Полный текст (483 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(المقتدر بِاللَّه)
أَبُو الْفضل، جَعْفَر ابْن ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه المكتفي وعمره أَربع عشرَة سنة، فِي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ.
وَأمه أم ولد تسمى: شغب.
وَلما اسْتخْلف المقتدر فِي هَذِه الْمرة الأولى لم يتم أمره؛ [لصِغَر سنة] وتغلب عَلَيْهِ الْجند. وَاتفقَ جمَاعَة من الْأَعْيَان على خلعه من الْخلَافَة وتولية عبد الله بن المعتز، وكلموا ابْن المعتز [فِي ذَلِك] ؛ فأجابهم بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهَا دم؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَالما، فَاضلا؛ دينا، أديبا، شَاعِرًا، فَأَجَابُوهُ لذَلِك وَكَانَ رَأْسهمْ مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح، وَأَبُو الْمثنى أَحْمد بن يَعْقُوب القَاضِي، وَالْحُسَيْن بن حمدَان، وَاتَّفَقُوا على قتل المقتدر ووزيره الْعَبَّاس وفاتك.
стр. 177
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين ركب الْحُسَيْن بن حمدَان والقواد، فَشد ابْن حمدَان على الْوَزير فَقتله؛ فَأنْكر عَلَيْهِ فاتك؛ فعطف على فاتك فَقتله.
ثمَّ شدّ على المقتدر - وَكَانَ يلْعَب بالصوالجة - فَسمع الضجة؛ فَدخل وأغلقت الْأَبْوَاب؛ فَعَاد ابْن حمدَان وَنزل وأحضر عبد الله بن المعتز والقواد والقضاة والأعيان وَبَايَعَهُ - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وخلع المقتدر من الْخلَافَة - وَهُوَ مُقيم بِالْحَرِيمِ دَاخل دَار الْخلَافَة -؛ فَكَانَت خلَافَة المقتدر إِلَى يَوْم خلع بإبن المعتز دون السّنة. ثمَّ أُعِيد من الْغَد ثَانِي يَوْم خلع - على مَا سَيَأْتِي ذكره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
стр. 178
(عبد الله بن المعتز)
ابْن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم [مُحَمَّد، العباسي] الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَبُو الْعَبَّاس، الأديب، صَاحب الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق، والتشابيه المخرعة.
ومولده فِي شعْبَان سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ.
تقدم أَن الْحُسَيْن بن حمدَان قَامَ فِي أمره مَعَ جمَاعَة من القواد، وخلع المقتدر من الْخلَافَة، وَجمع الْقُضَاة والقواد، وَبَايع عبد الله هَذَا بالخلافة ولقبه بالغالب بِاللَّه. وَقيل: بالراضي [بِاللَّه] .
واستوزر مُحَمَّد بن دَاوُد الْجراح، وَجعل يمن الْخَادِم حَاجِبه؛ فَغَضب سوسن الْخَادِم، وَعَاد إِلَى دَار المقتدر وطاعته.
[وَتمّ أَمر] عبد الله بن المعتز فِي ذَلِك (الْيَوْم وَهُوَ الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، ونفذت الْكتب بخلافته إِلَى الأقطار.
وَقَالَ الْمعَافى [بن] زَكَرِيَّا الْجريرِي) : حدثت أَن المقتدر لما خلع وبويع ابْن المعتز دخلُوا على شَيخنَا مُحَمَّد بن جرير؛ فَقَالَ: مَا الْخَبَر؟
стр. 179
قيل: بُويِعَ ابْن المعتز. قَالَ: فَمن رشح للوزارة؟ قيل: مُحَمَّد بن دَاوُد. قَالَ: فَمن ذكر للْقَضَاء؟ قيل: الْحُسَيْن بن الْمثنى؛ فَأَطْرَقَ ابْن جرير، ثمَّ قَالَ: هَذَا أَمر لَا يتم، قيل: وَكَيف! ؟ قَالَ: كل وَاحِد مِمَّن سميتم مُتَقَدم فِي مَعْنَاهُ على الرُّتْبَة وَالزَّمَان، مُدبر وَالدُّنْيَا مولية، وَمَا أرى [هَذَا] إِلَّا إِلَى اضمحلال، وَمَا أرى لمدته طولا. إنتهى.
وَلما تخلف ابْن المعتز بعث إِلَى المقتدر يَأْمُرهُ بالإنصراف إِلَى دَار مُحَمَّد ابْن طَاهِر؛ لكَي ينْتَقل ابْن المعتز إِلَى دَار الْخلَافَة؛ فَأجَاب المقتدر، وَقد بَقِي عِنْده أنَاس قَليلَة وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة.
وَأصْبح الْحُسَيْن بن حمدَان باكرا إِلَى دَار الْخلَافَة، وَقَاتل أعوان المقتدر؛ فقاتلوه ودفعوه عَنْهَا، ثمَّ خَرجُوا بِالسِّلَاحِ وقصدوا مَكَان ابْن المعتز.
فَلَمَّا رَآهُمْ من حول ابْن المعتز أوقع الله فِي قُلُوبهم الرعب؛ فَانْهَزَمُوا بِغَيْر حَرْب؛ فَركب ابْن المعتز فرسا وَمَعَهُ وزيره ابْن دَاوُد وحاجبه يمن وَقد شهر سَيْفه؛ فَلم يتبعهُ أحد.
فَلَمَّا رأى أمره فِي إدبار نزل عَن دَابَّته، وَدخل دَار ابْن الْجَصَّاص، واختفى الْوَزير وَغَيره، ونهبت دُورهمْ.
وَخرج المقتدر، واستفحل أمره، وَأمْسك جمَاعَة ابْن المعتز وَمن قَامَ بنصرته وخلافته وحبسهم، ثمَّ قتل غالبهم.
واستقام أَمر المقتدر، وأعيد للخلافة، ثمَّ قبض على ابْن المعتز وَابْن الْجَصَّاص، وَحبس ابْن المعتز أَيَّامًا، ثمَّ أخرج مَيتا فِي شهر ربيع الآخر [سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ] .
وَكَانَ الَّذِي تولى هَلَاكه مؤنس الْخَادِم.
стр. 180
قيل: إِنَّه لما علم أَن مؤنسا يُرِيد هَلَاكه قَالَ أبياتا [تَقول] أَولهَا:
(يَا نفس صبرا لَعَلَّ الْخَيْر عقباك ... خانتك من بعد طول الْأَمْن دنياك)
وَكَانَ ابْن المعتز ﵀ إِمَامًا، شَاعِرًا، بليغا، فصيحا، مفوها.
وَكَانَت خِلَافَته يَوْمًا وَاحِدًا. وَقيل: نصف يَوْم. وَبَعْضهمْ لم يذكرهُ مَعَ الْخُلَفَاء، وَسَماهُ بالأمير، لَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
ومذهبي فِيهِ أَنه: أَمِير الْمُؤمنِينَ - وَلَو لم يل الْخلَافَة - فَإِنَّهُ كَانَ أَهلا للخلافة خليقا لَهَا ﵀.
وَمن شعره - وَفِيه لف وَنشر أَرْبَعَة بأَرْبعَة -:
(انْظُر إِلَى الْيَوْم مَا أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد)
(كَأَنَّهُ أَنْت يَا من لَا شَبيه لَهُ ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد)
стр. 181
المقتدر بِاللَّه
أَبُو الْفضل، جَعْفَر.
أُعِيد إِلَى الْخلَافَة [فِي صَبِيحَة] يَوْم خلعه بِعَبْد الله بن المعتز، وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي تَرْجَمَة عبد الله بن المعتز، وَكَيْفِيَّة عوده إِلَى الْخلَافَة وظفره بِابْن المعتز وَقَتله لَهُ؛ فَكَانَ خلعه من الْخلَافَة بِابْن المعتز يَوْمًا وَاحِدًا، وَلم ينْتَقل من دَار الْخلَافَة، بل امْتنع بهَا عِنْد خلعه ومبايعة عبد الله بن المعتز، ثمَّ أصبح يمن مَعَه وَقَاتل أعوان ابْن المعتز وَهَزَمَهُمْ، وظفر بِابْن المعتز وأعيد للخلافة وَلم يُغير لقبه.
وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة، وظفر بأعدائه وَاحِدًا بعد وَاحِد.
واستوزر أَبَا الْحُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْفُرَات؛ فَسَار ابْن الْفُرَات فِي النَّاس أحسن سيرة، وكشف الْمَظَالِم، وفوض إِلَيْهِ المقتدر جَمِيع الْأُمُور؛ لصِغَر سنه.
واشتغل المقتدر باللعب مَعَ الندماء والمغنين، وعاشر النِّسَاء، وَغلب أَمر الْحرم والخدم على الدولة، وأتلف الخزائن.
وَمَعَ هَذَا كَانَ عِنْده بَقِيَّة، وعسكر هائل.
قيل: إِنَّه لما بعث ملك الرّوم رسله إِلَيْهِ عبأ لَهُم المقتدر العساكر، وصفت الدَّار بالأسلحة وأنواع الزِّينَة.
وَكَانَت جملَة الْعَسْكَر [المصفوف] حِينَئِذٍ مائَة ألف وَسِتِّينَ ألفا. ووقفت الغلمان الحجرية بالزينة والمناطق الذَّهَب، ووقف الخدم الخصيان
стр. 182
كَذَلِك، ووقفت الْحجاب - وَكَانُوا سَبْعمِائة [حَاجِب]-. وألقيت المراكب فِي دجلة بالنفط والدبادب، ولعبوا فِي الْبَحْر.
وزينت دَار الْخلَافَة بالستور والبسط؛ فَكَانَت جملَة الستور الْمُعَلقَة ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ ألف ستر، مِنْهَا ديباج مَذْهَب إثني عشر ألف [ستر] وَخَمْسمِائة. وَجُمْلَة الْبسط إثنين وَعشْرين ألف بِسَاط.
وَكَانَ بدار الْخلَافَة يَوْم ذَاك مائَة سبع مَعَ مائَة سِبَاع.
وَكَانَ فِي جملَة الزِّينَة شَجَرَة من ذهب وَفِضة، تشْتَمل على ثَمَانِيَة عشر غصنا، وأوراقها أَيْضا من ذهب وَفِضة، وَأَغْصَانهَا تتمايل بحركات مَوْضُوعَة، وعَلى الأغصان طيور من ذهب وَفِضة، تنفخ فِيهَا الرّيح؛ فيصفر كل طير بلغَة، وَأَشْيَاء غير ذَلِك.
قلت: هَذَا بعد أَن ضعف أَمر الْخلَافَة؛ فَمَا بالك بأيام الرشيد وَمن قبله إِلَى من بعده إِلَى أَيَّام المعتضد.
وَفِي أَيَّام المقتدر هَذَا قتل الحلاج: ((الْحُسَيْن بن مَنْصُور)) على الزندقة فِي سنة تسع وثلثمائة. وَكَانَ الحلاج [رجلا] صوفيا وَفِيه زهد وَله كرامات.
وَاسْتمرّ المقتدر فِي الْخلَافَة إِلَى سنة سبع عشرَة وثلثمائة، ثمَّ خلع ثَانِيًا بأَخيه القاهر، [ثمَّ أُعِيد] ثَالِثا إِلَى الْخلَافَة بعد ثَلَاثَة أَيَّام.
стр. 183
(القاهر بِاللَّه)
أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد أَحْمد بن ولي الْعَهْد [الْمُوفق طَلْحَة] ابْن المتَوَكل جَعْفَر. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَأمه أم ولد مغربية تسمى: فنون.
بُويِعَ بالخلافة بعد أَن قبض على أَخِيه المقتدر [جَعْفَر] وعَلى أمه وخالته، وأخرجوا إِلَى دَار مؤنس.
وَكَانَ القاهر هَذَا مَحْبُوسًا؛ فوصل فِي الثُّلُث الْأَخير من لَيْلَة الْخَامِس عشر من محرم سنة سبع عشرَة وثلثمائة.
وَبَايَعَهُ مؤنس والأمراء، ولقبوه بالقاهر [بِاللَّه] .
وَاسْتقر أَبُو عَليّ بن مقلة وزيره، وَاسْتقر الْخَادِم نازوك فِي الحجوبية والشرطة. ونهبت دَار الْخلَافَة وبغداد، فنهب لأم المقتدر - فِيمَا نهب للنَّاس - سِتّمائَة ألف دِينَار.
ثمَّ أشهد المقتدر على نَفسه بِالْخلْعِ فِي يَوْم السبت، وَجلسَ القاهر فِي يَوْم الْأَحَد.
стр. 184
وَكتب الْوَزير عَنهُ إِلَى الأقطار، وَعمل الموكب يَوْم الأثنين؛ فامتلأت دهاليز الدَّار بالعسكر يطْلبُونَ رزق الْبيعَة - أَعنِي النَّفَقَة - ورزق سنة أَيْضا.
وَلم يَأْتِ مؤنس يَوْمئِذٍ إِلَى دَار الْخلَافَة خوفًا من الْفِتْنَة؛ فارتفعت أصوات الرجالة، ثمَّ هجموا على نازوك - وَهُوَ بدار الْخلَافَة - فَقَتَلُوهُ، وصاحوا: [يَا مقتدر] ، يَا مَنْصُور؛ فتهارب من دَار الْخلَافَة الْوَزير والحجاب، ثمَّ صَارُوا إِلَى دَار مؤنس يطْلبُونَ المقتدر ليردوه إِلَى الْخلَافَة. وأغلق خدم المقتدر دَار الْخلَافَة؛ فَأَرَادَ أَبُو [الهيجاء بن] حمدَان الْخُرُوج؛ فَتعلق بِهِ الْخَلِيفَة القاهر وَقَالَ: تسلمني وَتخرج؛ فداخلته الحمية وَرجع مَعَه؛ فَقتل بعد أُمُور، وحز رَأسه.
ثمَّ أخرج المقتدر، وَحضر إِلَى دَار الْخلَافَة وَجلسَ بمجلسه، فَأتوهُ بأَخيه مُحَمَّد القاهر هَذَا، وأجلس بَين يَدَيْهِ؛ فاستدناه المقتدر وَقبل جَبينه وَقَالَ لَهُ: يَا أخي أَنْت وَالله لَا ذَنْب لَك. والقاهر يبكي وَيَقُول: الله الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي نَفسِي؛ فَقَالَ المقتدر: وَالله لَا جرى عَلَيْك مني سوء أبدا؛ فطب نفسا [وقر عينا] .
(وطيف بِرَأْس [أبي] ) الهيجاء وَرَأس نازوك بِبَغْدَاد.
وَنُودِيَ: هَذَا جَزَاء من عصى مَوْلَاهُ وَكفر نعْمَته؛ فسكن النَّاس.
وَأقَام القاهر عِنْد أَخِيه المقتدر مبجلا مُحْتَرما، إِلَى أَن أُعِيد إِلَى الْخلَافَة بعد موت [أَخِيه] [المقتدر - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -] .
стр. 185
(المقتدر بِاللَّه جَعْفَر)
أُعِيد إِلَى الْخلَافَة ثَالِث مرّة - حَسْبَمَا تقدم ذكره -.
وَلما أُعِيد إِلَى الْخلَافَة كتب بذلك إِلَى سَائِر الْبِلَاد، وَتمّ أمره، ثمَّ بذل الْأَمْوَال فِي الْجند حَتَّى أنفذ الخزائن وَبَاعَ ضيَاعًا وَغَيرهَا حَتَّى تمم عطاءهم.
ثمَّ فِي السّنة الْمَذْكُورَة - أَعنِي سنة سبع عشرَة وثلثمائة - سير المقتدر ركب الْحَاج مَعَ مَنْصُور الديلمي؛ فوصلوا إِلَى مَكَّة سَالِمين، فوافاهم فِي يَوْم التَّرويَة عَدو الله أَبُو طَاهِر القرمطي؛ فَقتل الحجيج فِي الْمَسْجِد الْحَرَام قتلا ذريعا فِي أَزِقَّة مَكَّة، وَفِي دَاخل الْبَيْت.
وَقتل ابْن محَارب أَمِير مَكَّة، وعرى الْبَيْت، وَقلع بَابه، واقتلع الْحجر الْأسود وَأَخذه، وَطرح الْقَتْلَى فِي بِئْر زَمْزَم. ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاد هجر وَمَعَهُ الْحجر الْأسود.
وَكَانَ القرمطي دخل مَكَّة بأناس قَلَائِل - نَحْو السبعمائة نفس - فَلم يطق أحد رده؛ خذلانا من الله.
وَصَارَ القرمطي يَقُول بِمَكَّة عِنْد قَتله أَهلهَا:
(أَنا بِاللَّه وَبِاللَّهِ أَنا ... يخلق الْخلق وأفنيهم أَنا ﴿﴾ )
стр. 186
وَكَانَ الَّذِي قتل بِمَكَّة فِي هَذِه الكائنة أَزِيد من ثَلَاثِينَ ألف إِنْسَان، وَسبي من النِّسَاء وَالصبيان مثل ذَلِك.
وَكَانَت مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة سِتَّة أَيَّام.
وَبعد عوده إِلَى هجر رَمَاه الله فِي جسده، وَطَالَ عَذَابه، وتقطعت أوصاله، وتناثر الدُّود من لَحْمه، إِلَى أَن مَاتَ.
وَبَقِي الْحجر عِنْد القرامطة نَحْو عشْرين سنة.
وَلما [أَخَذته القرامطة وسارت] بِهِ إِلَى هجر هلك تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ جملا.
فَلَمَّا أُعِيد بعد سِنِين إِلَى مَكَّة حمل على قعُود هزيل فسمن الْقعُود.
وَلما كَانَ الْحجر عِنْدهم دفع فِيهِ بجكم التركي خمسين ألف دِينَار؛ ليَرُدهُ إِلَى مَكَانَهُ؛ فَأَبَوا وَقَالُوا: أخذناه بِأَمْر وَمَا نرده إِلَّا بِأَمْر.
قلت: وَأمر القرامطة يطول الشَّرْح فِي ذكرهم - لعنهم الله [تَعَالَى]-.
وَأما المقتدر؛ فَإِنَّهُ أَقَامَ فِي الْخلَافَة بعد ذَلِك، إِلَى أَن قتل فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشْرين شَوَّال سنة عشْرين وثلثمائة فِي حَرْب كَانَ بَينه وَبَين
стр. 187
مؤنس الْخَادِم؛ فتوغل المقتدر فِي وسط المعركة؛ فوافاه جمَاعَة من عَسْكَر مؤنس من البربر، فَضَربهُ رجل مِنْهُم من خَلفه ضَرْبَة سقط مِنْهَا إِلَى الأَرْض؛ فَقَالَ لَهُ: وَيلك أَنا الْخَلِيفَة؛ فَقَالَ: أَنْت الْمَطْلُوب، وذبحه بِالسَّيْفِ، وشال رَأسه على رمح.
ثمَّ سلب مَا عَلَيْهِ، وَبَقِي مَكْشُوف الْعَوْرَة حَتَّى ستر بالحشيش، ثمَّ حفر لَهُ فِي الْموضع، وَدفن، وَعفى أَثَره.
وأعيد [بعده] [إِلَى الْخلَافَة] القاهر ثَانِيًا.
وَكَانَت خلَافَة المقتدر أَولا وَثَانِيا وثالثا خمْسا وَعشْرين سنة إِلَّا بضعَة عشر يَوْمًا.
وَكَانَ النِّسَاء قد غلبن عَلَيْهِ. وَكَانَ سخيا، مبذرا، يصرف فِي كل سنة لِلْحَجِّ أَكثر من ثلثمِائة ألف دِينَار.
وَكَانَ فِي دَاره أحد عشر ألف غُلَام خصيان - غير الصقالبة وَالروم والسود -.
وَقَالَ الصولي: كَانَ المقتدر يفرق يَوْم عَرَفَة من الْإِبِل وَالْبَقر أَرْبَعِينَ ألف رَأس، وَمن الْغنم خمسين ألفا.
وَيُقَال: إِنَّه أتلف من المَال ثَمَانِينَ ألف ألف دِينَار، حَتَّى أتلف نَفسه بِيَدِهِ من سوء تَدْبيره ﵀ [تَعَالَى]-.
стр. 188
(القاهر بِاللَّه)
أَبُو مَنْصُور، مُحَمَّد.
تخلف ثَانِيًا بعد قتل أَخِيه جَعْفَر المقتدر فِي سَابِع عشْرين شَوَّال سنة عشْرين وثلثمائة.
وَلما تخلف أَسَاءَ السِّيرَة، وَقتل أَبَا السَّرَايَا نصر بن حمدَان، وَإِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل النوبختي الَّذِي كَانَ أَشَارَ بخلافته وَغَيرهمَا؛ فنفرت الْقُلُوب مِنْهُ؛ فَاجْتمع النَّاس على الفتك بِهِ، وَأتوا باكرا النَّهَار إِلَى دَار الْخلَافَة - وَكَانَ نَائِما سكرانا إِلَى أَن طلعت الشَّمْس - فنبهوه فَلم ينتبه لشدَّة سكره.
وهرب الْوَزير فِي زِيّ إمرأة، وَكَذَا سَلامَة الْحَاجِب؛ فَدَخَلُوا بِالسُّيُوفِ على القاهر؛ فأفاق من سكره وهرب إِلَى سطح حمام واستتر؛ فَأتوا مجْلِس القاهر وَفِيه عِيسَى الطَّبِيب وزيرك الْخَادِم، وَاخْتِيَار القهرمانة؛ فَسَأَلُوهُمْ عَن القاهر؛ قَالُوا: مَا نَعْرِف لَهُ خَبرا؛ فرسموا عَلَيْهِم.
وَوَقع فِي أَيْديهم خَادِم للقاهر؛ فضربوه؛ فدلهم عَلَيْهِ؛ فجاؤوه وَهُوَ على السَّطْح وَبِيَدِهِ سيف مسلول؛ فَقَالُوا: انْزِلْ؛ فَامْتنعَ؛ ففوق وَاحِد مِنْهُم سَهْما وَقَالَ: انْزِلْ وَإِلَّا قتلتك؛ فَنزل إِلَيْهِم؛ فقبضوا عَلَيْهِ فِي سادس جُمَادَى الْآخِرَة من سنة إثنتين وَعشْرين وثلثمائة.
ثمَّ أخرجُوا أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد [بن] المقتدر وَأمه من الْحَبْس وَبَايَعُوهُ ولقبوه: الراضي بِاللَّه.
стр. 189
ثمَّ أرسل الراضي بِالْقَاضِي وَغَيره إِلَى الْقَاهِرَة؛ ليخلع نَفسه؛ فَأبى؛ فعادوا [إِلَى الراضي] بالْخبر، فَقَالَ لَهُم: انصرفوا ودعوني وإياه؛ فانصرفوا؛ فَأَشَارَ سِيمَا مقدم الحجرية على الراضي بمسكه؛ فأمسكه.
ثمَّ أرسل الراضي [إِلَيْهِ] بسيما وظريفا؛ فدخلا [على القاهر] وأكحلاه بمسمار محمى فِي النَّار؛ فَعمى.
ودام مسجونا؛ إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَلَاثِينَ. وَكَانَت خِلَافَته سنة وَنصفا وإسبوعا.
وَكَانَ أسمرا، ربعَة، أصهب الشّعْر، طَوِيل الْأنف.
وَقَالَ مَحْمُود الْأَصْفَهَانِي: كَانَ سَبَب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدِّمَاء.
وَقَالَ الصولي: كَانَ أهوجا، سفاكا للدماء، قَبِيح السِّيرَة، كثير التلون والإستحالة، مدمن الْخمر، وَلَوْلَا جودة حَاجِبه سَلامَة لأهْلك الْحَرْث والنسل.
وَكَانَ قد صنع حَرْبَة يحملهَا فَلَا يَطْرَحهَا حَتَّى يقتل إنْسَانا.
قلت: والقاهر هَذَا [كَانَ] قد قرب المنجمين وَعمل بقَوْلهمْ - على طَرِيق أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، وَهُوَ أول خَليفَة قربهم -.
وَكَانَ عِنْده نوبخت المنجم، وَعلي بن عِيسَى الأسطرلابي.
стр. 190
وَهُوَ أول خَليفَة ترجمت لَهُ الْكتب السريانية والأعجمية؛ ككتاب كليلة ودمنة، وَكتاب أرسطاطاليس فِي الْمنطق، وإقليدس، وَكتب اليونان؛ فَنظر [النَّاس] فِيهَا وتعلقوا بهَا؛ فَلَمَّا رأى ذَلِك مُحَمَّد بن إِسْحَاق جمع الْمَغَازِي وَالسير.
стр. 191
(الراضي بِاللَّه)
أَبُو الْعَبَّاس، مُحَمَّد بن المقتدر بِاللَّه جَعْفَر بن المعتضد أَحْمد بن ولي الْعَهْد، الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر. الْهَاشِمِي، العباسي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد عَمه القاهر - حَسْبَمَا تقدم ذكره - بَعْدَمَا سمل القاهر سنة إثنتين وَعشْرين وثلثمائة.
ومولد الراضي فِي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ.
وَأمه أم ولد رُومِية تسمى: ظلوم.
وَكَانَ الراضي قَصِيرا، أسمرا، نحيفا، فِي وَجهه طول.
قلت: وَفِي أَيَّامه ضعف أَمر الْخلَافَة وانحل أمرهَا، حَتَّى لم يبْق للخلفاء من الْبِلَاد سوى بَغْدَاد وَمَا والاها.
وَعظم فِي أَيَّامه أَمر الْحَنَابِلَة بِبَغْدَاد حَتَّى صَارُوا يكبسون دور الْأُمَرَاء والقواد؛ فَإِن وجدوا نبيذا أراقوه، أَو قنينة كسروها.
ثمَّ اعْترضُوا على النَّاس فِي البيع وَالشِّرَاء. إنتهى.
стр. 192
وَقَالَ [أَبُو بكر] الْخَطِيب: وَكَانَ للراضي فَضَائِل، مِنْهَا: أَنه آخر خَليفَة لَهُ شعر مدون، [وَآخر خَليفَة انْفَرد بتدبير الجيوش، وَآخر خَليفَة خطب يَوْم الْجُمُعَة] ، وَآخر خَليفَة جَالس الندماء.
وَكَانَت جوائزه وأموره على تَرْتِيب [الْخُلَفَاء] الْمُتَقَدِّمين. إنتهى.
قلت: وَتُوفِّي الراضي فِي [شهر] ربيع الأول سنة تسع وَعشْرين وثلثمائة.
стр. 193
(المتقي بِاللَّه)
أَبُو إِسْحَاق، إِبْرَاهِيم بن المقتدر بِاللَّه جَعْفَر، الْهَاشِمِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة لما مَاتَ أَخُوهُ الراضي.
وَأمه أم ولد تسمى: خلوب.
وَلما تخلف المتقي كَانَت فِي أَيَّامه حروب وَفتن وزلازل أَقَامَت تعاود النَّاس سِتَّة أشهر حَتَّى خربَتْ الْبِلَاد.
وَفِي أَيَّامه أرسل ملك الرّوم يطْلب مِنْهُ منديلا زعم أَن الْمَسِيح مسح بِهِ وَجهه؛ فَصَارَت صُورَة وَجهه فِيهِ - وَكَانَ هَذَا المنديل فِي كَنِيسَة الرها -.
وَأرْسل ملك الرّوم يَقُول للمتقي: إِن أرْسلت إِلَيّ هَذَا المنديل أطلقت لَك عشرَة آلَاف أَسِير من الْمُسلمين.
فأحضر المتقي الْفُقَهَاء واستفتاهم؛ فَقَالُوا: أرسل هَذَا المنديل؛ فَفعل وَأطلق الأسراء.
стр. 194
وَأما الحروب الَّتِي كَانَت فِي أَيَّامه فكثيرة، [وَكَانَ] بَينه وَبَين توزون التركي [خطوب وحروب] يطول شرحها.
وَآخر الْحَال أَنه لما كَانَ رَابِع الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلثمائة توجه المتقي من الرقة إِلَى جِهَة بَغْدَاد، وَكَانَ خرج مِنْهَا فِي حَرْب كَانَ بَينه وَبَين توزون وَغَيره؛ فَنزل المتقي بهيت وَبعث القَاضِي أَبَا الْحسن الْخرقِيّ إِلَى توزون وَابْن شيرزاد؛ فَأَعَادَ الْأَيْمَان عَلَيْهِمَا.
وَخرج توزون وتقدمه [ابْن شيرزاد] ، فَالْتَقَيَا بالمتقي بَين الأنبار وهيت.
وَقَالَ المَسْعُودِيّ: لما التقى توزون بالمتقي ترجل وَقبل الأَرْض؛ فَأمره المتقي بالركوب؛ فَلم يفعل، وَمَشى بَين يَدَيْهِ إِلَى المخيم الَّذِي ضربه.
فَلَمَّا نزل المتقي قبض عَلَيْهِ توزون وعَلى ابْن مقلة وَمن مَعَه، ثمَّ كحل توزون المتقي؛ فصاح المتقي وَصَاح النِّسَاء؛ فَأمر توزون بِضَرْب الدبادب حول المخيم سَاعَة، ثمَّ أَدخل المتقي بَغْدَاد مسمول الْعَينَيْنِ، وَقد أَخذ مِنْهُ الْخَاتم والبردة والقضيب.
وَبلغ القاهر - الَّذِي كَانَ خلع من الْخلَافَة وسمل - فَقَالَ: صرنا إثنين ونحتاج إِلَى ثَالِث - يعرض بالمستكفي الَّذِي نَصبه توزون بالْأَمْس فِي الْخلَافَة؛
стр. 195
[فَكَانَ كَمَا قَالَ - على مَا سَيَأْتِي ذكره - ثمَّ أحضر توزون عبد الله بن المكتفي وَبَايَعَهُ بالخلافة] ولقبه بالمستكفي بِاللَّه.
وَكَانَت [خلَافَة المتقي] نَحْو أَربع سِنِين. وعاش بعد خلعه وسمله خمْسا وَعشْرين سنة.
وَالْعجب أَن توزون لما فعل بالمتقي مَا فعل لم يحل عَلَيْهِ الْحول وَمَات من سنته.
стр. 196
(المستكفي بِاللَّه)
أَبُو الْقَاسِم، عبد الله بن المكتفي بِاللَّه عَليّ بن المعتضد أَحْمد. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بَعْدَمَا كحل المتقي فِي عشْرين صفر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلثمائة، وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة.
قَالَ ثَابت: أحضر توزون عبد الله بن المكتفي وَبَايَعَهُ بالخلافة، ولقبه: المستكفي بِاللَّه. إنتهى.
قلت: أم المستكفي أم ولد تسمى: فضَّة.
وَفِي أَيَّامه استولى معز الدولة أَحْمد بن بويه على الأهواز وَالْبَصْرَة وواسط؛ فَخرج إِلَيْهِ توزون؛ فَكَانَ بَينهمَا حروب [يطول شرحها] ، دَامَت أشهرا، ثمَّ مَاتَ [توزون] بالصرع فِي السّنة.
وَفِي أَيَّامه كَانَ بَين الأخشيد صَاحب مصر [وَبَين] سيف الدولة صَاحب حلب حروب، وَملك الأخشيد حلب مِنْهُ، ثمَّ اصطلحا، وَتزَوج سيف الدولة ببنت أخي الأخشيد.
стр. 197
وَفِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة لقب المستكفي نَفسه: ((إِمَام الْحق)) ، وَدخل معز الدولة أَحْمد بن بويه بَغْدَاد - وَهُوَ أول من ملكهَا من الديلم بِإِذن المستكفي غصبا عَلَيْهِ - ودام أشهرا.
ثمَّ وَقعت الوحشة بَينه وَبَين المستكفي فِي جُمَادَى الْآخِرَة [من] سنة أَربع وَثَلَاثِينَ الْمَذْكُورَة، وَدخل معز الدولة بحواشيه على الْخَلِيفَة المستكفي؛ فَوقف وَالنَّاس وقُوف على مَرَاتِبهمْ؛ فَتقدم إثنان من الديلم فطلبا من الْخَلِيفَة الرزق؛ فَمد الْخَلِيفَة يَده إِلَيْهِمَا - ظنا مِنْهُ أَنَّهُمَا يُريدَان تقبيلها - فجذباه من السرير وطرحاه إِلَى الأَرْض، وجراه بعمامته. وهجم الديلم دَار الْخلَافَة إِلَى الْحرم، ونهبوا، وقبضوا على القهرمانة وخواص الْخَلِيفَة.
وَمضى معز الدولة إِلَى منزله، وَسَاقُوا المستكفي مَاشِيا إِلَيْهِ. وَلم يبْق فِي دَار الْخلَافَة شئ.
وخلع المستكفي، ثمَّ سلمت يَوْمئِذٍ عَيناهُ، فَصَارَ ثَالِث خَليفَة قد سمل - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ القاهر المسمول أَولا حَسْبَمَا تقدم -.
فَكَانَت خلَافَة المستكفي سنة وَأَرْبَعَة أشهر ويومين.
وَتُوفِّي بعد ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ، وعمره سِتا وَأَرْبَعُونَ سنة.
ثمَّ أحضر معز الدولة أَبَا الْقَاسِم الْفضل بن المقتدر [جَعْفَر] وَبَايَعُوهُ بالخلافة، ولقبوه: [الْمُطِيع بِاللَّه] .
стр. 198
(الْمُطِيع لله)
أَبُو الْقَاسِم، الْفضل بن المقتدر جَعْفَر [بن المعتضد أَحْمد بن ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر] . الْهَاشِمِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة [فِي] سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة بعد خلع المستكفي وسمله.
وَأمه أم ولد تسمى: شغلة.
ومولده فِي أول سنة إِحْدَى وثلثمائة.
وَتمّ أمره وطالت أَيَّامه.
وَفِي أَيَّامه كَانَت بِمصْر زلازل عَظِيمَة، عاودت النَّاس أشهرا، وَخرب بِسَبَبِهَا عدَّة بِلَاد، وسكنت النَّاس الصَّحرَاء.
وَفِي أَيَّامه أمْطرت بَغْدَاد حَصى، زنة كل حَصَاة رَطْل؛ فقتلت خلقا كثيرا من النَّاس وَالدَّوَاب وَالطير.
стр. 199
وَفِي أَيَّامه أَيْضا وَردت محَاضِر شَرْعِيَّة عَلَيْهِ أَنه: خسف بِمِائَة وَخمسين قَرْيَة من أَرض الرّيّ وَأَرْض الطالقان وَصَارَت كلهَا نَارا، وتقطعت الأَرْض، فطلع مِنْهَا دُخان عَظِيم، وقذفت الأَرْض جَمِيع مَا فِي بَطنهَا حَتَّى عِظَام الْمَوْتَى من الْقُبُور. قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، ثمَّ قَالَ: وَوَقع حريق [عَظِيم] بِمصْر احترقت فِيهِ: قيسارية الْعَسَل، وسوق الزياتين، وَألف وَسَبْعمائة دَار.
ونادى كافور الأخشيدي: من جَاءَ بجرة مَاء فَلهُ دِرْهَم؛ فَكَانَ جملَة مَا صرف على المَاء أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار.
(وَفِي أَيَّامه حاصر الرّوم [حلب] ، وفتحوها بِالسَّيْفِ، واستولوا عَلَيْهَا، وَوَضَعُوا فِي أَهلهَا السَّيْف تِسْعَة أَيَّام، وَأخذُوا من أَهلهَا تِسْعَة عشر ألف صبي وصبية، وَأخذُوا من دَار سيف الدولة بن حمدَان ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم، وحملوا جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من الْأَمْوَال، وَمَا عجزوا عَن حمله أحرقوه) .
وَفِي أَيَّامه - فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وثلثمائة - أسلم من التّرْك مِائَتَا ألف خركاة، وحضروا إِلَى دَار الْإِسْلَام بأهلهم وَأَمْوَالهمْ.
стр. 200
ثمَّ فِي سنة إثنتين وَخمسين وثلثمائة أرسل بطارقة الأرمن إِلَى نَاصِر الدولة بن حمدَان رجلَيْنِ ملتصقين من تَحت إبطهما، وَلَهُمَا بطْنَان وسرتان وفرجان، ومقعدان، وكل مِنْهُمَا كَامِل الْأَطْرَاف؛ فَأَرَادَ نَاصِر الدولة افصالهما؛ فأحضر الْأَطِبَّاء فسألوهما: هَل تجوعان وتعطشان مَعًا؟ قَالَا: نعم. فَقَالَ الْأَطِبَّاء: مَتى فصلناهما مَاتَا.
وَذكر أَبوهُمَا أَنَّهُمَا يختصمان فِي بعض الْأَوْقَات ويقيمان مُدَّة لَا يتكلمان، ثمَّ يصطلحان. وَزَاد بَعضهم فَقَالَ: إِنَّه كَانَ أَحدهمَا يمِيل إِلَى النِّسَاء وَالْآخر إِلَى الصّبيان.
ثمَّ مَاتَ الْوَاحِد؛ فربطوه بِحَبل حَتَّى انْقَطع، وَبَقِي الآخر مُدَّة [بعده] ، ثمَّ مَاتَ.
وَفِي أَيَّام الْمُطِيع هَذَا دخل الْمعز أَبُو تَمِيم الْعلوِي المغربي إِلَى مصر وملكها، وَبَطل إسم الْمُطِيع من الْخطْبَة مِنْهَا وَمن أَعمالهَا.
وَاسْتمرّ الْمُطِيع فِي الْخلَافَة إِلَى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ [وثلثمائة] أظهر مَا كَانَ يستره من مَرضه وَتعذر الْحَرَكَة، وَثقل لِسَانه من الفالج الَّذِي اعتراه؛ فَدَعَاهُ الْحَاجِب عز الدولة سبكتكين إِلَى خلع نَفسه من الْخلَافَة، وَيسلم الْأَمر إِلَى وَلَده الطائع؛ فَفعل ذَلِك.
стр. 201
وَعقد للطائع فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر ذِي الْحجَّة [من] سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ [الْمَذْكُورَة] .
وَاسْتمرّ الطائع فِي الْخلَافَة؛ فَكَانَت مُدَّة خلَافَة الْمُطِيع [هَذَا] تسعا وَعشْرين سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا.
وَصَارَ الْمُطِيع بعد أَن خلع من الْخلَافَة يُسمى: الشَّيْخ الْفَاضِل، وَصَارَ فِي خلَافَة وَلَده مكرما، إِلَى أَن مَاتَ بعد أشهر فِي محرم سنة أَربع وَسِتِّينَ [وثلثمائة] . وَكَانَ هُوَ وَابْنه مستضعفين [مَعَ] بني بويه.
стр. 202
(الطائع لله)
أَبُو بكر، عبد الْكَرِيم بن الْمُطِيع [الْفضل] . الْهَاشِمِي، العباسي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة لما خلع أَبوهُ الْمُطِيع نَفسه فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ، واستخلف فِي حَيَاة وَالِده.
وَأمه أم ولد تسمى: عتب.
كَانَ [مَرْبُوع الْقَامَة] ، كَبِير الْأنف، أَبيض أشقر.
وَقَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ: وَلما ولي الطائع الْخلَافَة ركب وَعَلِيهِ الْبردَة وَمَعَهُ الْجَيْش، وَبَين يَدَيْهِ سبكتكين الْحَاجِب، وَعقد لَهُ اللِّوَاء.
وَقَالَ غَيره: وَفِي أَيَّام الطائع - فِي سنة خمس وَسبعين وثلثمائة - خرج طَائِر من [الْبَحْر بعمان]- ولونه أَبيض - بِقدر الْفِيل؛ فَقعدَ على تل هُنَاكَ وَصَاح بِصَوْت فصيح: قد قرب الْأَمر - ثَلَاث مَرَّات - ثمَّ غاص فِي الْبَحْر، ثمَّ طلع فِي الْيَوْم الثَّانِي وَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ طلع فِي الْيَوْم الثَّالِث وَقَالَ مثل ذَلِك، ثمَّ غَابَ فَلم يطلع. إنتهى.
стр. 203
وَاسْتمرّ الطائع فِي الْخلَافَة إِلَى سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلثمائة. فَلَمَّا كَانَ [فِي] شعْبَان من السّنة خلع [الطائع] من الْخلَافَة، وَسَببه: أَن أَبَا الْحسن [بن] الْمعلم كَانَ من خَواص بهاء الدولة بن بويه؛ فحبسه الطائع؛ فجَاء بهاء الدولة إِلَى الْخَلِيفَة - وَقد جلس [الْخَلِيفَة الطائع] فِي الرواق مُتَقَلِّدًا سَيْفا - فَلَمَّا قرب بهاء الدولة قبل الأَرْض، وَجلسَ على كرْسِي على عَادَته. فَلَمَّا تمّ جُلُوسه تقدم رجال من أَصْحَاب بهاء الدولة؛ فجذبوا الطائع بحمائل سَيْفه من سَرِيره، وتكاثر عَلَيْهِ الديلم؛ فلفوه فِي كسَاء، وَحمل فِي زبزب، وأصعد إِلَى دَار المملكة - أَعنِي دَار بهاء الدولة -. وشاش الْبَلَد، وَظن أَكثر الْجند أَن الْقَبْض [على بهاء الدولة] ؛ فوقعوا فِي النهب، وشلح من حضر من الْأَشْرَاف والعدول.
وَقبض على الرئيس [عَليّ] بن عبد الْعَزِيز [بن] حَاجِب النُّعْمَان فِي جمَاعَة وصودروا. ثمَّ رَجَعَ بهاء الدولة إِلَى دَاره وَأظْهر أَمر الْقَادِر بِاللَّه، وَأَنه الْخَلِيفَة، وَنُودِيَ لَهُ فِي الْأَسْوَاق.
وَكتب عَن الطائع كتابا بخلع نَفسه، وَأَنه سلم الْأَمر إِلَى الْقَادِر بِاللَّه. وَشهد عَلَيْهِ الأكابر والأشراف. وعاش الطائع بعد ذَلِك، إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة.
وَكَانَت خِلَافَته نَحْو ثَمَانِي عشرَة سنة.
стр. 204
(الْقَادِر بِاللَّه)
أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد بن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر جَعْفَر بن المعتضد أَحْمد [بن] ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد ابْن الرشيد هَارُون. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد خلع الطائع، وَتمّ أمره.
وَأمه أم ولد تسمى: يمن، مولاة عبد الْوَاحِد بن المقتدر.
وَكَانَت دينة خيرة، توفيت سنة تسع وَتِسْعين وثلثمائة.
[بُويِعَ الْقَادِر بالخلافة عِنْد قبض الطائع] فِي حادي عشر شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلثمائة.
ومولده فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة.
وَكَانَ أَبيض، كث اللِّحْيَة طويلها، يخضب بِالسَّوَادِ.
وَكَانَ من أهل السّتْر والصيانة، وَكَثْرَة الصَّدقَات، ولديه فَضِيلَة وتفقه.
وصنف كتابا فِي الْأُصُول، ذكر فِيهَا فَضَائِل الصَّحَابَة، وأكفار الْمُعْتَزلَة، والقائلين بِخلق الْقُرْآن.
стр. 205
وَكَانَ ذَلِك الْكتاب يقْرَأ فِي كل جُمُعَة، فِي حَلقَة أَصْحَاب الحَدِيث بِجَامِع الْمهْدي بِحَضْرَة النَّاس مُدَّة خِلَافَته، وَهِي إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر.
وَفِي أَيَّامه غزا يمن الدولة مَحْمُود بن سبكتكين بِلَاد الْهِنْد، وَفتح بلادا كَثِيرَة، وغنم أَمْوَالًا عَظِيمَة، أهْدى إِلَى الْقَادِر مِنْهَا هَدِيَّة جليلة، مِنْهَا: صنم [من] ذهب زنته أَرْبَعمِائَة رَطْل، وَقطعَة ياقوت أَحْمَر فِي صُورَة إمرأة زنتها سِتُّونَ مِثْقَالا، وَهِي تضئ كالقنديل.
وَفِي أَيَّامه أحضر إِلَى بَغْدَاد بِرَجُل [من] يَأْجُوج وَمَأْجُوج قد ألقته الرّيح من فَوق السد، طوله ذِرَاع، ولحيته شبران، وَله أذنان عظيمان؛ فطافوا بِهِ مَدِينَة بَغْدَاد حَتَّى رَآهُ النَّاس.
وطالت أَيَّام الْقَادِر، إِلَى أَن توفّي لَيْلَة الأثنين حادي عشر ذِي الْحجَّة سنة إثنتين وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
وخلافته إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة [وَثَلَاثَة أشهر] .
وعاش سبعا وَثَمَانِينَ سنة إِلَّا شهرا وَثَمَانِية أَيَّام.
وَدفن بدار الْخلَافَة، وَصلى عَلَيْهِ وَلَده الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله والخلق وَرَاءه.
وَلم يزل مَدْفُونا فِي الدَّار حَتَّى نقل تابوته فِي مركب لَيْلًا إِلَى الرصافة؛ فَدفن بهَا بعد عشرَة أشهر من مَوته.
وَكَانَ من أحسن الْخُلَفَاء سيرة ﵀ [تَعَالَى]-.
стр. 206
(الْقَائِم بِاللَّه)
أَبُو جَعْفَر، عبد الله بن الْقَادِر أَحْمد بن [الْأَمِير إِسْحَاق] بن المقتدر جَعْفَر ابْن المعتضد أَحْمد بن ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور [عبد الله بن مُحَمَّد] بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس. الْهَاشِمِي، العباسي، الْبَغْدَادِيّ.
بُويِعَ بالخلافة [بعد وَفَاة] وَالِده الْقَادِر بِاللَّه فِي ذِي الْحجَّة سنة إثنتين وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
وَأمه وَأم ولد تسمى: قطر. وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة.
وَوَقع فِي أَيَّام خِلَافَته فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة غلاء عَم [الدُّنْيَا كلهَا شرقا وغربا] ، حَتَّى لم يبْق من النَّاس فِي كل بلد إِلَّا الْقَلِيل.
ثمَّ وَقع فِي أَيَّامه [فِي] سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ زلازل عَظِيمَة بالقيروان وبلاد إفريقية، وَخسف بِبَعْض بِلَاد القيروان، وطلع من الْخَسْف دُخان عَظِيم
стр. 207
اتَّصل بالجو، وَوَقع بِبِلَاد خوزستان قِطْعَة حَدِيد من الْهَوَاء زنتها مائَة وَخَمْسُونَ [منا] ، فَكَانَ لَهَا دوِي عَظِيم سقط مِنْهَا الْحَوَامِل؛ فَأَخذهَا السُّلْطَان، وَأَرَادَ أَن يعْمل مِنْهَا سَيْفا؛ فَكَانَت الْآلَات لَا تعْمل فِيهَا، وكل آلَة ضربوها بهَا تَكَسَّرَتْ.
وَوَقعت بِبِلَاد تبريز زَلْزَلَة عَظِيمَة هدمتها كلهَا حَتَّى القلعة والسور، وَمَات تَحت الرَّدْم تَقْدِير مائَة ألف إِنْسَان، وَلبس أَهلهَا المسوح، وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله [تَعَالَى] ؛ لعظم هَذِه النَّازِلَة.
وَفِي سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة أشيع بِبَغْدَاد وبالشام أَن جمَاعَة من الأكراد خَرجُوا يتصيدون؛ فَرَأَوْا فِي الْبَريَّة خيمة سَوْدَاء وسمعوا فِيهَا بكاء عَظِيما [ولطما] شَدِيدا، [وسمعوا قَائِلا] يَقُول: قد مَاتَ سيدوك ملك الْجِنّ وَأي بلد لم تبك أَهله وَلم تلطم عَلَيْهِ قلعناه من أَصله.
فَكَانَت النَّاس الضُّعَفَاء الْعُقُول من الرِّجَال وَالنِّسَاء يخرجُون إِلَى الْمَقَابِر وينوحون ويلطمون.
وَفِي سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة كَانَت بِمصْر وَالشَّام زلازل عَظِيمَة حَتَّى خربَتْ أَكثر الْبِلَاد، وَزَالَ الْبَحْر عَن السَّاحِل؛ فَنزل النَّاس يلتقطون مِنْهُ السّمك؛ فَرجع عَلَيْهِ الْبَحْر؛ فَغَرقُوا جَمِيعًا.
стр. 208
وطالت مُدَّة الْقَائِم [هَذَا] فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن مَاتَ فِي شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة؛ فَكَانَت خِلَافَته أَرْبعا وَأَرْبَعين سنة وَتِسْعَة أشهر إِلَّا خَمْسَة أَيَّام.
وتخلف بعده حفيده؛ فَإِنَّهُ لم يخلف أَوْلَادًا؛ لقلَّة اجتماعه بِالنسَاء.
قيل: إِنَّه كَانَ مرّة يُجَامع؛ فَرَأى [خيال نَفسه] فِي ضوء الشمعة؛ فاستقبح ذَلِك وَترك الْجِمَاع؛ فَقل نَسْله [لذَلِك] .
وَمَات عَن حفيد لَهُ؛ فَتخلف.
стр. 209
(المقتدر بِاللَّه)
أَبُو الْقَاسِم، عبد الله بن الْأَمِير مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الْقَائِم عبد الله بن الْقَادِر أَحْمد بن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر جَعْفَر بن المعتضد أَحْمد ابْن ولي الْعَهْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت جده الْقَائِم [بِاللَّه] فِي شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَولد فِي يَوْم مَاتَ أَبوهُ ذخيرة الدّين مُحَمَّد، ورباه جده الْقَائِم، وَلما كبر عهد إِلَيْهِ.
وَأمه أم ولد اسْمهَا: أرجوان.
وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة، وطالت أَيَّامه وَحسنت.
وَظهر فِي أَيَّامه آثَار حَسَنَة، غير أَنه ظهر فِي أَيَّامه زلازل كَثِيرَة بعدة أقاليم حَتَّى خربَتْ أَكثر الْبِلَاد، وَفَارَقت النَّاس الدّور وسكنت البراري.
стр. 210
ودام فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن توفّي بِبَغْدَاد فِي الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَكَانَت خِلَافَته تسع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر، وتخلف بعده ابْنه [المستظهر [ب] الله أَحْمد - رَحمَه الله تَعَالَى -] .
стр. 211
(المستظهر بِاللَّه)
أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِاللَّه عبد الله.
- قد مر [نسب هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء] فِي مَوَاطِن كَثِيرَة، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي إِلَّا لضَرُورَة -.
بُويِعَ المستظهر بالخلافة يَوْم مَاتَ أَبوهُ فِي محرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَأمه أم ولد، تركية تسمى: الطن.
قَالَ ابْن الْأَثِير: كَانَ المستظهر لين الْجَانِب، كريم الْأَخْلَاق، يُسَارع إِلَى أَعمال الْبر، وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام سرُور للرعية، وَكَانَ حسن الْخط، جيد التوقيعات، لَا يُقَارِبه فِيهَا أحد، يدل على فضل غزير وَعلم وَاسع. إنتهى.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، محبا للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ.
وَقَالَ غَيره: كَانَ فَاضلا، أديبا شَاعِرًا.
стр. 212
وَمن شعره [من] قصيدة:
(يَوْمًا مددت إِلَى رسم الْوَدَاع يدا ... )
وَهَذِه قصيدة طَوِيلَة طنانة.
قَالَ: وَفِي أَيَّامه اجْتمع الْحجَّاج بخراسان وَالْعراق والسند والهند وَمَا وَرَاء النَّهر، وَسَارُوا إِلَى الْحَج؛ فَلَمَّا وصلوا قَرِيبا من الرّيّ أَتَاهُم الباطنية وَقت السحر وقاتلوهم وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف؛ فَقَتَلُوهُمْ عَن آخِرهم، وَأخذُوا جَمِيع أَمْوَالهم؛ فَعظم ذَلِك على المستظهر، وَلم ينْهض بشئ لضعف شوكته ولتحكم غَيره من مُلُوك السلجوقية فِي الممالك.
ثمَّ فِي أَيَّامه فِي سنة إثنتين وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ملكت الفرنج بَيت الْمُقَدّس من بني عبيد خلفاء مصر، وَأَقَامُوا يقتلُون فِي الْمُسلمين سَبْعَة أَيَّام، وَقتلُوا فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى مَا يزِيد عَن سبعين ألف [نفس] من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ - قَالَه غير وَاحِد - وغنموا مَالا يَقع عَلَيْهِ (الإحصاء.
[قلت: كَانَ أَخذ [بَيت] ) الْمُقَدّس من سوء تَدْبِير المستعلي بِاللَّه [أَحْمد - أحد الْخُلَفَاء الفاطميين بِمصْر - فَإِنَّهُ كَانَ ضع) ف أمره، وَخَربَتْ غَالب أَعمال مصر فِي أَيَّامه وَأَيَّام غَيره من الفاطميين.
стр. 213
وَاسْتولى الفرنج على غَالب السواحل الشامية؛ لِأَنَّهُ كَانَ من مَدِينَة حلب إِلَى أقْصَى صَعِيد مصر مُتَعَلق بخلفاء مصر مَعَ الْحَرَمَيْنِ الشريفين، وَمَا عدا ذَلِك من بِلَاد الشرق كَانَ مَعَ خلفاء بني الْعَبَّاس هَؤُلَاءِ.
وَأما خلفاء مصر؛ فَيَأْتِي ذكرهم فِي هَذَا الْكتاب بعد فرَاغ تراجم بني الْعَبَّاس على حدتهم، من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
وَمَات المستظهر فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر سنة إثنتي عشرَة وَخَمْسمِائة.
وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر.
وتخلف بعده وَلَده [المسترشد بِاللَّه الْفضل] .
стр. 214
(المسترشد بِاللَّه)
[أَبُو مَنْصُور، الْفضل] بن المستظهر [بِاللَّه] أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِاللَّه، أَبُو الْقَاسِم عبد الله. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه فِي شهر ربيع الآخر سنة إثنتي عشرَة وَخَمْسمِائة.
وَأمه أم ولد تسمى: لبَابَة، ومولده فِي حُدُود سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَكَانَ المسترشد شهما شجاعا، ذَا همة وَمَعْرِفَة وعقل.
وَكَانَ دينا مشتغلا بِالْعبَادَة، سلك فِي الْخلَافَة سيرة الْقَادِر، وَقَرَأَ الْقُرْآن، وَسمع الحَدِيث، وَقَالَ الشّعْر، وَمن شعره:
(أَنا الْأَشْقَر الْمَوْعُود بِي فِي الْمَلَاحِم ... وَمن يملك الدُّنْيَا بِغَيْر مُزَاحم)
وَكَانَ المسترشد لما تَغَيَّرت أَحْوَال مَمْلَكَته صَار يُبَاشر الْقِتَال بِنَفسِهِ؛ فَمَاتَ قَتِيلا فِي سَابِع [عشر] ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة.
стр. 215
وَسَببه: أَنه خرج فِي عساكره؛ [لقِتَال مَسْعُود بن مُحَمَّد شاه بن ملكشاه السلجوقي؛ فَخَالف عَلَيْهِ عسكره] ؛ فانكسر وَانْهَزَمَ؛ فَأرْسل سنجر شاه - عَم مَسْعُود الْمَذْكُور - يلوم مَسْعُود فِي قتال الْخَلِيفَة المسترشد؛ فَرجع مَسْعُود عَن قِتَاله، وَضرب لَهُ السرادق، وَطَلَبه وأنزله بِهِ.
فَلَمَّا نزل المسترشد بالسرادق وصل رَسُول سنجر شاه السلجوقي إِلَى الْخَلِيفَة وَمَعَهُ سَبْعَة عشر نَفرا من الباطنية فِي زِيّ الغلمان؛ فَدَخَلُوا على الْخَلِيفَة المسترشد وضربوه بالسكاكين حَتَّى قَتَلُوهُ، وَقَطعُوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ، وَقتلُوا من كَانَ عِنْده. وعادت العساكر فأحدقت بالسرادق، وَخرج الباطنية والسكاكين فِي أَيْديهم فِيهَا الدَّم؛ فمالت العساكر عَلَيْهِم فَقَتَلُوهُمْ، ثمَّ أحرقوهم.
وغطي الْخَلِيفَة بسندسية خضراء، لفوه فِيهَا.
وَدفن على حَاله بِبَاب مراغة. وعمره خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ سنة، وخلافته سبع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وأياما، واستخلف بعده ابْنه [الراشد] ، وَكَانَ بِبَغْدَاد.
следующие страницы →