← Тараджим

Тараджим · id 6669

مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة

ابن تغري بردي

Полный текст (483 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(المستظهر بِاللَّه) أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِاللَّه عبد الله. - قد مر [نسب هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء] فِي مَوَاطِن كَثِيرَة، فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي إِلَّا لضَرُورَة -. بُويِعَ المستظهر بالخلافة يَوْم مَاتَ أَبوهُ فِي محرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة. وَأمه أم ولد، تركية تسمى: الطن. قَالَ ابْن الْأَثِير: كَانَ المستظهر لين الْجَانِب، كريم الْأَخْلَاق، يُسَارع إِلَى أَعمال الْبر، وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام سرُور للرعية، وَكَانَ حسن الْخط، جيد التوقيعات، لَا يُقَارِبه فِيهَا أحد، يدل على فضل غزير وَعلم وَاسع. إنتهى. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، محبا للْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ. وَقَالَ غَيره: كَانَ فَاضلا، أديبا شَاعِرًا.

стр. 212

وَمن شعره [من] قصيدة: (يَوْمًا مددت إِلَى رسم الْوَدَاع يدا ... ) وَهَذِه قصيدة طَوِيلَة طنانة. قَالَ: وَفِي أَيَّامه اجْتمع الْحجَّاج بخراسان وَالْعراق والسند والهند وَمَا وَرَاء النَّهر، وَسَارُوا إِلَى الْحَج؛ فَلَمَّا وصلوا قَرِيبا من الرّيّ أَتَاهُم الباطنية وَقت السحر وقاتلوهم وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف؛ فَقَتَلُوهُمْ عَن آخِرهم، وَأخذُوا جَمِيع أَمْوَالهم؛ فَعظم ذَلِك على المستظهر، وَلم ينْهض بشئ لضعف شوكته ولتحكم غَيره من مُلُوك السلجوقية فِي الممالك. ثمَّ فِي أَيَّامه فِي سنة إثنتين وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ملكت الفرنج بَيت الْمُقَدّس من بني عبيد خلفاء مصر، وَأَقَامُوا يقتلُون فِي الْمُسلمين سَبْعَة أَيَّام، وَقتلُوا فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى مَا يزِيد عَن سبعين ألف [نفس] من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ - قَالَه غير وَاحِد - وغنموا مَالا يَقع عَلَيْهِ (الإحصاء. [قلت: كَانَ أَخذ [بَيت] ) الْمُقَدّس من سوء تَدْبِير المستعلي بِاللَّه [أَحْمد - أحد الْخُلَفَاء الفاطميين بِمصْر - فَإِنَّهُ كَانَ ضع) ف أمره، وَخَربَتْ غَالب أَعمال مصر فِي أَيَّامه وَأَيَّام غَيره من الفاطميين.

стр. 213

وَاسْتولى الفرنج على غَالب السواحل الشامية؛ لِأَنَّهُ كَانَ من مَدِينَة حلب إِلَى أقْصَى صَعِيد مصر مُتَعَلق بخلفاء مصر مَعَ الْحَرَمَيْنِ الشريفين، وَمَا عدا ذَلِك من بِلَاد الشرق كَانَ مَعَ خلفاء بني الْعَبَّاس هَؤُلَاءِ. وَأما خلفاء مصر؛ فَيَأْتِي ذكرهم فِي هَذَا الْكتاب بعد فرَاغ تراجم بني الْعَبَّاس على حدتهم، من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى -. وَمَات المستظهر فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر سنة إثنتي عشرَة وَخَمْسمِائة. وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر. وتخلف بعده وَلَده [المسترشد بِاللَّه الْفضل] .

стр. 214

(المسترشد بِاللَّه) [أَبُو مَنْصُور، الْفضل] بن المستظهر [بِاللَّه] أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِاللَّه، أَبُو الْقَاسِم عبد الله. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه فِي شهر ربيع الآخر سنة إثنتي عشرَة وَخَمْسمِائة. وَأمه أم ولد تسمى: لبَابَة، ومولده فِي حُدُود سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة. وَكَانَ المسترشد شهما شجاعا، ذَا همة وَمَعْرِفَة وعقل. وَكَانَ دينا مشتغلا بِالْعبَادَة، سلك فِي الْخلَافَة سيرة الْقَادِر، وَقَرَأَ الْقُرْآن، وَسمع الحَدِيث، وَقَالَ الشّعْر، وَمن شعره: (أَنا الْأَشْقَر الْمَوْعُود بِي فِي الْمَلَاحِم ... وَمن يملك الدُّنْيَا بِغَيْر مُزَاحم) وَكَانَ المسترشد لما تَغَيَّرت أَحْوَال مَمْلَكَته صَار يُبَاشر الْقِتَال بِنَفسِهِ؛ فَمَاتَ قَتِيلا فِي سَابِع [عشر] ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة.

стр. 215

وَسَببه: أَنه خرج فِي عساكره؛ [لقِتَال مَسْعُود بن مُحَمَّد شاه بن ملكشاه السلجوقي؛ فَخَالف عَلَيْهِ عسكره] ؛ فانكسر وَانْهَزَمَ؛ فَأرْسل سنجر شاه - عَم مَسْعُود الْمَذْكُور - يلوم مَسْعُود فِي قتال الْخَلِيفَة المسترشد؛ فَرجع مَسْعُود عَن قِتَاله، وَضرب لَهُ السرادق، وَطَلَبه وأنزله بِهِ. فَلَمَّا نزل المسترشد بالسرادق وصل رَسُول سنجر شاه السلجوقي إِلَى الْخَلِيفَة وَمَعَهُ سَبْعَة عشر نَفرا من الباطنية فِي زِيّ الغلمان؛ فَدَخَلُوا على الْخَلِيفَة المسترشد وضربوه بالسكاكين حَتَّى قَتَلُوهُ، وَقَطعُوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ، وَقتلُوا من كَانَ عِنْده. وعادت العساكر فأحدقت بالسرادق، وَخرج الباطنية والسكاكين فِي أَيْديهم فِيهَا الدَّم؛ فمالت العساكر عَلَيْهِم فَقَتَلُوهُمْ، ثمَّ أحرقوهم. وغطي الْخَلِيفَة بسندسية خضراء، لفوه فِيهَا. وَدفن على حَاله بِبَاب مراغة. وعمره خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ سنة، وخلافته سبع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وأياما، واستخلف بعده ابْنه [الراشد] ، وَكَانَ بِبَغْدَاد.

стр. 216

الراشد بِاللَّه أَبُو جَعْفَر مَنْصُور [ابْن الْخَلِيفَة المسترشد بِاللَّه أبي مَنْصُور الْفضل] ابْن الْخَلِيفَة المستظهر بِاللَّه أَحْمد. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ. بُويِعَ بالخلافة بعد قتل أَبِيه فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة. ومولده فِي سنة إثنتين وَخَمْسمِائة. وَأمه أم ولد حبشية. وَيُقَال: إِن الراشد هَذَا ولد مسدودا؛ فأحضر أَبوهُ المسترشد [الْأَطِبَّاء] ؛ فأشاروا أَن يفتح لَهُ مخرج بِآلَة من ذهب؛ فَفعل ذَلِك؛ فنفع. وَحكى عَن الراشد هَذَا أَيْضا: أَن وَالِده أعْطى لَهُ عدَّة جوَار وعمره أقل من تسع سنوات، وأمرهن أَن يلاعبنه. وَكَانَت فِيهِنَّ جَارِيَة حبشية؛ فَحملت من الراشد. فَلَمَّا ظهر الْحمل وَبلغ المسترشد أنكرهُ؛ الصغر سنه، وسألها؛ فَقَالَت: وَالله مَا تقدم إِلَيّ غَيره وَأَنه احْتَلَمَ؛ فَسَأَلَ المسترشد بَاقِي الْجَوَارِي؛ فَقُلْنَ كَذَلِك.

стр. 217

وَوضعت الْجَارِيَة صَبيا، وسمى: أَمِير الْجَيْش. وَقيل لِأَبِيهِ المسترشد: إِن صبيان تهَامَة يحتلمون لتسْع سِنِين، وَكَذَلِكَ نِسَاءَهُمْ. إنتهى. وَلم تطل خلَافَة الراشد؛ فَإِنَّهُ خرج بعد خِلَافَته بِمدَّة إِلَى الْموصل لقِتَال مَسْعُود بن مُحَمَّد شاه بن ملكشاه السلجوقي وَغَيره؛ فَلَمَّا قاربهم خذله أَصْحَابه؛ فَقبض السُّلْطَان مَسْعُود عَلَيْهِ، وخلعه من الْخلَافَة فِي يَوْم الأثنين ثامن عشر ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة. وَقَالَ صَدَقَة الْحداد الْحَنْبَلِيّ فِي تَارِيخه: إِن الْوَزير أَبَا الْقَاسِم بن طراد صدر محضرا على الراشد فِيهِ أَنْوَاع من الْكَبَائِر ارتكبها الراشد من: الْفسق والفجور، وَنِكَاح أُمَّهَات أَوْلَاد أَبِيه، وَأخذ أَمْوَال النَّاس، وَسَفك الدِّمَاء؛ وَأَنه فعل أَشْيَاء لَا [يجوز أَن] يكون مَعهَا إِمَامًا على الْمُسلمين؛ فتوقف الشُّهُود؛ فهددهم ابْن طراد وَقَالَ: علمْتُم صِحَة هَذَا؛ فَمَا الْمَانِع من إِقَامَة الشَّهَادَة؟ ! فَشَهِدُوا. وَكَانَ السُّلْطَان مَسْعُود قد جمع الْقُضَاة وَالشُّهُود والأعيان وَأخرج [لَهُم] نُسْخَة يَمِين كَانَت بَينه وَبَين الراشد أَخذهَا عَلَيْهِ بِخَطِّهِ، فِيهَا: مَتى حشدت أَو حَارَبت أَو جذبت سَيْفا فِي وَجه مَسْعُود؛ فقد خلعت نَفسِي من هَذَا الْأَمر. وفيهَا خطوط الْقُضَاة وَالشُّهُود [بذلك] ؛ فَحكم الْقُضَاة حِينَئِذٍ بخلعه؛ فَخلع وولوا المقتفي مُحَمَّد بن المستظهر عَم الراشد هَذَا. وَحبس الراشد، إِلَى أَن مَاتَ قَتِيلا فِي محبسه فِي شهر رَمَضَان سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة. وَقيل: [إِن] الَّذين قَتَلُوهُ كَانُوا جمَاعَة من الخراسانية كَانُوا بخدمته؛ فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وقتلوه بدسيسة من مَسْعُود.

стр. 218

(المقتفي بِاللَّه) أَبُو عبد الله، مُحَمَّد بن المستظهر [بِاللَّه] أَحْمد بن الْمُقْتَدِي [بِاللَّه] عبد الله بن الْأَمِير مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الْخَلِيفَة الْقَائِم بِاللَّه عبد [الله. العباسي] ، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ. بُويِعَ بالخلافة بعد خلع ابْن أَخِيه الراشد [بِاللَّه] . ومولده [فِي سنة تسع] وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة. وَأمه أم ولد، رُومِية تسمى: بغية النُّفُوس. وَقيل: نسيم. وَكَانَ المقتفي إِمَامًا عَالما فَاضلا. وَفِي أَيَّامه كَانَ بِمصْر وَالشَّام زلازل عَظِيمَة أَقَامَت تعارد النَّاس أَيَّامًا كَثِيرَة؛ حَتَّى خربَتْ أَكثر الْبِلَاد. حكى أَنَّهَا جَاءَت فِي يَوْم [وَاحِد] وَلَيْلَة وَاحِدَة تسعين مرّة.

стр. 219

وَفِي أَيَّامه قتلت الْعَرَب الْحجَّاج بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَأخذت جَمِيع أَمْوَالهم. وَتُوفِّي المقتفي فِي يَوْم الْأَحَد ثَانِي شهر ربيع الأول سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَدفن بداره بعد أَن صلى عَلَيْهِ وَلَده المستنجد يُوسُف الَّذِي تخلف بعده. وَكَانَت خِلَافَته أَرْبعا وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَوَاحِد وَعشْرين يَوْمًا. وَكَانَ حسن السِّيرَة فَاضلا، أديبا، شجاعا، دمث الْأَخْلَاق، كَامِل السؤدد، خليقا للخلافة، قَلِيل الْمثل ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 220

(المستنجد بِاللَّه) أَبُو المظفر، يُوسُف بن المقتفي بِاللَّه مُحَمَّد بن المستظهر [بِاللَّه] أَحْمد. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه [المقتفي] فِي سنة خمس [وَخمسين] وَخَمْسمِائة. وَأمه أم ولد كرجية تسمى: طَاوُوس، أدْركْت خِلَافَته. ومولده فِي سنة ثَمَانِي [عشرَة] وَخَمْسمِائة. قيل: إِن المستنجد [هَذَا] رأى فِي مَنَامه - فِي حَيَاة وَالِده المقتفي - كَأَن ملكا نزل من السَّمَاء؛ فَكتب فِي كَفه أَربع خاءات معجمات؛ فَلَمَّا أصبح أَوله [لَهُ] بعض المعبرين بِأَنَّهُ يَلِي الْخلَافَة فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة؛ فَكَانَ كَذَلِك. وَكَانَ نقش خَاتم المستنجد: من أحب نَفسه عمل لَهَا. وَكَانَ المستنجد أسمرا، طَوِيل اللِّحْيَة، معتدل الْقَامَة، شجاعا، مهابا، عادلا فِي الرّعية، أديبا فصيحا فطنا، أَزَال الْمَظَالِم والمكوس فِي خِلَافَته. قَالَ ابْن الْأَثِير: كَانَ المستنجد فَاضلا أديبا.

стр. 221

وَمن شعره فِي بخيل. (فَمَا جرت من عينهَا دمعة ... حَتَّى جرت من عينه دمعة) وَكَانَت وَفَاة المستنجد فِي يَوْم السبت ثَانِي شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة. وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى عشرَة سنة وشهرا وَاحِدًا، وتخلف [من] بعده ابْنه [المستضئ بِاللَّه حسن] .

стр. 222

(المستضئ بِاللَّه) أَبُو مُحَمَّد، الْحسن بن المستنجد يُوسُف بن المتقفي بِاللَّه مُحَمَّد. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت وَالِده فِي شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة. ومولده [فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة] . وَأمه أم ولد مولدة. وَكَانَ أحسن الْخُلَفَاء سيرة؛ كَانَ إِمَامًا عادلا، شرِيف النَّفس [حسن السِّيرَة، كَرِيمًا، لَيْسَ لِلْمَالِ عِنْده قدر، حَلِيمًا] شفيقا على الرّعية، أسقط فِي أَيَّامه أَيْضا المكوس والضرائب. [وَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد فِي ثَانِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة، وَمَات عَن سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة] ، وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين. وَهُوَ الَّذِي عَادَتْ الْخطْبَة باسمه فِي الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور.

стр. 223

وَاجْتمعت الْأمة فِي أَيَّامه على خَليفَة وَاحِد، وانقطعت دولة بني عبيد الفاطميين خلفاء مصر فِي أَيَّامه على يَد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب - الْآتِي ذكره فِي مَحَله من هَذَا الْكتاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -. وتخلف بعده ابْنه [النَّاصِر لدين الله أَحْمد] .

стр. 224

(النَّاصِر لدين الله) [أَبُو الْعَبَّاس] ، أَحْمد بن المستضئ حسن بن المستنجد يُوسُف. العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، أَمِير الْمُؤمنِينَ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه المستضئ فِي أول ذِي الْقعدَة سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة. [ومولده فِي يَوْم الأثنين عَاشر شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة] . وَأمه أم ولد تركية. قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين: وَكَانَ أَبيض اللَّوْن، تركي الْوَجْه، مليح الْعَينَيْنِ، أنور الْجَبْهَة، أقنى الْأنف، خَفِيف العارضين، أشقر اللِّحْيَة، رَقِيق المحاسن. كَانَ نقش خَاتمه: رجائي من الله عَفوه. وَلم يل الْخلَافَة من بني الْعَبَّاس قبله أطول مُدَّة مِنْهُ، إِلَّا مَا سَنذكرُهُ من خلفاء بني عبيد الْمُسْتَنْصر معد. إنتهى.

стр. 225

وَفِي أَيَّام النَّاصِر لدين الله [هَذَا] ظَهرت الفتوة بَغْدَاد، وَرمي البندق، وَلعب الْحمام، وتفنن النَّاس فِي ذَلِك، وَدخل فِيهِ الأجلاء ثمَّ الْمُلُوك؛ فألبسوا الْملك الْعَادِل صَاحب [مصر] ثمَّ أَوْلَاده سَرَاوِيل الفتوة، ولبسه أَيْضا الْملك شهَاب الدّين صَاحب غزنة والهند من الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين [الله] هَذَا. ولبسه جمَاعَة أخر من الْمُلُوك. وَأما لعب الْحمام، فَخرج فِيهِ [عَن] الْحَد. يحْكى عَنهُ أَنه: لما دخلت التتار الْبِلَاد، وملكوا من وَرَاء النَّهر إِلَى الْعرَاق، وَقتلُوا تِلْكَ المقتلة الْعَظِيمَة من الْمُسلمين، الَّذِي مَا نكب الْمُسلمُونَ بأعظم مِنْهَا، دخل عَلَيْهِ الْوَزير فَقَالَ لَهُ: يَا مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ﴿إِن التتر قد ملكت الْبِلَاد وَقتلت الْمُسلمين. فَقَالَ لَهُ النَّاصِر [لدين الله] : دَعْنِي، أَنا فِي شَيْء أهم من ذَلِك؛ طيرتي البلقاء لي ثَلَاثَة أَيَّام مَا رَأَيْتهَا﴾ ! قلت: وَفِي هَذِه الْحِكَايَة كِفَايَة - إِن صحت عَنهُ -. وَكَانَت وَفَاته فِي [سلخ] شهر رَمَضَان سنة إثنتين وَعشْرين وسِتمِائَة. وَكَانَت خِلَافَته سبعا وَأَرْبَعين سنة. وتخلف بعده ابْنه [الظَّاهِر] .

стр. 226

(الظَّاهِر بِأَمْر الله) أَبُو نصر، مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد. العباسي، [الْهَاشِمِي] ، أَمِير الْمُؤمنِينَ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه النَّاصِر [لدين الله] فِي سنة إثنتين وَعشْرين وسِتمِائَة. ومولده فِي الْمحرم سنة سبعين وَخَمْسمِائة. وَأمه أم ولد. وَكَانَ جميل الصُّورَة، أَبيض مشربا بحمرة، حُلْو الشَّمَائِل، شَدِيد الْقُوَّة. أفضت الْخلَافَة إِلَيْهِ وَله إثنتان وَخَمْسُونَ سنة إِلَّا شهرا؛ فَقيل لَهُ: أَلا تتفسح؟ ! ؛ فَقَالَ: قد فَاتَ الزَّرْع؛ فَقيل لَهُ: يُبَارك الله فِي عمرك؛ فَقَالَ: من فتح دكانا بعد الْعَصْر إيش يكْسب؟ ؛ فَكَانَ كَذَلِك. وَمَات بعد مُدَّة يسيرَة فِي ثَالِث عشر رَجَب [من] سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة. وَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة أشهر وَنصفا. واستخلف بعده وَلَده الْمُسْتَنْصر.

стр. 227

وَكَانَ الظَّاهِر خيرا عادلا، قطع الظلامات والمكوس. وَكَانَ كَرِيمًا كثير الصَّدقَات. قيل: إِنَّه تصدق فِي لَيْلَة الْعِيد بِمِائَة ألف دِينَار. وَلما ولي الْخلَافَة ولى الشَّيْخ عماد الدّين بن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي الْحَنْبَلِيّ الْقَضَاء؛ فَمَا قبل عماد الدّين إِلَّا بِشَرْط أَنه يُورث ذَوي الْأَرْحَام؛ فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة: أعْط كل ذِي حق حَقه، وَاتَّقِ الله وَلَا تتق سواهُ. فَكَلمهُ القَاضِي أَيْضا فِي الأوراق الَّتِي ترفع إِلَى الْخَلِيفَة؛ وَهُوَ: أَن حراس الدروب كَانَت ترفع إِلَى الْخَلِيفَة فِي صَبِيحَة كل يَوْم مَا يكون عِنْدهم من أَحْوَال النَّاس الصَّالِحَة والطالحة؛ فَأمر الظَّاهِر بتبطيل ذَلِك، وَقَالَ: أَي فَائِدَة فِي كشف أَحْوَال النَّاس؟ فَقيل لَهُ: إِن تركت ذَلِك تفْسد الرّعية؛ فَقَالَ: نَحن ندعوا لَهُم بالإصلاح، ثمَّ أعْطى القَاضِي [الْمَذْكُور] عشرَة آلَاف دِينَار؛ لوفاء دُيُون من فِي السجون من الْفُقَرَاء.

стр. 228

(الْمُسْتَنْصر بِاللَّه) أَبُو جَعْفَر، مَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد ابْن المستضئ بِأَمْر الله حسن بن المستنجد بِاللَّه يُوسُف. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه الظَّاهِر فِي شهر رَجَب سنة ثَلَاثَة وَعشْرين وسِتمِائَة. ومولده فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة. وَأمه أم ولد تركية. وَلما ولى الْخلَافَة نشر الْعدْل فِي الرعايا وبذل الْإِنْصَاف، وَقرب أهل الْعلم وَالدّين، وَبنى الْمَسَاجِد والربط والمدارس، وَأقَام منار الدّين، وقمع المتمردين، وَنشر السّنَن، وكف الْفِتَن. وَكَانَ (أَبيض اللَّوْن) ، أشقر الشّعْر، ضخما، قَصِيرا. وَلما شَاب خضب بِالْحِنَّاءِ، ثمَّ ترك الخضاب. وَمَات فِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة، وَقيل: فِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة، عَن إِحْدَى وَخمسين سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَتِسْعَة أَيَّام، وكتم مَوته.

стр. 229

وخطب لَهُ يَوْمئِذٍ بالجامع حَتَّى جَاءَهُ الْأَمِير شرف الدّين إقبال الشرابي الْخَادِم وَمَعَهُ جمع من الخدام، وَسلم على وَلَده المستعصم بالخلافة؛ فاستخلف [المستعصم] ، وَتمّ أمره. وَكَانَت خلَافَة الْمُسْتَنْصر تسع عشرَة سنة إِلَّا شهرا. والمستنصر هَذَا هُوَ باني الْمدرسَة المستنصرية بِبَغْدَاد الَّتِي لم يبن فِي الْإِسْلَام مثلهَا فِي كَثْرَة أوقافها (وَكَثْرَة مَا جعل فِيهَا من الْكتب) .

стр. 230

(المستعصم بِاللَّه) أَبُو أَحْمد، عبد الله بن الْمُسْتَنْصر مُحَمَّد بن الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد. أَمِير الْمُؤمنِينَ العباسي، الْهَاشِمِي، الْبَغْدَادِيّ، آخر خلفاء بني الْعَبَّاس بِبَغْدَاد. بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة. وَأمه أم ولد حبشية. وَقتل فِي الْمحرم سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة. وَسبب قَتله: أَنه لما ولي الْخلَافَة لم يستوثق أمره؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَلِيل الْمعرفَة بتدبير الْملك، نَازل الهمة، مهملا للأمور المهمة، محبا لجمع الْأَمْوَال، أهمل أَمر هولاكو، وانقاد إِلَى وزيره [ابْن] العلقمي حَتَّى كَانَ فِي ذَلِك هَلَاكه وهلاك الرّعية؛ فَإِن وزيره ابْن العلقمي الرافضي كتب إِلَى هولاكو ملك التتار فِي الدس: إِنَّك تحضر إِلَى بَغْدَاد وَأَنا أسلمها [لَك]- وَكَانَ قد دَاخل [قلب] اللعين الْكفْر؛ فَكتب إِلَيْهِ هولاكو: إِن عَسَاكِر بَغْدَاد [كَثِيرَة فَإِن كنت صَادِقا فِيمَا قلته وداخلا فِي طاعتنا فرق عَسَاكِر بَغْدَاد] وَنحن نحضر. فَلَمَّا وصل كِتَابه إِلَى الْوَزير ابْن العلقمي دخل إِلَى المستعصم وَقَالَ: إِن جندك كَثِيرُونَ، وَعَلَيْك كلف كَثِيرَة، والعدو قد رَجَعَ من بِلَاد الْعَجم، وَالصَّوَاب أَنَّك تُعْطى دستورا لخمسة عشر ألف من عسكرك وتوفر معلومهم، وَعلي إِن عَاد هولاكو الْقيام بِدَفْعِهِ؛ فَأَجَابَهُ المستعصم [إِلَى ذَلِك] ؛ فَخرج الْوَزير من وقته ومحا اسْم من ذكر من الدِّيوَان، ثمَّ نفاهم من بَغْدَاد، ومنعهم من الْإِقَامَة بهَا.

стр. 231

ثمَّ بعد شهر فعل الْوَزير مثل فعلته [الأولى] ومحا إسم عشْرين ألف فَارس من الدِّيوَان. ثمَّ كتب إِلَى هولاكو بِمَا فعل. وَكَانَ قصد الْوَزير هَذَا بمجئ هولاكو أَشْيَاء، مِنْهَا: أَنه كَانَ رَافِضِيًّا خبيثا، وَأَرَادَ أَن ينْقل الْخلَافَة من بني الْعَبَّاس إِلَى العلويين؛ فَلم يتم لَهُ ذَلِك؛ لعظم شوكه بني الْعَبَّاس وعساكرهم؛ فأفكر أَن هولاكو إِذا قدم بَغْدَاد يقتل المستعصم وَأَتْبَاعه، ثمَّ يعود إِلَى حَال سَبيله، وَقد زَالَت شَوْكَة بني الْعَبَّاس، وَقد بَقِي هُوَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من العظمة [والعساكر وتدبير المملكة؛ فَيقوم عِنْد ذَلِك بدعوة العلويين الرافضة] من غير ممانع؛ لضعف العساكر ولقوته ثمَّ يضع السَّيْف فِي أهل السّنة؛ فَهَذَا كَانَ قَصده - لَعنه الله -. وَلما بلغ هولاكو مَا فعله [الْوَزير] ابْن العلقمي بِبَغْدَاد ركب فِي الْحَال وَقصد بَغْدَاد، إِلَى أَن نزل عَلَيْهَا. وَصَارَ المستعصم يَسْتَدْعِي العساكر، ويتجهز لِحَرْب هولاكو، كل ذَلِك والوزير [ابْن العلقمي] يملئ الْخَلِيفَة المفسود فِي سَائِر أَحْوَاله. هَذَا، وَقد اجْتمع أهل بَغْدَاد وتحالفوا على قتال هولاكو، وَخَرجُوا إِلَى ظَاهر بَغْدَاد، وَمَشى عَلَيْهِم هولاكو بعساكره؛ فتقاتلوا قتالا شَدِيدا، وصبر كل من الطَّائِفَتَيْنِ صبرا عَظِيما، وَكَثُرت الْجِرَاحَات والقتلى فِي الْفَرِيقَيْنِ، إِلَى أَن نصر الله تَعَالَى عَسَاكِر بَغْدَاد وانكسر [عَسْكَر] هولاكو أقبح كسرة،

стр. 232

وسَاق الْمُسلمُونَ خَلفهم، وأسروا مِنْهُم جمَاعَة، وعادوا بالأسرى ورءوس الْقَتْلَى إِلَى ظَاهر بَغْدَاد، ونزلوا بمخيمهم مُطْمَئِنين بهروب الْعَدو؛ فَأرْسل الْوَزير العلقمي فِي تِلْكَ اللَّيْلَة جمَاعَة من أَصْحَابه؛ فَقطعُوا شط الدجلة؛ فَخرج مَاؤُهَا على عَسَاكِر بَغْدَاد وهم نائمون؛ فغرقت مَوَاشِيهمْ وخيامهم وَأَمْوَالهمْ، وَصَارَ السعيد مِنْهُم من لَقِي فرسا يركبهَا. وَكَانَ الْوَزير قد أرسل إِلَى هولاكو يعرفهُ بِمَا فعل ويأمره بِالرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَاد؛ فَرَجَعت عَسَاكِر هولاكو إِلَى ظَاهر بَغْدَاد؛ فَلم يَجدوا هُنَاكَ من يردهم. فَلَمَّا أصحبوا استولوا على بَغْدَاد وبذلوا فِيهَا السَّيْف، وَوَقع مِنْهُم أُمُور [يطول شرحها، لَيْسَ لذكرها] مَحل فِي هَذَا الْمُخْتَصر. وَالْمَقْصُود: أَن هولاكو استولى على بَغْدَاد، وَأخذ المستعصم أَسِيرًا -[بعد أُمُور]- ثمَّ بذل السَّيْف فِي الْمُسلمين، وَلم يرحم شَيخا كَبِيرا لكبره وَلَا صَغِيرا لصغره. وَلما أَخذ المستعصم أَسِيرًا هُوَ وَولده، وأحضر بَين يَدي هولاكو أَمر بِهِ [هولاكو] ؛ فَأخْرج من بَغْدَاد، وأنزله بمخيم صَغِير بِظَاهِر بَغْدَاد. ثمَّ [فِي] بعد عصر الْيَوْم وضع الْخَلِيفَة المستعصم وَولده فِي عَدْلَيْنِ وَأمر التتار برفسهما، إِلَى أَن مَاتَا فِي محرم سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة. ثمَّ نهبت دَار الْخلَافَة ومدينة بَغْدَاد حَتَّى لم يبْق بهَا مَا قل وَلَا مَا جلّ.

стр. 233

ثمَّ أحرقت بَغْدَاد بعد أَن قتل أَكثر أَهلهَا، حَتَّى قيل: إِن عدَّة من قتل فِي نوبَة هولاكو يزِيد على ألفي ألف وَثَمَانمِائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألف إِنْسَان. وانقرضت الْخلَافَة من بَغْدَاد بقتل المستعصم هَذَا، وَبقيت الدُّنْيَا بِلَا خَليفَة سِنِين، إِلَى أَن أَقَامَ الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقداري بعض بني الْعَبَّاس فِي الْخلَافَة - حَسْبَمَا نذكرهُ على سَبِيل الإختصار -. فَكَانَت خلَافَة المستعصم خمس عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وأياما، وَتَقْدِير عمره سَبْعَة وَأَرْبَعُونَ سنة. وزالت الْخلَافَة من بَغْدَاد؛ فَقَالَ قَائِلهمْ: (خلت المنابر والأسرة مِنْهُم ... فَعَلَيْهِم حَتَّى الْمَمَات سَلام) وَأما الْوَزير العلقمي؛ فَلم يتم لَهُ مَا أرد من أَن التتار يبذلون السَّيْف مُطلقًا فِي أهل السّنة؛ فجَاء بِخِلَاف مَا أَرَادَ؛ وبذلوا السَّيْف فِي أهل السّنة والرافضة مَعًا. كل ذَلِك وَهُوَ فِي منصبه مَعَ الذل والهوان، وَهُوَ يظْهر قُوَّة النَّفس والفرح وَأَنه بلغ قَصده؛ فَلم يلبث إِلَّا أَن أمْسكهُ هولاكو بعد قتل المستعصم بأيام ووبخه بِأَلْفَاظ شنيعة، مَعْنَاهَا أَنه لم يكن لَهُ خير فِي مخدومه وَلَا فِي دينه؛ فَكيف يكون لَهُ خير فِي هولاكو؟ ! ثمَّ أَمر بِهِ هولاكو؛ فَقتل أشر قتلة فِي أَوَائِل سنة سبع وَخمسين. قلت: (إِلَى سقر، لَا دنيا وَلَا آخِرَة) .

стр. 234

(الْمُسْتَنْصر بِاللَّه) أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد [بن] الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِاللَّه مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله [أَحْمد] بن المستضئ حسن بن المستنجد يُوسُف بن المقتفي مُحَمَّد. وَقد تقدم بَقِيَّة نسبه فِي تراجم جمَاعَة من آبَائِهِ -. بُويِعَ الْمُسْتَنْصر هَذَا بالخلافة بِالْقَاهِرَةِ. وَأمره: أَنه لما حضر إِلَى الديار المصرية فِي تَاسِع شهر رَجَب ركب السُّلْطَان [الْملك] الظَّاهِر بيبرس البندقداري؛ وَخرج إِلَى تلقيه [فِي] موكب عَظِيم، وتلقاه وأكرمه وأنزله بقلعة الْجَبَل. وَقصد السُّلْطَان إِثْبَات نسبه إِلَى الْعَبَّاس؛ وَتَقْرِيره فِي الْخلَافَة؛ لكَون الْخلَافَة كَانَت شاغرة من يَوْم قتل المستعصم بِاللَّه من سنة سِتّ وَخمسين إِلَى يَوْم تَارِيخه؛ فَعمل السُّلْطَان الموكب، وأحضر الْأُمَرَاء والقضاة وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والصلحاء وأعيان الصُّوفِيَّة بقاعة الأعمدة بقلعة الْجَبَل.

стр. 235

وَحضر السُّلْطَان وتأدب مَعَ الْمُسْتَنْصر، وَجلسَ بِغَيْر مرتبَة وَلَا كرْسِي. وَأمر بإحضار العربان الَّذين حَضَرُوا مَعَ الْمُسْتَنْصر من الْعرَاق؛ فَحَضَرُوا. وَحضر طواشي من البغاددة؛ فسألوا عَنهُ [هَل] هَذَا هُوَ الإِمَام أَحْمد ابْن الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِأَمْر الله بن النَّاصِر لدين الله؟ ؛ فَقَالَ: نعم. وَشهد جمَاعَة بالإستفاضة وهم: جمال الدّين يحيى نَائِب الحكم بِمصْر، وَعلم الدّين بن رَشِيق، وَصدر الدّين موهوب الْجَزرِي، ونجيب [الدّين] الْحَرَّانِي، وسديد الدّين التزمنتي نَائِب الحكم بِالْقَاهِرَةِ عِنْد قَاضِي الْقُضَاة تَاج الدّين ابْن بنت الْأَعَز، فسجل على نَفسه بالثبوت. فَلَمَّا ثَبت قَامَ قَاضِي الْقُضَاة قَائِما وَأشْهد على نَفسه بِثُبُوت النِّسْبَة الشَّرِيفَة وَبَايَعَهُ؛ فتمت بيعَة الْمُسْتَنْصر بالخلافة. وَكتب [السُّلْطَان] إِلَى الْمُلُوك والنواب بِأَن يخطبوا باسمه وَاسم السُّلْطَان [الْملك] الظَّاهِر بيبرس. ثمَّ إِن الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر أَخْلَع على [الْملك] الظَّاهِر بيبرس بخلعة، فلبسها السُّلْطَان وَنزل من القلعة فِي موكبه وشق الْقَاهِرَة، وَهِي: فرجية سَوْدَاء بتركيبة زركش وعمامة سَوْدَاء، وطوق ذهب، وَقيد ذهب، وَسيف بداوى.

стр. 236

ثمَّ كتب للسُّلْطَان تقليدا عَظِيما. فَلَمَّا تمّ ذَلِك كُله أَخذ الْملك الظَّاهِر فِي تجهيز الْمُسْتَنْصر وإرساله إِلَى بَغْدَاد؛ فرتب لَهُ الْأَمِير سَابق الدّين أتابكا، وَالسَّيِّد الشريف [نجم الدّين جَعْفَر] أستادارا، والأمير فتح الدّين بن الشهَاب أَمِير جاندار، والأمير نَاصِر الدّين صيرم أَمِير خازندار، وبلبان الشمسي وَأحمد بن أزدمر اليغموري دوادارية أَيْضا، وَالْقَاضِي كَمَال الدّين السنجاري وزيرا. وَعين لَهُ السُّلْطَان خزانَة وَسلَاح خاناه، ومماليك كبارًا وصغارا أَرْبَعِينَ مَمْلُوكا. وَأمر لَهُ بِمِائَة فرس، وَعشر قطر جمال، وَعشر قطر بغال. وَعين لَهُ البيوتات على الْعَادة، وجهز مَعَه خَمْسمِائَة فَارس. ثمَّ تجهز السُّلْطَان أَيْضا وَخرج بعساكره إِلَى دمشق، ثمَّ من دمشق جرد مَعَه الْأَمِير بلبان الرَّشِيدِيّ وسنقر الرُّومِي، ومعهما طَائِفَة كَبِيرَة من العساكر المصرية والشامية، وأوصاهما أَن يوصلا الْمُسْتَنْصر إِلَى الْفُرَات.

стр. 237

ثمَّ ودع السُّلْطَان الْخَلِيفَة [الْمُسْتَنْصر] . وسافر [الْمُسْتَنْصر] فِي ثَالِث ذِي الْقعدَة من سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة، وَسَار، إِلَى أَن نزل على الرحبة؛ فلقي عَلَيْهَا الْأَمِير عَليّ بن حَدِيثَة من آل فضل فِي أَرْبَعمِائَة فَارس؛ فرحلوا فِي خدمَة الْمُسْتَنْصر، إِلَى أَن نزل مشْهد على. ثمَّ إِنَّه تسلم عانة والحديثة، ثمَّ قصد هيت، فاتصل خَبره بقرابغا مقدم التتار بِبَغْدَاد. وَبَات الْمُسْتَنْصر لَيْلَة الْأَحَد ثَالِث الْمحرم من سنة سِتِّينَ بِجَانِب الأنبار، فَلَمَّا أصبح وصل قرابغا الْمَذْكُور بِمن مَعَه من العساكر؛ فَاقْتَتلُوا؛ فَانْكَسَرت مُقَدّمَة التتار، وَوَقع أَكْثَرهم فِي الْفُرَات. وَكَانَ قرابغا قد أكمن جمَاعَة من عسكره؛ فَخرج الكمين وأحاط بعسكر الْخَلِيفَة؛ فَقتلُوا عَسَاكِر الْخَلِيفَة، وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا من طول الله عمره. واضمرت الْبِلَاد الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر؛ فَلم يعرف لَهُ خبر إِلَى يَوْمنَا هَذَا. وَقد اختصرنا أَمر الْمُسْتَنْصر وبيعته جدا؛ لشرط هَذَا الْمُخْتَصر من غير تَطْوِيل فِيهِ.

стр. 238

(الْحَاكِم بِأَمْر بِاللَّه) أَبُو الْعَبَّاس، [أَحْمد] بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ القبي بن الراشد بِاللَّه مَنْصُور بن المسترشد الْفضل بن المستظهر أَحْمد بن الْمُقْتَدِي عبد الله ابْن الْأَمِير مُحَمَّد الذَّخِيرَة [ولي الْعَهْد] بن الْقَائِم بِاللَّه عبد الله بن الْقَادِر بِاللَّه أَحْمد بن الطائع عبد الْكَرِيم بن الْمُطِيع فضل بن المقتدر جَعْفَر بن المعتضد أَحْمد بن الْأَمِير الْمُوفق طَلْحَة - ولي الْعَهْد - ابْن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن عَبَّاس بن الْمطلب. العباسي، الْهَاشِمِي، أَمِير الْمُؤمنِينَ. أول خلفاء مصر من بني الْعَبَّاس. قدم إِلَى مصر فِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشْرين صفر سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة؛ فأنزله الْملك الظَّاهِر بيبرس الصَّالِحِي النجمي البندقداري بالبرج الْكَبِير من قلعة الْجَبَل، ورتب لَهُ من الرَّوَاتِب مَا يَكْفِيهِ؛ فَأَقَامَ على ذَلِك إِلَى ثامن الْمحرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة، عقد لَهُ

стр. 239

[الْملك] الظَّاهِر مجْلِس الْبيعَة بالإيوان من القلعة، وَحضر الْوَزير والقضاة والأمراء وأرباب الدولة، وَقُرِئَ نسب الْحَاكِم [هَذَا] على قَاضِي الْقُضَاة، وَشهد عِنْده [جمَاعَة] فأثبته، ثمَّ مد يَده فَبَايعهُ بالخلافة، ثمَّ بَايعه السُّلْطَان، ثمَّ الْوَزير، ثمَّ الْأَعْيَان على طبقاتهم. وخطب لَهُ على الْمِنْبَر. وَكتب السُّلْطَان إِلَى النواب وَإِلَى مُلُوك الأقطار أَن يخطبوا باسمه، ثمَّ أنزلهُ السُّلْطَان [الْأَشْرَف خَلِيل بن قلاوون] إِلَى مناظر الْكَبْش؛ فأسكنه بهَا، إِلَى أَن مَاتَ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة فِي سلطنة النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون الثَّانِيَة. وَدفن بجوار السيدة [نفيسة] فِي قبَّة بنيت لَهُ. وَكَانَت خِلَافَته أَرْبَعِينَ سنة. وَهُوَ أول [من دفن بِمصْر من خلفاء بني الْعَبَّاس]-[رَحْمَة الله [تَعَالَى] عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ]-.

стр. 240

(المستكفي بِاللَّه) أَبُو الرّبيع، سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله، أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد، أَمِير الْمُؤمنِينَ. العباسي [الْهَاشِمِي] ثَانِي خلفاء مصر. - تقدم بَقِيَّة نسبه فِي تَرْجَمَة أَبِيه الْحَاكِم -. بُويِعَ بالخلافة بِعَهْد من أَبِيه فِي جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة، وعمره عشرُون سنة. وخطب لَهُ على المنابر على الْعَادة. وَسكن بمَكَان وَالِده. وَأقَام فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن سَافر صُحْبَة السُّلْطَان [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون إِلَى الْبِلَاد الشامية فِي نوبَة غازان. ثمَّ رَجَعَ وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ على عَادَته إِلَى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة، تغير عَلَيْهِ الْملك النَّاصِر بِسَبَب ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة النَّاصِر فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) . وَأمره بسكنى القلعة؛ فسكن المستكفي بقلعة الْجَبَل أَرْبَعَة أشهر وَسَبْعَة عشر يَوْمًا. ثمَّ أمره النَّاصِر بالنزول إِلَى دَاره بالكبش؛ فَنزل إِلَيْهَا، وسكنها على عَادَته مُدَّة، إِلَى أَن بلغ السُّلْطَان عَنهُ مَا غَيره عَلَيْهِ؛ فرسم لَهُ [فِي] يَوْم السبت

стр. 241

ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ [الْمَذْكُورَة] بالتوجه إِلَى قوص بِالْوَجْهِ القبلي والسكن بهَا؛ فسافر وَأقَام بقوص، إِلَى أَن مَاتَ [بهَا] فِي مستهل شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة. [و] ورد الْخَبَر على السُّلْطَان بِمَوْتِهِ، وَأَنه عهد لوَلَده أَحْمد بِشَهَادَة أَرْبَعِينَ عدلا، وَأثبت قَاضِي قوص ذَلِك؛ فَلم يمض [الْملك] النَّاصِر عَهده لما كَانَ فِي نَفسه من المستكفي، وَطلب إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد المستمسك بن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد فِي يَوْم الأثنين ثَالِث شهر رَمَضَان، وَاجْتمعَ الْقُضَاة بدار الْعدْل على الْعَادة، فعرفهم السُّلْطَان بِمَا أَرَادَ من إِقَامَة إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور فِي الْخلَافَة، وَأمرهمْ بمبايعته؛ فَأَجَابُوا بِعَدَمِ أَهْلِيَّته، وَأَن المستكفي قد عهد إِلَى وَلَده أَحْمد، وَاحْتَجُّوا بِمَا حكم بِهِ قَاضِي قوص؛ فَكتب السُّلْطَان بقدوم أَحْمد [الْمَذْكُور] إِلَى الْقَاهِرَة. وَأقَام الخطباء بِمصْر وَغَيرهَا نَحْو أَرْبَعَة أشهر لَا يذكرُونَ [اسْم الْخَلِيفَة فِي الْخطْبَة] . فَلَمَّا قدم أَحْمد الْمَذْكُور من قوص لم يمض السُّلْطَان عَهده، وَطلب إِبْرَاهِيم ثَانِيًا، وعرفه قبح سيرته وَمَا تشيع النَّاس عَنهُ؛ فأظهر التَّوْبَة مِنْهَا، وَالْتزم بسلوك طَرِيق الْخَيْر؛ فاستدعى السُّلْطَان الْقُضَاة وعرفهم أَنه قد أَقَامَ إِبْرَاهِيم فِي الْخلَافَة؛ فَأخذ قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بن جمَاعَة يعرفهُ عدم أَهْلِيَّته؛ فَلم يلْتَفت السُّلْطَان إِلَى كَلَامه وَقَالَ: إِنَّه قد تَابَ والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ؛ فَبَايعُوهُ، ولقب بالواثق.

стр. 242

وَكَانَت الْعَامَّة تسميه: المستعطي؛ فَإِنَّهُ كَانَ قبل ذَلِك يستعطي من النَّاس مَا يُنْفِقهُ. وَاسْتمرّ إِبْرَاهِيم فِي الْخلَافَة على رغم [الْملك] النَّاصِر، إِلَى أَن مَاتَ النَّاصِر وتسلطن وَلَده [الْملك] الْمَنْصُور أَبُو بكر فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشْرين من ذِي الْحجَّة من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة. فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت سلخ ذِي الْحجَّة [الْمَذْكُور] طلب الْملك الْمَنْصُور الْقُضَاة والأعيان، واجتمعوا بِجَامِع القلعة للنَّظَر فِي أَمر أَحْمد [بن] المستكفي وَحضر مَعَهم الْأَمِير طاجار الدوادار؛ فاتفق الْأَمر على خلَافَة أَحْمد الْمَذْكُور لعهد أَبِيه إِلَيْهِ بِمُقْتَضى الْمَكْتُوب الثَّابِت على قَاضِي قوص؛ فبويع ولقب بالحاكم بِأَمْر الله - على لقب جده - وَكَانَ لقب بِهِ فِي حَيَاة أَبِيه ﵀ [تَعَالَى]-. وَقد اخْتلف المؤرخون فِي خلَافَة إِبْرَاهِيم هَذَا؛ فَمنهمْ من عده [فِي الْخُلَفَاء] ؛ لكَون السُّلْطَان أَقَامَهُ وَبَايَعَهُ، وَمِنْهُم من لَا عده، لكَون المستكفي كَانَ عهد لوَلَده أَحْمد الْآتِي ذكره. والناظر فِي أمره هُوَ بِالْخِيَارِ لما عَرفته من أمره؛ إِن شَاءَ أثبت، وَإِن شَاءَ نفى.

стр. 243

(الْحَاكِم بِأَمْر الله) أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد بن المستكفي سُلَيْمَان. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، الْمصْرِيّ. بُويِعَ بالخلافة - بعد وَفَاة وَالِده بقوص - فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة. وَلما بلغ [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون موت المستكفي لم يمض خلَافَة الْحَاكِم [هَذَا] ، وَبَايع إِبْرَاهِيم، ولقبه بالواثق؛ فدام إِبْرَاهِيم على ذَلِك، إِلَى أَن مَاتَ النَّاصِر وتسلطن وَلَده الْمَنْصُور أَبُو بكر عزل إِبْرَاهِيم وَبَايع الْحَاكِم هَذَا - وَقد تقدم ذكر ذَلِك [كُله] مفصلا -. وَاسْتمرّ الْحَاكِم فِي الْخلَافَة، وَسكن بالكبش على عَادَة أَبِيه وجده، إِلَى أَن توفّي سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة، وَلم يعْهَد لأحد. وَكَانَ الْمُتَوَلِي لتدبير [المملكة بِمصْر] [يَوْمئِذٍ] الْأَمِير الْكَبِير شيخون الْعمريّ الناصري، والأمير طاز الناصري، ونائب السلطنة [يَوْم ذَاك] الْأَمِير قبلاى، وَالسُّلْطَان الْملك الصَّالح صَالح ابْن [الْملك]

стр. 244

النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون؛ فَجمع الْأَمِير شيخون الْأُمَرَاء والقضاة وَجَمِيع بني الْعَبَّاس، وَعقد بِسَبَب الْخلَافَة مَجْلِسا عَظِيما، وَتَكَلَّمُوا بِسَبَب من يُبَايع بالخلافة من الْجَمَاعَة، إِلَى أَن وَقع الإتفاق على أبي بكر بن المستكفي؛ فَبَايعُوهُ. وَكَانَت خلَافَة الْحَاكِم [هَذَا] نَحْو أَرْبَعَة عشر سنة تخمينا -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.

стр. 245

(المعتضد بِاللَّه) أَبُو بكر، ابْن المستكفي بِاللَّه سُلَيْمَان بن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، الْمصْرِيّ. بُويِعَ بالخلافة بعد وَفَاة أَخِيه الْحَاكِم بِأَمْر الله [أَحْمد] فِي سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة. وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن توفّي بِالْقَاهِرَةِ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة. وعهد بالخلافة إِلَى وَلَده المتَوَكل مُحَمَّد. وَكَانَت مُدَّة خلَافَة المعتضد عشر سِنِين - هَكَذَا أرخه الرئيس بدر الدّين حسن بن حبيب فِي تَارِيخه الْمُسَمّى: ((بدرة الأسلاك فِي تَارِيخ الأتراك)) -[﵀]-.

стр. 246

(المتَوَكل على الله) أَبُو عبد الله، مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه، أَبُو بكر بن المستكفي سُلَيْمَان. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، الْمصْرِيّ. بُويِعَ بالخلافة - بعد وَفَاة أَبِيه -[بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ]- فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة. قلت: والمتوكل [على الله] هَذَا تخلف من أَوْلَاده لصلبه خَمْسَة، وهم: الْعَبَّاس، وَدَاوُد، وَسليمَان، وَحَمْزَة، ويوسف - الْآتِي ذكرهم فِي محلهم [من هَذَا الْكتاب] ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَهَذَا شَيْء لم يَقع لخليفة من قبله. أما أَرْبَعَة؛ فَتخلف من بني عبد الْملك بن مَرْوَان أَرْبَعَة، وهم: الْوَلِيد، وَسليمَان، وَيزِيد، وَهِشَام. ودام المتَوَكل [هَذَا] فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن خلعه الْأَمِير أينبك البدري من الْخلَافَة فِي ثَالِث شهر ربيع الأول سنة تسع وَسبعين، واستخلف عوضه زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم ولقب بالمعتصم. ثمَّ أُعِيد المتَوَكل [هَذَا ثَانِيًا]- حَسْبَمَا نذكرهُ -[إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-. وَكَانَت خلَافَة المتَوَكل فِي هَذِه الْمرة نَحْو سِتَّة عشر سنة. إنتهى

стр. 247

(المستعصم بِاللَّه) زَكَرِيَّا، أَبُو يحيى، ابْن إِبْرَاهِيم ابْن الْخَلِيفَة الْحَاكِم [بِأَمْر الله] أَحْمد بن مُحَمَّد [بن حسن] بن عَليّ القبي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، [العباسي] ، الْهَاشِمِي، الْمصْرِيّ. بُويِعَ بالخلافة بعد موت المتَوَكل [على الله مُحَمَّد] . وَسبب ولَايَته: أَن أينبك البدري لما ملك الديار المصرية بعد قتل الْأَشْرَف وَقع من المتَوَكل هَذَا أُمُور حقدها عَلَيْهِ أينبك. فَلَمَّا انْفَرد أينبك بالتحكم أَمر بنفيه إِلَى قوص؛ فَخرج المتَوَكل، ثمَّ شفع فِيهِ؛ فَعَاد إِلَى بَيته. ثمَّ أصبح أينبك من الْغَد - وَهُوَ رَابِع شهر ربيع الأول من سنة تسع وَسبعين وَسَبْعمائة - استدعى نجم الدّين زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم -[الْمُقدم ذكره]- وأخلع عَلَيْهِ، وَاسْتقر بِهِ خَليفَة عوضا عَن المتَوَكل من غير مبايعة، وَلَا خلع المتَوَكل نَفسه. ولقب زَكَرِيَّا [الْمَذْكُور] بالمستعصم [بِاللَّه] . ودام فِي الْخلَافَة على زعم من يثبت ذَلِك، إِلَى رَابِع عشْرين شهر ربيع الأول [الْمَذْكُور] خلعة أينبك، وأعادة المتَوَكل ثَانِيًا.

стр. 248

وَسَببه: أَنه لما كَانَ رَابِع عشْرين الشَّهْر الْمَذْكُور تكلم الْأُمَرَاء مَعَ أينبك فِيمَا فعله مَعَ المتَوَكل، ورغبوه فِي إِعَادَته؛ فأذعن، واستدعاه، وأخلع عَلَيْهِ بإعادته إِلَى الْخلَافَة؛ فَكَانَ مُدَّة خلَافَة زَكَرِيَّا فِي هَذِه الْمرة شهرا إِلَّا عشرَة أَيَّام.

стр. 249

( [ذكر ولَايَة] المتَوَكل على الله الثَّانِيَة) - تقدم [ذكر] نسب المتَوَكل فِي خِلَافَته الأولى -. وَلما أُعِيد إِلَى الْخلَافَة طَالَتْ أَيَّامه، ودام، إِلَى أَن تسلطن الْملك الظَّاهِر برقوق. فَلَمَّا كَانَ شهر رَجَب من سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة قبض عَلَيْهِ برقوق وحبسه بقلعة الْجَبَل؛ لأمر ذَكرْنَاهُ مطولا فِي سلطنة برقوق الأولى فِي كتَابنَا ((النُّجُوم الزاهرة [فِي مُلُوك مصر والقاهرة] )) . فَلْينْظر هُنَاكَ. وَأرْسل السُّلْطَان [الْملك] الظَّاهِر برقوق خلف زَكَرِيَّا الَّذِي كَانَ تخلف فِي أَيَّام أينبك فِي سلطنة الْمَنْصُور عَليّ بن الْأَشْرَف، وَخلف أَخِيه عمر - وَلَدي إِبْرَاهِيم - وشاور الْأُمَرَاء فِي أَمرهمَا. ثمَّ وَقع اخْتِيَاره على عمر؛ فولاه الْخلَافَة عوضا عَن المتَوَكل هَذَا، ولقبه: الواثق بِأَمْر الله [عمر] . ودام المتَوَكل فِي الْحِفْظ بالقلعة، إِلَى أَن أُعِيد إِلَى الْخلَافَة ثَالِث مرّة - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.

стр. 250

(الواثق بِاللَّه) أَبُو حَفْص، عمر بن المستعصم إِبْرَاهِيم - الَّذِي ولاه ابْن قلاوون الْخلَافَة - ابْن المستمسك [مُحَمَّد - وَمُحَمّد هَذَا غير خَليفَة - ابْن الْحَاكِم] [بِأَمْر الله] [أَحْمد] . العباسي، الْهَاشِمِي، [الْمصْرِيّ] ، أَمِير الْمُؤمنِينَ. بُويِعَ بالخلافة لما خلع [الْملك] الظَّاهِر برقوق المتَوَكل وحبسه - حَسْبَمَا تقدم ذكره -. وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة، ودام فِيهَا، إِلَى أَن مرض. وَمَات فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشْرين شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة؛ فَكَانَت خِلَافَته نَحْو ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَأَيَّام. وَلما توفّي كلم النَّاس الظَّاهِر برقوق فِي إِعَادَة المتَوَكل؛ فَلم يقبل، وَأرْسل أحضر أَخَاهُ المعتصم زَكَرِيَّا الَّذِي [كَانَ] ولاه أينبك تِلْكَ الْأَيَّام الْيَسِيرَة، وأخلع عَلَيْهِ وَأقرهُ خَليفَة عوضا عَن الواثق -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.
следующие страницы →