← Тараджим

Тараджим · id 6669

مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة

ابن تغري بردي

Полный текст (483 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قلت: وَيزِيد هَذَا هُوَ أول من خرج بِالسِّلَاحِ فِي الْعِيد. وَلم تطل خِلَافَته. وَمَات فِي سَابِع ذِي الْحجَّة من سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة. فَكَانَت خِلَافَته سِتَّة أشهر نَاقِصَة. وَقيل: إِنَّه مَاتَ بعد عيد الْأَضْحَى. وَقَالَ الْهَيْثَم بن عدي: عَاشَ سِتا وَأَرْبَعين سنة. وَقَالَ الْمَدَائِنِي: عَاشَ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة. وَكَانَ أسمرا، نحيفا، حسن الْوَجْه. وَدفن بَين بَاب الْجَابِيَة وَالْبَاب الصَّغِير. وَيُقَال: إِنَّه مَاتَ بالطاعون. وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم الَّذِي اسْتخْلف بعده) .

стр. 107

(إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد) ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو إِسْحَاق، الْأمَوِي الْقرشِي الدِّمَشْقِي. لقب بالمعتز بِاللَّه. وَأمه أم ولد. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه يزِيد النَّاقِص؛ فَلم يتم أمره وَلَا أطاعه أحد. وَاخْتلف عَلَيْهِ الْجند. ثمَّ تغلب عَلَيْهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد الْحمار، وَوَقع بَينهمَا حروب آلت إِلَى نصْرَة مَرْوَان [الْحمار] وهزيمة إِبْرَاهِيم [بن الْوَلِيد] . وَتوجه إِبْرَاهِيم إِلَى الجزيرة؛ فَمَاتَ بهَا غريقا فِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة؛ فَكَانَت خِلَافَته شَهْرَيْن وَعشرَة أَيَّام. وَاسْتقر [مَرْوَان] بعده فِي الْخلَافَة.

стр. 108

(مَرْوَان بن مُحَمَّد) ابْن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس، أَبُو عبد الْملك، الْأمَوِي [الدِّمَشْقِي] الْقرشِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ. ولقبه: الْقَائِم بِحَق الله. أمه أم ولد كردية. بُويِعَ بالخلافة بعد ابْن عَمه إِبْرَاهِيم بِحكم خلعه. كَانَ مَرْوَان هَذَا يعرف [بِمَرْوَان الْحمار] وبالجعدي أَيْضا. ونسبته بالجعدي لمؤدبه جعد بن دِرْهَم، وبالحمار لشجاعته - يُقَال: فلَان أَصْبِر من حمَار فِي الحروب؛ وَلِهَذَا لقب [بالحمار] ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يفتر عَن محاربة الخارجين عَلَيْهِ -. وَكَانَ أَشْجَع بني أُميَّة، كَانَ يصل السرى بالسير، ويصبر على مكاره الحروب.

стр. 109

وَقيل: سمي بالحمار لِأَن الْعَرَب تسمى كل مائَة سنة حمارا؛ فَلَمَّا قَارب ملك بني أُميَّة مائَة سنة لقبوا مَرْوَان هَذَا بالحمار، وَأخذُوا ذَلِك من قَوْله تَعَالَى فِي موت حمَار الْعَزِيز: ﴿وَانْظُر إِلَى حِمَارك﴾ الْآيَة. [و] كَانَ مولد مَرْوَان هَذَا بالجزيرة وَأَبوهُ متوليها من قبل ابْن عَمه عبد الْملك بن مَرْوَان فِي سنة إثنتين وَسبعين [وَمِائَة] . وَقد ولي مَرْوَان الْمَذْكُور ولايات جليلة قبل أَن يَلِي الْخلَافَة، وافتتح فتوحات كَثِيرَة. وَكَانَ مَشْهُورا بالشجاعة والفروسية؛ فَلم ينْتج أمره مَعَ بني الْعَبَّاس، وَانْهَزَمَ من عبد الله بن عَليّ أقبح هزيمَة بعد خطوب وحروب تداولت بَينهم أشهرا، بل سِنِين لما ظهر أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي بدعوة بني الْعَبَّاس. وَقَالَ مَنْصُور بن أبي مُزَاحم: سَمِعت الْوَزير أَبَا عبد الله يَقُول: سَأَلَني الْمَنْصُور: مَا كَانَ أشياخك الشاميون يَقُولُونَ؟ . قلت: أدركتهم يَقُولُونَ: إِن الْخَلِيفَة إِذا اسْتخْلف غفر لَهُ مَا مضى من ذنُوبه. قَالَ: إِي وَالله، وَمَا تَأَخّر، أَتَدْرِي مَا الْخَلِيفَة؟ : بِهِ تُقَام الصَّلَاة، وَبِه يحجّ الْبَيْت، ويجاهد الْعَدو. قَالَ: فعدد الْمَنْصُور من مَنَاقِب الْخَلِيفَة مَا لم أسمع أحدا ذكر مثله، وَقَالَ: وَالله لَو عرفت من حق الْخلَافَة فِي دهر بني أُميَّة مَا أعرف الْيَوْم؛ لأتيت الرجل مِنْهُم حَتَّى أُبَايِعهُ.

стр. 110

أَقُول: مرني مَا شِئْت، فَقَالَ لَهُ ابْنه الْمهْدي: [أ] فَكَانَ الْوَلِيد مِنْهُم؟ ﴿فَقَالَ: قبح الله الْوَلِيد وَمن أقعده خَليفَة. قَالَ: أَفَكَانَ مَرْوَان بن مُحَمَّد مِنْهُم؟﴾ . فَقَالَ الْمَنْصُور: لله در مَرْوَان مَا كَانَ أحزمه وأسوسه، وأعفه بِمن ألفى. قَالَ: فَلم قَتَلْتُمُوهُ؟ ! . قَالَ: لِلْأَمْرِ الَّذِي سبق فِي علم الله [تَعَالَى] . وَقَالَ خَليفَة بن خياط: وَسَار مَرْوَان لِحَرْب بني الْعَبَّاس -[يَعْنِي] لما بلغه [ظُهُور دعوتهم]-؛ فَكَانَ فِي مائَة ألف [وَخمسين ألفا] ؛ فَسَار حَتَّى نزل الزابين - دون الْموصل - فَالتقى هُوَ وَعبد الله بن عَليّ العباسي - عَم الْمَنْصُور - فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَة؛ فانكسر مَرْوَان، وَقطع الجسور إِلَى الجزيرة [وَأخذ بيُوت الْأَمْوَال والكنوز؛ فَقدم الشَّام فاستولى عبد الله على الجزيرة] وَطلب الشَّام؛ وفر مِنْهُ [مَرْوَان] ، ونازل عبد الله دمشق. فَلَمَّا بلغ مَرْوَان أَخذ دمشق - وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِأَرْض فلسطين - دخل إِلَى مصر، وَعبر النّيل، وَطلب الصَّعِيد؛ فَوجه عبد الله [بن] عَليّ أَخَاهُ صَالح بن عَليّ فِي طلب مَرْوَان - وعَلى طلائعه عَمْرو بن إِسْمَاعِيل -؛ فساق عَمْرو فِي إِثْر [مَرْوَان] ؛ فَلحقه بقرية أَبُو صير، فبيته؛ فَقتله.

стр. 111

وَقَالَ أَبُو معشر السندي: قتل مَرْوَان وَهُوَ إِبْنِ إثنتين وَسِتِّينَ سنة. قلت: وَكَانَ قَتله فِي ذِي الْحجَّة من سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. ويروى أَن مَرْوَان مر فِي هربه على رَاهِب فَقَالَ: يَا رَاهِب ﴿هَل تبلغ الدُّنْيَا من الْإِنْسَان أَن تَجْعَلهُ مَمْلُوكا؟﴾ قَالَ: نعم ﴿قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: يُحِبهَا. قَالَ: فَمَا السَّبِيل إِلَى الْعتْق؟ . قَالَ: ببغضها والتخلي عَنْهَا. قَالَ: هَذَا مَا لَا يكون﴾ . قَالَ: بل سَيكون؛ فبادر بالهرب مِنْهَا قبل أَن تبادرك. قَالَ: هَل تعرفنِي؟ . قَالَ: نعم أَنْت مَرْوَان ملك الْعَرَب، تقتل فِي السودَان وتدفن بِلَا أكفان، وَلَوْلَا أَن الْمَوْت فِي طَلَبك لدللتك على مَوضِع هربك. وَقَالَ هِشَام بن عمار: حَدثنَا عبد الْمُؤمن بن مهلهل عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ لي مَرْوَان لما أَن عظم أَمر أَصْحَاب الرَّايَات السود: لَوْلَا وحشتي لَك وأنسي بك لأحببت أَن تكون وَدِيعَة فِيمَا بيني وَبَين هَؤُلَاءِ؛ فتأخذ لي وَلَك الْأمان. قلت: وَبَلغت هَذَا الْحَال؟ ! . قَالَ: أَي وَالله. قلت: فأدلك على أحسن مِمَّا أردْت. قَالَ: [قل] . قلت: إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد فِي يدك، تخرجه من الْحَبْس وتزوجه ببنتك وتشركه فِي أَمرك؛ فَإِن كَانَ الْأَمر كَمَا تَقول انتفعت بذلك عِنْده، وَإِن لم يكن كَذَلِك كنت قد وضعت بنتك فِي كفاة. قَالَ: أَشرت وَالله بِالرَّأْيِ، وَلَكِن وَالله السَّيْف أَهْون من هَذَا. إنتهى. قلت: وأخبار مَرْوَان طَوِيلَة، وَوَقَائعه كَثِيرَة من أَوَائِل أمره إِلَى آخِره.

стр. 112

وَهُوَ آخر خلفاء بني أُميَّة بِدِمَشْق وبلاد الشرق. وبموته انقرضت دولة بني أُميَّة إِلَى يَوْمنَا هَذَا، سوى عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل من بني أُميَّة الَّذِي قَامَ بالغرب، وتخلف هُوَ وَجَمَاعَة من ذُريَّته، ذكرنَا من أَمرهم نبذة فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) ؛ فَلْينْظر هُنَاكَ.

стр. 113

(ذكر دولة بني الْعَبَّاس) وأولهم السفاح: عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس، الْقرشِي [العباسي] . أمه رائطة الحارثية. ومولده بالحميمة من نَاحيَة البلقاء سنة ثَمَان وَمِائَة، وَنَشَأ بهَا. وبويع بِالْكُوفَةِ بعد موت أَبِيه مُحَمَّد. وَكَانَ أَبوهُ بُويِعَ بالخلافة وَلم يتم أمره. وَكَانَ السفاح هَذَا أَصْغَر من أَخِيه أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: روى عُثْمَان بن أبي شيبَة وقتيبة عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن عَطِيَّة - وَهُوَ ضَعِيف - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله -[ ﷺ ]- قَالَ: ((يخرج رجل من أهل بَيْتِي عِنْد انْقِطَاع من الزَّمَان وَظُهُور من الْفِتَن يُقَال لَهُ: السفاح؛ فَيكون إِعْطَاؤُهُ المَال حثيا)) .

стр. 114

وَرَوَاهُ العطاردي عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش. أخرجه [الإِمَام] أَحْمد فِي مُسْنده. وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا: كَانَ السفاح أَبيض، طوَالًا، أقنى، ذَا شَعْرَة جعدة، حسن اللِّحْيَة. قلت: [وَكَانَ أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي قد أَقَامَ لَهُم بالدعوة، ومهد] لَهُم الْبِلَاد وَقطع جاذرة بني أُميَّة حَتَّى [أَن السفاح كَانَ] قد أَمن من بني أُميَّة جمَاعَة تَقْدِير مائَة نفس؛ فَعظم ذَلِك على أبي مُسلم [الْخُرَاسَانِي] ؛ فَتكلم مَعَ سديف الشَّاعِر فِي أَمرهم ووعده؛ فَدخل سديف على السفاح وهم بَين يَدَيْهِ وَأنْشد: (لَا يغرنك مَا ترى من رجال ... إِن تَحت الضلوع دَاء دويا) (فضع السَّيْف وارفع الصَّوْت حَتَّى ... [لَا ترى] فَوق ظهرهَا أمويا) فَلَمَّا سمع السفاح ذَلِك تغير وَجهه وَصَاح بالخراسانية: وَيْلكُمْ، خذوهم؛ فضربوهم الخراسانية بالدبابيس إِلَى أَن سقطوا وَقد فارقوا الْحَيَاة، وفرشت النطوع عَلَيْهِم؛ ثمَّ مد السماط فَوْقهم، فَأَكَلُوا وهم يسمعُونَ أنينهم حَتَّى مَاتَ الْجَمِيع.

стр. 115

ثمَّ رفعوا السماط وسحبوهم بأرجلهم؛ فألقوهم فِي الطَّرِيق فأكلتهم الْكلاب؛ فَقَالَ للسفاح بعض أخصائه: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا هُوَ جهد الْبلَاء. قَالَ: لَا جهد الْبلَاء غنى قوم افْتقر وعزيز قوم ذل، وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ مَاتُوا كراما. وَقَالَ الصولي: حَدثنَا الْقَاسِم بن إِسْمَاعِيل، حَدثنَا أَحْمد بن سعيد بن سَالم الْبَاهِلِيّ عَن أَبِيه قَالَ: حَدثنِي من حضر مجْلِس السفاح - وَهُوَ أحشد مَا يكون ببني هَاشم والشيعة ووجوه النَّاس - فَدخل عبد الله بن حسن بن حسن بن عَليّ وَمَعَهُ مصحف؛ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطنا حَقنا الَّذِي جعله الله لنا فِي هَذَا الْمُصحف؛ فأشفق النَّاس من أَن يعجل السفاح [إِلَيْهِ] بشئ، فَلَا يُرِيدُونَ ذَلِك فِي شيخ بني هَاشم، أَو يَعْنِي بجوابه؛ فَيكون ذَلِك نقصا وعارا عَلَيْهِ؛ فَأقبل غير منزعج فَقَالَ: إِن جدك عليا كَانَ خيرا مني وَأَعْدل، ولي هَذَا الْأَمر فَأعْطى جديك الْحسن وَالْحُسَيْن - وَكَانَا خيرا مِنْك - شَيْئا، وَكَانَ الْوَاجِب أَن أُعْطِيك مثله؛ فَإِن كنت فعلت؛ فقد أنصفتك، وَإِن كنت زدتك، فَمَا هَذَا جزائي مِنْك. قَالَ: فَمَا رد عَلَيْهِ جَوَابا وَانْصَرف. وَعجب النَّاس من جَوَابه لَهُ. قَالَ الْهَيْثَم بن عدي وَهِشَام بن الْكَلْبِيّ، وَجَمَاعَة: عَاشَ السفاح ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ [سنة] ، وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وَزَاد غَيرهمَا؛ فَقَالَ: بالجدري فِي ذِي الْحجَّة. وَقَالَ خَليفَة: توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَهُوَ إِبْنِ ثَمَان وَعشْرين سنة.

стр. 116

قلت: الأول أشهر وَأَصَح. وَوَافَقَ على القَوْل الأول أَبُو أَحْمد الْحَاكِم وَزَاد: فِي ذِي الْحجَّة. إنتهى. وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين تخمينا. وَتَوَلَّى الْخلَافَة [من] بعده أَخُوهُ [الْمَنْصُور] .

стр. 117

(أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور) عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، أَمِير الْمُؤمنِينَ، الْهَاشِمِي، الْقرشِي، ثَانِي خلفاء بني الْعَبَّاس. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه عبد الله السفاح. أَتَتْهُ الْبيعَة بالخلافة [وَهُوَ] بِمَكَّة بِعَهْد السفاح؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حج فِي تِلْكَ السّنة. وَحج فِيهَا أَيْضا أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي، وَوَقع مِنْهُ أُمُور فِي حق الْمَنْصُور هَذَا؛ فنقمها عَلَيْهِ، وَقَتله لما تخلف. وَكَانَ [الْمَنْصُور] فِي صغره يلقب بمدرك التُّرَاب، وَبِعَبْد الله الطَّوِيل، ثمَّ لقب فِي خِلَافَته بِأبي الدوانيق لبخله. وَكَانَ الْمَنْصُور فَحل بني الْعَبَّاس هَيْبَة وشجاعة وحزما، ورأيا وجبروتا.

стр. 118

وَكَانَ جماعا لِلْمَالِ، تَارِكًا للهو والطرب، كَامِل الْعقل، جيد الْمُشَاركَة فِي الْعلم وَالْأَدب، فَقِيه النَّفس. وَكَانَ يرجع إِلَى عدل وديانة، وَله حَظّ من صَلَاة وَتَدين. وَكَانَ فصيحا، بليغا، مفوها، خليقا للإمارة؛ إِلَّا أَنه قتل خلقا حَتَّى استقام ملكه. وَكَانَ مولده فِي سنة خمس وَتِسْعين. وَهُوَ أسن من أَخِيه السفاح - كَمَا تقدم ذكره -. وَأمه سَلامَة البربرية. وَكَانَ الْمَنْصُور قبل الدعْوَة ضرب فِي الْآفَاق إِلَى الجزيرة وَالْعراق وأصبهان وَفَارِس. وَولي بعض كور فَارس فِي شبيبته لعاملها سُلَيْمَان بن حبيب بن الْمُهلب الْأَزْدِيّ، ثمَّ عَزله سُلَيْمَان [الْمَذْكُور] وضربه ضربا مبرحا؛ لكَونه احتجز المَال لنَفسِهِ، ثمَّ غرمه المَال. فَلَمَّا ولي الْمَنْصُور الْخلَافَة ضرب عُنُقه. وَكَانَ الْمَنْصُور بَخِيلًا، وسمى بالدوانيق لتدنيقه ومحاسبته الْعمَّال و [أهل] الضّيَاع على الدوانيق والحبات. [وَكَانَ مَعَ هَذَا رُبمَا] يُعْطي الْعَطاء الْعَظِيم.

стр. 119

قَالَ أَبُو إِسْحَق الثعالبي: وعَلى شهرة الْمَنْصُور بالبخل ذكر مُحَمَّد بن سَلام أَنه لم يُعْط خَليفَة قبل الْمَنْصُور عشرَة آلَاف ألف دارت بهَا الصكاك وَثبتت فِي الدَّوَاوِين؛ فَإِنَّهُ أعْطى فِي يَوْم وَاحِد [كل وَاحِد] من عمومته عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم. قلت: وَمَعَ هَذَا الْعَطاء خلف يَوْم مَاتَ فِي بيُوت الْأَمْوَال من النَّقْد تِسْعمائَة ألف ألف دِرْهَم وَخمسين ألف ألف دِرْهَم، وَمن الأقمشة والديباج فشئ كثير إِلَى الْغَايَة. وَقَالَ الزبير: حَدثنِي مبارك الطَّبَرِيّ: سَمِعت أَبَا عبيد الله الْوَزير سمع الْمَنْصُور يَقُول: الْخَلِيفَة لَا يصلحه إِلَّا التَّقْوَى، وَالسُّلْطَان لَا يصلحه إِلَى الطَّاعَة، والرعية لَا يصلحها إِلَّا الْعدْل، وَأولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم بالعقوبة، وأنقص النَّاس عقلا من ظلم من هُوَ دونه. وَقَالَ أَبُو العيناء: حَدثنَا الْأَصْمَعِي: أَن الْمَنْصُور صعد الْمِنْبَر؛ فشرع فِي الْخطْبَة؛ فَقَامَ رجل فَقَالَ: ((يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أذكر من أَنْت فِي ذكره؛ فَقَالَ لَهُ: مرْحَبًا، لقد ذكرت جَلِيلًا، وخوفت عَظِيما، وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أَن أكون مِمَّن إِذا قيل [لَهُ] : اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم، وَالْمَوْعِظَة منا بَدَت وَمن عندنَا خرجت، [وَأَنت يَا] قَائِلهَا فأحلف بِاللَّه مَا الله أردْت، إِنَّمَا أردْت أَن يُقَال: قَامَ فَقَالَ فَعُوقِبَ فَصَبر؛ فأهون بهَا من قَائِلهَا، وابتهلها [من] الله، وَيلك! وَإِيَّاكُم معشر النَّاس وأمثالها)) . ثمَّ عَاد إِلَى خطبَته؛ فَكَأَنَّمَا يقْرَأ من كتاب. إنتهى.

стр. 120

قلت: والمنصور هَذَا هُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة بَغْدَاد، و [هُوَ الَّذِي] قتل أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي - واسْمه عبد الرَّحْمَن -، وَهُوَ وَالِد جَمِيع الْخُلَفَاء العباسية. وروى عمر بن [أبي] شيبَة عَن الْمَدَائِنِي وَغَيره أَن الْمَنْصُور لما احْتضرَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قد ارتكبت الْأُمُور الْعِظَام جرْأَة مني عَلَيْك، وَقد أطعتك فِي أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، منا مِنْك لَا منا عَلَيْك، وَمَات. وَقد كَانَ الْمَنْصُور رأى مناما يدل على قرب أَجله؛ فتهيأ وَسَار لِلْحَجِّ. قَالَ هِشَام بن عمار: حَدثنَا الْهَيْثَم بن عمرَان أَن الْمَنْصُور مَاتَ بالبطن بِمَكَّة. وَقَالَ خَليفَة والهيثم وَغَيرهمَا: عَاشَ أَرْبعا وَسِتِّينَ سنة. وَقَالَ الصولي: دفن بَين الْحجُون وبئر مَيْمُون فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة. قلت: وَكَانَت خِلَافَته إثنتين وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر. وَكَانَ الْمَنْصُور أسمرا، نحيفا، طَويلا، مهيبا، خَفِيف العارضين، معرق الْوَجْه، رحب الْجَبْهَة، يخضب بِالسَّوَادِ، كَأَن عَيْنَيْهِ لسانان ناطقان، تخالطه أبهة الْملك بزِي النساك، تقبله الْقُلُوب، وتتبعه الْعُيُون. إنتهى. وتخلف بعده إبنه [مُحَمَّد الْمهْدي] .

стр. 121

(الْمهْدي) أَبُو عبد الله [مُحَمَّد] ابْن الْخَلِيفَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن عبد الله بن عَبَّاس العباسي (الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ. الثَّالِث من خلفاء بني الْعَبَّاس) . بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه [الْمَنْصُور] بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ. ومولده بإيذج فِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة. قَالَ الخطبي: ولد سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة [فِي جُمَادَى الْآخِرَة] . وَأمه أم مُوسَى بنت مَنْصُور الحميرية. وَكَانَ الْمهْدي جوادا، ممدحا، مليح الشكل، محببا للرعية، شجاعا،

стр. 122

خصاما للزنادقة. وَكَانَ يَقُول: أدخلُوا عَليّ الْقُضَاة؛ فَلَو لم يكن ردي للمظالم إِلَّا حَيَاء مِنْهُم [لكفى] . وَكَانَ الْمهْدي لما شب ولاه أَبوهُ [على] طبرستان وَمَا يَليهَا، وعَلى الرى. وتأدب الْمهْدي وجالس الْعلمَاء وتميز. قيل: إِن أَبَاهُ الْمَنْصُور غرم أَمْوَالًا عَظِيمَة، وتحيل حَتَّى استنزل ولي الْعَهْد - ولى أَخِيه - عِيسَى بن مُوسَى عَن المنصب، وولاه للمهدي هَذَا. فَلَمَّا مَاتَ الْمَنْصُور بِظَاهِر مَكَّة - قبل الْحَج - قَامَ يَأْخُذ الْبيعَة [لَهُ] الرّبيع بن يُونُس الْحَاجِب، وأسرع بالْخبر للمهدي مَعَ مَوْلَاهُ مَنَارَة الْبَرْبَرِي وَهُوَ بِبَغْدَاد؛ فكتم الْمهْدي الْأَمر يَوْمَيْنِ، ثمَّ خطب النَّاس ونعى إِلَيْهِم الْمَنْصُور. وَأول من هَنأ الْمهْدي بالخلافة وَعَزاهُ أَبُو دلامة، وأجاد [فَقَالَ] : (عَيْنَايَ وَاحِدَة ترى مسرورة ... بأميرها جذلا وَأُخْرَى تذرف) (تبْكي وتضحك تَارَة ويسوءها ... مَا أنْكرت ويسرها مَا تعرف) (فيسوءها موت الْخَلِيفَة محرما ... ويسرها أَن قَامَ هَذَا الأرأف) (مَا إِن رَأَيْت كَمَا رَأَيْت وَلَا أرى ... شعرًا أسرحه وَآخر ينتف) (هلك الْخَلِيفَة يَا لدين مُحَمَّد ... وأتاكم من بعده من يخلف) (أهْدى لهَذَا الله فضل خلَافَة ... ولذاك جنَّات النَّعيم تزخرف)

стр. 123

وَكَانَ من خطْبَة الْمهْدي لما بلغه موت الْمَنْصُور قَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد دعِي فَأجَاب، وَأمر فأطاع وأعز. ثمَّ ذرفت عَيناهُ؛ فَقَالَ: قد بَكَى رَسُول الله -[ ﷺ ]- عِنْد فِرَاق الْأَحِبَّة، وَلَقَد فَارَقت عَظِيما، وقلدت جسيما؛ فَعِنْدَ الله أحتسب أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبِه أستعين على خلَافَة الْمُسلمين. قيل: دخل رجل على الْمهْدي فَقبل يَده وَقَالَ: يدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ [أَحَق بالتقبيل] لعلوها بالمكارم وطهارتها من المآثم، وَإنَّك ليوسفي الْعَفو، إسماعيلي الصدْق، شعيبي الرِّفْق، فَمن أرادك بِسوء جعله الله طريد خوفك حصيد سَيْفك. ثمَّ أثنى عَلَيْهِ بالشجاعة؛ فَقَالَ الْمهْدي: وَمَا لي لَا أكون شجاعا وَمَا خفت أحدا إِلَّا الله [تَعَالَى] . وَقَالَ دَاوُد بن رشيد: سَمِعت سَالم الْحَاجِب يَقُول: هَاجَتْ ريح سَوْدَاء؛ فخفنا أَن تكون السَّاعَة؛ فطلبت الْمهْدي [فِي الإيوان] فَلم أَجِدهُ، ثمَّ سَمِعت حَرَكَة [فِي] الْبَيْت، فَإِذا هُوَ ساجد على التُّرَاب يَقُول: (اللَّهُمَّ لَا تشمت بِنَا الْأَعْدَاء من الْأُمَم، وَلَا تفجع بِنَا نَبينَا) ، اللَّهُمَّ وَإِن [كنت] أخذت الْعَامَّة بذنبي فَهَذِهِ ناصيتي بِيَدِك؛ فَمَا أتم كَلَامه حَتَّى انجلت.

стр. 124

وَقَالَ الْمَدَائِنِي: دخل رجل على الْمهْدي فَقَالَ: إِن الْمَنْصُور شَتَمَنِي وَقذف أُمِّي؛ فإمَّا أَمرتنِي أَن أحلله وَإِمَّا عوضتني؛ فاستغفرت لَهُ. قَالَ: وَلم شتمك؟ ! قَالَ: شتمت عدوه بِحَضْرَتِهِ؛ فَغَضب لَهُ. قَالَ: وَمن عدوه؟ قَالَ: إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن حسن. قَالَ: إِن إِبْرَاهِيم أمس بِهِ رحما وَأوجب عَلَيْهِ حَقًا؛ فَإِن كَانَ شتمك كَمَا زعمت فَعَن رَحمَه ذب وَعَن عرضه دفع، وَمَا أَسَاءَ من انتصر لإبن عَمه. قَالَ: إِنَّه كَانَ عدوا لَهُ. قَالَ: لم ينتصر للعداوة بل للرحم؛ فأسكت الرجل. فَلَمَّا [ذهب] ليولي قَالَ [لَهُ] الْمهْدي: لَعَلَّك أردْت أمرا؛ فَجعلت هَذَا ذَرِيعَة. قَالَ: نعم؛ فَتَبَسَّمَ الْمهْدي وَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم. وَقَالَ الزبير: أَخْبرنِي يُونُس الْخياط قَالَ: دخل ابْن الْخياط الْمَكِّيّ الشَّاعِر على الْمهْدي - وَقد مدحه بقصيدة - فَأمر بِهِ بِخَمْسِينَ [ألف دِرْهَم] ؛ [فَلَمَّا قبضهَا] فرقها على النَّاس وَقَالَ: (لمست بكفي كَفه أَبْتَغِي الْغنى ... وَلم أدر أَن الْجُود من كَفه يعدي) (فَلَا أَنا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغنى ... أفدت وأعداني فبددت مَا عِنْدِي) فنمى الْخَبَر إِلَى الْمهْدي؛ فَأعْطَاهُ بِكُل دِرْهَم دِينَارا.

стр. 125

وَقيل: إِن مَرْوَان بن أبي حَفْصَة الشَّاعِر لما أنْشدهُ قصيدته السائرة الَّتِي أَولهَا: (صَحا بعد جهل واستراحت عواذله ... ) . قَالَ الْمهْدي: وَيلك كم هِيَ بَيْتا؟ قَالَ: سَبْعُونَ بَيْتا. قَالَ: لَك بهَا سَبْعُونَ ألفا. وَمِنْهَا من جملَة أبياتها: (كفاكم بعباس أبي الْفضل والدا ... فَمَا من أَب إِلَّا أَبُو الْفضل فاضله) (كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ مُحَمَّدًا ... أَبُو جَعْفَر فِي كل أَمر يحاوله) (إِلَيْك قَصرنَا النّصْف من صلواتنا ... مسيرَة شهر بعد شهر نواصله) (فَلَا نَحن نخشى أَن يخيب مسيرنا ... إِلَيْك وَلَكِن أهنأ الْبر عاجله) فَتَبَسَّمَ الْمهْدي وَقَالَ: عجلوها لَهُ. قلت: وَفِي أَيَّام الْمهْدي ظهر رجل يُقَال لَهُ الْمقنع، وَادّعى النُّبُوَّة. وَكَانَ يطلع للنَّاس قمرا يرونه من مسيرَة شَهْرَيْن، وَكَانَ يري النَّاس أَعَاجِيب كَثِيرَة من أَنْوَاع السحر، وَعمل على وَجهه وَجها من ذهب. وَاتبعهُ جمَاعَة من الْجُهَّال حَتَّى أرسل إِلَيْهِ جَيْشًا؛ فحاربوه وقتلوه. وَقيل: إِنَّه لما علم بِأَخْذِهِ قتل نَفسه. وَقَالَ الفلاس: ملك الْمهْدي إِحْدَى عشرَة سنة وشهرا وَنصف [شهر] ، وَمَات لثمان بَقينَ من الْمحرم سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وعاش ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة، وَعقد بِالْأَمر من بعده لإبنه مُوسَى الْهَادِي والرشيد.

стр. 126

(مُوسَى الْهَادِي) ابْن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، الْهَاشِمِي، الْقرشِي، العباسي. الرَّابِع من خلفاء بني الْعَبَّاس، أَبُو مُحَمَّد، أَمِير الْمُؤمنِينَ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه، وَكَانَ بجرجان؛ فَأخذ لَهُ الْبيعَة أَخُوهُ ((الرشيد هَارُون)) . ومولده بِالريِّ سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة. أمه أم ولد تسمى الخيزران وَهِي أم الرشيد أَيْضا. وَكَانَ الْهَادِي طَويلا، جسيما، أَبيض، بشفته تقلص. وَكَانَ أَبوهُ قد وكل خَادِمًا فِي الصِّبَا كلما رَآهُ مَفْتُوح الْفَم يَقُول لَهُ: مُوسَى أطبق؛ فيفيق على نَفسه وَيضم شفته. وَكَانَ فصيحا، أديبا، قَادِرًا على الْكَلَام، تعلوه هَيْبَة، وَله سطوة وشهامة. على أَنه كَانَ يتَنَاوَل الْمُسكر وَيُحب اللَّهْو والطرب.

стр. 127

وَكَانَ يركب حمارا فارها، وَلَا يُقيم أبهة الْخلَافَة. وَكَانَ يُجِيز على الشّعْر الجوائز السّنيَّة. قَالَ نفطويه: قيل: إِن مُوسَى الْهَادِي قَالَ لإِبْرَاهِيم الْموصِلِي: إِن أطربتني فاحتكم [مَا شِئْت] ، فغناه: أزمعت بَيْتا فَأَيْنَ لقاؤنا. الأبيات؛ فَأعْطَاهُ سَبْعمِائة ألف دِرْهَم. وَحكى مُصعب الزبيرِي عَن أَبِيه قَالَ: دخل مَرْوَان بن أبي حَفْصَة شَاعِر وقته على الْهَادِي فأنشده قصيدة مِنْهَا. (تشابه يَوْمًا بأسه ونواله ... فَمَا أحد يدْرِي لأيهما الْفضل) فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: أَيّمَا أحب إِلَيْك؟ ثَلَاثُونَ ألفا مُعجلَة أَو مائَة ألف [دِرْهَم] تَدور فِي الدَّوَاوِين؟ فَقَالَ: تعجل الثَّلَاثُونَ وتدور الْمِائَة. قَالَ: بل تعجلان ذَلِك جَمِيعًا. وَحكى ابْن الأقيشر الشَّاعِر [أَنه] دخل عَلَيْهِ فَقَالَ [لَهُ] : أَنْشدني فِي الْخمر؛ فَقَالَ: (كميت إِذا فضت وَفِي الكاس وردة ... لَهَا فِي عِظَام الشاربين دَبِيب)

стр. 128

فَقَالَ الْهَادِي: وَالله لأحدنك حد الْخمر؛ فَقَالَ: وَلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ ﴿قَالَ: لِأَنَّك وصفتها وصف عَالم بهَا؛ فَقَالَ: أمني حَتَّى أَلحن بحجتي؛ فَقَالَ: تكلم وَأَنت آمن؛ فَقَالَ: أَجدت وصفهَا أم لم أجد؟﴾ قَالَ: بل أَجدت. قَالَ: وَمَا يدْريك أَنِّي أَجدت؟ ﴿إِن كنت مدحتها بطبعي دون معرفتي فقد شاركتني فِيهَا بطبعك دون معرفتك، وَإِن كنت مدحتها بالمعرفة فقد شاركتني بالمعرفة. فَضَحِك الْهَادِي وَقَالَ: نجوت مني بحيلتك، قَاتلك الله. قلت: وَلم تطل مدَّته فِي الْخلَافَة، وَمَات بقرحة أَصَابَته فِي جَوْفه. وَقيل: سمته أمه [الخيزران] لما أجمع [الْهَادِي] على قتل أَخِيه الرشيد. وَقيل: إِنَّهَا سمته بِسَبَب آخر؛ وَهُوَ أَنَّهَا كَانَت حاكمة مستبدة بالأمور الْكِبَار، وَكَانَت المواكب تَغْدُو إِلَى بَابهَا؛ فزجرهم الْهَادِي عَن ذَلِك، وكلمها بِكَلَام فج وَقَالَ: إِن وقف ببابك أَمِير لَأَضرِبَن عُنُقه، أما لَك مغزل يشغلك أَو مصحف يذكرك أَو سبْحَة؟﴾ فَقَامَتْ من عِنْده وَهِي لَا تعقل من الْغَضَب؛ فَقيل: إِنَّه بعث إِلَيْهَا [بعد ذَلِك] بِطَعَام مَسْمُوم، فأطعمت مِنْهُ كَلْبا فانتثر لَحْمه؛ فَعمِلت على قَتله لما وعك بِأَن غموا وَجهه ببساط جَلَسُوا على جوانبه.

стр. 129

وَكَانَ قَصده هَلَاك الرشيد ليولي الْعَهْد لولد لَهُ صَغِير عمره عشر سِنِين. [وَقيل: إِنَّه مَاتَ بعيساباذ فِي نصف ربيع الآخر سنة سبعين] [وَمِائَة] . وَكَانَت خِلَافَته سنة وَاحِدَة وَثَلَاثَة أشهر. وعاش سِتا وَعشْرين سنة. وَخلف سبع بَنِينَ. وَتَوَلَّى [الْخلَافَة] [من] بعده [أَخُوهُ] [الرشيد] هَارُون.

стр. 130

(الرشيد) ابْن الْمهْدي مُحَمَّد بن [أبي] جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، الْهَاشِمِي، العباسي. الْخَامِس من خلفاء بني الْعَبَّاس، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو جَعْفَر. اسْتخْلف بِعَهْد من أَبِيه الْمهْدي بعد موت أَخِيه الْهَادِي [فِي] سنة سبعين وَمِائَة. وَأمه الخيزران - أم أَخِيه الْهَادِي -. ومولده بِالريِّ لما كَانَ أَبوهُ أَمِيرا عَلَيْهَا وعَلى خُرَاسَان [فِي] سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة. وَكَانَ الرشيد مليح الشكل، طَويلا، جميلا، مسمتا، فصيحا، وَله نظر فِي الْعلم وَالْأَدب. وَقد وخطه الشيب قبل مَوته. وَكَانَ أغزاه أَبوهُ أَرض الرّوم وَهُوَ ابْن خمس عشرَة سنة. وَهُوَ أجل الْخُلَفَاء وَأعظم مُلُوك بني الْعَبَّاس. وَكَانَ كثير الْحَج والغزو.

стр. 131

وَفِيه يَقُول الشَّاعِر: (فَمن يطْلب لقاءك أَو يردهُ ... فبالحرمين أَو أقْصَى الثغور) وَقيل: إِنَّه كَانَ يحجّ سنة ويغزو سنة. وَقَالَ نفطويه فِي تَارِيخه: حكى بعض أَصْحَاب الرشيد أَنه كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْم مائَة رَكْعَة، وَلم يَتْرُكهَا إِلَّا لعِلَّة. وَكَانَ يقتفي آثَار جده أبي جَعْفَر [إِلَّا] فِي الْحِرْص. وَكَانَ الرشيد يحب الْعلم وَأَهله، ويعظم الْإِسْلَام، وَيبغض المراء [فِي الدّين] وَالْكَلَام فِي معَارض النَّص. وَكَانَ يبكي على نَفسه وإسرافه وذنوبه، سِيمَا إِذا وعظ. وَكَانَ يحب المديح ويجيز عَلَيْهِ الْأَمْوَال الجليلة. وَكَانَ راتبه فِي الصَّدَقَة من صلب مَاله فِي الْيَوْم ألف دِرْهَم. وَقيل: إِن أَبَا مُعَاوِيَة الضَّرِير دخل على الرشيد وَعِنْده رجل من وُجُوه قُرَيْش؛ فَذكر أَبُو مُعَاوِيَة حَدِيث ((احْتج آدم ومُوسَى)) ؛ فَقَالَ الْقرشِي: فَأَيْنَ لقِيه؟ ! ؛ فَغَضب الرشيد وَقَالَ: النطع وَالسيف، زنديق؛ تطعن فِي حَدِيث النَّبِي -[ ﷺ ]-؛ فَمَا زَالَ أَبُو مُعَاوِيَة يسكنهُ وَيَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَت مِنْهُ بادرة حَتَّى سكن.

стр. 132

وَعَن أبي مُعَاوِيَة قَالَ: أكلت مَعَ الرشيد يَوْمًا، ثمَّ صب على يَدي رجل لَا أعرفهُ، ثمَّ قَالَ الرشيد: تَدْرِي من يصب عَلَيْك؟ قلت: لَا قَالَ: أَنا؛ إجلالا للْعلم. وَقيل: إِن ابْن السماك الْوَاعِظ دخل على الرشيد مرّة؛ فَبَالغ الرشيد فِي اكرامه واحترامه؛ فَقَالَ لَهُ ابْن السماك: تواضعك فِي شرفك أشرف من شرفك. وَكَانَ الرشيد يَأْتِي بِنَفسِهِ إِلَى الفضيل بن عِيَاض وَيسمع وعظه؛ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: يَا حسن الْوَجْه؛ أَنْت الْمَسْئُول عَن هَذِه الْأمة؛ فَبكى الرشيد بكاء عَظِيما. وَقَالَ مَنْصُور بن عمار: مَا رَأَيْت أغزر دمعا عِنْد الذّكر من ثَلَاثَة: الفضيل ابْن عِيَاض، والرشيد هَارُون، وَآخر. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق بن همام: كنت مَعَ الفضيل بِمَكَّة فَمر الرشيد، فَقَالَ الفضيل: إِن النَّاس يكْرهُونَ هَذَا، وَمَا فِي الأَرْض أعز عَليّ مِنْهُ، لَو مَاتَ لرأيت أمورا عظاما. وَقَالَ الجاحظ: اجْتمع للرشيد مَا لم يجْتَمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أَبُو يُوسُف، وشاعره مَرْوَان بن أبي حَفْصَة، ونديمه الْعَبَّاس بن مُحَمَّد - عَم أَبِيه - وحاجبه الْفضل بن الرّبيع - أتيه النَّاس وأعظمهم - ومغنيه إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَزَوجته زبيدة. إنتهى.

стр. 133

وَقَالَ غَيره: فتحت فِي أَيَّام الرشيد فتوحات كثير. وَهُوَ الَّذِي فتح (هرقلة) وأحرقها وسبى أَهلهَا. وَكَانَ الرشيد يحب اللَّهْو والطرب. وَلم يتَكَلَّم فِيهِ - فِيمَا نعلم - سوى ابْن حزم الظَّاهِرِيّ، قَالَ: أرَاهُ لَا يشرب النَّبِيذ الْمُخْتَلف فِيهِ إِلَّا الْخمر الْمُتَّفق على تَحْرِيمهَا، ثمَّ جاهر جهارا قبيحا. قلت: هَذَا شَأْن ابْن حزم لَا يذكر إِلَّا المساوئ والقبائح، وَكَذَلِكَ الْخَطِيب صَاحب تَارِيخ بَغْدَاد؛ فَهَذَا كَانَ دأبهما. وَالْعجب أَنَّهُمَا يَقُولَانِ الْأَخْبَار الضعيفة فِي هَذَا الْمَعْنى حَتَّى يَقع لَهما الْقدح والثلب فِي كَائِن من كَانَ. وَلم يسلم مِنْهُمَا عَالم وَلَا شرِيف؛ فَإِن لم يجدا للرجل عَيْبا تكلما فِيهِ بِالْمَعْنَى بِمَا يُقَارب الْقدح، وَإِن عَجزا عَن ذَلِك تكلما فِيهِ برأيهما بِإِسْنَاد ملفق لَا يعبأ الله بِهِ، كَمَا وَقع للخطيب فِي حق بعض الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وعلماء الْإِسْلَام، أَنه تكلم فِيهِ بِكَلَام كَانَ الإضراب عَنهُ أليق - إِن لَو كَانَ صَحِيحا لاسيما مُخْتَلفا كذبا -. وَقد جوزي كل [وَاحِد] مِنْهُمَا بِمَا قيل فيهمَا. فَأَما إِبْنِ حزم فَهُوَ ظاهري الْمَذْهَب سيئ الإعتقاد. وَأما أَبُو بكر الْخَطِيب فيكفيه مَا نَقله عَنهُ

стр. 134

الْحَافِظ الْحجَّة أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم من الْقدح فِي الدّين، وَأَيْضًا مَا ذكره عَنهُ الإِمَام النَّاقِد البارع [شمس الدّين] يُوسُف بن قزاغلي فِي تَارِيخه ((مرْآة الزَّمَان)) مَا نَقله عَنهُ من العظائم فِي دينه ودنياه. نسْأَل الله السَّلامَة فِي الدّين وَحسن الخاتمة. إنتهى. وَقد خرجنَا عَن الْمَقْصُود، ولنعود إِلَى ذكر الرشيد ووفاته. وَلما كَانَت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة خرج الرشيد إِلَى الْغَزْو؛ فَأَدْرَكته الْمنية بطوس - من أَعمال خُرَاسَان - فِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة [من] سنة ثَلَاث وَتِسْعين الْمَذْكُورَة، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه صَالح. وَدفن بطوس وَله خمس وَأَرْبَعين سنة. [وتخلف بعده ابْنه الْأمين مُحَمَّد ابْن زبيدة] . وَكَانَت [خلَافَة الرشيد] ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وشهرين وَخَمْسَة عشر يَوْمًا،

стр. 135

(الْأمين مُحَمَّد) ابْن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، الْهَاشِمِي، الْقرشِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو عبد الله، وَقيل: أَبُو مُوسَى. كَانَ ولي عهد أَبِيه الرشيد؛ فولي الْخلَافَة بعد مَوته. وَأمه زبيدة بنت جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، الهاشمية، العباسية. وَهُوَ ثَالِث خَليفَة تخلف وَأمه هاشمية؛ فَالْأول: عَليّ ﵁، وَالثَّانِي: الْحسن ﵁ وَالثَّالِث: مُحَمَّد هَذَا. [و] كَانَ الْأمين [من] أحسن الشَّبَاب [صُورَة] : كَانَ أبيضا، طَويلا، جميلا، ذَا قُوَّة مفرطة، وبطش وشجاعة مَعْرُوفَة، وفصاحة، وأدب، وفضيلة، وبلاغة. لكنه كَانَ سيء التَّدْبِير، كثير التبذير، ضَعِيف الرَّأْي، أرعن لَا يصلح للخلافة. وَمِمَّا يحْكى عَنهُ من شدته أَنه ضرب أسدا بِيَدِهِ فَقتله، وَهَذَا شَيْء عَجِيب ﴿﴾

стр. 136

وَأما فَصَاحَته؛ فَإِنَّهُ كتب لطاهر بن الْحُسَيْن لما انتدب لقتاله تعصبا لِلْمَأْمُونِ رقْعَة فِيهَا: يَا طَاهِر مَا قَامَ [لنا] مُنْذُ قمنا قَائِم بحقنا؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُ عندنَا إِلَّا السَّيْف؛ فَانْظُر لنَفسك أَو دع. قَالَ: فَلم يزل طَاهِر [بعد ذَلِك] يتَبَيَّن موقع الرقعة. وَكَانَت هَذِه الرقعة فِيهَا غَايَة التخذيل؛ فَإِنَّهُ لوح فِيهَا بِأبي مُسلم الْخُرَاسَانِي وَأَمْثَاله الَّذين بذلوا نُفُوسهم فِي النصح؛ فَكَانَ مآلهم إِلَى الْقَتْل. وَسبب نكبة الْأمين [هَذَا] وخلعه وَقَتله: أَنه لما ولي الْخلَافَة فرق الْأَمْوَال، وانعكف على شرب الْخمر، ومنادمة الْفُسَّاق، وَأرْسل إِلَى الْبِلَاد فَجمع المغاني والطنازين وأجرى عَلَيْهِم الرَّوَاتِب؛ واحتجب عَن الْأُمَرَاء والأعيان. ثمَّ قسم الْأَمْوَال والجواهر فِي الخصيان وَالنِّسَاء، وَاشْترى عريب الْمُغنيَة بِمِائَة ألف دِينَار. وَطلب من عَمه إِبْرَاهِيم [بن] الْمهْدي - الْمَعْرُوف بإبن شكْلَة - جَارِيَته؛ فَأبى إِبْرَاهِيم أَن يَدْفَعهَا لَهُ؛ فَركب الْأمين إِلَى منزل عَمه [الْمَذْكُور] ؛ فَأَخذهَا مِنْهُ.

стр. 137

وَلما أصبح عَمه إِبْرَاهِيم جَاءَ إِلَيْهِ فِي زورق؛ فَقَالَ الْأمين: أوسقوا زورق عمي لَهُ دَرَاهِم، فأوسقوه لَهُ؛ فَوسعَ عشْرين ألف ألف دِرْهَم؛ فَقَالَ لَهُ عَمه: وصلني مِنْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عشرُون ألف ألف دِرْهَم؛ فَقَالَ: يَا عَم، وَهل هَذِه إِلَّا خراج بعض الْكُوفَة؟ ﴿فَلَمَّا خرج إِبْرَاهِيم قَالَ: أوسقوا زورق عمي لَهُ دَنَانِير، فأوسقوه؛ فَوسعَ ألف ألف دِينَار﴾ قلت: أما الثَّانِيَة فعندي فِيهَا شكّ. إنتهى. وَاسْتمرّ الْأمين على ذَلِك إِلَى أَن بدا لَهُ أَن يخلع أَخِيه الْمَأْمُون من ولَايَة الْعَهْد ويولي ابْنه الصَّغِير عوضه؛ فَامْتنعَ الْمَأْمُون من ذَلِك - وَكَانَ بِالريِّ - وَأخذ فِي تسويفه من وَقت إِلَى وَقت. فَلَمَّا عزل الْأمين أَخَاهُ الْقَاسِم - الملقب بالمؤتمن - عَمَّا كَانَ الرشيد ولاه [من أَمر الشَّام] وقنسرين والثغور وَولي مَكَانَهُ خُزَيْمَة بن خازم ثمَّ دَعَا الْأمين لإبنه مُوسَى على المنابر ولقبه بالناطق بِالْحَقِّ؛ تنكر الْمَأْمُون عِنْد ذَلِك، وَوَقعت أُمُور يطول شرحها. وَلَا زَالَ أَمر الْمَأْمُون يقوى، وَأمر الْأمين يضعف، إِلَى أَن حوصر الْأمين بِبَغْدَاد من قبل طَاهِر بن الْحُسَيْن. وأعجب من هَذَا كُله أَن الْأمين فِي مبدأ أمره كَانَ أرسل لمحاربة أَخِيه الْمَأْمُون عسكرا صُحْبَة عَليّ بن عِيسَى، وَأخذ مَعَه قيد فضَّة؛ ليقيد بِهِ الْمَأْمُون بِزَعْمِهِ. فَلَمَّا توجه لقِيه طَاهِر بن الْحُسَيْن وهزمه، وَقتل عَليّ بن عِيسَى [الْمَذْكُور] فِي المعركة.

стр. 138

فَلَمَّا جَاءَ خَبره إِلَى الْأمين - وَكَانَ الْأمين يتصيد - فَقَالَ للَّذي أخبرهُ بِكَسْر عساكره وَقتل عَليّ بن عِيسَى: وَيلك، دَعْنِي من ذَلِك؛ فَإِن خادمي كوثر قد صَاد سمكتين، وَأَنا مَا صدت شَيْئا بعد. وَمثل هَذَا أَيْضا لما حوصر. قَالَ مُحَمَّد بن رَاشد: أَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَنه كَانَ مَعَ الْأمين بِمَدِينَة الْمَنْصُور فِي قصر بَاب الذَّهَب، فَخرج الْأمين لَيْلَة من الْقصر من ضيق الْحصار والضنك، فَصَارَ إِلَى الْقصر الْقَرار؛ فطلبني؛ فَأتيت؛ فَقَالَ: مَا ترى طيب هَذِه اللَّيْلَة؛ وَحسن الْقَمَر وضوءه فِي المَاء؛ فَهَل لَك فِي الشَّرَاب؟ ! قلت: شَأْنك؛ فَدَعَا برطل من النَّبِيذ فشربه، ثمَّ سقيت مثله؛ فابتدأت أغنيه من غير أَن يسألني - لعلمي بِسوء خلقه - فغنيت؛ فَقَالَ: مَا تَقول فِيمَن يطرب عَلَيْك؟ فَقلت: مَا أحوجني إِلَى ذَلِك؛ فَدَعَا بِجَارِيَة إسمها ضعفاء، فتطيرت من إسمها، ثمَّ غنت بِشعر النَّابِغَة الْجَعْدِي: (كُلَيْب لعمرى كَأَن أَكثر ناصرا ... وأيسر ذَنبا مِنْك ضرج بِالدَّمِ) فتطير [من ذَلِك] ، وَقَالَ: غَنِي غير هَذَا؛ فغنت: (أبْكِي فراقهم عَيْني فأرقها ... إِن التَّفَرُّق للأحباب بكاء) (مَا زَالَ يَغْدُو عَلَيْهِم ريب دهرهم ... حَتَّى تفانوا وريب الدَّهْر عداء) (فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم ... حَتَّى أؤوب وَمَا فِي مقلتي مَاء)

стр. 139

فَقَالَ لَهَا: لعنك الله، أما تعرفين غير هَذَا؟ ﴿فَقَالَت: ظَنَنْت أَنَّك تحب هَذَا. ثمَّ غنت: (أما وَرب السّكُون والحرك ... إِن المنايا كَثِيرَة الشّرك) (مَا اخْتلف اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا ... دارت نُجُوم السَّمَاء فِي الْفلك) (إِلَّا لنقل السُّلْطَان عَن ملك ... قد زَالَ سُلْطَانه إِلَى ملك) (وَملك ذِي الْعَرْش دَائِم أبدا ... لَيْسَ بفان وَلَا بمشترك) فَقَالَ لَهَا: قومِي، لعنك الله؛ فَقَامَتْ، فتعست فِي قدح بلور لَهُ قيمَة فَكَسرته. فَقَالَ: وَيحك يَا إِبْرَاهِيم﴾ أما ترى؟ وَالله مَا أَظن [أَمْرِي إِلَّا] قد قرب. فَقلت: يُطِيل الله عمرك ويعز ملكك؛ فَسمِعت صَوتا من دجلة: قضى الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان؛ فَوَثَبَ الْأمين مغتما، وَرجع إِلَى مَوْضِعه بِالْمَدِينَةِ؛ فَقتل بعد لَيْلَة أَو لَيْلَتَيْنِ. قلت: كَانَ قَتله بعد أَن خلعه طَاهِر بن الْحُسَيْن بأيام. ثمَّ قَتله طَاهِر [الْمَذْكُور] صبرا فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة بِظَاهِر بَغْدَاد، وطيف بِرَأْسِهِ. وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وأياما. وبويع بالخلافة بعده أَخُوهُ [الْمَأْمُون]- رَحمَه الله تَعَالَى -.

стр. 140

(الْمَأْمُون) ابْن عبد الله بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن [أبي] جَعْفَر الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس، الْهَاشِمِي، العباسي. ولد سنة سبعين وَمِائَة، عِنْدَمَا اسْتخْلف أَبوهُ. وَأمه ولد تسمى: مراجل. مَاتَت أَيَّام نفَاسهَا بِهِ. وَسمع الحَدِيث فِي صغره، وبرع فِي الْفِقْه، والعربية، وَأَيَّام النَّاس، وَالْأَدب. وَلما كبر عني بالفلسفة وعلوم الْأَوَائِل حَتَّى مهر فيهمَا؛ فجره ذَلِك إِلَى القَوْل بِخلق [الْقُرْآن] وامتحان الْعلمَاء؛ وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ أعظم بني العباسي؛ لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من الحزم، والعزم، وَالْعقل، والحلم، وَالْعلم، والشجاعة، والسؤدد، والسماحة. قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا: كَانَ أَبيض، ربعَة، حسن الْوَجْه، يعلوه صفرَة، قد وخطه الشيب، أعين، طَوِيل اللِّحْيَة رقيقها، ضيق الجبين، على خَدّه خَال.

стр. 141

وَقَالَ الجاحظ: كَانَ أَبيض، فِيهِ صفرَة، وَكَانَ ساقاه دون [سَائِر] جسده صفراوين كَأَنَّهُمَا طليتا بالزعفران. وَقَالَ أَبُو معشر المنجم: كَانَ أمارا بِالْعَدْلِ، مَحْمُود السِّيرَة، فَقِيه النَّفس، يعد من كبار الْعلمَاء. وَعَن الرشيد قَالَ: إِنِّي لأعرف فِي عبد الله حزم الْمَنْصُور، ونسك الْمهْدي، وَعزة الْهَادِي، وَلَو أَشَاء أَن أنسبه إِلَى الرَّابِع - يَعْنِي نَفسه - نسبته، وَقد قدمت مُحَمَّدًا عَلَيْهِ، وَإِنِّي لأعْلم أَنه منقاد إِلَى هَوَاهُ، مبذر لما حوته يَدَاهُ، يُشَارك فِي رَأْيه الْإِمَاء وَالنِّسَاء، وَلَوْلَا أم جَعْفَر - يَعْنِي زبيدة - وميل بني هَاشم إِلَيْهِ؛ لقدمت [عبد الله] عَلَيْهِ - يَعْنِي فِي ولَايَة الْعَهْد بالخلافة - إنتهى. وَمن حلم الْمَأْمُون: يحْكى أَن ملاحا مر على الْمَأْمُون فَقَالَ: أتظنون أَن هَذَا ينبل فِي عَيْني وَقد قتل أَخَاهُ الْأمين: فَسَمعَهَا الْمَأْمُون؛ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: مَا الْحِيلَة حَتَّى أنبل فِي عين هَذَا السَّيِّد الْجَلِيل. ويحكى عَن الْمَأْمُون قَالَ: لَو عرف النَّاس حبي للعفو؛ لتقربوا إِلَيّ بالجرائم، وأخاف [أَن] أوجر عَلَيْهِ - يَعْنِي لكَونه طبعا لَهُ -. وَعَن يحيى بن أَكْثَم قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون يجلس للمناظرة فِي الْفِقْه يَوْم الثُّلَاثَاء؛ فجَاء رجل عَلَيْهِ ثِيَاب قد شمرها وَنَعله فِي يَده؛ فَوقف على طرف الْبسَاط وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم؛ فَرد عَلَيْهِ الْمَأْمُون؛ فَقَالَ: أتأذن لي فِي الدنو؟ قَالَ: أدن وَتكلم. قَالَ: أَخْبرنِي عَن هَذَا الْمجْلس الَّذِي أَنْت فِيهِ، جلسته

стр. 142

باجتماع الْأمة، أم بالمغالبة والقهر؟ ! قَالَ: لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا، بل كَانَ يتَوَلَّى أَمر الْمُسلمين من عقد لي ولأخي، فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيّ علمت أَنِّي مُحْتَاج إِلَى اجْتِمَاع كلمة الْمُسلمين فِي الشرق والغرب على الرضاء بِي؛ فَرَأَيْت أَنِّي مَتى خليت الْأَمر اضْطربَ حَبل السَّلَام، وَخرج عَهدهم وَتَنَازَعُوا، وَبَطل الْجِهَاد وَالْحج، وانقطعت السبل؛ فَقُمْت حياطة للْمُسلمين، إِلَى أَن يجمعوا على رجل يرضون بِهِ؛ فَأسلم لَهُ الْأَمر؛ فَمَتَى اتَّفقُوا على رجل خرجت لَهُ من الْأَمر. فَقَالَ الرجل: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله [وَبَرَكَاته] . وَذهب. فَوجه الْمَأْمُون من يكْشف خَبره؛ فَرجع وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مضى إِلَى مَسْجِد فِيهِ خَمْسَة عشر رجلا فِي مثل هَيئته؛ فَقَالُوا لَهُ: ألقيت الرجل؟ قَالَ: نعم، وَأخْبرهمْ بِمَا جرى. قَالُوا: مَا نرى بِمَا قَالَ بَأْسا، وافترقوا؛ فَقَالَ الْمَأْمُون: كفينا مُؤنَة هَؤُلَاءِ بأيسر الْخطب. وَعَن إِسْحَاق الْموصِلِي قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون قد سخط على الْحُسَيْن الخليع الشَّاعِر؛ لكَونه هجاه عِنْدَمَا قتل الْأمين: فَبينا أَنا ذَات يَوْم عِنْد الْمَأْمُون إِذْ دخل الْحَاجِب برقعة؛ فَاسْتَأْذن فِي إنشادها؛ فَأذن لَهُ: فَقَالَ [أبياتا مِنْهَا] : (رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ) (أَلا إِنَّمَا الْمَأْمُون للنَّاس عصمَة ... مُمَيزَة بَين الضَّلَالَة والرشد)

стр. 143

فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَحْسَنت؛ فَقَالَ: أحسن قَائِلهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: وَمن هُوَ؟ قَالَ عبيدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك؛ فَقَالَ: لَا حَيَّاهُ الله ﴿ أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل: (فَلَا تمت الْأَشْيَاء بعد مُحَمَّد (وَلَا زَالَ شَمل الْملك فِيهَا مبددا) (وَلَا فَرح الْمَأْمُون بِالْملكِ بعده ... وَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريدا مشردا) هَذِه بِتِلْكَ، وَلَا شَيْء لَهُ عندنَا. قَالَ الْحَاجِب: فَأَيْنَ عَادَة [عَفْو] أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ . قَالَ: أما هَذِه فَنعم، إئذنوا لَهُ؛ فَدخل فَقَالَ لَهُ: هَل عرفت يَوْم قتل أخي [أَن] هاشمية هتكت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا معنى قَوْلك: (وَمِمَّا شجى قلبِي وكفكف عبرتي ... محارم من آل الرَّسُول استحلت) (ومتوكة بالخلد عَنْهَا سجوفها ... كعاب كقرن الشَّمْس حِين تبدت) (فَلَا بَات ليل الشامتين بغبطة ... وَلَا بلغت آمالهم مَا تمنت) فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ لوعة غلبتني وروعة فاجأتني ونعمة استلبتها بعد أَن غمرتني؛ فَإِن عَاقَبت فحقك، وَإِن عَفَوْت فبفضلك؛ فَدَمَعَتْ عينا الْمَأْمُون، وَأمر لَهُ بجائزة.

стр. 144

وَمِمَّا ينْسب لِلْمَأْمُونِ من الشّعْر قَوْله: (لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسرى مذيع) (فلولا دموعي كتمت الْهوى ... وَلَوْلَا الْهوى لم يكن لي دموع) [وَكَانَت وَفَاة الْمَأْمُون فِي يَوْم ثَانِي عشر شهر رَجَب سنة ثَمَانِيَة عشر وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَ خِلَافَته إِحْدَى وَعشْرين سنة إِلَّا سِتَّة أشهر] . وتخلف بعده أَخُوهُ [المعتصم مُحَمَّد] .

стр. 145

المعتصم مُحَمَّد ابْن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن [عبد الله] بن عَبَّاس. أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو إِسْحَاق، الْهَاشِمِي، العباسي. بُويِعَ بالخلافة بعد موت الْمَأْمُون بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ فِي رَابِع عشر شهر رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَأمه أم ولد اسْمهَا: ماردة. وَكَانَ أَبيض، أصهب الْحَيَّة طويلها، ربع الْقَامَة، مشرب اللَّوْن، ذَا شجاعة وَقُوَّة وهمة عالية؛ إِلَّا أَن كَانَ عَارِيا من الْعلم، أُمِّيا. روى الصولي عَن مُحَمَّد بن سعيد عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي قَالَ: كَانَ مَعَ المعتصم غُلَام فِي الْكتاب يتَعَلَّم مَعَه فَمَاتَ الْغُلَام؛ فَقَالَ لَهُ الرشيد - أَبوهُ -: مَاتَ غلامك يَا مُحَمَّد، قَالَ: نعم يَا سَيِّدي، واستراح من الْكتاب. فَقَالَ: وَإِن الْكتاب ليبلغ مِنْك هَذَا؟ ! دَعوه لَا تعلموه. فَكَانَ يكْتب وَيقْرَأ قِرَاءَة ضَعِيفَة.
следующие страницы →