Полный текст (483 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَكَانَ الَّذِي طعن مُصعب زَائِدَة الثَّقَفِيّ وَقَالَ: يَا ثأرات الْمُخْتَار؛ لِأَن مصعبا كَانَ [قد] قتل مُخْتَار الْكذَّاب بالعراق. وَكَانَ مُصعب رجلا جوادا، مليح الصُّورَة.
ثمَّ ندب عبد الْملك الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ لقِتَال عبد الله بن الزبير [بعد أَن ولاه الْعرَاق] ؛ فَسَار الْحجَّاج بعسكره إِلَى الْحجاز، وَقَاتل عبد الله بن الزبير وحصره بحرم مَكَّة، وَنصب على الْكَعْبَة المنجنيق، وَرمى بِهِ على الْبَيْت الْعَتِيق حَتَّى هدم مِنْهُ جانبا.
ودام الْقِتَال بَينهمَا أشهرا، إِلَى قتل أَصْحَاب عبد الله بن الزبير، ثمَّ أُصِيب فِي جُمَادَى الأول من سنة ثَلَاث وَسبعين؛ فَأَخذه الْحجَّاج وصلبه أشهرا، وطوف بِرَأْسِهِ، وَقتل مَعَه عبد الله بن صَفْوَان بن أُميَّة الجُمَحِي الْمَكِّيّ - وَكَانَ من الأسخياء -. وَأصَاب المنجنيق عبد الله بن مُطِيع بن الْأسود الْعَدوي - وَكَانَ ولي الْكُوفَة لعبد لله بن الزبير حَتَّى غلب عَلَيْهَا الْمُخْتَار - وَقتل مَعَه [أَيْضا] عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّمِيمِي الصَّحَابِيّ.
стр. 72
قلت: وَعبد الله بن الزبير قرشي أسدي، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ من الْمُهَاجِرين - وَقد تقدم ذَلِك فِي أول هَذَا الْكتاب - وَله صُحْبَة وَرِوَايَة عَن النَّبِي -[ ﷺ ]-[وَعَن أَبِيه وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان. وَهُوَ بن عمَّة رَسُول الله -[ ﷺ ]-] وحواريه.
وَيُقَال فِي حَقه: إِنَّه كَانَ فَارس الْخُلَفَاء.
قَالَ الذَّهَبِيّ: قَالَ يُوسُف بن الْمَاجشون عَن الثِّقَة بِسَنَدِهِ قَالَ: قسم ابْن الزبير الدَّهْر [على] ثَلَاث لَيَال؛ فليلة: هُوَ قَائِم حَتَّى الصَّباح، وَلَيْلَة هُوَ رَاكِع حَتَّى الصَّباح، وَلَيْلَة هُوَ ساجد حَتَّى الصَّباح.
وروى أَيْضا عَن طَرِيق آخر: أَنه ركع يَوْمًا [رَكْعَة] ؛ فَقَرَأَ بالبقرة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة، وَمَا رفع رَأسه. إنتهى.
стр. 73
( [مَرْوَان بن الحكم الْأمَوِي)
هُوَ] مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس، الْأمَوِي الْقرشِي، أَبُو عبد الْملك.
وَأمه آمِنَة بنت عَلْقَمَة.
بَايع نَفسه بالخلافة بعد خلع مُعَاوِيَة بن يزِيد. وَقيل: بعد خلع خَالِد بن يزِيد. ولقب: المؤتمن بِاللَّه.
وَالْحكم وَالِده هُوَ طريد النَّبِي -[ ﷺ ]- نَفَاهُ إِلَى الطَّائِف؛ فَأَقَامَ بِالطَّائِف حَتَّى تخلف عُثْمَان ﵁ أذن لَهُ بِالْعودِ إِلَى الْمَدِينَة.
وَكَانَ مولد مَرْوَان هَذَا بِمَكَّة بعد عبد الله بن الزبير بأَرْبعَة أشهر. وَلم يَصح لَهُ سَماع من النَّبِي -[ ﷺ ]-.
وَقَالَ الذَّهَبِيّ: لَهُ رِوَايَة - إِن شَاءَ الله [تَعَالَى]-.
قلت: وثب مَرْوَان على الْخلَافَة من غير عهد وَلَا مشورة.
стр. 74
وَقَالَ ابْن سعد: كَانُوا ينقمون على عُثْمَان تقريب مَرْوَان وتصرفه فِي الْأُمُور.
وَسَار بعد قتل عُثْمَان مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر يطْلبُونَ بِدَم عُثْمَان [فِي] [يَوْم] وقْعَة الْجمل، وَقَاتل يَوْمئِذٍ مَرْوَان أَشد قتال.
وَلما رأى الْهَزِيمَة عَلَيْهِم؛ رمى طَلْحَة بِسَهْم؛ فَقتله غدرا وَهُوَ فِي عسكره، والتفت إِلَى أبان بن عُثْمَان وَقَالَ لَهُ: قد كفيتك بعض قاتلي أَبِيك.
وَانْهَزَمَ مَرْوَان من وقْعَة الْجمل وَقد أَصَابَته جراحات؛ فَحمل وتداوى، ثمَّ اختفى؛ فآمنه عَليّ ﵁ وأنفذه إِلَى الْمَدِينَة؛ فَأَقَامَ بهَا حَتَّى اسْتخْلف مُعَاوِيَة قدم عَلَيْهِ.
فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة أرْسلهُ يزِيد يَوْم وقْعَة الْحرَّة مَعَ مُسلم بن عقبَة وحرضه على أهل الْمَدِينَة.
ثمَّ تزوج مَرْوَان بِأم خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة بعد موت يزِيد؛ فَكَانَ مَرْوَان يجلس مَعَ خَالِد ويحادثه؛ فَدخل عَلَيْهِ خَالِد فِي بعض الْأَيَّام؛ فزبره
стр. 75
مَرْوَان وَقَالَ لَهُ: تَنَح يَا ابْن رطبَة الإست، وَالله مَالك عقل! ؛ فَقَامَ خَالِد عَنهُ وَدخل [إِلَى أمه] وَذكر لَهَا مقَالَته؛ فأضمرت [أمه السوء لمروان] .
ثمَّ دخل عَلَيْهَا مَرْوَان؛ فَقَالَ [لَهَا] : هَل قَالَ لَك خَالِد شَيْئا؟ فأنكرت؛ فَنَامَ عِنْدهَا مَرْوَان؛ فَوَثَبت هِيَ وجواريها، فعمدت إِلَى وسَادَة فَوَضَعتهَا على وَجهه، وغمرته هِيَ والجواري حَتَّى مَاتَ. ثمَّ صرخن وقلن: مَاتَ فَجْأَة، وَذَلِكَ فِي أول شهر رَمَضَان، وَقيل: فِي ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ بِدِمَشْق، وَقيل: إِنَّه مَاتَ فَجْأَة، وَقيل: [مَاتَ] مطعونا.
وَكَانَ مَرْوَان فَقِيها، عَالما، أديبا، كَاتبا لعُثْمَان بن عَفَّان -[﵁]-.
[قلت: وَكَانَ هُوَ من أعظم الْأَسْبَاب فِي زَوَال دولة عُثْمَان ﵁] .
وَكَانَت خِلَافَته نَحْو تِسْعَة أشهر. وَقيل أَكثر من ذَلِك.
وتخلف [من] بعده ابْنه [عبد الْملك] .
стр. 76
(عبد الْملك بن مَرْوَان)
ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس، الْأمَوِي الْقرشِي.
أمه عَائِشَة بنت مُعَاوِيَة.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه - إِن كَانَ لِأَبِيهِ حق فِي الْخلَافَة -.
ولقب بالموفق لأمر الله. ومولده [فِي] سنة سِتّ وَعشْرين.
قَالَ ابْن سعد: وَكَانَ عابدا، ناسكا بِالْمَدِينَةِ قبل الْخلَافَة، وَشهد يَوْم الدَّار مَعَ أَبِيه وَهُوَ ابْن عشر سِنِين [وَاسْتَعْملهُ مُعَاوِيَة على الْمَدِينَة وَهُوَ ابْن سِتَّة عشر سنة] .
قَالَ الذَّهَبِيّ: هَذَا لَا يُتَابع ابْن سعد عَلَيْهِ أحد من اسْتِعْمَال مُعَاوِيَة لَهُ على الْمَدِينَة.
قلت: أما ولَايَة أَبِيه على الْمَدِينَة؛ فبالإجماع.
стр. 77
قَالَ صَالح بن دحْيَة: قَرَأت فِي كتاب صفة الْخُلَفَاء - فِي خزانَة الْمَأْمُون -: كَانَ عبد الْملك [رجلا] طَويلا، أَبيض، مقرون الحاجبين، كَبِير الْعَينَيْنِ، مشرف الْأنف، رَقِيق الْوَجْه، حسن الْجِسْم، لَيْسَ بالقصيف وَلَا البادن، أَبيض الرَّأْس واللحية. إنتهى.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه كَانَ فَقِيها، دينا؛ فَلَمَّا أَتَتْهُ الْخلَافَة تغير عَن ذَلِك [كُله] .
يُقَال: إِنَّه أَتَتْهُ الْخلَافَة والمصحف فِي حجره؛ فأطبقه وَقَالَ: هَذَا آخر الْعَهْد مِنْك.
وَلما ولي الْخلَافَة استفتحها بِقِتَال مُصعب بن الزبير. والتقى مَعَه غير مرّة حَتَّى قَتله بعد سِنِين - كَمَا تقدم ذكره -.
ثمَّ أرسل الْحجَّاج إِلَى عبد الله بن الزبير بِمَكَّة؛ فَتوجه [الْحجَّاج] إِلَى مَكَّة وحاصر ابْن الزبير، وَرمى الْبَيْت الْحَرَام بالمنجنيق وَأحرقهُ بالنَّار؛ فَنزلت صَاعِقَة من السَّمَاء؛ فحرقت المنجنيق وَالَّذين كَانُوا يرْمونَ [بِهِ] ؛ فأحضر الْحجَّاج منجنيقا آخر ونصبه وَرمى بِهِ وَقَالَ: أَنا أخبر بصواعق أَرض تهَامَة.
ولازال على ذَلِك حَتَّى ظفر بِابْن الزبير وَقَتله - حَسْبَمَا تقدم ذكره -.
قيل: إِن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵁ سُئِلَ عَن عبد الْملك بن مَرْوَان؛ فَقَالَ: مَا أَقُول فِي رجل الْحجَّاج؟ ! سَيِّئَة من سيئاته.
стр. 78
ويحكى أَن عبد الْملك كَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ رجل يَقُول لَهُ: اعفني من ثَلَاث وَقل مَا شِئْت بعْدهَا: لَا تكذبني فَإِن الكذوب لَا رَأْي لَهُ، وَلَا تجبني فِيمَا لَا أَسأَلك عَنهُ، وَلَا تطرني فَإِنِّي أعلم بنفسي مِنْك، وَلَا تحملنِي على الرّعية. وَكَانَ عبد الْملك كثيرا مَا يجلس مَعَ أم الدَّرْدَاء؛ فَقَالَت لَهُ مرّة: بَلغنِي أَنَّك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شربت الطلا بعد [النّسك وَالْعِبَادَة] ! قَالَ: إِي وَالله، والدماء.
وَقيل: لما احْتضرَ عبد الْملك دخل [عَلَيْهِ] الْوَلِيد [وَلَده] يعودهُ، فتمثل عبد الْملك [فَقَالَ] :
(كم عَائِد رجلا وَلَيْسَ يعودهُ ... أَلا ليعلم هَل يرَاهُ يَمُوت)
قيل: إِن عبد الْملك رأى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ بَال فِي محراب النَّبِي -[ ﷺ ]- أَربع بولات؛ فتأثر من ذَلِك، وَسَأَلَ أهل التَّعْبِير فعبروا لَهُ أَنه: يتَخَلَّف من أَوْلَاده لصلبه أَرْبَعَة؛ فَكَانَ كَذَلِك، وهم: الْوَلِيد، وَسليمَان، وَيزِيد، وَهِشَام الْآتِي ذكرهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
وَتُوفِّي عبد الْملك فِي شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة. وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وأشهرا.
стр. 79
(الْوَلِيد بن عبد الْملك)
ابْن مَرْوَان بن الحكم، الْأمَوِي الْقرشِي، أَبُو الْعَبَّاس.
أمه ولادَة بنت الْعَبَّاس، وَهِي أم أَخِيه سُلَيْمَان أَيْضا.
بُويِعَ بالخلافة بِعَهْد من أَبِيه [عبد الْملك] لَهُ بعد مَوته، ولقب بالمنتقم بِاللَّه.
وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة، وطالت أَيَّامه. وَهُوَ الَّذِي بنى جَامع دمشق، وَأنْفق عَلَيْهِ أَمْوَالًا عَظِيمَة؛ يُقَال: إِنَّهَا كَانَت أَرْبَعمِائَة صندوق، فِي كل صندوق أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار.
أَقُول: تِلْكَ الدَّنَانِير غير دَنَانِير يَوْمنَا هَذَا. إنتهى.
وَقيل: إِنَّه اجْتمع بالجامع الْمَذْكُور إثنا عشر ألف مرخم. وَهدم الْوَلِيد [هَذَا أَيْضا] [الْبيُوت] الَّتِي بجوار قبر النَّبِي -[ ﷺ ]- وأدخلها فِي الْمَسْجِد حَتَّى صَار طوله مِائَتي ذِرَاع وَعرضه مِائَتي ذِرَاع.
وَفِي أَيَّامه فتحت جَزِيرَة الأندلس، وبلاد التّرْك كلهَا، وَأكْثر بِلَاد الْهِنْد.
وَكَانَ الْوَلِيد لحانا.
стр. 80
قَالَ الذَّهَبِيّ: روى يحيى بن يحيى الغساني أَن روح بن زنباع دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان - وَكَانَ وزيره -؛ فَوَجَدَهُ مهموما؛ فَقَالَ: مَا بَال أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ !
قَالَ: فَكرت فِيمَن أولي الْخلَافَة بعدِي - وَكَانَ الْوَلِيد حَاضرا -؛ فَقَالَ روح: أَيْن أَنْت عَن رَيْحَانَة قُرَيْش وسيدها [الْوَلِيد. قَالَ] : الْوَلِيد لَا يتَكَلَّم بِكَلَام الْعَرَب؛ فَسمع ذَلِك الْوَلِيد؛ فَقَامَ من وقته وَجمع أَصْحَاب النَّحْو، وطين عَلَيْهِ الْبَاب سِتَّة أشهر، ثمَّ خرج أَجْهَل مِمَّا دخل. إنتهى.
قلت: كَانَ أَبَوَاهُ يرفهانه؛ فَنَشَأَ بِلَا أدب. وَكَانَ إِذا مَشى يتبختر فِي مشيته.
وَعَن أبي الزِّنَاد قَالَ: سَمِعت الْوَلِيد وَهُوَ على مِنْبَر النَّبِي -[ ﷺ ]- يَقُول: يَا أهل الْمَدِينَة - بِالضَّمِّ -.
قلت: وَكَانَ الْوَلِيد جبارا متعاظما، إِلَّا أَنه كَانَ [فِيهِ محَاسِن، مِنْهَا] : الْكَرم، وَالنَّهْي عَن محارم الله [تَعَالَى] .
وَرُوِيَ أَنه قَالَ: لَوْلَا أَن الله تَعَالَى ذكر آل لوط فِي الْقُرْآن مَا ظَنَنْت أَن أحدا يفعل هَذَا.
قلت: كَانَ مشغوفا بحب النِّسَاء، وحكايته مَعَ زَوجته ابْنة عَمه أم الْبَنِينَ مَشْهُورَة ذكرهَا ابْن خلكان. إنتهى.
стр. 81
وَقَالَ عمر بن عبد الْوَاحِد الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر عَن أَبِيه، قَالَ: خرج الْوَلِيد بن عبد الْملك من الْبَاب الْأَصْغَر؛ فَوجدَ رجلا عِنْد الْحَائِط، عِنْد المئذنة الشرقية يَأْكُل وَحده؛ فجَاء؛ فَوقف على رَأسه، فَإِذا هُوَ يَأْكُل خبْزًا وترابا؛ فَقَالَ: مَا شَأْنك انْفَرَدت من النَّاس؟ ﴿قَالَ: أَحْبَبْت الْوحدَة. قَالَ: فَمَا حملك على أكل التُّرَاب﴾ أما فِي بَيت مَال الْمُسلمين مَا يجْرِي عَلَيْك؟ ! قَالَ: بلَى، وَلَكِن رَأَيْت القنوع. قَالَ: فَرد الْوَلِيد إِلَى مَجْلِسه، ثمَّ أحضرهُ؛ فَقَالَ: إِن لَك خَبرا؛ لتخبرني بِهِ، وَإِلَّا ضربت مَا فِيهِ عَيْنَاك. قَالَ: نعم كنت جمالا وَمَعِي ثَلَاثَة أجمال موقرة طَعَاما حَتَّى أتيت مرج الصفر؛ فَقَعَدت فِي خربة أبول؛ فَرَأَيْت الْبَوْل ينصب فِي شقّ؛ فَأَتْبَعته حَتَّى كشفته؛ فَإِذا غطاء على حفيرة؛ فَنزلت فَإِذا مَال؛ فأنخت رواحلي وأفرغت أعكامي، ثمَّ أوقرتها ذَهَبا وغطيت الْموضع. فَلَمَّا سرت غير يسير وجدت معي مخلاة فِيهَا طَعَام؛ فَقلت: أَنا أترك الكسرة وآخذ الذَّهَب؛ ففرغتها وَرجعت لأملأها؛ فخفي عني الْموضع، وأتعبني الطّلب؛ فَرَجَعت إِلَى الْجمال؛ فَلم أَجدهَا وَلم أجد الطَّعَام؛ فآليت على نَفسِي أَن لَا آكل شيئ إِلَّا الْخبز بِالتُّرَابِ. فَقَالَ الْوَلِيد: كم لَك من الْعِيَال؟ فَذكر عيالا. قَالَ: يجْرِي عَلَيْك من بَيت المَال وَلَا تسْتَعْمل فِي شَيْئا؛ فَإِن هَذَا هُوَ المحروم.
قَالَ ابْن جَابر: فَذكر لنا أَن الْإِبِل جَاءَت إِلَى بَيت [مَال الْمُسلمين] ؛ [فأناخت عِنْده؛ فَأَخذهَا أَمِين الْوَلِيد، فطرحها فِي بَيت المَال] .
قَالَ الذَّهَبِيّ: هَذِه الْحِكَايَة رِوَايَة ثقاة، قَالَه الْكِنَانِي. إنتهى.
стр. 82
وَكَانَت وَفَاة الْوَلِيد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين من الْهِجْرَة. وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين وَثَمَانِية أشهر.
وتخلف بعده أَخُوهُ سُلَيْمَان [بن عبد الْملك] بِعَهْد من أَبِيه.
وَكَانَ الْوَلِيد اجْتهد فِي خلع سُلَيْمَان [هَذَا] من ولَايَة الْعَهْد وتولية وَلَده الْعَزِيز؛ فَامْتنعَ سُلَيْمَان [من ذَلِك] حَتَّى [مَاتَ الْوَلِيد] .
стр. 83
(سُلَيْمَان بن عبد الْملك)
ابْن مَرْوَان بن الحكم، الْقرشِي الْأمَوِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو أَيُّوب.
كَانَ من خِيَار [مُلُوك] بني أُميَّة.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه الْوَلِيد بِعَهْد من أَبِيه عبد الْملك فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين.
وَكَانَت دَاره بِدِمَشْق مَوضِع سِقَايَة جيرون. وَله دَار أُخْرَى بناها [بدرابن] مُحرز؛ فَجَعلهَا دَار الْخلَافَة، وَجعل لَهَا قبَّة صفراء كالقبة الخضراء الَّتِي بدار الْخلَافَة.
وَكَانَ شَابًّا فصيحا مفوها، مؤثرا للعدل، محبا للغزو.
ومولده فِي سنة سِتِّينَ.
وَكَانَ مليح الْوَجْه، مقرون الحاجبين، يضْرب شعره مَنْكِبَيْه.
стр. 84
وَلما تخلف [سُلَيْمَان] قَالَ لإبن عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان: ((يَا أَبَا حَفْص ﴿إِنَّا ولينا مَا قد ترى وَلم يكن لنا بتدبيره علم، فَمَا رَأَيْت فِيهِ مصلحَة الْعَامَّة فَمر بِهِ)) . فَكَانَ من ذَلِك عزل عُمَّال الْحجَّاج، وَإِخْرَاج من كَانَ [فِي سجن] الْعرَاق. ثمَّ فعل أمورا كَثِيرَة حَسَنَة كَانَ يسمع من عمر فِيهَا.
قيل: إِن سُلَيْمَان حج مرّة؛ فَرَأى النَّاس بِالْمَوْسِمِ؛ فَقَالَ لعمر بن عبد الْعَزِيز: أما ترى هَذَا الْخلق الَّذِي لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله، وَلَا يسع رزقهم غَيره﴾ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿هَؤُلَاءِ الْيَوْم رعيتك وهم غَدا أخصامك؛ فَبكى سُلَيْمَان بكاء شَدِيدا، ثمَّ قَالَ: بِاللَّه أستعين.
قلت: وَكَانَ سُلَيْمَان شَدِيد الْغيرَة؛ وَهُوَ الَّذِي خصى المخنثين بِالْمَدِينَةِ.
وَكَانَ كثير الْأكل؛ حج مرّة فَنزل بِالطَّائِف فَأكل سبعين رمانة، ثمَّ جَاءُوهُ بخروف مشوي وست دجاجات فأكلهم، ثمَّ جَاءُوهُ بزبيب فَأكل مِنْهُ شَيْئا كثيرا، ثمَّ نعس وانتبه فِي الْحَال؛ فَأَتَاهُ الطباخ؛ فَأخْبرهُ بِأَن الطَّعَام قد اسْتَوَى؛ فَقَالَ: أعرضه عَليّ قدرا قدرا، فَصَارَ سُلَيْمَان يَأْكُل من كل قدر اللُّقْمَة واللقمتين واللحمة واللحمتين - وَكَانَت ثَمَانُون قدرا - ثمَّ مد السماط؛ فَأكل [على] عَادَته، كَأَنَّهُ لم يَأْكُل شَيْئا﴾ ﴿﴾ .
стр. 85
قلت: أَفَادَ بعض الْحُكَمَاء أَن الرجل لَا يَأْكُل أَكثر من سِتِّينَ لقْمَة من جوعه إِلَى شبعه؛ فَمَا يكون شَأْن هَذَا الرجل وَأَمْثَاله من الْأكلَة ﴿﴾ . انْتهى.
وَقيل: إِن سُلَيْمَان جلس يَوْمًا فِي نبت أَخْضَر على وطاء أَخْضَر، عَلَيْهِ ثِيَاب خضر. ثمَّ نظر فِي الْمرْآة؛ فأعجبه شبابه - وَكَانَ من أجمل النَّاس - فَقَالَ: كَانَ مُحَمَّد -[ ﷺ ]- نَبيا، وَكَانَ أَبُو بكر صديقا، وَكَانَ عمر فاروقا، وَكَانَ عُثْمَان حييا، وَكَانَ مُعَاوِيَة حَلِيمًا، وَكَانَ يزِيد صبورا، وَكَانَ عبد الْملك سيوسا، وَكَانَ الْوَلِيد جبارا، وَأَنا الْملك الشَّاب؛ فَمَاتَ من جمعته، فِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر صفر سنة تسع وَتِسْعين.
وَيُقَال: إِنَّه لبس يَوْمًا أَفْخَر مَا عِنْده، وتطيب بأفخر الطّيب، وتزين بِأَحْسَن الزِّينَة؛ فَأَعْجَبتهُ نَفسه، والتفت، فَرَأى جَارِيَة من جواريه واقفة؛ فَقَالَ لَهَا: كَيفَ تَرين؟ ؛ فَقَالَت:
(أَنْت نعم الْمَتَاع لَو كنت تبقى ... غير أَن لَا بَقَاء للْإنْسَان)
(أَنْت خلو من الْعُيُوب وَمِمَّا ... [يكره النَّاس] غير أَنَّك فان)
فطردها، ثمَّ أحضرها؛ فَقَالَ لَهَا: مَا قلت! ؟ فَقَالَت: وَالله مَا قلت شَيْئا وَلَا رَأَيْتُك الْيَوْم؛ فتعجب النَّاس من ذَلِك.
وَمَات سُلَيْمَان من جمعته ﵀.
стр. 86
قلت: وَفِي الْجُمْلَة؛ فَهُوَ [من] خِيَار [مُلُوك] بني أُميَّة؛ قرب ابْن عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز، وَجعله ولي عَهده [بالخلافة] وَلَيْسَ لَهُ عهد فِي الْخلَافَة؛ وَإِنَّمَا الْعَهْد لِأَخِيهِ يزِيد وَهِشَام، فَأدْخل بعمر قبلهمَا.
وَبَايع النَّاس على الْعَهْد وَهُوَ مَكْتُوب؛ فَقَالُوا: نُبَايِع على أَن يكون فِيهِ بني عبد الْملك؛ فَقَالَ: نعم، فَبَايعُوا على الْمَكْتُوب، وَفِيه: عمر بن عبد الْعَزِيز، ثمَّ يزِيد وَهِشَام؛ فَصحت الْبيعَة.
قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: رحم الله سُلَيْمَان، افْتتح خِلَافَته بِإِقَامَة الصَّلَاة لمواقيتها، وختمها باستخلافه عمر بن عبد الْعَزِيز.
وَكَانَ يرفق بالرعية -[﵀]-.
стр. 87
(عمر بن عبد الْعَزِيز)
ابْن مَرْوَان بن الحكم، الْأمَوِي الْقرشِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو حَفْص.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت بن عَمه سُلَيْمَان بن عبد الْملك بِعَهْد عَهده إِلَيْهِ. ولقب بالمعصوم بِاللَّه ﵁.
مولده بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ - عَام توفّي مُعَاوِيَة أَو بعده بِسنة -.
وَأمه أم عَاصِم بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب -[﵁]-.
قَالَ إِسْمَاعِيل الخطبي: رَأَيْت صفته فِي كتاب: كَانَ أَبيض، رَقِيق الْوَجْه، جميلا، نحيف الْجِسْم، حسن اللِّحْيَة، غائر الْعَينَيْنِ، بجبهته أثر حافر دَابَّة؛ وَلذَلِك سمي أشج بني أُميَّة، قد وخطه الشيب.
قَالَ مولى عمر بن عبد الْعَزِيز: إِن [عمر] بن عبد الْعَزِيز دخل إِلَى اصطبل أَبِيه وَهُوَ غُلَام؛ فَضَربهُ فرسه فَشَجَّهُ؛ فَجعل أَبوهُ يمسح عَنهُ الدَّم وَيَقُول: إِن كنت أشج بني أُميَّة إِنَّك لسَعِيد.
стр. 88
وَقيل: إِن فتيانا أَتَوا عمر بن عبد الْعَزِيز؛ فَقَالُوا: إِن أَبَانَا توفّي وَترك مَالا عِنْد عمنَا حميد الأصبحي؛ فَأحْضرهُ عمر وَقَالَ لَهُ: أَنْت الْقَائِل:
(حميد الَّذِي أمج دَاره ... أَخُو الْخمر والشيبة الأصلع)
(أَتَاهُ المشيب على شربهَا ... فَكَانَ كَرِيمًا فَلم ينزغ)
قَالَ: نعم.
قَالَ عمر: مَا أَرَانِي إِلَّا حادك، أَقرَرت بشربها، وَإنَّك لم تنْزع عَنْهَا.
قَالَ: أَيْن يذهب [بك] ﴿؟ ألم تسمع قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ . فَقَالَ عمر: مَا أَرَاك إِلَّا قد أقلت، وَيحك يَا حميد، كَانَ أَبوك رجلا صَالحا وَأَنت رجل سوء.
فَقَالَ: أصلحك الله، وَأَيْنَ شَبيه أَبَاهُ﴾ كَانَ أَبوك رجل سوء وَأَنت رجل صَالح.
فَقَالَ عمر: إِن هَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَن أباهم توفى وَترك مَالا عنْدك.
قَالَ: صدقُوا، وأحضره بِخَتْم أَبِيهِم. [ثمَّ] قَالَ: إِن أباهم [لَعَلَّه] مَاتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَكنت أنْفق عَلَيْهِم من مَالِي، وَهَذَا مَالهم.
قَالَ عمر: مَا أحد أَحَق أَن يكون عِنْده مِنْك؛ فَامْتنعَ وَدفع المَال. انْتهى.
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي تَارِيخه:
حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، حَدثنَا عَفَّان بن عُثْمَان [بن الحميد بن لَاحق] عَن جوَيْرِية، عَن نَافِع: بلغنَا أَن عمر قَالَ: إِن من وَلَدي رجلا بِوَجْهِهِ شين يَلِي؛ فَيمْلَأ الأَرْض عدلا.
قَالَ نَافِع: فَلَا أَحْسبهُ إِلَّا عمر بن عبد الْعَزِيز.
стр. 89
وروى الذَّهَبِيّ بِإِسْنَاد فِي تَارِيخه عَن ريَاح بن عُبَيْدَة قَالَ: خرج علينا عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الصَّلَاة وَشَيخ متوكئ على يَده؛ فَقلت فِي نَفسِي: إِن هَذَا الشَّيْخ جَاف. فَلَمَّا صلى وَدخل لحقته؛ فَقلت: أصلح الله الْأَمِير؛ من الشَّيْخ الَّذِي كَانَ يتكئ على يدك؟
قَالَ: رَأَيْته يَا ريَاح! ؟ قلت: نعم، قَالَ: مَا أحسبك إِلَّا رجلا صَالحا، ذَاك أخي الْخضر أَتَانِي فَأَعْلمنِي أَنِّي سألي أَمر هَذِه الْأمة وَأَنِّي سأعدل فِيهَا.
قلت: وَلما ولي الْخلَافَة أبطل سبّ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي أثْنَاء الْخطب، وَجعل مَكَان ذَلِك: ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ الْآيَة؛ فَقيل فِيهِ:
(وليت فَلم تَشْتُم عليا وَلم تخف ... بريا وَلم تتبع سجية مجرم)
(وَقلت فصدقت الَّذِي قلت بِالَّذِي ... فعلت فأضحى رَاضِيا كل مُسلم)
وَكَانَ عمر ﵁ عَالما، صَالحا، ورعا، زاهدا، فَقِيها.
стр. 90
وَلما ولي الْخلَافَة أبطل جَمِيع مَا كَانَت أَهله تستأديه من بَيت المَال، وضيق على نَفسه وعَلى آله تضييقا كثيرا حَتَّى أَنه مرض مرّة؛ فَدخل عَلَيْهِ الْأُمَرَاء يعودونه؛ فوجدوا عَلَيْهِ قَمِيصًا وسخا لَا يُسَاوِي أَرْبَعَة دَرَاهِم؛ فَقَالُوا لزوجته: لم لَا تغسليه [لَهُ] ! ؟ فَقَالَت: وَالله مَاله غَيره، وأخشى أَن أقلعه يبْقى عُريَانا.
قلت: هَذَا، وخراج الأَرْض كلهَا يحمل إِلَيْهِ، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الترف وَالْمَال قبل أَن يَلِي الْخلَافَة.
وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَمِائَة بدير سمْعَان من أَعمال حمص.
وَصلى عَلَيْهِ ابْن عَمه يزِيد بن عبد الْملك الَّذِي تخلف بعده، وَهُوَ ابْن تسع وَثَلَاثِينَ سنة وَسِتَّة أشهر.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الضَّرِير: [إِنَّه] توفى بدير سمْعَان لعشر بَقينَ من رَجَب. وَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة وَعشْرين شهرا كَأبي بكر الصّديق ﵄.
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه عَن يُوسُف بن مَاهك قَالَ: بَينا نَحن نسوى التُّرَاب على [قبر عمر بن عبد الْعَزِيز] إِذْ سقط علينا كتاب رق من السَّمَاء، فِيهِ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. أَمَان من الله لعمر بن عبد الْعَزِيز من النَّار -[﵀ وَرَضي عَنَّا بِهِ. آمين]-.
стр. 91
(يزِيد بن عبد الْملك)
ابْن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس، الْأمَوِي الْقرشِي، (أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو خَالِد.
ولقبه: الْقَادِر بصنع الله.
وَأمه عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت ابْن عَمه [عمر بن] عبد الْعَزِيز [بن مَرْوَان] بِعَهْد من أَبِيه، ثمَّ [من] أَخِيه سُلَيْمَان.
مَعْقُود فِي تَوْلِيَة عمر بن عبد الْعَزِيز؛ لِأَن عمر لم يكن لَهُ عهد من عبد الْملك، إِلَّا أَن سُلَيْمَان أَدخل عمر فِي الْعَهْد، ثمَّ ختم بأخويه يزِيد هَذَا ثمَّ هِشَام؛ فَلَعَلَّ الله يرحم سُلَيْمَان بذلك. انْتهى.
[و] مولد يزِيد [هَذَا] فِي سنة إِحْدَى - أَو إثنتين - وَسبعين من الْهِجْرَة.
стр. 92
وَلما تولى يزِيد الْخلَافَة أَقَامَ يسير على سيرة ابْن عَمه [عمر بن] عبد الْعَزِيز أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهُوَ على ذَلِك.
وَكَانَ [أَولا] صَاحب لَهو وطرب. وَكَانَ يحب جَارِيَته حبابة حبا شَدِيدا؛ فَقَالَت حبابة لخصي ليزِيد - كَانَ صَاحب أمره -: وَيحك ﴿قربني مِنْهُ بِحَيْثُ يسمع كَلَامي وَلَك عشرَة آلَاف دِرْهَم؛ فَفعل.
فَلَمَّا [مر يزِيد بهَا قَالَت] :
(بَكَيْت الصِّبَا جهدي فَمن شَاءَ لامني ... وَمن شَاءَ آسى فِي الْبكاء وأسعدا)
(أَلا لَا تلمه الْيَوْم أَن يتبلدا ... فقد منع المحزون أَن يتجلدا)
وَالشعر للأحوص.
فَلَمَّا سمعهما يزِيد قَالَ: وَيحك يَا خصى﴾ قل لصَاحب الشرطة يُصَلِّي بِالنَّاسِ.
وَدخل إِلَى مجْلِس أنسه وانهمك فِي اللَّذَّات إِلَى مَا سَيَأْتِي ذكره.
وَقَالَ سعيد بن عفير: كَانَ يزِيد جسيما، أَبيض، مدور الْوَجْه، أفقم، لم يشب.
стр. 93
وَقَالَ الذَّهَبِيّ: حكى أَبُو ضَمرَة عَن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عبد الله بن يسَار قَالَ: إِنِّي لجالس فِي مَسْجِد النَّبِي -[ ﷺ ]- وَقد حج يزِيد بن عبد الْملك قبل أَن يكون خَليفَة؛ فَجَلَسَ مَعَ المَقْبُري وَابْن أبي العتاب؛ إِذْ جَاءَ أَبُو عبد الله القراط؛ فَوقف عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: أَنْت يزِيد بن عبد الْملك؟ ﴿فَالْتَفت يزِيد إِلَى الشَّيْخَيْنِ؛ فَقَالَ: أمجنون هَذَا﴾ ؟ فَذكرُوا لَهُ فَضله وصلاحه، وَقَالُوا: هَذَا أَبُو عبد الله القراط صَاحب أبي هُرَيْرَة، حَتَّى رق لَهُ ولان؛ فَقَالَ: نعم، أَنا يزِيد؛ فَقَالَ لَهُ: مَا أجملك، إِنَّك لتشبه أَبَاك، إِن وليت من أَمر النَّاس شَيْئا فاستوص بِأَهْل الْمَدِينَة خيرا. فَأشْهد على أبي هُرَيْرَة، حَدثنِي عَن حبه [وَحب صَاحب] هَذَا الْبَيْت، وَأَشَارَ إِلَى الْحُجْرَة: إِنَّه -[ ﷺ ]- خرج إِلَى نَاحيَة من الْمَدِينَة - يُقَال لَهَا بيُوت السقيا - وَخرجت مَعَه، فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَدَيْهِ؛ فَقَالَ: إِبْرَاهِيم خَلِيلك دعَاك لأهل مَكَّة، وَأَنا نبيك وَرَسُولك أَدْعُوك لأهل الْمَدِينَة: اللَّهُمَّ بَارك لَهُم فِي مدهم وصاعهم وقليلهم وكثيرهم ضعْفي مَا باركت لأهل مَكَّة، اللَّهُمَّ أرزقهم من هَاهُنَا وَهَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى نواحي الأَرْض كلهَا - اللَّهُمَّ من أَرَادَهُم بِسوء؛ فأذبه كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء. ثمَّ الْتفت يزِيد إِلَى الشَّيْخَيْنِ؛ فَقَالَ: مَا تقولان؟ ! قَالَا: حَدِيث مَعْرُوف مروى.
وَقيل: إِن يزِيد قَالَ يَوْمًا: وَالله إِنِّي لأشتهي أَن أَخْلو بحبابة؛ فَلَا أرى غَيرهَا؛ فَأمر ببستان لَهُ؛ فهيء، وَأمر حَاجِبه أَن لَا يُعلمهُ بِأحد.
стр. 94
وَدخل الْبُسْتَان، فَبينا هُوَ مَعهَا أسر شَيْء بهَا، إِذْ حذفهَا بِحَبَّة رمانة أَو بعنبة وَهِي تضحك؛ فَوَقَعت) فِي فِيهَا؛ فشرقت فَمَاتَتْ، فَوجدَ عَلَيْهَا وجدا عَظِيما.
وأقامت عِنْده حَتَّى جيفت، ثمَّ دَفنهَا؛ فَلم يطق الصَّبْر عَنْهَا؛ فنبشها وأخرجها من الْقَبْر وَجعل يقلبها ويبكي.
وَكَانَ قبل أَن يُخرجهَا من الْقَبْر خرج إِلَى قبرها، [أنشأ يَقُول] :
(فَإِن تسل عَنْك النَّفس أَو تدع الصِّبَا ... فباليأس تسلوا عَنْك لَا بالتجلد)
(وكل خَلِيل زارني فَهُوَ قَائِل ... من آجلك هَذَا هَامة الْيَوْم أَو غَد)
وَلما طَال عَلَيْهِ الْأَمر ردهَا إِلَى قبرها، وَدخل إِلَى منزله فَمَا خرج مِنْهُ إِلَّا على النعش.
قَالَ الْهَيْثَم بن عَمْرو الْعَبْسِي: مَاتَ يزِيد بن عبد الْملك بسواد الْأُرْدُن، مرض بِطرف من السل.
وَقَالَ أَبُو مسْهر: مَاتَ بأربد.
وَقَالَ غير وَاحِد: إِنَّه مَاتَ لخمس بَقينَ من شعْبَان سنة خمس وَمِائَة بعد موت جَارِيَته حبابة بسبعة عشر يَوْمًا. وَقيل: بِأَكْثَرَ.
وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وشهرا. وتخلف بعده أَخُوهُ هِشَام بن عبد الْملك.
стр. 95
(هِشَام بن عبد الْملك)
بن مَرْوَان بن الحكم، الْأمَوِي الْقرشِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْوَلِيد.
أمه فَاطِمَة بنت [هِشَام بن إِسْمَاعِيل بن هِشَام بن] الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المخزومية.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه يزِيد فِي شعْبَان سنة خمس وَمِائَة.
ولد سنة نَيف وَسبعين، واستخلف وعمره أَربع وَثَلَاثُونَ سنة.
وَكَانَت دَاره عِنْد بَاب الخواصين بِدِمَشْق - الَّتِي بَعْضهَا الْآن الْمدرسَة النورية -.
وَقَالَ سعيد بن عفير: كَانَ هِشَام جميلا، أَبيض، مسمنا، أحولا، يخضب بِالسَّوَادِ. إنتهى.
وَقَالَ أَبُو عُمَيْر بن النّحاس: حَدثنِي أبي قَالَ: كَانَ لَا يدْخل بَيت مَال هِشَام [مَال] حَتَّى يشْهد أَرْبَعُونَ قسَامَة: لقد أَخذ من حَقه وَلَقَد أعْطى لكل ذِي حق حَقه.
стр. 96
[قلت] : كَانَ حَلِيمًا، لين الْجَانِب للرعية، محببا لَهُم.
قَالَ الْأَصْمَعِي: أسمع رجل مرّة هِشَام بن عبد الْملك كلَاما؛ فَقَالَ - يَعْنِي هِشَام -: يَا هَذَا ﴿لَيْسَ لَك أَن تسمع خليفتك﴾ وَلم يزده على ذَلِك.
قَالَ: وَغَضب مرّة على رجل؛ فَقَالَ: وَالله لقد هَمَمْت أَن أضربك سَوْطًا.
وَقَالَ ابْن سعد: حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر، حَدثنَا سحيل بن مُحَمَّد قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا من الْخُلَفَاء أكره إِلَيْهِ الدِّمَاء وَلَا أَشد عَلَيْهِ من هِشَام، وَلَقَد دَاخله من مقتل زيد بن عَليّ وَيحيى بن زيد العلويين أَمر شَدِيد، وَقَالَ: وددت أَنِّي كنت أفتديهما. قلت: كَانَا خرجا [عَلَيْهِ فقتلا] . وصلب زيد بواقعة جرت لَهُ طَوِيلَة.
وَلما ظَهرت دَعْوَة العباسيين عمد عبد الله بن عَليّ بن عَبَّاس فنبش هشاما من قَبره وصلبه؛ فعد ذَلِك من غلطات عبد الله بن عَليّ. إنتهى.
وَقَالَ [ابْن] عَائِشَة: قَالَ هِشَام بن عبد الْملك: مَا بَقِي عَليّ شَيْء من لذات الدُّنْيَا إِلَّا وَقد نلته، إِلَّا شَيْئا وَاحِدًا: أَخ أرفع مُؤنَة التحفظ [فِيمَا] بيني وَبَينه.
وَقيل: إِن هَذَا الْبَيْت لَهُ، وَلم يحفظ لَهُ غَيره:
(إِذا أَنْت لم تعص الْهوى قادك الْهوى ... إِلَى بعض مَا فِيهِ عَلَيْك مقَال)
стр. 97
قَالَ حَمَّاد الراوية: لما ولي هِشَام الْخلَافَة طلبني؛ فأحضرت إِلَيْهِ، فَوَجَدته جَالِسا فِي فرش قد غرق فِيهِ وَبَين يَدَيْهِ صَحْفَة من ذهب مَمْلُوءَة مسكا مذوبا بِمَاء ورد، وَهُوَ يقلبه بِيَدِهِ؛ فتفوح روائحه؛ فَسلمت عَلَيْهِ؛ فَرد عَليّ السَّلَام وَقَالَ: يَا حَمَّاد، إِنِّي ذكرت بَيْتا من الشّعْر فَمَا عرفت قَائِله [وَهُوَ هَذَا] :
(ودعوا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت ... قينة فِي يَمِينهَا إبريق)
فَقلت: هُوَ لعدي بن زيد.
قَالَ: فأنشدني القصيدة؛ فَأَنْشَدته إِيَّاهَا؛ فَقَالَ: سل حَاجَتك.
وَكَانَ على رَأسه جاريتان كَأَنَّهُمَا قمران، فِي أذن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا جوهرتان يضئ مِنْهُمَا الْمنزل؛ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، جَارِيَة من هَاتين. فَقَالَ: هما الإثنتان لَك. وَأمر لي بِمِائَة ألف دِرْهَم؛ فأخذتهما وَالدَّرَاهِم وانصرفت.
وَقَالَ حَرْمَلَة: حَدثنَا الشَّافِعِي قَالَ: لما بنى هِشَام قصره بِقِنِّسْرِينَ أحب أَن يَخْلُو [يَوْمًا] بِهِ لَا يَأْتِيهِ فِيهِ غم، فَمَا انتصف النَّهَار حَتَّى أَتَتْهُ ريشة بِدَم من بعض الثغور؛ فأوصلت إِلَيْهِ؛ فَقَالَ: وَلَا يَوْمًا وَاحِدًا ﴿﴾
стр. 98
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كَانَ هِشَام [لَا يكْتب] إِلَيْهِ بِكِتَاب فِيهِ ذكر الْمَوْت.
قلت: وَلذَلِك تنغص لما أَتَتْهُ الريشة بِالدَّمِ. إنتهى.
قَالَ الْهَيْثَم بن عمرَان: مَاتَ هِشَام من ورم أَخذه فِي حلقه - يُقَال لَهُ: الحردون - بالرصافة.
وَقَالَ غير وَاحِد: إِنَّه مَاتَ فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين، وَله أَربع وَخَمْسُونَ سنة.
وَكَانَت خِلَافَته تسع عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وأياما. وتخلف بعده [ابْن] أَخِيه [الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك] .
стр. 99
(الْوَلِيد بن يزِيد)
ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان، الْأمَوِي [الْقرشِي] ، أَبُو الْعَبَّاس، الْفَاسِق.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت عَمه هِشَام؛ لِأَن أَبَاهُ كَانَ لما احْتضرَ لم يُمكنهُ أَن يستخلفه؛ لِأَنَّهُ صبي حَدِيث السن؛ فعقد لِأَخِيهِ هِشَام بالخلافة، وَجعل وَلَده الْوَلِيد هَذَا ولي الْعَهْد من بعده.
ومولده بِدِمَشْق فِي سنة تسعين. وَيُقَال: سنة إثنتين وَتِسْعين.
وَأمه بنت يُوسُف الثَّقَفِيّ، أخي الْحجَّاج.
وَذكر الذَّهَبِيّ بِإِسْنَاد عَن عمر ﵁ قَالَ: ولد لأخي أم سَلمَة ولد؛ فَسَموهُ الْوَلِيد؛ فَقَالَ النَّبِي -[ ﷺ ]- ((سميتموه بأسماء فراعنتكم؛ لَيَكُونن فِي هَذِه الْأمة رجل يُقَال لَهُ: الْوَلِيد، لَهو أَشد [فَسَادًا] لهَذِهِ الْأمة من فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ)) .
стр. 100
وَقَالَ ابْن سعد: حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر، حَدثنَا ابْن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ الزُّهْرِيّ يقْدَح أبدا عِنْد هِشَام بن الْوَلِيد ويعيبه، وَيذكر أمورا عَظِيمَة لَا ينْطق بهَا، حَتَّى يذكر [أَن الصّبيان] يخضبون [لَهُ] بِالْحِنَّاءِ، وَيَقُول: مَا يحل لَك إِلَّا خلعه - يَعْنِي من عهد الْخلَافَة - فَلَا يَسْتَطِيع هِشَام ذَلِك. وَلَو بَقِي الزُّهْرِيّ إِلَى أَن تملك الْوَلِيد لفتك بِهِ.
وَقَالَ: حَمَّاد الرِّوَايَة: كنت يَوْمًا عِنْد الْوَلِيد؛ فَدخل عَلَيْهِ منجمان فَقَالَا: نَظرنَا فِيمَا أمرتنا فوجدناك تملك سبع سِنِين قَالَ حَمَّاد: فَأَرَدْت أَن أخدعه فَقلت كذبا: وَنحن أعلم بالآثار وضروب الْعلم؛ وَقد نَظرنَا فِي هَذَا وَالنَّاس فوجدناك تملك أَرْبَعِينَ سنة. فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ: [لَا] مَا قَالَا يكسرني، [وَلَا] مَا قلت يعزني، وَالله لأجبين هَذَا المَال من حلّه جباية من يعِيش الْأَبَد، ولأصرفنه فِي حَقه صرف من يَمُوت الْغَد.
وَقَالَ الْمعَافي الْجريرِي: كنت جمعت من أَخْبَار الْوَلِيد شَيْئا، وَمن شعره الَّذِي ضمنه مَا فجر بِهِ من خرقه وسخافته وخسارته وحمقه، وَمَا صرح بِهِ من الْإِلْحَاد فِي الْقُرْآن وَالْكفْر بِاللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ أَحْمد بن أبي خَيْثَمَة: حَدثنَا سُلَيْمَان بن أبي شيخ، حَدثنَا صَالح بن سُلَيْمَان، قَالَ: أَرَادَ الْوَلِيد [بن يزِيد] الْحَج
стр. 101
وَقَالَ: أشْرب [الْخمر] فَوق ظهر الْكَعْبَة؛ فهم قوم أَن يفتكوا بِهِ إِذا خرج، وكلموا خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي ليوافقهم؛ فَأبى. قَالُوا: أكتم علينا. قَالَ: أما هَذَا فَنعم، ثمَّ جَاءَ الْوَلِيد فَقَالَ: لَا تخرج فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك. قَالَ: مِمَّن؟
قَالَ: لَا أخْبرك بهم. قَالَ: إِن لم تُخبرنِي [بهم] بَعَثْتُك إِلَى يُوسُف بن عمر بك قَالَ: فَأبى: فَبعث بِي إِلَيْهِ؛ فَعَذَّبَهُ حَتَّى قَتله.
قلت: وَأما مَا نقل عَنهُ من كفرياته وفسقه فشئ كثير، من ذَلِك: أَنه دخل يَوْمًا فَوجدَ ابْنَته جالسة مَعَ دادتها؛ فبرك عَلَيْهَا وأزال بَكَارَتهَا؛ فَقَالَت لَهُ الدادة. هَذَا دين الْمَجُوس ﴿﴾ فَأَنْشد:
(من راقب النَّاس مَاتَ غما ... وفاز باللذة الجسور)
وَأخذ يَوْمًا الْمُصحف ففتحه؛ فَأول مَا طلع لَهُ: ﴿واستفتحوا وخاب كل جَبَّار عنيد﴾ ؛ فَقَالَ: أتوعدني ﴿ثمَّ أغلق الْمُصحف، وَلَا زَالَ يضْربهُ بالنشاب حَتَّى خرقه ومزقه. ثمَّ أنْشد [يَقُول] :
(أتوعد كل جَبَّار عنيد ... فها أَنا ذَاك جَبَّار عنيد)
(إِذا لاقيت رَبك يَوْم حشر ... فَقل يَا رب مزقني الْوَلِيد)
﴾ !
стр. 102
وَأذن الصُّبْح مرّة وَعِنْده جَارِيَة يشرب عَلَيْهَا الْخمر؛ فَقَامَ فَوَطِئَهَا، وَحلف لَا يُصَلِّي بِالنَّاسِ غَيرهَا؛ فَخرجت وَهِي جنب سكرانة؛ فصلت بِالنَّاسِ ﴿﴾ .
وَالَّذِي أقوله أَنا فِي حق الْوَلِيد هَذَا: أَنه كَانَ فِي عقله خلل، وَإِلَّا وَإِن كَانَ زنديقا كَانَ يُمكنهُ أَن يتستر فِيمَا يَفْعَله من الْإِلْحَاد والزندقة؛ خوفًا من عواقب الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة: من قيام النَّاس عَلَيْهِ وخلعه من الْخلَافَة وَمَا أشبه ذَلِك، غير أَنه كَانَ نَاقص الْعقل مَعَ سوء اعْتِقَاد؛ فحملاه على مَا وَقع مِنْهُ.
وَلما كثر فسقه وَزَاد أمره خرج عَلَيْهِ النَّاس قاطبة، ونصبوا ابْن عَمه يزِيد بن الْوَلِيد ابْن عبد الْملك، ورشحوه للخلافة، وقاتلوا الْوَلِيد.
هَذَا، وَوَقع [لَهُم مَعَه] أُمُور يطول شرحها.
وَلما حوصر بِالْقصرِ دنا الْوَلِيد من الْبَاب فَقَالَ: أما فِيكُم رجل شرِيف لَهُ حسب ُأكَلِّمهُ؟ ﴿فَقَالَ لَهُ يزِيد بن عَنْبَسَة: كلمني. فَقَالَ: يَا أَخا السكاسك، ألم أَزْد فِي عطياتكم، ألم أرفع عَنْكُم الْمُؤَن، ألم أعْط فقراءكم.﴾ ؟
فَقَالَ: مَا ننقم عَلَيْك فِي أَنْفُسنَا، وَلَكِن ننقم عَلَيْك انتهاك [مَا] حرم الله وَشرب الْخمر، وَنِكَاح أُمَّهَات أَوْلَاد أَبِيك، واستخفافك بِأَمْر الله.
قَالَ: حَسبك، قد أَكْثرُوا.
وَرجع إِلَى الدَّار: فَجَلَسَ وَأخذ الْمُصحف وَقَالَ: يَوْم كَيَوْم عُثْمَان.
وَنشر الْمُصحف يقْرَأ فِيهِ، فعلوا الْحَائِط؛ فَكَانَ أَوَّلهمْ يزِيد بن عَنْبَسَة؛ فَنزل إِلَيْهِ وَسيف الْوَلِيد إِلَى جنبه، فَقَالَ: نح سَيْفك.
قَالَ الْوَلِيد: لَو أردْت السَّيْف كَانَ لي، وَلَك حَال غير هَذَا.
стр. 103
فَأخذ بيد الْوَلِيد، وَهُوَ يُرِيد أَن يعتقله ويؤامر فِيهِ؛ فَنزل من الْحَائِط عشرَة؛ فَضَربهُ عبد السَّلَام اللَّخْمِيّ على رَأسه، وضربه آخر على وَجهه؛ فَتلف، وجروه بَين خَمْسَة ليخرجوه؛ فصاحت إمرأة: حزوا رَأسه؛ فقطعوها (وخاطوا الضَّرْبَة الَّتِي فِي وَجهه. وأتى النَّاس يزِيد بِالرَّأْسِ؛ فَسجدَ لله شكرا.
وتخلف يزِيد [الْمَذْكُور من] بعده.
وَكَانَ قَتله فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة.
وَكَانَت خِلَافَته سنة وَثَلَاثَة أشهر.
стр. 104
يزِيد بن الْوَلِيد
ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو خَالِد، الْقرشِي الْأمَوِي، الْمَعْرُوف بالناقص.
لقبه: الشاكر لأنعم الله.
وَأمه شاه فرند.
حكى أَن سُلَيْمَان بن أبي شيخ بن قُتَيْبَة بن مُسلم ظفر بِمَا وَرَاء النَّهر بإبنتي فَيْرُوز ابْن يزدجرد؛ فَبعث بهما إِلَى الْحجَّاج؛ فَبعث الْحجَّاج بأحديهما - وَهِي شاه فرند -[إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك، فأولدها الْوَلِيد يزِيد هَذَا. وفيروز وَالِد شاه فرند]- هَذِه - ابْن بنت شيرويه بن كسْرَى. وَأم شيرويه بنت خاقَان ملك التّرْك، وَأم فَيْرُوز [الْمَذْكُور هِيَ] بنت قَيْصر عَظِيم الرّوم؛ فَلذَلِك كَانَ يزِيد هَذَا يفتخر وَيَقُول:
(أَنا ابْن كسْرَى وَأبي مَرْوَان ... وَقَيْصَر جدي وجدي خاقَان)
стр. 105
وبويع [يزِيد] بالخلافة بعد قتل ابْن عَمه الْوَلِيد بن يزِيد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة، وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة.
ولقب بالناقص؛ لكَونه نقص الْجند من عطياتهم.
وَقَالَ خَليفَة: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه: أَن يزِيد بن الْوَلِيد قَامَ خَطِيبًا عِنْد قتل الْوَلِيد بن يزِيد، فَقَالَ: أما بعد، إِنِّي وَالله مَا خرجت أشرا، وَلَا بطرا، وَلَا حرصا على الدُّنْيَا، وَلَا رَغْبَة فِي الْملك، وَإِنِّي لظلوم لنَفْسي إِن لم يرحمني رَبِّي، [و] لَكِن خرجت غَضبا لله ولدينه، وداعيا إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه حِين درست معالم الْهدى، وطفئ نور أهل التَّقْوَى، وَظهر الْجَبَّار المستحل للْحُرْمَة [و] الرَّاكِب للبدعة.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك أشفقت إِذْ غشيكم ظلمَة لَا تقلع عَنْكُم على كَثْرَة من ذنوبكم وقسوة من قُلُوبكُمْ. وأشفقت أَن يدعوا كثيرا من النَّاس إِلَى مَا [هُوَ عَلَيْهِ] فَيُجِيبهُ؛ فاستخرت الله فِي أَمْرِي، ودعوت من أجابني من أَهلِي وَأهل ولايتي؛ فأراح الله [تَعَالَى] مِنْهُ الْبِلَاد والعباد، ولَايَة من الله، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. أَيهَا النَّاس: إِن لكم عِنْدِي - إِن وليت أُمُوركُم - أَن لَا أَضَع لبنة على لبنة وَلَا حجرا على حجر، وَلَا أنقل مَالا من بلد حَتَّى أَسد ثغره، وَأقسم بَين مَصَالِحه مَا يقوون بِهِ، فَإِن فضل فضل رَددته إِلَى الْبَلَد الَّذِي يَلِيهِ حَتَّى تستقيم الْمَعيشَة، وتكونوا فِيهِ سَوَاء؛ فَإِن أردتم بيعتي على الَّذِي بذلت لكم فَأَنا لكم، وَإِن ملت فَلَا بيعَة لي عَلَيْكُم. وَإِن رَأَيْتُمْ أحدا أقوى مني فَأَنا أول من يُبَايع وَيدخل فِي طَاعَته، واستغفر الله لي وَلكم.
стр. 106
قلت: وَيزِيد هَذَا هُوَ أول من خرج بِالسِّلَاحِ فِي الْعِيد. وَلم تطل خِلَافَته. وَمَات فِي سَابِع ذِي الْحجَّة من سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة.
فَكَانَت خِلَافَته سِتَّة أشهر نَاقِصَة. وَقيل: إِنَّه مَاتَ بعد عيد الْأَضْحَى.
وَقَالَ الْهَيْثَم بن عدي: عَاشَ سِتا وَأَرْبَعين سنة.
وَقَالَ الْمَدَائِنِي: عَاشَ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة.
وَكَانَ أسمرا، نحيفا، حسن الْوَجْه.
وَدفن بَين بَاب الْجَابِيَة وَالْبَاب الصَّغِير.
وَيُقَال: إِنَّه مَاتَ بالطاعون. وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ إِبْرَاهِيم الَّذِي اسْتخْلف بعده) .
стр. 107
(إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد)
ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو إِسْحَاق، الْأمَوِي الْقرشِي الدِّمَشْقِي.
لقب بالمعتز بِاللَّه.
وَأمه أم ولد.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه يزِيد النَّاقِص؛ فَلم يتم أمره وَلَا أطاعه أحد.
وَاخْتلف عَلَيْهِ الْجند. ثمَّ تغلب عَلَيْهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد الْحمار، وَوَقع بَينهمَا حروب آلت إِلَى نصْرَة مَرْوَان [الْحمار] وهزيمة إِبْرَاهِيم [بن الْوَلِيد] .
وَتوجه إِبْرَاهِيم إِلَى الجزيرة؛ فَمَاتَ بهَا غريقا فِي سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة؛ فَكَانَت خِلَافَته شَهْرَيْن وَعشرَة أَيَّام.
وَاسْتقر [مَرْوَان] بعده فِي الْخلَافَة.
стр. 108
(مَرْوَان بن مُحَمَّد)
ابْن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس، أَبُو عبد الْملك، الْأمَوِي [الدِّمَشْقِي] الْقرشِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
ولقبه: الْقَائِم بِحَق الله.
أمه أم ولد كردية.
بُويِعَ بالخلافة بعد ابْن عَمه إِبْرَاهِيم بِحكم خلعه.
كَانَ مَرْوَان هَذَا يعرف [بِمَرْوَان الْحمار] وبالجعدي أَيْضا.
ونسبته بالجعدي لمؤدبه جعد بن دِرْهَم، وبالحمار لشجاعته - يُقَال: فلَان أَصْبِر من حمَار فِي الحروب؛ وَلِهَذَا لقب [بالحمار] ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يفتر عَن محاربة الخارجين عَلَيْهِ -.
وَكَانَ أَشْجَع بني أُميَّة، كَانَ يصل السرى بالسير، ويصبر على مكاره الحروب.
стр. 109
وَقيل: سمي بالحمار لِأَن الْعَرَب تسمى كل مائَة سنة حمارا؛ فَلَمَّا قَارب ملك بني أُميَّة مائَة سنة لقبوا مَرْوَان هَذَا بالحمار، وَأخذُوا ذَلِك من قَوْله تَعَالَى فِي موت حمَار الْعَزِيز: ﴿وَانْظُر إِلَى حِمَارك﴾ الْآيَة.
[و] كَانَ مولد مَرْوَان هَذَا بالجزيرة وَأَبوهُ متوليها من قبل ابْن عَمه عبد الْملك بن مَرْوَان فِي سنة إثنتين وَسبعين [وَمِائَة] .
وَقد ولي مَرْوَان الْمَذْكُور ولايات جليلة قبل أَن يَلِي الْخلَافَة، وافتتح فتوحات كَثِيرَة.
وَكَانَ مَشْهُورا بالشجاعة والفروسية؛ فَلم ينْتج أمره مَعَ بني الْعَبَّاس، وَانْهَزَمَ من عبد الله بن عَليّ أقبح هزيمَة بعد خطوب وحروب تداولت بَينهم أشهرا، بل سِنِين لما ظهر أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي بدعوة بني الْعَبَّاس.
وَقَالَ مَنْصُور بن أبي مُزَاحم: سَمِعت الْوَزير أَبَا عبد الله يَقُول: سَأَلَني الْمَنْصُور: مَا كَانَ أشياخك الشاميون يَقُولُونَ؟ .
قلت: أدركتهم يَقُولُونَ: إِن الْخَلِيفَة إِذا اسْتخْلف غفر لَهُ مَا مضى من ذنُوبه. قَالَ: إِي وَالله، وَمَا تَأَخّر، أَتَدْرِي مَا الْخَلِيفَة؟ : بِهِ تُقَام الصَّلَاة، وَبِه يحجّ الْبَيْت، ويجاهد الْعَدو.
قَالَ: فعدد الْمَنْصُور من مَنَاقِب الْخَلِيفَة مَا لم أسمع أحدا ذكر مثله، وَقَالَ: وَالله لَو عرفت من حق الْخلَافَة فِي دهر بني أُميَّة مَا أعرف الْيَوْم؛ لأتيت الرجل مِنْهُم حَتَّى أُبَايِعهُ.
стр. 110
أَقُول: مرني مَا شِئْت، فَقَالَ لَهُ ابْنه الْمهْدي: [أ] فَكَانَ الْوَلِيد مِنْهُم؟ ﴿فَقَالَ: قبح الله الْوَلِيد وَمن أقعده خَليفَة. قَالَ: أَفَكَانَ مَرْوَان بن مُحَمَّد مِنْهُم؟﴾ . فَقَالَ الْمَنْصُور: لله در مَرْوَان مَا كَانَ أحزمه وأسوسه، وأعفه بِمن ألفى. قَالَ: فَلم قَتَلْتُمُوهُ؟ ! .
قَالَ: لِلْأَمْرِ الَّذِي سبق فِي علم الله [تَعَالَى] .
وَقَالَ خَليفَة بن خياط: وَسَار مَرْوَان لِحَرْب بني الْعَبَّاس -[يَعْنِي] لما بلغه [ظُهُور دعوتهم]-؛ فَكَانَ فِي مائَة ألف [وَخمسين ألفا] ؛ فَسَار حَتَّى نزل الزابين - دون الْموصل - فَالتقى هُوَ وَعبد الله بن عَليّ العباسي - عَم الْمَنْصُور - فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَمِائَة؛ فانكسر مَرْوَان، وَقطع الجسور إِلَى الجزيرة [وَأخذ بيُوت الْأَمْوَال والكنوز؛ فَقدم الشَّام فاستولى عبد الله على الجزيرة] وَطلب الشَّام؛ وفر مِنْهُ [مَرْوَان] ، ونازل عبد الله دمشق.
فَلَمَّا بلغ مَرْوَان أَخذ دمشق - وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِأَرْض فلسطين - دخل إِلَى مصر، وَعبر النّيل، وَطلب الصَّعِيد؛ فَوجه عبد الله [بن] عَليّ أَخَاهُ صَالح بن عَليّ فِي طلب مَرْوَان - وعَلى طلائعه عَمْرو بن إِسْمَاعِيل -؛ فساق عَمْرو فِي إِثْر [مَرْوَان] ؛ فَلحقه بقرية أَبُو صير، فبيته؛ فَقتله.
следующие страницы →