Полный текст (1 016 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
صَالحا سليم الصَّدْر وَنَشَأ ابْنه هَذَا على طَرِيقه كثيرا لعزله متمسكا بِالْعبَادَة ثمَّ كَانَ يخرج الى الْحَج فَيَأْتِي حَاج الْعرَاق وعلماؤه ووعاظه فيتضلع من علومهم ومعارفهم ثمَّ مَتى عَاد الْيمن اعتزل النَّاس وَأظْهر الْوَعْظ والتحذير من صُحْبَة الْمُلُوك وحواشيهم وَكَانَ فصيحا صبيحا اخضر اللَّوْن مليح الْخَدين طَوِيل الْقَامَة حسن الصَّوْت بَين عَيْنَيْهِ سَجْدَة طيب النقمَة حُلْو الايراد غزير المحفوظات قَائِما بالوعظ وَالتَّفْسِير وَطَرِيق الصُّوفِيَّة وَرُبمَا تكلم بِشَيْء من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مُسْتَقْبلَة فَيكون كَمَا ذكر فَصَارَ ذَلِك من أقوى الْعدَد لوصوله الى مقْصده فِي استماله قُلُوب الْعَالم فَأول مَا ظهر امْرَهْ بالقرى الَّتِي هِيَ سفل وَادي زبيد أَولهَا العنبرة والقضيب والأهواب والمقتفى وواسط وَمَا قاربها من الْأَمَاكِن وَصَارَ لَهُ ذكر فِي الصّلاح وَالْعِبَادَة والمكاشفة والوعظ وَصَارَ يفتقد اهل هَذِه الْأَمَاكِن بالوعظ وَلَا يقبل مِنْهُم هَدِيَّة وَلَا صَدَقَة وَكَانَ رَقِيق الْقلب قريب الدمعة غزيرها وَكَانَ مُبْتَدأ ظُهُوره سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة على الْحَال الْمُتَقَدّم من الْعِبَادَة والزهادة والوعظ وتنفير الْعَالم عَن الْمُلُوك والعسكر ثمَّ مَتى دنى الْحَج خرج حَاجا على نجيب وَثَبت لَهُ بذلك عِنْد الْحرَّة ام فاتك مكانة فاطلقت لَهُ من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ خراج ارضه واراضي من يلوذ بِهِ من قريب وصحيب فَلم يمض لَهُم مُدَّة حَتَّى صَارُوا أهل خُيُول صاهلة وَعدد للحرب باهرة وفراسة ظَاهِرَة فَكَانُوا فِي ركُوب الْخَيل على مَا قَالَ عمَارَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ المتنبي
... فَكَأَنَّمَا نتجت قيَاما تَحْتهم ... وكأنما ولدُوا على صهواتها ... ثمَّ انه حَالف قوما من أهل الْجبَال وَصعد اليهم بِمن اجْتمع مَعَه من اهل تهَامَة وَجمع نَحوا من اربعين الْفَا وَقصد بهم الكدري فَلَقِيَهُ يَوْمئِذٍ صَاحبهَا الْقَائِد اسحاق فَهَزَمَهُمْ وَقتل جمعا من اصحابه سنة ثَمَانِي وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ انه
стр. 912
اقام فِي الْجبَال الى سنة احدى واربعين وَكَانَت الْحرَّة يتذلل ويتلطف وسألها ذمَّة لَهُ ولأصحابه وان تَأذن لَهُ فِي الْعود الى وَطنه فأجابته الى ذَلِك على كره من اعيان الدولة وَغَيرهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا ثمَّ اقام يشْتَغل فِي أرضه وَحصل بذلك اموالا جليلة لعدم الْخراج وَكَانَ يَقُول فِي وعظه ايها النَّاس دنى الْوَقْت ازف الْأَمر فَلَمَّا توفيت الْحرَّة بالتاريخ الْمُتَقَدّم عِنْد ذكرهَا بَايع جمعا من النَّاس فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الْقَضِيب بقاف مَضْمُومَة بعد الف وَلَام وضاد مَفْتُوحَة مُعْجمَة وياء مثناة من تَحت سَاكِنة وباء مُوَحدَة وَذَلِكَ سنة سِتّ واربعين وَخَمْسمِائة على الْجِهَاد بَين يَدَيْهِ لأهل الْمُنكر وهم الْحَبَشَة وَمن عاضدهم من الْعَرَب واكثرهم عك وامرهم بقتل من خَالفه وان كَانَ من قومه اَوْ قَومهمْ وَلما كملت مبايعته لَهُم قَامَ فيهم خَطِيبًا فَقَالَ من جملَة خطبَته وَالله مَا جعل فَنًّا الْحَبَشَة الابي وبكم وَعَما قَلِيل انشاء الله سَوف تعلمُونَ وَالله الْعَظِيم رب مُوسَى وابراهيم اني عَلَيْهِم ريح عَاد وصيحة ثَمُود فَإِنِّي أحدثكُم فَلَا أكذبكم وأعدكم فَلَا أخلفكم وَلَئِن كُنْتُم أَصْبَحْتُم الْيَوْم قَلِيلا لتكثرن أَو وضيعا لتشرفن أَو أذلا لتعزن حَتَّى تصيروا مثلا فِي الْعَرَب والعجم ليجزي الله الَّذين أساوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى فالأناة الأناة فوحق الله الْعَظِيم على كل مُؤمن موحد لأخذ مِنْكُم بَنَات الْحَبَشَة واخواتهم ولأخولنكم اموالهم واولادهم ثمَّ قَرَأَ وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات الى قَوْله أمنا
ثمَّ صعد الْجبَال بِجمع سماهم الْمُهَاجِرين فَقعدَ بِموضع يُقَال لَهُ الداشر لبث بِهِ مُدَّة ثمَّ ارْتَفع الى حصن يُقَال لَهُ الشّرف لبطن من خولان يُقَال لَهُم
стр. 913
خيوان حالفهم وَسَمَّاهُمْ الْأَنْصَار ثمَّ سأظنه بِجَمِيعِ عسكره فاحتجب عَنْهُم وَجعل للمهاجرين نقينا وللأنصار كَذَلِك وسماهما شَيْخي الاسلام وَكَانَ لَا يدْخل عَلَيْهِ غَيرهمَا وَرُبمَا احتجب وَكَانَ يَأْمر بالغزو غدوا ورواحا حَتَّى لم يبْق غير زبيد فَاشْتَدَّ الضَّرَر على أَهلهَا وَخرج غالبهم عَنَّا وَلَا سِيمَا الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة فَابْن مهْدي كَانَ يكرههم وَقتل بَعضهم فَخَرجُوا الى عدن وَبَعض الى الْجبَال فكاتبه القَاضِي الحفائلي مقدم الذّكر مُكَاتبَة مَشْهُورَة وَإِنَّمَا اشْتَدَّ طمع ابْن مهْدي وضرره من قتل سرُور ثمَّ قتل السُّلْطَان فاتك كَمَا قدمنَا ثمَّ فتح زبيد بعد حروب كَثِيرَة كَانَ ابْن مهْدي فِيهَا من المسرفين الَّذين سعوا فِي الأَرْض الْفساد وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر من رَجَب من سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة فَلبث بزبيد بَقِيَّة رَجَب ثمَّ شعْبَان ورمضان وَتُوفِّي فِي شَوَّال سابعه فَكَانَ مُدَّة ملكه شَهْرَيْن واحدى وَعشْرين يَوْمًا
ثمَّ خَلفه ابْنه مهْدي فَدفن اباه بِموضع كَانَ قد عينه لوَلَده وَأمر ان يَجْعَل جَامعا وَيُصلي فِيهِ الْجُمُعَة نظيرا لما فعلته الْحرَّة بِذِي جبلة فَفعل ذَلِك وَهُوَ الْموضع الَّذِي فِي مُقَابلَة الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالميلين الْمَعْرُوف بالمشهد وَمن مآثره الْبَاقِيَة الى عصرنا المنارة وادركته وَقد جعل اصطبلا لبَعض مُلُوك الغز لذَلِك اسرع اندثاره وَلَقَد أذكر الْقُبُور الظَّاهِرَة فِيهِ
وَلما تمهدت لَهُ قَاعِدَة تهَامَة غزا الْبِلَاد فَصَالحه الدَّاعِي عمرَان عَن عدن والدملوة بِمَال قبله وَلم يتَعَرَّض لَهُ وَلَا لبلاده ثمَّ طلع الْجند والمخلاف فَقتل فِي الْجند ونواحيها مَقْتَله عَظِيمَة فغالب قَتْلَى الْجند رماهم البئير الَّتِي فِي الْمَسْجِد وَقتل أهل العربة والذنبتين فاما اهل الذنبتين فَهَرَبُوا مِنْهَا الى قبليها واختفوا باكمة
стр. 914
عراكض فنبه عَلَيْهِم حمَار فطلع لَهُم وَقتل مِنْهُم جمعا كثيرا ثمَّ عَاد الْجند واخرب الْجَامِع وَذَلِكَ سنة ٥٥٨ ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَعَاد الى زبيد وَقد اصابته طائرة تفطر مِنْهُ جِسْمه بعد ان ظَهرت فِيهِ شبه احراق النَّار بِحَيْثُ انه لم ينزل من تعز الا بمحفة قد فرشت بالقطن المندوف فَلَمَّا صَار فِي زبيد توفّي مستهل الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ مَعَ كَونه يتمذهب بِمذهب ابي حنيفَة يكفر بِالْمَعَاصِي ويتقل بهَا أَو وَيقتل من خَالف معتقدها وَلذَلِك قتل جمعا من الْفُقَهَاء ويستبيح وطىء نسا من خَالفه فِي المعتقد ويسترق ذَرَارِيهمْ وَيجْعَل دَارهم دَار حَرْب وَكَانَ لَا يَثِق باحد من اصحابه حَتَّى يقتل بعض أَهله ويقرىء عَلَيْهِم لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الاخر يؤادون من حاد الله الأية وَكَانَ اصحابه يَعْتَقِدُونَ فِيهِ فَوق مَا يعْتَقد الأخيار بالأنبياء وَكَانَ اذا غضب على رجل من عسكره حبس نَفسه بالشمس وَلم يَأْكُل وَلم يشرب وَلَا يُوصل اليه وَلَا يقتدر اُحْدُ يشفع فِيهِ حَتَّى يرضى ابْتِدَاء وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ مِمَّن سعى فِي الأَرْض فَسَادًا وَدَلَائِل ذَلِك ظَاهِرَة
وَلما توفّي خَلفه اخوه عبد النَّبِي فَلبث يَسِيرا وخدعه أَخُوهُ عبد الله فَلبث مُدَّة وخلص واستعاد الْملك وغزى الْجبَال وطلع المخلاف وَكَانَ لَهُ وقائع مَشْهُورَة فِي لجج وابين ومخلاف الساعد فِي بني سُلَيْمَان الشرفاء وَسبي ذَرَارِيهمْ وَسَفك دِمَاء الْمُسلمين وَكَانَت دولتهم فِي زبيد خمس عشرَة سنة وَثَلَاثَة اشهر وَثَمَانِية ايام
стр. 915
وَذَلِكَ انها انْقَضتْ ايامهم بقدوم توارن شاه بن ايوب بن شادي بن مَرْوَان الأيوبي ثمَّ الْكرْدِي فالأيوبي نِسْبَة الى وَالِده وَكَانَ يلقب بِالْملكِ الإفضل ويلقب بِأبي الشُّكْر وَبِيَدِهِ قلعة تكريت هُوَ وَأَخُوهُ اسد الدّين شيركوه يديران امرها وَتُوفِّي والدهما بهَا وَولد صَلَاح الدّين بهَا ومولد أَبِيه ايوب باصل بَلَده وبلد أَهله يُقَال لَهَا دوين بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَكسر الْوَاو ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ نون وَهِي فِي آخر عمل أذربيجان وهم أكراد روادية بطن من الهدبانية
كَانَ دُخُوله زبيد يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ يلقب بالمعظم وَذَلِكَ بِوَجْه الْقَهْر وَالْغَلَبَة واسر عبد النَّبِي ثمَّ جمَاعَة من قومه ثمَّ توجه الى سَائِر بِلَاد الْيمن فَأخذ عدن وتعز وَسَائِر الْجبَال وَلم يمْتَنع عَلَيْهِ شَيْء من مدن الْيمن وَلَا كثير من حصونها حَتَّى أَخذه وَلما عزم شمس الدولة على التَّوَجُّه من زبيد اسْتخْلف عَلَيْهَا الْمُبَارك بن منقذ اُحْدُ الْأُمَرَاء الواصلين مَعَه واستخفظه بِعَبْد النَّبِي فَجعل يعذبه ويصادره بانواع الْعَذَاب حَتَّى أَخذ مِنْهُ اموالا جزيلة وَبعد أَن لبث بِالْيمن مَا يزِيد على سنة وتمهد لَهُ غالبها واشتاق الى مصر والى اخيه فَكتب اليه وَهُوَ صَاحب مصر يَوْمئِذٍ الملقب بصلاح الدّين وَيَأْتِي ذكر مُكَاتبَته فِيهَا شعر مِنْهُ
стр. 916
.. الشوق اولع فِي الْقُلُوب واوجع ... فعلام ادْفَعْ مِنْهُ مَا لَا ادْفَعْ
وحملت من وجد الْأَحِبَّة والنوى ... مَا لَيْسَ تحمله الْأَحِبَّة اجْمَعْ مَعَ
لَا تستقربي النَّوَى فِي مَوضِع ... الا تقاضاني الترحل مَوضِع
والى صَلَاح الدّين اشكو أنني ... ضمنا كئيب مستهام موجع ... جزعا لبعد الدَّار مِنْهُ وَلم أكن ... لَوْلَا هَوَاهُ لبعد دَار اجزع
فلأركبن اليه متن عزائمي ... وتخب فِي ركب الغرام وتوضع
حَتَّى أشاهد فِيهِ أكْرم طلعة ... من أفقها صبح السَّعَادَة تطلع ... ثمَّ بعثي بِالْكتاب رجلا من أَعْيَان الْيمن فَلَمَّا قدم على صَلَاح الدّين اكرمه وبجله وَكَانَ شمس الدولة قد قَالَ لَهُ مَتى وجدت مجْلِس أنس من اخي فانشده هَذِه الأبيات فَلَمَّا وجد ذَلِك فعل فحين فرغ من الانشاد قَالَ صَلَاح الدّين الْقعُود والقفول اليه ان احب ان يقف وَإِلَّا وصل ثمَّ انه جهز الرَّسُول جهازا جيدا ثمَّ كتب مَعَهم كتابا فِيهِ أَبْيَات هِيَ ... مولَايَ شمس الدولة الْملك الَّذِي ... شمس السَّعَادَة من سناها تطلع
مَالِي اليك من الْحَوَادِث ملجاء ... مَالِي سواك من النوائب مفزع
ولأنت شمس الدّين فخري فِي الورى ... وملاذ أمالي وركن أمنع
وَبِغير قربك كلما أرجوه من ... دَرك الْعلَا مترعرع مستمتع ...
стр. 917
.. النصران اقبلت نحوي مقبل ... واليمن ان اسرعت نحوي مسرع ... فَلَمَّا عَاد الرَّسُول الى شمس الدولة وقراء الْكتاب عزم على السّفر الى الْبِلَاد وَالْعود اليها فَأمر بشنق اولاد ابْن مهْدي وهم اذ ذَاك ثَلَاثَة فِي الْأسر عبد النَّبِي وَأحمد وَيحيى فشنقوا على بَاب خَان زبيد ووسط ابْن بِلَال وَعَبده مِفْتَاح السداسي فِي رَجَب ٥٧١ الشَّهْر الَّذِي شنق بِهِ بَنو مهْدي ثمَّ عَاد مصر واستخلف على زبيد الْأَمِير ابا مَيْمُون الْمُبَارك بن كَامِل بن عَليّ منقذ بن نصر بن منقذ الْكِنَانِي الملقب مجد الدّين الْمَشْهُور بِسيف الدولة مولده قلعة شيزر سنة ٥٢٦ وَكَانَ من أُمَرَاء الدولة الصلاحية وشاد الدَّوَاوِين بديار مصر من بَيت كَبِير ن وَلما هم شمس الدولة بِرُجُوع مصر كَانَ قد نَاب هَذَا ابو الميمون على زبيد مُدَّة ثمَّ اسْتَأْذن شمس الدولة فِي الرُّجُوع مَعَه فاذن فاستناب أَخَاهُ خطابا باذن شمس الدولة فاذن لَهُ وَهَذَا الْمُبَارك باني مَسْجِد المناخ وَكَانَ سيف الدولة ذَا فَضِيلَة وَيُحب اهلها ومدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء وَله شعر رائق فِي البراغيث
... ومعشر يسْتَحل النَّاس قَتلهمْ ... كَمَا استحلوا دَمًا الْحجَّاج فِي الْحرم
اذا سفكت دَمًا مِنْهُم فَمَا سفكت ٥ يداي من دَمه المسفوك غير دمي ...
стр. 918
واستخلف على تعز ونواحيها ياقوت التعزي وعَلى المخلاف والجند مظفر الدّين قايماز وعَلى عدن عُثْمَان الزنجبيلي ثمَّ توجه الى مصر بِبَقِيَّة الْأُمَرَاء والعسكر الَّذِي وصلوا مَعَه وَلما سَافر شمس الدولة كَانَ بزبيد رجل صوفي يُقَال لَهُ الْمُبَارك بن خلف وَكَانَ النَّاس قد مالوا اليه واقبلوا عَلَيْهِ فتخشاه الْمُبَارك بن منقذ فعل ابْن مهْدي فَقتله فحيل بَينه وَبَين النّوم حَتَّى اشرف من ذَلِك على الْهَلَاك فَشَكا ذَلِك الى بعض الْفُقَهَاء فَقَالَ لَهُ ان اعدت الْخطْبَة الى الْجَامِع الْقَدِيم الَّتِي بنته الْحَبَشَة رَجَوْت لَك الشفا فَفعل ذَلِك فعاوده النّوم وَأمر باخراب جَامع ابْن مهْدي فبادر النَّاس الى ذَلِك بغضا لبني مهْدي وَبني الْمُبَارك من الْجَامِع بزبيد جَمِيع مقدمه وَبنى مؤخره ومنارته وجناحيه سيف الاسلام الْآتِي ذكره ثمَّ سَافر مصر بعد ان اسْتخْلف وَلحق بتوران شاه فَلم يزل ملتصقا بِهِ حَتَّى توفّي بالاسكندرية فِي سلخ الْمحرم سنة ٥٧٦ فَقبض صَلَاح الدّين عَلَيْهِ وصادره وَاحْتج عَلَيْهِ بمصادره بني مهْدي
قَالَ ابْن خلكان وَكَانَ الْمُبَارك هَذَا من بَيت كَبِير وَلم يزل وَاقِفًا بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى توفّي سنة ٥٨٩ وَله مَعَ مقدم الْجَامِع بزبيد الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِمَسْجِد المناخ عَلَيْهِ عقار كثير فِي زبيد
وَأما احوال الْيمن فَإِنَّهُ لما طَالَتْ الْغَيْبَة فِيهِ على النواب لم يَأْتِيهم من مصر
стр. 919
مفتقد أظهرُوا الْخلاف وَالْخُرُوج عَن الطَّاعَة وَضرب كل وَاحِد مِنْهُم سكَّة وَحرم على أهل بَلَده التَّعَامُل بغَيْرهَا الا مَا كَانَ من قايماز فَإِنَّهُ عجز عَن ضبط المخلاف وَكَانَ من جملَة عمله الْجند فَلَمَّا بلغ ذَلِك عُثْمَان الزنجبيلي طمع فِي المخلاف والجند فَصَعدَ الْجند ولبث بهَا ثَمَانِيَة ايام وطلع المخلاف فتسلم مِنْهُ التعكر سنة ٥٧٨ وَلم يزل اسيرا حَتَّى قدم سيف الاسلام
وَأما خطاب فان النَّاصِر لما صادر أَخَاهُ بعث مَمْلُوكه خطلبا الى الْيمن وَكتب الى امرائها يَأْمُرهُم بِالْجمعِ على خطاب واخراجه من زبيد وَتَوَلَّى خطلبا فوصل الى عدن فالتقاه الزنجبيلي بِالطَّاعَةِ ثمَّ خرجا فحطا بالجند ثمَّ وصلهما ياقوت من تعز وقايماز من التعكر وقصدوا زبيدا فهرب خطاب الى قَوَارِير وَقبض خطب زبيدا وَعَاد كل من الْأُمَرَاء بَلَده فراسل خطاب خطلبا وهاداه وَحصل بَينهمَا ألفة ثمَّ مرض خطلبا فاشرف على الْمَوْت فاستدعاه خطلبا فوصله لَيْلًا فَسلم لَهُ الْبَلَد وَمَات من فوره واستفحل أَمر الزنجبيلي حَتَّى غزا حَضرمَوْت ونهبها وَقتل بهَا خلقا كثيرا فيهم فُقَهَاء وقراء وَلم يزل فِي عدن حَتَّى قدم سيف الاسلام فهرب فِي الْبَحْر وَلم اتحقق مَا آل
امْرَهْ وَكَانَ معدودا فِي الَّذين سعوا فِي الأَرْض الْفساد وابتنى فِي عدن مَسْجِدا وَجعل خَان الْبر وَقفا يصرف مِنْهُ مَا يحْتَاج ثمَّ مَا يزِيد على ذَلِك يصرف الى حرم مَكَّة
وَأما خطاب فَهُوَ لقب لمُحَمد بن كَامِل اخي سيف الدولة فَلم يزل بزبيد وَقد يرتاب من الزنجبيلي فَيطلع الى حصن قَوَارِير وَيقف فِيهِ متمنعا واحب
стр. 920
بَيَان مَا صَحَّ لي من سَبَب دُخُول الغز الْيمن فَذكر لي الثِّقَة ان اُحْدُ أَسبَابه ابْن النساخ حَدِيث ابْن النساخ وَكَانَ فَقِيها فَاضلا وَهُوَ فِي مَا أَظن الَّذِي كتب الى صَاحب بَغْدَاد قصيدا يشكو من فعال ابْن مهْدي فَيُقَال ان صَاحب بَغْدَاد حِين بلغه كتب الى صَلَاح الدّين يَأْمر ان يُجهز الي الْيمن عسكرا فَوجه اخاه توران
وَمن القصيدة الْمَكْتُوبَة الى بَغْدَاد فِي سَبَب بني مهْدي
... قصر وقصران ودد سودد ٥ وحاسه مهامه وجناب
الى ان ترى بَغْدَاد والمنبر الَّذِي ... بِهِ نسب للهاشمي قرَاب
مَحل صَلَاة الله منبع رسله ... بِحَيْثُ على الصدْق الدعا يُجَاب
فيا غاديا نحوالعراق محثحثا ... رحيل زكوة والحياة نِصَاب
ألم بابارج الْخلَافَة لاثما ... عراصا وَمَا كل التُّرَاب تُرَاب ٥ ... ترى مَسّه الْعَبَّاس ثمَّ رِجَاله ... هُوَ الْمسك والكافور طَابَ وطابوا
مقَام بني الْعَبَّاس كرْسِي ملكهم ... فَللَّه برج فِي الْعرَاق وَغَابَ
وَهل فِي مدحه الدُّنْيَا حَدِيثا قادما ... لمستنجد بِاللَّه قطّ يصاب
امام بني الْعَبَّاس مُشْتَقّ نبعه ... وَعَن شيبَة الْحَمد انتضاه نِصَاب
وَقل لأمام الْعَصْر يَا ابْن خلايف ... هم حجج محجوجة وكعاب
غَدَتْ مِلَّة الاسلام مقصومة العرى ... وعامر دين الله وَهُوَ خراب ...
стр. 921
.. أتذبح ابناء وستبى عقائل ... ضلال يرى فِي ارضنا وتباب
بَنَات رَسُول الله بَين بُيُوتهم ... سَبَايَا من السّتْر الْجَمِيل سلاب
فدع عَنْك ارْض الرّوم وانهض لمَكَّة ... فسيفك فِيهَا مضرب وذباب
فَمَا فِي قتال الرّوم فَخر وَهَذِه ... باظهركم مَا فِي الْكَلَام كَذَّاب
يُغير ريب الدَّهْر دين مُحَمَّد ... وَمَا راب اديان الْيَهُود مراب ... وَهِي طَوِيلَة وَقيل سَبَب بعثة ان صَلَاح الدّين خشِي من نور الدّين بن زنكي وَكَانَ من خدمه وَهُوَ الَّذِي جهزه الى مصر نجدة للْمُسلمين على الافرنج وعزم على الْهَرَب فَبعث اخاه يتجسس لَهُ أَحْوَال الْيمن ليجعلها ملْجأ لَهُ فَيحْتَمل الْأَمريْنِ وَالله أعلم وتحتمل صِحَة احدهما وَلم يزل خطاب غَالِبا على زبيد حَتَّى قدم سيف الاسلام وَذَلِكَ فِي شَوَّال سنة ٥٧٩ وَلِهَذَا التَّارِيخ تَاسِع شعْبَان عطل الزنجبيلي الْجند حِين بلغه ان عُثْمَان لحقه اليها اذ هرب من زبيد وانكسر عسكره وطلع الْجَبَل هَارِبا فتعطل الْجند لِئَلَّا يديرها خطاب فَجَعلهَا وَعُثْمَان بِيَدِهِ المخلاف فَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا بمصابيح مُدَّة أَيَّام ثمَّ سد الْحَال على ان يتخلى عُثْمَان من الْجند وَمن حصون ذخر واعادتها لياقوت فَاعْتَذر وَرجع خطاب من الْجند الى زبيد وَذَلِكَ فِي شعْبَان ورمضان ثمَّ فِي شَوَّال من السّنة الَّتِي قدم بهَا سيف الاسلام طغتكين بن أَيُّوب الْمُقدم ذكره وَكَانَ يلقب بالوزير
стр. 922
وَضبط اسْمه بِضَم الطَّاء وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة وخفض التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق مَعَ الْكَاف وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ نون بعْدهَا قَالَ ابْن خلكان وَهُوَ اسْم تركي ودخوله زبيد يَوْم السبت ثَالِث عشر شَوَّال سنة تسع وَسبعين كَمَا تقدم وَكَانَ قد التقاه خطاب الى مَدِينَة الكدري وترجل لَهُ سيف الاسلام وَفَرح بِهِ اذ كَانَ أول من لقاه من نواب أَخِيه ثمَّ قَالَ لَهُ انت أخي بعد أخي ثمَّ ان خطابا لما وقف سيف الاسلام بالبلاد لم تطب لَهُ وَاسْتَأْذَنَ بالرواح فاذن لَهُ سيف الاسلام وهما مقيمان بزبيد فتجهز وبرز امواله وَجَمِيع ذخائره الى خَارج زبيد وَحط بالجنابذ وَهِي القباب الْمَشْهُورَة بالْقَوْل الَّتِي يذكر النَّاس ان بَعْضهَا بِهِ رَأْسا الصليحيين عَليّ بن مُحَمَّد واخيه المقتولين بالمهجم وَبَعض بِهِ ابْن زِيَاد وَعَمَّته وَبَعض بِهِ جياش بن نجاح الْمُقدم ذكره هَكَذَا سمعته من جمَاعَة لَهُم دراية باحوال النَّاس وأخبارهم ثمَّ لما صَارَت أَمْوَاله هُنَالك دخل زبيد ليودع السُّلْطَان فَقبض عَلَيْهِ وَأمر بِالْقَبْضِ على أَمْوَاله قُم سجنه فَيُقَال انه أَخذ مِنْهُ سبعين غلاف درزية مَمْلُوءَة ذَهَبا ثمَّ ان ياقوت التعزي بَادر وَنزل من حصن تعز الى زبيد وَسلم مَفَاتِيح الْحصن الى سيف الاسلام فاعجبه وأكرمه ثمَّ اعاده على ولَايَته وَبعث مَعَه بخطاب وَأمره ان يحْبسهُ فِي حصن تعز ثمَّ بعد أَيَّام امْر بقتْله فَقتل سرا وَهَذَا ياقوت أحد الْأُمَرَاء المعروفين ببني التعزي ثمَّ طلع تعز وَتقدم الْجند وَعِيد فِيهَا عيد النَّحْر فَهُوَ أول عيد عيده وَقد صَار مَالِكًا لليمن وَقبض حصن التعكر على يَد مَمْلُوكه إيليا من الْأَمِير عمر بن عَليّ أخي عُثْمَان الزنجبيلي وَلما علم الزنجبيلي مَا تمّ لخطاب حمل نَفسه وأمواله بمراكب وَخرج من عدن يَوْم الْأَحَد سادس ذِي
стр. 923
الْقعدَة سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة فامر سيف الاسلام من قطع عَلَيْهِ الْبَحْر فَأخذ عَلَيْهِ شَيْء من مراكب أَمْوَاله وَنَجَا بِنَفسِهِ وَبَعض مَاله وَلم اتحقق مآله الى مَاذَا
وَلما علم سيف الاسلام خلو عدن من وَال بعث اليها ابْن عين الزَّمَان وَقد تحققت نِهَايَة نواب توران شاه ان خطابا قتل والزنجبيلي هرب والتعزي اشفق عَلَيْهِ سيف الاسلام وَعظم حَاله عِنْده وَله ذُرِّيَّة الى الْآن فِي الْيمن يعْرفُونَ ببني االتعزي أمّهم منبنات بنت عَليّ بن الرَّسُول واستقام سيف الاسلام ودانت لَهُ الْيمن وَأَهْلهَا وَلم يكد يبْقى عَلَيْهِ سهل وَلَا وعر أَلا ملكه طَوْعًا وَكرها
وَلما طلع البلا د العلياء وَبَنُو حَاتِم الهمدانيون بايديهم حصن كوكبان والعروس وَذي مرمر فاخذ كوكبان والعروس وَذي مرمر فَلَمَّا شقّ الْحصار بِأَهْل الْعَرُوس نزلت امْرَأَة واستأذنت على السُّلْطَان فأدخلت عَلَيْهِ وتحتها مَوْلُود لم يره اُحْدُ فَقَالَت لَهُ حِين دخلت عَلَيْهِ قد سمينا هَذَا بِاسْمِك ونحب ان تهب لنا الْحصن فامر بَان يكْتب لَهُم بالحصن وَلعن من يعترضهم فِيهِ اَوْ بِشَيْء من عمله وارتحل مسرعا
وَهَؤُلَاء بَنو حَاتِم بَيت رياسة هَمدَان لَهُم مَكَارِم مستفاضة رَأَيْت مِنْهُم مُحَمَّد بن حَاتِم بن عَمْرو بن عَليّ بن حَاتِم الْهَمدَانِي اليامي مَعْدُود فِي الفضلا لَهُ تَارِيخ فِي أَخْبَار الْيمن لم أَقف عَلَيْهِ وَهُوَ وَأَهله اهل سمعلة فِي الدّين وَكَانَ أَخذه
стр. 924
للدملوة من جَوْهَر على مَا قدمْنَاهُ ثَالِث ربيع الآخر سنة ٥٨٤
قَالَ ابْن خلكان كَانَ سيف الاسلام رجلا شجاعا كَرِيمًا مشكور السِّيرَة حسن السياسة مَقْصُودا من الْبِلَاد الشاسعة لاحسانه وبره قَالَ مولفه عَفا الله عَنهُ وبناؤه غَالب الحصنون فِي الْيمن كالتعكر وخدد وَحب وتعز انما هُوَ على وَضعه وترتيبه وَفِي درب زبيد نَاحيَة تعرف بِهِ الى الْآن ودوخ عرب الْيمن وأذل جبابرته وَقتل فيهم جمعا كثيرا بوقائع كَثِيرَة وَقَالَ متمثلا فِي ذَلِك
... بسفك الدما يَا جارتي تحفن الدما ... وبالقتل تنجو كل نفس من الْقَتْل ... وَكَانَ مَعَ ذَلِك يُشَارك الْفُقَهَاء وَله مسموعات ومقروآت بِحَيْثُ أَخذ عَنهُ القَاضِي أَحْمد بن عَليّ العرشاني موطأ مَالك وَفِي منتصف جمادي الأولى سنة ٥٨٥ أَمر بهدم التعكر وَقدم عَلَيْهِ شرف الدّين بن عنين الشَّاعِر فامتدحه بغرر القصائد واجازه ببدر وفرائد وَلما عَاد الى الديار المصرية وَقد توفّي صَلَاح الدّين وَالْملك يَوْمئِذٍ بيد وَلَده الملقب بالعزيز طُولِبَ شرف الدّين بزكوة متجره كَمَا كَانَ يفعل بالتجار فِي مصر حَتَّى ابطله الْمَنْصُور بن قلاوون الصَّالِحِي اُحْدُ المماليك وَلما طُولِبَ بالزكوة سأه وَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا
... مَا كل من يتسمى بالعزيز لَهَا ... اهل وَلَا كل برق سحبه غدقه
بَين العزيزين بون فِي فعالهما ... هذاك يُعْطي وَهَذَا يَأْخُذ الصَّدَقَة ...
стр. 925
واختط بِالْيمن مَدِينَة سَمَّاهَا المنصورة وَهِي قبلي مَدِينَة الْجند وعَلى ربع مرحلة مِنْهَا وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْقعدَة سنة ٥٩٢ وابتنى فِيهَا دَارا كَبِيرَة وحماما وَكَانَ واديها الْمَعْرُوف بخنوة مسكنا للوحوش فاحياه وَأَحْيَا وَادي الدارة وَالْقَاعِدَة وابتنى فِي المنصورة قصرا كَبِيرَة وحماما وابتنى للعسكر بهَا بُيُوتًا وابتنى بقرية خنوة دَار مضيف وَلم يزل مستمرا حَتَّى ولى الْمَنْصُور بن الرَّسُول الْملك فاخر بِهِ ابْن اخيه فَخر الدّين ابو بكر بن حسن وَنقل احجارة فابتنى بهَا دَارا بعكار
وَلما تحقق سيف الاسلام انه قد قهر الْيمن دَعَتْهُ نَفسه الى شرى اراضيهم حَيْثُ كَانَت وَندب المثمنيين الى كل سَائِر الْبِلَاد واخذها عَلَيْهِم قهرا وَلما علم النَّاس ذَلِك وان غَرَضه ان تكون أَرض الْيمن ملكا للديوان وَيكون من اراد حرث شَيْء وصل الى الدِّيوَان يسْتَأْجر كَمَا هُوَ فِي ديار مصر ويزعمون ان ذَلِك عَادَة جَارِيَة من زمَان يُوسُف الصّديق ﵇ شقّ عَلَيْهِم غَايَة الْمَشَقَّة ثمَّ اجْتمع جمَاعَة من صلحاء الْجبَال هم الْفَقِيه عَليّ بن سَالم الْمُقدم ذكره من وَادي عميد وَالشَّيْخ دحمل الصهباني من وَادي ذِرَاع الا عموو قَرْيَة من بِلَاد صهْبَان وفقيه من الظرافة الَّتِي تقدم ذكرهَا وانه كَانَ بهَا الْفَقِيه جَعْفَر وَهِي على مقربة من المنصورة وَلم يصله المذكورون الارجا ان يُرَاجع السُّلْطَان للنَّاس فحين قَالَا لَهُ
стр. 926
فَكيف نصْنَع قَالَ ندخل الْمَسْجِد وَلَا نخرج حَتَّى تقضي الْحَاجة فَدَخَلُوا الْمَسْجِد واقاموا بِهِ ثَلَاثًا صياما فَفِي الْيَوْم الثَّالِث خرج دحمل فِي السحر ونادى على طَرِيق الولة يَا سُلْطَان السَّمَاء اكف الْمُسلمين حَال سُلْطَان الأَرْض فَقَالَ لَهُ اصحابه اسْكُتْ إسكت فَقَالَ قضيت الْحَاجة وَحقّ المعبود سَمِعت قَارِئًا يقرئ قضي الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفيتان وَيُقَال ان اُحْدُ الْجَمَاعَة خرج سحرًا الْيَوْم الثَّالِث فَذكر الله تَعَالَى وَقَالَ لأَصْحَابه ابشروا فقد قضيت الْحَاجة فَقَالُوا وَبِمَ علمت ذَلِك قَالَ رايت السُّلْطَان بارزا وسهام تَأتيه من نواح شَتَّى واصابه بَعْضهَا فَوَقع مَيتا فَلَا تَشكوا بِمَوْتِهِ وَلما كَانَ وَقت الظّهْر يَوْم الاربعاء سادس وَعشْرين شَوَّال سنة ٥٩٣ توفّي وَكَانَ المثمنون فِي انحاء الْيمن فحين بَلغهُمْ ذَلِك هربوا وَلم يعْتَمد ذَلِك ملك بعده وَيُقَال أَنه لما أحس بِالْمَوْتِ جعل يتقلقل وَيَقُول لَا اله الا الله مَا أُغني عني ماليه هلك عني سلطانية وَكَانَ مُدَّة ملكه على طَرِيق التَّقْرِيب سبع عشر سنة
وَقد ذكرت فِي غَالب كتابي هَذَا من عرض ذكره من فَقِيه اَوْ ذِي سُلْطَان وَقد عرض مَعَ ذكر توران ذكر أَخِيه صَلَاح الدّين وَهُوَ اعظم حَالا مِنْهُ فِي غَالب اموره كَانَ ملكا كَبِير الْقدر بِهِ اعاد الله على الْمُسلمين الشَّام من ايدي الافرنج وَفتح
стр. 927
عكا وَكَانَ فِي ذَلِك اخبار يطول شرحها
مولده قلعة تكريت اذ كَانَ ابوه مديرا امرها كَمَا تقدم وَهُوَ الَّذِي ارسل اخاه توران الْيمن فانقذ اهله من ظلم بني مهْدي جزاه الله خيرا وَكَانَت ايامه مباركة وَكَانَ مصير الْملك اليه من عَمه اسد الدّين شيركوه الَّذِي قتل شاور ممدوح عمَارَة الْمُقدم ذكره وَذَلِكَ فِي عشْرين من جمادي الاخرة سنة ٥٦٤ وَتُوفِّي بِدِمَشْق بعد صَلَاة الصُّبْح يَوْم الابعاء سَابِع وَعشْرين صفر سنة ٥٨٩ وَيُقَال انه مَاتَ مسموما من الشَّيْخ عَليّ بن مُحَمَّد بن ابراهيم عرف بِابْن الْمعلم وَكَانَت لَهُ مِنْهُ مكانة وَهُوَ الْمُلْتَزم لجَمِيع المخلاف بِمَال مَعْلُوم وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْكَرمِ والحلم وَكَانَ اصل بَلَده حدبة على وزن فعلة بِالْفَتْح والتحريك على الْقرب من جبلة وَله فِي جبلة دَار هُوَ الان مدرسة تعرف بالنجمية الْمدرسَة الْمَشْهُورَة
وَمن جملَة مَا حكى ان جمَاعَة من فُقَهَاء السحول قدمُوا عَلَيْهِ وراجعوه فِي ازالة مظْلمَة فتمنع عَن ذَلِك فاخذ بَعضهم نَعله بِيَدِهِ واقدم عَلَيْهِ يضْربهُ بهَا فَلم يزده على قَوْله يَكْفِي يَا فَقِيه أيكفي يَا فَقِيه فهم الغلمان بالبطش بالفقيه فزجرهم عَن ذَلِك وَلم يزل يستعطف الْفَقِيه حَتَّى سكن غَضَبه وَعمل لَهُ مَا سَأَلَهُ ثمَّ كرم شَرحه يطول مِنْهُ مَا اخبرني الثِّقَة عَن المقرى حميد مُؤذن جبلة وَكَانَ من اعيان الْبَلَد انه اخبره انه قدم عَلَيْهِم عيد عَرَفَة وهم على فرَاغ قَالَ فضقت من ذَلِك فَقلت النَّاس يصفونَ ابْن الْمعلم بِالْكَرمِ فانا اقصده لهَذَا العَبْد انْظُر كرمه فَكتبت اليه ورقة اسأله عشرَة اذهاب ذرة وَخَمْسَة اذهاب بر فَهَذَا من الطَّعَام
стр. 928
وَمَتى حصل دبر الله بالاضحية ثمَّ انني تَوَجَّهت بِالْوَرَقَةِ اليه فَوَجَدته قَاعِدا بدهليز دَاره فَسلمت عَلَيْهِ وناولته الورقة فحين قَرَأَهَا عبس واعرض عني فَخرجت وانا الوم نَفسِي وَقلت مَا اكذب النَّاس ثمَّ انه أَمر من لَحِقَنِي وردني اليه فَلَمَّا جِئْت اليه أَمرنِي بالدنو مِنْهُ وَقَالَ لي سرا يَا سُبْحَانَ الله المقرى حميد المقرى حميد اسْم كَبِير وهمته ضَعِيفَة تصل الى وتسالني قدرا حَقِيرًا من مثلي فاعتذرت اليه فناولني ورقة بَيْضَاء وَقَالَ اكْتُبْ بِجَمِيعِ مَا تحتاجه فَكتبت وانا اسئل مِائَتي ذهب ذرة وَمِائَة ذهب بر وراس بقر وراس غنم وَكِسْوَة لي ولاولادي فحين نظر اليها اسفر وَجهه وَكتب الى نَائِبه بجبله ان يسلم مَا سَالَتْ معجلا فحين اعطيته خطه بَادر الى تَسْلِيم مَا سَالَتْ
ثَمَان سيف الاسلام صادره بجملة مستكثرة وَاشْترى مِنْهُ كثيرا من امواله بضراس وحدبة والمقرعة وَغَيرهَا وشيا من دوره بجبلة مِنْهَا وَلم يمت سيف الاسلام وَهُوَ عَنهُ طيب وَلَا كَانَ يحضرهُ وَقت الْمَوْت وَهَذَا يدل على برائته من قَتله وَإِنَّمَا قَتله ابْنه
الْمعز تجنبا مِنْهُ إِذْ كَانَ بقيه رُؤَسَاء الْيمن واعيانهم وَيُقَال ان سيف الاسلام دَاخله فِيهِ الطمع فوصل من صنعاء إِلَى جبلة وَطلب مِنْهُ المَال الَّذِي ضمن مِنْهُ الْبِلَاد فعجز فَقبض املاكه وهرب لَيْلَة السبت ثَانِي عشر شعْبَان سنة ٦٠٢ فامر حِينَئِذٍ بِقَبض دوره فِي المقرعة وَذي جبلة وضراس وَذي اشرق وَجَمِيع مَا فِيهَا ثمَّ ان القَاضِي نصب من قضا للسُّلْطَان جَمِيع املاكه حَيْثُ كَانَت بِمَا سعى عَلَيْهِ من ضَمَان الْبِلَاد وَكَانَت امواله جليلة فِي أَمَاكِن كَثِيرَة
ثمَّ لما ولى الْمعز بن سيف الاسلام اعاده على عمالة المخلاف فاقام يَسِيرا ثمَّ اسره وَهدم دوره فِي المقرعة وَغَيرهَا فَلبث فِي اسره سِتَّة اشهر وشنقه فِي أَخّرهَا
стр. 929
عَاشر الْمحرم سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَهَذَا ذكر الْجَمَاعَة وتسميتهم فاما الشَّيْخ دحمل فَكَانَ رجلا صَالحا متعبدا يغلب عَلَيْهِ الوله وَيظْهر للنَّاس ان فِي عقله ضعفا وَكَانَ يَأْتِي مَنَابِر الْجَوَامِع فيضربها تَارَة بِيَدِهِ وَأُخْرَى بالعصا الَّتِي لَهُ وَيَقُول يَا حمَار الْكَذَّابين وَيُقَال أَنه وصل الى قُضَاة عرشان فِي شَفَاعَة فَلم يقبلُوا مِنْهُ وَكَانُوا إِذْ ذَاك على حَال كَمَال من الدُّنْيَا وراهم فِي عجب عَظِيم من انفسهم فَخرج من عرشان مغضبا فَلَمَّا صَار مِنْهَا خطوَات الْتفت اليها وَقَالَ هدكى عرشان فَلم يقفوا غير يسير حَتَّى زَالَ عَنْهُم الْقَضَاء الى القَاضِي مَسْعُود على مَا قدمنَا وَلم يزل دحمل على الطَّرِيق المرضي حَتَّى توفّي بعد سِتّمائَة تَقْرِيبًا وَقيل انه توفّي بدولة الْمَنْصُور بن الرَّسُول وَالله أعلم وَقد تقدم ذكر بَقِيَّة اصحابه
وَنَرْجِع الى سير احوال الْمُلُوك فَلَمَّا توفّي سيف الاسلام وَله ولدان الْمعز والناصر الْمعز الْأَكْبَر وَقد كَانَ ظهر لَهُ مِنْهُ الْخُرُوج عَن مَذْهَب السّنة الى التَّشَيُّع فطرده وقلاه فَخرج مغاضبا يُرِيد بَغْدَاد يشكو اباه فحين توفّي ابوه بعث أَعْيَان الدولة وبعثوا خَلفه من يَطْلُبهُ فادركه النجابون فِي المخلاف السَّلمَانِي فاعادوه من السرين فَدخل حرض وَطلب ناظرها القَاضِي اِسْعَدْ فَقتله لِأَنَّهُ حِين مر بِهِ لم يُكرمهُ وَحين قَتله استصفى أَمْوَاله وَمن جُمْلَتهَا جَارِيَة تعرف بفتحة فحضيت عِنْده وَصَارَ قصادا زبيد فَدَخلَهَا يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر الْقعدَة فَبَاتَ بهَا لَيْلَة ثمَّ خرج فَدخل تعز يَوْم الاحد ثَانِي وَعشْرين مِنْهُ فَلبث بتعز مَا شَاءَ الله ثمَّ طلع ذَا جبلة فَدَخلَهَا يَوْم الْخَمِيس رَابِع وَعشْرين الْحجَّة فَلبث مَا شَاءَ الله
وَفِي سنة ٥٩٤ ابْتَدَأَ حراب دَار الْعِزّ بجبلة يَوْم الِاثْنَيْنِ منتصف ربيع الاول من السّنة ورسم الْمعز من يهدم التعكر فهدم بجمادي الاخرة من السّنة ثمَّ طلع
стр. 930
الْجَبَل واستدام مذْهبه واظهره وَقَوي بِهِ اهله قُوَّة عَظِيمَة بِحَيْثُ طمعوا باماتة مَذْهَب السّنة وَلَو بجبلة كَمَا كَانَ ايام الصليحيين وَتمّ لَهُم مَا قدمنَا ذكره من سُؤَالهمْ لَهُ ان يَأْمر الخطباء بالسب فَامْتنعَ فَقَالُوا مرهم باسقاط ذكر الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ لَا طَاقَة لي بِالسَّوَادِ الاعظم فَقَالُوا لَهُ افْعَل لنا ذَلِك وَلَو بجبلة وَحدهَا فَكَانَ مَا قدمنَا ذكره وَغلب على الْمعز الشُّح عَليّ الْجند وَالْكَرم على الشُّعَرَاء والصفا عَنهُ ثمَّ تولع بِذبح بني آدم واكلهم
وَحكى ان الاتابك دخل عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ مَا احسن اظلاعك مصوص وكما قَالَ فَخرج الاتابك وَلم يشك انه يذبحه فهرب حَتَّى سمع بقتْله
وَادّعى انه اموي النّسَب فَخَطب لَهُ بأمير الْمُؤمنِينَ فِي جمادي الْآخِرَة سنة ٥٩٧ وَطَالَ ظلمه للجند والرعايا وَصَرفه للمساخر وَالشِّرَاء فَانْتدبَ لقَتله اكراد كَانُوا مَعَه رئيسهم رجل اسْمه هندوه وَهُوَ اذ ذَاك بِمَدِينَة زبيد وَكَانَ يلبس لِبَاس الْخُلَفَاء القمصان ذَوَات الاكمام الطوَال فَخرج يَوْمًا من زبيد يُرِيد جِهَة القوز رَاكِبًا بغلة وَخَلفه حصان مجنب فكيسه الاكراد عِنْد مَسْجِد ساسه وأكمامه مسبلة على يَدَيْهِ وَفِي احداهن المقرعة فَلبث سَاعَة يحارب بهَا وَيَدْعُو الْغُلَام الَّذِي مَعَه بِجنب الْفرس وَقد صرف عَنهُ الى بعد فَقتل وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
واحدث فِي زبيد الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالميلين وَفِي تعز الْمدرسَة الَّتِي ابوه مقبور
стр. 931
بهَا وَذَلِكَ ان اباه لما توفّي بالمنصورة نقل الى حصن تعز فقبر بِهِ فاقام سنة ثمَّ لم تطب نَفسه بِطُلُوع الْقُرَّاء كل يَوْم أَي الْحصن فَاشْترى الدَّار وَجعلهَا مدرسة وَكَانَت دَار سنقر الاتابك مقدم الذّكر ومؤخره نقل اليها عِظَام ابيه وقف عَلَيْهَا وَادي الضباب وَجعل عَلَيْهَا سَبْعَة قراء فهم على ذَلِك لَكِن قد يزِيد الْقُرَّاء من النَّاظر وَبَعض الاوقات يعطونهم دَرَاهِم وَبَعضهَا طَعَاما لَا سِيمَا من وَقت تطلع الْمُلُوك الى الْوَقْف فِي الدولة المويدية وهلم جرا الى عصرنا
وَهُوَ اول من عمل الْمدَارِس من مُلُوك الْعِزّ بتعز وزبيد وَكَانَ فصيحا شَاعِرًا فَاضلا وَلما قَتله الأكراد انتهبوا زبيد واجترأوا عَلَيْهَا وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد فِي رَجَب سنة ٥٩٩ مدَّته سِتّ سِنِين وقبره شَرْقي زبيد فِي قبَّة هُنَالك تعرف الان بقبة الْخَلِيفَة قد صَارَت خرابا والناصر يَوْمئِذٍ بحصن تعز والاتابك سنقر متخوف بِبَعْض الْجبَال فحين بلغه وَفَاة الْمعز وصل الى النَّاصِر وَهُوَ مربية وَلذَلِك سمى الاتابك اذ هَذِه اللَّفْظَة تُوضَع لمن يربى الْمُلُوك قَالَه ابْن حكان وَكَاتب الأكراد وصالحهم ثمَّ بعد سنة بلغه انهم يُرِيدُونَ نقض الصُّلْح فجيش عَلَيْهِم وقصدهم الى زبيد وحاربهم وكسرهم سنة احدى وسِتمِائَة
وَفِي سنة ستماية نزل من السَّمَاء رماد وأظلمت الدُّنْيَا ظلاما مُفردا وَبهَا سميت سنة الرماد وَصُورَة ذَلِك ان اول مَا نزل رماد ابيض يَوْمًا وَلَيْلَة وأظلمت
стр. 932
الْبِلَاد وَخَافَ النَّاس الْهَلَاك ثمَّ نزل بعد ذَلِك رماد أسود ورواجف وزلازل
وَمن عَجِيب مَا جرى فِي ذَلِك الظلام انه وَقع قوم فِي ظَاهر زبيد بالمجرا فَلم يطيقوا رواح بُيُوتهم وَفِيهِمْ أعمى فَقَالَ من أَعْطَانِي زبدي طَعَام قدته الى بَيته واعطوه وقاد كلا الى بَيته
وَلما كَانَ فِي سنة سبع وسِتمِائَة فِي شهر جمادي الْآخِرَة توفّي الأتابك بحصن تعز وقبر بِذِي هزيم بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا هُنَالك وَهُوَ الَّذِي أنشأ جَامع المغربة وَعمل الْمِنْبَر الَّذِي فِيهِ وَبنى بزبيد مدرستين احدهما للشَّافِعِيَّة وَهِي تعرف بالعاصمية وَالْأُخْرَى للحنفية وتعرف بالدحمانية وَهُوَ الَّذِي بني الْجَامِع بخنفر من ارْض ابين والصفين والجناحين والمؤخر فِي مَسْجِد الْجند
وَلما توفّي الاتابك جعل النَّاصِر غَازِي بن جِبْرِيل مَكَانَهُ قَائِما بِالْملكِ فَحمل النَّاصِر على طلوعه صنعا لقِتَال الامام الْمَنْصُور بِاللَّه فَلَمَّا صَار بِصَنْعَاء سمه غَازِي فَتوفي بالمحرم سنة احدى عشرَة وستماية فطلى بالممسكات وَحمل الى تعز فقبر بالقبة الَّتِي قبلي ميدان تعز فِي عصرنا وحالف غَازِي الْعَسْكَر وَقَامَ بِالْملكِ وَنزل من صنعاء فَلَمَّا صَارُوا بالسحول احاط الْعَرَب بهم وانتهبوهم وَوصل غَازِي الى أَب وَكَانَت أم النَّاصِر وغالب الخواتين إِذْ ذَاك مقيمين بحصن حب فطلع مماليك ابْنهَا اليها فشتمتهم ولامتهم وحملتهم على قتل غَازِي ابْن جِبْرِيل فنزلوا الى اب وهجموا بَيته وقتلوه واطلعوا رَأسه الى حب وقبر بَاب جثة بِغَيْر راس وَذَلِكَ على وَفَاة سنة من قتل النَّاصِر ثمَّ ان أم النَّاصِر نزلت من أَب الى تعز فاقامت مُدبرَة للْملك سِتَّة اشهر ثمَّ قدم سُلَيْمَان بن تَقِيّ الدّين فِي جمَاعَة من
стр. 933
الْفُقَرَاء والمسافرين وَأَبوهُ من بني أَيُّوب فاستدعوه وَقَالُوا لَهُ تكون سُلْطَانا فَنحْن حَرِيم نخشى ان تطمع فِينَا الْعَرَب وَذَلِكَ بربيع وَلما صَار سُلْطَانا غَلبه اللَّهْو واللعب وغفل مَعَ النِّسَاء حَتَّى تضعضع الْملك وَفِي أَيَّامه قتل من الغز نَحْو مائَة فَارس بصبر عِنْد أكمه تعرف بجمعه مقتلة عَظِيمَة وَكَانَ اذا سكر يرقص وَيَقُول ... أَنا مَشْغُول بأيري ... انْظُرُوا للْملك غَيْرِي ... وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى قدم المسعود وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة وَهُوَ إِذْ ذَاك قد تزوج بالملكة ابْنه سيف الدّين الأتابك وتعرف بابنة جوزة وشغف بهَا فَلم يزل مَالِكًا لليمن وَهُوَ مُقيم لبنى الرَّسُول وَهُوَ اذ ذَاك اربعة فَلَمَّا عزم على رواح مصر شوقا للبلد الْأَهْل استناب على الْيمن الْأَمِير فليم وَفِيه جبروت المصريين وَذكروا انه اشار على بعض اصحاب الشَّيْخ والفقيه صَاحِبي عواجه وصاردهما وهما رجلَانِ كبيران انْتقل اهلهما وسكنا عواجة فِي بَيت الشَّيْخ والفقيه وَغَيرهمَا وَجعلُوا يَشكونَ مَا فعل مَعَهم نواب فليم فاشار الشَّيْخ الى نَاحيَة فليم باصبعه وَقَالَ طعنته فِي أنثييه فَقيل ظهر بهما دم مَاتَ مِنْهُ وَذَلِكَ بعد وُصُوله الرّجلَانِ هاربان فَكَانَ الْمَنْصُور يوافي ذَلِك ويحتال بجامكيته اليهما ويسامحهم فَكَانُوا يحبونه وَيدعونَ لَهُ وَرُبمَا بشروه بمصير الْملك اليه وَعَاد المسعود من مصر فَلبث إِلَى سنة خمس وَعشْرين وَأَرَادَ السّفر الى مصر فَقَالَ للمنصور تنوب عَنَّا
стр. 934
فَقَالَ لَا أفعل حَتَّى تبعد عني اخوتي فاجابه الى ذَلِك فاستدعاهم الى الْجند فقيدهم بِالْقصرِ وهم اذ ذَاك ثَلَاثَة بدر الدّين وفخر الدّين وَشرف الدّين فبعثهم فِي الْبَحْر الى مصر وَتقدم مَكَّة فَتوفي بهَا مسموما يُقَال من ابيه فِي رَجَب وَقيل شعْبَان سنة خمس وَعشْرين وستماية وَلم يكن لَهُ من الْآثَار غير تجديده لمدرسة الميلين بزبيد ثمَّ إِنَّه أخرب جَامع الْجند وَنَدم لأمر حصل عَلَيْهِ فَنَذر أَن يُعِيد الْمَسْجِد فكشف عَنهُ الْأَمر وَهُوَ يصر يتَرَدَّد فَأمر بِمَال الى الشَّيْخ ظهير الدّين عَليّ بن عمر وَأمر باعادته مزوقا مذهبا كَمَا جرت الْعَادة للملوك وَنقص الاتمام الف دِرْهَم تممها الشَّيْخ من مَاله وَأمره ان يَبْنِي على بَابه خلْوَة اذا جَاءَ سكنها فَلم يعد
وَفِي ايامه ظهر مرغم الصُّوفِي بجبل سحمر وَجَرت لَهُ حروب كَثِيرَة ثمَّ هرب الى نَاحيَة وصاب فَمَاتَ هُنَاكَ وَقد بيّنت هُنَالك فِيمَا تقدم ومرغم كَانَ رجلا صَالحا مُبَارَكًا يغْرف اللَّحْم بِيَدِهِ من الْقدر وَهُوَ يغلي فَلَمَّا رأى ظلم الغز وَكثر الْمُنكر اراد يظْهر لازالة ذَلِك فَظهر فِي جبل سحمر وَنَصره اهل الْجَبَل بَنو مُسلم فَلَمَّا كثر الْقَتْل اسْتَلَبَ حَاله أَو بعضه فهرب الى وصاب وَكَانَ قد سامح الْعَرَب بِمَا يَأْخُذ مِنْهُم الْعزو وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الراجز لَهُ فديتك الْيَوْم يَا مرغم لم عَاد أَرَاك خلصتني الْخرص واللاحق وَحمل الشباك
وَفِي حربه قتل رَاشد بن مطفر ممدوح ابْن هتيمل الَّذِي يَقُول فِيهِ
стр. 935
.. بيني وَبَين الْفقر صَوت وَاحِد ... يَا رَاشد بن مطفر يَا رشاد ... ثمَّ جعل القضا الاكبر فِي الْفَقِيه ابو بكر بن الْفَقِيه احْمَد بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُوسَى الْعمرَان مقدم الذّكر وسافر المسعود اولا الى مصر فَغَاب مُدَّة سنة فَلَقِيَهُ أهل الْجبَال الى تعز وَالْقَاضِي فيهم وسلموا عَلَيْهِ فحين واجهه القَاضِي ترجل لَهُ اذ كَانَ القَاضِي قد ترجل فاعتنقا فَعجب النَّاس من ذَلِك ثمَّ لما صَار الى دَاره سَأَلَهُ بعض خواصه فَقَالَ رايت من الملتقيين قد تغير حَاله من الْحَال الَّذِي فارقني عَلَيْهِ الا القَاضِي فانه وَدعنِي على دَابَّة شهبا وَعَلِيهِ ثِيَاب قطن وعَلى دَابَّته مجْلِس فَوق الْمجْلس سجادة فَلَمَّا عدت لَقِيَنِي بذلك الْحَال لم يُغَيِّرهُ فتحققت بذلك ورعه وزهده وَهَذَا من احسن الاثار أَعنِي تَوليته فان من استناب عدلا كَانَ مَا فعله الْعدْل وَلذَلِك حكى ان كسْرَى قَالَ مَا عدل جَار وزيره والى ذَلِك اشار الشَّاعِر ... اذا مَا المليك الْعدْل وكل ظَالِما ... بِأَمْر جَمِيع النَّاس عُوقِبَ بالذنب
وَمن يرْبط الْكَلْب الْعَقُور بِبَابِهِ ... فعقر جَمِيع النَّاس من رابط الْكَلْب ... وعَلى الْجُمْلَة تَوْلِيَة الْعدْل ماجور فاعلها مشكور عَلَيْهَا اذ النَّفْع فِيهِ مُتَعَدٍّ وَعدل هَذَا القَاضِي مستفيض وَهُوَ أحد من جدد مَسْجِد مرعيت الَّذِي على طَرِيق الرَّائِح من تعزالى عدن
وَمن عجائبه ان رجلا من أهل جبلة وَصله وشكا ان الْحَاكِم سفه عَلَيْهِ فَاسْتَحْضر الْحَاكِم الى الْجند فسئله فاعترف فَعَزله وَقَالَ إِنَّمَا جعلتك حَاكما لَا مسافها وَقَالَ مَتى كَانَ الْحَاكِم ظَالِما فَالَّذِي يتْركهُ اظلم مِنْهُ وعَلى الْجُمْلَة
стр. 936
فصلاحه وَعلمه مشهوران يشق حصرهما وَيطول ذكرهمَا بل قد ذكرت من ذَلِك بعض اللَّائِق مَعَ ذكره فِي عداد الْفُقَهَاء
وَمن ذَلِك التَّارِيخ اسْتمرّ الْملك بيد الْمَنْصُور عمر بن رَسُول ثمَّ فِي ذُريَّته واقام مظْهرا انه نَائِب للمسعود وَالسِّكَّة وَالْخطْبَة لَهُ ايضا وَهُوَ مُضْمر الْقيام والاستقلال بِالْملكِ وَفِي اثناء ذَلِك يُولى فِي الْحُصُون والمدن من يرتضيه وَمن خشى مِنْهُ خلافًا اعْمَلْ على اسره اَوْ قَتله حَتَّى كَانَ سنة تسع وَعشْرين وَقيل ثَلَاثِينَ ضرب الدِّرْهَم باسمه وَأمر الخطباء بِذكرِهِ وَكَانَ المقوى لَهُ على ذَلِك انه كَانَ قد تقدم لَهُ بشارات الْملك وأشارات من الشَّيْخ والفقيه صَاحِبي عواجة وَقد تقدم بَيَانهَا ثمَّ كَانَ يرى منامات تدل على مصير الْملك اليه مِنْهَا انه رأى وَهُوَ فِي دَار عومان قَائِلا يَقُول لَك الْبشَارَة يَا أَبَا الْخطاب بِالْملكِ من عدن الى عيذاب فَكَانَ كَمَا قَالَ ملك الى عيذاب وأحرق مراكب الْكَامِل وَهِي متجهزة نَحْو الْيمن بعسكر جرار ثمَّ انه خطب زَوْجَة الْملك المسعود ابْنة الاتابك فاجابته حِين علمت انه قد غلب على الْملك وَكَانَ ابْنه المظفر مَوْجُودا وَكَانَ الْمَنْصُور من أهل الحزم والعزم دَانَتْ لَهُ الْبِلَاد والعباد وادرك فِي نَفسه المُرَاد وَأَتَتْ لَهُ ابْنة جوزة اولادا ذُكُورا واناثا وغلبت عَلَيْهِ فاقصت المظفر وكريمته الدَّار الشمسي عَن أَبِيهِمَا وأمهما ام ولد تركية حَتَّى كَانَا فِي الْغَالِب لَا يُوجد ان بِحَضْرَتِهِ وأحلف الْعَسْكَر لِابْنِهِ الْمفضل أحد ابْني بنت جوزة وَكَانَ المظفر اذ ذَاك بعومان مَعَ جدته أم ابيه فَوَجَدَهُ رجل من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة كَانَ قد حضر تَحْلِيف الْعَسْكَر فَقَالَ يَا مَوْلَانَا كَيفَ أَحْلف والدك الْعَسْكَر لاخيك وانت أكبر فَقَالَ يَا هَذَا نسيت
стр. 937
قَول الله تَعَالَى قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك وَاسْتمرّ على الْملك وَكَانَ فِي بدايته حَنَفِيّ فَلَمَّا حج مَكَّة وَسمع مَا نقلته عَن الْفَقِيه عَليّ بن مُحَمَّد بن مَضْمُون انْتقل عَنهُ فليطلبه من اراده هُنَالك
وَلما دخلت عدن وَذكرت ذَلِك بِحُضُور شَيْخي احْمَد بن عَليّ الْحرَازِي الزبيدِيّ قدم علينا عدن مُحَمَّد بن ابراهيم الفشلي الْفَقِيه الْمُحدث بزبيد وَقد مضى ذكره وَكَانَ من شُيُوخ الْمَنْصُور فِي الحَدِيث قَالَ اخبرني من لَفظه الْمَنْصُور انه حَنَفِيّ الْمَذْهَب فَرَأى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ يَا عمر صر الى مَذْهَب الشَّافِعِي أَو كَمَا قَالَ فاصبح ينظر فِي كتب الشَّافِعِي ويعتمد مذْهبه وَكَانَ من امرائه ابنى اخيه مُحَمَّد بن حسن الملقب أَسد الدّين وفخر الدّين أَبُو بكر فَحِينَئِذٍ اسد الدّين على اقطاع صنعاء وَتكلم فِي حَقه الى عَمه حَتَّى هم بعزله عَن صنعاء وَجعل اقطاعه لَاحَدَّ اولاده من بنت جوزة واسد الدّين اذ ذَاك مَعَ عَمه بِالْيمن فحين سمع ذَلِك خرج وطلع الْبِلَاد الْعليا فَأمر الْمَنْصُور من حفظ عَلَيْهِ نقِيل صيد وَكَانَ يصحب رجلا من بني نَاجِي اسْمه الْورْد بن نَاجِي فَخرج بِهِ طَرِيق القفر وَجَاء بِهِ من وصاب الى ذمار ثمَّ دخل صنعاء وَكَاتب الامام احْمَد بن الْحُسَيْن حَتَّى قَامَ وَلم يكن قَامَ قبل ذَلِك
وَكَانَ ملكا داهية شجاعا مقداما وَله مَعْرُوف الى الْفُقَهَاء وَالشعرَاء وَغَيرهم وَصَحب فِي الْجبَال مُحَمَّد بن مَضْمُون الْفَقِيه مقدم الذّكر وَفِي تهَامَة مُحَمَّد بن ابراهيم الفشلي وَبنى البَجلِيّ فِي عواجة وخلقا كثيرا فِي اهل الْجبَال والتهائم من
стр. 938
اخيار فُقَهَاء وَعباد وبشره بَنو البَجلِيّ بِالْملكِ وصحبهم صُحْبَة جَيِّدَة وقصته مَعَ جفريل فِي مَكَّة وطرده يدل على عزمه وَهُوَ مَشْهُور لَا يحْتَاج الى ذكر فَإِن جفريل هرب من مَكَّة من غير قتال بل بمكيدة عَملهَا وهرب الى الْمَنْصُور جمَاعَة من الْأُمَرَاء الَّذين مَعَ جفريل ثمَّ دخل الْمَنْصُور مَكَّة وَكَانَ على قرب مِنْهَا عسكرا وَترك مَمْلُوكه السِّلَاح نَائِبه فَقَامَ بضبط الْحجاز قيَاما مرضيا بِحَيْثُ ابتنى بَين المدينتين حصونا ورتب فِيهَا الرتب وَبنى المصانع حَتَّى أثار ذَلِك بَاقِيَة الى عصرنا وَمن الاثار المبقية للذّكر كثير مِنْهَا ابتناؤه بمغربة تعز مدرستين هما الوزيرية والغرابية فالوزيرية سميت بمدرسها قد تقدم ذكره من أهل الوزيرة والغرابية بمؤذن كَانَ يُقَال لَهُ عزاب وَكَانَ من الصَّالِحين وبزبيد ثَلَاث مدارس للشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَبهَا مدرسة أُخْرَى للْحَدِيث ايضا ثمَّ إنهابتنى من أول قَرْيَة فِي التهائم مَسْجِدا فِي كل قَرْيَة ووقف على غالبها وَقفا جيدا وَكَانَت النويري اذ ذَاك مفازة عَظِيمَة يهْلك النَّاس بهَا فابتنى مَسْجِدا فِيهَا وَجعل فِيهِ اماما ومؤذنا وَاشْترط لمن سكن مَعَهُمَا مُسَامَحَة فِيمَا يزرعه فَصَارَت قَرْيَة جَيِّدَة ينْتَفع النَّاس بهَا ثمَّ ابتنى فِي المنسكية الْمَسْجِد ووقف عَلَيْهِ وَقفا نَافِعًا وَشرط فِيهِ أَن يكون فِيهِ مدرس ودرسة وَقد ذكرت حِين ذكرت ابْن الاحمر فِي أهل شجينة وَله الْمدرسَة المنسوبة اليه فِي الْجند وَله الْمدرسَة المنسوبة اليه ايضا فِي مَكَّة بِحَيْثُ يغبطه عَلَيْهَا سَائِر مُلُوك الارض وَله مدرسة ايضا بعدن فَعدَّة مَا بنى من الْمدَارِس ثَمَان مدارس
وَأما الْمَسَاجِد فَلَا تكَاد تحصى وأفعاله فِي ذَلِك كثير وَلم يكن لَاحَدَّ من الْمُلُوك مثله عَسْكَر ومماليك قيل كَانَت حلقته نَحْو ألف فَارس ومماليكه التّرْك الْمُشْتَرى من
стр. 939
الخزانة كَذَلِك وَلم يزل مَالِكًا لليمن لجميعه وَإِنَّمَا نقم عَلَيْهِ من الظُّلم وَقيل بل الَّذِي احدثه على النَّاس وَسَماهُ المعونة على كل بلد وَهُوَ مَال مَعْلُوم غير الْخراج حَتَّى قتل بشوال وَقيل فِي الْقعدَة لَيْلَة السبت سَابِع الشَّهْر من سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ بني نَاجِي أهل المخادر بَيت رياسة مُتَقَدّمَة وهم بطن من التباعيين الَّذين تقدم ذكرهم وَكَانُوا يسكنون قَرْيَة المخادر الَّتِي تقدم ذكرهَا وَلَهُم فِيهَا اثار جَيِّدَة مدارس ومساجد تشهر ولبعضهم مدرسة بِموضع يعرف بالمحفد وَهِي على قرب من الْقرْيَة الْمَشْهُورَة بالمخادر وعَلى الْجُمْلَة مكارمهم كَثِيرَة وصدقاتهم جزيلة وهم أَكثر عرب الْجبَال مُنْذُ ظَهَرُوا حَتَّى انقرضوا مَعْرُوفا
وَكَانَ القاتلون للمنصور جمَاعَة من مماليكه وَلما قَتَلُوهُ خَرجُوا عَن الْجند وقصدوا زبيد وحاصروها وَبهَا يَوْمئِذٍ وَلَده المظفر وكريمته الدَّار الشمسي والطواشي بدر الملقب بالصغير مَحْبُوسًا اذ كَانَ يحب المظفر حَبسته بنت جوزة فاخرجته وَالِدَة المظفر واعطته مَالا واخرج من مَاله وبذله وشمر لِلْقِتَالِ حَتَّى صد المماليك وفخر الدّين الى ان جَاءَ المظفر وواليها مَمْلُوك اسْمه قايماز وناظرها غَرِيب يعرف بالشرف فبذلت والدته وكريمته والطواشي مقدم الذّكر الْأَمْوَال لمن يطلع الدروب ويحارب وَكَانَ التَّرْتِيب فِي التاليب للطواشي بدر على كره من الْوَالِي والناظر وَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى قدم المظفر من اقطاعه المهجم باشارة ابي الْغَيْث فَملك بزبيد وَكَانَ اخوته ووالدتهم بحصن تعز يستعدون بجهاز السِّت غَازِيَة ابْنة الْمَنْصُور عروسا على شرِيف من اهل مَكَّة فانتقلت بهم الى الدملوة وَلم
стр. 940
يزل المظفر يستفتح الْبِلَاد حَتَّى اسْتَقل بِولَايَة الْيمن اجْمَعْ بعد حروب جرت لَهُ وَكَانَ الْمُدبر اذ ذَاك الشَّيْخ عَليّ ابْن ابي بكر السوادي كَانَ يلقبه المظفر بالشيخ مخلص الدّين الْخَولَانِيّ وَكَانَ من اكفا الرِّجَال واعيانهم وَبعد قرب ابْن عَمه وَمن مَعَه من المماليك نَحْو جبل الْمِيزَاب يُرِيد اللحاق باخيه ففكر غَالب المماليك الَّذين لَا ذنُوب لَهُم فِي قتل الْمَنْصُور وهم الاكثر انه لَا ذَنْب لَهُم يُوجب الْهَزِيمَة فكاتبوا المظفر فِي ذمَّة فاذم بِشَرْط لزم فَخر الدّين وَجَمَاعَة القتلة فَفَعَلُوا ذَلِك ووصلوا بهم مقيدين فرسم على فَخر الدّين وَسيف الدّين المبارز بن برطاس
وَكَانَ مِيلَاد المظفر سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة وَقيل سنة عشْرين وَلما قبض بزبيد سَار الى عدن سَاحل سَاحل وَقَبضهَا ثمَّ صعد الْجَبَل فَأول بلد دخله من الْجبَال جبا الْبَلَد الْمَشْهُورَة الْمُقدم ذكرهَا فَلَقِيَهُ القَاضِي مُحَمَّد بن اِسْعَدْ الملقب بالبهاء مقدم الذّكر اليها واختطب لَهُ فَهِيَ اول بلد خطب لَهُ بهَا فِي الْجبَال ثمَّ قدم الى تعز وحاصر الْحصن من دَار السعيدة بالحبيل بَين الْحصن وقرية عسق ثمَّ كتب الى الشَّيْخ علوان الجحدري مقدم الذّكر ان يَأْتِيهِ وينصره فحين وَصله الْعلم جمع جَيْشًا جرارا من مذْحج وَوَصله ووالي الْحصن اذ ذَاك سنجر الشّعبِيّ فَحصل الصُّلْح بَينه وَبَين خَالَته خداعا وَأمر لوَلَده الاشرف وأخيه ووالدتهم الى الدملوة يبقون مَعهَا رهائن وَحلف لَهَا وسألها ان تسلم لَهُ حصن تعز فَكتبت لَهُ الى الشّعبِيّ ان يسلم الْحصن الى المظفر وَقيل انه كَانَ نظر الْحصن بَين الشّعبِيّ وخادم استاذ يُقَال لَهُ عنبر ويلقب بَابي الْمسك كَانَ من اعيان الاستاذين كتب السُّلْطَان الى الشّعبِيّ يقبض الْخَادِم على لِسَان خَالَته وَكتب الى الْخَادِم
стр. 941
يلْزم الشّعبِيّ وهم كل مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ ثمَّ اتفقَا وَعرف أَنه يُرِيد خدعهما فكاتبا المظفر وتوثقا مِنْهُ فَأَما الشّعبِيّ فَلم يزل مقطعا لصنعاء وَأما الْخَادِم فَجعله زماما لابنَة اسد الدّين وَكَانَ كَرِيمًا فِيهِ الْخَيْر حَتَّى انه لما مَاتَ لم يُوجد لَهُ غير سِتِّينَ دِينَارا فضَّة توفّي لبضع وَسبعين وسِتمِائَة ومكارمه كَثِيرَة وَلم يسلم الشّعبِيّ حَتَّى وَصله خطّ ابْنة جوزه وَلذَلِك قدر المظفر الشّعبِيّ حَيْثُ لم يفرط بالحصن وَلَا ساعده فِي أَمر من الْأُمُور ثمَّ كَانَ مُدَّة حِصَار الْحصن سِتَّة أشهر وَقيل دون ذَلِك وأباح السُّلْطَان لعلوان نهب الْجند فَكَانَ مِنْهُ مَا قدمنَا ذكره واعاصه بِنَهْب المغربة وَاسْتمرّ ملكه فِي سنة سبع واربعين قدم عماه من مصر بدر الدّين وفخر الدّين فحين بلغه ذَلِك والتهائم قد صَارَت بِيَدِهِ كتب الى نوابه فِيهَا يَأْمُرهُم باكرامهم وَالْقِيَام بهم اتم قيام وَكتب الى عمته الْمَعْرُوفَة بالنجمية مُقَدّمَة الذّكر وَهِي بالتعكر يَقُول لَهَا ان رَأَيْت ان تنزلي تلقي اخويك فافعلي فَفَرِحت بذلك لانها كَانَت بَين اهلها خَاصَّة وَالنَّاس عَامَّة وَكَانَ مُحَمَّد ابْن خضر قد صَار من حلف السُّلْطَان فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّد انْزِلْ مَعَ جدتك والق جديك فَنزل مَعَ الدَّار النجمي وجهزهما السُّلْطَان اتم جهاز ثمَّ نزل السُّلْطَان بعدهمْ فوافاهم فِي حيس وَقبض عَلَيْهِم فقيد عميه وَابْن خضر لانه كَانَ قد أسأوا وَخَالف خلافًا ظَاهرا ثمَّ عَاد من ذَلِك وَأمه وَابْنه بدر الدّين الْمَعْرُوفَة بزهرا وَكَانَت من أَعْيَان الخواتين عازمة حازمة قَائِمَة بِمَا يلْزمهَا اتم قيام وَهِي الَّتِي ابتنت الْمدرسَة المنسوبة الى بني خضر بقرية الجبابي وَبهَا قبرها وقبورهم وَعرفت عمته انه لَا بُد لَهَا من تَسْلِيم التعكر اذ كَانَ بِيَدِهَا فسلمته وَلما قيدوا سروا بهم فوصولوا لَا تعز فحين دخلُوا بهم بَاب الْحصن قَالَ بدر الدّين قبحك الله قلعة خرجنَا مِنْك مقيدين وعدناك مقيدين ثمَّ تمثل بقول الاول ... اقول كَمَا يَقُول حمَار سو ... وَقد ساموه حملا لَا يُطيق ...
стр. 942
.. ساصبر والامور الى اتساع ... كَمَا ان الامور لَهَا مضيق
فَأَما ان اموت اَوْ المكارى ... وَإِمَّا تَنْقَضِي عني الطَّرِيق ... فادخلوا الى الْجنب ولد فَخر الدّين وَهُوَ أول من حبس مِنْهُم كَمَا قدمنَا ذكره
وَكَانَ اول من اطاع السُّلْطَان وَنَصره من اعيان الْعَسْكَر بَنو فَيْرُوز أهل أَب وَلذَلِك احسن اليهم وَلِأَنَّهُم حملُوا الْمَنْصُور من مَدِينَة الْجند الى ذِي هزيم وتولوا قبرانه مَعَ الاتابك سنقر فِي مدرسته فَلم يزَالُوا على اعزاز مَعَه باقطاعات وطبلخانات الى أَن توفّي مجللين وَلما عجز أهل الطبلخانة عَن الْقيام بواجبها ابقاهم على اقطاع بُيُوتهم حَتَّى توفوا وهم أهل فراسة وشجاعة وَلَهُم بَاب مدارس وذراريهم فيهم الاخيار والشجاعة والفراسة وَرُبمَا كَانَ فيهم من يذكر بِالدّينِ ثمَّ كَانَ مِنْهُم شمس الدّين ابو بكر يذكر مَعَ الشجَاعَة بِالْكَرمِ وَله أَوْلَاد جمَاعَة خَيرهمْ حسن وَكَانَ جيدا متعبدا كثير التِّلَاوَة لكتاب الله يصحب الْفُقَهَاء وَالصَّالِحِينَ وابتنى بَاب مدرسة هِيَ أحسن مدارسها ثمَّ اولاده اربعة الْغَالِب عَلَيْهِم الدّين وَالْخَيْر وسلوك طَرِيقه واولاده مُحَمَّد يلقب الاسد ثمَّ ايوب ثمَّ دَاوُد ثمَّ عمر والاسد وَعمر هما اللَّذَان كَانَا رَأس مقطعي الْجند من قبل الظَّاهِر وَأما دَاوُد فيذكر بِالدّينِ والمشار لَهُ بِالْعلمِ وايتنى عِنْد بَيته مدرسة جعل فِيهَا يتامى ومعلما لَهُم يجْرِي عَلَيْهِم رزقا وايوب يذكر بِالدّينِ وَالْخَيْر
ثمَّ كَانَ عَليّ بن يحي يلائم المظفر ويلاحظه فابقاه على اقطاعه الَّذِي كَانَ لَهُ من ابيه مَعَ تحَققه انه يمِيل الى اسد الدّين ابْن عَمه فَلم يزل يجاريه ويحارب الامام الْمهْدي احْمَد بن الْحُسَيْن حَتَّى قتل قَتله بَنو حَمْزَة بشوابة بمساعدة المظفر واشارته غَالِبا وَكَانَ الْقَائِم لَهُ شمس الدّين احْمَد بن عبد الله بن حَمْزَة فِي عَسْكَر جرار
قَالَ شمس الدّين يَوْم لِقَائِه لاحمد بن الْحُسَيْن وَقد انهزم اصحابه تولى
стр. 943
هَارِبا وَهُوَ متمثل بِهِ لَيْسَ من قَتله وَكَانَ الْقَاتِل لَهُ رجل من أهل ضهر راجل وَلم يُبَاشر شمس الدّين لَهُ طعنة وَلَا ضَرْبَة وَلكنه صَاحب الْعَسْكَر وقائده فنسب ذَلِك اليه وقبر بشوابه ثَلَاث سِنِين ثمَّ نقل الى ذِي بَين فَهُوَ هُنَالك الى عصرنا يزار وَمَوْضِع قَبره بشوابه اخبر الثِّقَة انه يُوجد عِنْده رَائِحَة الْمسك وَكَانَ قَتله سنة سِتّ وخسمين وستماية فِي الْيَوْم الَّذِي قتل بِهِ المستعصم فِي بَغْدَاد وَكَانَ قد كتب الى المظفر يحثه على أَحْمد بن الْحُسَيْن حِين بلغه ظُهُوره واقبال النَّاس عَلَيْهِ ووعده على ذَلِك اقطاع مصر
وَكَانَ احْمَد بن الْحُسَيْن امثل ائمة الزيدية الْمُتَأَخِّرين علما وَعَملا وكرما وَلابْن هتيمل بِهِ مدائح كَثِيرَة وَلم يزل اسد الدّين منافرا لِابْنِ عَمه وَهُوَ مُحَمَّد ابْن بدر حسن بن عَليّ بن رَسُول حَتَّى كَانَ سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة طلع عَليّ بن يحي وَالشَّيْخ عبد الله بن الْعَبَّاس مقدمي الذّكر اليه الى صنعاء فَمَا زَالا بِهِ حَتَّى اصلحا بَينه وَبَين السُّلْطَان حَتَّى انزلاه مَدِينَة زبيد والمظفر يَوْمئِذٍ بهَا فَأمر بتقييده وَيحمل للفور والسرعة فَخرج بِهِ من بزبيد وعَلى بن يحي مَعَه مُقَيّد كَمَا قدمنَا ذَلِك مَعَ ذكره وَلما دخل اسد الدّين على ابيه واخيه وَعَمه وَابْن اخيه بدر الدّين جعلُوا يعاتبونه ويخاصمونه فَقَالَ اسْكُتُوا لَا نَكُون كَاهِل جَهَنَّم نتخاصم فِيهَا
стр. 944
وَهَذَا أَسد الدّين كَانَ شجاعا مقداما وَهُوَ الَّذِي نسب اليه يَوْم شعوب يَوْم التقى فِيهِ مَعَ عز الدّين بن الامام فَقتل من أَصْحَابه جمعا كثيرا وابادهم ثمَّ لم يزَالُوا فِي الْحَبْس حَتَّى توفوا بِهِ غير ابْن خضر فاما بدر الدّين فَتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وستماية وَهُوَ الَّذِي بنى الْمَسْجِد بعكار عِنْد تربة ابيه عَليّ بن رَسُول ووقف عَلَيْهِ وَقفا جيدا لدرسة ومدرس وامام ومؤذن وضيف ان وصل وَقد درست بِهِ أشهرا وَقد مضى اسد الدّين وَعلي بن يحيى وَأما اسد الدّين فَوقف فِي الْحَبْس مُدَّة مديدة ثمَّ تَابَ وَحسنت سيرته فنسخ كتبا ومصاحف ومقدمات ووقف مِنْهَا بِذِي عقيب وَمِنْهَا فِي مدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا
وَمن الاثار الَّذِي احدثها اسد الدّين بقرية الجبابي حَيْثُ كَانَ مَسْكَنه وفيهَا تربته وتربة غَالب ذُريَّته ومدرسة بِمَدِينَة أَب وَبني سدا بقرية قرفة ووقف على الْجَمِيع وَقفا تقوم بِمَا يَلِيق من حَاله وَكَانَ من اخير بني ابيه فِي الدّين والشجاعة وَالْكَرم وعلو الهمة وَكَانَ يَسْتَدْعِي الْفَقِيه احْمَد السرددي وَغَيره من الْفُقَهَاء الى السجْن وَيسمع عَلَيْهِم هُوَ وَعلي بن يحي وَابْن خضر كتب الحَدِيث وَكَانَ لَهُ احسان اليهم وَكَانَت وَفَاته على الطَّرِيقَة المرضي فِي السجْن يَوْم الاربعاء ثَالِث عشر الْحجَّة سنة سبع وَسبعين وسِتمِائَة وَكَانَ من اخير بني رَسُول وَذريته كَذَلِك وهم اقْربْ بني رَسُول الى فعل الْمَعْرُوف ثمَّ الى الدّين وَلَقَد رَأَيْت ذَلِك حَتَّى فِي مواليهم وَخلف عدَّة أَوْلَاد كَانَ مِنْهُم أَبُو بكر يتعانى الْعلم والادب وَكَانَ فَاضلا يَقُول الشّعْر وَله فِي النَّحْو يَد جَيِّدَة وَاجْتمعت ذُرِّيَّة بني رَسُول بقرية الجبابي كَانَ فيهم من قد يَسْطُو على النَّاس بادلال قرَابَة السلطنة وشق ذَلِك بِالنَّاسِ وبالمتصرفين وتعبوا مِنْهُم وَكَانَ مُلْتَزم المخلاف يَوْمئِذٍ مَنْصُور ابْن حسن مقدم
стр. 945
الذّكر فَكتب الى السُّلْطَان يُعلمهُ الْحَال فَعَاد جَوَابه يَا مَنْصُور انْفَكَّ مِنْك وان خشمت وتمثل بقول الاول ... وَإِن كنت اكالا لُحُوم بني ابي ... فلست بمهديها الى كل جازر ... وَللَّه در المظفر مَا كَانَ احسن بره باهله
وَأما وَفَاة عَليّ بن يحي فقد تقدم ذكرهَا حِين ذكرته مَعَ الْفَقِيه ابْن فضل وَأما ابْن خضر فَإِنَّهُ اطلق من الْحَبْس بعد وَفَاة ابْن يحي واقام فِي مَسْكَنه المنظر غربي الجبابي وَكَانَ خيرا فَاضلا باخبار النَّاس ذَاكِرًا للتاريخ كثير مطالعة الْكتب وَلم يزل المظفر وَمن جَاءَ بعده يجْرِي عَلَيْهِ مَا يقوم بِحَالهِ حَتَّى توفّي بتاريخ منتصف شعْبَان سنة سبع وَسَبْعمائة وَسَيَأْتِي من ذَلِك مَا لَاق بَيَانه انشاء الله تَعَالَى فِي أَعْيَان الدولة
وَكَانَ المظفر من أخيار الْمُلُوك قطع المعونة الَّتِي كَانَ احدثها ابوه بِالْيمن وَهُوَ مَال مستكثر يوخذ فِي كل سنة لَا سَبَب لَهُ وَحج فِي سنة سبع وَخمسين وستماية وفيهَا تحالف هُوَ والوزير القَاضِي البها بِمَكَّة فِي الْمقَام وَلما عَادوا اوقع ببني سَلمَة أهل خدير فَقَتلهُمْ قتلا ذريعا وَكَانُوا أهل مَكَارِم ورياسة متأثلة لَكِن كَانُوا قد اعجبوا وبطروا واشاعوا ان السُّلْطَان المظفر قد قتل حِين صَار بزبيد ونهبوا سوق السبت وقافلة وصلت من عدن فاشتكى النَّاس فطلع النَّاس من زبيد وَخرج لَهُم من الْجند عَسْكَر فَكتب الى عبد الْوَهَّاب يُغير مَعَهم فَفعل واسروا وَقتلُوا فالاسراء وصل بهم الْجند كحل مِنْهُم ثَمَانِيَة وَمن ذَلِك الْوَقْت الى عصرنا لم يكادوا بِخَير وَسقط بِلَادهمْ من الْعَرَب وَغَيرهم من قَرْيَة من بِلَاد شهَاب
стр. 946
وَكَانَ قد ظهر بعد احْمَد بن الْحُسَيْن الامام حسن بن وهاس وَكَانَ قَلِيل الظفر وَرُبمَا كسر عسكره واسر ثمَّ ظهر بعده السَّيِّد السراجي الْمُقدم فِي أهل صنعاء وَقد ذكرته فِي عُلَمَاء صنعاء ثمَّ ظهر بعده الامام ابراهيم بن تَاج الدّين فحارب المظفر مرَارًا وظفر بِهِ فِي سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة فانزله الْيمن اسيرا وأودعه حصن تعز حَتَّى توفّي
وَمن عَجِيب مَا جرى انه كَانَ فِي مَوضِع يعرف بِبَيْت حنبص قَرْيَة من بلد بني شهَاب اخرجه السُّلْطَان مِنْهَا قهرا وَقَبضه فَقَالَ غَازِي بن المعمار
... وَلما فتحنا بَيت حنبص عنْوَة ... وجدنَا بهَا الأدواح مَلأ من الْخمر
فَإِن تكن الاشراف تشرب خُفْيَة ... وَتظهر للنَّاس التنسك فِي الْجَهْر
وَتَأْخُذ من خلع العذار نصِيبهَا ... فَإِنِّي امير الْمُؤمنِينَ وَلَا ادري ... وَأقَام المظفر الى سنة ٦٧٦ فَجهز عسكرا الى الشحر واخذه من بني شجيعة وَقد مضى ذكر ذَلِك ثمَّ جهز بعد ذَلِك الى ظفار عَسَاكِر يطول ذكرهَا برا وبحرا فَقتل صَاحبهَا واسر بَقِيَّة قومه واوصلهم زبيد وهم على ذَلِك الى عصرنا تَحت شَفَقَة الْمُلُوك انْقَطَعت عَنْهُم فِي اثناء دولة الْملك الْمُجَاهِد
وللمظفر ﵀ من الاثار المبقية للذّكر مِنْهَا الْمدرسَة فِي المغربة عَلَيْهَا وقف جامل لمدرس ودرسة وَمَا يَلِيق بِحَالِهَا ثمَّ جَامع المهجم الَّذِي ذكرت ان الْفَقِيه جمال الدّين كَانَ مدرسا بِهِ ثمَّ جَامع وَاسِط المحالب بِهِ درسة ومدرس وَله
стр. 947
مَسْجِد باعلا المغربة يعرف بِالْمَسْجِدِ الْجَدِيد وَله بظفار مدرسة ايضا بناها بعد ان فتحهَا وَله دَار مضيف بِذِي عدينة ثمَّ اخرى بحيس وَله الْجَامِع بِذِي عدينة اذ كَانَ النَّاس يصلونَ الْجُمُعَة بِالْمَسْجِدِ الَّذِي يعرف بِمَسْجِد الرشيدية بِالْقربِ مِنْهَا وبنيت بايامه مدارس كَثِيرَة لاهله ولغيرهم
وَكَانَت دولته اقْربْ الى الرافة وَالْعدْل وَكَانَ يحترم الْعلمَاء والصلحاء ويعتقدهم وَلَقَد اخبرني الثِّقَة أَنه لما اقْطَعْ ابا بكر بن فَيْرُوز بلد صبهان وَحضر الْمقَام فَقَالَ يَا با بكر لنا مِنْك فِي هَذَا المقم ارْبَعْ خِصَال نحذرك ان تتعداها الْعدْل بالرعية ثمَّ ذُرِّيَّة الشَّيْخ يحي بن ابي الْخَيْر وَابْن عَمه عُثْمَان ابْن حُسَيْن ثمَّ قرَابَة الْفَقِيه عَليّ بن سَالم العميدي تحترمهم احتراما كليا فَقَالَ سمعا وَطَاعَة وَهَذِه الْوَصِيَّة يدل على خَيره وتوفيقه
وَبِالْجُمْلَةِ فاوصاف المظفر تطول وذكراته كَانَ لَهُ فِي مصر خَمْسمِائَة فَارس تُجَاهِد فِي سَبِيل الله وَيحمل جوامكها من الْيمن مَعَ مَا كَانَ يحملهُ جنس الْهَدِيَّة الى مُلُوك مصر وَكَانَ فَقِيها نحويا لغويا يكرم الْفُضَلَاء وَكَانَ شهير الذّكر
وَمن عَجِيب ذَلِك أَنه لما بلغه ان ملك الصين حرم على الْمُسلمين فِي بَلَده الاختتان فتعبوا من ذَلِك وضاقوا كتب اليه شَفَاعَة يسْأَله الاذن لَهُم وارسل بهدية توَافق غَرَضه فَقبل شَفَاعَته وَكَانَ من توفيقه تورعه عَن اموال الْوَقْف اذ لَا يعلم انه بحث عَن شَيْء مِنْهَا وَلَا استدعاه بل علقه برقاب الْحُكَّام حَتَّى توفى وَرُبمَا رَجَعَ على الْقُضَاة بِسَبَبِهِ وَيحسن لَهُ مناقشتهم فَلم يقبل ذَلِك وَكَذَلِكَ من تقدمه من الْمُلُوك ثمَّ وَلَده الاشرف مَعَ قصر مدَّته فَلم يحدث شيأ وَفِي سنة تسعين أقطع ابْنه الواثق ظفار وَكَانَ مولده سنة ٦٥٩ فَتقدم
стр. 948
اليها فِي رَمَضَان فَلبث بهَا حَتَّى توفّي بهَا بتاريخ الْعَاشِر من محرم سنة ٧١١ وَهُوَ خير أَوْلَاد المظفر طَرِيقا لم يذكر عَنْهُم صبوة وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي الْعلم فقها ونحوا ولغة وَكَانَ يَقُول الشّعْر مِنْهُ مَا كتبه الى ابيه من جملَة قصيدة ... وَمَا انت الا دوحة انا غصنها ... واحسن مَا فِي الدوح عصن مثمر ... وَفِي سنة ٦٩٤ وَفِي شهر صفر طلع الاشرف حصن تعز بعد اسْتِخْلَاف ابيه لَهُ فِي ثامن عشر من الشَّهْر وَفِي ثَالِث عشر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث جماديالاولى قلد وَلَده الاشرف الْملك ودعا لَهُ على المنارة وَحلف لَهُ الْعَسْكَر وَجعل حسان اخ القَاضِي البها لَهُ وزيرا وَنشر لَهُ فِي الْبِلَاد ودعا لَهُ على المنابر وعقب ذَلِك تقدم المويد الشحر وَيَأْتِي بَيَان ذَلِك
وَكَانَت وَفَاة المظفر ببستان ثعبات يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث اَوْ ثَانِي عشر رَمَضَان وَدفن يَوْم الاربعاء نقل من الْبُسْتَان الى مدرسته بالمغربة وقبر بهَا وَلم يزل الاشرف مستمرا على الْملك وَقدم فِي الْحجَّة أَخُوهُ الْمُؤَيد من الشحر فَجهز لَهُ عسكرا من الْيمن والبلاد العلياء أَشْرَاف وَغَيرهم فيهم عَليّ بن عبد الله الشريف وَغَيره فَلَزِمَ بقرية الدعيس من ارْض لحج يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر شهر الْمحرم واخرج من سجن الدملوة قَاسم بن حَمْزَة الشريف وَذَلِكَ فِي الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَلم يزل مكرما من اعيان الاشراف حَتَّى توفّي بتعز بعد ان كَانَ المويد استولى على لحج وعدن وابين وَوصل بِهِ صبح الاحد تَاسِع عشر الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة وَبِذَلِك الْيَوْم وصلت عمته الدَّار الشمسي الى المغربة فحطت على تربة اخيها المظفر مُدَّة أَيَّام ثمَّ توجعت فانتقلت الى دَار المويد بالميهال فَتُوُفِّيَتْ بِهِ وَذَلِكَ مستهل رَجَب تَقْرِيبًا سنة خمس وَتِسْعين وستماية فَلبث بدار الامارة سنة وأياما
стр. 949
حَتَّى توفّي الاشرف بتاريخ لَيْلَة الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من الْمحرم سنة سِتّ وَتِسْعين وستماية فَاخْرُج الخواتين المويد من دَار الادب بليلته وصبيح النوابة كَمَا سَيَأْتِي انشاء الله
وَكَانَ الاشرف خيرا برا بابيه مُطيعًا لَهُ بنى مدرسة على حَيَاة ابيه باسم والدته فِي مغربة تعز وَكَانَ النّخل بزبيد قد تلف أَهله من الْجور فَأمر من افتقده فازال مِنْهُ مظْلمَة عَظِيمَة فِيهِ فتراجع اهله وَهِي من احسن المناقب المعدودة مِنْهُ وَحصل فِي سنته جَراد عَظِيم فَلَمَّا اشْتَكَى الرّعية اليه امْر بمسامحتهم فتوقف عَلَيْهِم وزيره حسان وعارضهم فَشَكَاهُ النَّاس فَخرج اليه جَوَاب ايا فلَان انقصر عَنْهُم وَلَا تفرقهم يصعب علينا جمعهم ثمَّ لما انْتقل الْوَزير ايام المويد وَسكن سهفنة وبخه النَّاس وَقَالُوا انت فعلت مَعنا فبئس ذري الْقَبِيح ذريا
وَمن خصاله الحميدة أَنه اخلص الدِّرْهَم عَن الْغِشّ اخلاصا جيدا وَمن التَّارِيخ اسْتمرّ الْمُؤَيد فِي الْملك ميلاده لَيْلَة السبت ثَانِي وَعشْرين صفر سنة ٦٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وستماية بِمَدِينَة الْجند وَكَانَ اذ ذَاك فِي الْحصن من الخواتين ثَلَاث اختاه وخالته ابْنة الشَّمْس فاما الاخوات فجهة الدملوة وجهة الاسدية الْحرَّة مَاء السَّمَاء وخالته ابْنة الشَّمْس الْعَفِيف وَمن سَاعَة قَامَ اطاعته الْعباد والبلاد وَلم يتمنع عَلَيْهِ الأحصن الدملوة فانه بيد خَادِم الْأَشْرَف وَيعرف بفاخر فامر المويد بحصاره فحوصر وَبَاعَ والى المنصورة ونفسها المنصورة فَدخلت وَلم يسلم الْخَادِم الْحصن حَتَّى اشْترطَا يخرج اولاد سَيّده وَمَا كنزه سَيّده فِيهَا فاجابه المويد الى ذَلِك وَكَانَ الْوَالِي يَوْمئِذٍ التريكي فَلم يكد يفلح بعد ذَلِك وَلَا النَّقِيب ايضا وَقبض الْمُؤَيد الدملوة ووفا للخادم بِمَا شَرطه فاراد ان يَشْتَرِيهِ فاعتقه سَيّده وَهُوَ أَبُو بكر بن الاشرف الملقب بالعادل خشيَة الشرى لَهُ
ودانت الْبِلَاد للمويد طَوْعًا وقسرا وَاسْتمرّ ملكه وَقدم عَلَيْهِ جمع من
стр. 950
الغرباء بعض باستدعائه وَبَعض بِسَمَاع احسانه الى الغرباء فَاجْتمع بِبَابِهِ مِنْهُم جمع كَبِير غالبهم من بلد حماه وَلم يعرف لاحدهم مكرمَة انما قدم من مصر رجلَانِ غزى وَكَاتب هما امثل من سَمِعت النَّاس يذكرهما بِالْخَيرِ وينال من برهما وهما يُوسُف ابْن يَعْقُوب التركماني الَّاتِي ذكره وابراهيم الفتاحي مَا مِنْهُمَا إِلَّا من ذكر بجود مفقودهما باقيان على ذَلِك وَسَائِر من قدم الا قَلِيل رُبمَا انيه عَلَيْهِ عِنْد ذكره فَإِنَّهُ مِمَّن يفرح بمقره عَن مفره وَغلب عَلَيْهِ الْفَقِيه ابو بكر بن مُحَمَّد التعزى مقدم الذّكر ووزر لَهُ اخوه على واسقط ضَمَان الْخمر والتظاهر بِهِ وَجعل الْوَقْف مَعَ ارباب الدِّيوَان نَقله عَن الْحُكَّام وَهَذَا من اكبر مَا احدث فانها ادت الى خراب الْمَسَاجِد وَغَيرهَا اذ أكلهَا النواب وَالْكتاب وَصَارَت تضمن وَذَلِكَ كَانَ باشارة الْفَقِيه وَبَلغنِي انه اراد الرُّجُوع عَن ذَلِك فَلم يحس وَلم يزل على ذَلِك الى عصرنا سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة
ولطع الْبِلَاد العلياء ثَلَاث مَرَّات مرّة لحصني الْعَظِيمَة والميقاع ثمَّ سنة احدى وَسَبْعمائة لظفار فَأَشْرَف على أَخذه ثمَّ خودع حَتَّى ارْتَفع عَنهُ ثمَّ لما قتل طغر بك مَمْلُوكه سنة سبع وَسَبْعمائة طلع وَحصل بِصَنْعَاء وَكَانَ قتل طغر بك يَوْم وَفَاة الْفَقِيه بزبيد وَكَانَ طغر بك اُحْدُ الامراء الاخياربل انه كَانَ بِهِ جبروت وَكَانَ شجاعا مقداما اشفق عَلَيْهِ الْفَقِيه واخويه فَجعله اميرا بطبلخانة واقطعه فِي آخر عمره صنعاء فَقتله الأكراد ببلدهم ذمار وَلم يزل الْمُؤَيد ملكا حَتَّى توفّي مستهل الْحجَّة سنة احدى وَعشْرين وَسَبْعمائة وَذَلِكَ فِي بُسْتَان الشَّجَرَة قبلي حصن تعز فَاطلع لَيْلًا الى الْحصن فَلم يفتح لَهُ ابْنه بل أَمر بِتَرْكِهِ فِي خَارجه بدار تعرف بدار
следующие страницы →