Полный текст (483 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَقَالَ الجاحظ: كَانَ أَبيض، فِيهِ صفرَة، وَكَانَ ساقاه دون [سَائِر] جسده صفراوين كَأَنَّهُمَا طليتا بالزعفران.
وَقَالَ أَبُو معشر المنجم: كَانَ أمارا بِالْعَدْلِ، مَحْمُود السِّيرَة، فَقِيه النَّفس، يعد من كبار الْعلمَاء.
وَعَن الرشيد قَالَ: إِنِّي لأعرف فِي عبد الله حزم الْمَنْصُور، ونسك الْمهْدي، وَعزة الْهَادِي، وَلَو أَشَاء أَن أنسبه إِلَى الرَّابِع - يَعْنِي نَفسه - نسبته، وَقد قدمت مُحَمَّدًا عَلَيْهِ، وَإِنِّي لأعْلم أَنه منقاد إِلَى هَوَاهُ، مبذر لما حوته يَدَاهُ، يُشَارك فِي رَأْيه الْإِمَاء وَالنِّسَاء، وَلَوْلَا أم جَعْفَر - يَعْنِي زبيدة - وميل بني هَاشم إِلَيْهِ؛ لقدمت [عبد الله] عَلَيْهِ - يَعْنِي فِي ولَايَة الْعَهْد بالخلافة - إنتهى.
وَمن حلم الْمَأْمُون: يحْكى أَن ملاحا مر على الْمَأْمُون فَقَالَ: أتظنون أَن هَذَا ينبل فِي عَيْني وَقد قتل أَخَاهُ الْأمين: فَسَمعَهَا الْمَأْمُون؛ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: مَا الْحِيلَة حَتَّى أنبل فِي عين هَذَا السَّيِّد الْجَلِيل.
ويحكى عَن الْمَأْمُون قَالَ: لَو عرف النَّاس حبي للعفو؛ لتقربوا إِلَيّ بالجرائم، وأخاف [أَن] أوجر عَلَيْهِ - يَعْنِي لكَونه طبعا لَهُ -.
وَعَن يحيى بن أَكْثَم قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون يجلس للمناظرة فِي الْفِقْه يَوْم الثُّلَاثَاء؛ فجَاء رجل عَلَيْهِ ثِيَاب قد شمرها وَنَعله فِي يَده؛ فَوقف على طرف الْبسَاط وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم؛ فَرد عَلَيْهِ الْمَأْمُون؛ فَقَالَ: أتأذن لي فِي الدنو؟ قَالَ: أدن وَتكلم. قَالَ: أَخْبرنِي عَن هَذَا الْمجْلس الَّذِي أَنْت فِيهِ، جلسته
стр. 142
باجتماع الْأمة، أم بالمغالبة والقهر؟ ! قَالَ: لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا، بل كَانَ يتَوَلَّى أَمر الْمُسلمين من عقد لي ولأخي، فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيّ علمت أَنِّي مُحْتَاج إِلَى اجْتِمَاع كلمة الْمُسلمين فِي الشرق والغرب على الرضاء بِي؛ فَرَأَيْت أَنِّي مَتى خليت الْأَمر اضْطربَ حَبل السَّلَام، وَخرج عَهدهم وَتَنَازَعُوا، وَبَطل الْجِهَاد وَالْحج، وانقطعت السبل؛ فَقُمْت حياطة للْمُسلمين، إِلَى أَن يجمعوا على رجل يرضون بِهِ؛ فَأسلم لَهُ الْأَمر؛ فَمَتَى اتَّفقُوا على رجل خرجت لَهُ من الْأَمر.
فَقَالَ الرجل: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله [وَبَرَكَاته] . وَذهب.
فَوجه الْمَأْمُون من يكْشف خَبره؛ فَرجع وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مضى إِلَى مَسْجِد فِيهِ خَمْسَة عشر رجلا فِي مثل هَيئته؛ فَقَالُوا لَهُ: ألقيت الرجل؟ قَالَ: نعم، وَأخْبرهمْ بِمَا جرى. قَالُوا: مَا نرى بِمَا قَالَ بَأْسا، وافترقوا؛ فَقَالَ الْمَأْمُون: كفينا مُؤنَة هَؤُلَاءِ بأيسر الْخطب.
وَعَن إِسْحَاق الْموصِلِي قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون قد سخط على الْحُسَيْن الخليع الشَّاعِر؛ لكَونه هجاه عِنْدَمَا قتل الْأمين: فَبينا أَنا ذَات يَوْم عِنْد الْمَأْمُون إِذْ دخل الْحَاجِب برقعة؛ فَاسْتَأْذن فِي إنشادها؛ فَأذن لَهُ: فَقَالَ [أبياتا مِنْهَا] :
(رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ)
(أَلا إِنَّمَا الْمَأْمُون للنَّاس عصمَة ... مُمَيزَة بَين الضَّلَالَة والرشد)
стр. 143
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَحْسَنت؛ فَقَالَ: أحسن قَائِلهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
قَالَ: وَمن هُوَ؟ قَالَ عبيدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك؛ فَقَالَ: لَا حَيَّاهُ الله ﴿
أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل:
(فَلَا تمت الْأَشْيَاء بعد مُحَمَّد
(وَلَا زَالَ شَمل الْملك فِيهَا مبددا)
(وَلَا فَرح الْمَأْمُون بِالْملكِ بعده ... وَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريدا مشردا)
هَذِه بِتِلْكَ، وَلَا شَيْء لَهُ عندنَا.
قَالَ الْحَاجِب: فَأَيْنَ عَادَة [عَفْو] أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ . قَالَ: أما هَذِه فَنعم، إئذنوا لَهُ؛ فَدخل فَقَالَ لَهُ: هَل عرفت يَوْم قتل أخي [أَن] هاشمية هتكت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا معنى قَوْلك:
(وَمِمَّا شجى قلبِي وكفكف عبرتي ... محارم من آل الرَّسُول استحلت)
(ومتوكة بالخلد عَنْهَا سجوفها ... كعاب كقرن الشَّمْس حِين تبدت)
(فَلَا بَات ليل الشامتين بغبطة ... وَلَا بلغت آمالهم مَا تمنت)
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ﴾ لوعة غلبتني وروعة فاجأتني ونعمة استلبتها بعد أَن غمرتني؛ فَإِن عَاقَبت فحقك، وَإِن عَفَوْت فبفضلك؛ فَدَمَعَتْ عينا الْمَأْمُون، وَأمر لَهُ بجائزة.
стр. 144
وَمِمَّا ينْسب لِلْمَأْمُونِ من الشّعْر قَوْله:
(لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسرى مذيع)
(فلولا دموعي كتمت الْهوى ... وَلَوْلَا الْهوى لم يكن لي دموع)
[وَكَانَت وَفَاة الْمَأْمُون فِي يَوْم ثَانِي عشر شهر رَجَب سنة ثَمَانِيَة عشر وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَ خِلَافَته إِحْدَى وَعشْرين سنة إِلَّا سِتَّة أشهر] . وتخلف بعده أَخُوهُ [المعتصم مُحَمَّد] .
стр. 145
المعتصم مُحَمَّد
ابْن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن [عبد الله] بن عَبَّاس. أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو إِسْحَاق، الْهَاشِمِي، العباسي.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت الْمَأْمُون بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ فِي رَابِع عشر شهر رَجَب سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
وَأمه أم ولد اسْمهَا: ماردة.
وَكَانَ أَبيض، أصهب الْحَيَّة طويلها، ربع الْقَامَة، مشرب اللَّوْن، ذَا شجاعة وَقُوَّة وهمة عالية؛ إِلَّا أَن كَانَ عَارِيا من الْعلم، أُمِّيا.
روى الصولي عَن مُحَمَّد بن سعيد عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي قَالَ: كَانَ مَعَ المعتصم غُلَام فِي الْكتاب يتَعَلَّم مَعَه فَمَاتَ الْغُلَام؛ فَقَالَ لَهُ الرشيد - أَبوهُ -: مَاتَ غلامك يَا مُحَمَّد، قَالَ: نعم يَا سَيِّدي، واستراح من الْكتاب. فَقَالَ: وَإِن الْكتاب ليبلغ مِنْك هَذَا؟ ! دَعوه لَا تعلموه. فَكَانَ يكْتب وَيقْرَأ قِرَاءَة ضَعِيفَة.
стр. 146
وَمَعَ هَذَا حكى أَبُو الْفضل الرياشي قَالَ: كتب ملك الرّوم -[لَعنه الله]- إِلَى المعتصم يتهدده؛ فَأمر بجوابه؛ فَلَمَّا قرئَ عَلَيْهِ الْكتاب لم يرضه - المعتصم - وَقَالَ: أكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. أما بعد؛ فقد قَرَأت كتابك وَسمعت خطابك، وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع ﴿وَسَيعْلَمُ الْكفَّار لمن عُقبى الدَّار﴾ .
وَكَانَ المعتصم من أهيب الْخُلَفَاء وأعظمهم، لَوْلَا مَا شان سؤدده بامتحان الْعلمَاء بِخلق الْقُرْآن.
قلت: أَرَادَ بذلك إِظْهَار مَذْهَب أَخِيه الْمَأْمُون والإقتفاء بطريقة لَا غير.
وَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم [الْموصِلِي] : دخلت على المعتصم وَعِنْده قينة تغنى؛ فَقَالَ: كَيفَ ترَاهَا؟ قلت: تبدأ الْغناء بِرِفْق وتصرفه بِرِفْق، وَتخرج من شَيْء إِلَى أحسن مِنْهُ، وَفِي صَوتهَا شجا، وشذور، أحسن من [نظم] در) على النحور.
فَقَالَ: صِفَتك لَهَا أحسن مِنْهَا وَمن غنائها، خُذْهَا لَك؛ فامتنعت [من ذَلِك] ؛ لعلمي بمحبته لَهَا؛ فوصلني بِمِقْدَار قيمتهَا.
ويحكى أَن المعتصم لما تجهز لغزو عمورية حكم المنجمون أَن ذَلِك الْوَقْت طالع نحس، وَأَنه يكسر؛ فَكَانَ من ظفره وَنَصره مَا هُوَ أشهر من أَن يُقَال.
стр. 147
وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول أَبُو تَمام الطَّائِي قصيدته البديعة:
(السَّيْف أصدق إنباء من الْكتب ... فِي حَده الْحَد بَين الْجد واللعب)
(وَالْعلم فِي شهب الأرماح لامعة ... بَين الْخمسين لَا فِي السَّبْعَة الشهب)
(أَيْن الرِّوَايَة أم أَيْن النُّجُوم وَمَا ... صاغوه من زخرف فِيهَا وَمن كذب)
وَكَانَ المعتصم يلقب بالثماني؛ فَإِنَّهُ ثامن خلفاء بني الْعَبَّاس، وَملك ثَمَانِي سِنِين وَثَمَانِية أشهر - وَزَاد بَعضهم: وَثَمَانِية أَيَّام -، وافتتح ثَمَانِيَة حصون.
وَقيل: إِنَّه ولد فِي شعْبَان، وَهُوَ الثَّامِن من شهور السّنة، وَكَانَ نقش خَاتمه: الْحَمد لله، وَهِي ثَمَان حُرُوف، وبويع بالخلافة سنة ثَمَانِيَة عشر، ومولده سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وقهر ثَمَانِيَة أَعدَاء، ووقف بِبَابِهِ ثَمَانِيَة مُلُوك، وَخلف من الذَّهَب ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِينَار، وَمن الدَّرَاهِم مثلهَا، وَخلف من الْجمال وَالْبِغَال ثَمَانِيَة آلَاف [رَأس] ، وَمن الْخَيل [أَيْضا] ثَمَانِيَة آلَاف رَأس، وَمن المماليك ثَمَانِيَة آلَاف مَمْلُوك، [وَمن الْجَوَارِي كَذَلِك] ، وَبنى ثَمَانِيَة قُصُور.
وَكَانَ ذَا قُوَّة مفرطة، وَكَانَ إِذا غضب لَا يُبَالِي بِمن كثر أَو أقل.
وَركب يَوْمًا؛ فَانْفَرد عَن جَيْشه - وَكَانَ يَوْم مطر شَدِيد -؛ فَرَأى شَيخا وَمَعَهُ حمَار وَعَلِيهِ حمل شوك، وَقد توحل الْحمار وَوَقع الْحمل؛ فَنزل المعتصم وخلص الْحمار من الوحل، وَوضع الْحمل على ظَهره، ثمَّ أدْركهُ الْجَيْش؛ فَأمر للرجل بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم.
стр. 148
وَفِي أَيَّامه أمْطرت أهل تيماء بردا، كل بردة وزن رَطْل؛ فقتلت خلقا كثيرا؛ وَسمع قَائِل يَقُول: ارْحَمْ عِبَادك، ارْحَمْ عِبَادك، وَرَأَوا أثر قدم طوله ذِرَاع وَنصف فِي عرض شبرين - غير الْأَصَابِع - وَبَين كل خطْوَة وخطوة سَبْعَة أَذْرع؛ [فتتبعوه] ؛ فَجعلُوا يسمعونه وَلَا يرَوْنَ شخصه.
وَكَانَت وَفَاة المعتصم فِي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر شهر ربيع الأول سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
وَكَانَت خِلَافَته ثَمَان سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَثَمَانِية أَيَّام - كَمَا تقدم ذكره -.
وَمَات وعمره سبع وَأَرْبَعُونَ سنة وَسَبْعَة أشهر. وتخلف بعده [إبنه] [هَارُون الواثق] .
стр. 149
(هَارُون الواثق)
بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، الْهَاشِمِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو جَعْفَر.
بُويِعَ بالخلافة لما مَاتَ أَبوهُ المعتصم بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ.
وَأمه أم ولد، رُومِية تسمى: قَرَاطِيس.
ومولده لعشر بَقينَ من شعْبَان سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة.
قَالَ [أَبُو بكر] الْخَطِيب: كَانَ أَحْمد بن أبي دَاوُد قد استولى على الواثق وَحمله على [تَشْدِيد المحنة] ، ودعا النَّاس إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن.
قلت: وَالْمَشْهُور أَن الواثق رَجَعَ عَن ذَلِك قبل مَوته وَتَابَ مِنْهُ وَأظْهر السّنة.
وَمن جملَة أَسبَاب رُجُوعه: مَا نَقله عبيد الله بن يحيى قَالَ: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن أَسْبَاط بن السكن قَالَ: حمل رجل - يَعْنِي عَن الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل - فِيمَن حمل مكبل بالحديد من بِلَاده؛ فَأدْخل؛ فَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: تَقول
стр. 150
أَو أَقُول؟ قَالَ: هَذَا أول جوركم، أخرجتم النَّاس من بِلَادهمْ ودعوتموهم إِلَى شَيْء مَا قَالَه أحد ﴿. لَا، بل أَقُول: قَالَ: قل - والواثق جَالس - فَقَالَ: أَخْبرنِي عَن هَذَا الرَّأْي الَّذِي دعوتم النَّاس إِلَيْهِ، أعلمهُ رَسُول الله -[ ﷺ ]- فَلم يدع النَّاس إِلَيْهِ، أم شَيْء لم يُعلمهُ؟﴾ قَالَ: علمه، قَالَ: فَكَانَ يَسعهُ [أَن] لَا يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ، وَأَنْتُم لَا يَسَعكُمْ. قَالَ: فَبُهِتُوا. قَالَ: فَضَحِك الواثق، وَقَامَ قَابِضا على كمه، وَدخل بَيْتا وَمد رجلَيْهِ وَهُوَ يَقُول: شَيْء وسع النَّبِي -[ ﷺ ]- أَن يسكت عَنهُ وَلَا يسعنا ﴿﴾ ؛ فَأمر أَن يعْطى [الرجل] ثلثمِائة دِينَار، وَأَن يرد إِلَى بَلَده. إنتهى.
قلت: وَأمر المحنة يطول الشَّرْح فِي ذكره، أضربنا عَنهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصر خوف الإطالة.
وَكَانَ الواثق وافر الْأَدَب فصيحا. قيل: إِن جَارِيَة من جواريه غنته بِشعر العرجي:
(أظلوم إِن مصابكم رجلا ... أهْدى السَّلَام تَحِيَّة ظلم)
فَمن الْحَاضِرين من صوب نصب ((رجلا)) وَمِنْهُم من قَالَ: صَوَابه: ((رجل)) .
فَقَالَت [الْجَارِيَة] : هَكَذَا لَقَّنَنِي الْمَازِني؛ فَطلب الْمَازِني.
стр. 151
فَلَمَّا مثل بَين [يَدي الواثق] قَالَ: مِمَّن الرجل ﴿؟ ، قَالَ: من بني مَازِن. قَالَ: أَي الموازن؟ أمازن تَمِيم، أم مَازِن قيس، أم مَازِن ربيعَة؟﴾
قَالَ: مَازِن ربيعَة.
قَالَ الْمَازِني: فكلمني حِينَئِذٍ بلغَة قومِي فَقَالَ: بِاسْمِك؟ - لأَنهم يقلبون الْمِيم بَاء وَالْبَاء ميما - فَكرِهت أَن أواجهه بمكر، فَقلت: بكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ فَفطن لَهَا وأعجبته. وَقَالَ: مَا تَقول فِي هَذَا الْبَيْت؟ ، قلت: الْوَجْه النصب؛ لِأَن مصابكم مصدر بِمَعْنى: إصابتك؛ فَأخذ اليزيدي يعارضني.
قلت: هُوَ بِمَنْزِلَة: ((إِن ضربك زيدا ظلم)) ؛ فالرجل مفعول مصابكم. وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْكَلَام مُعَلّق إِلَى أَن تَقول: ظلم؛ فَيتم.
فأعجب الواثق وَأَعْطَانِي ألف دِينَار. إنتهى.
وَحج الواثق مرّة؛ فَفرق بالحرمين أَمْوَالًا عَظِيمَة، حَتَّى لم يبْق بالحرمين فَقير.
وَقيل: لما احْتضرَ الواثق جعل يردد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
(الْمَوْت فِيهِ جَمِيع الْخلق مُشْتَرك ... لاسوقة مِنْهُم تبقى وَلَا ملك)
(مَا ضرّ أهل قَلِيل فِي تفاقرهم ... وَلَيْسَ يُغني عَن الإملاك مَا ملكوا)
стр. 152
ثمَّ أَمر بالبسط فطويت، وألصق خَدّه بِالْأَرْضِ وَجعل يَقُول: يَا من لَا يَزُول ملكه أرْحم من قد زَالَ ملكه.
وَكَانَت وَفَاته بِمَدِينَة سر من رأى فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة من سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. وتخلف بعده أَخُوهُ [جَعْفَر المتَوَكل] .
стр. 153
(جَعْفَر المتَوَكل)
ابْن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور [بن] مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس. الْهَاشِمِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْفضل.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه الواثق فِي ذِي الْحجَّة سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
مولده فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ، وَقيل: سنة سبع.
وَأمه أم ولد، تركية تسمى: شُجَاع.
وَكَانَ المتَوَكل أسمر، مليح الْعَينَيْنِ، نحيف الْجِسْم، خَفِيف العارضين، إِلَى الْقصر أقرب.
وَلما اسْتخْلف أظهر السّنة وَتكلم بهَا فِي مَجْلِسه، وَكتب إِلَى الْآفَاق بِرَفْع المحنة وَإِظْهَار السّنة وَنصر أَهلهَا.
وَقَالَ عَليّ بن الجهم: كَانَت للمتوكل جمة إِلَى شحمة أُذُنَيْهِ كأبيه وَعَمه.
стр. 154
وَكَانَ المتَوَكل فِيهِ كل الْخِصَال الْحَسَنَة، إِلَّا أَنه كَانَ ناصبيا يكره عليا ﵁ وَكَانَ لكراهيته [لعَلي]﵁ سَببا ذَكرْنَاهُ فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) .
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ قَاضِي الْبَصْرَة يَقُول: الْخُلَفَاء ثَلَاثَة: أَبُو بكر الصّديق يَوْم الرِّدَّة، وَعمر بن عبد الْعَزِيز فِي رد مظالم بني أُميَّة، والمتوكل فِي محو الْبدع - يَعْنِي القَوْل بِخلق الْقُرْآن -.
وَقَالَ يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي: قَالَ لي المتَوَكل: يَا مهلبي، الْخُلَفَاء كَانَت تتصعب على النَّاس ليطيعوهم، وَأَنا أَلين لَهُم ليحبوني ويطيعوني.
وَكَانَ المتَوَكل كَرِيمًا، جوادا، حَتَّى قيل: إِنَّه مَا أعْطى خَليفَة [شَاعِرًا] مَا أعْطى المتَوَكل.
وَفِيه يَقُول مَرْوَان بن أبي الْجنُوب:
(فَأمْسك ندى كفيك عني وَلَا تزد ... فقد خفت أَن أطغى وَأَن أتجبرا)
فَقَالَ: لَا أمسك حَتَّى يغرقك جودي.
وَيُقَال: إِن المتَوَكل سلم عَلَيْهِ بالخلافة ثَمَانِيَة، كل وَاحِد مِنْهُم أَبوهُ خَليفَة: مَنْصُور بن الْمهْدي - عَم أَبِيه - وَالْعَبَّاس بن الْهَادِي - بن عَم أَبِيه - وَأَبُو أَحْمد بن الرشيد -[عَمه]- وَعبد الله بن الْأمين - ابْن عَمه - ومُوسَى بن الْمَأْمُون - ابْن عَمه أَيْضا - وَأحمد بن المعتصم - أَخُوهُ - وَمُحَمّد بن الواثق - ابْن أَخِيه - وَابْنه الْمُنْتَصر مُحَمَّد بن المتَوَكل هَذَا. وَهَذَا شَيْء لم يَقع لخليفة قبله.
стр. 155
وَكَانَ المتَوَكل بَايع [بِولَايَة الْعَهْد] وَلَده الْمُنْتَصر مُحَمَّدًا. ثمَّ إِنَّه أَرَادَ أَن يعزله ويولي وَلَده المعتز لمحبته لأمه قبيحة؛ فَسَأَلَ المتَوَكل وَلَده الْمُنْتَصر أَن ينزل عَن الْعَهْد لِأَخِيهِ المعتز؛ فَأبى [الْمُنْتَصر] ؛ فَغَضب المتَوَكل عَلَيْهِ، وَصَارَ يحضرهُ الْمجَالِس الْعَامَّة ويحط مَنْزِلَته، ويتهدده ويشتمه، ويتوعده.
ثمَّ أتفق أَن التّرْك انحرفوا عَن المتَوَكل؛ لكَونه صادر وصيف التركي وبغا، فاتفق الأتراك حِينَئِذٍ مَعَ الْمُنْتَصر على قتل أَبِيه المتَوَكل، ودخلوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مجْلِس أنسه، وَعِنْده وزيره الْفَتْح بن خاقَان، بعد أَن مضى من اللَّيْل ثَلَاث سَاعَات، وهجم باغر وَمَعَهُ عشرَة، وَقصد السرير؛ فصاح الْفَتْح: وَيْلكُمْ مولاكم، وتهارب الغلمان والندماء على وُجُوههم.
وَبَقِي الْفَتْح وَحده، والمتوكل قد غرق فِي السكر وَالنَّوْم.
وَبَقِي الْفَتْح يمانعهم عَنهُ، فَضرب باغر المتَوَكل بِالسَّيْفِ على عَاتِقه؛ فَقده إِلَى خاصرته؛ فصاح المتَوَكل. ثمَّ بعج الْفَتْح آخر بِالسَّيْفِ؛ فَأخْرجهُ من ظَهره وَهُوَ صابر، ثمَّ طرح الْفَتْح نَفسه على المتَوَكل فماتا، ولفا فِي بِسَاط.
وَكَانَت قتلة المتَوَكل فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، فِي الْقصر الْجَعْفَرِي الَّذِي بناه المتَوَكل، وَدفن بِهِ هُوَ ووزيره الْفَتْح بن خاقَان.
стр. 156
وَكَانَت خِلَافَته أَربع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَتِسْعَة أَيَّام. وَمَات وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة.
وتخلف بعده ابْنه الْمُنْتَصر مُحَمَّد؛ فَلم (يتهن بالخلافة كَمَا سَيَأْتِي ذكره) .
стр. 157
(الْمُنْتَصر مُحَمَّد)
ابْن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو جَعْفَر، وَقيل: أَبُو عبد الله.
وبويع بالخلافة بعد قتل أَبِيه المتَوَكل.
وَأمه أم وَلَده، رُومِية، أسمها: حبشية.
وَكَانَ صفة الْبيعَة لَهُ أَنه: لما واطأ على قتل أَبِيه وَقتل، [وَقتل] مَعَه وزيره الْفَتْح بن خاقَان، دخل على الْمُنْتَصر قَاضِي الْقُضَاة جَعْفَر بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي؛ فَقَالَ لَهُ الْمُنْتَصر: بَايع؛ فَقَالَ: وَأَيْنَ أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله؟ ! فَقَالَ: قَتله الْفَتْح بن خاقَان. قَالَ: فَمَا فعل بِالْفَتْح؟ قَالَ: قَتله بغا. قَالَ القَاضِي: فَأَنت ولي الدَّم وَصَاحب الثأر؛ فَبَايعهُ وَبَايَعَهُ الْوَزير.
وَكَانَ الْمُنْتَصر وافر الْعقل، رَاغِبًا فِي الْخَيْر، قَلِيل الظُّلم، محسنا للعلويين. وَقيل إِنَّه كَانَ يَقُول: يَا بغا أَيْن أبي، من قتل أبي؟ ، ويسب الأتراك وَيَقُول: هَؤُلَاءِ قتلة الْخُلَفَاء.
[قلت] : وعَلى هَذَا لَا يكون الْمُنْتَصر تواطأ على قتل أَبِيه. إنتهى.
стр. 158
وَلما سمع بغا الصَّغِير ذَلِك من الْمُنْتَصر قَالَ للَّذين قتلوا المتَوَكل: مالكم عِنْد هَذَا رزق؛ فعملوا عَلَيْهِ، وهموا بِهِ فعجزوا عَنهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مهابا، شجاعا، فطنا؛ محترزا؛ فتحيلوا عِنْد ذَلِك -[الأتراك]- إِلَى أَن دسوا إِلَى طبيبه ابْن طيفور ثَلَاثِينَ ألف دِينَار عِنْد مَرضه؛ فَأَشَارَ بفصده؛ ففصد بريشة مَسْمُومَة؛ فَمَاتَ.
فَيُقَال: إِن ابْن طيفور [الْمَذْكُور] نسي وَمرض؛ فَأمر غُلَامه بفصده؛ ففصده بِتِلْكَ الريشة؛ فَمَاتَ [أَيْضا. وَقَالَ بَعضهم: بل حصل للمنتصر مرض فِي أنثييه فَمَاتَ] بعد ثَلَاثَة أَيَّام.
وَقيل: مَاتَ بالخوانيق، وَقيل: بل سم فِي كمثرائه بإبرة.
وَكَانَ الْمُنْتَصر يتهم [بقتل] أَبِيه.
[و] يحْكى أَنه نَام يَوْمًا ثمَّ إنتبه وَهُوَ يبكي؛ فَجَاءَتْهُ أمه فَقَالَت: مَا أبكاك يَا بني؛ لَا أبكى الله لَك عينا؟ ﴿فَقَالَ: اذهبي عني ذهبت عني الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، رَأَيْت السَّاعَة أبي فِي النّوم وَهُوَ يَقُول: وَيحك يَا مُحَمَّد﴾ قتلتني لأجل الْخلَافَة، وَالله لَا تمتعت بهَا إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة، ثمَّ مصيرك إِلَى النَّار. فَلم يَعش بعد ذَلِك إِلَّا أَيَّامًا قَليلَة.
وَذكر عَليّ بن يحيى المنجم: أَن الْمُنْتَصر جلس مجْلِس اللَّهْو؛ فَرَأى فِي بعض الْبسط دَائِرَة فِيهَا رَأس عَلَيْهِ تَاج وَحَوله كِتَابَة فارسية؛ فَطلب الْمُنْتَصر من يقْرَأ ذَلِك؛ فأحضر رجل؛ فَنظر فِيهَا ثمَّ قطب. فَقَالَ لَهُ الْمُنْتَصر: مَا هَذِه؟ فَقَالَ: لَا معنى لَهَا. فألح عَلَيْهِ؛ فَقَالَ فِيهَا: أَنا شيرويه بن كسْرَى بن هُرْمُز قتلت أبي: فَلم أتمتع بِالْملكِ إِلَّا سِتَّة أشهر؛ فَتغير [لذَلِك] وَجه الْمُنْتَصر وَقَامَ من جلسه.
стр. 159
وَحَاصِل الْأَمر: أَن الْمُنْتَصر لم يتمتع بالخلافة، وَمَات بعد سِتَّة أشهر أَو دونهَا، فَإِنَّهُ تخلف فِي شَوَّال وَمَات فِي شهر ربيع الآخر.
[وَمَات] وعمره سِتا وَعِشْرُونَ سنة.
وَكَانَ الْمُنْتَصر أعين، أقنى، أسمر، مليح الْوَجْه، ربعَة، كَبِير الْبَطن، مليحا، مهيبا، منصفا فِي الرّعية، مَالَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوب مَعَ شدَّة هيبتهم لَهُ ﵀ [تَعَالَى]-.
وتخلف بعده عَمه [المستعين بِاللَّه أَحْمد] .
стр. 160
(المستعين بِاللَّه أَحْمد)
ابْن المعتصم بِاللَّه مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس.
بُويِعَ بالخلافة فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ بعد موت الْمُنْتَصر.
وَأمه أم ولد، رُومِية، تسمى: مُخَارق.
ومولده فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ.
وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة، غير أَن الْأَمر جَمِيعه كَانَ لوصيف وبغا.
وَكَانَ المستعين فَاضلا، بارعا، إخباريا، دينا.
وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة إِلَى [أول] سنة إِحْدَى وَخمسين [وَمِائَتَيْنِ] ؛ فَتَنَكَّرت لَهُ الأتراك، وقويت شوكتهم عَلَيْهِ؛ فَخرج المستعين من سامرا وَانْحَدَرَ إِلَى بَغْدَاد، فكاتبوه الأتراك يَعْتَذِرُونَ لَهُ ويسألونه الرُّجُوع؛ فَامْتنعَ؛ فقصدوا الْحَبْس وأخرجوا مِنْهُ المعتز [بِاللَّه] بن المتَوَكل، وَبَايَعُوهُ بالخلافة وأخرجوا من الْحَبْس أَيْضا [الْمُؤَيد بن المعتز] ولي الْعَهْد.
стр. 161
ثمَّ جهز المعتز أَخَاهُ الْمَذْكُور فِي عَسْكَر لقِتَال المستعين، واستعد المستعين.
وَحَاصِل الْأَمر: أَن المستعين قهر، وخلع من الْخلَافَة فِي أول سنة إثنتين وَخمسين، ثمَّ حبس بواسط، ثمَّ نقل إِلَى قادسية سامرا، فَقتل بهَا فِي ثَالِث شَوَّال من سنة إثنتين وَخمسين [الْمَذْكُورَة] . وَقيل: ليومين بقيا من شهر رَمَضَان بعد أَن حبس أشهرا.
وَقتل وَله إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة. وَكَانَ الَّذِي قَتله سعيد بن صَالح الْحَاجِب، بَعثه إِلَيْهِ المعتز؛ فَلَمَّا رَآهُ المستعين تَيَقّن التّلف وَبكى وَقَالَ: ذهبت وَالله نَفسِي. فَلَمَّا قرب مِنْهُ سعيد الْمَذْكُور أَخذ يتبعهُ بِسَوْطِهِ، ثمَّ اتكاه فَقعدَ على صَدره، وَقطع رَأسه.
قلت: وَهَذَا أول خَليفَة قتل صبرا، مُوَاجهَة من بني الْعَبَّاس.
وَكَانَ المستعين مَرْبُوع الْقَامَة، أَحْمَر الْوَجْه، خَفِيف العارضين، بِمقدم رَأسه طول.
وَكَانَ حسن الْوَجْه والجسم، بِوَجْهِهِ أثر جدري. وَكَانَ كَرِيمًا، مُسْرِفًا، مبذرا للخزائن، يفرق الْجَوَاهِر وَالثيَاب والنفائس للكائن من كَانَ.
стр. 162
(المعتز بِاللَّه [مُحَمَّد)
وَقيل: الزبير] ابْن المتَوَكل على الله جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون ابْن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو عبد الله، الْهَاشِمِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ.
بُويِعَ بالخلافة عِنْد خلع المستعين بِاللَّه عَمه فِي سنة إثنتين وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، [وَهُوَ ابْن تسع عشرَة سنة.
وَكَانَ مولده سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ] .
وَأمه أم ولد، تسمى: قبيحة؛ لجمال صورتهَا.
قلت: هَذَا من أَسمَاء الأضداد. وَلم يل الْخلَافَة أحد قبله أَصْغَر مِنْهُ.
وَكَانَ شَابًّا جميلا، مليح الْوَجْه، مشربا بحمرة، حسن الْجِسْم، بديع الْحسن.
قَالَ عَليّ بن حَرْب الطَّائِي - وَهُوَ أحد شُيُوخ المعتز فِي الحَدِيث -: دخلت على المعتز، فَمَا رَأَيْت خَليفَة أحسن مِنْهُ.
стр. 163
وَلما تمّ أَمر المعتز فِي الْخلَافَة، واستهل شهر رَجَب خلع المعتز أَخَاهُ الْمُؤَيد إِبْرَاهِيم من ولَايَة الْعَهْد، وَكتب بذلك إِلَى الْآفَاق؛ فَلم يلبث الْمُؤَيد إِلَّا أَيَّامًا وَمَات؛ فخشي المعتز بِاللَّه أَن يتحدث النَّاس عَنهُ أَنه قَتله [أَو احتال] عَلَيْهِ؛ فأحضر الْقُضَاة حَتَّى شاهدوه وَلَيْسَ [بِهِ أثر] ، وَالله أعلم بموتته.
على أَن المعتز كَانَ فِي ضيق وَحجر فِي خِلَافَته مَعَ الأتراك. وَاتفقَ أَن جمَاعَة مِنْهُم أَتَوْهُ وَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أعطنا أرزاقنا لنقتل صَالح [بن] وصيف التركي ونستريح مِنْهُ.
وَكَانَ المعتز يخَاف من صَالح [الْمَذْكُور] ؛ فَطلب من أمه قبيحة مَالا لينفقه فيهم؛ فَأَبت عَلَيْهِ وشحت نَفسهَا - وَكَانَت فِي سَعَة من المَال - وَلم يكن بَقِي فِي بيُوت المَال شَيْء؛ فَاجْتمع الأتراك حِينَئِذٍ وَاتَّفَقُوا على خلعه من الْخلَافَة. وَوَافَقَهُمْ صَالح ابْن وصيف وَمُحَمّد بن بغا؛ فلبسوا السِّلَاح، وَجَاءُوا إِلَى دَار الْخلَافَة؛ فبعثوا إِلَى المعتز أَن أخرج إِلَيْنَا؛ فَبعث يَقُول: قد شربت دَوَاء وَأَنا ضَعِيف؛ فهجم عَلَيْهِ [جمَاعَة] مِنْهُم؛ فجروه برجليه وضربوه بالدبابيس، وأقاموه فِي الشَّمْس فِي يَوْم صَائِف؛ فَبَقيَ يرفع قدما وَيَضَع أُخْرَى وهم يلطمون وَجهه وَيَقُولُونَ: اخلع نَفسك، ثمَّ أحضروا القَاضِي ابْن أبي الشَّوَارِب وَالشُّهُود وخلعوه.
стр. 164
ثمَّ أحضروا من بَغْدَاد [إِلَى سامرا]- وَهِي يَوْمئِذٍ دَار الْخلَافَة - مُحَمَّد ابْن الواثق - وَكَانَ المعتز قد أبعده إِلَى بَغْدَاد - فَسلم إِلَيْهِ المعتز الْخلَافَة، وَبَايَعَهُ ولقبوه: الْمُهْتَدي. ثمَّ أخذُوا المعتز بعد خمس لَيَال من خلعه وأدخلوه الْحمام؛ فَلَمَّا تغسل [عَطش] وَطلب مَاء؛ فمنعوه حَتَّى كَاد يهْلك [وَهُوَ يطْلب المَاء، ثمَّ أخرج وَهُوَ ميت] عطشا؛ فسقوه مَاء بثلج فشربه وَسقط مَيتا.
وَكَانَت موتته فِي شعْبَان سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَله أَربع وَعِشْرُونَ سنة. وَقيل: ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة.
وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وَسِتَّة أشهر وَأَرْبَعَة [عشر يَوْمًا] .
قلت: وَبعد قَتله أمسك صَالح بن وصيف وَغَيره أمه قبيحة وصادروها؛ فوجدوا عِنْدهَا ألف ألف دِينَار [عينا] ، وَنصف إِرْدَب زمرد، وَنصف أردب لُؤْلُؤ، وويبة ياقوت أَحْمَر، وَأَشْيَاء كَثِيرَة غير ذَلِك؛ فَحمل [جَمِيع] ذَلِك لإبن وصيف؛ فَقَالَ ابْن وصيف: قَاتل الله قبيحة؛ عرضت ابْنهَا للْقَتْل وَعِنْدهَا هَذِه الْأَمْوَال الْعَظِيمَة. ﴿﴾
ثمَّ أخرجت قبيحة [الْمَذْكُورَة] إِلَى مَكَّة على أقبح وَجه؛ فأقامت بهَا [إِلَى أَن] مَاتَت.
стр. 165
(الْمُهْتَدي بِاللَّه [مُحَمَّد] )
ابْن الواثق هَارُون بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. الْهَاشِمِي، العباسي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، الْخَلِيفَة الصَّالح، الدّين، أَبُو إِسْحَاق، وَقيل: أَبُو عبد الله.
وَأمه أم ولد، رُومِية تسمى: قرب.
ولد فِي خلَافَة جده سنة بضع عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
بُويِعَ بالخلافة بعد ابْن عَمه المعتز بِاللَّه فِي [الْيَوْم التَّاسِع وَالْعِشْرين] [من] [شهر] رَجَب سنة خمس وَخمسين، وَله بضع وَثَلَاثُونَ سنة.
وَلما طلب لم يقبل بيعَة أحد حَتَّى أُتِي بالمعتز [بِاللَّه] ؛ فَلَمَّا رَآهُ الْمُهْتَدي [هَذَا] قَامَ لَهُ وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة، وَجلسَ بَين يَدَيْهِ، وجئ بالشهود؛ فَشَهِدُوا على المعتز أَنه عَاجز عَن الْخلَافَة؛ فاعترف بذلك وَمد يَده وَبَايع الْمُهْتَدي [بِاللَّه هَذَا] ؛ فارتفع حِينَئِذٍ الْمُهْتَدي إِلَى صدر الْمجْلس.
стр. 166
وَقَالَ [الْمُهْتَدي] : لَا يجْتَمع سيفان فِي غمد. وَهَذَا من قَول أبي ذُؤَيْب:
(تريدين كَيْمَا تجمعيني وخالدا ... وَهل تجمع السيفان وَيحك فِي غمد)
وَكَانَ الْمُهْتَدي دينا، صَالحا، ورعا، متعبدا، عادلا، قَوِيا فِي أَمر الله، بطلا، شجاعا. لكنه لم يجد ناصرا وَلَا معينا على الْخَيْر، وَلَو وجد ناصرا لَكَانَ أَحْيَا سنة عمر بن عبد الْعَزِيز؛ فَإِنَّهُ سَار كثيرا فِي خِلَافَته على سيرته.
قَالَ الْخَطِيب: لم يزل صَائِما مُنْذُ ولي الْخلَافَة، إِلَى أَن قتل.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس هَاشم بن الْقَاسِم: كنت بِحَضْرَة الْمُهْتَدي عَشِيَّة رَمَضَان؛ فَوَثَبت لأنصرف فَقَالَ: اجْلِسْ. ثمَّ أحضر بعد الصَّلَاة طبقًا وَفِيه أرغفة من الْخبز وَبَعض ملح وخل وزيت، فَقَالَ: كل؛ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿قد أَسْبغ الله نعمه عَلَيْك﴾ قَالَ: صدقت، وَلَكِنِّي فَكرت فِي أَنه كَانَ فِي بني أُميَّة عمر بن عبد الْعَزِيز؛ فغرت على بني هَاشم؛ فَأخذت نَفسِي على مَا رَأَيْت.
قلت: كَانَ قَصده أَن يقتفي سيرة عمر بن عبد الْعَزِيز، وَكَانَ يَقُول وَيفْعل؛ فَلم يجد معينا على ذَلِك.
وَقَالَ ابْن عَرَفَة النَّحْوِيّ: حَدثنِي بعض الهاشميين أَنه وجد للمهتدي سفطا فِيهِ جُبَّة صوف وَكسَاء كَانَ يلْبسهُ فِي اللَّيْل وَيُصلي فِيهِ. وَكَانَ قد أطرح الملاهي، وَحرم الْغناء، وحسم أَصْحَاب السُّلْطَان عَن الظُّلم.
стр. 167
وَكَانَ شَدِيد الإشراف على أَمر الدَّوَاوِين، يجلس بِنَفسِهِ وتجلس الْكتاب بَين يَدَيْهِ؛ فيعملون الْحساب؛ فسامته الظلمَة والأتراك، وَاتَّفَقُوا على خلعه وركبوا عَلَيْهِ وحاربوه، وَكَانَ بطلا شجاعا؛ فحاربهم أَشد محاربة بأناس قَليلَة، وفر عَنهُ أَصْحَابه بعد أُمُور وَقعت بَينهم؛ فانكسر وَأسر وخلع، ثمَّ قتل شَهِيدا فِي شهر رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَت خِلَافَته سنة إِلَّا خَمْسَة عشرَة يَوْمًا.
وَكَانَ الْمُهْتَدي أسمرا، رَقِيقا، مليح الْوَجْه. وتخلف بعده ابْن عَمه [الْمُعْتَمد أَحْمد - رَحمَه الله تَعَالَى -] .
стр. 168
(الْمُعْتَمد على الله أَحْمد)
ابْن المتَوَكل [على الله] جَعْفَر بن المعتصم [بِاللَّه] مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس، الْهَاشِمِي، العباسي.
ولد سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بسر من رأى.
وَأمه أم ولد، رُومِية، اسْمهَا: فتيَان.
بُويِعَ بالخلافة بعد قتل ابْن عَمه [الْمُهْتَدي] . وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة، وطالت أَيَّامه.
وَكَانَ منهمكا فِي اللَّذَّات؛ فَجعل أَخَاهُ - وَهُوَ ولي عَهده - الْمُوفق طَلْحَة على الْأُمُور.
وانهمك هُوَ فِي اللَّذَّات؛ فاستولى أَخُوهُ الْمَذْكُور على جَمِيع تعلقات الْخلَافَة، وَقَوي أمره، وَصَارَ إِلَيْهِ الْحل وَالْعقد، وانقهر مَعَه الْمُعْتَمد [هَذَا] ، وَصَارَ كالمحجور عَلَيْهِ مَعَه.
وَكَانَ الْمُوفق مُتَوَلِّي محاربة الزنج هُوَ وَولده أَحْمد المعتضد، وَالْمُعْتَمد هَذَا غارق فِي السكر. وَكَانَ يعربد فِي سكره على الندماء.
стр. 169
وَكَانَ أَخُوهُ الْمُوفق محببا للرعية والجند وَعِنْده سياسة وَمَعْرِفَة بالأمور وَالتَّدْبِير.
وَكَانَ الْمُوفق يلقب بالناصر لدين الله، وَلَو أَرَادَ الْوُثُوب على الْأَمر لحصل لَهُ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ صَاحب الْجَيْش والعساكر، وَإِنَّمَا لِأَخِيهِ الْمُعْتَمد [هَذَا] اسْم الْخلَافَة لَا غير.
وَلم يزل الْمُوفق على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْأَمر وَالنَّهْي، إِلَى أَن مرض وَمَات فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فِي حَيَاة أَخِيه الْمُعْتَمد هَذَا.
وَكَانَ الْمُوفق قد حبس فِي حَيَاته وَلَده المعتضد أَحْمد؛ فَلَمَّا احْتضرَ الْمُوفق أخرجه من الْحَبْس وَجعله عوضه فِي ولَايَة الْعَهْد؛ فَكَانَ المعتضد على عَمه الْمُعْتَمد هَذَا أَشد من [أَبِيه] الْمُوفق؛ فَلم تطل أَيَّام الْمُعْتَمد بعد موت أَخِيه الْمُوفق، وَمَات فَجْأَة وَهُوَ سَكرَان [فِي تَاسِع عشر] شهر رَجَب سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ.
وَكَانَت خِلَافَته ثَلَاثًا وَعشْرين سنة، لَيْسَ لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم [فَقَط] ، وَالْأَمر كُله لِأَخِيهِ الْمُوفق [طَلْحَة] ، ثمَّ من بعده لإبنه المعتضد أَحْمد.
[والمعتضد هُوَ] الَّذِي تخلف بعد عَمه الْمُعْتَمد هَذَا.
стр. 170
(المعتضد بِاللَّه أَحْمد)
ابْن ولي الْعَهْد الْمُوفق [بِاللَّه] طَلْحَة بن المتَوَكل [على الله] جَعْفَر ابْن المعتصم [بِاللَّه] مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون. الْهَاشِمِي، العباسي [أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس] .
بُويِعَ بالخلافة بعد موت عَمه الْمُعْتَمد.
ومولده فِي سنة إثنتين وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فِي ذِي الْقعدَة فِي أَيَّام جده.
وَكَانَ المعتضد هَذَا شجاعا، مقداما، مهابا، وَهُوَ آخر من ولي الْخلَافَة بِبَغْدَاد من بني الْعَبَّاس بعظمة وَحُرْمَة ومهابة، وَمن جَاءَ بعده فهم كلا شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى المعتضد [هَذَا] .
وَهُوَ الَّذِي حَارب الزنج فِي أَيَّام عَمه [الْمُعْتَمد] . وَكَانَ أَبوهُ الْمُوفق [يندبه لهَذِهِ الْمُهِمَّات] ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِأُمُور الرّعية، وَعَمه الْمُعْتَمد [الْخَلِيفَة] منهمك فِي اللَّذَّات.
стр. 171
وَهُوَ أَيْضا الَّذِي حَارب خمارويه بن أَحْمد بن طولون صَاحب مصر، وَوَقع لَهُ مَعَه حروب وخطوب، ثمَّ اصطلحا وَتزَوج المعتضد بإبنته قطر الندى بنت خمارويه الْمَذْكُور.
وَكَانَ الْمُوفق قد خَافَ من وَلَده المعتضد وحبسه. فَلَمَّا اشْتَدَّ [مرض الْمُوفق] عمد غلْمَان المعتضد هَذَا إِلَيْهِ وأخرجوه من الْحَبْس بِلَا إِذن الْمُوفق، وَلَا أَخِيه الْخَلِيفَة الْمُعْتَمد.
فَلَمَّا رَآهُ الْمُوفق أَيقَن بِالْمَوْتِ، ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا وَلَدي لهَذَا الْيَوْم خبأتك. وفوض الْأُمُور إِلَيْهِ، وأوصاه بِعَمِّهِ [الْخَلِيفَة] الْمُعْتَمد. وَكَانَ ذَلِك قبل موت الْمُوفق بِثَلَاثَة أَيَّام.
وَلما تخلف المعتضد أحبه النَّاس لحسن تَدْبيره وَشدَّة بأسه.
وَلما تزوج المعتضد بقطر الندى بنت خمارويه -[الْمُقدم ذكرهَا]- أمهرها ألف ألف دِرْهَم.
وَكَانَ المعتضد عادلا فِي الرّعية، مَعَ مهابة وسطوة وجبروت، وَشدَّة وطئة.
وَكَانَ أسمرا، نحيفا، معتدل الْخلق. وَكَانَ يقدر على الْأسد وَحده.
قَالَ المَسْعُودِيّ: كَانَ المعتضد قَلِيل الرَّحْمَة. قيل: إِنَّه كَانَ إِذا غضب على قَائِد أَمر [أَن] تحفر لَهُ حفيرة ويلقى فِيهَا ويطم عَلَيْهِ.
قَالَ: وَكَانَ ذَا سياسة عَظِيمَة.
стр. 172
وَعَن [عبد الله] بن حمدون أَن المعتضد [خرج لصيد] ؛ فَنزل إِلَى جَانب مقثأة وَأَنا مَعَه؛ فصاح الناطور فَقَالَ: عَليّ بِهِ؛ فأحضر، فَسَأَلَهُ؛ فَقَالَ: ثَلَاثَة غلْمَان نزلُوا المقثأة فأخربوها؛ فجِئ بهم؛ فَضربت أَعْنَاقهم فِي المقثأة من الْغَد.
فكلمني [المعتضد بعد مُدَّة] وَقَالَ: أَخْبرنِي فِيمَا يُنكر عَليّ النَّاس؟ قلت: سفك الدِّمَاء. قَالَ المعتضد: وَالله مَا سفكت دَمًا حَرَامًا مُنْذُ وليت ﴿.
قلت: فَلم قتلت أَحْمد بن الطّيب؟﴾ قَالَ: دَعَاني إِلَى الْإِلْحَاد.
قلت: فالثلاثة الَّذين نزلُوا المقثاة؟ قَالَ: وَالله مَا قَتلتهمْ، وَإِنَّمَا قتلت لصوصا [قد] قتلوا، وأوهمت بهم أَنهم هم.
ثمَّ دَعَا بِصَاحِب الشرطة! فأحضرهم من الْحَبْس.
قلت: هَكَذَا تكون معرفَة السُّلْطَان وتدبيره فِي رَعيته.
وَعَن إِسْمَاعِيل القَاضِي قَالَ: دخلت على المعتضد وعَلى رَأسه أَحْدَاث صباح الْوُجُوه روم؛ فَنَظَرت إِلَيْهِم؛ فرآني المعتضد أتأملهم؛ فَلَمَّا أردْت الْقيام أَشَارَ إِلَيّ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا القَاضِي، وَالله مَا حللت سراويلي على حرَام قطّ.
قَالَ: وَدخلت إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى؛ فَدفع إِلَيّ كتابا؛ فَنَظَرت فِيهِ؛ فَإِذا قد جمع فِيهِ الرُّخص من زلل الْعلمَاء؛ فَقلت: مُصَنف هَذَا زنديق. قَالَ: لم تصح
стр. 173
هَذِه الْأَحَادِيث؛ قلت: بلَى، وَلَكِن من أَبَاحَ الْمُسكر لم يبح الْمُتْعَة، وَمن أَبَاحَ الْمُتْعَة لم يبح الْغناء، وَمَا من عَالم إِلَّا لَهُ زلَّة، وَمن أَخذ بِكُل زلل الْعلمَاء ذهب دينه؛ فَأمر المعتضد بِالْكتاب؛ فَأحرق.
وَاسْتمرّ المعتضد فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن توفّي فِي يَوْم الأثنين لثمان بَقينَ من [شهر] ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] .
وَدفن فِي حجرَة الرخام.
وَكَانَ المعتضد يُسمى: السفاح لثاني؛ لِأَنَّهُ جدد ملك بني الْعَبَّاس.
وَمن عَجِيب مَا ذكر عَنهُ المَسْعُودِيّ -[إِن صَحَّ]- قَالَ: شكوا فِي [موت المعتضد] ؛ فَتقدم الطَّبِيب فجس نبضه؛ فَفتح عينه ورفس الطَّبِيب بِرجلِهِ فدحاه أذرعا، وَمَات الطَّبِيب، ثمَّ مَاتَ المعتضد من سَاعَته.
وَكَانَت [خلَافَة المعتضد] تسع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَنصفا.
وتخلف بعده [إبنه] [المكتفي عَليّ] .
стр. 174
(المكتفي بِاللَّه عَليّ)
ابْن المعتضد بِاللَّه أَحْمد بن ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن جَعْفَر المتَوَكل بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو مُحَمَّد.
ولد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَأمه أم ولد تسمى: خاضع.
وَكَانَ يضْرب الْمثل بحسنه فِي زَمَانه. كَانَ معتدل الْقَامَة، دري اللَّوْن، أسود الشّعْر، حسن اللِّحْيَة، جميل الصُّورَة.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت وَالِده المعتضد فِي جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَمَانِينَ [وَمِائَتَيْنِ] . وَأخذ لَهُ أَبوهُ الْبيعَة فِي مرض مَوته، ثمَّ نَهَضَ بأعبائها بعد مَوته الْوَزير أَبُو الْحُسَيْن الْقَاسِم بن عبيد الله.
[و] فِي أَيَّام المكتفي - فِي سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ - كَانَ بِمصْر غلاء عَظِيم حَتَّى أكل النَّاس الْميتَة، وَلم يبْق من الْعَالم إِلَّا الْقَلِيل.
стр. 175
وَلم تطل أَيَّامه وَمَات شَابًّا فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَت خِلَافَته سِتَّة أَعْوَام وَنصفا.
واستخلف بعده أَخُوهُ المقتدر بتفويض المكتفي إِلَيْهِ فِي مَرضه بعد أَن سَأَلَ عَنهُ المكتفي وَصَحَّ عِنْده أَنه احْتَلَمَ؛ فبويع المقتدر وَقد دخل فِي أَربع عشرَة سنة.
وَذكر أَبُو مَنْصُور الثعالبي قَالَ: حكى إِبْرَاهِيم بن نوح أَن الَّذِي خَلفه المكتفي مِمَّا جمعه هُوَ وَأَبوهُ مائَة ألف ألف دِينَار عين، وأمتعة وعقار وأواني؛ فَكَانَ من جملَة [تِلْكَ] الْأَمْتِعَة: ثَلَاثَة وَسِتُّونَ ألف ثوب ديباج.
стр. 176
(المقتدر بِاللَّه)
أَبُو الْفضل، جَعْفَر ابْن ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه المكتفي وعمره أَربع عشرَة سنة، فِي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ.
وَأمه أم ولد تسمى: شغب.
وَلما اسْتخْلف المقتدر فِي هَذِه الْمرة الأولى لم يتم أمره؛ [لصِغَر سنة] وتغلب عَلَيْهِ الْجند. وَاتفقَ جمَاعَة من الْأَعْيَان على خلعه من الْخلَافَة وتولية عبد الله بن المعتز، وكلموا ابْن المعتز [فِي ذَلِك] ؛ فأجابهم بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهَا دم؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَالما، فَاضلا؛ دينا، أديبا، شَاعِرًا، فَأَجَابُوهُ لذَلِك وَكَانَ رَأْسهمْ مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، وَأَبُو الْمثنى أَحْمد بن يَعْقُوب القَاضِي، وَالْحُسَيْن بن حمدَان، وَاتَّفَقُوا على قتل المقتدر ووزيره الْعَبَّاس وفاتك.
стр. 177
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين ركب الْحُسَيْن بن حمدَان والقواد، فَشد ابْن حمدَان على الْوَزير فَقتله؛ فَأنْكر عَلَيْهِ فاتك؛ فعطف على فاتك فَقتله.
ثمَّ شدّ على المقتدر - وَكَانَ يلْعَب بالصوالجة - فَسمع الضجة؛ فَدخل وأغلقت الْأَبْوَاب؛ فَعَاد ابْن حمدَان وَنزل وأحضر عبد الله بن المعتز والقواد والقضاة والأعيان وَبَايَعَهُ - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وخلع المقتدر من الْخلَافَة - وَهُوَ مُقيم بِالْحَرِيمِ دَاخل دَار الْخلَافَة -؛ فَكَانَت خلَافَة المقتدر إِلَى يَوْم خلع بإبن المعتز دون السّنة. ثمَّ أُعِيد من الْغَد ثَانِي يَوْم خلع - على مَا سَيَأْتِي ذكره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
стр. 178
(عبد الله بن المعتز)
ابْن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم [مُحَمَّد، العباسي] الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس، الأديب، صَاحب الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق، والتشابيه المخرعة.
ومولده فِي شعْبَان سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ.
تقدم أَن الْحُسَيْن بن حمدَان قَامَ فِي أمره مَعَ جمَاعَة من القواد، وخلع المقتدر من الْخلَافَة، وَجمع الْقُضَاة والقواد، وَبَايع عبد الله هَذَا بالخلافة ولقبه بالغالب بِاللَّه. وَقيل: بالراضي [بِاللَّه] .
واستوزر مُحَمَّد بن دَاوُد الْجراح، وَجعل يمن الْخَادِم حَاجِبه؛ فَغَضب سوسن الْخَادِم، وَعَاد إِلَى دَار المقتدر وطاعته.
[وَتمّ أَمر] عبد الله بن المعتز فِي ذَلِك (الْيَوْم وَهُوَ الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، ونفذت الْكتب بخلافته إِلَى الأقطار.
وَقَالَ الْمعَافى [بن] زَكَرِيَّا الْجريرِي) : حدثت أَن المقتدر لما خلع وبويع ابْن المعتز دخلُوا على شَيخنَا مُحَمَّد بن جرير؛ فَقَالَ: مَا الْخَبَر؟
стр. 179
قيل: بُويِعَ ابْن المعتز. قَالَ: فَمن رشح للوزارة؟ قيل: مُحَمَّد بن دَاوُد. قَالَ: فَمن ذكر للْقَضَاء؟ قيل: الْحُسَيْن بن الْمثنى؛ فَأَطْرَقَ ابْن جرير، ثمَّ قَالَ: هَذَا أَمر لَا يتم، قيل: وَكَيف! ؟ قَالَ: كل وَاحِد مِمَّن سميتم مُتَقَدم فِي مَعْنَاهُ على الرُّتْبَة وَالزَّمَان، مُدبر وَالدُّنْيَا مولية، وَمَا أرى [هَذَا] إِلَّا إِلَى اضمحلال، وَمَا أرى لمدته طولا. إنتهى.
وَلما تخلف ابْن المعتز بعث إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بالإنصراف إِلَى دَار مُحَمَّد ابْن طَاهِر؛ لكَي ينْتَقل ابْن المعتز إِلَى دَار الْخلَافَة؛ فَأجَاب المقتدر، وَقد بَقِي عِنْده أنَاس قَليلَة وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة.
وَأصْبح الْحُسَيْن بن حمدَان باكرا إِلَى دَار الْخلَافَة، وَقَاتل أعوان المقتدر؛ فقاتلوه ودفعوه عَنْهَا، ثمَّ خَرجُوا بِالسِّلَاحِ وقصدوا مَكَان ابْن المعتز.
فَلَمَّا رَآهُمْ من حول ابْن المعتز أوقع الله فِي قُلُوبهم الرعب؛ فَانْهَزَمُوا بِغَيْر حَرْب؛ فَركب ابْن المعتز فرسا وَمَعَهُ وزيره ابْن دَاوُد وحاجبه يمن وَقد شهر سَيْفه؛ فَلم يتبعهُ أحد.
فَلَمَّا رأى أمره فِي إدبار نزل عَن دَابَّته، وَدخل دَار ابْن الْجَصَّاص، واختفى الْوَزير وَغَيره، ونهبت دُورهمْ.
وَخرج المقتدر، واستفحل أمره، وَأمْسك جمَاعَة ابْن المعتز وَمن قَامَ بنصرته وخلافته وحبسهم، ثمَّ قتل غالبهم.
واستقام أَمر المقتدر، وأعيد للخلافة، ثمَّ قبض على ابْن المعتز وَابْن الْجَصَّاص، وَحبس ابْن المعتز أَيَّامًا، ثمَّ أخرج مَيتا فِي شهر ربيع الآخر [سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ] .
وَكَانَ الَّذِي تولى هَلَاكه مؤنس الْخَادِم.
стр. 180
قيل: إِنَّه لما علم أَن مؤنسا يُرِيد هَلَاكه قَالَ أبياتا [تَقول] أَولهَا:
(يَا نفس صبرا لَعَلَّ الْخَيْر عقباك ... خانتك من بعد طول الْأَمْن دنياك)
وَكَانَ ابْن المعتز ﵀ إِمَامًا، شَاعِرًا، بليغا، فصيحا، مفوها.
وَكَانَت خِلَافَته يَوْمًا وَاحِدًا. وَقيل: نصف يَوْم. وَبَعْضهمْ لم يذكرهُ مَعَ الْخُلَفَاء، وَسَماهُ بالأمير، لَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
ومذهبي فِيهِ أَنه: أَمِير الْمُؤمنِينَ - وَلَو لم يل الْخلَافَة - فَإِنَّهُ كَانَ أَهلا للخلافة خليقا لَهَا ﵀.
وَمن شعره - وَفِيه لف وَنشر أَرْبَعَة بأَرْبعَة -:
(انْظُر إِلَى الْيَوْم مَا أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد)
(كَأَنَّهُ أَنْت يَا من لَا شَبيه لَهُ ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد)
следующие страницы →