُ فِي الْجند وتدريسه بجامعها الْمُبَارك وَكَانَ مَتى وَصله طَالب سَأَلَهُ عَن حَسبه وَنسبه فَإِن وجده ذَا أصل لَائِق أقرأه وَأمره بِالِاجْتِهَادِ وَإِن لم يكن ذَا أصل صرفه عَن الطّلب وَلم يقرئه وَكَانَت حلقته تجمع نَحْو خمسين أَو سِتِّينَ طَالبا لهَذَا السَّبَب وَكَانَ الْفَقِيه زيد يقرىء كل وَاصل حَتَّى كثر أَصْحَابه على مَا سَيَأْتِي بَيَانه وَكَانَت وَفَاته سنة خمسمئة وَمِنْهُم أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد الزّرْقَانِيّ ثمَّ الصردفي نِسْبَة إِلَى الْقرْيَة الْمَذْكُورَة عِنْد ذكرالفقيه عبد الله بن عَليّ الزّرْقَانِيّ فِي الطَّبَقَة الْمُتَقَدّمَة من أهل مَذْهَب الشَّافِعِي وَقد تقدم ضَبطهَا ومسافتها من الْجند وَأَصله من المعافر ثمَّ سكن الصردف وَكَانَ لَهُ بهَا وبقرية حكرمد بخفض الْحَاء وَالْكَاف ثمَّ رَاء سَاكِنة وخفض الْمِيم ثمَّ دَال مُهْملَة وَهِي بَين الصردف وحصن الظفر ثمَّ هِيَ من أَعماله أَيْضا وَله بهَا طين يزرعه تفقه بِجَعْفَر بن عبد الرَّحِيم وبإسحاق العشاري مقدمي الذّكر وَكَانَ فَقِيها فَاضلا محققا ذَا فنون غلب عَلَيْهِ مِنْهَا علم الْمَوَارِيث والحساب وَكتابه الَّذِي وَضعه فِيهَا يدل على سَعَة علمه ودقة فهمه وجودة تبريزه فِي ذَلِك وَفِي الدّور والوصايا والمساحة وَغير ذَلِك ومذ وجد كِتَابه لم يتفقه أحد من أهل الْيمن فِي شَيْء من الْفُنُون الْمَذْكُورَة إِلَّا مِنْهُ واعترف لمصنفه بِالْفَضْلِ كل عَارِف وَكَانَ أهل الْيمن قبل وجوده يتفقهون بالفنون الْمَذْكُورَة من كتب شَتَّى مِنْهَا كتاب أبي بَقِيَّة مُحَمَّد بن أَحْمد الفرضي وَلم يكن من أهل الْيمن فِيمَا ظَنَنْت كتابا سواهُ وبكتاب كِفَايَة الْمُبْتَدِي لِابْنِ سراقَة وبمصنفات لِابْنِ اللبان مقدم الذّكر وَقد ذكر جمَاعَة من الثِّقَات أَنه كَانَ يُقيم فِي سير كثيرا من الْأَيَّام وبجامعها

стр. 188

وَيُقَال صنف كِتَابه الْكَافِي الَّذِي هُوَ كاسمه الْكَافِي وللقلوب من الْإِشْكَال شافي فِي الْجَامِع الْمَذْكُور وَمِنْه مسَائِل قد استبهمت على كثير من الْمُتَأَخِّرين شرحها من جملَة الْكتاب شَيخنَا الْفَقِيه صَالح بن عمر الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله فجزاهم الله عَن الْإِسْلَام خيرا وَكَانَ لَهُ أُخْت وابنتان فَتزوّجت الْأُخْت أسعد بن عبد الله السلالي الْمَذْكُور مَعَ أَخِيه أَحْمد فِيمَا مضى وأولدت لَهُ ابْنه عليا فَهَذَا الْفَقِيه خَاله وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك وَأما ابنتاه فاسم إِحْدَاهمَا ملكة وَهِي الَّتِي تزَوجهَا الإِمَام زيد بن عبد الله اليفاعي الْآتِي ذكره وَتزَوج الْأُخْرَى إِمَام جَامع الْجند حسان بن مُحَمَّد بن زيد بن عمر وَولده عبد الله وَسَيَأْتِي ذكره وَصَارَ إِلَيْهِ شَيْء من كتب جده قَالَ ابْن سَمُرَة جرى للفقيه هَذَا ثَلَاث خِصَال مِنْهَا أَنه ضرب بميل حَدِيد فِي الْهِنْدِيّ حَتَّى أفناه وَمعنى أفناه أَنه لم يبْق من مَا يحسن الْوَاحِد يمسِكهُ بِهِ ليضْرب بِهِ وَمِنْهَا أَنه سقط فِي بِئْر جَامع الْجند الْمُسَمَّاة زَمْزَم وَهِي بِئْر قديمَة يبعد إِدْرَاك غورها فبودر بإلقاء الْحَبل إِلَيْهِ ليطلع عَلَيْهِ وَكَانَ سابحا مجيدا فَتعلق بالحبل وَنزع فَلَمَّا صَار بِرَأْس الْبِئْر انْقَطع بِهِ الْحَبل فَعَاد ثَانِيَة ثمَّ أدلي لَهُ ثَانِيًا فَنزع وَلما صَار بِرَأْس الْبِئْر انْقَطع أَيْضا وَعَاد الْبِئْر ثَالِثا ثمَّ أدلي الْحَبل ثَالِثا وأطلع وَمِنْهَا أَنه كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ شخص من الْجِنّ فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْده فِي حَلقَة الْقِرَاءَة إِذْ مر بهم صائد الأحناش فَقَالَ الجني للفقيه يَا سَيِّدي أُرِيد أتصور لهَذَا حنشا فَإِن هُوَ أمسكني فَلَا تَدعه يذهب بِي بل افتدني مِنْهُ فَنَهَاهُ الْفَقِيه فَلم ينْتَه ثمَّ تصور حنشا فَدَعَا أحد الطّلبَة المحنش وَأرَاهُ إِيَّاه وَقد صَار حنشا عَظِيما ملتصقا بخشبة فِي السّقف فحين رَآهُ أعجبه وَفتح ربعته وتلا مَا يعْتَاد تِلَاوَته من العزائم وَإِذا بالحنش قد انخرط إِلَى الربعة فبادر المحنش إِلَى إطباقها وَأَرَادَ الْخُرُوج فلازمه الْفَقِيه وَمن حضر وَقَالُوا هَذَا جَار للفقيه مُنْذُ زمن مُتَقَدم وَإِنَّمَا

стр. 189

دعَاك ليختبر صدقك فتمنع فبذل لَهُ الْفَقِيه بعض شَيْء وَأجَاب بعد مداراة طَوِيلَة فَأَطْلقهُ فَغَاب عَن الْفَقِيه نَحْو خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ وصل إِلَى الْفَقِيه وَبِه ضعف ظَاهر وببدنه مَوَاضِع قد صَارَت كأحراق النَّار فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك وحاله فَقَالَ لما دخل المحنش وتلا مَا تَلا وَترك الربعة قبالي رَأَيْت الْبَيْت كَأَنَّهُ امْتَلَأَ نَارا وَلَيْسَ لي خلاص غير الْوُقُوع فِي الربعة فألقيت نَفسِي إِلَيْهَا على كره وَهَذِه الأحراق من تِلْكَ النَّار وَلما أطلقني ورحت أَقمت مَرِيضا مُنْذُ ذَلِك إِلَى الْآن لم أكد أخرج فَقَالَ الْفَقِيه قد كنت نهيتك فَلم تمتثل قَالَ ابْن سَمُرَة أَخْبرنِي الشَّيْخ عِيسَى بن عَامر العودري عَن أَبِيه وَكَانَ مِمَّن أدْرك الشَّيْخ بالصردف قَالَ خرج الشَّيْخ يَوْمًا إِلَى بعض مزارعه وَأمر الشَّرِيك بهَا أَن يجهش لَهُ شَيْئا فَبَيْنَمَا هُوَ يجمع الْحَطب إِذْ قبض عَلَيْهِ حَنش عَظِيم بفقار ظَهره ثمَّ اجتذبه إِلَى سرب فِي ضاحة هُنَالك والفقيه ينظر وَهُوَ يَقُول يَا فَقِيه يَا فَقِيه أَوْلَادِي وَلم يقدر الْفَقِيه لَهُ على فرج ثمَّ إِن السرب ضَاقَ عَن جثته فاقتسمه نِصْفَيْنِ وَمِنْهَا قَالَ ابْن سَمُرَة أَيْضا أَخْبرنِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن مَنْصُور بن الْحُسَيْن العمراني بمصنعة سير أَن هَذَا الشَّيْخ إِسْحَاق خرج من سير إِلَى الصردف فلاقى لصوصا قد سرقوا ثورا وهم سائرون فَسَار مَعَهم وَلم يدر بقضيتهم فأحسوا بِالطَّلَبِ بعدهمْ فَقَالُوا للفقيه يَسُوق لَهُم وَاعْتَلُّوا بِبَعْض الْأُمُور فساق لَهُم وَتَفَرَّقُوا فَلحقه سرعَان النَّاس فَأخذُوا الثور وبطشوا بالفقيه لأَنهم جهلوه فَلَمَّا لحق الْعُقَلَاء منعُوا السُّفَهَاء عَن التَّعَرُّض إِلَيْهِ وسألوه الْخَبَر فَأخْبرهُم فَعَلمُوا صدقه فَأخذُوا الثور وتركوه بعد أَن اعتذروا عَمَّا فعل السُّفَهَاء مَعَه فَيكون مَجْمُوع مَا حصل عَلَيْهِ من الغرائب خمْسا وَكَانَت وَفَاته بالقرية الَّتِي ينْسب إِلَيْهَا على رَأس خمسمئة وقبره مَشْهُور هُنَالك يَأْتِيهِ قصاد الزِّيَادَة وَقد زرته وَهُوَ على بعد من الصردف تَحت شَجَرَة قرض وَقد دخلت الْقرْيَة مُنْذُ زمن طَوِيل وَهِي

стр. 190

على ذَلِك إِلَى عصرنا خَالِيَة من السكن وَقد صَار الْعلم إِلَى طبقَة أُخْرَى فِي جمَاعَة بنواح شَتَّى مِنْهُم أهل ذِي أشرق مِنْهُم عبد الله بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن سَالم مقدم الذّكر مولده رَجَب من سنة ثَلَاث وَعشْرين وأربعمئة تفقه بِأَبِيهِ وَكَانَ زاهدا ورعا وَغلب عَلَيْهِ علم الحَدِيث توفّي بِبَلَدِهِ يَوْم الْخَمِيس بربيع الأول من سنة سبع وَتِسْعين وأربعمئة وَمِنْهُم إِسْمَاعِيل بن الْحسن الفائشي المبلول كَانَ فَقِيها عَارِفًا محققا وَهُوَ أحد أَشْيَاخ زيد بن الْحسن الفائشي وَمِنْهُم الأديبان الفاضلان الْحسن بن أبي عباد وَابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي عباد إمامي النَّحْو فِي بِلَاد الْيمن فِي عصرهما وإليهما كَانَ أهل النَّحْو يرتحلون من الأنحاء وَكَانَا فاضلين صالحين ومختصرهما يدل عَلَيْهِمَا وعَلى فضلهما مَعَ زِيَادَة بركَة كَبِيرَة فِي مُخْتَصر الْحسن وَذَلِكَ أَن غَالب فُقَهَاء الْيمن وأنحائها كل مِنْهُم لَا يستفتح الِاشْتِغَال بصناعة النَّحْو إِلَّا بِهِ فيجد لَهُ بركَة مَعَ تساهل أَلْفَاظه واقتراب عباراته وَذكروا أَن سَبَب بركته أَنه أَلفه فِي الْحرم تجاه الْكَعْبَة وَكَانَ كلما فرغ بَابا مِنْهُ طَاف أسبوعا ودعا لقارئه وَكَانَ الْحسن إِذا تكلم بَين الْعَامَّة لَا يتَكَلَّف الْإِعْرَاب حَتَّى كَأَن من يعرف إِذا سَمعه على البديهة يَقُول مَا عرف هَذَا شَيْئا من النَّحْو وعاتبه بعض أَصْحَابه فِي ذَلِك فَأَجَابَهُ شعرًا ... لعمرك مَا اللّحن من شيمتي ... وَلَا أَنا من خطأ أَلحن ولكنني قد عرفت لُغَات ... الرِّجَال أخاطب كلا بِمَا يحسن ... وَلابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم مصنفات غير الْمُخْتَصر مِنْهَا تلقين المتعلم وَهُوَ كتاب مُفِيد ومختصر ذكر أَنه اخْتَصَرَهُ من كتاب سِيبَوَيْهٍ وَكَانَ وجودهما فِي آخر المئة الرَّابِعَة وَفِي أول الْخَامِسَة غَالِبا وَقد أَخذ الْفَقِيه عمر بن إِسْمَاعِيل عَن الْحسن مُخْتَصره وَسَيَأْتِي ذَلِك إِن شَاءَ الله

стр. 191

وَمن الْجند جمَاعَة مِنْهُم يحيى بن عبد الْعَلِيم بن أبي بكر الْأَعْمَى أَصله من قَرْيَة بخدير الْأَعْلَى تعرف بحجرة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْجِيم وَالرَّاء ثمَّ هَاء وَهِي من الْقرى الْمُبَارَكَة خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْفُضَلَاء وَله بهَا قرَابَة يعْرفُونَ ببني الْأَعْمَى وَآل أبي ذرة وَضبط خدير بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وخفض الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ رَاء وَأما يحيى هَذَا فَكَانَ فَقِيها أثنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة وَسَماهُ الشَّيْخ الزَّاهِد وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن ابْن أبي ميسرَة مَعَ أَخِيه أبي الْفرج بِمَدِينَة الْجند أَخذ عَنهُ سنَن أبي قُرَّة بتاريخ سِتّ وَسبعين وأربعمئة وزميله فِي الْقِرَاءَة أَيْضا وَسَمَاع الرسَالَة الجديدة القَاضِي مُحَمَّد اليافعي وَالِد أبي بكر الْآتِي ذكرهمَا وَذَلِكَ بِجمع كثير من الْفُقَهَاء وَكَانَ يحيى إِمَامًا بِجَامِع الْجند وَولي بعض أمره من قبل الْمفضل وَولده عمر بن يحيى كَانَ فَاضلا وأزوج ابْنَته من القَاضِي مُحَمَّد اليافعي وَولده أَبُو بكر مِنْهَا قَالَ ابْن سَمُرَة وَلَا أعرف لَهُ تَارِيخا وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم اليافعي أَخذ عَن ابْن أبي ميسرَة وَغَيره ولي قَضَاء الجؤة والجند وَقبل الْمفضل بن أبي البركات وَكَانَ معدودا من أَصْحَاب أبي بكر بن جَعْفَر أَيَّام أوقع الْمفضل بَينه وَبَين الْفَقِيه زيد مَا أوقع وَقد ذكرته وَمِنْهُم مَالك بن حري الجندي وَولده إِبْرَاهِيم حضر سَماع سنَن أبي قُرَّة على ابْن أبي ميسرَة بِمَسْجِد الْجند سنة سِتّ وَتِسْعين وأربعمئة ونسخته للْكتاب صَارَت إِلَيّ وَعَلَيْهَا سَماع جمع من الْفُقَهَاء نفع الله بهم ومكتوب على النُّسْخَة بِخَطِّهِ مَا مِثَاله وَقفه مَالِكه ابْن حري الجندي على الْمُسلمين وَهُوَ الَّذِي ذكرت أَنه صَار إِلَيّ وَلم أجد لَهُ وَلَا لمُحَمد بن عبد الله تَارِيخا وَمن المشيرق أَبُو عَليّ أسعد بن الْفَقِيه خير بن الإِمَام يحيى بن ملامس مقدمي

стр. 192

الذّكر تفقه بِأَبِيهِ وَهُوَ أحد أَشْيَاخ الْحَافِظ العرشاني الْآتِي ذكره رَأَيْت بِخَطِّهِ يَقُول أَخْبرنِي أسعد بن خير يَعْنِي هَذَا من أصل كِتَابه فِي منزله بالقرانات من مشيرق أحاظه بجمادى الْآخِرَة سنة سِتّ عشرَة وخمسمئة وَقد أَخذ عَن أسعد هَذَا جمع كثير من نواحي شَتَّى وَكَانَت وَفَاته بمنزله الْمَذْكُور سنة سبع عشرَة وَقيل ثَمَانِي عشرَة وخمسمئة وَمِنْهُم أسعد بن الْفَقِيه الْهَيْثَم مقدم الذّكر ولد أسعد يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس خلون من صفر سنة ثَلَاث وأربعمئة تفقه بإبراهيم بن أبي عمرَان وَأخذ عَن خير بن يحيى هُوَ وولداه زيد وَعَمْرو كتاب البُخَارِيّ وجدت ذَلِك بِخَطِّهِ إجَازَة لَهُم وَصُورَة مَا وجدت بِهِ بِجُزْء من البُخَارِيّ مَا مِثَاله سمع عَليّ هَذَا الْجُزْء من صَحِيح البُخَارِيّ الشَّيْخ الْفَقِيه أسعد بن الْهَيْثَم وولداه زيد وَعَمْرو وَكَانَ هَذَا أسعد أحد شُيُوخ زيد الفائشي وَتُوفِّي بقرية السحي حَيْثُ كَانَ مَسْكَنه ومسكن أَبِيه بتاريخ الثُّلَاثَاء بعد الْعَصْر لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من الْقعدَة سنة ثَمَانِي وَتِسْعين وأربعمئة وَمِنْهُم ابْنه عَمْرو ومولده شهر الْحجَّة أحد شهور سنة ثَلَاث وَخمسين وأربعمئة تفقه بِأَبِيهِ وَقد تقدم مَعَه عَن خير بن يحيى وَهُوَ أحد فُقَهَاء الحجفة والجرينة إِذْ قد مضى ذكر سَبَب مصيرهما إِلَى هَاتين القريتين وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه زيد وَهُوَ الَّذِي ذكرت أَنه سمع مَعَ أَبِيه وأخيه على الْفَقِيه خير بن ملامس وبحثت هَل لَهُ عقب أم لَا فَقيل لَا عقب لَهُ وَكَانَت وَفَاة الْفَقِيه عَمْرو يَوْم الثُّلَاثَاء بعد الظّهْر لسبع خلون من رَجَب أحد شهور سنة سبع وَعشْرين وخمسمئة وَمن جبل بعدان وَهُوَ أحد جبال الْيمن المعدودة ذَات الْمزَارِع والأنهار والعيون وَهُوَ على تَثْنِيَة بعد الَّذِي هُوَ ظرف مَكَان خرج مِنْهُ جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم يَعْقُوب بن أَحْمد تفقه بإبراهيم بن أبي عمرَان أثنى عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ابْن سَمُرَة ثَنَاء مرضيا فَقَالَ كَانَ إِبْرَاهِيم وتلميذه يَعْقُوب من أفاضل النَّاس وأخيار فقهائهم زهدا وعلما وَعَملا وَكَانَ غَالب تفقههم إِذْ ذَاك بمختصر الْمُزنِيّ وَشَرحه لِابْنِ ملامس مقدم الذّكر وبالإيضاح لأبي عَليّ الطَّبَرِيّ وَكَانَ يَعْقُوب هَذَا أحد أَشْيَاخ زيد الفائشي

стр. 193

وَمِنْهُم عبد الله مُوسَى الآجلي تفقه بِبَعْض بني ملامس وَلم أتحقق لَهُ وَلَا لمن ذكر قبله تَارِيخا إِذْ لم يذكر ابْن سَمُرَة ذَلِك وَلَا لَهما ذُرِّيَّة تعرف فأسألهم كَمَا فعلت فِي الْغَيْر وَمن وَادي السحول ثمَّ من الملحمة أَحْمد بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن أبي عمرَان تفقه بِأَبِيهِ وَمِنْهُم عبد الله بن يزِيد اللعفي نسبا الْحرَازِي بَلَدا وجده الَّذِي نسب إِلَيْهِ رجل من حراز المستحرزة اسْمه لعف بِضَم اللَّام وَسُكُون الْمُهْملَة ثمَّ فَاء وحراز بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ زَاي صقع كَبِير من بِلَاد الْيمن خرج مِنْهُ جمع من الْأَعْيَان كَانَ عبد الله هَذَا كَامِل الْفضل بالفقه والقراءات وَالْأُصُول وجودة الْخط لَهُ تصانيف فِي أصُول الدّين على مُعْتَقد السّلف وتصانيف فِي علم الْقرَاءَات وَكَانَت بِهِ دعابة حُكيَ أَنه دخل يَوْمًا مَسْجِد ابْن عراف بِذِي جبلة فَوجدَ بِهِ جمَاعَة من سلاطين الْعَرَب وَكَانَ قد أرسل إِلَى الْمفضل يسْأَله أَن يَأْذَن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَلَمَّا دخل على الْقَوْم الْمَسْجِد سلم عَلَيْهِم فَردُّوا عَلَيْهِ لَا كَمَا يَنْبَغِي بل على طَرِيق الاحتقار فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعد إِذْ جَاءَهُ الرَّسُول يستدعيه إِلَى الْمفضل فَتَطلع عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ وَقَالَ لَهُ أحد السلاطين أَنْت فَقِيه فَقَالَ مجَاز فَقَالَ وَكَيف ذَلِك قَالَ كَمَا أَن السلاطين حَقِيقَة ومجاز الْحَقِيقَة كالمفضل بن أبي البركان وأسعد بن وَائِل وَالْمجَاز مثلكُمْ فاستحوا مِنْهُ وَكَانَت وَفَاته بعد خمسمئة بِيَسِير

стр. 194

وَمن زبيد ثمَّ من فُقَهَاء بني عقامة أول من شهر مِنْهُم بعد جدهم القادم الْمَذْكُور أَولا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد بن أبي عقامة بن الْحسن بن مُحَمَّد بن هَارُون الْوَاصِل بِالْقضَاءِ من بَغْدَاد صُحْبَة ابْن زِيَاد كَمَا قدمنَا قَالَ ابْن سَمُرَة وَأهل هَذَا الْبَيْت يَعْنِي بني أبي عقامة أول من قدم وجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يَعْنِي فِي افْتِتَاح الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وعنهم ظَهرت تصانيف مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَانَ الْحسن الْمَذْكُور إِمَامًا فِي أَنْوَاع الْعلم شهير الذّكر بذلك وَإِلَيْهِ تنْسب الْخطب العقامية وَله شعر فائق وَترسل رائق وَله كتاب نَوَادِر مَذْهَب أبي حنيفَة الَّتِي يستشنعها أَصْحَاب الشَّافِعِي وَغَيرهم صَار كَمَا ذكرنَا درة شنع بهَا وَقَالَ مَا يلائم التشنيع وَقد صَار الْكتاب فِي الْيمن قَلِيل الْوُجُود لِأَن الْحَنَفِيَّة اجتهدت بتحصيله وإذهابه كَمَا فعل بَنو عقامة بمفيد جياش لِأَنَّهُ ثلم نسبهم وللحسن مُصَنف سَمَّاهُ جَوَاهِر الْأَخْبَار وَله مُخْتَصر فِي علم الْفَرَائِض والحساب وَآخر سَمَّاهُ الملطف فِي علم المساحة وقصيدته النونية تدل على اتساع علومه وعلو همته أوردتها اسْتِدْلَالا على فَضله وتحقيقا لصدقه وَهِي ... إِذا لم تسد فِي ليَالِي الشَّبَاب ... فَلَا سدت مَا عِشْت من بعدهنه وَهل جلّ عمرك إِلَّا الشَّبَاب ... فَخذ مِنْهُ حظا وَلَا تهدرنه ...

стр. 195

.. إِذا مَا تحطم صدر الْقَنَاة ... فَلَا ترجون من الزج طعنه فَلَا وَأبي مَا أضعت الشَّبَاب ... فخرمته تَحت ظلّ الأكنه وَلَكِن سعيت لكسب الْعُلُوم ... كسعي أبي قبل فِي كسبهنه فَأَبِنْ إِلَيّ نوافرهن ... كأوب الطُّيُور إِلَى وكرهنه فَرَحَّبَ جناني حوالهن ... وَغرب لساني ذليق بهنه إِذا مَا أجل فِي ميادينهن ... أجل يسرة ثمَّ شاما ويمنه تحلى حداي سعاة الرِّجَال ... وَيقصر عَمَّن وَرَاء الأعنه وَعَن فنن الْمجد ذوت الرِّجَال ... فاخلو وخيمت فِي كل فنه فسل بِي إِذا الْقرن إِمَّا سَأَلت ... تقل سَائِر الْقَوْم لم ير قرنه كَلَام إِذا أَنا أصدرته ... فكالمخذم العضب فَارق جفْنه يسير مَعَ الشهب أَنى يسير ... وَقد ودت الشهب أَن لَو يكنه فَلَو رام سحبان دَعَا غَيره ... مقَالا لألجمت فَاه بلكنه فَهَل قد رَأَيْتُمْ فَتى قطّ مثلي ... لعشرين فَنًّا تفرغ ذهنه وَمَا التيه شأني ولكنني ... أحدثكُم عَن إلهي بمنه فقد قَالَ لي اشكروا وَلَا تكفرن ... وَحدث بصنعي وَلَا تكتمنه وَقَالَ الرَّسُول أَنا ابْن الذبيحين ... وَخير الْبَريَّة هَديا وسنه ... وَمن شعره مَا ورد جَوَابا على المعري وَذَلِكَ حِين بلغه قَوْله ... وَلما رَأينَا آدما وفعاله ... وتزويجه ابنيه ببنتيه فِي الدنا علمنَا بِأَن النَّاس من أصل زنية ... وَأَن جَمِيع النَّاس من عنصر الزِّنَا ... فَأَجَابَهُ ... لعمرك أما القَوْل فِيك فصادق ... وَتكذب فِي البَاقِينَ من شط أَو دنا كَذَلِك إِقْرَار الْفَتى لَازم لَهُ ... وَفِي غَيره لَغْو بذا جَاءَ شرعنا ...

стр. 196

وامتحن بِقَضَاء الْقُضَاة فِي أَيَّام الصليحيين ثمَّ مَعَ آل نجاح فَكَانَ أسعد بن شهَاب الْآتِي ذكره نَائِب الصليحي بتهامة يشكره ويثني عَلَيْهِ وَيَقُول أَقَامَ الْحسن عني أُمُور الشَّرِيعَة قيَاما يُؤمن عَيبه ويحمد غيبه فَإِذا كَانَ هَذَا ثَنَاء الضِّدّ المشاقق المعاند فِي الطَّرِيق وَالْمذهب فَكيف من سواهُ وَفِي مثل ذَلِك يَقُول الشَّاعِر ... وفضائل شهِدت بِهِ أعداؤه ... وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء ... وَأثْنى عَلَيْهِ عمَارَة فِي مفيده وَإِن لم يُدْرِكهُ فقد أدْرك من حقق لَهُ مَا ذكر عَنهُ فِي مفيده وَمن شعره مَا أوردهُ ابْن العمك الْآتِي ذكره فِي طبقَة متأخري زَمَاننَا من أهل سِهَام فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْكَامِل فِي الْعرُوض وَصِيغَة الشّعْر فِي بَاب شرح محَاسِن اللَّفْظ قَالَ وَمن ذَلِك قَول الْحسن بن أبي عقامة ... نَحن الَّذين متينة أوصالنا ... فِي الدّين لَا قطع الردى أوصالنا هَذَا الَّذِي أوصى بِهِ جد لنا ... لمحا بمجد جدوده أوصى لنا ... فِي الْبَيْت الأول موضعان هما أوصالنا يَنْبَغِي أَن يعرف كَونهمَا اسْمَيْنِ لَا يكتبان إِلَّا بِالْألف وَفِي الثَّانِي أوصى مرَّتَيْنِ وهما فعلان يكتبان بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة من تَحت وَكَانَ الْحسن يمِيل إِلَى الْحَبَشَة وَيرى أَنهم أولى بِالْملكِ من الصليحيين لسَبَب تبَاين الْمَذْهَب وَكَانَ أحد الْأَسْبَاب لعود الْملك إِلَى جياش بن نجاح فَكَانَ عِنْده مُعظما مبجلا يلقبه بمؤتمن الدّين فَعرض لجياش خطْبَة امْرَأَة من الفرسانيين أهل موزع فندبه لخطبتها فَتقدم إِلَى أَهلهَا وأعلمهم بالرسالة لَهُ فَأَجَابَهُ بعض وَتَأَخر عَنهُ بعض ثمَّ إِن بَعضهم سَأَلَهُ عَن جَوَاز ذَلِك وَقد بَينه وَبينهمْ ألفة عَظِيمَة من حَيْثُ إِنَّهُم يرجعُونَ فِي النّسَب إِلَى تغلب وَهُوَ كَذَلِك فَقَالَ إِذا لم ترض الْمَرْأَة والأولياء جَمِيعًا لم يَصح

стр. 197

النِّكَاح فأصروا على الِامْتِنَاع ووثقوا بمشورته ثمَّ لما عَاد إِلَى جياش أخبرهُ بتمنعهم فَلم يزل جياش يستدرجهم ويرغبهم بِالْمَالِ حَتَّى أجابوا وأزوجوه فَلَمَّا زفت إِلَيْهِ الْمَرْأَة وَصَارَت مَعَه سَأَلَهَا عَن سَبَب التمنع فَأَخْبَرته بمقالة القَاضِي لَهُم فَحمل عَلَيْهِ فِي بَاطِنه حَتَّى أَنه قَتله ظلما وعدوانا وَذَلِكَ لبضع وَثَمَانِينَ وأربعمئة وَكَانَ ذَلِك تَصْدِيقًا لقَوْله ﷺ من أعَان ظَالِما أغري بِهِ وَلَقَد أحسن ابْن القم فِي قَوْله يُخَاطب جياشا ... أَخْطَأت يَا جياش فِي قتل الْحسن ... فقأت وَالله بِهِ عين الزَّمن وَلم يكن منطويا على دخن ... مبرأ من الفسوق والدرن كَانَ جزاه حِين ولاك الْيمن ... قتلكه وَدَفنه بِلَا كفن ولاك فِي السِّرّ مِنْهُ والعلن ... ملقبا لَهُ بالمؤتمن ... وَكَانَ جياش قد اتّصف بِالْعَدْلِ حِين صحب الْحسن وَعمل بقوله واقتدى بِفِعْلِهِ فَلَمَّا قَتله أنكر النَّاس مِنْهُ ذَلِك ونسبوه إِلَى الظُّلم وحذروا مِنْهُ كَابْن القم والوزير خلف وَغَيرهمَا وَصَارَ ابْن القم يكاتبه وينقم عَلَيْهِ بِمَا فعله بالْحسنِ وَمن ذَلِك ... تَفِر إِذا جر المكرم رمحه ... وتشجع فِي من لَيْسَ يحلي وَلَا يمري ... وَلم يزل بنوا أبي عقامة ينقمون على ابْن القم فِي هَذَا الْبَيْت وَيَقُولُونَ قتل صاحبنا أَهْون علينا من قَوْله لَا يحلي وَلَا يمري هَكَذَا ذكره عمَارَة وَمُرَاد ابْن القم أَن الْحسن كَانَ غير مُسْتَحقّ للْقَتْل لِأَن الْمُلُوك لَا تفتخر إِلَّا بقتل الأضداد والأنداد أما الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء فَغير لَائِق قَتلهمْ مَعَ الِاسْتِحْقَاق فَكيف بِعَدَمِهِ فَمَعْنَاه يَا جياش أَنْت عِنْدَمَا تسمع بمجئ المكرم تفزع وتفر وَإِنَّمَا تظهر شجاعتك فِيمَن لَا يقاتلك وَلَا يُقَاتل سواك وَلَا يضر وَلَا ينفع فِيمَا أَنْت بصدده عَن قيام الْملك ثمَّ إِن فِي أَيَّام جياش تعطل الحكم عَنْهُم وَلم يكد يُقيم جياش غير مُدَّة يسيرَة صنف فِي أَثْنَائِهَا مفيده وقدح فِي آل أبي عقامة وبالغوا لذَلِك فِي إعدامه وَلم يسمعوا مِنْهُ بنسخة إِلَّا اشتروها وأعدموها فَلذَلِك قل وجوده

стр. 198

ثمَّ قَامَ بعد الْحسن برياسة الْقَضَاء أَبُو الْفتُوح وَسَيَأْتِي ذكره لَكِن جرت الْعَادة غَالِبا أَن مَتى عرض ذكر لأحد من الْأَعْيَان تثبت من حَاله مَا لَاق وَقد عرض مَعَ ذكر الْحسن ذكر المعري ثمَّ ذكر ابْن القم فَأَما المعري فَهُوَ أَبُو الْعَلَاء أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان التنوخي نسبا ثمَّ المعري بَلَدا والتنوخي نِسْبَة إِلَى تنوخ قَبيلَة من الْعَرَب بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو ثمَّ خاء مُعْجمَة قَالَ ابْن خلكان وَهُوَ اسْم لعدة قبائل اجْتَمعُوا قَدِيما فِي الْبَحْرين وتحالفوا على التناصر وَأَقَامُوا هُنَالك فسموا تنوخا من التنوخ وَهُوَ الْإِقَامَة وهم من نَصَارَى الْعَرَب الْمَذْكُورين فِي كتب الْفِقْه مَعَ بهرا وتغلب وَأما المعري فنسبة إِلَى المعرة بلد صَغِيرَة فِي الشَّام على قرب من بلد حماة وشيرز فسكنها المعري فنسب إِلَيْهَا هَكَذَا كَلَام ابْن خلكان وميلاده يَوْم الْجُمُعَة عِنْد مغيب الشَّمْس لثلاث بَقينَ من ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمئة بالمعرة كَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة متضلعا فِي فنون شَتَّى وَله كتاب لُزُوم مَا لَا يلْزم وَهُوَ كتاب كَبِير يَقع فِي خَمْسَة أَجزَاء وَله سقط الزند ديوَان شَرحه أَيْضا وَسَماهُ ضوء السقط قَالَ ابْن خلكان وَبَلغنِي أَن لَهُ كتابا سَمَّاهُ الأيك والغصون يُقَارب المئة جُزْء قَالَ وَكَانَ عَلامَة عصره عَنهُ أَخذ جمَاعَة مِنْهُم الْخَطِيب التبريزي وَأَبُو الْحسن عَليّ بن همام وَأَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحُسَيْن التنوخي وَكَانَ أعمى وَسبب عماه من الجدري

стр. 199

وَهُوَ فِي الرَّابِعَة من سني عمره غشي عينه الْيُمْنَى بَيَاض وَذَهَبت الْيُسْرَى جملَة وَدخل بَغْدَاد مرَّتَيْنِ مرّة فِي سنة ثَمَانِي وَسِتِّينَ وثلثمئة وَالْأُخْرَى فِي سنة تسع وَتِسْعين أَقَامَ فِي هَذَا الدُّخُول سنة وَسَبْعَة أشهر ثمَّ رَجَعَ المعرة فَلَزِمَ منزله وسمى نَفسه رهين المحبسين للُزُوم منزله وَذَهَاب بَصَره وَغلب عَلَيْهِ مُعْتَقد الْحُكَمَاء فَأَقَامَ خمْسا وَأَرْبَعين سنة لَا يَأْكُل اللَّحْم يُرِيد أَن لَا يَأْتِي أكله إِلَّا بِالذبْحِ وَهُوَ تَعْذِيب وَغير جَائِز التعذيب وَلَا الإيلام مُطلقًا فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات وَعمل الشّعْر وَهُوَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة قَالَ ابْن خلكان من شعره فِي اللُّزُوم ... لَا تَطْلُبن بِغَيْر حَظّ رُتْبَة ... قلم البليغ بِغَيْر حَظّ مغزل سكن السما كَانَ السَّمَاء كِلَاهُمَا ... هَذَا لَهُ رمح وَهَذَا أعزل ... وَقد تقدم الذّكر أَنه كَانَ على مُعْتَقد الْأَطِبَّاء حُكيَ أَن الْوَزير أَبَا نصر أَحْمد بن يُوسُف دخل المعرة وَاجْتمعَ بِهِ فَشَكا إِلَيْهِ حَاله وَأَنه مُنْقَطع عَن النَّاس وهم لَا يَدعُونَهُ من أذاهم اتهمهم أَنهم يكفرونه فَقَالَ لَهُ الْوَزير مَا لَهُم وَلَك وَقد تركت لَهُم الدُّنْيَا والاخرة فَقَالَ أَبُو الْعَلَاء وَالْآخِرَة أَيْضا وَالْآخِرَة وَجعل يكررها ويتألم إِن كثيرا من الْعلمَاء يَعْتَقِدُونَ مروقه عَن الدّين وَمَوته على ذَلِك وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه تَابَ قبل الْمَوْت ثمَّ قابلوا ذَلِك بَين قَائِل لصِحَّته وَقَائِل إِنَّه لم يكن إِلَّا خشيَة نفور النَّاس عَن قبرانه وشهود جنَازَته فَالله تَعَالَى يعصمنا من الْخَطَأ ويوفقنا لاستعطاء الْعَطاء وَاسْتدلَّ قَائِل ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُ فِي مرض مَوته ثمَّ أوصى أَن يكْتب على قَبره مَا يُحَقّق

стр. 200

أَن مَوته كَانَ على المعتقد الْمَذْكُور وَقت إحساسه بِالْمَوْتِ وَهُوَ بَيت شعر ... هَذَا جناه أبي عَليّ ... وَمَا جنيت على أحد ... قَالَ ابْن خلكان وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معتقده فَإِن الْحُكَمَاء يَعْتَقِدُونَ ان الْوَلَد جِنَايَة الْوَالِد فَإِنَّهُ سَبَب وجوده وَخُرُوجه إِلَى هَذَا الْعَالم الَّذِي هُوَ بِهِ متعرض الْحَوَادِث والآفات وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين وأربعمئة بالمعرة ورثاه تِلْمِيذه أَبُو الْحسن عَليّ بن همام بقوله إِشَارَة فِيهِ إِلَى مَا حكيناه عَنهُ ... إِن كنت لم ترق الدِّمَاء زهادة ... فَلَقَد أرقت الْيَوْم من جفني دَمًا سيرت ذكرك فِي الْبِلَاد كَأَنَّهُ ... مسك فسامعه تضمخ أَو فَمَا وَأرى الحجيج إِذا أردوا لَيْلَة ... ذكراك أخرج فديَة من أحرما ... وَأما ابْن القم الشَّاعِر الَّذِي كَانَ يُعَاتب جياشا فَهُوَ أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن مَيْمُون بن القم كَانَ أَبوهُ صَاحب ديوَان الْخراج بتهامة وَيَأْتِي من ذكره مَا لَاق مَعَ ذكر الْمُلُوك إِن شَاءَ الله وأعيان دولتهم وَأما هَذَا حُسَيْن فمعدود من فضلاء الْيمن ورؤساء شعرائها وَكَانَ من المكثرين وَالشعرَاء المفلقين وَكَانَت لَهُ حظوة ومنزلة عِنْد الْمُلُوك لفضله وشعره بِحَيْثُ يقدمانه على مَا سواهُمَا فِي الْيمن خَاصَّة وَرُبمَا قيل فِي الشَّام وَلما فزع من جياش نفر مِنْهُ إِلَى الدَّاعِي سبأ بن أَحْمد الصليحي وَأقَام مَعَه بحصن أشيح فَكَانَ مبجلا أثنى عَلَيْهِ الْفَقِيه عمَارَة ثَنَاء بليغا وَقَالَ ضرب على خطّ ابْن مقلة فحكاه وَكَانَ شَاعِرًا مترسلا وَلَو لم يكن لَهُ من الترسل إِلَّا الرسَالَة الْمَشْهُورَة الَّتِي كتبهَا إِلَى الدَّاعِي سبأ الْآتِي ذكره فِي الْمُلُوك والدعاة

стр. 201

قَالَ عمَارَة كَانَ يكْتب عَن الْحرَّة الملكة السيدة إِلَى الديار المصرية والأقطار النازحة وَكَانَ من علو الهمة وسمو الْقدر فِيمَا يلْبسهُ ويمتطيه على غَايَة منفية وَجُمْلَة شريفة طريفة وَأسْندَ الْفَقِيه عمَارَة إِلَى بعض من حضر مَجْلِسا لَهُ مَعَ الدَّاعِي سبأ بن أَحْمد وَقد أَرَادَ الْقيام بَين يَدَيْهِ بِشعر فَمَنعه وَرمى لَهُ بمخدة وَأَقْعَدَهُ إِكْرَاما لَهُ وَرَفعه عَن الْحَاضِرين وَكَانُوا أعيانا ثمَّ لم يقتنع سبأ بذلك حَتَّى قَالَ لَهُ أَنْت يَا أَبَا عبد الله عندنَا كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب المتنبي ... وفؤادي من الْمُلُوك وَإِن كَانَ ... لساني يرى من الشُّعَرَاء ... فَأَنْشد حِينَئِذٍ قَوْله ... وَلما مدحت الهبزري ابْن أَحْمد ... أَجَاد فكافاني على الْمَدْح بالمدح فعوضني شعرًا بشعري وَزَادَنِي ... نوالا فَهَذَا رَأس مَالِي وَذَا ربحي شققت إِلَيْهِ النَّاس حَتَّى رَأَيْته ... فَكنت كمن شقّ الظلام إِلَى الصُّبْح ... وَهَذَا من شعره فِي مدح الدَّاعِي سبأ وَمن محَاسِن شعره قَوْله فِي الرسَالَة إِلَيْهِ ... يُقيم الرِّجَال الموسرون بأرضهم ... وَيَرْمِي النَّوَى بالمقترين المراميا وَمَا تركُوا أوطانهم عَن ملالة ... وَلَكِن حذارا من شمات الأعاديا ... وَله الشّعْر الْفَائِق والنثر الرَّائِق مِنْهُ مَا مدح بِهِ السُّلْطَان سبأ بن أَحْمد ... أَبَا حمير إِن الْمَعَالِي رخيصة ... وَلَو بذلت فِيهَا النُّفُوس الكرائم وجدت مطارا يَا ابْن أَحْمد وَاسِعًا ... إِلَى غَرَض لَو ساعدتني القوادم وَمَا أَنا إِلَّا السهْم لَو كَانَ رائش ... وَمَا أَنا إِلَّا النصل لَو كَانَ قَائِم فَلَا تحتقر جفنا يبيت مسهدا ... ليدرك مَا يهوى وجفنك نَائِم فَلَا عَار إِن جَار الزَّمَان وَأَهله ... إِذا لم تخنى همتي والعزائم أَبى الْقلب إِلَّا حبكم وولاءكم ... وَإِن أنفت فِيهِ الأنوف الرواغم تَأمل فكم مَال وهبت ونائل ... بذلت فَلم تثقل عَلَيْك المغارم ... وَمن شعره مَا كتبه على كأس فضَّة

стр. 202

.. إِن فضلي على الزجاجة أَنِّي ... لَا أذيع الْأَسْرَار وَهِي تذيع ذهب سَائل حواه لجين ... جامد إِن ذَا لشَيْء بديع ... قَالَ الْفَقِيه عمَارَة حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو السُّعُود بن عَليّ الْحَنَفِيّ قَالَ حَدثنِي ابْن أبي الصَّباح أَنه لما دخل الْعرَاق وَحضر مجْلِس الْوَزير يَوْمئِذٍ وَعِنْده جمَاعَة يتذاكرون الشّعْر فَقَالَ لي هَل تحفظ شَيْئا لأحد من أهل الْيمن فَأَنْشَدته قَول ابْن القم من قصيدته ... اللَّيْل يعلم أَنِّي لست أرقده ... فَلَا يغرنك من قلبِي تجلده فَإِن دمعي كصوب المزن أنشره ... وَإِن وجدي كحر النَّار أبرده لي فِي هوادجكم قلب أضن بِهِ ... فسلموه وَإِلَّا قُمْت أنْشدهُ وَبَان للنَّاس مَا قد كنت أكتمه ... من الْهوى وبدا مَا كنت أجحده ... وَكَانَ الْوَزير مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا واستعادها مرَارًا ثمَّ بَعَثَنِي فِي الْمَوْسِم إِلَى مَكَّة فاشتريت لَهُ الدِّيوَان فَلَمَّا جِئْته بِهِ كَانَ من أقوى الذرائع إِلَى صحبته والانقطاع إِلَى جملَته ومناقب ابْن القم فِي الْفضل والأنفة على أَهله فِي النّسَب والصنعة كَثِيرَة وَكفى شَاهدا على ذَلِك مَا خَاطب بِهِ جياش حِين قتل القَاضِي الْحسن وَقد تقدم أَنه قَامَ برئاسة الْبَيْت بعد الْحسن ابْن عَمه القَاضِي الْأَجَل أَبُو الْفتُوح وَهُوَ ابْن أخي الْحسن وَله الذُّرِّيَّة الْكَثِيرَة الَّتِي تُوجد بقيتها بزبيد قَالَ عمَارَة كَانَ أَبُو الْفتُوح أوحد عصره وَإِمَام مصره قَامَ بِالْعلمِ قيَاما كليا وصنف فِيهِ كتبا جليلة فِي الْفِقْه خَاصَّة وَمذهب الشَّافِعِي لم يتفقه أحد من أهل زبيد وَمن حولهَا فِي مَذْهَب الشَّافِعِي بعد وجودهَا إِلَّا مِنْهَا وَمِنْهَا كتاب التَّحْقِيق عَنهُ نقل صَاحب الْبَيَان عدَّة مسَائِل وَكفى لَهُ شَاهدا بِجَوَاز الْأَخْذ عَنهُ نقل صَاحب الْبَيَان إِلَى مُصَنفه الَّذِي انْتفع بِهِ كل إِنْسَان وَله مُخْتَصر فِي أَحْكَام الْجِنَايَات وَكَانَ تفقهه بِالْإِمَامِ أبي الْغَنَائِم عَن الشَّيْخ أبي حَامِد الْمُقدم الذّكر قَالَ عمَارَة وَكَانَ أَبُو الْفتُوح لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم عَظِيم الْغَضَب فِيهِ مر بداره ابْن بجارة أحد فُقَهَاء الْحَنَفِيَّة الْآتِي ذكره وَقد انتشى من الشَّرَاب وَكَانَ رجلا مَاجِنًا يحذو طَرِيق أبي نواس فِي الخلاعة وَالشعر فَجعل يُغني بِصَوْت عَال وَذَلِكَ فِي ليل فصاح بِهِ القَاضِي إِلَى هَذَا الْحَد يَا حمَار وَلم يكن ثمَّ عون على الْبَاب وارتجل ابْن بجارة

стр. 203

.. سَكَرَات تعتادني وخمار ... وانتشاء أعتاده ونعار فملوم من قَالَ إِنِّي ملوم ... وحمار من قَالَ إِنِّي حمَار ... وَلم يذكر لَهُ عمَارَة تَارِيخا وَمِنْهُم ابْنه أَبُو الْعِزّ عُثْمَان بن أبي الْفتُوح كَانَ فَقِيها مبرزا فَاضلا شَاعِرًا مفلقا سخيا محسنا إِلَى الشُّعَرَاء معدودا فِي ذَوي المروءات والإنسانيات قَالَ عمَارَة وَكَانَ من المجيدين المكثرين يَعْنِي الشُّعَرَاء وَقد عده فيهم قَالَ وَولي من قبل أَبِيه قَضَاء الْبِلَاد المصاقبة لزبيد كحيس وفشال وَأخذ منصب الْقَضَاء بعده وَله شعر يزِيد على رقة النسيم ويستطاب كَمَا يستطاب التسنيم وَمِنْه قَوْله وَقد زار قُبُور أَهله فِي الْعرق الْمقْبرَة الْقبلية من زبيد وتعرف بمقابر بَاب سِهَام ... يَا صَاح قف بالعرق وَقْفَة معول ... وَانْزِلْ هُنَاكَ فثم أكْرم منزل نزلت بِهِ الشم البواذخ بَعْدَمَا ... لحظتهم الجوزاء لَحْظَة أمثل أخواي وَالْولد الْعَزِيز ووالدي ... يَا حطم رُمْحِي عِنْد ذَاك ومنصلي هَل كَانَ فِي الْيمن الْمُبَارك قبلهم ... أحد يُقيم صغا الْكَلَام الأميل حَتَّى أنار الله سدفة أَهله ... ببني عقامة بعد ليل أليل ... لَا خير فِي قَول امرىء متمدح ... لَكِن طغا قلمي وأفرط مقولي ... وَمن شعره فِي زُرَيْق الفاتكي الْوَزير الْآتِي ذكره ... نَفسِي إِلَيْك كَثِيرَة الأنفاس ... لَوْلَا مقاساة الزَّمَان القاسي ... وامتدحه الجليس أَبُو الْمَعَالِي حِين دخل الْيمن بقصائد كَثِيرَة من بَعْضهَا ... ابْني عقامة لست مقتصدا ... فِي وصفكم بالمدح مَا عِشْت ...

стр. 204

.. علقت يَدي مِنْكُم بِحَبل فَتى ... مَا فِي مرائر وده أمت ... وَصَارَ الْعلم إِلَى طبقَة اخرى فَيَنْبَغِي الْبِدَايَة بِالْإِمَامِ الَّذِي عَمت بركته وَظَهَرت شهرته وَهُوَ أَبُو أُسَامَة زيد بن عبد الله بن جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم اليفاعي بَلَدا وَهِي قَرْيَة بالمعافر تسمى يفاعة بِفَتْح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَالْفَاء ثمَّ ألف وَفتح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ هَاء بعْدهَا أثنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة ثَنَاء مرضيا فَقَالَ كَانَ من أَعْيَان عُيُون الْعلمَاء فِي الْيمن وأفراد شُيُوخ الزَّمن أستاذ الأستاذين وَشَيخ المصنفين زيد بن عبد الله تدير الْجند تفقه فِي بدايته بِابْن جَعْفَر مقدم الذّكر وبإسحاق الصردفي وَتزَوج بِإِحْدَى ابْنَتَيْهِ كَمَا قدمنَا وارتحل مَكَّة فَأخذ بهَا عَن الشَّيْخَيْنِ الْإِمَامَيْنِ الْحُسَيْن بن عَليّ الطَّبَرِيّ الشَّاشِي وَأبي نصر الْبَنْدَنِيجِيّ مصنفات الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ ثمَّ مصنفاتهما وَكَانَ من أَصْحَاب أبي إِسْحَاق ثمَّ عَاد إِلَى الْجند فَاجْتمع النَّاس إِلَيْهِ من نواح شَتَّى فقرأوا عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَن شَيْخه الإِمَام أَبُو بكر بن جَعْفَر فِي الْجند يدرس ويفتي فمالت قُلُوب النَّاس إِلَى هَذَا الْفَقِيه بِخِلَاف شَيْخه فَأخذُوا عَنهُ الْعلم وَكثر أَصْحَابه وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه كَانَ كلما وَصله طَالب أقرأه من غير بحث لَهُ عَن حسب أَو نسب وَالْإِمَام أَبُو بكر لَا يقرىء إِلَّا من تحقق حَسبه وَنسبه وصلاحه كَمَا قدمت ذَلِك فِي ذكره وَلَقَد سَأَلت بعض أهل الْمعرفَة عَن معنى ذَلِك فَقَالَ نظر الْفَقِيه أَبُو بكر إِلَى قَوْله ﷺ لَا تُؤْتوا الْحِكْمَة غير أَهلهَا فتظلموها وَذهب الْفَقِيه زيد إِلَى قَوْله ﷺ يأتيكم أَقوام من أَطْرَاف الأَرْض يطْلبُونَ الْعلم فَاسْتَوْصُوا بهم خيرا وَلم يفرق بَين طَالب وطالب ثمَّ قَالَ وَقَول الْحُكَمَاء يمِيل إِلَى تَرْجِيح مَذْهَب الْفَقِيه أبي بكر إِذْ صَحَّ عَن بزرجمهر أَنه قَالَ لَا تعلمُوا أَوْلَاد السفلة الْعُلُوم فَإِنَّهُم مَتى علموها طالبوا معالي الْأُمُور فَإِن نالوها أولعوا بمذلة الْأَحْرَار كَمَا يرْوى ذَلِك فِي الْمشَاهد وَأَبَان ذَلِك عَن جمَاعَة لَوْلَا خشيَة

стр. 205

الإطالة وَعدم كَون ذَلِك لَيْسَ من ملازم الْكتاب لذكرته كَمَا ذكر وَكَانَت مدرسة الْفَقِيه عَن يَمِين الْمِنْبَر وَرُبمَا اتكأ وَقت التدريس على الْمِنْبَر وَكَانَ أَصْحَابه فَوق ثلثمئة متفقه فِي غَالب الْأَيَّام يقوم بإعالتهم قوتا وَكِسْوَة وَكَانُوا يملأون مَا بَين الْبَاب والمنبر كَثْرَة وَكَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر شَيْخه يقرىء فِي الزاوية الَّتِي تَحت جِدَار بِئْر زَمْزَم وَكَانَ أَصْحَابه فِي غَالب الْأَحْوَال نَحْو خمسين طَالبا هَكَذَا ذكر بعض معلقي أخبارهم وَلم يزل ذَلِك من شَأْنهمْ حَتَّى تمت الْحِيلَة من الْمفضل فِي التَّفْرِيق بَينهم وَذَلِكَ أَنه مَاتَ ميت من أهل الْجند فَخرج الإِمَام زيد وَالْإِمَام أَبُو بكر بن جَعْفَر فِي أصحابهما يقبرون وَعَلِيهِ الثِّيَاب الْبيض لبس الحواريين والمفضل يَوْمئِذٍ بقصر الْجند فحانت مِنْهُ نظرة إِلَى الْمقْبرَة فَرَأى فِيهَا جمعا عَظِيما مبيضين فَسَأَلَ عَن ذَلِك فَقيل قبران ميت غَالب من حَضَره من الْفُقَهَاء فَعرض بذهنه مَا فعله ابْن المصوع مَعَ أَخِيه حَيْثُ قَتله وَقَالَ هَؤُلَاءِ يكفروننا وَلَا نَأْمَن خُرُوجهمْ علينا مَعَ الْقلَّة فَكيف مَعَ الْكَثْرَة ثمَّ قَالَ لحاضري مَجْلِسه انْظُرُوا كَيفَ تفرقون بَينهم وتدخلون الْبغضَاء عَلَيْهِم بِالْوَجْهِ اللَّطِيف فَجعلُوا يولون الْقَضَاء بعض أَصْحَاب الإِمَام زيد أَيَّامًا ويعزلونه وَيُوَلُّونَ مَكَانَهُ من أَصْحَاب الإِمَام أبي بكر بن جَعْفَر ثمَّ يولون إِمَامَة الْجَامِع كَذَلِك ثمَّ النّظر فِي أَمر الْمَسْجِد كَذَلِك حَتَّى ظهر السباب بَين الحزبين وَكَاد يكون بَين الْإِمَامَيْنِ فَعلم الإِمَام زيد ذَلِك فارتحل مُهَاجرا إِلَى مَكَّة قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَ الإِمَام زيد وقاضيه مُسلم بن الْفَقِيه أبي بكر بن أَحْمد بن عبد الله الصعبي الْمُقدم ذكره وولداه مُحَمَّد وأسعد وَإِمَام الْجَامِع الشَّيْخ حسان بن مُحَمَّد بن زيد بن عمر مَعَ أَتبَاع لَهُم كثير حزبا وَالْإِمَام أَبُو بكر وقاضيه مُحَمَّد بن عبد الله اليافعي وَإِمَام الْمَسْجِد الشَّيْخ يحيى بن عبد الْعَلِيم مَعَ جمَاعَة غَيرهم حزبا وَلما شاع ذَلِك عزم الْفَقِيه زيد على الارتحال خوف الْفِتْنَة وَالْمَشَقَّة على الْقَرِيب والبعيد من أَصْحَابه فكاتبه الْبعيد حَتَّى كتب إِلَيْهِ تِلْمِيذه الْفَقِيه الْعَالم يحيى بن مُحَمَّد بن أبي عمرَان من الملحمة الْآتِي ذكره إنْشَاء الله بقصيدة هِيَ هَذِه

стр. 206

.. أَحييت ذكر الْعلم وَهُوَ يبيس ... وَقتلت جهلا والمقانب شوس وهدمت ركن الزيغ وَهُوَ مشيد ... وعمرت آي الْخَيْر وَهِي دروس وَجعلت بُنيان المكارم شامخا ... من بعد كَانَ وربعه مطموس ونصرت حزب الْحق وَهِي كَتِيبَة ... وهزمت جَيش الْإِفْك وَهُوَ خَمِيس ونشرت علم مُحَمَّد وأقمته ... وكذاك فَلْيَكُن الْعلَا القدموس وَبسطت من علم الشَّرِيعَة وَاضحا ... فحيت بِهِ بعد الْمَمَات نفوس وتداركت كَفاك كبو عثاره ... فانساب فِي حلل الْجمال يميس وكسوت هَذَا الْعلم حلَّة زِينَة ... فَعَلَيهِ من حلل الْجمال لبوس طلعت على ظلم الضَّلَالَة زهرَة ... من نوره فكأنهن شموس وحملت لِلْإِسْلَامِ عبئا لم يكن ... أحد ينوء بِحمْلِهِ فيريس لَو أَنهم قَامُوا وَأَنَّك قَاعد ... ساويتهم وَالسير مِنْك بسيس هَذَا وَكَيف وَأَنت قُمْت بكلما ... عَنهُ ونوء الْقَوْم عَنْك جُلُوس مَا النَّاس غَيْرك لَو عدمت لأصبحت ... من بعْدك الأذناب وَهِي رُؤُوس ولذل ذُو فضل وَفضل نَاقص ... فِيمَا نرى فِي قومه ونقيس فقت الورى بديانة وتكرم ... فازدان فِيك الْعلم والتدريس أكْرم بهَا من رُتْبَة يمنية ... فِي النَّاس مَا سبأ وَمَا بلقيس وَلَك الْحيَاء سجية مَشْهُورَة ... وَالْعلم خلق والسخاء جليس وَالْفضل طبع والوجاهة عَادَة ... وَالصَّبْر فَهُوَ لَهُنَّ مغناطيس أرخصت نفسا للأنام بذلتها ... ولقل مبذول يصان نَفِيس وَإِذا فَتى فِي الله أفنى عمره ... فَلَقَد أَرَادَ صَلَاحه القدوس والعمر ينْفد والأمور كَثِيرَة ... وَالنَّاس مِنْهُم سائس ومسوس حسب امرىء فِي النَّاس طَاعَة ربه ... حَتَّى يذاق من الْحمام كؤوس زيد بن عبد الله أَنْت إمامنا ... فِي عصرنا والعالم القسيس كم نعْمَة أوليتنا مَشْهُورَة ... مَا الشَّمْس يخفي ضوءها الناموس ...

стр. 207

.. قسما لما نسطيع شكرك عمرنا ... أبدا وَمَا تِلْكَ الْيَمين غموس لَو دَامَ منا بكرَة وَعَشِيَّة ... لم يغن تبكير وَلَا تغليس وَمَتى قنعنا بل يُرْجَى إِن يرى ... كل امرىء لَك فِي يَدَيْهِ مروس وَالْكل أَن غرقوا فقد هَلَكُوا مَعًا ... منا وَآخر عِنْده مغموس أوردتنا الْبَحْر الخضم فغامس ... وَإِذا يفوز بهلكهم إِبْلِيس فتدارك الغرقى واستنقذهم ... بِالْعلمِ فَهُوَ لديننا جاسوس وَالْعلم عمدتنا وأصل أمورنا ... وَعَلِيهِ يثبت للبنا التأسيس وَالْكل غرسك غير أَن من الظما ... قد كَاد يهْلك غرسك المغروس لَو عَايَنت عَيْنَاك أغصانا لَهُ ... فِيهِ النظارة ينثني وينوس غنت بِهِ أطياره وتساقطت ... أثماره لَوْلَا اعتراه يبوس لِرَحْمَتِهِ وسقيته مثعنجرا ... فلئن فعلت فَلَنْ يرَاهُ البوس فلديك بَحر زاخر متغطمط ... طام وَردت عَلَيْهِ العيس فلئن غفلت وَلم تذاركه فقد ... آل العناء لِأَنَّهُ مأيوس وَسمعت قوما يهرجون بِرجلِهِ ... فَالْحق مَا قَالُوهُ أَو تهويس إِن كَانَ ذَاك فَإِن أهل بِلَادنَا ... جَاءَتْهُم بعد السُّعُود نحوس وتبدلوا من نَضرة ومسرة ... يَوْمًا لَهُ وَجه عَلَيْهِ عبوس فلئن وطئن ركابكم فِي بَلْدَة ... سوى فخدي ذَلِك الموطوس ولأسقين سما ذعافا ناقعا ... وَكَأن ساقي السم جالينوس وَالروح إِن فَارَقت فَارق جِسْمه ... وَقفا عَلَيْك مدى الْحَيَاة حبيس لَا تصغين لبائس ذكر النَّوَى ... فالشر أول أمره تيئيس حاشاك من قتل النُّفُوس وغمطها ... فالقتل عِنْد الْعَالمين خسيس وَالْقَوْل فِي قطع الْأَحِبَّة فَاسد ... والرأي فِي تنفيرهم منكوس حَتَّى مَتى يَأْتِي الزَّمَان بمثلهم ... إِن الزَّمَان بمثلهم مفلوس كم مِنْهُم حام لدين الله مَا ... فِي ذَاك توهيم وَلَا تلبيس ذِي لبدتين غضنفر مبلغ ... عِنْد المصاع إِذا اقمطر وطيس ...

стр. 208

.. فَإِذا أَتَى الأخوان صَار كَأَنَّهُ ... مِمَّا اعتراه من الْحيَاء عروس قد صرت رَأس الْمُسلمين لدينهم ... وَلكُل قوم عُمْدَة وَرَئِيس فَإِذا ارتحلت فَرُبمَا عَن دينهم ... مالوا وَقد عضت عَلَيْهِ ضروس هَذَا مقَال من محب نَاصح ... مَا فِيهِ تنميق وَلَا تَدْلِيس مثل النداء هُوَ الشعار لديننا ... وشعار دين سواكم الناقوس واسلم وَدم فِي ألف ألف مَسَرَّة ... مَا غرد الْقمرِي والطاووس ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي وَآله ... مهما تردد فِي الأنوف نفوس ... وَقد استكملت هَذِه القصيدة لحسن ألفاظها وعذوبة إيرادها وعدالة قَائِلهَا وَاسْتِحْقَاق من قيلت فِيهِ وَهِي من القصائد الطنانة بَين الْفُقَهَاء الَّذين رسخت أصولهم فِي الْفِقْه وخصوصا فِي الْجِهَة الأصابية واليحصبية والمشرقية وَهِي خَمْسَة وَخَمْسُونَ بَيْتا ثمَّ إِن الإِمَام زيد لما طَالَتْ عَلَيْهِ المشاققة ارتحل إِلَى مَكَّة حسما للمشاققة وَهِي الرحلة الثَّانِيَة فِي سنة خمسمئة فَلبث هُنَالك اثْنَتَيْ عشرَة سنة مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا شيخاه الإمامان الطَّبَرِيّ والبندنيجي مقدما الذّكر فتعينت الْفَتْوَى على الإِمَام زيد والتدريس كَذَلِك إِذْ لم يكن بعدهمَا أكبر قدرا مِنْهُ فِي علمه وَعَمله قَالَ ابْن سَمُرَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ حَافِظًا نقالا كَانَ يحفظ ثلثمئة مَسْأَلَة فِي الْخلاف بأدلتها وعللها وَكَانَ فِي أثْنَاء إِقَامَته بِمَكَّة يَأْتِيهِ مغل أرضه من الْيمن موفرة فيقتات بَعْضهَا ويعامل ببقيتها حَتَّى يحصل لَهُ بِسَبَب ذَلِك مَال جزيل وَلم يزل مجللا مُعظما عِنْد المكيين وَغَيرهم حَتَّى حصلت فتْنَة بَين مُتَقَدِّمي مَكَّة وَبَين الطَّبَرِيّ بِسَبَب الْقَضَاء وَالْفَتْوَى وثار من ذَلِك شَيْء من أُمُور السلاطين وأهويتهم فتجهز الْفَقِيه عِنْد ذَلِك من مَكَّة نافرا حَتَّى لحق الْجند فَقَدمهَا سنة اثْنَتَيْ عشرَة وخمسمئة وَقيل ثَلَاث عشرَة وَكَانَ الْمفضل قد توفّي بعد خُرُوج الْفَقِيه بِنَحْوِ أَربع سِنِين وللا ذَلِك لم يرغب الْفَقِيه فِي عود الْجند وَلما تسامع النَّاس بمصير الإِمَام زيد فِي الْجند وصلوه من جَمِيع أنحاء الْيمن وَاشْتَغلُوا بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ وَكَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر بن جَعْفَر قد توفّي أَيْضا فَلم يبْق بِالْيمن من يقْصد للمعضلات وَحل المشكلات غير هَذَا الْفَقِيه فوصله طلبة الْعلم من عدن وَأبين ولحج وأنحائها ثمَّ من تهَامَة وَحضر موت وَمن الْجبَال المعافر والمخلاف ثمَّ تفقه بِهِ جمع من أهل الْجند نَوَاحِيهَا كسير وزبران وسهفنة ونخلان وَالسَّلَف

стр. 209

وقياض وَمَا بلد من هَذِه الْبِلَاد إِلَّا وَله فِيهَا أَصْحَاب عرفُوا بِالْأَخْذِ عَنهُ وَمن الْجند أَبُو بكر بن مُحَمَّد اليافعي وَغَيره وَمن ناحيتها عبد الله بن أَحْمد الزبراني وَيحيى بن أبي الْخَيْر من سير وَمُسلم بن أبي بكر من سهفنة وَعبد الله بن عُمَيْر العريقي وَيحيى بن مُحَمَّد من الملحمة صَاحب القصيدة الْمَذْكُورَة أَولا وَأَبُو حَامِد بن أبي بكر الأصبحي من الذنبتين وَلما صَار الْفَقِيه بالجند بَالغ فِي لُزُوم طَرِيق الخمول بِحَيْثُ كَانَ يدرس فِي بَيته فِي الْغَالِب ثمَّ مَتى صلى فِي الْجَامِع صلى بمؤخره وَكَانَ متورعا متنزها عَن صُحْبَة الْمُلُوك وخلطة الظلمَة وَقبُول جوائزهم بِحَيْثُ أجمع أهل زَمَانه على نزاهة عرضه وجودة علمه وَشدَّة ورعه أجمع على فَضله المؤالف والمخالف وَشهد لَهُ بِالْفَضْلِ كل عَارِف وَكَانَ مَعَ ذَلِك ذَا عبَادَة مِنْهَا أَنه كَانَ يخرج فِي كل لَيْلَة من منزله بعد هدوء اللَّيْل واشتغال النَّاس بحلاوة النّوم فَذكرُوا أَن بعض من بَات بِالْمَسْجِدِ رأى الْفَقِيه قد دخل الْمَسْجِد وَجعله بِبَالِهِ فَجعل يُصَلِّي مَا شَاءَ الله فِي الْمِحْرَاب ثمَّ خرج من الْمَسْجِد وَتَبعهُ الرجل فَلَمَّا صَار على الْبَاب أَعنِي بَاب الْمَدِينَة انْفَتح لَهُ فَخرج الْفَقِيه وَتَبعهُ الرجل مسرعا فَسَار الْفَقِيه حَتَّى صَار مَوضِع قَبره فَأحْرم وَجعل يتركع حَتَّى صعد الْمُؤَذّن المأذنة فأخف صلَاته وَعَاد الْمَدِينَة كَمَا خرج وَانْفَتح لَهُ بَابهَا ثمَّ بَاب الْمَسْجِد فَلَمَّا صلى الصُّبْح وَقعد يذكر الله وَالرجل فِي كل ذَلِك يراقبه من حَيْثُ لَا يشْعر ثمَّ دنا مِنْهُ وَقبل يَده وَأخْبرهُ بِمَا رَآهُ من الْأَمر فَقَالَ إِن أَحْبَبْت الصُّحْبَة فَلَا تخبر أحدا مَا دمنا فِي الْحَيَاة فَلم يخبر بذلك إِلَّا بعد وَفَاة الإِمَام ﵀ وَكَانَ يخبر بِزِيَادَة غير مَا ذكرنَا لَكِن اقتصرنا على مَا تكَرر نَقله وَشهر خَبره قَالَ ابْن سَمُرَة أَخْبرنِي الشَّيْخ مَنْصُور بن أَحْمد أَبُو تُرَاب العودري أَنه دخل مَدِينَة الْجند يُرِيد يسْأَل الْفَقِيه زيد بن عبد الله عَن مَسْأَلَة فَرضِيَّة قَالَ فَوجدت الْفَقِيه يقرىء أَصْحَابه بدهليز بَيته وَكَانَ صَغِير الْخلق فَلَمَّا رَأَيْته هِبته هَيْبَة عَظِيمَة واستكبرت مقَامه فغلطت فِي سُؤَالِي وتلجلجت فِي كَلَامي فآنسني الْفَقِيه بِكَلَامِهِ ورد عَليّ اللَّفْظ حَتَّى أنست وأقمت سُؤَالِي فحين عرفه جوب لي أبين جَوَاب ثمَّ لم يزل الْفَقِيه على الْحَال المرضي دينا وورعا حَتَّى توفّي بِأحد الربيعين الكائنين فِي سنة أَربع عشرَة وَقيل خمس عشرَة وَخَمْسمِائة فقبر بالمقبرة الغربية من مَدِينَة الْجند وتربته هُنَالك مَشْهُورَة لم أر فِي الْيمن تربة مثلهَا يَتَجَدَّد مَعْرفَتهَا وَيكثر زائرها وَلَقَد يجد الزائر فِي نَفسه كَأَن

стр. 210

هَذَا الإِمَام إِنَّمَا مَاتَ وَدفن عَن قريب وَله إِلَى وَقت وضعي لهَذَا الْكتاب آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة مئتا سنة وَسبع سِنِين فَلَا يكَاد أحد يَأْتِي تربته تَخْلُو عَن الزائر وَقل مَا قَصدهَا ذُو حَاجَة إِلَّا قضى الله حَاجته وَلَقَد أَخْبرنِي جمع لَا يُمكن تواطؤهم على الْكَذِب بأخبار يطول شرحها فِي ذَلِك وَقد عرض لي مَعَ ذكر هَذَا الرجل نبذة من ذكر شَيْخه الطَّبَرِيّ والبندنيجي فَأَما الْبَنْدَنِيجِيّ فَإِنَّهُ لما قدم بمصنفات الشَّيْخ أبي إِسْحَاق صُورَة وَمعنى عكف النَّاس عَلَيْهِ وأخذوها عَنهُ وَمد ذَلِك إِلَى عصرنا لم يكد أحد يتفقه من غَيرهَا إِلَّا بعد التفقه مِنْهَا ويروي فُقَهَاء الْيمن لَهَا فَضَائِل يطول تعدادها مِنْهَا مَا أخبرنيه الْفَقِيه أَبُو بكر بن الْفَقِيه أَحْمد بن الرَّسُول الأبيني الْآتِي ذكره أخبرنَا الْفَقِيه أَحْمد بن عمرَان أَنه كَانَ لَا يرى الْمُهَذّب طائلا وَيَقُول فقهه ظَاهر فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة رأى فِي الْمَنَام رجلا فاتحا كتابا وَهُوَ يُشِير إِلَيْهِ أَن ينظر فِي الْكتاب قَالَ فَنَظَرت فَإِذا فِيهِ روى الْخَلِيل بن أَحْمد عَن عبد الْأَعْلَى بِسَنَدِهِ على النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من صلى عَليّ سبعين مرّة وَسَأَلَ الله بالمهذب ومؤلفه قضى الله لَهُ اثْنَتَيْنِ وَسبعين حَاجَة أدناه الْمَغْفِرَة وَمن أَمْثَال هَذِه الرِّوَايَة كثير وَقد دخل الْيمن عدَّة مصنفات موجزة ومبسوطة لم يكد يحصل لَهَا من الْقبُول طائل وَلَا انْتفع بهَا النَّاس كَمَا انتفعوا بمصنفات الإِمَام أبي إِسْحَاق حَتَّى قَالَ لي بعض الْفُقَهَاء الْمُحَقِّقين من فُقَهَاء الْعَجم وَقد أَقَامَ فِي الْيمن مُدَّة وَوجد نقل أَهله وفتواهم ومناظراتهم إِنَّمَا هُوَ عَن كتب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَمَتى نقل ناقل عَن غَيرهَا قل أَن يستجاد نَقله أَو يستكمل عقله ثمَّ شاركها فِي ذَلِك كتب الْغَزالِيّ مَعَ تَخْصِيص ثمَّ ولي كتب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي الْعُمُوم وَالتَّحْقِيق الْكتاب الْمُبَارك الْمُسَمّى بِالْبَيَانِ

стр. 211

فمصنفات الشَّيْخ أبي إِسْحَاق هِيَ الْمُقدمَة وَمَعَهَا كتاب الْبَيَان إِذْ نحا نَحْوهَا وحقق تحقيقها وَوجد طريقها وَلم ترد مصنفات الْغَزالِيّ إِلَى الْيمن إِلَّا بعد وجود هَذِه المصنفات واستطارتها بَين الْفُقَهَاء وإقبال النَّاس عَلَيْهَا وَكَانَ أول من قدم بهَا الإِمَام زيد وَأخذت عَنهُ ثمَّ بعده أخذت عَن ابْن عبدويه الْآتِي ذكره ثمَّ لما كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَعرض ذكر الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وتلميذيه الطَّبَرِيّ والبندنيجي مَعَ ذكر الشَّيْخ زيد اتجه بَيَان اللَّائِق من أَحْوَالهم إِذْ مِنْهُم إِلَى عصرنا لم يكد يتفقه أحد من أهل الْيمن بِغَيْر طريقهم وروايتهم لكتب شيخهم فرأت الْبِدَايَة بِذكر الشَّيْخ إِذْ هُوَ العنصر فَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن يُوسُف الشِّيرَازِيّ الفيروزاباذي مولده سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة بفيروزأباد قَالَ ابْن خلكان وَهِي بَلْدَة بِفَارِس وَيُقَال هِيَ مَدِينَة جور نَقله عَن الْحَافِظ أبي سعيد السَّمْعَانِيّ فِي كِتَابه الْأَنْسَاب وضبطها بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَضم الرَّاء الْمُهْملَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ زَاي مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ ذال مُعْجمَة قدم بَغْدَاد بعد أَن تفقه بِبَلَدِهِ وَغَيرهَا بعض التفقه فَلَزِمَ مجْلِس أبي القَاضِي الطّيب الطَّبَرِيّ وَكَانَ بِهِ كَمَال تفقه وناب عَنهُ فِي مَجْلِسه ورتبه معيدا فِي حلقته وَلما بنى نظام الْملك مدرسته بِبَغْدَاد سَأَلَهُ أَن يتَوَلَّى تدريسها فَلم يفعل فولاها أَبَا نصر بن الصّباغ مُدَّة ثمَّ إِن الشَّيْخ أجَاب إِلَى توليتها فَلم يزل بهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ ابْن خلكان وَله التصانيف الْمُبَارَكَة المفيدة مِنْهَا الْمُهَذّب والتنبيه فِي الْفِقْه واللمع وَشَرحهَا فِي الْأُصُول والنكت والتبصرة فِي الْخلاف والمعونة فِي الجدل وَله الشّعْر الرَّائِق الْحسن مِنْهُ قَوْله ... سَأَلت النَّاس عَن خل وَفِي ... فَقَالُوا مَا إِلَى هَذَا سَبِيل تمسك إِن ظَفرت بود حر ... فَإِن الْحر فِي الدُّنْيَا قَلِيل ... وَمِمَّا سمع من لَفظه متمثلا كثيرا ولمناقبه كتاب قد جمعت فِيهِ وَلَوْلَا الإطالة

стр. 212

لذكرت طرفا جيدا مِنْهَا وَكَانَ فِي غَايَة من الْوَرع والتشدد فِي الدّين وعَلى الْجُمْلَة فمحاسنه أَكثر من أَن تحصر وَسمع من لَفظه ينشد ... يَا سائلي عني فَإِنِّي ... لأهل الْفضل كلهم غُلَام أحبهم لأَنهم قَلِيل ... وَفِي الأنذال والسفل ازدحام ... وَهَذَانِ البيتان حِكْمَة يَنْبَغِي لأهل الْفضل حفظهما وروايتهما وَمن المسموع عَنهُ لغيره ... وَلما وقفنا بالصراة عَشِيَّة ... حيارى لتوديع ورد سَلام وقفنا على رغم الحسود وكلنَا ... يفض على الأشواق كل ختام وشوقني عِنْد الْوَدَاع عفافه ... فَلَمَّا رأى وجدي بِهِ وغرامي تلثم مُرْتَابا بِفضل رِدَائه ... فَقلت هِلَال بعد بدر تَمام فقبلته فَوق اللثام فَقَالَ لي ... هُوَ الْخمر إِلَّا أَنه بفدام ... وَمِنْه أَيْضا ... يَا عبد كم لَك من ذَنْب ومعصية ... إِن كنت ناسيها وَالله أحصاها يَا عبد لَا بُد من يَوْم تقوم لَهُ ... ووقفة مِنْك تدمي الْقلب ذكرَاهَا إِذا عرضت على نَفسِي تذكرها ... وساء ظَنِّي قلت أسْتَغْفر الله ... وَمِمَّا سمع من لَفظه إِلَى هُنَا أَخَذته من الْمُخْتَصر الَّذِي جمع فِي مناقبه وَمَا قبل ذَلِك أَخَذته من كتاب ابْن خلكان وَلم يزل على الْحَال المرضي حَتَّى توفّي لَيْلَة الْأَحَد بعد الْعشَاء حادي عشر من جُمَادَى الْآخِرَة الْكَائِن فِي سنة سِتّ وَسبعين وأربعمئة وَصلى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله ثمَّ وزيره وقاضي الْقُضَاة وَجَمِيع الخدم بِبَاب الفردوس ثمَّ أخرج فصلى عَلَيْهِ صَاحبه أَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ وَجَمِيع من فِي الْجَانِبَيْنِ وَدفن فِي حَائِط بُسْتَان ظفر بالجانب الشَّرْقِي بِبَاب أبزرورثاه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم بن باقياء بقصيدة مِنْهَا قَوْله ... أجْرى المدامع بِالدَّمِ المهراق ... خطب أَقَامَ قِيَامَة الْآفَاق مَا لليالي لَا تؤلف شملها ... بعد ابْن بجدتها أبي إِسْحَاق إِن قيل مَاتَ فَلم يمت من ذكره ... حَيّ على مر اللَّيَالِي بَاقِي ...

стр. 213

وَلما استولى الصليحي على ريمة المناخي وطرد أَهله عَنهُ خرج صَاحبه عَمْرو الْأَشْعَرِيّ من الْيمن وَلحق بِبَغْدَاد وَأدْركَ بهَا الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق فصحبه وأحبه وَوَافَقَ ذَلِك وَفَاة خَليفَة وقتهم وافتقر النَّاس إِلَى قيام خَليفَة آخر فاتفقوا على أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى العقد للخليفة وَذَلِكَ سنة سبع وَسِتِّينَ وأربعمئة أَظُنهُ الْمُقْتَدِي على مَا أَظُنهُ ظَاهر بِرِوَايَة ابْن سَمُرَة عَنهُ فَلَمَّا رَضِي الْعلمَاء وأفاضل النَّاس بالشيخ أبي إِسْحَاق وَقد صعد الْمُخْتَار من بني الْعَبَّاس ذرْوَة الْمِنْبَر ووقف ينْتَظر صعُود الشَّيْخ إِلَيْهِ فَلَمَّا صَار بالمنبر سقط فَابْتَدَرَهُ الْخَلِيفَة وَالْعُلَمَاء وَكَانَ الْخَلِيفَة ضليعا فسبقهم إِلَيْهِ وأقامه وأصعده إِلَى رَأس الْمِنْبَر فَلَمَّا اسْتَوَى على رَأسه حمد لله وَصلى على النَّبِي ﷺ وَعقد الْخلَافَة فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ الْخَلِيفَة هَل من حَاجَة قَالَ نعم أَخْبرنِي فلَان عَن فلَان مُسْندًا إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من خَليفَة إِلَّا وَله دَعْوَة مجابة وَأُرِيد أَن تَدْعُو لي فَدَعَا لَهُ من فوره وَأمن الْحَاضِرُونَ وَلِهَذَا عَمْرو الْأَشْعَرِيّ المناخي فِي الشَّيْخ أبي إِسْحَاق مدائح مِنْهَا قَوْله فِي بَعْضهَا ... وَلَقَد رضيت عَن زمَان وَإِن رمى ... قومِي بخطب ضعضع الأركانا لما أَرَانِي طلعة الحبر الَّذِي ... أَحْيَا الْإِلَه بِعِلْمِهِ الأديانا أزكى الورى دينا وَأكْرم شِيمَة ... وأمد فِي طلق الْعُلُوم عنانا وَأَقل فِي الدُّنْيَا البصيرة رَغْبَة ... ولطالما قد أضنت الرهبانا صدق الرَّسُول الطُّهْر فِي إطرائه ... أَبنَاء فَارس جهرة إعلانا فِي كل عصر مِنْهُم علم بِهِ ... يُبْدِي الْإِلَه الرشد والتبيانا مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق مِصْبَاح الْهدى ... وشهاب نور كاشف الأدجانا لله إِبْرَاهِيم أَي مُحَقّق ... صلت إِذْ رب البصيرة لانا فتخاله من زهده ومخافة ... لله قد نظر الْمعَاد عيَانًا ... وَإِنَّمَا ذكرت الأبيات لِأَن ابْن سَمُرَة ذكرهَا وَلِأَن قَائِلهَا من أَعْيَان الْيمن وملوكهم وَلما كَانَ كَمَال تفقهه بِالْقَاضِي أبي الطّيب اتجه أَيْضا بَيَان اللَّائِق من أَحْوَاله إِذْ هُوَ شيخ أهل الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة من أهل الْيمن وَقد قدمنَا بَيَان ذَلِك

стр. 214

وَهُوَ أَبُو الطّيب طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بن عمر الطبرستاني مولده سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلثمائة وَنسبَة الطَّبَرِيّ إِلَى طبرستان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ثمَّ سين سَاكِنة مُهْملَة ثمَّ فتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ثمَّ ألف ثمَّ نون قَالَ ابْن خلكان وَهِي ولَايَة كَبِيرَة تشْتَمل على بِلَاد كَثِيرَة خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء وَالنِّسْبَة إِلَى طبرية الشَّام طبراني فَاعْلَم ذَلِك فَإِن كثيرا من النَّاس يغلط فِيهِ وَلذَلِك بَينته وَكَانَ تفقه القَاضِي أبي الطّيب فِي ابْتِدَائه بآمد على أبي عَليّ الزجاجي صَاحب أبي الْعَبَّاس بن الْقَاص ثمَّ على أبي سعيد الْإِسْمَاعِيلِيّ وعَلى أبي الْقَاسِم بن كج بجرجان ثمَّ ارتحل إِلَى نيسابور فَأدْرك أَبَا الْحسن الماسرخسي صَاحب أبي إِسْحَاق الْمروزِي الْمُتَقَدّم الذّكر فَلَزِمَ مَجْلِسه أَربع سِنِين ثمَّ انْتقل إِلَى بَغْدَاد فَأخذ بهَا عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ صَاحب الداركي وَحضر مجْلِس الشَّيْخ أبي حَامِد الإسفرائيني وَلم يثبت أَنه أَخذ عَنهُ أثنى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ لم أر فِيمَن رَأَيْت أكمل اجْتِهَادًا وَأَشد تَحْقِيقا وأجود نظرا فِي الْفِقْه مِنْهُ شرح الْمُخْتَصر وفروع ابْن الْحداد وصنف فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول والجدل كتبا كَثِيرَة لَيْسَ لأحد مثلهَا عمر مئة سنة وسنتين لم يخْتل عقله وَلَا تغير فهمه يُفْتِي مَعَ الْفُقَهَاء ويستدرك عَلَيْهِم الْغَلَط وَيَقْضِي بمحاضرهم فيحضر المواكب فِي دَار الْخلَافَة وَلم يزل فِي ذَلِك حَتَّى توفّي يَوْم السبت لعشر بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمئة فِي بَغْدَاد وَدفن بمقبرة بَاب حَرْب وَأما شُيُوخه الْمُقدم ذكرهم فَأَبُو عَليّ الزجاجي تفقه بِأبي الْعَبَّاس بن الْقَاص

стр. 215

وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء آمد وَلم يذكر أَبُو إِسْحَاق غير مَا ذكرت وتفقه الزجاجي بِأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي أَحْمد عرف بِابْن الْقَاص الطَّبَرِيّ بتفقهه بِابْن سُرَيج وَكَانَ من أَئِمَّة الْمَذْهَب صنف المصنفات البديعة الْمِفْتَاح وأدب الْقَضَاء والمواقيت وَالتَّلْخِيص الَّذِي شَرحه أَبُو عبد الله حسن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ تمثلت فِيهِ بقول الشَّاعِر ... عقم النِّسَاء فَمَا يلدن بِمثلِهِ ... إِن النِّسَاء بِمثلِهِ عقم ... وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء طبرستان وَكَانَت وَفَاته بطرسوس قَالَ ابْن خلكان كَانَ إِمَام وقته فِي طبرستان وَكَانَ يعظ النَّاس فَانْتهى فِي بعض أَسْفَاره إِلَى طرسوس وَعقد لَهُ مجْلِس وعظ وأدركته خشيَة وروعة من ذكر الله تَعَالَى فَخر مغشيا عَلَيْهِ ثمَّ توفّي عقب ذَلِك سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وَعرف وَالِده بالقاص لِأَنَّهُ كَانَ يقص الْأَخْبَار والْآثَار وطرسوس الَّتِي توفّي بهَا قد مضى ضَبطه بَلْدَة بِفَتْح الطَّاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضم السِّين الْمُهْملَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ سين مُهْملَة وَشَيْخه ابْن سُرَيج قد مضى اللَّائِق من أَحْوَاله واتصاله بِالْإِمَامِ الشَّافِعِي وَأما ابْن كج فَهُوَ القَاضِي الشَّهِيد أَبُو الْقَاسِم يُوسُف بن أَحْمد بن كج صَاحب أبي الْحسن ابْن القطاني حضر مجْلِس الداركي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي حَقه كَانَ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا جمع بَين رياسة الْفِقْه والفتيا وارتحل النَّاس إِلَيْهِ من الْآفَاق رَغْبَة فِي علمه وجودة فهمه وَله مصنفات كَثِيرَة قَتله العيارون بالدينور لَيْلَة سَابِع وَعشْرين رَمَضَان سنة خمس وأربعمئة وَشَيْخه ابْن الْقطَّان هُوَ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد عرف بِابْن الْقطَّان قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق هُوَ آخر من عَرفْنَاهُ من أَصْحَاب بن سُرَيج درس بِبَغْدَاد وَأخذ عَنهُ الْعلمَاء وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَخمسين وثلثمائة وَأما الْإِسْمَاعِيلِيّ فَهُوَ أَبُو سعيد إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن الْعَبَّاس الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَشْهُور بذلك قَالَ الصاحب بن عباد فِي رِسَالَة كتبهَا إِلَيْهِ
следующие страницы →