Полный текст (1 016 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الْقدر فأدع الله أَن يفتح علينا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ أُفٍّ لَك يَا بني رَأَيْتهَا نيفا وَعشْرين مرّة مَا سَأَلت الله شَيْئا من أُمُور الْآخِرَة فَكيف أسأله أُمُور الدُّنْيَا لقد كنت أعدك رجلا وَكَانَت وَفَاته بِذِي أشرق على الطَّرِيق المرضي وَلما دنت وَفَاة القَاضِي عبد الرَّحْمَن مقدم الذّكر أوصى أَن يدْفن إِلَى جنبه لما يَعْتَقِدهُ فِيهِ من الصّلاح
وَمِنْهُم أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان الملقب بالجنيد مُحَمَّد بن أسعد بن هَمدَان بن يعفر بن أبي النهى مولده سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة وَذَلِكَ بقرية العدن من بلد صهْبَان وَكَانَ وَالِده فَقِيها فَاضلا تفقه بِمُحَمد بن عَليّ الْحَافِظ العرشاني وأصل بلدهم ريمة المناخي وَسكن الْقرْيَة الْمَذْكُورَة وَعنهُ أَخذ ابْنه وَتُوفِّي بِهَذِهِ الْقرْيَة سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَأما ابْنه هَذَا فَكَانَ سيدا نبيلا وامتحن بِقَضَاء مدينتي الْيمن عدن وزبيد ثمَّ عوفي من الْجَمِيع وَذكر بَعضهم أَنه إِنَّمَا امتحن بذلك لِأَنَّهُ عَابَ بعض حكام زَمَانه فِي شَيْء مِمَّا هُوَ بِهِ فَقيل لَهُ سنذيقك مَا ذاق فَلَمَّا امتحن بِقَضَاء عدن اسْتغْفر الله تَعَالَى وَتَابَ ثمَّ عزل نَفسه وَعَاد بَلَده فَقيل لَهُ عَاد لَك قَضَاء زبيد فامتحن بِهِ ثمَّ عزل نَفسه وَعَاد بَلَده ثمَّ انْتقل إِلَى ذِي أشرق وَكَانَ الزَّاهِد العابد مَقْصُودا للزيارة مَشْهُورا باستجابة الدعْوَة حَتَّى أَن الْفَقِيه عمر بن سعيد العقيبي الْآتِي ذكره كَانَ كثيرا مَا يزوره وَيَأْمُر أَصْحَابه بزيارته فَذكرُوا أَنه زَارَهُ مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابه فَلَمَّا وصلوه لم يزدهم على الْقيام وَهُوَ على مُصَلَّاهُ والمصافحة لَهُم وأقعدهم وقعدوا وتحدثوا سَاعَة ثمَّ سَأَلَهُ الْفَقِيه الدُّعَاء فَمد يَده ودعا ثمَّ وادعهم وفارقوه وَكَانُوا وَقت وصلوا إِلَيْهِ مَعَهم فاقة فحين خَرجُوا قَالُوا نجد فِي نجد المحرس أَو نجد العكايف الطَّعَام يُبَاع فنشتري مِنْهُ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْمَوْضِعَيْنِ لم يَجدوا بهما شَيْئا من الطَّعَام وأمضهم الْجُوع والتعب فعتب غالبهم على الْفَقِيه الْجُنَيْد كَونه لم يُطعمهُمْ حَتَّى أَرَادَ بَعضهم أَن يَقُول لَو كَانَ الْجُنَيْد يطعم الطَّعَام لَكَانَ أفضل لَهُ من الْعِبَادَة فزجره الْفَقِيه عمر عَن الْكَلَام وَقَالَ مهلا الْمَوْضُوع مَحْفُوظ ثمَّ لم يصل الْفَقِيه ذَا عقيب إِلَّا وَأَصْحَابه قد كَادُوا يهْلكُونَ جوعا فأدخلهم بَيته وأتاهم بِطَعَام فأكلوه ثمَّ بعد أَيَّام عزم على إِعَادَة الزِّيَارَة فَأمر أَصْحَابه الَّذين خَرجُوا مَعَه أَولا أَن يخرجُوا مَعَه ثَانِيًا فَأَجَابُوهُ وَسَارُوا مَعَه على كره إِذْ لَا يَسْتَطِيعُونَ خلاف الْفَقِيه بعد أَن احتملوا طَعَاما مَعَهم وَسَارُوا فَلَمَّا دنو من ذِي
стр. 387
أشرق خرج الْفَقِيه فَلَقِيَهُمْ وَسلم عَلَيْهِم سَلاما مكملا بالبشر والأنس وَصَارَ كلما مر مِنْهُم ثَلَاث أَربع خطوَات أقبل عَلَيْهِم ورحب بهم وَأهل وَسَهل ثمَّ أدخلهم منزله وأتى لَهُم بِطَعَام كثير فَأَكَلُوا حَتَّى اكتفوا فَلَمَّا غسلوا أَيْديهم سَأَلُوهُ أَن يَدْعُو لَهُم فَدَعَا لَهُم ثمَّ استودعوه وَخَرجُوا عائدين فَقَالَ الْفَقِيه عمر لأَصْحَابه فِي أثْنَاء الطَّرِيق مَا بَقِي سُلَيْمَان يتْرك الْإِطْعَام أبدا وَكَانَت لَهُ كرامات يجل قدرهَا عَن الْحصْر وببركته وإشارته عمل الطواشي مُخْتَصّ المطاهير بِجَامِع ذِي أشرق وَكَانَت وَفَاته على الْحَال المرضي بالقرية الْمَذْكُورَة حَيْثُ انْتقل ظهر الْأَرْبَعَاء منتصف صفر من سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وقبر بالعدينة حَيْثُ قبر بَنو الإِمَام وَهِي بِفَتْح الْعين وخفض الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَهِي مَقْبرَة كَبِيرَة قديمَة شَرْقي الْقرْيَة فقبر بهَا جمع من الأخيار وَخَلفه ولدان أدركتهما أَحْمد أكبرهما وَكَانَ متعبدا يحب الْعُزْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَالْآخر اسْمه عمر تفقه بِسَعِيد العودري الْآتِي ذكره وَكَانَ هُوَ السَّبَب فِي انْتِقَاله إِلَى ذِي أشرق وَكَانَ صَالحا ذَا كرامات وَكَانَت وَفَاته ثامن الْمحرم من سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة وقبر إِلَى جنب قبر أَبِيه فِي الْمقْبرَة الْمَذْكُورَة
وَمِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مَنْصُور الْجُنَيْد الَّذِي ذكره ابْن سَمُرَة وَقَالَ توفّي بالسرين عَائِدًا من الْحَج كَانَ عَليّ هَذَا تقيا خيرا تفقه بِحسن بن رَاشد وبعمر بن يحيى وَالْإِمَام مقدم الذّكر وَغَيره ثمَّ امتحن بِقَضَاء ذِي أشرق وَإِلَيْهِ انْتهى تدريسها فَذكرُوا أَنه كَانَ يَوْمًا بِمَجْلِس التدريس إِذْ قَالَ لأَصْحَابه الْيَوْم نَحن فُقَهَاء وَغدا نَكُون صوفية فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي قدم إِلَيْهِ رجل من أهل بعدان صوفي من أَصْحَاب الشَّيْخ عمر بن المسن يُقَال لَهُ حبريل فَقَالَ لَهُ يَا عَليّ كن مَعنا وَمد إِلَيْهِ يَده فَحكمه ثمَّ نَصبه شَيخا وَأذن لَهُ فِي التَّحْكِيم وَكَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر التعزي إِذْ ذَاك فِي أول ظُهُوره وتعرضه للشهرة وتظاهره بِصُحْبَة الصُّوفِيَّة ومحبتهم وَهُوَ شَاب فوصل إِلَى هَذَا الْفَقِيه وتتلمذ لَهُ فِي التَّوَاضُع وَكَانَ من أظرف النَّاس فِي اجتلاب الْقُلُوب عَلَيْهِ فَأَحبهُ الْفَقِيه على أَنه صَار يتواضع لَهُ ويعظمه ثمَّ جلبه إِلَى تعز وتلطف لَهُ بتدريس الْمدرسَة الأَسدِية بمغربة تعز فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَنزل فدرس بهَا
стр. 388
مُدَّة وَعجب النَّاس من ذَلِك أَشد الْعجب إِذْ كَانُوا يرَوْنَ الْفَقِيه لَو تعرض عَلَيْهِ الْخلَافَة لأعرض عَنْهَا وَعَلمُوا أَن ذَلِك سَلامَة بَاطِن مِنْهُ واستدراج من الْفَقِيه أبي بكر وَلم يزل على تدريس الْمدرسَة الْمَذْكُورَة حَتَّى توفّي مستهل الْحجَّة من سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة بعد بُلُوغ عمره أَرْبعا وَخمسين سنة
وَمِنْهُم أَبُو الْخطاب عمر بن سعيد بن مُحَمَّد بن عَليّ الربيعي الكعومي الجميلي مولده على رَأس سِتّمائَة وَكَانَ فَقِيها مُحدثا أَخذ عَن أَخِيه لأمه عَليّ بن عمر مقدم الذّكر وَعَن غَيره من الْعلمَاء الَّذين يجْتَمع مَعَهم بِصَنْعَاء وَغَيرهَا من بِلَاد الْيمن عرضت ولَايَته لقَضَاء صنعاء حِين عزل أَخُوهُ نَفسه وَاعْتذر وَكَانَ من أفْصح النَّاس الْخطْبَة وَأَحْسَنهمْ رِوَايَة للْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَمَتى حضر مَجْلِسا لم يبْق لأحد فِيهِ قدر يتَكَلَّم بِشَيْء دونه وَكَانَ حَافِظًا للفقه وَالتَّفْسِير لَدَيْهِ معرفَة بالفقه لائقة وَكتب إِلَى المستعصم آخر خَليفَة بِبَغْدَاد يسْأَله أَن يَأْذَن لَهُ فِي الحكم بِصَنْعَاء ونواحيها فوصله خطه بذلك فَكَانَ القَاضِي الْبَهَاء لَا حكم لَهُ فِي شَيْء من تِلْكَ النواحي من رَأس نقِيل صيد حَتَّى تجَاوز عمل السُّلْطَان المظفر إِلَى خلف صنعاء فَكَانَت بَينهمَا بذلك مكارهة وَكَانَ يهم بحرقه وَكسر حرمته فَلم يسْتَطع ذَلِك وَكَانَ هَذَا القَاضِي مَعَ اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ راتبه كل يَوْم ثلث الْقُرْآن وَكَانَ رزقه على الْقَضَاء ورزق حكام الْجِهَة من الْجِزْيَة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي فَلذَلِك صَار مُنْذُ توفّي آمُر الْجِزْيَة يسْتَند عَلَيْهِ الْقُضَاة الأكابر كقضاء الْقُضَاة والوزراء إِلَى عصرنا وَكَانَ حسن السياسة أَحْكَامه كَمَا شَرط لينًا من غير ضعف قَوِيا من غير عنف مَعَ كَثْرَة صِيَام وَقيام وَكَانَ متعصبا للسّنة مجانبا لأهل الْبِدْعَة وَكَانَ المظفر يعظمه ويجله وَبِذَلِك عجز القَاضِي الْبَهَاء عَن إِسْقَاطه وَلم تزل جِزْيَة الْيَهُود وجامكية من جَاءَ مَعَه إِلَى أَن هلك فَأخذ بَنو عمرَان الْجِزْيَة إِلَيْهِم وَجعلُوا لحَاكم كل بلد جامكية من الْوَقْف وَرُبمَا جَعَلُوهُ من مَال الدِّيوَان واستمروا على ذَلِك هم وكل وَزِير جَاءَ بعدهمْ فَصَارَ الْحُكَّام هُنَالك يَأْخُذُونَ مَا لَا يحل لَهُم وَيمْنَعُونَ مَا هُوَ لَهُم حَلَال فَهَذِهِ سنة رتبها بَنو عمرَان غَالِبا واحترزت
стр. 389
بالغالب عَن الْبِلَاد اليمنية كإب وجبلة والجند وتعز وَنَحْوهَا فَإِن تَغْيِير ذَلِك كَانَ من المظفر كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه مَعَ القَاضِي عَبَّاس بِذِي جبلة وَكَانَ هَذَا القَاضِي لَهُ جاه جيد عِنْد مُلُوك بني رَسُول وأمرائهم وَكَانُوا محسنين إِلَيْهِ وَكَانَ ذَا دنيا متسعة اتساعا كليا اشْترى أَرضًا كَثِيرَة فِي السحول والشوافي وَغَيرهمَا وَكَانَ كثيرا مَا ينزل وَيقف عِنْدهَا ويستوطن أشهرا بِمَدِينَة إب وَغَيرهَا من الْيمن الْأَوْسَط وَمن عَجِيب مَا جرى لَهُ أَنه كَانَ قَاعِدا مَعَ الْأَمِير الشّعبِيّ فِي دَار السُّلْطَان بِصَنْعَاء إِذْ خرب عَلَيْهِم الدَّار وَمَعَهُمْ جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن حَاتِم وَأَخُوهُ وَمُحَمّد بن بدر صهر الشّعبِيّ فَمَاتَ الْجَمِيع لم يخرج مِنْهُم أحد من تَحت الْهدم وَهلك الْبَاقُونَ غير هَذَا القَاضِي وَمُحَمّد بن حَاتِم الْهَمدَانِي فَكَانَ القَاضِي يَقُول لما تهور الدَّار رَأَيْت رجلا كَبِير السن قد التقى عني خَشَبَة وَسُحْقًا سقفهما عَليّ فَلم يصلني الْهدم فَقلت لَهُ من أَنْت الَّذِي من الله عَليّ بك فِي هَذَا الْوَقْت فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا على الْقَضَاء بِمَدِينَة صنعاء سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَقد أَخذ عَنهُ جمَاعَة من أهل صنعاء وَغَيرهم وَله ذُرِّيَّة كَثِيرَة لم يقم أحد مِنْهُم مقَامه وَهُوَ أَكثر الْقُضَاة ذُرِّيَّة وَأَكْثَرهم رواجا فِي صنعاء وإب وَغَيرهمَا
وَمِنْهُم عمر بن مُحَمَّد بن عَليّ الجرهمي من قوم بالقرية يُقَال لَهَا الجراهمة تفقه بِعَبْد الله بن الإِمَام مقدم الذّكر وبعلي الْجُنَيْد ولي قَضَاء ذِي أشرق وَكَانَ فرضيا عَارِفًا بِعلم الْمَوَارِيث وَتُوفِّي بهَا سنة خمس وسِتمِائَة
وَمِنْهُم سعيد بن عمرَان بن سُلَيْمَان العودري تفقه بشيخي أبي الْحسن الأصبحي الْآتِي ذكره وَكَانَ قد انْتقل من الذنبتين ودرس بمدرسة الْحرَّة حلل الَّتِي تقدم ذكرهَا مَعَ ذكر عَليّ بن يحيى الْأَمِير وَكنت لَهُ الْوَاسِطَة بذلك مَعَ القَاضِي عبد الله بن أسعد بمكاتبة شَيْخي لَهُ فَلبث بهَا سِنِين قَلَائِل وَنقل الْفَقِيه عمر بن الْفَقِيه سُلَيْمَان الْجُنَيْد الْمُقدم ذكره إِلَى ذِي أشرق لِأَنَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي قِرَاءَة الْعلم عَلَيْهِ إِذْ قَامَ مُدَّة يخْتَلف إِلَيْهِ من ذِي أشرق إِلَى الْمدرسَة ثمَّ صَعب ذَلِك على الْفَقِيه عمر فَجعل لَهُ سَببا من وقف مَعَهم بِذِي أشرق نظرهم عَلَيْهِ وَهُوَ من وقف الطواشي مُخْتَصّ فانتقل الْفَقِيه إِلَى ذِي أشرق وزهد بِالْمَدْرَسَةِ وَلم يزل سَاكِنا بِذِي أشرق حَتَّى توفّي عقيب موت شَيْخه أبي الْحسن بأيام وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة فِي الْمحرم وقبره بالمقبرة الْمَذْكُورَة مَعَ
стр. 390
الْفُقَهَاء وأصل بَلَده جبل يُقَال لَهُ الْعود بِعَين مُهْملَة مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام وَسُكُون الْوَاو ثمَّ دَال مُهْملَة وَكَانَ أَحْمد بن عبد الله اليحيوي بهَا ودرس وَكَانَ ذَاكِرًا للفقه فَاضلا توفّي لنيف وَسَبْعمائة ثمَّ درس بهَا يحيى بن مُحَمَّد بن أبي الرجا ثمَّ آخر من تحققته الْفَقِيه حسن بن مُحَمَّد العماكري انْتفع بِهِ جمَاعَة من أهل الْقرْيَة وَتُوفِّي على ذَلِك بقريته على مَا سَيَأْتِي تَارِيخه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَذكر ابْن سَمُرَة جمَاعَة فِي الطّلبَة أَيْضا مِنْهُم أَحْمد بن مقبل ذكره مَعَ ذكر ابْن أبي الْيَقظَان الْمَذْكُور فِي أهل السفال وَعبد الله بن زيد العريقي
فَأَما أَحْمد فَهُوَ ابْن الْفَقِيه مقبل الدثيني مقدم الذّكر مولده سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة بِذِي أشرق سكنها مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى مَوضِع يُسمى عرج وزن فعل بِفَتْح الْعين اشْتَرَاهُ وَهُوَ أول من أسس قريته وتفقه بِالْإِمَامِ سيف السّنة وَيزِيد بن عبد الله الزبراني وَغَيرهمَا وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا محققا مدققا وتصنيفه لكتاب الْجَامِع يدل على ذَلِك وَبِه تفقه جمَاعَة مِنْهُم عمر بن الْحداد والشكيل وابناه مُحَمَّد وَأَبُو بكر وَكتابه الَّذِي صنفه مَوْجُود مَعَ ذُريَّته بالموضع الْمَذْكُور وَله فِي أصُول الْفِقْه كتاب سَمَّاهُ الْإِيضَاح وَله شرح الْمُشكل من كتاب اللمع وَكتابه الْجَامِع فِي أَرْبَعَة مجلدات كبار يزِيد حجمه على الْمُهَذّب وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء الَّذين ذكرت ذَرَارِيهمْ بِحَيْثُ أَن ذُريَّته الْآن تزيد على الْأَرْبَعين رجلا سوى النِّسَاء وهم مجتمعون بالموضع فيهم خير يقومُونَ بالوارد إِلَيْهِم لَكِن شغلوا بالأزدراع وَغَيره من أُمُور الدُّنْيَا وامتحن هَذَا أَحْمد بِقَضَاء عدن وَعَاد بَلَده فَتوفي بهَا سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَخَلفه ابْنه مُحَمَّد مولده سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة تفقه بِأَبِيهِ كَمَا قدمنَا وَهُوَ أحد مدرسي الْمدرسَة المنصورية بالجند وتفقه بِهِ جمَاعَة من أَهلهَا وَعَاد بَلَده فَتوفي بهَا سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة فقبر إِلَى جنب قبر أَبِيه وَله أَخ اسْمه أَبُو بكر مولده سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ فَقِيها فَاضلا وخطيبا كَامِلا ولي خطابة زبيد سِنِين ثمَّ توفّي بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ خَلفه بقريتهم ابْن لَهُ اسْمه عبد الله بن أبي بكر مولده سنة ثَمَان وسِتمِائَة وتفقه بجده أَحْمد وزميله فِي الدَّرْس عمر بن الْحداد الْآتِي ذكره وَعرض عَلَيْهِ بَنو عمرَان أَن يتَوَلَّى قَضَاء عدن حَيْثُ كَانَ جده فكره وَامْتنع وَكَانَت وَفَاته بقريته الْمَذْكُورَة فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى
стр. 391
وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه مُحَمَّد هُوَ عين أَهله دينا وعقلا ورياسة فَقدمت بلدهم سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة فَوجدت لَهُ مَكَارِم أَخْلَاق وَلَيْسَ فيهم أحد يشْتَغل بالفقه فأذكره لَكِن مُحَمَّدًا هَذَا من أَعْيَان النَّاس وعقلائهم وَأهل بَلَده ونواحيها يرجعُونَ إِلَى قَوْله وَهُوَ الَّذِي أخرج لنا شَيْئا من كتب أَهله تتبعت مِنْهُ التَّارِيخ وَأما عبد الله بن زيد فَهُوَ عبد الله بن زيد بن مهْدي العريقي من أعروق أَيَّامه بِرَفْع الْهمزَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ ألف ثمَّ فتح الْمِيم ثمَّ هَاء سَاكِنة وَهِي قَرْيَة على قرب من حصن الشذف بهَا قوم هَذَا الْفَقِيه وَفِي الْقرْيَة سد متغير كلما أصلح تغير ينْقل قدماؤهم أَن سَبَب ذَلِك أَنه امْتَلَأَ مَاء فِي أول مرّة فَأَتَاهُ جمَاعَة من صبيان الْحَيّ وَفِيهِمْ ولد للفقيه فَسقط إِلَيْهِ وَمَات فِيهِ فَقيل للفقيه ذَلِك فَقَالَ لَا بَارك الله بِهِ من سد فانشق وَهُوَ كلما أصلح من جِهَة فسد من أُخْرَى وَكَانَ تفقه هَذَا عبد الله بِابْن أبي الْيَقظَان كَمَا ذكر ابْن سَمُرَة وَقد ثَبت أَنه أَخذ وتفقه على الإِمَام سيف السّنة وَأخذ رِوَايَته للْحَدِيث وَالْفِقْه عَنهُ وَكَانَ دَقِيق النّظر ثاقب الفطنة اتَّضَح لَهُ فِي مسَائِل الْخلاف مَا لم يَتَّضِح لفقهاء الْوَقْت إِذْ غلب عَلَيْهِم تَقْلِيد مَذْهَب الشَّافِعِي فَذهب فِي الْمسَائِل الَّتِي خَالف بهَا إِلَى أَقْوَال أَئِمَّة معتقدين ظهر لَهُم قُوَّة الْأَدِلَّة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَذَلِكَ بِخِلَاف مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل وَدَاوُد ونظرائهم فأنكروا عَلَيْهِ بِغَيْر إنصاف إِذْ لم يطيقوا الْإِنْكَار على غَيره مِمَّن قَالَ بقوله إِذْ أَكثر مَا فعلوا بالإنكار عدم قبُول قَوْله وعندما يوردون مَسْأَلَة فِيهَا خلاف أوردوا خِلَافه وَلم يتَعَرَّضُوا لَهُ بِسَبَب بل يعظمونه ويثنون عَلَيْهِ بِمَا يَنْبَغِي الثَّنَاء بِهِ على أهل الْعلم فالعجب للمتأخرين كَيفَ لَا يقتدون بالمتقدمين فِي ذَلِك
وَهَذَا الْفَقِيه كَانَ مَشْهُورا بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَإِذا نظر النَّاظر فِي مصنفاته علم غزارة علمه وجودة فَضله وَله عدَّة مصنفات فِي الْفِقْه وَالْأُصُول وَكَانَ نظيف الْفِقْه توفّي تَقْرِيبًا فِي عشر الْأَرْبَعين وسِتمِائَة فِي جَامع الصردف معتكفا إِذْ كَانَ كثير الِاعْتِكَاف وقبره بحياطة شَرْقي الْمَسْجِد زرته فِي آخر الْمحرم سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة ثمَّ زرته بعد ذَلِك مرَارًا فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة وَلم يكن اعْتِكَافه إِلَّا بعد خلو الصردف عَن السكان
وَمِمَّنْ عده ابْن سَمُرَة أَيْضا فِي الطّلبَة مُحَمَّد بن أبي بكر بن مفلت وَقد تفقه بِمُحَمد بن مُوسَى يَعْنِي الْمَذْكُور أول ذكر أَصْحَاب صَاحب الْبَيَان فَلَمَّا اجْتمعت بِبَعْض ذُريَّته وَكَانَ مِنْهُم جمَاعَة يسكنون الْجند مِنْهُم شخص توفّي سنة خمس
стр. 392
وَعشْرين وَسَبْعمائة سَأَلته عَن نسب هَذَا الْفَقِيه فَقَالَ هُوَ أَبُو بكر بن مفلت بِضَم الْمِيم وَفتح الْفَاء وَاللَّام وتشديدها وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بن عَليّ بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعيد بن قيس الْهَمدَانِي نسبا والجحافي بَلَدا نسبه إِلَى جبل هُوَ من أكبر جبال الْيمن وأكثرها عربا يُقَال لَهُ جحاف بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء ثمَّ ألف ثمَّ فَاء والسعيدي نِسْبَة إِلَى جدهم سعيد الْمَذْكُور وَهُوَ أحد أَصْحَاب عَليّ كرم الله وَجهه قدم مُحَمَّد بن أبي بكر إِلَى سير فتفقه بهَا على مُحَمَّد بن مُوسَى ثمَّ سكن قَرْيَة أنامر بِضَم الْهمزَة وَفتح النُّون ثمَّ ألف ثمَّ مِيم مُخَفّفَة ثمَّ رَاء سَاكِنة وَهِي إِحْدَى قرى العوادر الْقَدِيمَة الْمُعْتَمدَة وَله بهَا ذُرِّيَّة إِلَى الْآن مِنْهُم حكام الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بالأنصال
قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسبعين أَو ثَمَان وَخَمْسمِائة ثمَّ لما توفّي خَلفه ابْن لَهُ اسْمه عَليّ كَانَ فَقِيها صَالحا كثير الْحَج يُقَال إِنَّه حج نَحوا من أَرْبَعِينَ حجَّة وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وَالْعِبَادَة واستجابة الدُّعَاء وَلما توفّي خلف جمَاعَة من أَوْلَاده مِنْهُم ابْنه عِيسَى تفقه بالمصنعة وولاه القَاضِي أَحْمد بن أبي بكر قَضَاء الْجند فَلبث قَاضِيا بهَا خمْسا وَأَرْبَعين سنة لم يذكر عَنهُ مَا يذكر عَن غَيره من الْحُكَّام بل يذكر بالورع وَالدّين والعفاف والكفاف وَكَانَ يحب الْعلم وَأَهله وَكَانَ حَافِظًا لكتاب الله تَعَالَى وحافظا لكتاب الْمُهَذّب عَارِفًا بِهِ وَهُوَ أحد من يعده الْفُقَهَاء من حفظَة الْمُهَذّب وَكَانَ إِذا دخل الْجند طَالب علم أحبه وَأَهله واجتهد مَعَه بِحُصُول سَبَب يقوم بِحَالهِ وَكَانَ مَتى حضر مَجْلِسا لم يكن لأحد مَعَه قدر يتَكَلَّم وَلم تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم يَقُول الْحق وَلَو على نَفسه وَلما أَرَادَ المظفر أَن يتَزَوَّج بابنة الشَّيْخ الْعَفِيف استدعى بِهَذَا القَاضِي فَلم يعْقد لَهُ حَتَّى استكملت شَرَائِط العقد وَلم يتساهل من ذَلِك بِشَيْء فأعجب المظفر بذلك وَقَالَ لَو كَانَ متساهلا بِشَيْء فِي حكمه لتساهل مَعنا فِي مرادنا وَكَانَ عِنْده مُعظما وَذكر عِنْده الْقُضَاة والمنكحون فَقَالَ كل نِكَاح لَا يكون بِحَضْرَة القَاضِي عِيسَى حَاكم الْجند لَا يكَاد يوثق بِصِحَّتِهِ أَو كَمَا قَالَ وَكَانَت جامكيته من جِزْيَة الْيَهُود
стр. 393
فِي الْجند وَهِي خَمْسَة عشر دِينَارا وَله أَرض على قرب مَدِينَة الْجند وَأَرْض بِبَلَدِهِ يَأْتِيهِ مِنْهَا مَا يقوم بِحَالهِ وَكَانَ غَالِبا على حَاله المسكنة وَكَثِيرًا مَا يدان وَقل أَن يدان من أهل الْجند تورعا لَيْسَ كَمَا نرى من حكام الْوَقْت يدْخل الْحَاكِم فَقِيرا فَيصير غَنِيا فِي أقرب مُدَّة وَهَذَا جلس خمْسا وَأَرْبَعين سنة وَمَات مديونا عَلَيْهِ نَحْو من سِتّمائَة دِينَار وَعمر فَوق مئة سنة لم يتَغَيَّر لَهُ عقل وَلَا اخْتَلَّ لَهُ فهم يحضر الْمجَالِس الْفِقْهِيَّة والمواكب الملكية يستضاء بِرَأْيهِ وَينْتَفع بِعِلْمِهِ وَكَانَت وَفَاته على الْقَضَاء المرضي بالجند لَيْلَة الْأَرْبَعَاء حادي عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة وقبر تَحت جبل صرب زرت قَبره مرَارًا لما ذكر لي من خَبره وَإِلَّا فغالب الْحُكَّام تنفر النَّفس مِنْهُم أَحيَاء فَكيف أَمْوَاتًا وَذَلِكَ وَالْقَضَاء بيد مُحَمَّد بن أسعد الملقب بالبهاء الْمُقدم الذّكر فَلم يستنب بِالْقضَاءِ أحدا غير أَخ لَهُ اسْمه حسان وَهُوَ أَصْغَرهم وَقد تقدم ذكره مَعَ أَهله فاستولوا على الْقَضَاء والخطابة واستنابوا على وقف الْمَسْجِد والمدارس من شَاءُوا وَلم يزل حسان على الْقَضَاء حَتَّى توفّي القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ الْآتِي ذكره صَاحب تعز فَنقل القَاضِي الْبَهَاء أَخَاهُ حسان عَن الْجند إِلَى تعز وتركا الْجند لعبد الله خطابة وَحكما واستنابة وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى نزع الْقَضَاء مِنْهُم على الصّفة الْمُتَقَدّمَة وَخلف القَاضِي عِيسَى وَلدين هما إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد فإبراهيم تفقه بِأَبِيهِ ثمَّ بفقهاء المصنعة ثمَّ بعمر بن مَسْعُود الأبيني بِذِي هزيم ثمَّ بِإِحْدَى الوزيرتين وَرُبمَا كَانَ بهما وَيَأْتِي ذكر الْجَمِيع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا وَهُوَ آخر من يعد فَقِيها من بني مفلت على مَا بَلغنِي وَكَانَت الْجند موردا للْعُلَمَاء ومقاما للملوك فَكَانَ يَأْخُذ عَن كل من وردهَا من الْعلمَاء واكتسب علوما جمة مِنْهَا الْفِقْه والأصولان وَكَانَ مُعظما عِنْد أهل الدولة والبلد وَكَرِهَهُ بَنو عمرَان لِأَنَّهُ كَانَ لَا يتخضع لَهُم وَلَا يلْتَفت عَلَيْهِم وَلَا إِلَيْهِم وَكَانَ فِي أَيَّام أَبِيه يدرس بِالْمَدْرَسَةِ الشقيرية فأخرجوه عَنهُ ووقف بالجند متقطعا عَن الْأَسْبَاب وَكَانَ بِيَدِهِ أَرض بَاعهَا على شخص فَأمروا عَلَيْهِ وأكرهوه فِي دفع الثّمن ورغبوه فِي الأفساخ ففاسخه ثمَّ كَانُوا يذكرُونَ للسُّلْطَان عَنهُ أمورا قبيحة هُوَ منزه عَنْهَا لَا غَرَض لَهُم بذلك غير إِسْقَاطه عَن عين السُّلْطَان فَحصل بذلك بعض صُورَة عِنْده وَكَانَ قد استفاض بَين
стр. 394
النَّاس علمه وصلاحيته فَذكرُوا أَن المظفر قعد يَوْمًا فِي مجْلِس حافل بقصر الْجند مَعَ جمَاعَة من أَعْيَان دولته الحرفا لم يكن الْوَزير فيهم فَذكرُوا الْجند وَمن بهَا من الْفُقَهَاء فَذكرُوا هَذَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ السُّلْطَان يَا نَاس إِنَّه يذكر عَنهُ أُمُور لَا تلِيق وَكَانَ ابْن الْجُنَيْد من الْحَاضِرين فَقَالَ يَا مَوْلَانَا أَنا أخبر بِهَذَا الرجل وَأَنه فَقِيه الشَّافِعِيَّة لَكِن صَار لَهُ أَعدَاء يحسدونه ويكذبون عَلَيْهِ ويتركون من يكذب عَلَيْهِ كَرَاهَة لَهُ فَوَقع ذَلِك فِي قلب السُّلْطَان وَغلب عَلَيْهِ ثمَّ أَمر وَلَده الْأَشْرَف أَن يستدعيه إِلَيْهِ وَيقْرَأ عَلَيْهِ فَفعل ذَلِك وَلما حضر وجده فَقِيها كَامِلا ورجلا فَاضلا فلازمه على أَن يكون لَهُ وزيرا فَلم يقبل فَجعل لَهُ افتقادا جيدا فِي كل سنة وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ مَا قَالَ صللم تمعددوا وَاخْشَوْشنُوا وَكَانَ لبسه الْقطن وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل الْجند مِنْهُم أَبُو بكر بن فليح وَابْن المغربي أَبُو بكر ووالدي وَأخذ عَنهُ شَيْخي أَبُو الْحسن الأصبحي وَجمع كَبِير وَكَانَت وَفَاته بالجند أَيْضا مستهل ربيع الأول من سنة تسعين وسِتمِائَة وَكَانَ وَالِدي إِذْ ذَاك فِي الْجند حَاضرا قد طلعها من زبيد لاستعادة مدرسة ابْن عَبَّاس فَلَمَّا نزل زبيد لاطلاع أَوْلَاده تقدم إِلَى الإِمَام ابْن عجيل وَأخْبر بِمَوْتِهِ فَقَالَ الْفَقِيه قد بَلغنِي ذَلِك وَصليت عَلَيْهِ فِي جمَاعَة وقبر إِلَى جنب قبر أَبِيه وَأما أَخُوهُ مُحَمَّد فَكَانَ حَافِظًا لكتاب الله تَعَالَى من أحسن النَّاس لهجة بِهِ
من سَمعه يقرأه استعذب ذَلِك وطرب لَهُ رتبه بَنو عمرَان إِمَامًا بالجامع بعد أَبِيه وَكَانَ يتخضع لَهُم ويتودد إِلَيْهِم وَلم يكن لَدَيْهِ فقه شاف فَكَانَ بَنو عمرَان يركنون إِلَيْهِ لذَلِك وَيَقُولُونَ هُوَ لَا يروم مَا يروم أَخُوهُ فَلبث إِمَامًا بالجامع حَتَّى انفصلوا عَن الْقَضَاء ولبث بعدهمْ إِمَامًا نَحْو سنة ثمَّ فَصله بَنو مُحَمَّد بن عمر فَلبث مُنْفَصِلا مُدَّة سِنِين ثمَّ توفّي بالجند لتسْع وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا وَخلف ابْنا اسْمه عِيسَى كَانَت أمه من بني الأمجد الْكتاب فغلب عَلَيْهِ اللَّبن فطلع كَاتبا من كتاب الْحساب وَهُوَ الَّذِي ذكر أَولا أَنِّي أَدْرَكته وَبقيت لِابْنِ مفلت ذُرِّيَّة بِبَلَد العوادر مِنْهُم بَقِيَّة بقريتهم أنامر الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَلما خربَتْ الْقرْيَة انتقلوا إِلَى جبل سورق وَمِنْهُم فُقَهَاء الأنصال وحكامها وَالْغَالِب عَلَيْهِم أَن لَيْسُوا فُقَهَاء بل يسمون بالفقهاء استصحابا للاسم كَمَا يُسمى الْيَتِيم بعد بُلُوغه
انْقَضى ذكر من حَقَّقَهُ ابْن سَمُرَة فِي جَزِيرَة الْيمن من الْفُقَهَاء وَمن كَانَ بعصره طَالبا ثمَّ لم يبْق غير يسير إِمَّا لسهو أَو ليجعلهم مَعَ من تَأَخّر من ناحيتهم بمَكَان وَاحِد وهم جمَاعَة أفردهم بِالْفَصْلِ الَّذِي ختم بِهِ كِتَابه وَجعله مُخْتَصًّا بذكرالقضاة وَقد أَدخل
стр. 395
جمَاعَة غَيرهم فِيهِ لَيْسُوا بقضاة وَأَنا أنبه على ذَلِك إِن شَاءَ الله
فَمن أهل الْجبَال جمَاعَة مِنْهُم أهل الصّفة فِي الْفضل مِنْهُم عَليّ بن يحي العريقي وَأحمد بن مُوسَى العريقي وَعلي بن حسن الْجَعْدِي وَمن دمت الْفَقِيه عَليّ بن جسمر وَأَخُوهُ أَبُو السُّعُود بن عَليّ وَمُحَمّد بن حُسَيْن وَأَخُوهُ أَبُو بكر وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق وَولده عبد الرَّزَّاق وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي عُثْمَان بن أسعد بن سَالم بن دُحَيْم وَابْنه عبد الله من أَصْحَاب مُحَمَّد بن مُوسَى العمراني
وَمن بِنَا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون ثمَّ ألف بِجِهَة مشرق الْيمن جمَاعَة مِنْهُم عمر بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ ثمَّ أسعد بن مَسْرُوق بن فتح بن مِفْتَاح الصليحي بِالْوَلَاءِ وَهُوَ ابْن أخي سُلَيْمَان الْفَقِيه سُلَيْمَان بن فتح مقدم الذّكر قَالَ ابْن سَمُرَة سمع يَعْنِي هَذَا أسعد بقرآتي التِّرْمِذِيّ على شَيْخي أبي بكر بن سَالم الإِمَام بِذِي أشرق وَذَلِكَ سنة سبعين وَخَمْسمِائة وَمن أحاظة الْبَلَد الَّذِي كَانَ بهَا الفائشي كَانَ بهَا جمَاعَة من الْفُقَهَاء غير من تقدم مِنْهُم وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْفَقِيه عَليّ بن الإِمَام زيد بن الْحسن الفائشي وَابْن عَمه الْحسن بن الْفَقِيه قَاسم فمحمد ذُريَّته قُضَاة حرض فِي عصرنا وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر الزوقري وَعبد الله بن مُسلم الكشيش وأسعد بن مَرْزُوق بن أسعد مَسْكَنه الصَّوْم وَأحمد بن أبي الْقَاسِم فَقِيه شَاعِر
انْقَضى ذكر من ذكره ابْن سَمُرَة فِي أهل الْجبَال ونواحيها مَا خلا عدن ونواحيها ثمَّ حضر موت ونواحيها ومرباط وَهِي مَدِينَة قديمَة كَانَت على السَّاحِل قبل ظفار وموضعها من ظفار على مَسَافَة مرحلة أَو مرحلَتَيْنِ وضبطها بخفض الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ طاء مُهْملَة سميت بذلك لِكَثْرَة مَا كَانَ يرْبط بهَا من الْخَيل ثمَّ لما سكنها قوم من الصيادين يعْرفُونَ بالمرابطة طاوها وطاء والمخرب لَهَا أَحْمد بن مُحَمَّد الحبوضي بعد قتال المنجوي وَهُوَ الَّذِي بنى ظفار فِي سَاحل اسْمه جردفون بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَضم الْفَاء ثمَّ وَاو وَنون
فأبدأ حِينَئِذٍ بِذكر من عَمت بركته وانتفع النَّاس بتصانيفه وَهُوَ أَبُو عبد الله
стр. 396
مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن أبي عَليّ القلعي قيل بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون اللَّام نِسْبَة إِلَى قلعة حلب الْمَدِينَة الْمَعْرُوفَة بِالشَّام وَقيل بفتحهما نِسْبَة إِلَى قلعة بَلْدَة بالمغرب وَقيل غير ذَلِك كَانَ فَقِيها كَبِيرا لم يبْدَأ ابْن سَمُرَة فِي الْفَصْل الْأَخير بعده إِلَّا بِهِ أثنى عَلَيْهِ وَله مصنفات عدَّة انْتفع النَّاس بهَا مِنْهَا قَوَاعِد الْمُهَذّب وَمِنْهَا مستعرب أَلْفَاظه وَمِنْهَا إِيضَاح الغوامض من علم الْفَرَائِض مجلدان جيدان جمع بِهِ بَين مَذْهَب الشَّافِعِي وَغَيره وَأورد فِيهِ طرفا من الْجَبْر والمقابلة والوصايا وَله احْتِرَاز الْمُهَذّب الَّذِي شهد لَهُ أَعْيَان الْفُقَهَاء أَنه لم يصنف فِي اعتزاز لَهُ نَظِير أَوله لطائف الْأَنْوَار فِي فصل الصَّحَابَة الأخيار وَله كنز الْحفاظ فِي غَرِيب الْأَلْفَاظ أَعنِي أَلْفَاظ الْمُهَذّب وَله تَهْذِيب الرياسة فِي تَرْتِيب السياسة وَله كتاب أَحْكَام الْقُضَاة مُخْتَصر وَيُقَال إِن مصنفاته أَكثر مِمَّا ذكرت وَهِي تُوجد بظفار وَحضر موت ونواحيهما وَعنهُ انْتَشَر الْفِقْه بِتِلْكَ الْجِهَة وَأَخْبرنِي شيخ قديم من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة وَأهل الْفِقْه بهَا قَالَ سَمِعت قدماء بِلَادنَا يذكرُونَ أَن هَذَا الْفَقِيه قدم عَلَيْهِم من الْحَج إِلَى مرباط فِي مركب فأرسوا وَجعلُوا الأبحر فِي البندر ودخلوا البندر ليشتروا ويبيعوا ثمَّ يترددوا وَكَانَ فِي الْبَلَد قَاض ذُو دين وَفقه قَلِيل والوارد إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة من الْفُقَهَاء قَلِيل وَكَانَ الْفِقْه بهَا قَلِيلا فَبلغ القَاضِي أَنه وصل فِي الْمركب رجل من أكَابِر الْعلمَاء فبحث عَن ذَلِك وتحققه فحين ثَبت عِنْده خرج بِجَمَاعَة من الْبَلَد وتجارها وَكَانَ قد ضرب للقلعي خيمة خَارج الْبَحْر نزل ليستريح بهَا من ضنك الْمركب فقصده القَاضِي وَمَعَهُ التُّجَّار وَاسْتَأْذَنُوا حِين صَارُوا ببابها فأدخلوا عَلَيْهِ فَرَحَّبَ بهم وآنسهم فَسَأَلَهُ القَاضِي عَن عدَّة مسَائِل فَأَجَابَهُ عَنْهَا بأبين جَوَاب وَأقرب صَوَاب بعبارات مرضية فأعجب القَاضِي وَمن مَعَه بِعِلْمِهِ وَحسن خلقه وَسَأَلَهُ أَن يقف مَعَهم بِشَرْط أَلا يَتْرُكُوهُ يحْتَاج إِلَى شَيْء فَقَالَ أُرِيد أَن أصل بلدي فَلم أخرج مِنْهَا على هَذَا الْعَزْم وَظن أَن ذَلِك مِنْهُم على سَبِيل
стр. 397
التجمل فَلم يجزموا على كَثْرَة ملازمته وعادوا الْبَلَد وسلطانها يَوْمئِذٍ الْمَعْرُوف بالأكحل فوصل القَاضِي إِلَيْهِ وأعيان من خرج مَعَه وَأَخْبرُوهُ بقدوم الْفَقِيه وَأَنه عَالم كَبِير وَأَنَّهُمْ مضطرون إِلَى مثله ينْتَفع النَّاس بِهِ ويتفقهون عَلَيْهِ قَالَ وَمَا الْغَرَض قَالُوا تخرج إِلَيْهِ بِنَفْسِك وتلازمه بِالْوُقُوفِ فَلَعَلَّهُ يقبل مِنْك فأجابهم إِلَى ذَلِك وَخرج بموكبه حَتَّى أَتَى خيمة الْفَقِيه وَسلم عَلَيْهِ وَالْتَزَمَهُ فِي الْوُقُوف مَعَه وَشرط لَهُ على ذَلِك أَن يفعل لَهُ مَا أحب فاستحى الْفَقِيه وَأجَاب إِلَى ذَلِك فَحمل قماش الْفَقِيه من الْفَوْر من الْمركب إِلَى الْبَلَد وَأنزل فِي دَار لَائِق بِهِ ثمَّ أقبل على التدريس وَنشر الْعلم فتسامع النَّاس بِهِ إِلَى حضر موت ونواحيها فقصدوه وَأخذُوا عَنهُ الْفِقْه وَغَيره بِحَيْثُ لم ينتشر الْعلم عَن أحد بِتِلْكَ النَّاحِيَة كَمَا انْتَشَر عَنهُ وأعيان فقهائها أَصْحَابه وَأَصْحَاب أَصْحَابه فَمِمَّنْ تفقه بِهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن صمع الْآتِي ذكره ثمَّ أَبُو مَرْوَان وَحج من مرباط فَأخذ عَنهُ بِمَكَّة وزبيد وَغَيرهمَا من الْبِلَاد الَّتِي مر بهَا وَلما أحدث بهَا حمد بن مُحَمَّد الحبوضي ظفار بعد وَفَاة السُّلْطَان الْمَذْكُور على حَيَاة هَذَا الْفَقِيه وَأمر أهل مرباط بالانتقال إِلَيْهَا وَذَلِكَ سنة عشْرين وسِتمِائَة تَقْرِيبًا فابتنى الْفَقِيه بَيْتا بظفار وَكَانَ يتَرَدَّد بَينهَا وَبَين مرباط لِئَلَّا ينْسب إِلَى مُخَالفَة السُّلْطَان فأخرب أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب بيُوت مرباط إِلَّا بَيت هَذَا الْفَقِيه إجلالا لَهُ وَعمر طَويلا وَكَانَت وَفَاته نَحْو ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بمرباط وقبر بمقبرتها وَإِلَى جنبه قبر تَاجر يُقَال لَهُ أبافير بخفض الْفَا وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ رَاء وَكَانَ تَاجِرًا من أهل الدّين وَالدُّنْيَا يقوم بكفاية الطّلبَة الَّذين يصلونَ على الْفَقِيه وَإِن كَثُرُوا فِي الْغَالِب وقلما كَانَ يدْخل الْمَدِينَة مرباط أحد إِلَّا وَكَانَ عَلَيْهِ تفضل فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ دَار على بَاب الْبَلَد فَلَا يدْخل فِي الْغَالِب دَاخل إِلَّا وتكرم فِيهَا على مَا يَلِيق بِحَالهِ وَلم أتحقق تَارِيخه وَإِنَّمَا ذكرته لما كَانَ فِيهِ من الْخَيْر وَالْفضل وقبره إِلَى جنب قبر الْفَقِيه بَينهمَا أَذْرع قَليلَة فَأَخْبرنِي الْخَبِير أَنه تُوجد فَأْرَة تخرج من أحد القبرين وَتدْخل فِي الآخر قبر الْفَقِيه وقبر هَذَا ويفوح عِنْد خُرُوجهَا رَائِحَة الْمسك والواصلون إِلَى هُنَالك يتبركون بتربتهما ويقصدونهما للزيارة من بعد
ثمَّ قد عرض مَعَ ذكر الْفَقِيه ذكر السُّلْطَان وقاضيه فقد أوردت مَا كَانَ مِنْهُمَا فِي حق الْفَقِيه لنَنْظُر فُقَهَاء زَمَاننَا وحكامه كَيفَ لم يداخل القَاضِي حسد كَمَا هُوَ مَنْظُور فِي غالبهم أعين الْقُضَاة وَلم أعرف اسْمه وَكَذَلِكَ السُّلْطَان لم يستكبر على أهل بَلَده
стр. 398
وَلَا على الْفَقِيه وَهُوَ السُّلْطَان أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الأكحل لكحل كَانَ بِهِ من قوم يُقَال لَهُم المنجويون من بَيت لَهُم آل بَلخ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء ونسبهم فِي مذْحج كَانَ أوحد زَمَانه كرما وحلما وتواضعا فَانْظُر كَيفَ فعل للفقيه وَخرج إِلَيْهِ وَكَانَ ممدحا وَإِلَيْهِ قدم الشَّاعِر التكريتي وَلم يكن يتعانى الشّعْر إِنَّمَا كَانَ تَاجِرًا ولديه فضل فانكسر بِهِ الْمركب على قرب من مرباط فَدَخلَهَا وَلَيْسَ مَعَه شئ بل غرق جَمِيع قماشه وامتدح هَذَا الأكحل بقصيدة مَشْهُورَة قَالَ فِيهَا أَعْيَان الأدباء شعرًا يدرس يدرس إِلَّا مَا كَانَ من قصيدة التكريتي وَقد أَحْبَبْت إيرادها فِي كتابي لحسنها وَهِي مَا أَنْشدني وَالِدي قَالَ قدم علينا رجل من أهل ظفار فأنشدني إِيَّاهَا
وأنشدني الْفَقِيه الَّذِي ذكرت أَولا أَنه أَخْبرنِي بِبَعْض مَا ذكرت من أهل هَذِه النَّاحِيَة عَن جمَاعَة سمعهم يروونها هِيَ ... عج برسم الدَّار فالطلل ... فالكثيب الْفَرد فالأثل
فبمأوى الشادن الْغَزل ... بَين ظلّ الضال فالجبل
فَإِذا مَا بَان بَان قبا
... وَبَلغت الرمل والكثبا
... نَاد يَا ذَا الرّبع واحربا ... واسبل العبرات ثمَّ سل
وابك فِي أثر الدُّمُوع دَمًا
... هَب كَأَن الدمع قد عدما
... واندب الغيد الدما ندما ... وَاقِف أثر الظعن وَالْإِبِل
آه لَو أدْركْت بَينهم
... كنت بَين الْبَين بَينهم
... لَيْت شعري الْآن أينهم ... رب سَار ضل فِي السبل
كَيفَ أثني عَنْهُم طمعي
... وهم فِي خاطري وَمَعِي
... كف عني اللوم لست أعي ... ففؤادي عَنْك فِي شغل
هَا أَنا فِي الرّبع بعدهمْ
... أشتكي وجدي من بعدهمْ
стр. 399
.. أسلك الْأَيَّام وعدهم ... وأقضي الدَّهْر بالأمل
فدموع الْعين تنجدني
... وحمام الأيك تسعدني
... فَهُوَ يدنيني ويبعدني ... بالبكا طورا وبالجدل
خلفوني فِي الرسوم ضحى
... أحتسي الدمع مصطبحا
... كل سَكرَان وعى وصحا ... وَأَنا كالشارب الثمل
رق رسم الدَّار لي ورثا
... وسقامي للضنا ورثا
... لَيْسَ سقمي بعدهمْ عَبَثا ... كل من رام الحسان بلي
آه لَو جاد الْهوى وسخا
... أذهب الأقذار والوسخا
... والجوى وَالصَّبْر قد نسخا ... وقعتي صفّين والجمل
مَا لهَذَا الدَّهْر يطمعنا
... وأكف الْبَين تقمعنا
... أَتَرَى الْأَيَّام تجمعنا ... بمنى والخيف والجبل
أَتَرَى بالمشعرين يرى
... عيسهم والركب قد نَفرا
... ونزور الْحجر والحجرا ... ونضم الرُّكْن للقبل
كم لنا بالمروتين أسى
... مَا لَهُ غير الخضوع أسى
... ينجلي عَن رُبمَا وَعَسَى ... والورى فِي غَايَة الوجل
يَا أصيحابي وَيَا لزمي
... غير خَافَ عَنْكُم ألمي
... إِن أمت لَا تَأْخُذُوا بدمي ... غير ذَات الدل والكسل
غادة فِي خصرها هيف
... دنف كل بهَا دنف
стр. 400
.. فهيام الْقلب والشغف ... بَين ذَاك الخصر والكفل
كبياض الصُّبْح غرتها
... وَسَوَاد اللَّيْل طرتها
... دمية كَالشَّمْسِ بهجتها ... وَهِي فِي خمس من الْحمل
أصل دائي عنج مقلتها
... ودوائي لثم وجنتها
... أَتَرَى عمرا بنظرتها ... أَو أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ
رِيقهَا والمبسم الشنب
... خندريس فَوْقه حبب
... لُؤْلُؤ رطب هُنَا الْعجب ... بحره أحلى من الْعَسَل
وصفوا هندا وَمَا وصفوا
... عكسوا الْمَعْنى وَمَا عرفُوا
... قلت هَذَا مِنْكُم سرف ... أيقاس الْكحل بالكحل
فعلت بِي غير مَا وجبا
... عَاقَبت مَا راقبت رقبا
... صحت فِي الْأَحْيَاء وآحربا ... أَيحلُّ الْقَتْل فِي الخجل
كم كرى عَن مقلتي منعت
... حبذا لَو أَنَّهَا قنعت
... مذ بَدَت صنعاء وَمَا صنعت ... جمع ذَاك اللحظ بالمقل
إِن يكن بالحب هان دمي
... هَا صباباتي وَهَا ندمي
... قدمي فِي سالف الْقدَم ... ورشادي ضل فِي الْأَزَل
بدرت من بدر جَارِيَة
... ودموع الْعين جَارِيَة
... ثمَّ قَالَت وَهِي جَارِيَة ... أرفقي يَا هِنْد بِالرجلِ
فأجابت وَهِي معرضة
... ومراض اللحظ ممرضة
стр. 401
.. أَنْت لي يَا سعد مبغضة ... قد شفيت النَّفس من علل
قَالَت البدرية اتئدي
... وعدى ذَا الْمُبْتَلى وعدي
... مَا الَّذِي يُنجي من الْقود ... خلق الْإِنْسَان من عجل
طالما فِيك الْهوى عبدا
... مَا عدا مِمَّا لديك بدا
... لَيْسَ يخفى قَتله أبدا ... عَن مَرْوِيّ الْبيض والأسل
الإِمَام الطَّاهِر النّسَب
... الزكي الطّيب الْحسب
... السَّحَاب الساكب اللجب ... الهتون الْعَارِض الهطل
الهزبر المنجوي إِذا
... أَلْقَت الْحَرْب الْعوَان إِذا
... هُوَ تَاج والملوك حذا ... بل حضيض وَهُوَ كالقلل
طالما قد ضنت السحب
... واشرأب الْمحل والشغب
... وعوادي كَفه الشهب ... بالضحى تهمي وبالأصل
لَو هَمت يَوْمًا غمائمه
... بلظى ناحت حمائمه
... فَهُوَ مذ ميطت تمائمه ... مولع بِالْخَيْلِ والخول
يمنح السُّؤَال قبل مَتى
... سَأَلَ الْمُضْطَر أَو سكتا
... لَو أَتَى بعد الرَّسُول فَتى ... كَانَ حَقًا خَاتم الرُّسُل
وعذول بَات يعذله
... ولديه المَال يبذله
... قَصده عَن ذَاك يَخْذُلهُ ... وَهُوَ لَا يصغي إِلَى العذل
حكت الأنوا أنامله
... وَهِي تخشى أَن أقاتله
стр. 402
.. فَإِذا مَا هز ذابله ... قرب الْأَرْوَاح بالأجل
مَا لَهُ مثل يماثله
... لَا وَلَا شكل يشاكله
... وَله فِيمَا يحاوله ... همة تعلو على زحل
كف كف الدَّهْر حِين سَطَا
... ويداه نحونا بسطا
... فغدونا أمة وسطا ... بعد ذَاك الْخَوْف والوجل
كَيفَ نخشى بعده الزمنا
... وَأَبُو عبد الْإِلَه لنا
... ارتدى مجدا وألبسنا ... حللا ناهيك من حلل
هُوَ قس فِي فَصَاحَته
... ولؤي فِي صباحته
... وَهُوَ معن فِي سماحته ... وَابْن عَبَّاس لَدَى الجدل
إِن يكن فِي نظمها خلل
... يعْذر الْجَانِي وَيحْتَمل
... خاطر الْمَمْلُوك مشتغل ... عَن كتاب الْعين والجمل
جد جد أجد قرلراع سمى
... زد مر آنه اسْلَمْ تهن دم
... صل أَو أَصْرَم صريب استقمي ... هَب تفضل أدن نل أنل ... وَأَشَارَ بقوله أيقاس الْكحل بالكحل إِلَى مَا ذكرنَا أَنه كَانَ أكحل الْعَينَيْنِ وَكَانَ آخر مُلُوك مرباط
قَالَ الْمخبر فَذكرُوا أَنه أجَاز هَذَا الشَّاعِر بمركب جَاءَ لَهُ من بعض الْبِلَاد إِذْ كَانَ معول مُلُوك المنجويين إِنَّمَا هُوَ على الْمَوَاشِي لَا غير كالبدو والحبوضيين على التِّجَارَة والزراعة لَا على الجباية كَمَا هُوَ الْيَوْم مُنْذُ دخل الغز وَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى انْقَضتْ أيامهم فَذكرُوا أَن التَّاجِر وصل من مرباط إِلَى عدن وملكها يَوْمئِذٍ سيف الْإِسْلَام وَقد نقل إِلَيْهِ الشّعْر فَاسْتَكْثر الْمَدْح واحتقر الممدوح وَلما وقف على قَوْله هُوَ
стр. 403
تَاج والملوك حذا غضب عَلَيْهِ وَقَالَ تمدح بدويا بِمثل هَذَا ثمَّ أوصى النَّائِب بعدن مَتى قدم التَّاجِر عَلَيْهِ أوصله إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ فَلَمَّا قدم عدن احتاط على مَا مَعَه وأقدمه على سيف الْإِسْلَام فَلَمَّا استحضره ووقف بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ كَيفَ تَقول هُوَ تَاج والملوك حذا قَالَ لم أقل بخفض الْحَاء وَإِنَّمَا فتحتها فأعجب سيف الْإِسْلَام وَأَعَادَهُ مكرما وَكَانَ قد عَاد الثغر من عدن إِلَى مرباط فَأخْبرُوا السُّلْطَان المنجوي بِمَا جرى على التَّاجِر وَأَنه مُودع فِي السجْن قد حيل بَينه وَبَين مَاله فَبعث مَعَ السّفر بمركب آخر وَقَالَ يتْرك لَهُ مَعَ بعض عدُول الْبَلَد يُنْفِقهُ مِنْهُ ويكسوه مَا شَاءَ حَتَّى يَأْتِيهِ الله بالفرج فَلم يصل السّفر إِلَى عدن إِلَّا وَقد سلم إِلَيْهِ مَاله فَسَلمُوا إِلَيْهِ الْمركب وشحنه فَكتب نَائِب سيف الْإِسْلَام بعدن إِلَيْهِ يُخبرهُ فَعجب من ذَلِك وَقَالَ يحِق لمادح هَذَا أَن يَقُول فِيهِ مَا شَاءَ وَكَانَت وَفَاته يَعْنِي السُّلْطَان على طَرِيق مرض من العفاف وَالْعدْل بعد سِتّمائَة وقبره بَين مرباط وظفار
ذكر الثِّقَة أَنه كثير مَا يسمع من قَبره قِرَاءَة الْقُرْآن وَلم يتْرك عقبا وَلَا بَقِي فِي أَهله كَامِل وَكَانَ مُحَمَّد بن أَحْمد الحبوضي يتجر لَهُ فَقَامَ بِالْملكِ وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله وَبَلغنِي لهَذَا الْملك قصَّة حَسَنَة فَكرِهت إهمالها لِأَن المؤرخين يَقُولُونَ من ذكر إنْسَانا وَله منقبة لم يذكرهَا ظلمه وَذَلِكَ أَن الْفَقِيه الْمخبر قَالَ أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ عَن من يَثِق بِهِ أَن جمَاعَة من أَعْيَان حضر موت تجهزوا من بلدهم لقصد هَذَا المنجوي بِهَدَايَا تلِيق بأحوالهم فصحبهم فَقير فسمعهم يذكرُونَهُ بِالْكَرمِ والإنسانية ثمَّ ذكر كل مِنْهُم مَا وصل بِهِ فاجتنى الْفَقِير ضغثا من أسوكة عَددهمْ سَبْعَة وَجعله حزمة فَلَمَّا دخل أهل الْهَدِيَّة مرباط وَأذن لَهُم فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَدَخَلُوا والفقيه من جُمْلَتهمْ فَسَلمُوا وَوضع الْفَقِير الأسوكة بَين يَدَيْهِ ثمَّ أنْشد ... جعلت هديتي لكم سواكا ... وَلم أقصد بهَا أحدا سواكا
بعثت إِلَيْك ضغثا من أَرَاك ... رَجَاء أَن أَعُود وَأَن أراكا ... ثمَّ أَمر السُّلْطَان أَن تخلى لَهُم بيُوت وللفقير مثلهم وَبعث للْفَقِير بجاريتين ووصيف يخدمونه مُدَّة إِقَامَته وَكَذَلِكَ كَانَ يفعل لكل ضَعِيف يصله ثمَّ عزم الْفَقِير على السّفر فَاسْتَأْذن وَذَلِكَ فَأذن لَهُ بعد أَن أَمر السُّلْطَان من عد الأسوكة الَّتِي جَاءَ بهَا
стр. 404
فَقيل لَهُ سَبْعَة فَقَالَ يعْطى مِمَّا فِي خزائننا من كل شَيْء سَبْعَة أَجزَاء فَقلت للمخبر وَكَيف ذَلِك قَالَ مَا كَانَ يُوزن بالبهار كالحديد والقار وَنَحْوهمَا أعطي مِنْهُ سَبْعَة أبهرة وَمَا كَانَ يُوزن بالمن أعطي سَبْعَة أمنان كالمسك والزعفران وَنَحْوهمَا
وَبِالْجُمْلَةِ مَكَارِم هَذَا الْملك أَكثر من أَن تحصر وَلَو لم تكن من بركته إِلَّا مَا أبقى الله لَهُ جميل الذّكر فِي هَذِه القصيدة الَّتِي مَا سَمعهَا أحد إِلَّا أعجب بهَا وكررها لكفى
ثمَّ نرْجِع إِلَى ذكر الْفُقَهَاء وتتمته كَمَا ذكر ابْن سَمُرَة وَلم يذكر بمرباط غير القلعي وَذكر من فُقَهَاء تريم وَهِي مَدِينَة قديمَة بحضر موت وضبطها بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وخفض الرَّاء ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ مِيم كَانَ بهَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر أَبُو كدر حاكمها وَكَانَ فَقِيها مقرئا وَله أَخ يذكر بِالْفَضْلِ قتلا جَمِيعًا سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة
حُكيَ أَن الزنجبيلي لما أَمر بِقَتْلِهِمَا سبقه أَخُوهُ إِلَى المقتل فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو كدر اسبقني إِلَى الْجنَّة لَا بَأْس عَلَيْك وَإِلَى مثلهَا يكون السباق
أخبر الثِّقَة من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة أَنَّهُمَا يزاران وَمَتى عَطش أهل حضر موت وَاشْتَدَّ بهم الْجهد وصلوا قبرهما واستسقوا بهما فَمَا يلبثُونَ أَن يسقوا
وَمِنْهُم أَبُو بكر قَالَ ابْن سَمُرَة لَقيته فِي عدن بِأول مرّة وقرأت عَلَيْهِ فِي عدن تَفْسِير الواحدي وَكتاب النَّجْم وَقتل شَهِيدا فِي غَزْوَة الزنجبيلي أَيْضا مَعَ أبي كدر إِذْ لما غزا الزنجبيلي حضر موت قتل من أَهلهَا عَالما كثيرا لَا سِيمَا من الْفُقَهَاء وَقَالَ ابْن سَمُرَة وَهُوَ من أهل ذَلِك الْعَصْر قتل فِي غَزْوَة الْأَمِير عُثْمَان الَّتِي قتل فِيهَا فُقَهَاء حَضرمَوْت وقراؤها قتلا ذريعا وَلَقَد كنت لما قدمت عدن وَرَأَيْت مَا وَقفه هَذَا الْأَمِير الزنجبيلي على الْحرم وَالْمَسْجِد الَّذِي بناه على الخان استعظمت قدره واستكثرت خَيره حَتَّى رَأَيْت مَا ذكره ابْن سَمُرَة من قَتله للفقهاء والقراء فصغر وحقر مَا فعله من خير فِي جنب مَا عمله من شَرّ وَقد يَقُول قَائِل مَا كَانَ هَذَا عُثْمَان فَأَقُول هُوَ عُثْمَان بن
стр. 405
عَليّ الزنجبيلي يلقب بعز الدّين كَانَ من جملَة الْأُمَرَاء الَّذين قدمُوا مَعَ شمس الدولة توران شاه بن أَيُّوب حِين قدم الْيمن على مَا سَيَأْتِي فَلبث توران فِي الْيمن مَا لبث ثمَّ عَاد واستخلف الزنجبيلي على عدن ونواحيها فأطمعته نَفسه لغزو حضر موت أشرا وبطرا بعد أَن غزا الْجبَال والتهائم وأفسد فِيهَا على نواب شمس الدولة فِي عدَّة مَوَاضِع فأخلى الْجند عَن أَهلهَا وَكَانَت حروب كَثِيرَة بَينه وَبَين خطاب نَائِب شمس الدولة على زبيد وَذَلِكَ بعد أَن غزا حضر موت فَلم يقم بعد غَزْو الْجند غلا يَسِيرا حَتَّى قدم سيف الْإِسْلَام وَعُثْمَان إِذْ ذَاك بعدن وخطاب بزبيد فَأسر خطابا واستباح أَمْوَاله
ثمَّ قَتله وهرب عُثْمَان فِي الْبَحْر فَأمر السُّلْطَان سيف الْإِسْلَام بالتقاط مراكبه من سَاحل زبيد فَلم يفلت مِنْهَا غير الْمركب الَّذِي كَانَ فِيهِ وَأخذت بَقِيَّة المراكب وَلم يدر بعد ذَلِك مَا جرى لَهُ وَلَا أَي الْجَرَاد عاره فَظَاهر أَفعاله الْفسق الشنيع وَأمره فِي آخرته إِلَى الله تَعَالَى
وَنَرْجِع إِلَى ذكر الْفُقَهَاء فَمن شبام وَهِي قَرْيَة محدثة بعد تريم وضبطها بخفض الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ مِيم وَهِي ملك للملوك بِخِلَاف تريم فَإِنَّهَا لم تزل للْعَرَب فَفِي شبام جمَاعَة فَمنهمْ ابْن أبي ذِئْب فَقِيه شَاعِر مجود لم يزدْ ابْن سَمُرَة على ذَلِك فَلَمَّا صرت بعدن وَأَنا إِذْ ذَاك معتزم لجمع هَذَا الْكتاب سَأَلت جمَاعَة من أهل النَّاحِيَة عَن اسْمه وبلده فَقيل بَلَده شبام واسْمه مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب وَكَانَ فَاضلا فِي الْفِقْه وَعلم الْأَدَب نظم التَّنْبِيه فِي شعر وَله قصائد عدَّة مِنْهَا قَوْله ... أر رسوم ربوع أم رقم ... لاحت فدموع عَيْنَيْك تنسجم
أم وشم معاصم رفشه ... وتأنق فِيهِ من يشم ... وَهِي قصيدة كَبِيرَة تنيف على مئة بَيت مِنْهَا حكم وأمثال وَله ذُرِّيَّة مِنْهُم بَقِيَّة فِي
стр. 406
مَدِينَة عدن يتعانون التِّجَارَة ويعرفون ببني أبي الذِّئْب
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن دَاوُد كَانَ نظيرا لِابْنِ أبي الذِّئْب فِي الْفِقْه وَالشعر وَمن الهجرين وَهِي بلد بِأَعْلَى حضر موت على قرب من الشحر ضَبطهَا بِفَتْح الْهَاء بعد ألف وَلَام ثمَّ جِيم وَرَاء مفتوحتين ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ نون خرج مِنْهَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو زنيج بِضَم الزَّاي وَفتح النُّون ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ جِيم كَانَ فَقِيها كَبِيرا مَشْهُورا وَله هُنَاكَ ذُرِّيَّة ينسبون إِلَيْهِ ويتسمون بالفقه استصحابا للْأَصْل وَمِنْهُم أَبُو جحوش وَمِنْهُم حمد بن أَحْمد بن النُّعْمَان كَانَ فَقِيها كَبِير الْقدر شهير الذّكر طَاف الْبِلَاد وَلَقي المشائخ وَدخل بعد ذَلِك ثغر الاسكندرية وأصبهان فَأدْرك الْحَافِظ السلَفِي وَأخذ عَنهُ بهَا وَهُوَ أحد من عده ابْن سَمُرَة شَيخا لَهُ وَلم يذكر لَهُ تَارِيخا
ثمَّ عرض مَعَ ذكره ذكر السلَفِي نِسْبَة إِلَى جده سلفة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَالْفَاء ثمَّ هَاء
قَالَ ابْن خلكان وَذَلِكَ لفظ أعجمي مَعْنَاهُ بالعربي فِي ثَلَاث شفَاه وَذَلِكَ أَن شفته الْوَاحِدَة كَانَت مشقوقة فَصَارَ شفتين غير الْأَصْلِيَّة مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة تَقْرِيبًا وأصل بَلَده أَصْبَهَان وَهُوَ أحد الْحفاظ المكثرين رَحل فِي طلب الحَدِيث وَلَقي أَعْيَان الْمَشَايِخ وَكَانَ شَافِعِيّ الْمَذْهَب وَقدم بَغْدَاد فاشتغل بهَا على أبي الْحسن عَليّ الهراس فِي الْفِقْه وعَلى الْخَطِيب التبريزي فِي اللُّغَة وروى عَن أبي مُحَمَّد جَعْفَر بن السراج وَغَيره من الْأَئِمَّة الأماثل وجاب الْبِلَاد وَطَاف الْآفَاق وَدخل ثغر الاسكندرية سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة وَبنى لَهُ أَبُو الْحسن عَليّ السلال وَزِير الظافر أحد الْمُلُوك الفاطميين مدرسة بهَا وَهِي ومعروفة بِهِ إِلَى الْآن
قَالَ ابْن خلكان لم يكن فِي آخر عمره لَهُ نَظِير فِي سَعَة الْعلم قَصده النَّاس من الْأَمَاكِن الشاسعة فَسَمِعُوا عَلَيْهِ وانتفعوا بِهِ وَله أشعار متداولة بَين النَّاس وأماليه وتعاليقه كثير وَله أشعار متقنة مِنْهَا مَا قَالَه فِي معاتبة الزَّمَان حَال ترحله من الْبِلَاد فمما قَالَه ... لج الزَّمَان مبالغا فِي شاني ... فأزاحني عَن موطني ومكاني
وَغدا يعاندني معاندة العدا ... مُتَعَمدا حَتَّى لقد أعياني
وحر لقيا من أحب بَقَاؤُهُ ... بالرغم بعد وَزيد فِي أحزاني ... وَهِي كَبِيرَة تزيد على ثَلَاثِينَ بَيْتا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة وَقيل يَوْمهَا خَامِس
стр. 407
ربيع آخر من سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة
ثمَّ نرْجِع إِلَى ذكر فُقَهَاء حضر موت قَالَ ابْن سَمُرَة وَمِنْهُم ابْن أبي الْحبّ تفقه بطاهر بن يحيى وَهُوَ الَّذِي مدح طَاهِرا بالشعر الْمَذْكُور مَعَ ذكره وَفِي آل الْحبّ جمَاعَة يسكنون ظفار وعدن لَعَلَّ الله يَسُوق إِلَيّ أحدا مِنْهُم فأذكره فِي طبقته إِن شَاءَ الله وَهَذَا آخر من ذكر ابْن سَمُرَة من أهل حضر موت ثمَّ قَالَ وَمن أحور مُحَمَّد بن مَنْصُور النصيف كَانَ فَقِيها مجودا فِي علم الْفَرَائِض والحساب إِمَامًا فِي الحَدِيث وَفِي ميفعة سعيد بن فَرح وَرَاشِد بن عبد الله بن أبي جياش العامري
وَمِنْهُم عمر بن مُحَمَّد الكبيبي بِضَم الْكَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وخفض الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ يَاء لَا أَدْرِي إلام هَذِه النِّسْبَة تفقه بشيوخ الْحصيب وَولي قَضَاء عدن سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن حَوْشَب العامري من أبين والخطيب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن الْفَقِيه عمر بن بيش مقدم الذّكر وَأَنه أحد شُيُوخ الإِمَام يحيى
قَالَ ابْن سَمُرَة وَهُوَ مفتي لحج الْآن
وَمن أهل عدن أَبُو الْفَتْح بن عَمْرو ولي قضاءها أَيَّام السُّلْطَان زُرَيْع بن الْعَبَّاس اليامي أَو أَبُو الْفَتْح بن أبي السهل الْفَارِسِي ثمَّ بعده القَاضِي أَبُو بكر اليافعي ثمَّ زبيد بن عبد الله بن عون الله ثمَّ ولي قَضَاء الْقُضَاة فِي الْيمن من صنعاء إِلَى عدن سُلَيْمَان بن الْفضل عده عمَارَة فِي كِتَابه وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد القَاضِي سُلَيْمَان بن الْفضل شيخ اللُّغَة وَصدر الشَّرِيعَة وجمال الخطباء وتاج الأدباء وظني وَالله أعلم إِنَّمَا ولي بعد القَاضِي أبي بكر وَكَانَ لَهُ شعر رائق مِنْهُ قَوْله ... تسموا بالوصال ترك الْوِصَال ... واعتمدتم قطيعتي وملالي
واعتضتم من التداني بعادا ... وصدودا يزِيد فِي بلبالي
لَيْسَ من شِيمَة الوفا أَن تلجوا ... فِي التجني فيشتفي عذالي ...
стр. 408
وَذكر لَهُ عمَارَة عدَّة أشعار لَكِن لَا يَلِيق بالمختصر غير ذَلِك وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه حَاتِم معدودا فِي الْفُضَلَاء
قَالَ ابْن سَمُرَة وأفضت ولَايَة الْقَضَاء بهَا يَعْنِي عدن إِلَى شَيْخي أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي سَالم القريظي كَانَ فَقِيها فَاضلا مُحدثا نحويا لغويا أَخذ عَن القَاضِي الجندي والمقيبعي وَعَن غَيرهمَا وَعنهُ أَخذ جمَاعَة كَثِيرُونَ مِنْهُم ابْن سَمُرَة والفقيه بطال وَمُحَمّد بن قَاسم الْمعلم وَغَيرهم وامتحن بِالْقضَاءِ أَرْبَعِينَ سنة هَكَذَا ذكر ابْن سَمُرَة وانفصل عَنهُ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَت وَفَاته بعدن سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ تولى بعده القَاضِي عبد الْوَهَّاب بن عَليّ الْمَالِكِي من جِهَة أثير الدّين وَهُوَ آخر من عده ابْن سَمُرَة وَعَجِيب كَيفَ لم يعد ولد طَاهِر فِي الْقُضَاة بعدن وَقد ذكر ذَلِك مَعَ ذكره
وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن القَاضِي أَحْمد أَخذ عَن أَبِيه وَغَيره وَأخذ عَن القَاضِي الْأَثِير وَعَن مُحَمَّد بن سعيد مؤلف الْمُسْتَصْفى وَعنهُ أَخذ الشريف أَبُو الحَدِيث وَمُحَمّد بن عمر الزَّيْلَعِيّ وحسين العديني وَأَبُو السُّعُود بن الْحسن وَغَيرهم مِمَّن يَأْتِي ذكرهم وَله عدَّة أَوْلَاد مِنْهُم وَلَده إِسْمَاعِيل كَانَ فَاضلا وَلم تزل خطابة عدن بأيدي ذُريَّته حَتَّى انقرضوا لبضع وَسَبْعمائة وَقد كَانَ فيهم من هُوَ أهل لِأَن يذكر لَكِن لم أجد ذَلِك محققا وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله ذكر من الْتحق بهم فِي عدن مَعَ أهل الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة مِمَّن لم يذكرهُ ابْن سَمُرَة على حسب مَا ثَبت لي من نقل الْعدْل
وَهَذَا أَوَان الشُّرُوع فِي ذكر الَّذين تَأَخَّرُوا عَن زمن ابْن سَمُرَة إِذْ يغلب على ظَنِّي أَنِّي قد أتيت على جَمِيع من ذكره مَعَ مَا حصل وَزِيَادَة من غير الْكتب الَّتِي تقدم ذكرهَا أَو من نقل الْعدْل من ذكر المناقب وَقد رَأَيْت أَن أستفتح من ألحقت وأحببت أَن أبدأ بِذكرِهِ رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَهُوَ أَبُو الْخطاب عمر بن عَليّ بن سَمُرَة الْجَعْدِي مولده قَرْيَة أنامر الْمُقدم ذكرهَا سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة تفقه بِجَمَاعَة أَوَّلهمْ عَليّ بن أَحْمد اليهاقري وَزيد بن عبد الله بن أَحْمد الزبراني وَمُحَمّد بن مُوسَى العمراني وطاهر بن يحيى وَجَمَاعَة كَثِيرُونَ وَهُوَ شَيْخي فِي جمع هَذَا الْكتاب
وَلَوْلَا كِتَابه لم أهتد إِلَى تأليف مَا ألفت
وَلَقَد أبقى للفقهاء من أهل الْيمن ذكرا وَشرح لِذَوي الأفكار صَدرا ولي قَضَاء أَمَاكِن فِي المخلاف من قبل طَاهِر بن الإِمَام يحيى وترأس فِيهَا بالفتوى ثمَّ
стр. 409
صَار إِلَى أبين فولاه القَاضِي الْأَثِير الْقَضَاء فِي أبين سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَأَظنهُ توفّي هُنَالك بعد سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَقد تكَرر ذكر القَاضِي الْأَثِير فَأحب بَيَان مَا ثَبت لي من أَحْوَاله فأبدأ بنسبه هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد ذُو الرياستين ابْن الشَّيْخ ثِقَة الْملك أبي الْفضل مُحَمَّد بن ذِي الرياستين مُحَمَّد بن بنان الْأَنْبَارِي بَلَدا ضبط بنان جده بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح النُّون ثمَّ ألف وَنون قدم الْيمن صُحْبَة سيف الْإِسْلَام وَقد خبر علمه وأمانته وعمره يَوْمئِذٍ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سنة وَقَالَ سَمِعت كتاب الشهَاب وَأَنا ابْن ثَلَاث سِنِين فَسَمعهُ عَلَيْهِ القَاضِي إِبْرَاهِيم بن أَحْمد فِي جمَاعَة كَانَ إِبْرَاهِيم فِي جمَاعَة القارىء لَهُم وَابْن سَمُرَة من جملَة السامعين وَأخذ عَن القَاضِي إِبْرَاهِيم سيرة ابْن هِشَام قِرَاءَة وَهُوَ طَرِيق سَمَاعنَا بهَا فِي بعض الطّرق لشَيْخِنَا أبي الْعَبَّاس الْحرَازِي الْآتِي ذكره ثمَّ إِن سيف الْإِسْلَام صرفه عَن الْقَضَاء سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَحمله رِسَالَة إِلَى بَغْدَاد فحملها وَعَاد من بَغْدَاد إِلَى مَكَّة وَكتب مِنْهَا إِلَى سيف الْإِسْلَام
... وَمَا أَنا إِلَّا الْمسك عِنْد ذَوي النَّهْي ... أضوع وَعند الْجَاهِلين أضيع ... قَالَ ابْن سَمُرَة وَلم أدر أَي الْجِهَات قراره وَلَا أَي الْجَرَاد عاره ثمَّ لم يبْق إِلَّا أَن أذكر الْفُقَهَاء فِي كل بلد فأبدأ بِذكر الْبَلَد ثمَّ بِمن فِيهَا وحواليها وَكنت أحب أَن أفعل ذَلِك فِي جَمِيع الْكتاب فَلم يساعد الزَّمَان لِكَثْرَة الامتحان وَعدم الْإِمْكَان فأبدأ حِينَئِذٍ بفقهاء الْجبَال لتحققي لغالبهم نظرا وسماعا يقوم مقَام النّظر فَرَأَيْت أَن أعظم الْبِلَاد إِفَادَة للطلبة وَأعظم أَهلهَا صبرا عَلَيْهِم فِي الزَّمَان الْمُتَأَخر وَهِي مصنعة سير مسافتها من مَدِينَة الْجند عِنْد ذكر الشَّيْخ مؤلف الْبَيَان نصف مرحلة وَكَانَت هَذِه الْقرْيَة قلعة فَاشِية بأيدي صبهان فاشتراها مِنْهُم بَنو عمرَان وابتنوا بهَا مسَاكِن وَذَلِكَ فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة وَوجدت بِخَط الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُوسَى أَن ابْتِدَاء الْبناء بهَا فِي سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَذَلِكَ قبل وَفَاة الإِمَام يحيى لسنة
стр. 410
أَو سنتَيْن فَلم تزل مُنْذُ ابْتِدَاء عمارتها موئلا لطلبة الْعلم وَلَا نجد فِي الْجبَال غَالِبا من المدرسين والمفتين وَالْفُقَهَاء والمحققين إِلَّا من كَانَ تفقه بهَا إِن لم يكن جملَته أَو تفقه على من تفقه بهَا فقد ذكر فِيمَا تقدم أَن الْفُقَهَاء من أَهلهَا هم ذُرِّيَّة الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُوسَى وَبَقِي مِنْهُم بَقِيَّة وَقد درس مَعَهم فِيهَا جمَاعَة وَذَلِكَ أَنه لما صَار إِلَيْهِم الْقَضَاء الْأَكْبَر والوزارة فشغلوا بهما عَن التدريس فَكَانُوا يجتلبون الْفُقَهَاء ليدرسوا لَهُم أَوْلَادهم وَمن جَاءَ طَالبا حَتَّى تفقه من أَوْلَاد القَاضِي عبد الله بن مُحَمَّد وَابْن عَمه مُحَمَّد بن أبي بكر قَائِما بالتدريس كَمَا قدمنَا ذَلِك وَلمن كَانَ يفقههم
وَأما المدرسون المستدعون إِلَى المصنعة لأجل التدريس فَجمع لَا يكَاد يُحْصى
مِنْهُم أَبُو الْحسن بن رَاشد وَبِه تفقه جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي الْبَهَاء وَمن تفقه من أخوته وَكَانَ مَسْكَنه العماقي وَسَيَأْتِي ذكره محققا إِن شَاءَ الله
ثمَّ بعده مَنْصُور بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الأصبحي ثمَّ ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن أبي بكر بن مَنْصُور ثمَّ تِلْمِيذه شَيْخي عَليّ بن أَحْمد الأصبحي وَيَأْتِي ذكرههم محققا مَعَ أهل بلدهم إِن شَاءَ الله ثمَّ مُحَمَّد بن عَليّ الشّعبِيّ ثمَّ عبد الله بن عمرَان الْخَولَانِيّ وغلبت من أَوْلَادهم على التدريس مُحَمَّد بن عبد الله كَانَ الْأَكْبَر من الطّلبَة يتفقهون بِهِ لِأَن أَبَاهُ هُوَ الَّذِي يطعم الدرسة وَغَيرهم بالمصنعة لَا يطعم مَعَه أحد وَيكبر لَهُ أَخَوَاهُ اللَّذَان يسكنان مَعَه فِي المصنعة وهما أَبُو بكر وَمَنْصُور فَإِذا غَابَ فِي الْجند أَو تعز قَامَ بأعباء الطّلبَة والضيف أَخُوهُ مَنْصُور فَإِذا غَابَ أَيْضا قَامَ بذلك أَبُو بكر مَعَ أَن الْجَامِع لم يكن يَخْلُو عَن مدرس يَأْخُذ الكيلة من وقف وَقفه القَاضِي أَبُو بكر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى مقدم الذّكر بِجِهَة الحيمة وَإِن لم يدرس ويقتصر على إِمَامَة الْمَسْجِد وَرُبمَا قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الدرسة على سَبِيل التوطئة وَيكون تَحْرِير ذَلِك وتحقيقه فِي الْغَالِب على الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الله فَإِنَّهُ كَانَ يجْتَمع عَلَيْهِ نَحْو من مئة درسي أَو زِيَادَة عَلَيْهِم وتفقه من بني عمرَان جمَاعَة من أَوْلَاد الْقُضَاة غير من تقدم مِنْهُم عمرَان بن القَاضِي عبد الله الَّذِي ذكرت أَولا تفقه وَأخذ النَّحْو وَكَانَ بِهِ فَاضلا وَقعد وزيرا للْملك الواثق مُدَّة سِنِين وَلما أَرَادَ يقدم ظفار على مَا سَيَأْتِي امْتنع أَهله عَلَيْهِ من السّفر مَعَه فَلبث مَعَ أَعْمَامه بتعز وَتَوَلَّى قضاءها مَكَان عَمه حسان ثمَّ لما صودر قومه كَانَ من أَشد النَّاس عذَابا هَذَا ثمَّ أنزل هُوَ وَابْن عَمه مُحَمَّد بن حسان إِلَى زبيد على حبس الرهائن وأقعد تَحت الْحِفْظ بدار لَهُم صَغِيرَة إِلَى جنب دَار عمهم القَاضِي الْبَهَاء حَتَّى توفّي بعد أَبِيه سنة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة
стр. 411
وَمن أحسن مَا بَلغنِي من مَكَارِم بني عمرَان أَن هَذَا عمرَان كَانَ يلْعَب وَهُوَ فَتى مَعَ بعض الدرسة فَحَذفهُ بحصاة وَقعت بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ وأبعدته فخاف الدرسي خوفًا شَدِيدا فَأمر لَهُ القَاضِي بكسوة وَأمره أَن يروح حَيْثُ شَاءَ وَلم يغب إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِل وَكَانَت لَهُ مَكَارِم يكثر تعدادها لَو أَنَّهَا قرنت بورع لكَانَتْ عجبا وَكَانَ لحسان الْمُقدم ذكره ثَلَاثَة أَوْلَاد هم مُحَمَّد ويوسف وَعمر وأمهم وَأم الوزراء بني مُحَمَّد بن عمر أختَان إِذْ هما بَنَات القَاضِي أسعد بن مُسلم الْآتِي ذكره ولهذه الْقَرَابَة سلمُوا من الضَّرْب وَلم يسلمُوا من الْقَيْد وَالْحَبْس بِخِلَاف أَوْلَاد أبي بكر فَإِنَّهُم سلمُوا من جَمِيع مَا وَقع بأهلهم من ضرب وَحبس وَقتل وَقبض أَرض فَدلَّ أَن نفع الدُّنْيَا والمداراة بهَا أبلغ من نفع النّسَب كَمَا قَالَ الحريري الْمَرْء بنشبه لَا بنسبه إِنَّمَا شاركوهم من الْأُمُور الَّتِي وَقعت عَلَيْهِم المؤلمة بِالْخرُوجِ عَن المساكن إِذْ قَامَ بهم الْفَقِيه أَبُو بكر قيَاما مؤزرا وَصد عَنْهُم فَسَأَلت عَن ذَلِك فَقيل كَانَ والدهم يصحب الْفَقِيه أَبَا بكر ويهادنه بِغَيْر علم من أخوته فَلم تزل ذُريَّته مجللين مصونين حَتَّى انقرض مُحَمَّد وَابْنه عبد الله مصونا إِلَى الْآن وَهَذَا كَلَام دخيل
فلنرجع إِلَى تَتِمَّة أَوْلَاد حسان مُحَمَّد أكبرهم كَانَ بِهِ تعبد وتعفف وتفقه على جمَاعَة من فُقَهَاء تعز وَغَيرهم وَكَانَ فِيهِ صَدَقَة وافتقاد لجَماعَة من الضعوف وترتب سِقَايَة لجامع الْجند ثمَّ كَانَ مسحسها هَذَا فِي قيام حَالهم ووزارتهم وسجن بزبيد دهرا وَكَانَ السجان يذكر عَنهُ كرامات مستغربة ثمَّ أطلقهُ الْمُؤَيد من السجْن بعد وَفَاة الْوَزير عَليّ بن مُحَمَّد
وأسكن بَيْتا عمره ثمَّ صَار الْملك إِلَى الْمُجَاهِد وَقد كَانَ الْمُؤَيد نقل إِلَيْهِ أَخَوَيْهِ من سجن عدن إِلَى دَار عمهم بزبيد فلبثوا بِهِ فَأخْرجهُمْ الْمُجَاهِد وَجمع بَينهم وَبَين أهلهم بسهفنة فلبثوا مُجْتَمعين نَحوا من سنة وَتُوفِّي بالتاريخ الْمُتَقَدّم وَأما أَخُوهُ يُوسُف فتفقه أَيْضا بِمن تفقه بِهِ أَخُوهُ كَابْن العراف الْآتِي ذكره وَغَيره وَفِيه مروة وتخلق وَحسن فتوة وَهُوَ بَاقٍ إِلَى عصرنا سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأما أَخُوهُ عمر فتفقه وَيذكر بِالْخَيرِ والإنسانية أَيْضا وَلَهُم أَخ رَابِع أمه من الطبريين من أهل مَكَّة لما امتحن أَهله بالسجن وَنزل بِأَبِيهِ إِلَى عدن هربت بِهِ أمه إِلَى
стр. 412
أَهلهَا فَنَشَأَ بَينهم نشأة حَسَنَة وتفقه وَذكر بِالْفَضْلِ وَقدم زبيد سنة ثَلَاث وَعشْرين فَجعل قَاضِي قُضَاة من قبل الظَّاهِر فَلَمَّا غلب الْمُجَاهِد على زبيد خرج إِلَى عدن وَلحق بِالظَّاهِرِ إِذْ كَانَ يَوْمئِذٍ بهَا ثمَّ طلع الْجبَال فانتهب بجرانع ثمَّ تقدم جبلة فَهُوَ بهَا إِلَى الْآن فِي شهر ربيع الآخر سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَلَيْسَ للْقَاضِي الْبَهَاء عقب يذكر بِهِ وَلَا لمنصور وَهَؤُلَاء آخر من يَنْبَغِي ذكره مِنْهُم وَآخر ذَرَارِي الْفُقَهَاء الَّذين ذكرهم ابْن سَمُرَة اللَّهُمَّ إِلَّا رجل بِذِي السفال اسْمه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْفَقِيه عمر بن إِسْمَاعِيل مقدمي الذّكر مولده سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة أدْرك جده مُحَمَّدًا وَأخذ عَنهُ وَكَانَ فَاضلا بالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَكَانَ جميل الْخلق مديد الْقَامَة كَمَا ذكر عَن جده مُحَمَّد بن أَحْمد وَكَانَ يحفظ النقاش فِي التَّفْسِير حفظا جيدا وَكَانَ يتنعم فِي ملبسه ومطعمه ومشربه فَكَانَ يدان حَتَّى يبلغ دينه مبلغا عَظِيما فيضيق من ذَلِك وَينزل مدرسة الْجند المنصورية فيتخلى لَهُ مدرسها عَن منصبه ليبقى بهَا مُدَّة وَمَا يحصل من الكيلة قضى بِهِ الدّين وَهُوَ لَا يَأْكُل إِلَّا من بَيته يُؤْتى بِخبْز مخبوز وَيَشْتَرِي إدامه فِي الْجند ثمَّ إِذا انْقَضى دينه عَاد بَلَده مبادرا فَمَا أحسن هَذَا وَأحسن مِنْهُ فعل الْفَقِيه الْمدرس الَّذِي يتخلى لَهُ هَذَا يكَاد يكذب بِهِ الْعقل لما نرَاهُ من فُقَهَاء زَمَاننَا لَكِن الَّذِي أَخْبرنِي رجل من أهل الدّين وَالْعقل وَكَانَ من بَقِي عَلَيْهِ من الطّلبَة شَيْء فِي كِتَابه لحقه بَلَده فأتمه وَكَانَ صَاحب كرامات ومكاشفات أَخْبرنِي الثِّقَة من أهل بَلَده أَنه كَانَ يكثر التّكْرَار لزيارة الْقُبُور فزارها ذَات يَوْم بِجَمَاعَة من أَصْحَابه فحين أشرف عَلَيْهَا تنفس صعدا ثمَّ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله إِن هَذِه الْقُبُور لَيست على مَا ترَوْنَ إِنَّهَا كبيوت أهل الدُّنْيَا مِنْهَا قُصُور وَمِنْه دور وَمِنْهَا بيُوت وَمِنْهَا عشش وَمِنْهَا ديم وَقد سمع مِنْهُ هَذَا جمَاعَة وَأخْبر ثِقَة عَنهُ أَنه روى عَن جده مُحَمَّد بن أَحْمد أَنه كَانَ ذَات لَيْلَة قَائِما يُصَلِّي ورده إِذْ سمع شخصا يَدْعُو من الشَّارِع يَقُول يَا مسعودة يَا مسعودة من قبالة الطاق الَّذِي لَهُ فأخف الصَّلَاة ثمَّ أشرف من الطاق فَرَأى كَلْبا على جذم حَائِط يحدث هرة لبيت الْفَقِيه قد خرجت حِين دَعَا فحين لَقيته تسالما بِكَلَام يعرفهُ الْفَقِيه ويسمعه ثمَّ قَالَت لَهُ من أَيْن جِئْت قَالَ خرجت من زبيد الْيَوْم لِأَنَّهُ قتل الْملك الْمعز بهَا وَأُرِيد أبلغ الْخَبَر من فوري صنعاء وَلَكِنِّي جوعان فانظري لي شَيْئا آكله فَقَالَت لَيْسَ بِالْبَيْتِ شَيْء إِلَّا
стр. 413
وَقد غطي وَذكر عَلَيْهِ اسْم الله تَعَالَى قَالَ كَمَا فِيهِ صبي قد أكل شَيْئا ونام قبل غسل فِيهِ قَالَت بلَى لكني أخشاك تضره قَالَ إِذا أصبح وعَلى فِيهِ شَيْء فأطلوه بطحلة الجرة ثمَّ غَابَ عَن نظر الْفَقِيه وَإِذا بِهِ يسمع بكاء الطِّفْل فِي المهد فَاسْتَيْقَظت أمه وحركته حَتَّى نَام وَعَاد الْفَقِيه إِلَى ورده ثمَّ لما أصبح الصَّباح ظهر على فَم الصَّبِي بثر فَقَالَت أمه للفقيه يَا سَيِّدي مَا هَذَا الَّذِي بولدي قَالَ تطعمينه وَلَا تغسلين فَمه من الطَّعَام فَعرفت وَقَالَت نعم فَقَالَ هَاتِي الجرة فَأَتَتْهُ بهَا فأبعد ماءها وسلت من طحلتها شَيْئا فطلى بِهِ فَم الصَّبِي فَلم يلبث أَن تعافى ثمَّ أَقبلت الْهِرَّة تمشي على سَبِيل عَادَتهَا فَقَالَ الْفَقِيه لَهَا هَكَذَا يَا مسعودة تساعدين علينا فَنَظَرت إِلَيْهِ سَاعَة ثمَّ ولت فَقَالَ الْفَقِيه قد ربينا هَذِه الْهِرَّة فَالله عَلَيْهَا خير حَافِظًا فَنزلت الْهِرَّة الدهليز وأرادت أَن تخرج من طَاقَة فِيهِ فحنبت فِيهَا ثمَّ لما كَانَ بعد يَوْمَيْنِ افتقدت فَلم تُوجد فَأمر الْفَقِيه من طلبَهَا وَقَالَ لَعَلَّهَا فِي الْموضع الْفُلَانِيّ فَوجدت فِيهِ حانبة فخلصت مِنْهُ وأتى بهَا إِلَى الْفَقِيه فَمسح عَلَيْهَا وَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك لَا تغيري الصُّحْبَة ثمَّ لما استفاضت هَذِه الرِّوَايَة صَار كل من حصل بِهِ حول فَمه بثر طلاه بطحلة الجرة فَيبرأ وجرب ذَلِك وَقدم على هَذَا الْفَقِيه الفقيهان مُحَمَّد بن أبي بكر الأصبحي وَمُحَمّد بن عمر الزَّيْلَعِيّ أَخْبرنِي الْفَقِيه صَالح بن عمر بذلك وَأَنه يذكر قدومهما عَلَيْهِ وسمعا عَلَيْهِ كتاب الرَّقَائِق لِابْنِ الْمُبَارك وَكنت إِذْ ذَاك صَغِيرا
وَلَقَد نَدِمت حَيْثُ لم أحضر سماعهما وَكَانَ محبوبا عِنْد أهل بَلَده ونواحيها مسموع القَوْل مَقْبُول الشَّفَاعَة وَكَانَ خطيب الْبَلَد وَإِمَام الْجَامِع وَكَانَت وَفَاته نَحْو سِتِّينَ وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَحضر قبرانه خلق لَا يكادون يُحصونَ
وَمن غَرِيب مَا جرى يَوْم مَوته أَنه لما توفّي كَانَت لَهُ بقرة غَالب إدامه من لَبنهَا ودهنها توفيت يَوْم توفّي أَيْضا فَلم يخرج الْفَقِيه حَتَّى أخرجت الْبَقَرَة وَكَانَ مَعَه مُؤذن بَينه وَبَينه محبَّة وَرُبمَا كَانَا أَتْرَابًا فحين توفّي الْفَقِيه خرج من جملَة القبار وَجعل ابْنا لَهُ
стр. 414
على كتفه خوفًا عَلَيْهِ من الزحام فَلَمَّا انْقَضى الْأَمر من الدّفن جعل يطْلب وَلَده ثمَّ صَاح لَهُ فَأَجَابَهُ من كتفه فَعجب النَّاس من اشْتِغَال بَاطِنه كل هَذَا الانشغال وَضرب بِهِ الْمثل فَقيل يفتش على ابْنه وَهُوَ على كتفه وَكَانَ مَعَه خَادِم للبقرة يرعاها مُنْفَرِدَة وَيَأْتِي لَهُم بالحطب توفّي بعد أَيَّام يسيرَة وَلم يقم بعده فِي بني عَلْقَمَة أحد يسْتَحق الذّكر وَمن تركته أَنه اشْترى المظفر كتبهمْ الْمُهَذّب الَّذِي نسخه عمر بن إِسْمَاعِيل وَغَيره
وَمِنْهُم عُثْمَان بن الْفَقِيه عبد الْحَكِيم بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد مقدم الذّكر كَانَ هَذَا عُثْمَان وَولده فقيهين فاضلين دخل عُثْمَان عدن فَأخذ عَنهُ عبد الرَّحْمَن الأبيني الْمدرس وَجَمَاعَة من فُقَهَاء عدن جَمِيع كتاب الْبَيَان وَهُوَ وَأَبوهُ مشتهران بالفقه وَالْحِفْظ وَلم أتحقق لأَحَدهمَا تَارِيخا
وَمن بني المصوع مقدمي الذّكر عبد الرَّحْمَن بن فلَان كَانَ زَمَانه قبل زمَان الْفَقِيه عبد الله لَكِن قدمت عبد الله لِأَنَّهُ اشْتهر بِالْعلمِ بِخِلَافِهِ وَأما عبد الرَّحْمَن فَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الازدراع والاتجار مَعَ إتقان الْعِبَادَة أَخْبرنِي الْفَقِيه مُحَمَّد بن عمر صنو الْفَقِيه صَالح بن عمر الْآتِي ذكره عَن أَبِيه وَكَانَ مِمَّن طعن بِالسِّنِّ أَن عَمه قَالَ أَخْبرنِي الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن المصوع أَنه صلى ذَات لَيْلَة الْعشَاء مَعَ جمَاعَة بِالْمَسْجِدِ ثمَّ تقدم بَيته فَأَتَتْهُ امْرَأَته وَهِي متطيبة فَدَعَاهَا إِلَى الْفراش فاعتذرت بِعُذْر هَين فَتَركهَا ونام قبل عودهَا إِلَيْهِ ثمَّ لم يشْعر إِلَّا وَهِي تكبسه فَاسْتَيْقَظَ يحدثها يُرِيد وقاعها فَقَالَت نَحن الْآن قد فَرغْنَا فتشوش من ذَلِك ثمَّ قَامَ وأرخ ذَلِك وَامْتنع عَنْهَا تِسْعَة أشهر فَوضعت صَبيا فَلم يكن أَكثر شيطنة مِنْهُ لَا سِيمَا فِي أَوْقَات الصَّلَاة وَكثر الْبَوْل على من حمله قل من حمله إِلَّا وبال عَلَيْهِ وخصوصا مَتى كَانَ من أهل الدّين وَالطَّهَارَة وَمَتى صَار بمواضع الصَّلَاة بَال فِيهَا وقلما يَبُول فِي الأَرْض والفقيه قد عرف قلَّة توفيقه وَأَنه سبقة من الشَّيْطَان فَلم يتَكَلَّم فَلَمَّا صَار على أَنه يمشي ويفطم تركته أمه يَوْمًا يلْعَب بِالْمَجْلِسِ والفقيه قَائِم يُصَلِّي الضُّحَى نظر بطرفه وَالصَّبِيّ مُقَابل الطَّاقَة فَظهر مِنْهَا شخص فصاح يَا قدار يَا قدرا فَأَجَابَهُ الصَّبِي بِكَلَام فصيح لبيْك فَقَالَ وَكَيف أَنْت قَالَ بِخَير وعَلى خير يكرمونني ويغذونني غذَاء جيدا فَقَالَ لَا تكون إِلَّا جيدا فَمَا تعرف لَا تتركهم يصلونَ وَلَا تتْرك لَهُم موضعا طَاهِرا وَلَا ثوبا طَاهِرا حَسْبَمَا أشكرك فَقَالَ الصَّبِي سمعا وَطَاعَة ثمَّ قَالَ كَانَ الله مَعَك فَذهب وَلم يره الْفَقِيه بل كَانَ خطابه من خَارج الطَّاقَة فَلَمَّا فرغ
стр. 415
الْفَقِيه من صلَاته صَاح بِالصَّبِيِّ يَا قدار اذْهَبْ أذهبك الله وَإِذا بِالصَّبِيِّ قد نفر على شبه الطَّائِر وَخرج من الطَّاقَة الَّتِي حصل مِنْهَا الْكَلَام كَأَنَّهُ طَائِر
ثمَّ إِن امْرَأَته عَادَتْ فَلم تَجِد الصَّبِي فَقَالَت يَا سَيِّدي أَيْن ابْني قَالَ أمره عَجِيب ثمَّ أخْبرهَا بِمَا كَانَ مِنْهُ جَمِيعه فَقَالَ لَو قلت لي يَوْم وَلدته كنت قتلته
فَقَالَ قد كفى الله بِهِ وقلعه ثمَّ لبث الْفَقِيه مُدَّة سنتَيْن فَتحصل لَهُ شَيْء من الْقُوَّة من أرضه فعزم أَن ينزل بِهِ إِلَى عدن فَسَار حَتَّى صَار بالمفاليس ولقيه الحرس ونقيبهم يَوْمئِذٍ شَاب جميل الْخلق فحين رأى الْفَقِيه أقبل يسلم عَلَيْهِ بِسَلام حسن سَلام عَارِف مؤالف
فأنزله بِمَنْزِلَة جَيِّدَة وَصَارَ يتَكَرَّر بحوائجه وَيَقُول لأَصْحَابه اخدموا الْفَقِيه فَهُوَ رجل صَالح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل هُوَ نقيب العشارين لَا نَعْرِف فِيهِ الْخَيْر إِلَّا لَك فَعجب الْفَقِيه ثمَّ سَافر إِلَى عدن فَقضى حَوَائِجه وَعَاد المفاليس فَلَمَّا صَار بهَا وَصله النَّقِيب وَتَوَلَّى خدمته فَقَالَ لَهُ الْفَقِيه يَا هَذَا بِمَ استحققت مِنْك هَذِه الْمُوَالَاة فَقَالَ يَا سَيِّدي لَك عَليّ حُقُوق كثير أما تعرفنِي قَالَ لَا قَالَ أَنا عَبدك قدار فَقَالَ أَنْت قدار فَقَالَ نعم يَا سَيِّدي لَك عَليّ حُقُوق كثير لَو علمت أَنَّك تقبل ضيافتي لأضفتك لَكِن معي هذَيْن الزنبيلين وأحضرهما أحب أَن تحملهما إِلَى والدتي فِي أَحدهمَا كسْوَة لَهَا وَفِي الآخر طيب فَلم يُمكن من الْفَقِيه إِلَّا جبر بَاطِنه وَأخذ مَا جَاءَ بِهِ وَلما وصل بَلَده أخبر زَوجته بِمَا جرى مَعَه فعجبت ثمَّ أخذت حطبا وَأوقدت التَّنور فَلَمَّا اشْتَدَّ لهيبه أَلْقَت فِيهِ الأجبين بِمَا فيهمَا وَلم تفتحهما وَكَانَ وجود هَذَا الْفَقِيه فِي صدر المئة السَّابِعَة وَهُوَ آخر من تحققت من بني المصوع
ثمَّ اعْلَم أَن أَكثر بلد الْيمن من زمن مُتَقَدم على زَمَاننَا فُقَهَاء ومتفقهين وعلماء محققين مَدِينَة زبيد الْمُتَقَدّم ذكرهَا على مَا تحققته قد مضى ذكره والمتأخر جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن قَاسم بن العليف بن عبس بن سُلَيْمَان بن عمر بن نَافِع الشراحيلي الْحكمِي من حكم حرض قدم زبيد بعد أَن تحكم بقرية الشويري على إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا مقدم الذّكر ثمَّ لما قدم زبيد أَخذ عَن الْفَقِيه عَبَّاس بن مُحَمَّد مقدم الذّكر وَدخل مَدِينَة ذِي أشرق فَأدْرك القَاضِي مَسْعُود فَأخذ عَنهُ وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا من أَئِمَّة
стр. 416
الدّين بِهِ تفقه غَالب الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة من غَالب نواحي الْيمن إِذْ قَصده الطّلبَة من نواح مُخْتَلفَة وتفقهوا بِهِ وعادوا بلدانهم فنشروا بهَا الْعلم وَكَانَ عَالما مُبَارَكًا عَظِيم الْقدر وَله مصنفات مفيدة مِنْهَا كتاب الدّرّ فِي الْفَرَائِض وَله مُخْتَصر سَمَّاهُ الدُّرَر يبين بِهِ مشكلات الْمُهَذّب وَله أسئلة غَرِيبَة عَن مُشكل التَّنْبِيه سَيرهَا إِلَى بَغْدَاد على يَد الإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن الصغاني وَأعَاد الْجَواب من البادراوي من بَغْدَاد وَأجَاب عَلَيْهَا جمَاعَة من علمائها وَأجَاب عَنْهَا أَيْضا مُحَمَّد بن يُوسُف الشويري الْمُقدم ذكره وَجَوَابه أرْضى الْأَجْوِبَة عَنْهَا وَقد ذكرت ذَلِك
وَمن أَعْيَان أَصْحَابه بزبيد مُحَمَّد بن الْخطاب وَابْن عَاصِم وَابْن القلقل وَرُبمَا كَانَ القوقلي وَعبد الْوَاحِد بن مبارك السحيلي وَعمر بن مَسْعُود الأبينيان وَحسن الشرعبي وَعبيد بن أَحْمد من السهولة وَلَقَد أخبر الثِّقَة أَنه خرج فِي درسته سِتُّونَ مدرسا وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله ذكر من تحققته مِنْهُم مُبينًا فِي مَوْضِعه وَكَانَ يحفظ التَّنْبِيه عَن ظهر غيب ثمَّ لَا يزَال حَامِلا لَهُ فَقيل لَهُ فَأَنت تحفظه فَلم تحمله قَالَ احْتج بِهِ على أهل المراء وَكَانَ راتبه كل يَوْم سبع الْقُرْآن أَخذ ذَلِك عَن شَيْخه إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا مقدم الذّكر وَكَانَ ذَا ورع لوزم على قَضَاء زبيد فَامْتنعَ ولوزم على التدريس فَامْتنعَ ورسم عَلَيْهِ أَيَّامًا وَهُوَ مصمم على الِامْتِنَاع مَعَ الْفقر وَعدم مَا يقوم بِهِ
وَبِالْجُمْلَةِ ففضله أَكثر من أَن يحصر وَكَانَت وَفَاته خَامِس رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَخَلفه ابْنه أَحْمد وَكَانَ فَقِيها فرأس ودرس إِلَى أَن توفّي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع ربيع الآخر سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَله ذُرِّيَّة بزبيد يجللون ويحترمون ببركته
وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن القلقل بقافين مخفوضتين الأولى بعد الْألف وَاللَّام وَبَين القافين لَام سَاكِنة وَبعد الْأَخِيرَة لَام أَيْضا سَاكِنة كَانَ فَقِيها جليل الْقدر محققا مدققا وَله فَتَاوَى تدل على فقهه وسعة فَضله لوزم على تدريس المنصورية ورسم عَلَيْهِ بذلك فَامْتنعَ وَأقَام أَيَّامًا بالترسيم اتَّصل فِي أَثْنَائِهَا الْعلم بِمَوْت الْمَنْصُور صَاحب الْمدرسَة فَانْظُر هَؤُلَاءِ وورعهم كَيفَ يطْلبُونَ ويرسم عَلَيْهِ فِي قبُول المناصب وَأخذ الرزق عَلَيْهَا فيتورعون عَن ذَلِك وَكَانَ غَالب أَحْوَالهم الْفقر
стр. 417
وَهَذَا عكس أهل زَمَاننَا وَكَانَ هَذَا إِبْرَاهِيم من أجل الْفُقَهَاء قدرا وَإِلَيْهِ ينْسب الْمحل الغربي من زبيد الْمَعْرُوف بِمحل القلقل وَله ذُرِّيَّة يحترمون ببركته إِلَى عصرنا وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا
وَمِنْهُم الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْحكمِي وَولده مُحَمَّد كَانَا فقيهين كبيرين وَكَانَا يدرسان بِالْمَدْرَسَةِ المعزية الْمَعْرُوفَة بمدرسة الميلين وذريتهم يتوارثون ذَلِك إِلَى عصرنا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَرَأَيْت إجَازَة لمُحَمد فِي إقرائه لبَعض الطّلبَة لكتاب الْمُهَذّب أَنه كَانَ ذَلِك فِي أَيَّام آخرهَا ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى من سنة خمسين وسِتمِائَة وَأدْركت لمُحَمد أَخا اسْمه أَبُو بكر درس بعد أَخِيه وَكَانَ رجلا صَالحا مُبَارَكًا ذَا مروة وتفضل وَعمي فِي آخِره وَتُوفِّي آخر المئة السَّابِعَة وَخَلفه ابْنَانِ هما عَليّ وَعمر فعلي درس بالعاصمية إِلَى أَن توفّي فِي الْمحرم سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة وَخَلفه ابْن اسْمه أَبُو بكر هُوَ الْآن مدرس بِالْمَدْرَسَةِ المعزية وَله مروة وَخلق درس بهَا بعد عَمه وَالْغَالِب عَلَيْهِم الْخَيْر وَالدّين ويعرفون بحكماء الميلين تَحَرُّزًا من حكماء الْجَامِع
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر بن أبي الْحُسَيْن بن عبد الله الزوقري ثمَّ الركبي وَيعرف بِابْن الْحطاب فَإِن أَبَاهُ كَانَ يسكن قَرْيَة النويدرة على بَاب زبيد القبلي نِسْبَة إِلَى بيع الْحَطب مولده آخر المئة السَّادِسَة وتفقهه بِابْن قَاسم الْمُقدم ذكره وتضلع من عُلُوم شَتَّى بِحَيْثُ كَانَ يفضل على فُقَهَاء عصره أجمع على ذَلِك المؤالف والمخالف وَكَانَ يقرىء الْقرَاءَات السَّبع وَكَانَ نحويا لغويا فروعيا أصوليا فرضيا حسابيا حديثيا وَكَانَ يَقُول أَنا ابْن عشْرين علما لَيْسَ أحد لي مناظرا فِي شَيْء مِنْهَا ذكر الثِّقَة أَنه حصل اجْتِمَاع لفقهاء زبيد فِي وَلِيمَة وَتَأَخر هَذَا الْفَقِيه عَن الْمُبَادرَة فَلم يتم أَمر حَتَّى وصل فَأقبل يمشي وَعَلِيهِ ثِيَاب مُرْتَفعَة يجر رِدَاءَهُ فَقَالَ شَيْخه ابْن قَاسم مَا هَذَا الْعجب الَّذِي مَعَ هَذَا الصَّبِي فحين دخل الْمجْلس قصد صَدره وَقعد فِيهِ غير محتفل بِأحد وَلَا لافت فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين مسرا إِنَّك لما أَقبلت على الْجَمَاعَة قالو كَيْت وَكَيْت ثمَّ قَالَ الْفَقِيه عَليّ بن قَاسم كَذَا وَكَذَا فَرفع الْفَقِيه رَأسه وَقَالَ جهارا كَيفَ لَا أعجب وَأَنا ابْن عشْرين علما لَيْسَ فِي الْحَاضِرين من يناظرني فِي وَاحِد مِنْهَا ثمَّ أنْشد قَول المتنبي ... إِن أكن معجبا فَعجب عَجِيب ... لم يجد فَوق نَفسه من مزِيد ...
стр. 418
وَحين تفقه صَار إِلَى زبيد من النويدرة وَمن قومه بَقِيَّة بهَا إِلَى الْآن وَلما صَار إِلَى مَدِينَة زبيد حَاز مَسْجِد الأشاعر على أَصْحَاب أبي حنيفَة وَصَارَ يدرس فِيهِ وعندما دخل الْوَقْت يَأْمر الْمُؤَذّن بِالْأَذَانِ ثمَّ يُبَادر إِلَى أَدَاء الصَّلَاة كَمَا هُوَ مقول فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فتعب من ذَلِك أَصْحَاب أبي حنيفَة وَلم يحتفل بهم وَكَانَ لَا يكَاد يُوجد إِلَّا مدرسا للْعلم أَو مُقبلا على صَلَاة وغالب تدريسه فِي مَسْجِد الأشاعر ونادرة فِي مَسْجِد عِنْد بَيته يعرف بفخر الدّين بن عَليّ رَسُول الَّذِي جددته الْحرَّة مَاء السَّمَاء ابْنة المظفر وَقد تقدم ذكرهَا وَذكر الثِّقَة أَنه أصبح ذَات يَوْم استدعى بِأَخ لَهُ اسْمه أَبُو الْحسن وَهُوَ جد الْمَوْجُودين بقرية النويدرة المعروفين ببني الْحطاب فَلَمَّا حَضَره قَالَ لَهُ يَا فلَان رَأَيْت البارحة رَبِّي تَعَالَى فَقَالَ لي يَا مُحَمَّد إِنَّا أحبك فَقلت يارب من أحببته ابتليته فَقَالَ استعد للبلاء وَأَنت يَا أخي فَكُن بِي على حذر ثمَّ فِي ذَلِك الْيَوْم خرج من بَيته إِلَى الأشاعر يُرِيد صَلَاة الْعَصْر فَصلاهَا ثمَّ عَاد بَيته مسرعا وَكَانَ من عَادَته الْقعُود والإقراء فَلَمَّا صَار بِشَيْء من الطَّرِيق غشي عَلَيْهِ فَذكرُوا أَن الْفَقِيه إِسْمَاعِيل الْحَضْرَمِيّ نفع الله بِهِ مر بِهِ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال فأكب عَلَيْهِ وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ قَالَ أَهلا بك يَا مَحْبُوب ثمَّ حمل إِلَى بَيته وَكَانَ ذَلِك وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَكَانَ متزوجا بابنة شَيْخه عَليّ بن قَاسم ففسخ عَلَيْهِ نِكَاحهَا وَاشْترى لَهُ من مَاله جَارِيَة تقوم بِهِ وخطبت زَوجته فَقَالَت لَا أُرِيد بِهِ بَدَلا حَيا وَلَا مَيتا وَكَانَت الْجَارِيَة ترمه وَتَحفظه وَقد أَتَت لَهُ بابنتين إِحْدَاهمَا مَوْجُودَة عَام وَاحِد وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَ من أَكثر النَّاس حفظا للآثار وَالْأَخْبَار والأشعار وَكَانَ مُقَيّدا مربوطا إِلَى شَيْء أكيد ثمَّ كَانَ الطّلبَة من أَصْحَابه وَأهل عصره يقرؤون عَلَيْهِ فِي أَوْقَات يكون فِيهَا متعافيا وكل من أعياه مثل أَو مَسْأَلَة وَصله وَسَأَلَهُ فيزيل عَنهُ الْإِشْكَال
حُكيَ أَن الْملك المظفر قَالَ يَوْمًا لجلسائه أذكر بَيْتَيْنِ كنت أحفظهما فِي المعلامة لَا أذكر مِنْهُمَا غير حضني أَو حضنا وأريدهما وَلَو بِمَال فَقَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين يَا مَوْلَانَا هُنَا فَقِيه فَاضل حصل بِهِ جنان يفِيق فِي بعض الأحيان وَيسْأل عَن مسَائِل فيجيب عَنْهَا وَلَو أَمر مَوْلَانَا بإحضاره فِي وَقت الصحو فَرُبمَا يجد عِنْده مَا سَأَلَ فَقبل السُّلْطَان ذَلِك وَأمر إِلَى الْجَارِيَة وسألها عَن وَقت يَتَّسِع فِيهِ صفاء ذهن الْفَقِيه فَقَالَت مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء فَأمر إِلَيْهَا بِثِيَاب وأمرها أَن تغسله وتطيبه وَعرفهَا أَنه بعد الْمغرب يُرْسل لَهُ بمركوب وَأَنَّهَا تصل مَعَه وَذَلِكَ أَنه بلغ السُّلْطَان أَنَّهَا تشد عَلَيْهِ وَقد
стр. 419
تضربه فَهُوَ يخافها خوفًا شَدِيدا فَلَمَّا كَانَ بعد الْمغرب أَمر السُّلْطَان لَهُ بمركوب وَغُلَام يركبه ويسير مَعَه إِلَى دَاره وَكَانَت الْجَارِيَة قد استعدت لذَلِك بِمَا يَلِيق من غسل وتنظيف وسارت مَعَه حَتَّى دخلت مَعَه مقَام السُّلْطَان الْملك المظفر وَقد اغتص بالأمراء والحرفاء وأعيان الدولة فَأقْعدَ وَلما اسْتَقر سُئِلَ عَن أَي مَكَان هُوَ فِيهِ فَقَالَ هُوَ مقَام السُّلْطَان الْملك المظفر ثمَّ قَالَ لَهُ يَا يُوسُف كَانَ والدك صَاحِبي فَقَالَ السُّلْطَان وَنعم الصاحب أَنْت يَا فَقِيه ثمَّ أَمر من يسْأَله من الْحَاضِرين شخصا شخصا فَكلما سُئِلَ عَن وَاحِد قَالَ هَذَا فلَان قَالَ هَذَا فلَان بِمَعْرِِفَة شافية حَتَّى قيل لَهُ ابْن دعاس فَقَالَ هَذَا ابْن عَم أَخِيه وَكَانَ بَينهمَا مكارهة من طَرِيق الْمَذْهَب إِذْ ابْن دعاس حَنَفِيّ فحين تحقق السُّلْطَان صفاء ذهنه أَمر من يكلمهُ فِي طلبته فَقيل لَهُ إِن مَوْلَانَا السُّلْطَان كَانَ يحفظ أَيَّام الْمكتب بَيْتَيْنِ وَقد نسيهما غير أَن فِي أَحدهمَا حضنى أَو حضني فَقَالَ الْفَقِيه هما ... رَاحَة الْإِنْسَان حَيا ... بَين حضني وَالِديهِ
فَإِذا مَاتَا أحالا ... بشقا الدُّنْيَا عَلَيْهِ ... فَقَالَ السُّلْطَان هما وَالله البيتان وسر بهما سُرُورًا عَظِيما وَأمر أَن يخلع عَلَيْهِ فَفعل ثمَّ بدا مِنْهُ شَيْء حسن التعقيل فَقَالَت الْجَارِيَة هَذَا وَقت تغير حَاله فأعيدوه إِلَى الْبَيْت فَأمر السُّلْطَان بذلك فِي سرعَة وأعيد إِلَى بَيته ثمَّ فِي صباح ذَلِك الْيَوْم أصبح متأسفا عَلَيْهِ ولائما لِأَبِيهِ كَيفَ حصل لَهُ رجل فِي دولته مثل هَذَا وغفل عَن حَدِيثه وَلم يداوه ثمَّ طلب الطَّبِيب وَأمره بِمُبَاشَرَة الْفَقِيه ووعده على عافيته إعطاءه مَا سَأَلَ فَذكرُوا أَنه تقدم وَنَظره وَخرج من عِنْده وَقد استبشر لَهُ بالفرج فَيُقَال إِن ابْن دعاس لقِيه بِالطَّرِيقِ وَقد كَانَ علم مَا أَمر لَهُ فَقَالَ كَيفَ رَأَيْت حَال هَذَا الرجل هَل يتداوى قَالَ نعم فَقَالَ وَالله إِن تعافى لَا يتْرك لَك وَلَا لأحد من الْفُضَلَاء قدرا فَإِنَّهُ فِي كل علم باقعة وَالصَّوَاب أَنَّك تدفع السُّلْطَان عَن ذَلِك لعذر مَا فأوقع ذَلِك فِي نفس الطَّبِيب وَلما صَار إِلَى السُّلْطَان قَالَ وَالله يَا مَوْلَانَا هَذَا لَا يتداوى إِلَّا فِي الْعرَاق قَالَ لَهُ فَلَو بَعَثْنَاهُ إِلَى الْعرَاق وتداوى ثمَّ عَاد إِلَى الْبِلَاد هَل يخْشَى عَلَيْهِ شَيْء قَالَ نعم فَأَعْرض السُّلْطَان عَن ذَلِك ظنا مِنْهُ أَنه صَادِق فِيمَا يَقُول ثمَّ أَمر أَن يجْرِي على الْفَقِيه كل يَوْم عشْرين درهما فحسده ابْن دعاس وَلم يزل بالسلطان حَتَّى نَقصهَا حَتَّى عَادَتْ إِلَى دِرْهَمَيْنِ وَاسْتمرّ ذَلِك بعد مَوته على ذُريَّته وَكَانَ كثيرا مَا يَأْتِيهِ أَصْحَابه وَغَيرهم فَمَتَى لقوه ذَاهِبًا
стр. 420
باحثوه فِي الْعلم وَمَتى تغير خَرجُوا عَنهُ وَمن لم يفهم حَاله صفقت الْجَارِيَة فَيعرف فَيخرج فتظهر الْجَارِيَة وتهيب بِالضَّرْبِ وَرُبمَا ضَربته فيسكن إِذْ كَانَ يخافها
أَخْبرنِي وَالِدي يُوسُف بن يَعْقُوب نور الله حفرته قَالَ كنت أحب هَذَا الْفَقِيه ابْن الْحطاب على السماع وأكره أَن أره على مَا قد بَلغنِي من الْحَال علمت أَن رجلا مِمَّن كنت أَصْحَبهُ قَالَ لي يَوْمًا اذْهَبْ معي إِلَى الْفَقِيه ابْن الْحطاب نسلم عَلَيْهِ فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ ورافقته فَلَمَّا صرت مَعَه إِلَيْهِ وَسلمنَا عَلَيْهِ رد علينا ردا جيدا ثمَّ قَالَ للرجل يَا مُحَمَّد هَل جئتنا بِشَيْء فَقَالَ بنفسي فَأَنْشد الْفَقِيه مرتجلا ... أَتَانَا أَخ من غيبَة كَانَ غابها ... وَكَانَ إِذا مَا غَابَ ننشده الركبا
فَقُلْنَا لَهُ هَل جئتنا بهدية ... فَقَالَ بنفسي قلت نطعمها الكلبا ... وَنَحْو ذَلِك مَا أَخْبرنِي الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن الشَّيْخ الْفَاضِل مَنْصُور بن حسن الْكَاتِب عَن أَبِيه قَالَ دخلت أَنا والمقرىء مُحَمَّد بن عَليّ الْفَقِيه الْمَذْكُور فَسَأَلَهُ المقرىء عَن مَسْأَلَة فِي الْحيض مشكلة فَأَبَانَهَا لَهُ ثمَّ أنْشد ... لَو علمنَا مجيئكم لبذلنا ... مهج النَّفس أَو سَواد الْعُيُون
وفرشنا على الطَّرِيق خدودا ... ليَكُون الْمُرُور فَوق الجفون ... وَله شعر رائق مِنْهُ مَا وجدته بوصاب عَام دَخَلتهَا سنة عشْرين وَسَبْعمائة مَعَ مقرئها يَوْمئِذٍ وَهُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف الغيثي الْآتِي ذكره قَالَ أثبت إِلَيّ أَن هَذَا الْفَقِيه يَعْنِي ابْن الْحطاب كَانَ بَينه وَبَين الْفَقِيه مُوسَى بن أَحْمد شَارِح اللمع الْآتِي ذكره صُحْبَة ومكاتبة وَأَنه كتب إِلَيْهِ شعرًا مِنْهُ لما دخل كِتَابه شرح اللمع إِلَى زبيد مَا مِثَاله ... تربي خليلي فِي ربع والثمل فأرقته ... وَيَكْفِيك فضلا أدمج حطاب
وكل وعذراء بردي
وَهَذَا جملَة مَا وجدته عِنْد المقرىء الْمَذْكُور وَبِالْجُمْلَةِ فأوصافه جمة وَإِنِّي مقصر عَن استيعابها وَكَانَت وَفَاته بزبيد سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
стр. 421
إِلَى هُنَا تَنْتَهِي تَرْجَمَة الأديب الْعَلامَة أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر الزوقري الْمَعْرُوف بِابْن الْحطاب الزبيدِيّ وبانتهاء هَذِه التَّرْجَمَة انصرم الْجُزْء الأول من كتاب السلوك فِي طَبَقَات الْعلمَاء والملوك للمؤرخ الْفَاضِل بهاء الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب الجندي السكْسكِي الْكِنْدِيّ وَذَلِكَ بتجزئة الْمُحَقق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَكْوَع الحوالي لطف الله بِهِ ويبتدىء الْجُزْء الثَّانِي بترجمة أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن يحيى بن عبد الله النَّاسِخ الزبيدِيّ
حررها بتاريخ ٢٧ الِاثْنَيْنِ من شهر رَجَب ١٤٠٣ هـ الْمُوَافق ٩ من شهر مايو سنة ١٩٨٣ م
стр. 422
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وانه كتب اليه بِشعر مِنْهُ لما دخل كِتَابه شرح اللمع إِلَى زبيد مَا مِثَاله ... ترى دهسات الرمل من جَانب الند ... على عهدها ام قد تغيرن من بعدِي
منَازِل من مي عهدنا بهَا المها ... لَهَا فتكة تربى على صولة الْأسد
هُنَالك أذمى على ايمن الحما ... وَهِنْد يسراه فَمن لَك من هِنْد
سقى الله ربعا للأحبة باللوى ... على عقدات الكثب والشمل كالعقد
خليلي فِي ربع على الرّبع بعْدهَا ... وَأنْفق نَفِيس الْعُمر فِي طلب الْمجد
إِذا كنت شهما فاترك الْهزْل جانبا ... ونافس على عليا الْمَرَاتِب بالجد
كَفعل عماد الدّين مُوسَى بن أَحْمد ... حَلِيف الْمَعَالِي جَامع الْمجد وَالْحَمْد
فَتى ترك اللَّذَّات فِي طلب العلى ... فارقته همات لَهُ قمة السعد
مَتى تلقه تلق ابْن إِدْرِيس فقهه ... وسُفْيَان فِي جمع التنسك والزهد
ويكفيه فضلا مَا ابان بشرحه ... على لمع الشَّيْخ الامام أبي الْمجد
وَعِنْدِي ان الشَّيْخ لوعان شَرحه ... لقَالَ لَهُ احسنت لم تعد مَا عِنْدِي
لَئِن كَانَ ابراهيم ادمج مَتنه ... لقد حل مُوسَى كل مَا فِيهِ من عقد
وعذراء من علم الاصول تمنعت ... على كل خطاب وكل اخى نقد
أهاب بهَا يَوْمًا فالقت قناعها ... وجائته طَوْعًا فِي جلابيبها تردى ...
стр. 423
وَهَذَا مَا وجدته عِنْد المقرى الْمَذْكُور وَبِالْجُمْلَةِ اوصافه جمة وانى مقصر عَن استيعابها وَكَانَت وَفَاته بزبيد سنة خمس وَسِتِّينَ وستماية تَقْرِيبًا
وَمِنْهُم ابو عبد الله مُحَمَّد عَليّ بن يحيى بن عبد الله النَّاسِخ كَانَ فَاضلا لَا سِيمَا بفن الادب واخذ عَنهُ جمَاعَة من اهل زبيد وَغَيرهَا وَمِنْهُم الْبكر يان فقيهان كبيران درسا وَأخذ عَنْهُمَا جمَاعَة الْمُتَقَدّم مِنْهُم عَليّ بن أبي بكركان فَقِيها فَاضلا متفننا وَهُوَ أحد شُيُوخ الْفَقِيه أبي الْخَيْر لَا سِيمَا بفن الْأَدَب لم أتحقق لَهُ تَارِيخا
وَمِنْهُم ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن عمر كَانَ فَاضلا درس بالسيفية الَّتِي تعرف بام السُّلْطَان توفّي سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
وَمِنْهُم عبد الله بن مَنْصُور بن ابراهيم بن عَليّ بن ابراهيم بن عَليّ بن مُحَمَّد الفرسي نسبه بِالْفَاءِ مَضْمُومَة بعد الف وَلَام وَبعدهَا رَاء سَاكِنة وخفض السِّين الْمُهْملَة ثمَّ يَاء نِسْبَة الى الْفرس واصله من قَرْيَة بوادي زبيد تعرف بالتربة بتاء مثناة من فَوق مضمومه بعد ألف وَلَام وَبعدهَا رَاء سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة ومفتوحة ثمَّ هَاء وَهِي بِالْقربِ من قَرْيَة القرتب الَّتِي سمي بهَا بَاب الْمَدِينَة اليمني وَله بهَا إِلَى الْآن قرَابَة مِنْهُم جمَاعَة يسكنون قَرْيَة المسلب أَيْضا فِي الْوَادي وَكَانَ هَذَا عبد الله فَقِيها عَالما من أتراب الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْحَضْرَمِيّ الَّاتِي ذكره وَله ابْن اخ اسْمه مَنْصُور بن حسن الْآتِي ذكره وَكَانَ هَذَا من اعيان فُقَهَاء وقته وَلم اتحقق تَارِيخه واما ابْن اخيه الْمَذْكُور فَهُوَ مَنْصُور بن حسن مولده شهر رَمَضَان
стр. 424
سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة كَانَ اُحْدُ اعيان الْكتاب فِي الدولة المظفرية وَصدر المؤيدية لم يكن لَهُ نَظِير فيهم بِمَعْرِِفَة كتب الْأَدَب ولاكثر المحفوظات نظما ونثرا وَمهما اشكل فِي ذَلِك فِي وقته انما يرجع اليه فِي الْغَالِب بِهِ اخذ عَن الامام الصغاني المقامات وَغَيرهَا واخذ عَن غَيره كزكريا بن يحي الاسكندر عدَّة من كتب الحَدِيث وَغَيرهَا وَيُقَال كَانَ محفوظه من الشّعْر يزِيد على عشرَة الاف بَيت وَكَانَ غَالب أوقاته نَاظرا إِمَّا بعدن أَو بجبلة وهما من أعظم أَعمال الْيمن وَمَا أدْرك عَلَيْهِ غلظ وَلَا خِيَانَة لمخدوم بل شهر عَنهُ الامانة وَعدم ظلم الرّعية وَكَانَت وَفَاته على النّظر بذى جبلة فِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر الْمحرم سنة سَبْعمِائة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن عرف بالفشلي مولده رَابِع عشر شعْبَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وخمسماية اخذ عَن جمَاعَة من الاكابر كالشريف ابي حَدِيد وَابْن حرويه الْموصِلِي وَغَيرهمَا وارتحل الى مَكَّة وَالْمَدينَة واخذ عَن أعيانهما كَابْن ابي الصَّيف وَعمر بن عبد الْمجِيد الفرسي وَغَيرهمَا وَأخذ عَنهُ كَثِيرُونَ من أهل الْيمن وَغلب عَلَيْهِ علم الحَدِيث فَكَانَ إِمَامًا فِيهِ وَهُوَ اُحْدُ شُيُوخ شَيْخي أَحْمد بن عَليّ السرددي وَكَانَت لَهُ مكانة عِنْد الْملك الْمَنْصُور ثمَّ عِنْد وَلَده المظفر وَسمع عَلَيْهِ عدَّة من كتب الحَدِيث مَعَ جمع كثير وَكَانَت وَفَاته ان ركب دَابَّته يَوْمًا بِمَدِينَة زبيد يُرِيد بعض حَوَائِجه فمرت الدَّابَّة عِنْد كلب فنبحها فجفلت مِنْهُ فَوَقع مِنْهَا على الارض مَيتا وَذَلِكَ يَوْم الاربعاء عَاشر رَمَضَان سنة احدى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واما وَالِده ابراهيم فَكَانَ رجلا فَاضلا صَالحا صَاحب عبادات وكرامات هُوَ شيخ الشَّيْخ احْمَد الصياد وَالَّذِي كَانَ يدله على الطَّرِيق الى الله تَعَالَى بِحَيْثُ حكى فِي سيرته انه قَالَ لما فتح الله لي بِمَا فتح
стр. 425
سلم الي الْفُقَهَاء والمشايخ غير هَذَا الشَّيْخ ابراهيم الفشلي فانه اخي وقسيمي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَكَانَ يثني عَلَيْهِ ثَنَاء كثيرا هَكَذَا ذكر مؤلف سيرته اعني الصياد
وَمِنْهُم أَبُو الْخَيْر بن مَنْصُور بن أبي الْخَيْر الشماخي السَّعْدِيّ نسبا والحضرمي بَلَدا اِدَّرَكَ جمَاعَة من الاكابر واخذ على اصحاب السلفى بِمَكَّة كَابْن الْحِمْيَرِي وَغَيره واخذ بأحور الْبَلَد الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا عَن أبي عبد الله بن احْمَد بن عراف عَن يحي بن ابي قصير الظفاري عَن الامام القلعي الْآتِي ذكره وتضلع من عُلُوم كَثِيرَة مِنْهَا الْفِقْه والنحو واللغة والفرائض والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وصنف كتبا فِي ذَلِك تدل على جودة مَعْرفَته واخذ عَن الامام بطال بن احْمَد وَلم يكن لَهُ فِي اخر عمره نَظِير بجودة الْعلم وَضبط الْكتب بِحَيْثُ لَا يُوجد لكتبه نَظِير فِي الضَّبْط أَخْبرنِي جمَاعَة مِمَّن ادركه أَنه كَانَ لَا يُوجد إِلَّا وَعِنْده كتاب ينظر فِيهِ ومحبرة وَأَقْلَام يصلح بهما
مَا وجد فِي الْكتاب وَكَانَت وَفَاته بزبيد لسبع بَقينَ من جمادي الْآخِرَه سنة ثَمَانِينَ وستماية بعد أَن بلغ عمره سبعين سنة وَبعد أَن جمعت خزانته من الْكتب مَا لم تجمعه خزانَة غَيره مِمَّن هونظير لَهُ بِحَيْثُ قَالُوا كَانَ فِيهَا مائَة أم سوى المختصرات وَخَلفه ابْنه احْمَد مولده نَهَار الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر صفر من سنة خمس وَخمسين وستماية وَهُوَ شيخ الحَدِيث فِي الْبَلَد والبلاد وَأحد أَعْيَان الافراد وَعنهُ اخذت سعار الدّين للخطابي وَبَعض الأربعينات وَأَجَازَ فِي باجازة عَامَّة وَسمع عَلَيْهِ الْملك الْمُؤَيد سنَن ابي دَاوُد فِي سنة ثَلَاث عشرَة وسبعماية وَكَانَ لَهُ ابْن آخر اسْمه مُحَمَّد ولي قضا موزع وَكَانَ مَذْكُورا بالتقى والسخاء وَتُوفِّي بحياة أَبِيه وَعَلِيهِ دين أدانه قَضَاهُ عَنهُ وَالِده وَلم اتحقق تَارِيخه وَلأَحْمَد أَوْلَاد يترشحون لاقراء الحَدِيث لبث نَحوا من سنتَيْن لَا يُطيق الْقيام وَتُوفِّي يَوْم الثُّلَاثَاء منتصف ربيع الاول سنة تسع وَعشْرين وسبعمائه
следующие страницы →