Полный текст (1 016 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الوثب بِفَتْح الْوَاو بعد الف وَلَام وفت الثَّاء المثلتة ثمَّ سُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ذكر ابْن سَمُرَة مِنْهَا عبد الله بن حشركة وَقَالَ اعتزل النَّاس الى نَاحيَة ارضه وَلم يذكر ابْن بَلَده حَتَّى كنت كثير التطلع الى ذَلِك وَالسُّؤَال عَنهُ حَتَّى تحقق انه من هَذِه الْقرْيَة وَضبط ابيه بِالْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَالْكَاف ثمَّ هَاء سَاكِنة وَإِنَّمَا ضبطته لانني كنت اصحفه فاخذت ضبط ذَلِك عَن ذُريَّته واهل بَلَده وَنسبه فِي عرب يُقَال لَهُم الاعيون واحدهم عياني نِسْبَة الى قَرْيَة ببلدة مقمح يُقَال لَهَا عيانه بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ الف ثمَّ نون مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء مِنْهُم جمَاعَة كَثِيرُونَ بمعشار النجاد وَسمعت لهَذَا الْفَقِيه اخبارا جَيِّدَة ومآثر حَسَنَة مِنْهَا انه كَانَ يَأْتِيهِ الزاير فِي حَال عزلته فيجد عِنْده طَعَاما ويجد مائدة عَلَيْهَا طَعَام لَا كطعام الادميين وفواكه فِي غير اوانها ومسجده الَّذِي اعتزل بِهِ مَعْرُوف على مَا ذكرُوا ويأتيه الزاير كثيرا وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه عَليّ تفقه وَحضر السماع لصحيح مُسلم على الامام سيف السّنة وعده من جملَة الْفُقَهَاء وَهُوَ ابراهيم بن حديق وَذَلِكَ بِجَامِع اللجند كَمَا تقدم وَذريته الى الان بالقرية متسمون بالفقه ويشهرون بِالدّينِ يُقَال هَلُمَّ اولاد ابي هُرَيْرَة اذ كَانَ فيهم رجل اسْمه كَذَلِك الْمَوْجُود مِنْهُم الان فِي الْقرْيَة ذُريَّته اعرف مِنْهُم رجلا اسْمه عمر تفقه بالجند ثمَّ توفّي على رَأس سَبْعمِائة
وَمِنْهُم عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عَليّ العياني ايضا كَانَ من اعيان اهل الدّين والمرؤة وَكَانَ مَشْهُورا بالاطعام وَله ارْض جَيِّدَة يَسْتَعِين بهَا على حَاله مِنْهَا الْوَادي الْمَعْرُوف بواهب وَقفه على ذُريَّته ثمَّ اكلفه بعض وُلَاة الْجند ان يَبِيعهُ فاخبره
стр. 492
بِالْوَقْفِ فَلم يقبل وَظن ان ذَلِك عذرا فَبَاعَهُ مِنْهُ ثمَّ بعد الشِّرَاء بأيام تحقق صِحَة الْوَقْف فاستعاد مِنْهُ الثّمن وَبقيت الارض بِيَدِهِ حَتَّى توفّي ثمَّ وقف مَعَ اولاده مُدَّة فَاشْتَرَاهُ بعض اولاد ذَلِك الْوَالِي على وَجه الْكرَى وَالشِّرَاء كَمَا يَفْعَله اهل الْوَقْت تحوطا وَخلف عُثْمَان وَلدين هما مُحَمَّد وعتيق فمحمد توفّي بعد ابيه بِيَسِير وعتيق هُوَ الَّذِي بَاعَ الطين مَعَ اخوات لَهُم وَتُوفِّي لبضع عشرَة وسبعماية ثمَّ قَرْيَة حصن الظفر الَّذِي تقدم ذكره بهَا جمَاعَة وردوا اليها
مِنْهُم ابْن ابي اليقطان وَغَيره وَآخر من سكنها من الْفُقَهَاء أَبُو بكر بن ابي الْقَاسِم الشّعبِيّ اصله من اشعوب ذبحان وَكَانَ رجلا صَالحا كثير الْعِبَادَة وَلما استدعى الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب بالفقيه عبد الله بن يحي الى المظفر لسَمَاع الْبَيَان وَاجْتمعَ نَاس كثير من الاعيان سمعُوا عَلَيْهِ فِي مدرسة الشَّيْخ الْمُقدم ذكره وَكَانَ هَذَا الْفَقِيه مُقَدرا عِنْد شيخ الاعروق وَكَانَت وَفَاته سنة ارْبَعْ وسبعماية وَخَلفه وَلَده ابو الْخطاب عمر كَانَ من اخير اولاد الْفُقَهَاء شرِيف النَّفس عالي الهمة لما اقمت بالظفر سنة ثَلَاث عشرَة وسبعماية مُرَتبا فِي تدريس الْمدرسَة الْمَذْكُورَة وجدت فِيهِ من الْخَيْر مَالا مزِيد عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ دين رصين وَقَرَأَ عَليّ التَّنْبِيه ومختصر الْحسن وَبَعض كتب الحَدِيث وَكَانَ صبورا على اطعام الطَّعَام للخاص وَالْعَام وَلذَلِك علقه دين كثير لم يكد يقبر حَتَّى قد برا من اجزله وَتُوفِّي على الْحَال المرضي سلخ صفر سنة سبع عشرَة وسبعماية وَله ولد اسْمه ابو بكر وَقد انْقَضى ذكر الْجند ونواحيها
وَحِينَئِذٍ اشرع بِذكر فُقَهَاء تعز اذ هِيَ من اول الدولة المظفرية مصر الْيمن الْمَقْصُودَة من كل نواحيه وَلم تزل دَار ملك لبني الرَّسُول
стр. 493
فابدأ حِينَئِذٍ بالفقهاء الَّذين امتحنوا بِالْقضَاءِ وَكَانُوا متورعين اذ هم اولى بالتقدمة وهم جمَاعَة اولهم أَبُو الْخطاب عمر بن ابي بكر الْمَعْرُوف بالهزاز وابو بكر هَذَا ابْن عبد الله بن قيس بن ابي الْقَاسِم بن ابي الاعز اليحيوي ثمَّ اليافعي مولده لبضع وَسِتِّينَ وخمسماية وَاصل بَلَده العقيرة الْقرْيَة الْمُتَقَدّمَة الذّكر وَقد ذكر ابْن سَمُرَة مِنْهُم عَليّ بن عبد الله وَسَأَلت خَبِيرا بالأحوالهم من اهاليهم فاخبرني ان وَالِد عَليّ كَانَ فَقِيها فَذَكرته فِيمَا مضى واما هَذَا عمر فَكَانَ من الْقُضَاة الورعين وَلذَلِك قيل لَهُ الهزاز تفقه بِأَخ اسْمه عبد الله لم أتحققه وَلما امتحن بِقَضَاء تعز سَار فِيهِ السِّيرَة المرضية فِي ذَلِك لانه كَانَ اذا مَاتَ ذُو الاولاد الصغار نصب من يجهزه وَيَقْضِي دينه ثمَّ يعلم مَا بَقِي لاولاده فيأمر الْمُؤَذّن الْمُسَمّى عِيسَى يَصِيح على جِدَار جَامع المغربة وَهُوَ مشرف على السُّوق ان فلَان ابْن فلَان توفّي وَخلف من الْعِيَال كَذَا وَكَذَا وَمن الدّين كَذَا وَكَذَا فَقضى الدّين وَبَقِي للعيال مَا هُوَ كَذَا وَكَذَا ثمَّ يذكر مَا فرض لَهُم حَتَّى كَانَ اموال الايتام يكَاد اهل تعز يعرفونها وَمَعَ من هِيَ وَمَا يصرف مِنْهَا كل شهر وَهَذَا امْر لم يعلم ان احدا سبقه اليه وَلَا لحقه فِيهِ ثمَّ فِي رَأس الشَّهْر اذا انفق على الايتام امْر الْمُنَادِي يُنَادي الا ان الْيَتِيم فلَان قد صرف لَهُ من مَاله كَذَا وَكَذَا وَبَقِي لَهُ كَذَا وَكَذَا وَلم يزل على الْقَضَاء المرضي حَتَّى توفّي بالمغربة عَشِيَّة الْخَمِيس لثمان بقيت من ربيع الاخر سنة ارْبَعْ واربعين وستماية وقبر بجوار مجير الدّين وَهِي الَّتِي بهَا مرباع الْبَقر بسوق تعز
وَكَانَ لَهُ اخ اسْمه يُوسُف كَانَ فَقِيها توفّي قبله بِثمَانِيَة ايام وَكَانَ هَذَا مجير الدّين من خدام السُّلْطَان سيف الاسلام يعرف بمجير الدّين كافور النقي خَادِم يتعاني الْقرَاءَات ومحبة اهلها وَكَانَ شَيخا فِي الحَدِيث وروى عَنهُ جمَاعَة الحَدِيث وابتنى الْمدرسَة
стр. 494
المجيرية وَجعل نظرها الى بعض قوم هَذَا القَاضِي وَهِي بيد ذُريَّته الى عصرنا مسكنا
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي الْقَاسِم الريَاحي الْحِمْيَرِي مولده سنة تسع وَتِسْعين وخمسماية وتفقه بِمُحَمد بن مَضْمُون غَالِبا وَاصل بَلَده اب وَكَانَ وَالِده قَاضِيا بهَا فَلَمَّا دنت وَفَاته حذره من الْقَضَاء فَلَمَّا توفّي لم يتَعَرَّض لَهُ قبولا لوَصِيَّة أَبِيه فَحدثت عَلَيْهِم مظالم كَثِيرَة شنيعة شقَّتْ بِهِ وبأخوته وَأَهله فَقَالَت لَهُ والدته يَا بني اذْهَبْ الى سير وَاعْلَم قَاضِي الْقُضَاة بوفاة والدكم وَمَا عمل اهل الامر مَعكُمْ فَلَعَلَّهُ يتركك بِهِ مكانة ابيك تتغطى فِيهِ انت واخوتك عَن الظُّلم والاعداء قَالَ فَقلت الان قَابل نهي الْوَالِد أَمر الوالدة فتعارضا ثمَّ تقدّمت الى قَاضِي الْقُضَاة الى المصنعة فحين رأني وسلمت عَلَيْهِ اخبرته بوفاة الْوَالِد فترحم عَلَيْهِ ترحما كليا وعزاني وَقَالَ لم لَا جيت من يَوْم توفّي فاخبرته الْقِصَّة فنصبني مَكَان وَالِدي ثمَّ عدت الْبَلَد فَلَبثت قَاضِيا واستترنا عَن الظُّلم وانقمع عَن الاعداء فَلَمَّا توفّي القَاضِي عمر مقدم الذّكر انفا بتعز بعث الى قَاضِي الْقُضَاة فحين جيته قَالَ لي قد استخرت الله واستنبتك على قَضَاء تعز واستنبت اخاك احْمَد مَكَانك فاعتذرت فَلم يقبل مني والزمني التَّقَدُّم الى تعز فتقدمتها عقيب وَفَاة القَاضِي عمر وَكَانَ ذَلِك من اهل سير عَادَة يحبونَ ابقا اهل الْأَسْبَاب وذراريهم ان وجدوا أَنما مَنعهم عَن ترك محم دولد القَاضِي عمر لكراهته للوقوف مَكَان ابيه مُحَافظَة على وَصِيَّة ابيه اذ وصاه بالحذر من الْقَضَاء وَلم يزَالُوا على ذَلِك فِي الْغَالِب حَتَّى انقرضوا وَمن شكّ فِي ذَلِك بحث عَن ذُرِّيَّة الْفَقِيه
стр. 495
البحراني الَّذِي كَانَ اماما بِمَسْجِد الاشاعر الْمُقدم الذّكر فِي اهل زبيد فانه لما توفّي وَخلف اولادا صغَارًا فرتب بَنو عمرَان رجلا وشرطوا عَلَيْهِ ان يقاسم أَوْلَاد الْفَقِيه بالجامكية فَفعل ذَلِك وَلم يزل ذَلِك مستمرا حَتَّى كبروا وقرأوا الْقُرْآن ثمَّ تركُوا أكبرهم قَامَ مقَام ابيه وَنَحْو هَذِه الْحِكَايَة عَنْهُم كثير فَلم يزل على الْقَضَاء الى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتُوفِّي عَلَيْهِ بالتاريخ الَّاتِي ذكره وَقل مَا سَمِعت بقاضي سلك مسلكه وَلَقَد كَانَ فِي غَايَة من الزّهْد والورع والاقتصاد فِي مطعمه وملبسه وزواجه وَكَانَ اذا اتاه آتٍ وَسَأَلَهُ ان يسعي مَعَه فِي حَاجَة اَوْ شَفَاعَة اجابة الى ذَلِك غير مستكبر وَلَا متجبر وَلَقَد اخبرني الثِّقَة عَن نَفسه انه قَالَ لقِيت القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ فِي هاجرة النَّهَار يمشي حافيا بِيَدِهِ نَعله قَاصِدا من المغربة حافة المحاريب فَقلت يَا سيدنَا لم فعلت هَذَا قَالَ بَلغنِي عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ من مَشى فِي حَاجَة اخيه الْمُسلم حافيا كَانَ لَهُ اجْرِ عَظِيم اَوْ نَحوا مِمَّا قَالَ ونسند نَحْو السَّنَد الاول انه لقِيه بعض النَّاس حافيا مقرعا فصافحه وسايره لينْظر ايْنَ يقْصد فَإِذا بِهِ قد وصل الى بَيت الامير خَازِن دَار المظفري فحين صَار بِالْبَابِ بَادر الْخَادِم الى اعلام الامير فَخرج الامير مسرعا وَقبل يَد القَاضِي واقعده على مَقْعَده متميزا ثمَّ قعد بَين يَدَيْهِ تأدبا ثمَّ قَالَ يَا سيدنَا لم جِئْت على هَذَا الْحَال وَهل ارسلت عَليّ كنت ان اصل الى بَين يَديك قَالَ انا احق بالاجر فان ساعدتني كنت شَرِيكي فِيهِ فَقَالَ يَا سيدنَا لم جيئت على هَذَا الْحَال قَالَ وصلني اولاد فلَان وَذكروا انك حَبسته بِالسَّوِيَّةِ وهم ضعف محتاجون وَبَلغنِي ان النَّبِي ﷺ قَالَ
стр. 496
من مَشى فِي حَاجَة أَخِيه الْمُسلم حافيا حاسرا اتاه الله اجرا عَظِيما فَلذَلِك جِئْت كَذَلِك فَقَالَ يَا سيدنَا انما حبس بامر من السُّلْطَان وَلَا يُمكن اخراجه الا بعد مُرَاجعَته وانا الان اراجعه فِي ذَلِك ثمَّ استدعي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس وَكتب الى السُّلْطَان يُعلمهُ بوصول القَاضِي اليه حافيا حاسرا وانه يشفع لفُلَان وامر بهَا رَسُولا محيا فَعَاد مسرعا بِالْجَوَابِ باطلاق الرجل وَقَالَ شَفَاعَة القَاضِي مَقْبُولَة ثمَّ لم يخرج القَاضِي من بَيت الامير الا وَالرجل مَعَه فَانْظُر كَيفَ كَانَ فعل هَذَا الرجل وانه لما كَانَ لله وجد لَهُ قبولا وَلَو فعل اُحْدُ من اهل هَذَا الزَّمَان كَمَا فعل لنسب الى التخيل وَلم يقبله عقل وَلَا اثمر وَنسب الى الْجُنُون وَكَانَ لهَذَا القَاضِي عِنْد السُّلْطَان مَحل من طَرِيق الْوَرع وَالصَّلَاح وَلَقَد اخبرني الثِّقَة وَهُوَ الْفَقِيه عُثْمَان الشرعبي وَهُوَ الَّذِي علقت عَنهُ غَالب اخبار هَذَا القَاضِي وَغَيره من فُقَهَاء تعز الْمُتَقَدِّمين قَالَ كتب اهل بلد من غير تعز يَشكونَ قاضيهم الى المظفر فَكتب السُّلْطَان يَا قَاضِي بهاء الدّين أنظر فِي أَمرهم فالقضاة كلهم فِي النَّار إِلَّا مُحَمَّد بن عَليّ وَذَلِكَ لما تحقق من ورعه ببحث شاف على يَد من يثقه وَله فِي الامانة اخبار مِنْهَا ان بعض التُّجَّار من اهل تعز مرض مَرضا شَدِيدا فامر على القَاضِي فَلَمَّا حَضَره استخلي بِهِ ثمَّ اشار الى مَوضِع فِي الدَّار وَقَالَ انني بنيت هَذَا الْموضع بيَدي على مَال جزيل لَا اكاد احصر مبلغه وقضضت عَلَيْهِ بيَدي ايضا واولادي صغَار وَقد نزل بِي مَا ترى من الْمَرَض واخشى الْمَوْت وَلم استطع اعلام اُحْدُ غَيْرك ليَكُون وَدِيعَة مَعَك فَمَا علم بِهِ اُحْدُ إِلَّا الله تعلى فَقَالَ القَاضِي لَا بَأْس امْرَهْ ان يُوصي الى شخص جيد باموره الظَّاهِرَة فَفعل ثمَّ توفّي الرجل وَكبر
стр. 497
اولاده وَلعب من لعب بِمَا ظهر لَهُم من التَّرِكَة وارادوا ان يبيعوا الْبَيْت من شدَّة الْحَاجة فَمَنعهُمْ القَاضِي ثمَّ بعد مُدَّة بلغه صَلَاحهمْ ورجوعهم الى الطَّرِيق الْمَحْمُود فَصَبر عَلَيْهِم مُدَّة وامر من يختبرهم فَوجدَ غالبهم الرشد فاتاهم القاي الى بَيتهمْ فَفَرِحُوا وادخلوه ليتبركوا بِهِ فَقَالَ للارشد فيهم احْفِرْ لي هَذَا الْموضع فَفعل فَخرج مِنْهُ مَال جزيل فَقَالَ هَذَا امانة من والدك اليك لتصرف بِهِ على اخوتك ونفسك فَسَأَلَهُ الصَّبِي ان يسْتَلم شَيْئا ويحتسبه من نصِيبه فكره وَعَاد بَيته فَللَّه دره من قَاضِي وَلَقَد كَانَ يُمكنهُ الاحتيال على اخذ المَال بِوَجْه اجمل الاشياء واسهلها بَان يَشْتَرِي الْبَيْت وَيدْفَع ثمنه مِمَّا فِيهِ اَوْ كَانَ حِين فَاتَهُ الشِّرَاء عمل على اخذ نصيب جيد من الصَّبِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَنَحْو هَذِه مَا اخبرني الْفَقِيه سُلَيْمَان بن احْمَد العسقي عَن الامير غَازِي بن يُوسُف التعزي قَالَ كنت ايام شَبَابِي قَاعِدا فِي الْبَيْت اذ بطالب يطلبني الى القَاضِي فدخلني رِيبَة ثمَّ زَالَت باستفاضة عَدَالَة القَاضِي وسرت وَأَنا أقدم رجلا وأؤخر أُخْرَى حَتَّى أتيت القَاضِي فحين رَآنِي تَبَسم الي فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ وسلمت ردعلي بِوَجْه مُسْفِر ولسان طلق ثمَّ قَالَ لي هَل لابيك من ولد غَيْرك قلت لَا فَدخل بَيته وامرني بلحاقه فَدخلت بعده فَلم يكن بِهِ اُحْدُ فَسَار امامي حَتَّى جَاءَ المطبخ فَلَمَّا توسطته اشار الى ان احْفِرْ موضعا مِنْهُ فحفرته فَظهر لي برمة فامرني باخراجها فَفعلت ثمَّ امرني بِفَتْحِهَا فَوَجَدتهَا مملؤة ذَهَبا فَقَالَ لي خُذْهَا واحتفظ بِنَفْسِك فَهِيَ عِنْدِي وَدِيعَة من ابيك قَامَ مُدَّة يلازمني فِي قبُولهَا وانا اكره ذَلِك فَلَمَّا الح عَليّ اتيت الْبَيْت كَمَا فعلت الْيَوْم واستدعيته فجَاء بهَا فامرته ان يحْفر هَذَا الْموضع ويودعها فِيهِ فَفعل فَلم يفتحها اُحْدُ غَيْرك وَلَا علم بهَا اُحْدُ وَأَنا مَعَ ذَلِك اسئل عَنْك فَلَمَّا اخبرت عَنْك انك عَاقل رشيد طلبتك تقبض مَا اودعني ابوك وَالْحَمْد لله الَّذِي من عَليّ بِبَرَاءَة الذِّمَّة قبل الْمَوْت وَلِهَذَا القَاضِي أَخْبَار فِي الْوَرع وَالْأَمَانَة يطول تعدادها وَفِي مَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لَيْسَ كَمَا نرَاهُ
стр. 498
الْيَوْم يود الْمَرِيض اذهاب مَا بِيَدِهِ فِي غير وَجه مرضِي وَلَا تصير الى الْقُضَاة وَلَا الى الَّذِي نصبهم لذَلِك وَلَقَد شاهدت من ذَلِك عجايب فأسال الله الْعَفو عَن ذَلِك وَلذَلِك لما تقدّمت عِنْدِي لَهُ هَذِه الاخبار من الثِّقَات الاخيار قَدمته على غَيره من سَائِر الْفُقَهَاء واما مَا ذكر لَهُ من الكرامات فاخبار يطول شرحها مِنْهُ مَا اخبرني الْفَقِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد الشرعبي اخبرني شَيْخي الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَبَّاس الشّعبِيّ قَالَ كنت معيدا بِالْمَدْرَسَةِ المظفرية بمغربة تعز وَالْقَاضِي الْمَذْكُور يَوْمئِذٍ الْمدرس بهَا فَرَأَيْت ذَات لَيْلَة ان الْقِيَامَة قَامَت وَالنَّاس مجتمعون بصعيدها حُفَاة عُرَاة كَمَا فِي الْخَبَر وَأَنا من جُمْلَتهمْ عُرْيَان فَلَمَّا طَال ذَلِك اذ رَأَيْت مَكَانا مرتفعا وَالْقَاضِي تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن عَليّ وَاقِف عَلَيْهِ وَعَلِيهِ ثِيَابه الَّتِي يلبسهَا اجْمَعْ حَتَّى الْعِمَامَة والملحفة وَالنَّاس مطيفون بِهِ فهرولت اليه اولا لكوني معبدة فملما دَنَوْت مِنْهُ سمعته يَقُول للنَّاس كلكُمْ بشفاعتي فاطمئنوا فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي وانا مِنْهُم فَقَالَ وانت مِنْهُم فَلَمَّا كَانَ وَقت السحر خرجت من بَيْتِي الى الْمدرسَة فوافقته رايحا إِلَيْهَا لصَلَاة الصُّبْح فبدأني بِالسَّلَامِ فَرددت عَلَيْهِ وَقلت يَا سَيِّدي اريد الْوَعْد الصَّادِق فَقَالَ مَا اذكر اني وعدتك بِشَيْء لَكِن ذَكرنِي فالعدة دين فاخبرته بمنامي فَبكى وَقَالَ اخبرني رَبِّي لست من اهل الشَّفَاعَة بل ارجو ان نَكُون جَمِيعًا فِي شَفَاعَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فَقلت لَهُ دَعْنِي من المغالطة فَلَا بُد من الوفا ثمَّ لازمته فاخذ بيَدي وَقَالَ يكون ذَلِك ان كنت من اهل الشَّفَاعَة وَمن ذَلِك مَا اخبرني الْفَقِيه الْفَاضِل ابو الْحسن الْحَمد ابْن الْفَقِيه الصَّالح الْجُنَيْد وَقد تَذَاكرنَا فضل هَذَا القَاضِي وشهرة ورعه وَمَا يذكر عَنهُ من الكرامات مَعَ المحنة بِالْقضَاءِ فَقَالَ لَو لم يكون لَهُ من الكرامات الا حَدِيث الدّلَالَة لَكَانَ كَافِيا فِي الدّلَالَة على خَيره فَقلت لَهُ اخبرني كَيفَ كَانَ فَقَالَ اتّفق لبَعض الْأَعْيَان من اهل تعز حَادث سرُور وَاحْتَاجَ الى اسْتِعَارَة شَيْء من المصاغ فَدَعَا الدّلَالَة فُلَانَة وَكَانَت مَأْمُونَة عِنْد السُّلْطَان فعول عَلَيْهَا تستعير لَهُ فاجابته بِالطَّاعَةِ وراحت بيُوت الامراء والكبراء فَاجْتمع لَهَا جمل مستكثرة فراحت بِهِ الى
стр. 499
صَاحب الْحَادِث فَأَخذه وَعمل حَاجته ثمَّ اعاده اليها فَخرجت بِهِ فِي غلس فلقيها جمَاعَة اخذوه مِنْهَا وخنقوها ورموا بهَا فِي مَوضِع ظنا انها قد مَاتَت ثمَّ عدلوا موضعا اقتسموا بِهِ القماش فَلَقِيَهُمْ رجل يُقَال لَهُ ابْن الدَّلال فارتباوا مِنْهُ واخبروه الْقِصَّة واعطوه بعض شَيْء من القماش فاخذه وَانْصَرفُوا ثمَّ من الله على الدّلَالَة بالعافية فَقَامَتْ من غشيتها وَخرجت من حَيْثُ القيت فَذَهَبت بَيت هَذَا القَاضِي وَشَكتْ عَلَيْهِ وَكَانَ النَّاس يحسنون بِهِ الظَّن مَعَ قَضَائِهِ فوعدها بِالْخَيرِ وانه يبْحَث لَهَا عَن ذَلِك فَمَا كَانَ غير يسير حَتَّى وصل إِلَى القَاضِي ابْن الدَّلال زايرا وَمُسلمًا وَكَانَ لبيبا فحدثه القَاضِي ثمَّ ذكر لَهُ قصَّة الدّلَالَة فَضَحِك واخبره الْقِصَّة فَعرف الْمَذْكُورين انهم مِمَّن يتسمى بالفقه فامرهم فوصلوه فَذكر لَهُم الْقِصَّة فاعترف بَعضهم وَسلم مَا مَعَه وَقد كَانَ ابْن الدَّلال حِين اخبره القَاضِي سلم مَا كَانَ اخذه وتغلب مِنْهُم بَعضهم فاخبر بامره قَاضِي الْقُضَاة فامر لَهُ وَلم يعذرهُ فَوَجَدَهُ قد رهن شَيْئا فافتداه القَاضِي من نَفسه وَكَانَ هَذَا القَاضِي كثير الْعِبَادَة مصاحبا للعباد كَانَ يصحب الشَّيْخ عَليّ الرميمة اُحْدُ عباد صَبر وَيكثر زيارته ويخبر هعنه بامور كَثِيرَة تدل على خير قَالَ الْفَقِيه عُثْمَان اخبرتني هَذَا القَاضِي يَوْمًا على خلْوَة قَالَ مَا على قلبِي هم الا ان اكون فِي بعض الْمَسَاجِد والربط استفرغ بَقِيَّة عمري فِي عبَادَة الله وَكتب بعض النَّاس الى المظفر يشكو اليه من قَاضِي ظلمه فَكتب يَا قَاضِي بهاء الدّين الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاضي فِي الْجنَّة القَاضِي تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن عَليّ فِي الْجنَّة اكشف قصَّة هَذَا الشاكي اراد وَالِدي ان يُسَافر من الْجند الى زبيد على رَأس ثَمَانِينَ وستماية فَلَمَّا صرنا بتعز دعِي الى مجْلِس هَذَا القَاضِي ليحمل شَهَادَة الى حَاكم زبيد فَلَمَّا تحملهَا ادناني مِنْهُ وَسَأَلَ مِنْهُ ان يمسح على رَأْسِي وَيَدْعُو لي فَلَمَّا صَار يمسح عَليّ تأملته فَرَأَيْت رجلا معتدلا ذَا لحية كثة
стр. 500
شفنا عَلَيْهَا انوارا وانا يَوْمئِذٍ فِي سنّ التَّمْيِيز فَلَمَّا كَبرت فاستدركت ذَلِك علمت اجماع النَّاس على صَلَاحه وانه مِمَّن يُرْجَى بركته وَلَوْلَا ذَلِك لم يفعل وَالِدي مَا ذكرته فَإِنَّهُ كَانَ نزها من مراءات النَّاس وَلم يزل على الْقَضَاء المرضي حَتَّى توفّي نَهَار السبت حادي عشر شَوَّال من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وستماية فَلم يُكفن الا بقرض اقْترض لَهُ وَكَانَ لَهُ مخلف وَرثهُ من ابيه قدر خَمْسَة الاف فافتقد فَلم يُوجد بَقِي مِنْهُ الا مَا يُسَاوِي الفي دِينَار وَبَاعَ العائز وَصَرفه مستعينا بِهِ على الْوَرع والاسباب الَّتِي كَانَت لَهُ من الْمدَارِس وَالْقَضَاء يصرف حاصلهاعلى المنقطعين من طلبه الْعلم والفقراء
وَعرض مَعَ ذكره ذكر الشَّيْخ عَليّ الرميمة فَكَانَ يُسمى عَليّ ابْن احْمَد يلقب الرميمة تَصْغِير رمه صحب الشَّيْخ مدافع الْمَذْكُور اولا وَلزِمَ طَرِيق الْعُزْلَة بجبل صَبر وَكَانَ شَيخا مُبَارَكًا قَالَ القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ اخبرني الشَّيْخ عَليّ الرميمة ان اكله فِي السّنة اثْنَي عشر زبديا يكلفه اهله على ذَلِك والزبدي التعزي يؤمئذ قدر ثَمَانِيَة ارطال فِي تِلْكَ الايام وَإِنَّمَا زيدته فِي آخر الدولة المظفرية وَهَذَا الْقدر يَأْكُلهُ الْوَاحِد الْمُنْفَرد فِي شهر وَكَانَ صَاحب مكاشفات قَالَ القَاضِي وَكَانَ الشَّيْخ عبد الله ابْن عَبَّاس مقدم الذّكر قد بَعثه المظفر الى مصر هُوَ والأمير ابْن الداية فَلَمَّا صَارُوا بِمصْر مَاتَ ابْن الداية فاتصل الْعلم الى الْيمن ان الْمَيِّت هُوَ عبد الله ابْن الْعَبَّاس وَكَانَ يصحبني فمررت بِبَابِهِ فَسمِعت فِي بَيته بكاء ازعجني حَتَّى طلعت الى الشَّيْخ الرميمة فاخبرته فاطرق سَاعَة ثمَّ قَالَ لي لم يمت الا ابْن الداية وَابْن عَبَّاس فِي عَافِيَة فَانْزِل اخبر اهله بذلك فَنزلت مسرعا فاخبرتهم ثمَّ بعد
стр. 501
ايام قدم الْعلم بِصِحَّة ذَلِك وَلم يزل الشَّيْخ عَليّ على الطَّرِيق المرضي حَتَّى توفّي يَوْم الْجُمُعَة صَلَاة الضُّحَى خَامِس وَعشْرين رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وستماية
وَحِينَئِذٍ ارْجع الى ذكر الْفُقَهَاء بتعز وَلم يكن فِي بلد اقل مِنْهَا فُقَهَاء وَلَقَد اخبرني ثِقَة أَنه كَانَ اذا كتب درسي لوحا من الْقُرْآن لم يكد يجد احدا من الْحفظَة يقصه عَلَيْهِ وَلذَلِك لم يذكر ابْن سَمُرَة مِنْهَا غير فَقِيه من ذِي عدينة
وَقد ذكرته وانما كثر الْفُقَهَاء بهَا من الدولة المظفرية وهلم جرا فَهِيَ اكثر بِلَاد الْيمن فُقَهَاء ومتفقهون فِي عصرنا فَمن الْفُقَهَاء ابو عَفَّان عُثْمَان بن عَليّ بن سعيد بن ساوح تفقه ثمَّ تصوف صحب الشَّيْخ مدافع مقدم الذّكر وَلما اخبره الشَّيْخ ابو بكر بن مَنْصُور الصُّوفِي من أهل ذبحان انه عزم على وُصُول تعز لزيارة الشَّيْخ مدافع صحبته قَالَ فتوقفت لما سَمِعت انه جرى عَلَيْهِ مَا جرى حَتَّى بَلغنِي انزاله الى عدن فَلَقِيته الى المفاليس فَسَأَلته الصُّحْبَة فَقَالَ اذْهَبْ الى تعز واصحب الْفَقِيه عُثْمَان ابْن ساوح فقد استخلفته على اصحابه وَقَالَ الْفَقِيه عُثْمَان ايضا واخير القَاضِي تَقِيّ الدّين الْمَذْكُور اولا ان الشَّيْخ عَليّ الرميمة قَالَ لَهُ يَوْمًا يَا قَاضِي من االسلطان الْيَوْم قلت الْملك المظفر فَقَالَ هَكَذَا كنت اظن حَتَّى كَانَ لَيْلَة امس قُمْت لوردي فَبينا اصلي اذ سَمِعت جَمِيع الْبَيْت حَتَّى الْخشب والصرب مَا فِيهِ من آلَة يَقُول جَاءَ السُّلْطَان جَاءَ السُّلْطَان بفرح حَتَّى سَمِعت طاقيتي على رَأْسِي
стр. 502
تَقول ذَلِك حَتَّى الْحَيَوَان الَّذِي فِي الْبَيْت فغلب على ظَنِّي أَن المظفر سيصل إِلَيّ فَلَمَّا اصبحت امرت اهلي بتنظيف الْبَيْت فَلَمَّا دفئت الشَّمْس اقبل الْفَقِيه عُثْمَان يسير على ضعف وَبِيَدِهِ عَصا متوكأ عَلَيْهَا فَدخل عَليّ الْبَيْت وصافحني بعد السَّلَام وَكَانَ لَهُ بِالْقربِ من بَيْتِي مزرعة بهَا زرع جيد فَقلت يَا فَقِيه مَا أحسن زرع ضيعتك فتنفس صعدا وَقَالَ ضيعتي اجرني فحين سمعته يَقُول ذَلِك غلب عَليّ ظَنِّي انه السُّلْطَان المعني وَقلت لَهُ نعم انت السُّلْطَان فَقَالَ وَقد اعلموك احسن الله الْعَافِيَة والخاتمة واخذ الْخِرْقَة عَن هَذَا الْفَقِيه جمَاعَة من الاعيان مِنْهُم الشَّيْخ عمر بن المسن الَّذِي نسب اليه العمرية وَله قرَابَة يعْرفُونَ ببني ساوح وهم اولاد اخيه واما هُوَ فَلَا عقب لَهُ وَلَا اظنه تأهل بِامْرَأَة واما الشَّيْخ عمر بن مُحَمَّد بن المسن فَكَانَ رجلا كَبِير الْقدر شهير الذّكر من اعيان مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَله اتِّبَاع كثير فِي نواح كَثِيرَة وَاصل بَلَده ذبحان وَله بهَا جمع كثير صحبوه واتبعوه على طَرِيق الصُّوفِيَّة وَصَارَ لَهُ اصحاب منتشرون فِي أَمَاكِن شَتَّى فِي بَلَده وَفِي جبل بعدان وناحية حجر الَّتِي هِيَ على قدر مرحلة من جِهَة مشرق بلدي الْجند من اعيانهم عمر بن مُحَمَّد الرَّاعِي وَعمر الْعَدوي شيخين كبيرين اهل كرامات شهيرة وانتفع بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا جمع فعمر توفّي بِبَلَدِهِ لَا اعْلَم تَارِيخه بل زرت تربته وَهِي برباطه فِي بلد قومه بني عدي وَله عِنْدهَا ذُرِّيَّة اخيار غالبهم التَّوْفِيق ببركته وَغَيرهَا ويسمون العمرية نِسْبَة اليه وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه عبد الله تزوج بابنة الشَّيْخ احْمَد بن علوان وَلَهُم مِنْهَا ذُرِّيَّة هم الان اصحاب الْقيام بالربط المنسوبة اليهم لَا سِيمَا فِي نَاحيَة جبل بعدان وَبَعْضهمْ فِي بَلَده يقوم برباطه الاصلي وَكَانَت وفاه على اكمل طَرِيق نَهَار الثُّلَاثَاء جمادي الاولى الْكَائِن فِي سنة اربعين وستماية
стр. 503
وَمن الْفُقَهَاء بتعز مُحَمَّد بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة من اشعوب سامع وَهُوَ جبل بِنَاحِيَة الدملوة كَانَ فَقِيها صَالحا ورعا زاهدا تفقه بِابْن البابا وبالاشرفي وَالْقَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ وَغَيرهم وَقد ذكرت من ورعه مَا تقدم مَعَ ذكر ابْن الْجُنَيْد حِين ذكرته فِيمَن تأهل وتدير قَرْيَة الجبي لما ظهر شهر عَنهُ الصّلاح ودعي الى نِيَابَة الْمدَارِس فَامْتنعَ عَنْهَا مَعَ الْحَاجة فَلم تأت ايام حَتَّى اعاضه الله بتدريس فدرس بالوزيرية وانتفع بِهِ جمع وَخرج فِي اصحابه نَحْو من خَمْسَة عشر مدرسا وَكَانَ محميا عَن الْمعاصِي بِدَلِيل مَا أَخْبرنِي الْفَقِيه عُثْمَان الشرعبي قَالَ لي يَوْمًا لقد راودتني امْرَأَة فِي ايام الشبيبة على نَفسِي فهممت بهَا وَلما عزمت اذ بذكرى كفتيلة عطب مبلولة وَاخْبَرْ عَنهُ الْفَقِيه عُثْمَان ايضا انه قَالَ بَلغنِي فضل مَسْجِد الْجند فَجعلت اخْتلف واصلي فِيهِ اياما فَكنت اذا احرم الامام وَبلغ الْمبلغ واحرم النَّاس سَمِعت فِي الْهوى تَكْبِير جمَاعَة لَا اعلمهم يصلونَ بِصَلَاة الامام وَكَانَ كثيرا مَا يرى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وتدريسه فِي أول الامر بالوزيرية وتفقه بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ ودرس مِنْهُم جمَاعَة كَعبد الرَّزَّاق وَعُثْمَان الشرعبي وَغَيرهمَا وَولي الْقَضَاء بتعز بعد مُحَمَّد بن عَليّ نِيَابَة وَكَانَ يَقُول حججْت فدعوت الله عِنْد الْحجر الاسود أَن يعصمني من الْقَضَاء وَالْفَتْوَى فَلَمَّا صرت بَين المدينتين مَكَّة وَالْمَدينَة امسيت مَعَ الْقَافِلَة فِي محطة فَلَمَّا نمت رَأَيْت فِي الْمَنَام حَلقَة عَظِيمَة من النَّاس فهرولت نَحْوهَا لانظر مَا مُوجبهَا واذا وسط هالتها شخص كانه الْقَمَر لَيْلَة تمامة فَقلت لبَعض الْحَاضِرين من هَذَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَرَأَيْت رجلا سئله عَن مَسْأَلَة بِوَرَقَة قد نَاوَلَهُ اياها وَبِيَدِهِ ﷺ جُزْء من الْمُهَذّب وَهُوَ ينظر تَارَة بالجزء وَتارَة بِالْمَسْأَلَة فَجعلت اتعجب واستيقظت فَلم اكره الْفَتْوَى بعد ذَلِك اقْتِدَاء بِهِ ﷺ وَبقيت على كَرَاهَة الْقَضَاء وعوفيت مِنْهُ فَللَّه الْحَمد وَقَالَ كنت ذَات يَوْم افكر فِي نَفسِي
стр. 504
واحدثها انه لَو كَانَ لي مَال لفَعَلت بِهِ كَذَا وَكَذَا من الطَّاعَات والمباحات اذ سَمِعت قَارِئًا قَرَأَ وَلَو بسط الله الرزق لِعِبَادِهِ لبغوا فِي الارض وَلَكِن ينزل بقد ر مَا يَشَاء
فَخرجت من الْموضع وتأملت هَل من تال أَو غَيره فَلم اجد احدا فَعلمت انها موعظة من الله تَعَالَى وَكَانَ يَقُول كَانَت لي جَارِيَة كنت لَهَا محبا وَكَانَت زَوْجَتي تعلم ذَلِك فتغار عَليّ فَقَالَت اني لَا اطيب مَعَك اَوْ تبيعني الْجَارِيَة فاذا صَارَت فِي ملكي امنتك عَلَيْهَا فَقلت فِي نَفسِي اطيب قَلبهَا وابتاعها عَلَيْهَا عقدا ثمَّ اخْتَار فَسخه فِي الْمجْلس فَلَمَّا فعلت ذَلِك عرض لي قَوْله ﷺ لكل غادر لِوَاء يعرف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ قلت لَا أغدر ثمَّ أتممت البيع وَعرفت نَفسِي وَكَانَت وَفَاته على الطَّرِيق المرضي نَهَار الِاثْنَيْنِ مستهل الْحجَّة من سنة تسع وَثَمَانِينَ وستماية وَقد بلغ عمره بضعا وَخمسين سنة وقدمته لتحقيق ورعه وان كَانَ فِي الِاثْنَيْنِ من هُوَ اشهر مِنْهُ لَكِن رجح شهرة هَذَا وورعه وصلاحه
وَمِنْهُم احْمَد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سَالم الاصغر اليزيدي ثمَّ الشّعبِيّ نسبا والاشرقي بَلَدا نسبته فِي بني سَالم الامام الْمُقدم الذّكر بذى اشرق اليه تنْسب الْمدرسَة الاشرقية بمغربة تعز تفقه بالامام اسماعيل الْحَضْرَمِيّ مقدم الذّكر وَبِه تفقه مُحَمَّد بن عَبَّاس مقدم الذّكر وَجَمَاعَة من اهل تعز وَكَانَ يرْوى عَنهُ انه قَالَ كنت بالضحي يَوْمًا اطالع التَّنْبِيه فِي ظلّ الْمَسْجِد اذ بِي ارى على ورق الْكتاب نورا يتلالأ فَرفعت رَأْسِي واذا بشيخ ذِي لحية كثة عَظِيمَة ينظرمعي فِي الط سَاعَة ثمَّ عدت فَلم أر احدا ورايت على الْكتاب اثر النُّور كَمَا يكون اثر الْحَيَوَان الْمُسَمّى بالنوارى فَذكرت ذَلِك لشيخي الْفَقِيه اسماعيل فَقَالَ ذَلِك الشَّيْخ هُوَ الشَّيْخ ابو اسحاق مُصَنف الْكتاب وَقد كَانَ يأتيني ايام الْقِرَاءَة وَقَالَ سَمِعت الْفَقِيه اسماعيل يَقُول اعطوا الْعلم كلكُمْ يعطكم بعضه فانكم ان
стр. 505
اعطيتموه بَعْضكُم لم تظفروا مِنْهُ بِشَيْء وَقَالَ كُنَّا نقتات بالعطارة وَكنت أتتبع الْمَسَاجِد لاجل السرج كلما طفي سراج رحت الى اخر حَتَّى اذا لم اجد سِرَاجًا نمت وَتُوفِّي على تدريس الْمدرسَة بالمغربة لم اتحقق تَارِيخه وَخَلفه ولد تفقه ثمَّ صحب الصُّوفِيَّة وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ المحبوب ثمَّ ولي قَضَاء بعض نواحي الْبَادِيَة من اعمال تعز فَسَار يَوْمًا مُنْفَردا فَقتل وَلم يعرف قَاتله وَذَلِكَ على رَأس تسعين وستماية تَقْرِيبًا ومدرسته المنسوبة اليه انشأها جمال الدّين ياقوت الجمالي كَانَ واليا لحصن تعز وَهُوَ الَّذِي انشأ الْقبَّة الجمالية نِسْبَة اليه وَذَلِكَ فِي دولة سيف الاسلام غَالِبا وَخلف احْمَد واخوه سُلَيْمَان كَانَ ذَاكِرًا للْبَيَان وعارفا بِهِ اخذه عَنهُ عدَّة من الْفُقَهَاء بتعز سكن هُوَ واخوه تعز وتوفيا هُوَ واخوه بتعز وقبرا بهَا
وَمِنْهُم يحي بن زَكَرِيَّا ابْن مُحَمَّد بن سعيد بن عبد الله الكلالي الضرغامي الْحِمْيَرِي اصل بَلَده جبل يعرف بخنيم بخاء مُعْجمَة محفوضة وَنون سَاكِنة وياء مثناة ومفتوحة ثمَّ مِيم وَهُوَ من جبال بعدان الْمُقدم الذّكر مشرف على اودية الملحمة وَرُبمَا كَانَ تفقهه فِي الْبِدَايَة باهلها وَله ذريتة بتعز يَأْتِي ذكرهم انشاء الله تَعَالَى فِي اهل طبقتهم تفقهه بِحسن بن عَليّ الَّاتِي ذكره واخذ الْبَيَان عَن الْفَقِيه مُحَمَّد الْهَمدَانِي واخذ عَن اسحاق الطَّبَرِيّ وَمُحَمّد بن مُخْتَار الرواوي ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الْمَعْرُوفَة بالغرابية من مغربة تعز انشأها الْملك الْمَنْصُور ونسبت الى مُؤذن كَانَ يُسمى غرابا كَمَا سميت الاخرى بالوزيرية نِسْبَة الى بعض مدرسيها كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ هَذَا يحي فَقِيها عَارِفًا بالفقه نقالا لَهُ توفّي على التدريس
стр. 506
بالمغربة لأحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان سنة ثَمَانِي وَسِتِّينَ وستماية
وَقد عرض مَعَ ذكره الرواوي فَهُوَ ابو عبد الله مُحَمَّد بن مُخْتَار الرواوي بِفَتْح الرَّاء بعد الف وَلَام وواو مَفْتُوحَة ثمَّ الف ثمَّ وَاو ثمَّ يَاء نسب نِسْبَة الى بلد من الغرب اخبرني الثِّقَة ان الْفَقِيه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْحَضْرَمِيّ اَوْ وَلَده اسماعيل قطع الْمخبر بِأَحَدِهِمَا واجه هَذَا الرواوي فَسَأَلَهُ عَن قَوْله ﷺ الْخلَافَة فِي قُرَيْش وَالْقَضَاء فِي الانصار والاذان فِي الْحَبَشَة وَكَيف عمل الشَّافِعِي بالْخبر الاول دون الاخرين وَمَا الْفرق فاجاب الرواوي بِاثْنَيْ عشر فرقا حَتَّى بهت الْحَضْرَمِيّ وَكَانَا سايرين لصَلَاة الْجُمُعَة وَقَالَ مَا اغزر نقل هَذَا الرجل وَجعل يعجب لَهُ بذلك وَيَقُول مَعنا فرقان وَقد صرنا معجبين بهما نظن ان لَيْسَ مَعَ اُحْدُ مثلهماوكانا قدومه الْيمن على رَأس خمسين وستماية تَقْرِيبًا وارتحل الى مَكَّة وَتُوفِّي بهَا وَلم اتحقق تَارِيخه
وَمِنْهُم ابو بكر بن آدم بن ابراهيم الجبرتي بَلَدا الزَّيْلَعِيّ لقبا على عَادَة خطابه اعتادها اهل الْيمن يلقبون بهَا غَالب السودَان الخارجين اليهم من بِلَاد الْحَبَشَة لَا سِيمَا من لم يكن رَقِيقا اذ يسمونه حَبَشِيًّا وَمن عداهُ يسمونه زيلعيا نِسْبَة الى قَرْيَة هِيَ بندر الْحَبَشَة يركب مِنْهَا الى غَالب سواحل الْيمن لَا سِيمَا سَاحل عدن وَهِي بِفَتْح الزَّاي وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة ن تَحت وَفتح اللَّام ثمَّ عين مُهْملَة سَاكِنة وَيخرج مِنْهَا فِي قوافل الى حَيْثُ يُرِيد القاصد من جَمِيع نواحي الْحَبَشَة ومايسامتها تفقه هَذَا أَبُو بكر بالامام اسماعيل الْحَضْرَمِيّ مقدم الذكرواخذ عَن غَيره وَكَانَ اُحْدُ محققي الْفِقْه وَصدر الْمُفْتِينَ فِي مَدِينَة تعز والمعدودين لذَلِك وَكَانَ رَأْسا للمفتين بتعز قَائِلا بِالْحَقِّ غَالِبا غير محاربه قايلا وفاعلا وَلَو لم يكن لَهُ فِي ذَلِك الا الْقِصَّة الْمَشْهُورَة مَعَ ابْن البانة والمقدسي الَّاتِي ذكرهمَا وَهِي مَا خبرني جمَاعَة من الثِّقَات ان الْمَقْدِسِي قدم تعز وَكَانَ فَقِيها اصوليا منطقيا فَجعل مدرسا بِالْمَدْرَسَةِ الْعليا الْمَعْرُوفَة بِأم
стр. 507
السُّلْطَان فِي مغربة تعز وَكَانَ ابْن البانة يَصْحَبهُ فِي جمَاعَة وَكَانَا يتذاكران من علم الْكَلَام بِمَا لَا تحتمله الْعُقُول وَلَا تقبله فنسب الى الزندقة وَالْكفْر وتكرر ذَلِك مِنْهُمَا وَنَفر النَّاس عَنْهُمَا نفورا فَاحِشا وَالْفُقَهَاء مترددون فِي امرهما حَتَّى شهد الْفَقِيه احْمَد بن الصفي الَّاتِي ذكره عَلَيْهِمَا وَكَانَ يقرا على بن البانة بانهما ينكران صدق الْقُرْآن ويقولان لَيْسَ هُوَ كَلَام الله تَعَالَى فَاجْتمع الْفُقَهَاء الى هَذَا ابْن ادم واخبروه بِمَا شهد بِهِ ابْن الصفي فصعب عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاء رَأينَا لرأيك تبع فأشر بِمَا شِئْت فَنحْن ممتثلون وامرنا بِمَا شِئْت فانا قابلون فَقُمْ لله والا انتشرت هَذِه الْبِدْعَة ومرق النَّاس من الدّين اَوْ كَمَا قَالُوا فَقَالَ الصَّوَاب انا نطلع الى المغربة وَنُصَلِّي يَوْم الْجُمُعَة بالجامع فَمَتَى خرج هَذَانِ اوقعنا بهما وقتلناهما وارحنا مِنْهُمَا الاسلام والانام فاجابوه بِالطَّاعَةِ وتعاهدوا على ذَلِك فَنقل للمقدسي وَابْن البانة مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَلما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة طلع ابْن ادم من ذِي عدينة اذ كَانَ مدرس الشمسية ويسكن بهَا فَلَمَّا صَار بالجامع فِي المغربة وَاجْتمعَ اليه الْفُقَهَاء وحان وَقت الصَّلَاة دخل الْمَقْدِسِي وَمَعَهُ جمَاعَة من الاعوان يَحْفَظُونَهُ بِالسِّلَاحِ وَلم يدْخل ابْن البانة فبحث الْفُقَهَاء عَن ذَلِك فَقيل لَهُم لما بلغ ابْن البانة اتفاقكم على مَا اتفقتم عَلَيْهِ من الامر حذر الْمَقْدِسِي وامره بالتقدم الى الواثق والالتزام بِهِ وَشَكوا الْفُقَهَاء عَلَيْهِ ثمَّ نزل من فوره الى ذِي عدينة متخفيا فأكثترى هجينا الى زبيد وَكَانَ المظفر بهَا فَركب وَلم يشْعر بِهِ الاشرف حَتَّى صَار منطرحا على بَابه وَكَانَ يدل عَلَيْهِ بجوار وَمَعْرِفَة فحين علم الاشرف بوصوله استدعاه واستخبره عَن أمره فاخبره الْقِصَّة فَكتب حِينَئِذٍ الى ابيه المظفر يُخبرهُ بذلك وَقيل بل أمره الاشرف أَن يكْتب قصَّته يشكو اليه من فعل الْفُقَهَاء فحين وقف على ذَلِك صَعب عَلَيْهِ فخشى ان يسْرع الْفُقَهَاء الى شقَاق كَبِير يصعب علاجه فَكتب اليهم مَا مِثَاله اظلمتم الضيا وخبطتم فِي عشوى فاقتصروا عَن هَذِه الْأَهْوَاء وَاشْتَغلُوا
стр. 508
بالنصوص فانك يَا ابْن ادم اغنى المفقهه وامثالك مِمَّن فِي تِلْكَ الْجِهَة لم يحظ علما بِمَا فِي كِتَابه وَلَو بهت احدكم وَسُئِلَ عَن مَسْأَلَة على الْقَوْلَيْنِ لم يكن فِي قدرته الْجَواب عَنْهَا حَتَّى يكْشف ويطالع وان كَانَ يغنيكم مَا افنيتم بِهِ اعماركم فَكيف تخرجُونَ الى اهوية تقيمون لَهَا امثالا بِظَاهِر الفاظكم مِمَّا يسْتَدلّ لَهَا على اهويتكم فاعتمدوا على الْكتاب وَالسّنة وَالصَّحِيح من حَدِيث رَسُول الله ﷺ واتركوا التَّمَسُّك بالموضوعات على رَسُول الله ﷺ فَلهَذَا عُلَمَاء يوردون وَيَصْدُرُونَ ماكتبتم من ذَلِك النمط فالحذر كل الحذر وَمن اعذر فقد انذر فَإِن اقتصرتم والا قصركم السَّيْف عَن طول اللِّسَان فقصدكم التلبيس على الْعَوام بقيل وَقَالَ ثمَّ ارسل الى الْوَالِي بحصن تعز بِالْوَرَقَةِ وعرفه ان يَأْمر الْخَطِيب يقرئها على الْمِنْبَر بِحُضُور الْفُقَهَاء وَغَيرهم فَفعل الْوَالِي ذَلِك وَقَرَأَ الْخَطِيب الورقة كَمَا امْر فَتفرق الْفُقَهَاء عَن ذَلِك وَتَفَرَّقُوا فِي الْبلدَانِ شغربغر وَقَامَ اعيان الْفُقَهَاء فِي الْبَلَد مُهَاجِرين للمقدسي اذ هُوَ مُقيم على جوَار من الواثق اذ كَانَ مُقيما فِي تعز خلفا لِأَبِيهِ فَلم يكد يُقيم المقسدي غير يسير حَتَّى مرض ثمَّ توفّي على الهجر بِحَيْثُ قبر سحرًا وَلم يكد يحضر قبرانه غير نفر يسير وَلم يزل ابْن البانة ملتصقا بالاشرف فحتى توفّي بعد اتِّفَاق من
الْفُقَهَاء واظهارتوبته عَمَّا نقل عَنهُ وصنف فِي ذَلِك مصنفات يدل على صِحَة رُجُوعه وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك مَعَ ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى
نرْجِع الى تَتِمَّة ذكر ابْن ادم فَكَانَ وَاحِدًا فِي رياسته وتدريسه وَكَانَ يَوْم الْعِيد لَا ينْصَرف النَّاس عَن الْمصلى خَاصَّة الْفُقَهَاء الا إِلَى بَيته يحْضرُون طَعَاما يصنعه لَهُم وَكَانَ شرِيف النَّفس عالي الهمة وتفقه بِهِ جمع كثير من تعز وَغَيرهَا مِنْهُم احْمَد بن
стр. 509
زَكَرِيَّا وَمُحَمّد السبائي وابراهيم الابيني وَغَيرهم وَقَالَ سَمِعت شَيخنَا الْفَقِيه اسماعيل الْحَضْرَمِيّ يَقُول رَأْي رجل صَالح من اصحابنا النَّبِي ﷺ وَكَأن يَوْم الْقِيَامَة قد قَامَت واعطى النَّبِي ﷺ مَفَاتِيح الْجنَّة فَقَالَ الرَّائِي وَهُوَ كالخائف يَا رَسُول الله انا بجارك فَقَالَ النَّبِي ﷺ الدرسة مَا عَلَيْهِم خوف فَقَالَ من هم الدرسة قَالَ درسة التَّنْبِيه والمهذب قَالَ وامرني الْفَقِيه بابلاغ ذَلِك الى اخوتنا الدرسة وَلما كَانَ فِي الْيَوْم الَّذِي ادخل فِيهِ الامام ابراهيم اسيرا الى تعز اصبح هَذَا الْفَقِيه اقفل شبابيك بَيته الَّذِي هُوَ فِيهِ اذ مر الامام عِنْده وَلم يظْهر عِنْده وَلَا اُحْدُ من جِهَته حَتَّى صَار الامام محبسه فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ حَزينًا كئيبا فسئلته اَوْ سَأَلت بعض الْحَاضِرين مَعَه عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ ان النَّبِي حَزِين لأمساك وَلَده هَذَا الامام اَوْ كَمَا قَالَ اخبرني الثِّقَة ان ابْن البانة وَصله الى مجْلِس تدريسه وَاحِد الدرسة يقْرَأ عَلَيْهِ والفقيه يذاكره فَلَمَّا قعد ابْن البانة عِنْد ابْن ادم اراد الدرسي ان يمْتَنع عَن الْقِرَاءَة فزجره ابْن ادم وَقَالَ لَا تعْتَبر بهؤلاء واشار الى ابْن البانة فَأَنا وَالله افقه مِنْهُم فَلم ينْطق ابْن البانة بِكَلِمَة غير ان قَالَ صدقت يَا سَيِّدي الْفَقِيه وَاقْبَلْ الدرسي على قِرَاءَته حَتَّى فرغ وَلما دنت وَفَاته مرض فَضَاقَ بتعز واحب ان يرجع الى نَاحيَة موزع الى الْفَقِيه سُلَيْمَان الفرساني الَّاتِي ذكره فارتحل الى هُنَاكَ فالفاه قد توفّي فَلبث عِنْد اولاده بقريتهم الْمَعْرُوفَة بالقحقح أَيَّامًا ثمَّ توفّي فِي اُحْدُ شهور سنة سِتّ وسعبين وستماية وَلما ابْتليت بِقَضَاء موزع زرت قَبره مرَارًا مُتَعَمدا مَعَ قبر صَاحبه سُلَيْمَان لما كَانَ يبلغنِي من ورعه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَسَيَأْتِي بَيَان الْفَقِيه والقرية ان شَاءَ الله
стр. 510
وَمِنْهُم ابو اسحاق ابراهيم بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عجلَان تفقه بعلي بن ابي الْقَاسِم السرددي ويوسف بن ابي بكر اليحيوي عَن الجبائي والرواوي وَغَيرهم وَكَانَ فَقِيها صَالحا متعبدا متورعا متزهدا درس الْفِقْه ايام شبيبته ثمَّ فِي آخر أَيَّامه تعانى درس الْقُرْآن وَقِرَاءَة كتب الحَدِيث وإقراءها اخذه لَهَا عَن الشريف ابي الْحَدِيد الْمُقدم ذكره وَعَن مُحَمَّد بن اسماعيل الْحَضْرَمِيّ الَّاتِي ذكره وَعَن الشَّعْبَانِي وَعَن سَالم الابيني وَعنهُ اخذ جمَاعَة من مدرسي تعز كشيخنا ابْن الصفي وَعُثْمَان الشرعبي وَابْن النحوى وَغَيرهم وَكَانَت لَهُ ضَيْعَة ورثهَا يقتات مَا يَأْتِي مِنْهَا فَلَمَّا دنت وَفَاته وَقفهَا ووقف كتبه على طلبة الْعلم وَلم اتحقق تَارِيخه وَلَا عقب لَهُ من جِهَة الرِّجَال بل اولاد الْفَقِيه عَليّ بن عِيسَى ذُريَّته من جِهَة الْبَنَات وَتُوفِّي بعد أَن بلغ عمره نيفا وَثَمَانِينَ سنة
وَمِنْهُم ابو الْحسن عَليّ بن ابي الْقَاسِم بن عَليّ بن مُحَمَّد عرف بالسرددي قدم تعز فِي أول الدولة المنصورية فصحب الشَّعْبَانِي والتصق بِهِ وَلما قدم الصَّدْر الصَّاغَانِي الى تعز سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وستماية اخذ عَنهُ مقامات الحريري ورسالته بمواصلة الشَّيْخ مَنْصُور بن حسن الْمُقدم ذكره واخذ عَن الْفَقِيه العسيقي وَعَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مَضْمُون وَعَن الْفَقِيه عَليّ بن قَاسم الْحكمِي وَسَعِيد بن مُحَمَّد المَخْزُومِي وَعبد الله بن اِسْعَدْ الوزيري وَلم اتحقق لَهُ تَارِيخا
وَمِنْهُم الْفَقِيه احْمَد بن عبد الله بن اِسْعَدْ بن ابراهيم الوزيري المري بَلَدا الاوسي ثمَّ الانصاري نسبا والبلد تعرف بالوزيرة بواو مَفْتُوحَة بعد الف وَلَام ثمَّ زَاي مخفوضة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء وَهِي صقع على نصف مرحلة من تعز من جِهَة قبليها والمري جد لَهُم يعرف بمري تفقه بِأَبِيهِ عبد الله الْمُقدم ذكره وَابْنه تفقه بالأحنف ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الوزيرية بعد ابْن مَضْمُون غَالِبا وَبِه سميت الى عصرنا لطول مقَامه بهَا
واقامه ابْن عَمه فِيهَا ثمَّ
стр. 511
عَن لَهُ الْحَج فحج فِي أَيَّام الْمَنْصُور بعد ان اسْتخْلف ابْن عَمه الَّاتِي ذكره وَلما قضى الْحَج وَعَاد احب ان يسكن زبيد فَسَأَلَ من الْمَنْصُور ان يسكنهُ اياها فاسكنه اياها وَجعل لَهُ الْمدرسَة الشَّافِعِيَّة فاخذ عَنهُ عمر بن عَاصِم وَغَيره من اهلها وَهُوَ اُحْدُ شُيُوخ يحي بن زَكَرِيَّا وَكَانَت وَفَاته بزبيد فِي شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وستماية وقبر بِبَاب القرتب وَخلف اولادا أفقههم سُلَيْمَان سكن مخلاف شرعب وَكَانَ فَقِيها صَالحا زاهدا ورعا متعبدا تفقه فِي بدايته بابيه ثمَّ بالامام اسماعيل الْحَضْرَمِيّ واخذ عَن ابي الْخَيْر وَعَن السُّلْطَان علا السمكري وَكَانَ مَعَ حسن فقهه يَقُول شَيْئا من الشّعْر غالبه فِي صرح النَّبِي ﷺ وَفِي الزّهْد وَمِنْه قَوْله ... سَبِيلك فِي الدُّنْيَا سَبِيل مُسَافر ... وَلَا بُد من زَاد لكل مُسَافر
وَلَا بُد فِي الاسفار من حمل عدَّة ... وَلَا سِيمَا ان خفت سطوة قاهر ... وَمَا شعره فِي النَّبِي ﷺ فاكثر من ان يُحْصى وَكَانَ مَسْكَنه قَرْيَة فِي بلد شرعب تعرف بالمصياة بميم مخفوظة وصاد مُهْملَة سَاكِنة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء سَاكِنة وبهاء قَالَ بعض الْفُقَهَاء وَقد جَاءَ مِنْهَا فَسئلَ من ايْنَ مَجِيئه فَقَالَ من عِنْد بني مري الساكني المصيابه السالكين طَرِيق كل اصابة وَهَذَا مرى جدلهم بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت كَانَ لَهُ ثَلَاثَة اخوة هم مُحَمَّد كَانَ فَقِيها ثمَّ مظفر ثمَّ مكرم تفقها ايضا وَلم اتحقق لَهُم مَا يذكر
وَمِنْهُم ابو عبد الله مُحَمَّد بن القَاضِي عمر الهزاز مقدم الذّكر اول ذكر فُقَهَاء الْبَلَد مولده يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وستماية كَانَ موسوما بالفقه وَالدّين وَالْعِبَادَة وَالصَّلَاح والورع لوزم على ان يتَوَلَّى الْقَضَاء بعد ابيه
стр. 512
فَامْتنعَ بعد ان وقف بِهِ مُدَّة وَكَانَ المظفر يجله ويعتقد صَلَاحه وَرُبمَا زَارَهُ سرا الى منزله اخبرني الْفَقِيه عُثْمَان الشرعبي فَلَمَّا فرغ النَّاس من الْقِرَاءَة سُئِلَ المظفر عَن الْفَقِيه فَقيل هُوَ بالقبة الضريبة فَقَامَ اليه فَلَمَّا اقبل قَامَ لَهُ الْفَقِيه وتسالما ثمَّ جعل المظفر يحدثه بلطف ويستعطفه ويستدعي دَعَاهُ وافترقا بعد الدُّعَاء وَكَانَت وَفَاته بعد ان صنف كتبا فِي الْفِقْه وَغَيره على مَا ذكر اذ لم نقف على شَيْء مِنْهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد الظّهْر لاربع بَقينَ من شَوَّال سنة سبعين وستماية وَحين بلغت وَفَاته الْملك المظفر كتب الى اولاده سَأَلَهُمْ ان يدفنوه فِي التربة الَّتِي هِيَ قبلي جَامع عدينة فَفَعَلُوا ذَلِك اذ خَواص بني الرَّسُول من الْقَرَابَة والسراري مقبورون فِيهَا وَخلف اولادا جمَاعَة اليهم انْتَهَت الرياسة الدُّنْيَوِيَّة والديانة فِي غَالب الدولة المويدية يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهُم أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه ابراهيم بن اِسْعَدْ الوزيري يجمعه هُوَ وَابْن عَمه الْمُقدم ذكره جدهما اِسْعَدْ وجده ابراهيم قد ذكره ابْن سَمُرَة وذكرته ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وخمسماية وَنَشَأ نشؤ البدو وَلم يشْتَغل بِالْعلمِ حَتَّى بلغ عمره اربعين سنة فَذكرُوا انه كَانَ اذا وصل الى ابْن عَمه الْمَذْكُور اولا لم يكد يصافحه وَلَا يتْركهُ يدنو مِنْهُ ويطوي عَنهُ حصر الطَّهَارَة حَتَّى جَاءَهُ يَوْمًا فَبَالغ فِي التَّحَرُّز مِنْهُ واظهر لَهُ ذَلِك فتعب فَقَالَ لَهُ وَلم تفعل ذَلِك فَقَالَ لانه غلب على ظَنِّي انك لَا تتحرأ من نَجَاسَة وانك لَا تعرف مَا يَنْبَغِي لَك اجتنابه وانك جَاهِل فَرَأَيْت التَّحَرُّز مِنْك اولى فداخله من ذَلِك غيظ عَظِيم وَخرج فلحق بِعَبْد الله بن مُحَمَّد الجبائي الْمَذْكُور فِي نواحي جبا فتفقه بِهِ ثمَّ عَاد الى ابْن عَمه فاكمل عَلَيْهِ التفقه ثمَّ لما عزم على الْحَج كَمَا قدمنَا استنابه على التدريس فدرس بالوزيرية وَعنهُ اخذ جمَاعَة كَثِيرُونَ وَمِنْهُم ابْن النَّحْوِيّ وَابْن البانة من تعز وَحسن بن عَليّ
стр. 513
من اب وَغَيرهم مِمَّن لم يحضرني ذكرهم وَلم اتحقق لوفاته تَارِيخا
ثمَّ صَار الْفِقْه بطبقة اخرى مِنْهُم ابو عبد الله مُحَمَّد بن سَالم بن عَليّ الغسي بالنُّون عرف بِابْن البانة تفقه بعمر بن مَسْعُود الابيني وبالوزيري واخذ عَن الْمَقْدِسِي ثمَّ امتحن بالقصة الَّتِي قدمنَا ذكرهَا عِنْد ذكر ابْن ادم فَلم يزل منافرا للفقهاء والقضاة حَتَّى امكنه الدُّخُول على القَاضِي الْبَهَاء وَهُوَ يؤمئذ المتفرد بالوزارة وَالْقَضَاء فَحلف لَهُ انه مَا تغير عَن مُعْتَقد السّنة واراه كتابا صنفه فِي مُعْتَقد السّلف فَقبل مِنْهُ ذَلِك بعض قبُول واكثر الْفُقَهَاء لم يكد يصدق ذَلِك وَلم يزل مُنْقَطِعًا الى الاشرف حَتَّى توفّي دخل على الاشرف يَوْمًا وَعِنْده شَيْء من التحف فَقَالَ يَا فَقِيه لَيْسَ مَعَ الْفُقَهَاء شَيْء من هَذَا فَقَالَ عِنْدهم مَا قَالَ الشَّاعِر ... شَيْئَانِ احسن من عنَاق الخرد ... والذ من شرب القراح الاسود
واجل من رتب الْمُلُوك عَلَيْكُم ... وشي الْحَرِير مطرز بالعسجد
سود الدفاتر ان اكون نديمها ... طول النَّهَار وَبرد ظلّ الْمَسْجِد ... فَقَالَ الاشرف نعم مَا حفظت وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة عيد الْفطر وَقيل صبيحتها قبل صَلَاة الْعِيد سنة سبع وَسبعين وستماية اخبرني الثِّقَة قَالَ كنت كثيرا مَا ارى الْفَقِيه ابْن الصفى مَتى زار الْقُبُور وَمر بِقَبْر ابْن البانة انْصَرف عَنهُ فرأيته مرّة قَاعِدا عِنْده قد كشف رَأسه فدنوت مِنْهُ وَسَأَلته السَّبَب فَقَالَ رَأَيْته فِي مَنَامِي البارحة على هَيْئَة حَسَنَة وَحَوله كتب كَثِيرَة فَقَالَ لشخص عِنْده هَات الْكتاب الْفُلَانِيّ الى الْفَقِيه ليزول عَن قلبه مَا أَخذ عَليّ فَقلت يَا سَيِّدي انت صَادِق ثمَّ اعتنقته واعتنقني وَزَالَ مَا فِي باطني وعزمت على زيارته
وَمِنْهُم ابو الْعَتِيق ابو بكر بن مُحَمَّد بن سعيد بن عَليّ الحفصي ثمَّ الازدي والحفصي نِسْبَة الى القارى حَفْص والازدي الى الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة
стр. 514
وَيعرف بِابْن العراف مولده ومنشآه قَرْيَة ذِي السفال وتفقه بهَا على مُحَمَّد بن مَسْعُود الَّاتِي ذكره وَكَانَ فَقِيها محققا للفقه نقالا لَهُ عَارِفًا بِهِ درس فِي أول امْرَهْ بذى جبلة فِي الْمدرسَة الزابية ثمَّ انْتقل الى تعز بسؤال من الْقُضَاة بني عمرَان فدرس بالوزيرية وَاتفقَ عَلَيْهِ بَنو عمرَان وسألوه ان يكون مدرسا لابناء حسان ونايبا لَهُم فِي الحكم فاقام على ذَلِك اياما ثمَّ اعتذر عَن الحكم فعذر بِابْن النحوى وتفقه بِهِ جمَاعَة
مِنْهُم ابْن النحوى وَابْن زُرَيْق وَبَان الصفي وعبد الله الريمي وَغَيرهم وَتُوفِّي يَوْم عَرَفَة بعد صَلَاة الصُّبْح سنة تسع وَثَمَانِينَ وستماية وَقد بلغ عمره ثمانيا واربعين سنة وَمِنْه شَيْخي ابو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْفَقِيه على السرددي الْمَذْكُور اولا كَانَ فَقِيها محققا وَغلب عَلَيْهِ فن الحَدِيث اِدَّرَكَ الشُّيُوخ الاكابر من تهَامَة وَالْجِبَال والواردين اليها من غَيرهمَا فن تهَامَة مُحَمَّد بن ابراهيم الفشلي واسماعيل الْحَضْرَمِيّ وَعمر التباعي وَمن الْجبَال مُحَمَّد بن مِصْبَاح وَغَيره واما القادمون فجماعة مِنْهُم الْعِمَاد الاسكندري والقطب الْقُسْطَلَانِيّ وَابْن وحيش واسحاق الطَّبَرِيّ وَعنهُ اخذ غَالب فُقَهَاء تعز كتب المسموعات كالبخاري وَمُسلم وغالب كتب الحَدِيث وَكَانَت كبته مضبوطة مُحَققَة وَعنهُ اخذت عدَّة كتب ورايت ضَبطه لكتبه ضبطا شافيا ولي مِنْهُ اجازة عَامَّة لجَمِيع مَا تجوز لَهُ رِوَايَته كَمَا قَرَأت عَلَيْهِ أَسبَاب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعين جمع ابْن أبي الصَّيف وَالْقَصِيدَة الرائية الَّتِي ذكر بهَا المبتدعة الَّتِي اولها ... تدبر كتاب الله وَاتبع الْخَبَر ... ودع عَنْك رَأيا لَا يلائمه الْأَثر ... فجزاه الله عني خيرا وَكَانَت وَفَاته عَام خمس وَتِسْعين وستماية
وَمِنْهُم ابو الْعَتِيق ابو بكر بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن القَاضِي عمر الهزاز الْمُقدم ذكرهمَا مولده رَجَب سنة سِتّ واربعين وستماية تفقه بابيه غَالِبا وَبِغَيْرِهِ كَابْن البانة وَرُبمَا اخذ عَن الْمَقْدِسِي ثمَّ تصوف وَصَحب الاكابر من الصُّوفِيَّة كابي السرُور وَغَيره
стр. 515
وَحج مَكَّة فلقي بهَا جمعا من الاكابر صحبهم وانتسخ كتبا من كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ الصُّوفِي فعكف عَلَيْهَا واعتقد مَا فِيهَا فَلذَلِك نقم عَلَيْهِ غَالب الْفُقَهَاء فان ابْن الْعَرَبِيّ لَهُ مُعْتَقد غَرِيب مِنْهُ اعْتِقَاده ان فِرْعَوْن مَاتَ على اسلام مُحَقّق وَغير ذَلِك مماهو مَشْهُور عَنهُ فِي كتبه وانكره اعيان الْفُقَهَاء ثمَّ لما عَاد الْيمن اقبل عَلَيْهِ غَالب اعيان الْأُمَرَاء والملوك والخواتين وَصَارَ لَهُم بِهِ مُعْتَقد عَظِيم وَذكروا لَهُ كرامات وَنقل عَنهُ اصحابه امورا تدل على جلالة الْقدر وَالصَّلَاح وَحصل بَينه وَبَين الْملك الْمُؤَيد ائتلاف وصحبة قبل مصير الْملك اليه وأعتقد صَلَاحه إعتقادا جَاوز الْحَد لم يشركهُ فِيهِ من الاعيان غير ابْن اخيه النَّاصِر فَإِنَّهُ ايضا صَحبه كَمَا صحب عَمه واعتقد فِي هـ الصّلاح ورويا عَنهُ عدَّة كرامات وَلما صَار الْملك الى الاشرف تخوف وَخرج هُوَ وأخوته وَجَمَاعَة من المنتسبين اليه عَن تعز فلحق هُوَ بِنَاحِيَة من طرف بلد وصاب واحيا هُنَالك ارضا زَرعهَا تعرف بوادي سخمل ثمَّ لم يكد يقف غير اشهر حَتَّى توفّي الاشرف وَصَارَ الْمُؤَيد سُلْطَانا على مَا سَيَأْتِي بَيَانه فاستدعاه الْمُؤَيد من حَيْثُ هُوَ فوصل بعد ان مر على النَّاصِر وَهُوَ يَوْمئِذٍ مقطع بِمَدِينَة القحمة واعمالها ثمَّ وصل الى تعز واخذ للناصر المواثيق من عَمه ثمَّ طلب النَّاصِر فوصل مسرعا وَجمع بَينه وَبَين عَمه وَعَاهد بَينهمَا وَلم يزل الْحَال بَينهمَا متجملا الى سِتّ عشر وسبعماية وَحدث بَينهمَا مَا رُبمَا أذكرهُ فِي مَوْضِعه ان شَاءَ الله وزبدة الامر فِيهِ ان النَّاس مُخْتَلفُونَ فِيهِ فَمن قَائِل هُوَ ولي الله وَهُوَ الْمُؤَيد والناصر وَبَعض من حولهما وَقَلِيل من النَّاس وَالَّذين عَلَيْهِ الاكثرون نسبته الى التلبيس وَالرَّغْبَة الى الدُّنْيَا وَاسْتِعْمَال الاسماء وَالسحر بهَا ومعاناة الكيمياء وطلبها من كل ليوهم أَن مَعَه علما بهَا وَكَانَ هَذَا الْفَقِيه مُنْذُ وصل الى تعز مظهر لاقامة
стр. 516
الامر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وابطال الْخمر وَمَا شابهه وعقاب من اظهر شَيْئا من ذَلِك وَلم يكن السُّلْطَان مغيرا مَا فعله اعتقادا ان مَا فعله هُوَ الصَّوَاب وَكَانَ مَعَ ذَلِك محسنا الى جمَاعَة فُقَهَاء بتعز وَغَيرهَا مَعَ تحَققه ان جمَاعَة مِنْهُم يكرهونه وَرُبمَا ساؤا اليه وَكَانَ يحسن الى اولئك خَاصَّة وَسمعت من ذَلِك اشياء يطول شرحها وَله فِي التصوف كتب مستحسنة واشعار معجبة
ايضا وباشارته انْتقل نظر الاوقاف من الْحُكَّام الى اهل الدِّيوَان وَاسْتمرّ ذَلِك الى عصرنا سنة ثَلَاث وَعشْرين وسبعماية وَلم يزل بتعز على الْحَال الْمَذْكُور واهله يُنكرُونَ ذَلِك وهم حجود لليقين فانا نقدره صدق قَوْلهم وفَاقا لَهُم فَلم لَا صد عَن الْوَقْف كَمَا صد عَن الْخمر وَغَيره وَلَقَد اخبر ثِقَة ال كنت اعتقده حَتَّى قدر انني قلت لَهُ اكْتُبْ لي الى ابْن اخيك يكْتب لي الى النَّائِب بزبيد ان لَا يكون يقطعني الكيلة من الْغلَّة الى الْغلَّة فَقَالَ انت فَقِيه
كَيفَ يجوز اكل طَعَام سنة فِي اخرى فَعلمت ان ذَلِك كَلَام مغالطة ومباهتة وَلَو عرف لفعل كَمَا فعل اسماعيل الْحَضْرَمِيّ على مَا قدمْنَاهُ فانه كَانَ اذا توفر على مَصْرُوف الْمدرسَة شَيْء امْر باخراجه وتفريقه على المرتبين واذا امْتنع بعض قليلي التَّوْفِيق من النواب وصل الْفَقِيه المخزن وَأمر بِكَسْر قفله واخراج مَا فِيهِ وفرقه على الطّلبَة وَلم يزل فِي تعز على الْحَال الْمَذْكُور من الْغَلَبَة على امْر السُّلْطَان وَالْقَضَاء بيد اخيه والوزارة ايضا وَفِي سنة ثَمَانِي وسبعماية نزل السُّلْطَان من تعز الى زبيد ثمَّ صَار الى المهجم وطلع حصون حجه فَأخذ حصنا كَانَ يغلب عَلَيْهِ الْعَرَب وَكَانَ فِي حصن تعز وَال يعرف بالعتمي حصل مِنْهُ سوء ادب على بعض المتجورين حول بَيت الْفَقِيه اذ كَانَ هُوَ وَجَمَاعَة من النَّاس احسوا بِحُصُول وَحْشَة بَينه وَبَين السُّلْطَان فتجهز هَذَا الْفَقِيه من تعز باولاده وَجَمَاعَة من اصحابه واظهر قصد الْحَج فَلَمَّا صَار بِالْقربِ من زبيد عدل عَنْهَا وَحط بقرية التريبة فحين علم مُتَوَلِّي زبيد بذلك وَهُوَ يَوْمئِذٍ الشهَاب بن الخرتبرتي كتب الى السُّلْطَان يُخبرهُ بذلك وَأرْسل هجانا بِالْكتاب فحين وقف
стр. 517
السُّلْطَان على الْكتاب نزل عَن حجه مبادرا وَلَقي الْفَقِيه فِي المهجم وَاجْتمعَ بِهِ وَلم يزل يتلطف بِهِ حَتَّى اعاده الى مَدِينَة زبيد وَتَركه فِيهَا وَذَلِكَ انه شَرط على السُّلْطَان ذَلِك فَلَمَّا اراد السُّلْطَان الطُّلُوع قيل انه اوصى الْوَالِي بحفظه وَعدم مُخَالفَته فَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي وَكَانَ مُدَّة اقامته بهَا مبالغا باماته الْمُنْكَرَات واراقة الخمورات حَتَّى نفر لذَلِك جمع كثير الى حيس وفشال وَغَيرهمَا من الْقرى المقاربة لزبيد حَتَّى توفّي بعد ان اشْترى دَارا وبناه وَتُوفِّي قبل كَمَاله منتصف لَيْلَة الْجُمُعَة الاخير لعشر بَقينَ من ربيع الاخر سنة تسع وسبعماية وَحضر قبرانه اخوه على الْوَزير يَوْمئِذٍ فَنزل منزعجا عَلَيْهِ من تعز فادركه منزولا بِهِ فقبر الى جوَار قبر الشَّيْخ عَليّ بن افلح فِي مَقَابِر بَاب سِهَام وَمَتى زار الزاير قبر الشَّيْخ زار قَبره وَقل ان كَانَ الْمُؤَيد ينزل زبيد الا ويزوره وَمَتى علم اهل الْحَاجَات بذلك تركُوا اوراقهم عِنْد قَبره فياتيه السُّلْطَان لَيْلًا فِي الْغَالِب فيزوره ثمَّ يقرا مَا عِنْده من الْوَرق ويجيب على كل ورقة بِمَا يُرِيد اليه وَذَلِكَ اكراما للفقيه واعتقادا لوُجُوب حَقه حَيا وَمَيتًا وَخَلفه فِي بَيته وعَلى أَوْلَاده الْفَقِيه الصَّالح أَحْمد بن عَليّ الظفاري فَقَامَ بذلك قيَاما مرضيا وهذب بنيه وعلمهم تَعْلِيما جيدا حَتَّى نشأوا على حَال مرضِي وهما ابْنَانِ مُحَمَّد وَعبد الرَّحْمَن فمحمد مولده سَابِع عشر الْحجَّة سنة ارْبَعْ وتستعين وستماية تفقه وَولي قَضَاء الْقُضَاة سنة أَربع عشرَة وسبعماية فَقَامَ كقيام أَبِيه بالمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهُوَ ذُو همة وَشرف نفس وكرم طبع وَحسن اعْتِقَاد للمنقطعين من اهل الْعلم وَغَيرهم وَعمل فِي أَيَّامه مأثر جَيِّدَة لم يعلمهَا اهله وَلَا من قبلهم مِنْهَا مطاهير جَامع المغربة ثمَّ السيفية ثمَّ فِي جَامع الْجند ثمَّ جَامعا فِي المحاريب بتعز وَمظَاهر بزبيد وانفصل قبل تَمامهَا ثمَّ فِي سنة ٧٢٠ اجتلب المَاء الى عدينة الى الشمسية والرشيدية بعد ان انْقَطع مُدَّة وتعب النَّاس لذَلِك وَلما كَانَ فِي سنة سِتّ عشرَة وسبعماية حصل بَين النَّاصِر بن الاشرف وَبَين عَمه الْمُؤَيد وحشه اتهمه بهَا الْمُؤَيد فازاله عَن الْقَضَاء ثمَّ اقصاه فَلَزِمَ بَيته الى سنة
стр. 518
اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعماية وَحصل عَلَيْهِ فِي ذَلِك امتحان سجن وصودر بِسَبَب اتِّفَاق الاعداء عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ والصدق وسجن بعدن حَيْثُ سجن بَنو عمرَان مُدَّة شهر ثمَّ بِبَيْت كَانُوا بِهِ ايضا ثمَّ اطلق ثمَّ اعيد الى عدن فَلبث يَسِيرا واطلق ثمَّ توفّي الْمُؤَيد فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين واخرج من عدن حَتَّى وصل المفاليس ثمَّ تقدم تعز وَتقدم بعد ذَلِك مَكَّة هُوَ ومعلمه الظفاري واولاده وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعماية فحجوا وزاروا ثمَّ عَادوا ووقفوا فِي بَيت الْفَقِيه احْمَد بن عجيل مقدم الذّكر مُدَّة ثمَّ طلع مُنْفَردا الى تعز صُحْبَة احْمَد بن ازدمر فَلم يزل لَازِما لبيته بالمغربة ثمَّ توَسط بَين السُّلْطَان ورعية الشوافي واجناداب وَهُوَ على ذَلِك من شعْبَان الى ان دخلت سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَهُوَ على ذَلِك مُقيم مَعَهم اذ تزوج مِنْهُم فَالله يحسن عاقبته وعاقبة الْمُسلمين وَفِي شهر صفر طلع الْحصن حِين تحقق خبر الْحصار فَوقف مَعَ الْمُجَاهِد فِيهِ الى ان ارْتَفَعت المحطة فِي الْعشْرين من الْحجَّة وَفِي الْمحرم ولاه الْقَضَاء الاكبر فَهُوَ عَلَيْهِ الى الان فِي شهر رَمَضَان سنة ٧٢٥ وَفِي هَذِه السّنة نزل تهَامَة فالتمس شَيْئا من حيس من مَال الْوَقْف وَلما طلع السُّلْطَان من تهَامَة فِي الْحجَّة من السّنة سبقه الى تعز بايام ثمَّ ان السُّلْطَان طلع حصن التعكر مَعَه فتقلقل مِنْهُ اهل جبله اهل الْوَقْف خَاصَّة اذ سلط عَلَيْهِم ابْن القواس فطلعوا التعكر وَشَكَوْهُ فَقَصره عَنْهُم وَعَاد السُّلْطَان تعز وَعَاد صحبته ثمَّ نزل فَخرج من تعز مستترا بعد ان نقل اولاده وقماشة سرا حَتَّى لم يبْق لَهُ شجن وَخرج على انه مسير اَوْ مُودع ثمَّ صَار الى ذِي اشرق فَلبث بهَا مُدَّة وانتقل الى رِبَاط كَانَ لابيه وَدخلت سنة ثَمَان وَهُوَ بِهِ فَلَمَّا قَامَ الْعَرَب فِي ربيع الثَّانِي جَعَلُوهُ رَأْسهمْ ثمَّ كذبُوا بِهِ فَاشْترى حصن شوائط نصفه فَلَمَّا صَار بِهِ ذكرُوا أَن صَاحب الْحصن أَرَادَ الْغدر بِهِ فغدر بِهِ وَلَزِمَه وَأَرَادَ حَبسه وَبعد الْجهد حصل لَهُ
стр. 519
الاطلاق بعد اخذ مَاله وَلم يزل منضرب الْحَال الى أَن دخلت سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَحمله الْجَهْل على التَّقَدُّم الى السمداني فلحق بِهِ ثمَّ عَاد مِنْهُ صُحْبَة ابْن السبائي فَقتله فِي شهر صفر من السّنة
وَأما اخوه عبد الرَّحْمَن فامة ابْنة الْفَقِيه عَليّ بن العسيل الْآتِي ذكره فِي جبلة فَإِنَّهُ وقف برباط أَبِيه بِنَظَر الظفاري وَصَارَ ذَا فطنة وَهُوَ إِلَى الْآن طَالب للْعلم مُجْتَهد فِيهِ
وَمِنْهُم شَيْخي ابو الْعَبَّاس احْمَد بن عبد الدَّائِم بن عَليّ عرف الده بالصفي الْمَيْمُونِيّ مولده سنة اربعين وستماية تفقه فِي بدايته بفقهاء تعز كَابْن البانة وَابْن العراف مقدمي الذّكر وَغَيرهمَا ثمَّ ارتحل الى تهَامَة واخذ عَن الامام اسماعيل الْحَضْرَمِيّ وَغَيره ثمَّ لما عَاد متفقها درس بذى جبله ثمَّ انْتقل الى تعز فدرس بعدينة بالرشيدية وَعلم الْملك الْعَادِل بن الاشرف تَعْلِيما جيدا وَكَانَ مُبَارَكًا كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ لما ابتنى مدرسته بالمغربة جعله ابوه مدرسا فِيهَا فَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي وَهِي من اضعف الْمدَارِس وَقفا وَلَكِن كَانَ الْأَشْرَف فِي حَيَاته يفتقد الْفَقِيه بِشَيْء مِنْهُ وَلما توفّي قيل لَهُ هلا انْتَقَلت الى بعض الْمدَارِس النافعة فَقَالَ لَا اغير صُحْبَة الاشرف حَيا وَمَيتًا وَكَانَ اخذه لكتب الحَدِيث عَن أَحْمد السرددي واسحاق الطَّبَرِيّ وَعَن ابراهيم بن عجلَان وَعنهُ أخذت لمع الشَّيْخ أبي إِسْحَاق ومقامات الحريري وَبَعض وسيط الْغَزالِيّ واليه انْتَهَت رياسة الْفَتْوَى بتعز ونال من الاشرف مكانة جَيِّدَة وَظهر ذَلِك ايام استقلاله بِالْملكِ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس فجا ولثمان بَقينَ من صفر سنة بضع وسبعماية وَكنت يَوْمئِذٍ بعدن فَقلت يَوْم الْجُمُعَة للمؤذن بالجامع يَصِيح بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بعد الْجُمُعَة فَفعل وَصلى عَلَيْهِ جَمِيع الْجَامِع ثمَّ جمعت الاصحاب وقرأنا عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام بِالْمَدْرَسَةِ المنصورية اذ كنت يَوْمئِذٍ بهَا وَذَلِكَ بعض الْوَاجِب من حَقه ﵀ فَقل مَا رَأَيْت من فُقَهَاء تعز لَهُ
стр. 520
نظيرا بمكارم الاخلاق والشفقة على الاصحاب
وَمِنْهُم ابو الْعَتِيق ابو بكر بن عمر بن سعيد عرف بِابْن النَّحْوِيّ مولده ربيع الاخر كَمَا اخبرني من لَفظه وَذَلِكَ فِي شهور سنة سِتّ واربعين وستماية وتفقه بِابْن ادم وَابْن العراف والوزيري وَبِعَبْد الله بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ الْمُقدم الذّكر وَكَانَ مُبَارَكًا بالتدريس قل مَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد الا انْتفع وَكَانَ مَذْكُورا بشرف النَّفس وعلو الهمة استنابه بَنو عمرَان فِي الْقَضَاء فَلبث بِهِ مُدَّة الى ان انقرضوا فَعَزله بَنو مُحَمَّد بن عمر فِي اول قيامهم وَتركُوا مَكَانَهُ عَليّ بن عبيد الَّاتِي ذكره وَبَقِي على تدريس الْمدرسَة الغرابية الى ان توفّي بعد ان تفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم عمر بن ابي بكر العراف وَغَيره وَكَانَت وَفَاته فِي منتصف شَوَّال من سنة ارْبَعْ عشرَة وسبعماية
وَمِنْهُم عبد الله بن مُحَمَّد الباحري كَانَ فَقِيها فَاضلا غير انه اكثر خلْطَة اهل الذِّمَّة فاتهم بِتَغَيُّر الدّين وَكَانَ عَارِفًا بِتَغَيُّر الرُّؤْيَا وَله اشعار كَثِيرَة وَاخْتصرَ كتاب القادري فِي التَّعْبِير وَحدث لَهُ ولد شرع بالفقه اسْمه مُوسَى وَلم يطلّ عمره فَتوفي بصفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وستماية ولبث ابوه بعده شَهْرَيْن اَوْ وَنصفا ثمَّ توفّي وَلم يَرِثهُ غير ابْن اخ لَهُ وَلَوْلَا التجأ الى امير يعرف بالطعا لقتل لما شهر من مذْهبه واخذ عَن ابْن المبرذع كِتَابه اليواقيت فِي الْمَوَاقِيت واخذته انا عَن من اخذه عَنهُ
وَمِنْهُم صنوه ابو عبد الله مُحَمَّد بن عمر مولده الْمحرم من سنة اربعين وستماية قَرَأَ الْقُرْآن لَاذَ بَابي الْمسك عنبر وَكَانَ يؤمه وَينْتَفع بِهِ وَيكْتب لَهُ وَكَانَ خيرا وبسبب صُحْبَة اتَّصل بِصُحْبَة الْملك الواثق وسافر مَعَه الى ظفار وَغلب على امْرَهْ بهَا وَلم يزل وزيرا لَهُ فِيهَا وابتنى بهَا مدرسة ووقف عَلَيْهَا وَقفا جاملا وَتُوفِّي
стр. 521
هُنَاكَ فِي شهر رَمَضَان سنة تسع وسبعماية وَخلف ابْنا جيدا اسْمه عمر جَامعا لفنون من الْعلم وَالْفِقْه والحساب والفرائض والطب وَلما مَاتَ الواثق لم يطق الْوُقُوف بظفار بل عَاد الْيمن صُحْبَة الْحرَّة مَاء السَّمَاء كَرِيمَة الواثق اذ عَادَتْ كَمَا تقدم فحين وصل لم يعْذر الْمُؤَيد ان جعله كَاتب خزاينه وَهُوَ الان مَعَ ابْنه كَذَلِك يذكر بِالْعَدَالَةِ والامانة فِيمَا تصدى لَهُ
وَمِنْهُم احْمَد بن الْفَقِيه يحي ابْن زَكَرِيَّا مولده صبح الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر جمادي الاخرة من سنة تسع واربعين وستماية تفقه بِابْن ادم كَمَا قدمنَا وَكَانَ فَقِيها خيرا ذَا مرؤة وحمية على الاصحاب مَشْهُور بجودة الْفِقْه وعلو الهمة وَحسن الصُّحْبَة وَكَانَ وَفَاته سنة احدى وَتِسْعين وستماية وَخلف اولادا تفقه مِنْهُم جمَاعَة يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمِنْهُم ابو عَفَّان عُثْمَان بن مُحَمَّد عرف بالشرعبي تفقه بِمُحَمد بن عَليّ القَاضِي وبابن عَبَّاس الشعيبي مقدمي الذّكر وَعنهُ اخذت غَالب اخبار الْفُقَهَاء بتعز ونعوتهم اذ كَانَ الف ذَلِك بكراريس فَلَمَّا اخبرته بِمَا جمعته اعجبه ذَلِك وَأَعْطَانِي الكراريس فَوَجَدته ذكر جمعا كثيرا لكنه لم يَأْتِ بتاريخ مِيلَاد وَلَا وَفَاة إِنَّمَا اخذت مَا اوردته من ذَلِك عَن بحث لَهُ من مضانه هَذَا الْفَقِيه من اخيار الْفُقَهَاء وصلحائهم وَمِمَّنْ يُرْجَى بركته وَكَانَ جميل الْخلق كثير البشاشة درس بِالْمَدْرَسَةِ الاسدية الْمُقدم ذكرهَا مُدَّة طَوِيلَة الى ان توفّي لَيْلَة الاحد سَابِع صفر من سنة ثَمَانِي عشرَة وسبعماية
وَمِنْهُم ابو سُلَيْمَان دَاوُد ابراهيم الجبرتي بَلَدا والزيلعي لقبا كَمَا تقدم فِي ذكر ابْن ادم درس بالشمسية بعد ابْن زَكَرِيَّا وتفقه بفقهاء جبلة ونواحيها وَكَانَ جليل الْقدر اخذ بالاثر يفرش لَهُ مجْلِس التدريس فرشا وَيقْعد عَلَيْهِ ثمَّ يجْتَمع الطّلبَة حوله فيقرأون الْفِقْه ثمَّ انه كَانَ لَا يناصف الا مُسْتَحقّا للمناصفة لعلمه اَوْ دينه وَمَتى وَصله المترأسون بدنياهم لم يحفل بهم بِحَيْثُ انه يكون متمددا فَلَا يكَاد
стр. 522
يرفع بسببهم جَبينه وَكَانَ محميا من الله م الشُّبُهَات اخبر الثِّقَة انه كَانَ يقْرَأ فِي عرشان عَليّ القَاضِي احْمَد بن عبد الله مقدم الذّكر وانه كَانَ مَعَه رَاع يرعي لَهُ شَيْئا من الْغنم وان من جُمْلَتهَا كَبْشًا كَانَ قد تربى وَسمن فَحصل بِهِ مرض فَمَاتَ من فوره فَلم يهن على الرَّاعِي ذَلِك فذبحه واتي بِهِ لبيت القَاضِي وَقَالَ انني تلافيت هَذَا واستدركته فَحَمَلُوهُ على الصدْق
وطبخوه فَعمل عَلَيْهِ طَعَاما ودعي هَذَا الْفَقِيه دَاوُد فَلَمَّا حضر وَرَآهُ كرهه فلازمه القَاضِي عل الاكل مِنْهُ فَمَا هُوَ الا ان وَافقه حَتَّى وضع لقْمَة فِي فِيهِ اذ ضرب ضرسه واخرج اللُّقْمَة وَقَامَ واستدعي بالراعي وحلفه فاخبر بِحَقِيقَة الامر فَعلم ان الله حماه وَنَحْو ذَلِك مَا ذكر ان بعض الْفُقَهَاء بتعز اَوْ لم وَلِيمَة وحضره غَالب الْفُقَهَاء وَهَذَا الْفَقِيه من جُمْلَتهمْ فَلَمَّا قرب الطَّعَام اكلوا وامسك هُوَ عَن الاكل فَعَاتَبَهُ الْفَقِيه احْمَد بن الصفي على ذَلِك وَهُوَ اذ ذَاك رَأس الْفُقَهَاء وَلم يعذرهُ عَن مواكلتهم فَأكل وَنزل بَيته فَمَرض اياما مَرضا شَدِيدا فوصله الْفَقِيه ابْن الصفي وكشف رَأسه واستحله من الِاعْتِرَاض الَّذِي اعْتَرَضَهُ وكلفه فِيهِ الى الطَّعَام فاحله وَكَانَ مبارك التدريس قل مَا قرا عَلَيْهِ اُحْدُ الا انْتفع وَكَانَ ذَا صَلَاح وَدُعَاء مستجاب ومحبة للاصحاب وَكَانَت وَفَاته على الْحَال المرضي فِي شهر صفر سنة سبع وسبعماية
وَمِنْهُم ابو الْخطاب عمر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عمرَان المتوجي المراني ثمَّ اللخولاني نسبا فالمتوجي بِضَم الْمِيم وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْوَاو ثمَّ جِيم وياء نسب والمراني ظَاهر والخولاني اظهر موله سنة سِتّ واربعين وستماية بمخلاف حصن شيبَة ثمَّ صَار الى تعز فدرس بِالْمَدْرَسَةِ العمرية فِي حافة الْملح من
стр. 523
مغربة تعز وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الْعُزْلَة وَالْعِبَادَة وكلف دين عَظِيم وصل الى عدن بِسَبَب قَضَائِهِ وَكنت اذ ذَاك بهَا وَلم يكن لي بِهِ قبل ذَلِك معرفَة وَكنت اماما بِالْمَدْرَسَةِ المنصورية فوصلت لاصلي بهَا بعض الْأَوْقَات فَوَجَدته فَسلمت عَلَيْهِ وسئلت عَن مجيئة واسْمه فَقَالَ انا فلَان من تعز فعرفته على السماع فاهلت بِهِ وسهلت ورحبت ثمَّ تقدّمت بِهِ الى الْوَالِي وَهُوَ يَوْمئِذٍ حسن بن مِيكَائِيل وَقد كَانَ كتب اليه جمَاعَة من اعمال الدولة بِسَبَبِهِ فَلَقِيَهُ متلقى حسنا ووعده بِالْخَيرِ ثمَّ انه وصل الى قَاضِي عدن ايضا بكتب من القَاضِي مُحَمَّد بن احْمَد الَّاتِي ذكره وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابو بكر بن الاديب كَذَلِك ثمَّ انه مرض اياما يسيرَة وَتُوفِّي بهَا نَهَار الْخَمِيس حادي عشر الْحجَّة سنة سبع وسبعماية فتوليت تَجْهِيزه وَدَفنه عِنْد مصلى الْعِيد وقبر الشَّيْخ ابْن ابي الْبَاطِل وَله اولاد يَأْتِي ذكر من يسْتَحق الذّكر مِنْهُم انشاء الله تَعَالَى وَقد عرض مَعَه ذكر الْمدرسَة العمرية وَهِي منسوبة الى الامير عمر بن سيف الدّين بن نَفِيس اخي المظفر لامه كَانَ اميرا كَبِيرا ذَا همة عاليه واقطاع جَيِّدَة كَانَت وَفَاته فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين وستماية
وَمِنْهُم عبد الله بن مُحَمَّد بن سبا الريمي العياشي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت ثمَّ الف ثمَّ شين مُعْجمَة ثمَّ يَاء نِسْبَة الى جدله اسْمه عَيَّاش من ريمة الاشابط تفقه اولا بِمَدِينَة اب على الْفَقِيه يحي ابْن ابراهيم الَّاتِي ذكره ثمَّ صَار الى تعز فتفقه بِابْن العراف وَابْن الصفي وَغَيرهمَا من فُقَهَاء تعز ثمَّ جعل معيدا بالمظفرية مُدَّة واستنابه بَنو مُحَمَّد بن عمر فِي الْقَضَاء مُدَّة ثمَّ فَصله القَاضِي مُحَمَّد بن ابي بكر وَجعله مدرسا فِي الْمدرسَة المظفرية بقرية المحاريب ثمَّ انْتقل عَنْهَا الى مدرسة ابْن نجاح وعزل عَنْهَا فِي شهر جمادي الاولى وَهُوَ من اخيار الْفُقَهَاء
стр. 524
وتقلبت بِهِ احواله حَتَّى توفّي متضعضعا ثَالِث وَعشْرين وَرَجَب سنة خمس وَعشْرين وسبعماية
وَمِنْهُم عبد الرَّزَّاق بن مُحَمَّد الجبرتي الزَّيْلَعِيّ نِسْبَة الى الْبَلَد كَمَا تقدم وَيذكر انه شرِيف النّسَب كَانَ فَقِيها فَاضلا من اهل المرؤة محبا فِي السَّعْي بِقَضَاء حوائج الاصحاب رَاغِبًا فِي ذَلِك درس فِي النجاحية مُدَّة الى ان توفّي كَانَ تفقهه بِمُحَمد بن عَيَّاش وَعلي بن احْمَد الْجُنَيْد وَكَانَت وَفَاته بصفر سنة عشر وسبعماية فَحكى انه لما حمل بالنعش جَاءَ طير من الْهَوَاء فَدخل فِي اكفانه وَلم يربعد ذَلِك وَهَذِه تشبه قصَّة جرت لِابْنِ عَبَّاس وَقت وَفَاته
وتكرر ذكر النجاحية وَهِي مدرسة احدثها امير يعرف بِمُحَمد بن نجاح من امراء الدولة المظفرية كَانَ اميرا كَبِيرا صَاحب طبلخانة واقطاع جَيِّدَة بني هَذِه الْمدرسَة بِنَاحِيَة المغربة الشرقية الَّتِي تعرف بالمعاينة وَله وقف بر بتعز واخر بالجند وَكَانَ كثير فعل الْمَعْرُوف وامتحن اخر عمره بالعما وَأقَام مُدَّة ثمَّ توفّي على الامتحان يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن الْقعدَة سنة احدى وَثَمَانِينَ وستماية وَخَلفه ابْن اسْمه أَبُو بكر عَاشَ بعده سنة واشهرا ثمَّ توفّي بجمادي الاولى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وستماية وَلم يعقب وَله ذُرِّيَّة من قبل النِّسَاء يعْرفُونَ ببني نجاح
وَمِنْهُم ابو بكر بن عبد الله بن عبيد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عرف بِابْن زُرَيْق اصله من جبله تفقه بِابْن العراف وَابْن الصفي وَابْن عَيَّاش مقدمي الذّكر وَكَانَ فِيهِ خير ومرؤة وَحسن موالفة للأصحاب درس بالوزيرية وَكَانَ بَنو مُحَمَّد بن عمر يشفقون عَلَيْهِ الى ان توفّي على ذَلِك مستهل جمادي الاخرة من سنة ثَلَاث ووسبعماية
ثمَّ صَار الْفِقْه الى طبقَة اخرى فِي جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن الْفَقِيه احْمَد بن الْفَقِيه يحي بن زَكَرِيَّا مقدمي الذّكر مولده لَيْلَة الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من جمادي الاولى سنة احدى وَسبعين وستماية تفقه بِابْن الصفي وَغَيره وَكَانَ فَقِيها ذكيا نقالا للفقه
стр. 525
عَارِفًا بِهِ ذَا مرؤة وحمية على الاصحاب وابنا الْجِنْس درس بالشمسية بعد الْفَقِيه دَاوُد واقام معيدا مَعَه وَلم يزل مدرسا بهَا حَتَّى توفّي على ذَلِك لست خلون من صفر سنة اثْنَتَيْ عشر وسبعماية وبتاريخه توفّي صَاحبه وصاحبي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الجبرتي وَكَانَ من اخيار الاصحاب واهل المرؤات
وَمِنْهُم عمر بن سلمَان مولده سنة احدى وَعشْرين وستماية وَهُوَ فَقِيه خير تفقه بَابي بكر النَّحْوِيّ وَغَيره ودرس بِالْمَدْرَسَةِ المنسوبة الى ام السُّلْطَان ثمَّ انْتقل الى زبيد فدرس بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي انشأها اهل دَار الدملؤة فِيهَا وَاجْتمعت بِهِ فِيهَا سنة احدى وَعشْرين وسبعماية فَوَجَدته ذَا مرؤة وحمية على الاصحاب ساعيا فِي مصالحهم
وَقد عرض عَن ذكر دَار الدملؤة وَكَانَت من اعيان خواتين بني رَسُول وَهِي الْحرَّة نبيلة ابْنة الْملك المظفر كَانَت صَالِحَة تقية برة باهلها محسنة إِلَى من لَاذَ بهَا والى حَاشِيَة ابيها واخيها واحدثت مَسْجِدا بمغربة تعز واخر بجبل صَبر ومدرسة بزبيد وَهِي الَّتِي درس بهَا هَذَا الْفَقِيه وَكَانَت مُقِيمَة بحصن تعز حَتَّى حصل بَين الْمُؤَيد واخيها النَّاصِر مَا حصل فاستوحش وانزلها المغربة ثمَّ توفيت منتصف الْمحرم سنة ثَمَانِي عشرَة وسبعماية
وَمِنْهُم ابو بكر بن احْمَد بن عمر بن مُسلم بن مُوسَى الشّعبِيّ عرف بِابْن الْمقري مولده لَيْلَة الْجُمُعَة من رَجَب سنة خمس وَسبعين وستماية تفقه بِجَمَاعَة من اهل تعز اولا ثمَّ ارتحل الى الذنبتين فاكمل تفقهه على شَيخنَا ابي الْحسن الاصبحي ثمَّ عَاد بَلَده وَكَانَ فَاضلا بالفقه والنحو وَالْعرُوض والفرائض والحساب درس بالاشرفية بعد ابْن الصفي وَتُوفِّي على ذَلِك لَيْلَة الثُّلَاثَاء عَاشر ربيع الاخر من سنة ارْبَعْ عشرَة وسبعماية وَله اخ اسْمه يُوسُف مولده ربيع الاخر فجر خَمِيس منتصفه سنة خمس وَثَمَانِينَ وستماية متفقه قد قَرَأَ واخذ عَن
стр. 526
جمَاعَة وَفِيه سياسة وَحسن خلق وانس لمن يَصْحَبهُ وَهُوَ الان امام الْمدرسَة الأَسدِية والمذكورة للنَّاس فِي الْمَسْجِد الَّذِي بِرَأْس دَرَجَة المغربة انشاء الْحرَّة ابْنة اسد الدّين زوج السُّلْطَان الْمُؤَيد
وَمِنْهُم الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُحَمَّد عمر الهزاز تفقه بفقهاء تعز ودرس بمدرسة ام السُّلْطَان الْمُؤَيد مُدَّة وامتحن بالمصادرة هُوَ واخوه اِسْعَدْ وَإِبْرَاهِيم وَلما من الله عَلَيْهِم بالاطلاق عَاد الى ذِي السفال وَهِي اصل مَسْكَنه ومسكن اخوته اذ امهم ابْنة القَاضِي اِسْعَدْ بن مُسلم والا فبلد والدهم قَرْيَة العقيرة الْمُقدم ذكرهَا وابتنى مَسْجِدا بقرية الوحص على قرب مَسْكَنه ثمَّ لما حصل من الْعَرَب التَّغَيُّر لنيف وَعشْرين وسبعماية عَاد الى تعز وَسكن بهَا واستعاد تدريس الْمدرسَة وَهُوَ الان عَلَيْهِ فَلَمَّا تغير اهل صَبر سنة ثَلَاث وَعشْرين خرج من تعز وَعَاد الى ذِي السفال فَهُوَ فِي بَيته الى الْآن وَله ابْن اسْمه مُحَمَّد تفقه وَسكن تعز يذكر بشرف النَّفس حَتَّى قَالَ بَعضهم هُوَ فريد قومه توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وسبعماية وترتب بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي كَانَ ابوه بهَا ثمَّ ترَتّب بالمؤيدة واعيدت الْمدرسَة الى ابيه فهما مستمران وَكَانَ ذَلِك بِسَبَب تقوم ابْن زَكَرِيَّا اذ كَانَ مدرسا بهَا
وَمِنْهُم ابْن اخيه مُحَمَّد بن احْمَد وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَنُوب عَمه الْوَزير عَليّ بن مُحَمَّد فِي فصل قضايا النَّاس ويباشر احكامهم وَمَا فعله لم يُعَارضهُ بِهِ اُحْدُ من اهله وَلَا غَيرهم وَكَانَ النَّاس يرونه قَاضِي الْقُضَاة اذ كَانَ غَالب الْفُقَهَاء والحكام هُوَ الْمُتَوَلِي لفصل قضاياهم وَكَذَلِكَ اهل الْوَقْف وترتيبهم وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ سلوك طَرِيق الزّهْد بِحَيْثُ كَانَ اكثر اهله واصحابه يَقُولُونَ مَا اكْتسب شَيْئا من الدُّنْيَا وَكَانَ هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى صرف الْبر فَيتَصَدَّق مِنْهُ بجملة مستكثرة وَوَصله بعض الْفُضَلَاء الغرباء فَلم يكد يحفل بِهِ وَلَا قضى لَهُ حَاجَة فَخرج عَنهُ مغضبا وَكتب اليه كتابا يعاتبه على جفائه لَهُ فَقَالَ احسنوا الى خلق الله مُكَافَأَة لانعامه فالنبي
стр. 527
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول أَحْسنُوا مجاورة نعم الله بِالْإِحْسَانِ إِلَى خلقه فَمَا نفرت من قوم فَعَادَت وَإِنَّمَا يعرف قدر الْفُضَلَاء من كَانَ مِنْهُم ثمَّ قَالَ وَإِذا كنت فَاضلا أَو فِي بلدك فَاضل فقد كتبت إِلَيْك بَيْتَيْنِ عرفني يفحواهما ثمَّ كتب إِلَيْهِ من أَمْثَاله ... وَمَا ساير قد يرى مُقبلا ... وطورا على خَلفه الْقَهْقَرَى
وَلَيْسَ لَهُ ارجل ان مَشى ... ويسبق كل الورى ان جرى ... فَلَمَّا وقف القَاضِي على ورقته اوقف عَلَيْهَا جمَاعَة مِمَّن يَغْشَاهُ وَهُوَ يعرف بِالْفَضْلِ فَلم ينْقل ان احدا مِنْهُم شار بِجَوَاب فوصل من اخبر شَيخنَا ابا الْحسن بذلك بِمحضر جمَاعَة من اصحابه فاعجبه الْبَيْتَيْنِ وَقَالَ مَا أَرَادَ بهما إِلَّا النِّعْمَة وَكَانَ عَمه ابو بكر هُوَ الَّذِي تولى تَرْبِيَته وَلم يصر اليهم امْر الوزارة وَالْقَضَاء الَّذِي كَانُوا فِيهِ الا بعد ان تفقه وَتعبد وَحج وجاور بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَعرف النَّاس يمنا وحجازا وَلم يكْتَسب شَيْئا من الدُّنْيَا كَمَا اكْتسب اهله اجمعون وَلَا تزوج امراة وَكَانَ مَا اشار بِهِ على عميه ابي بكر وعَلى لم يخالفاه وَفِي أَصْحَاب عَمه جمَاعَة يعترفون لَهُ بالصلاح وَرُبمَا يفضلونه على عَمه ابي بكر وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشرَة الْقعدَة من سنة اثْنَتَيْ عشر وسبعماية شرب شربة فاطلقت بَطْنه ثمَّ اعْتصمَ فَتوفي بذلك وَتُوفِّي عَمه الْوَزير بعده بِنصْف شهر وَذَلِكَ ثَالِث الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة عِنْد قبر ابيه بحياط جَامع عدينة
وَأما مُحَمَّد فَتوفي وَدفن بمقابر المغربة على قرب من تربة الإِمَام إِبْرَاهِيم
وَمِنْهُم ابو الْعَتِيق ابو بكر بن جِبْرِيل بن اوسام العدلي مَنْسُوبا الى قَبيلَة فِي السودَان يعْرفُونَ بِالْعَدْلِ بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ لَام سَاكِنة فَقِيه صَالح من اخير الْفُقَهَاء الْمَوْجُودين واشرفهم نفسا واعلاهم همة واحسنهم عصمَة فِي الله تَعَالَى وشفقة على ابناء الْجِنْس وَسَأَلت عَن اهله فِي بلدهم فَقيل لي بَيت خير وَدين وَله اخ من اعيان مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وصالحيهم وَكَانَ تفقهه بمواضع عدَّة على
стр. 528
اكابر اخرهم شَيخنَا ابو الْحسن وَلما توفّي انْتقل الى تعز فرتبه القَاضِي مُحَمَّد بن احْمَد بِالْمَدْرَسَةِ الْمَعْرُوفَة بالأتابكية بقرية ذِي هزيم ثمَّ انْتقل الى تدريس الشمسية وَهُوَ عَلَيْهِ الى االآن فَقِيه ذَاكر للفقه سليم الصَّدْر صبور على وَفَاء الصُّحْبَة وَالْقِيَام بواجبها وَلما كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعماية جعل القَاضِي عبد الرَّحْمَن الظفاري قَاضِي قُضَاة بِمَدِينَة الْجند طلب فُقَهَاء تعز مِنْهُ الْحُضُور لتوليه فوصلوا وولاه السُّلْطَان بِالْقصرِ فَحَضَرَ هَذَا الْفَقِيه وَابْن العراف وَابْن زَكَرِيَّا فَلَمَّا خَرجُوا عَن مقَام السُّلْطَان ولاه قَضَاء تعز فَلبث مُدَّة وَاعْتذر وَله حمية مرضية على الاصحاب مجد فِي قَضَاء حوائجهم وَهُوَ فَقِيه نقال للفقه مبارك التدريس ومناقبه كَثِيرَة وَلما ضعف رزق مدارس تعز رَكبه دين كثير لعول وَتحمل للاطعام انْتقل الى تهَامَة فدرس بزبيد بمدرسة احدثتها ام السُّلْطَان الْمُجَاهِد
وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق ابْن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه يحيى بن زَكَرِيَّا مولده لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الاول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وستماية تفقه باخيه مُحَمَّد وبداود وَغَيرهمَا ودرس بالأتابكية بِذِي هزيم مُدَّة ثمَّ بالمؤيدية وَهُوَ اُحْدُ من يعد فَقِيها محققا موفقا نقالا للفقه لَا يَدُور بالفتوى بتعز غير عَلَيْهِ وعَلى ابْن جِبْرِيل الْمَذْكُور اولا وَالثَّالِث لَهما يَأْتِي ذكره وَهَذَا الْفَقِيه من اخيار الْفُقَهَاء وَذَوي الانفاع للأصحاب وابناء الْجِنْس وَفِيه انس وَصَحبه وَشرف نفس وَكَانَ لَهُ عَم يُقَال لَهُ احْمَد بن مُحَمَّد بن عبد الله وَفِي سني الْخلاف خرج عَن تعز وطلع الْبَلَد الْعليا فَلبث بِصَنْعَاء وذمار مَعَ الْجمال الْحِمصِي الى سنة ثَلَاثِينَ وسبعماية ثمَّ عَاد الى تعز ورتب بمدرسة الشمسية حَيْثُ كَانَ ابْن جِبْرِيل
وَمِنْهُم ابو الْخطاب عمر بن الْفَقِيه ابو بكر بن العراف مقدم الذّكر مولده لَيْلَة تَاسِع الْمحرم اول سنة ثَمَانِي وَثَمَانِينَ وستماية تفقه بِابْن النَّحْوِيّ وَتزَوج بابنته وَلما نزل بِهِ الْمَوْت أوصى إِلَيْهِ بِضَم تركته وَقَضَاء دينه ثمَّ لما توفّي قَامَ بذلك أتم قيام
стр. 529
مولده سلخ سنة ثَمَانِينَ وستماية ثمَّ خَلفه فِي تدريس مدرسة الغرابية فَأول تدريس درسة نِيَابَة للفقيه عُثْمَان بتدريس الاسدية اذ حج ثمَّ قِرَاءَة الحَدِيث بدار المضيف بتعز ثمَّ لما توفّي صهره انْتقل الى مدرسته وَلما صَار قَضَاء الْقُضَاة الى ابْن الاديب جعل هَذَا قَاضِيا بتعز فَقدم فِي ايامه الْفَقِيه عبد الحميد الجيلوني الَّاتِي ذكره فالتقاه هَذَا واهله لسكني تعز كَمَا سَيَأْتِي ان شَاءَ الله بَيَان ذَلِك عِنْد ذكره وَهُوَ الثَّالِث من الْفُقَهَاء الْمَعْدُودين فِي الْوَقْت بالفتوى ورتبهم على مَا اغلب عَلَيْهِ ظَنِّي من تقدم وجود كل على الاخر وَهَذَا مِمَّن يشهر بسعة الْفِقْه والزهد والورع وَبِه سياسة وَشرف نفس وَأنس للاصحاب مبارك التدريس نظيف الْفِقْه حج سنة خمس وَعشْرين وسبعماية وَعَاد على احسن حَال وَلما ضعف رزق الْمدَارِس انْتقل الى خانقة حيس وَصَارَ بهَا شَيخا وَكَانَ لَهُ حَالَة رضية وَمَكَارِم مرضية وَكَثِيرًا يرى النَّبِي ﷺ وَمَات فِي سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وَدفن فِي قَرْيَة حيس بَين زبيد وقبره على مسار الطَّرِيق فِي النُّزُول ومستجاب عِنْده الدُّعَاء هَكَذَا أَخْبرنِي بعض سكان حيس وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْفَقِيه عمر المتوجي مقدم الذّكر مولده شعْبَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وستماية خلف اباه فِي تدريس العمرية وَهِي تنْسب الى الْأَمِير عمر بن نَفِيس أخي المظفر من أمه وَولي الْقَضَاء من قبل ابْن الأديب وَكَانَ يستنيبه بعض قُضَاة بني مُحَمَّد بن عمر ايضا وَيذكر بِالدّينِ وَالْخَيْر وَاجْتمعت بِهِ مرَارًا فَوجدت بِهِ انسا وتواضعا وسعة خلق وتفقهه بَاهل تعز
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن يُوسُف بن عَليّ ابْن مَحْمُود النزاري نسبا ثمَّ الصبري بَلَدا فَقِيه فَاضل حدث السن لَدَيْهِ فضل بالفقه والنحو والقراءات السَّبع والفرائض والحساب والجبر والمقابلة درس بالاشرفية اولا وناب على الْقَضَاء بتعز ايام ابْن الاديب وَكَانَ قَضَاؤُهُ فِي الْغَالِب مرضيا وتفقهه بِأَهْل تعز كَابْن العراف واسحاق
стр. 530
وَهُوَ الان يقرئ الْقُرْآن بِالْمَدْرَسَةِ المويدية باسم مقرى الْقرَاءَات السَّبع وَفِيه انس وصحبة للاصحاب وَالسَّعْي فِي قَضَاء حوايجهم وَشرف نفس وَكَانَ لَهُ عَم اسْمه احْمَد بن مُحَمَّد بن عبد الله النزاري تفقه بِرَجُل وَصله الى صَبر ثمَّ كَانَ يتَرَدَّد الى شَيخنَا ابي الْحسن الاصبحي فيذاكره ويزيل عَنهُ مَا اشكل عَلَيْهِ وَولي الْقَضَاء فِي جبل صَبر بَلَده فَذكر لي عَنهُ الْخَبِير بِهِ ان قَضَائِهِ كَانَ مرضيا وَلما حصل الْخلاف من اهل صَبر وأخربوا وأحرقوا المغربة انْتقل هَذَا الى بَلَده وَرجع الْفَقِيه الى المغربة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الغرابية ثمَّ انْتقل إِلَى الْمدرسَة المظفرية وَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن سافرمكة المشرفة وَإِلَيْهِ انْتَهَت رياسة التدريس والفتوة من يَوْمئِذٍ على أَن توفّي على الْحَال المرضي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَرجع الى بَلَده لأجل الضَّرُورَة إِذْ لم يسكن المغربة من أول سنة أَربع وَعشْرين على رَمَضَان من سنة سِتّ وَعشْرين وَهَان الْآن على مَا أثْبته فِي السِّيرَة
وَمِنْهُم ابو الْحسن عَليّ بن الْفَقِيه احْمَد بن الْفَقِيه عَليّ بن الْجُنَيْد الْمُقدم ذكرهم مولده يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فَقِيه نحوي فَاضل تفقه بِجَمَاعَة من فُقَهَاء تعز وبابن الاديب وبابن الاحمر اُحْدُ مدرسي زبيد وَهُوَ الان مدرس الاسدية بتعز وَله مَكَارِم اخلاق وعلو همة قل ان يجد الْفُقَهَاء لَهُ نَظِير لَا سِيمَا فِي عصرنا اجْمَعْ الاصحاب بوقتنا على ذَلِك فِيهِ وَله شعر حسن مِنْهُ فِي مروره على ورد يضْرب ليحمل ... اصبر على ألم الخطوب فَرُبمَا ... وافي بِمَا يختاره الْمَكْرُوه
اَوْ مَا رَأَيْت الْورْد لما هزه ... شوق الى ازهاره ضربوه ... وَهُوَ الْآن معيد بمدرسة أم السُّلْطَان الَّتِي أحدثوها وَقد ذكرتها مَعَ ابْن جِبْرِيل وَقد انْقَضى ذكر اهلتعز من فقهائها واحببت ان الْحق بهم الَّذين وردوها ودرسوا فِيهَا وهم جمَاعَة من الطَّبَقَة الاولى مِنْهُم ابو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن حَدِيد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن حَدِيد بن عبد الله بن أَحْمد بن عِيسَى
следующие страницы →