Полный текст (483 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(المتَوَكل على الله)
أَبُو عبد الله، مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه، أَبُو بكر بن المستكفي سُلَيْمَان. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، الْمصْرِيّ.
بُويِعَ بالخلافة - بعد وَفَاة أَبِيه -[بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ]- فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة.
قلت: والمتوكل [على الله] هَذَا تخلف من أَوْلَاده لصلبه خَمْسَة، وهم: الْعَبَّاس، وَدَاوُد، وَسليمَان، وَحَمْزَة، ويوسف - الْآتِي ذكرهم فِي محلهم [من هَذَا الْكتاب] ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَهَذَا شَيْء لم يَقع لخليفة من قبله.
أما أَرْبَعَة؛ فَتخلف من بني عبد الْملك بن مَرْوَان أَرْبَعَة، وهم: الْوَلِيد، وَسليمَان، وَيزِيد، وَهِشَام.
ودام المتَوَكل [هَذَا] فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن خلعه الْأَمِير أينبك البدري من الْخلَافَة فِي ثَالِث شهر ربيع الأول سنة تسع وَسبعين، واستخلف عوضه زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم ولقب بالمعتصم.
ثمَّ أُعِيد المتَوَكل [هَذَا ثَانِيًا]- حَسْبَمَا نذكرهُ -[إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.
وَكَانَت خلَافَة المتَوَكل فِي هَذِه الْمرة نَحْو سِتَّة عشر سنة. إنتهى
стр. 247
(المستعصم بِاللَّه)
زَكَرِيَّا، أَبُو يحيى، ابْن إِبْرَاهِيم ابْن الْخَلِيفَة الْحَاكِم [بِأَمْر الله] أَحْمد بن مُحَمَّد [بن حسن] بن عَليّ القبي، أَمِير الْمُؤمنِينَ، [العباسي] ، الْهَاشِمِي، الْمصْرِيّ.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت المتَوَكل [على الله مُحَمَّد] .
وَسبب ولَايَته: أَن أينبك البدري لما ملك الديار المصرية بعد قتل الْأَشْرَف وَقع من المتَوَكل هَذَا أُمُور حقدها عَلَيْهِ أينبك. فَلَمَّا انْفَرد أينبك بالتحكم أَمر بنفيه إِلَى قوص؛ فَخرج المتَوَكل، ثمَّ شفع فِيهِ؛ فَعَاد إِلَى بَيته. ثمَّ أصبح أينبك من الْغَد - وَهُوَ رَابِع شهر ربيع الأول من سنة تسع وَسبعين وَسَبْعمائة - استدعى نجم الدّين زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم -[الْمُقدم ذكره]- وأخلع عَلَيْهِ، وَاسْتقر بِهِ خَليفَة عوضا عَن المتَوَكل من غير مبايعة، وَلَا خلع المتَوَكل نَفسه.
ولقب زَكَرِيَّا [الْمَذْكُور] بالمستعصم [بِاللَّه] .
ودام فِي الْخلَافَة على زعم من يثبت ذَلِك، إِلَى رَابِع عشْرين شهر ربيع الأول [الْمَذْكُور] خلعة أينبك، وأعادة المتَوَكل ثَانِيًا.
стр. 248
وَسَببه: أَنه لما كَانَ رَابِع عشْرين الشَّهْر الْمَذْكُور تكلم الْأُمَرَاء مَعَ أينبك فِيمَا فعله مَعَ المتَوَكل، ورغبوه فِي إِعَادَته؛ فأذعن، واستدعاه، وأخلع عَلَيْهِ بإعادته إِلَى الْخلَافَة؛ فَكَانَ مُدَّة خلَافَة زَكَرِيَّا فِي هَذِه الْمرة شهرا إِلَّا عشرَة أَيَّام.
стр. 249
( [ذكر ولَايَة] المتَوَكل على الله الثَّانِيَة)
- تقدم [ذكر] نسب المتَوَكل فِي خِلَافَته الأولى -.
وَلما أُعِيد إِلَى الْخلَافَة طَالَتْ أَيَّامه، ودام، إِلَى أَن تسلطن الْملك الظَّاهِر برقوق.
فَلَمَّا كَانَ شهر رَجَب من سنة خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة قبض عَلَيْهِ برقوق وحبسه بقلعة الْجَبَل؛ لأمر ذَكرْنَاهُ مطولا فِي سلطنة برقوق الأولى فِي كتَابنَا ((النُّجُوم الزاهرة [فِي مُلُوك مصر والقاهرة] )) . فَلْينْظر هُنَاكَ.
وَأرْسل السُّلْطَان [الْملك] الظَّاهِر برقوق خلف زَكَرِيَّا الَّذِي كَانَ تخلف فِي أَيَّام أينبك فِي سلطنة الْمَنْصُور عَليّ بن الْأَشْرَف، وَخلف أَخِيه عمر - وَلَدي إِبْرَاهِيم - وشاور الْأُمَرَاء فِي أَمرهمَا.
ثمَّ وَقع اخْتِيَاره على عمر؛ فولاه الْخلَافَة عوضا عَن المتَوَكل هَذَا، ولقبه: الواثق بِأَمْر الله [عمر] .
ودام المتَوَكل فِي الْحِفْظ بالقلعة، إِلَى أَن أُعِيد إِلَى الْخلَافَة ثَالِث مرّة - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
стр. 250
(الواثق بِاللَّه)
أَبُو حَفْص، عمر بن المستعصم إِبْرَاهِيم - الَّذِي ولاه ابْن قلاوون الْخلَافَة - ابْن المستمسك [مُحَمَّد - وَمُحَمّد هَذَا غير خَليفَة - ابْن الْحَاكِم] [بِأَمْر الله] [أَحْمد] . العباسي، الْهَاشِمِي، [الْمصْرِيّ] ، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة لما خلع [الْملك] الظَّاهِر برقوق المتَوَكل وحبسه - حَسْبَمَا تقدم ذكره -.
وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة، ودام فِيهَا، إِلَى أَن مرض.
وَمَات فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشْرين شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة؛ فَكَانَت خِلَافَته نَحْو ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَأَيَّام.
وَلما توفّي كلم النَّاس الظَّاهِر برقوق فِي إِعَادَة المتَوَكل؛ فَلم يقبل، وَأرْسل أحضر أَخَاهُ المعتصم زَكَرِيَّا الَّذِي [كَانَ] ولاه أينبك تِلْكَ الْأَيَّام الْيَسِيرَة، وأخلع عَلَيْهِ وَأقرهُ خَليفَة عوضا عَن الواثق -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.
стр. 251
(المعتصم بِاللَّه)
[أَبُو يحيى، زَكَرِيَّا بن المستعصم] إِبْرَاهِيم بن المستمسك مُحَمَّد - تقدم أَن المستمسك كَانَ غير خَليفَة - أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي.
بُويِعَ بالخلافة ثَانِيًا - على قَول من يثبت خِلَافَته الأولى - بعد موت أَخِيه الواثق [عمر] فِي آخر شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة.
ودام فِي الْخلَافَة فِي هَذِه الْمرة، إِلَى أَن خرج الْأَمِير تمربغا الأفضلي - الْمَدْعُو منطاش - الأشرفي نَائِب ملطية، والأتابك يلبغا الناصري اليلبغاوي نَائِب حلب فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة، استدرك [الْملك] الظَّاهِر فرطه وَمَا وَقع مِنْهُ فِي حق المتَوَكل؛ فَإِنَّهُ كَانَ من يَوْم خلعه من الْخلَافَة وَهُوَ فِي سجنه بقلعة الْجَبَل، وَأرْسل طلبه، وأخلع عَلَيْهِ باستقراره فِي الْخلَافَة على عَادَته بعد أَن حبس من سنة خمس وَثَمَانِينَ إِلَى هَذِه السّنة.
وعزل المعتصم زَكَرِيَّا، وَلزِمَ دَاره، إِلَى أَن مَاتَ [مخلوعا] .
стр. 252
(المتَوَكل على الله)
أَبُو عبد الله، مُحَمَّد.
أُعِيد للخلافة فِي أول جُمَادَى الأولى من سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة.
وَسبب إِعَادَته: أَن [الْملك] الظَّاهِر برقوق كَانَ أفحش فِي أَمر المتَوَكل هَذَا وعزله.
فَلَمَّا استفحل أَمر الناصري ومنطاش أشاعا عَن الظَّاهِر بِمَا فعله مَعَ المتَوَكل بالبلاد الشامية؛ فنفرت مِنْهُ الْقُلُوب لهَذَا الْمَعْنى وَغَيره.
فَلَمَّا بلغه ذَلِك اسْتَشَارَ فِي أمره؛ فَأَشَارَ عَلَيْهِ أكَابِر دولته بتلافي أَمر المتَوَكل وإعادته إِلَى الْخلَافَة؛ فَفعل ذَلِك، وأنعم على المتَوَكل بأَشْيَاء كَثِيرَة، وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام، وتصافيا بِحَيْثُ أَن برقوقا لما خلع من السلطنة فِي سنة إثنتين وَتِسْعين بِالْملكِ الْمَنْصُور حاجى وَصَارَ الناصري مُدبر مَمْلَكَته وَوَقع لبرقوق مَا وَقع من الْخلْع وَالْحَبْس بالكرك لم يتَكَلَّم فِيهِ المتَوَكل بِكَلَام قَادِح بِالنِّسْبَةِ إِلَى من تكلم فِي حق برقوق من أَصْحَابه لَا من أعدائه لما أيسوا [من] عوده.
فَلَمَّا أُعِيد الظَّاهِر برقوق إِلَى ملكه لم ينقم على المتَوَكل بِشَيْء فِي الظَّاهِر.
ودام المتَوَكل فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن مَاتَ فِي الدولة الناصرية فرج بن برقوق فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن عشْرين [شهر] رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة؛ فَكَانَ مَجْمُوع خِلَافَته - بِمَا فِيهَا من الْخلْع وَالْحَبْس - سِنِين، نَحوا من خَمْسَة وَأَرْبَعين سنة تخمينا.
وتخلف بعده ابْنه [المستعين] .
стр. 253
(المستعين بِاللَّه)
أَبُو الْفضل، الْعَبَّاس بن المتَوَكل على الله، أَبُو عبد الله، مُحَمَّد - تقدم [بَقِيَّة] نسبه فِي تراجم كَثِيرَة - أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَان.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه فِي يَوْم الأثنين مستهل شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ. وَتمّ أمره وطالت أَيَّامه فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن سَافر [الْملك] النَّاصِر فرج إِلَى الْبِلَاد الشامية فِي سنة أَربع عشرَة [وَثَمَانمِائَة] لقِتَال شيخ ونوروز - وَهِي السفرة الَّتِي قتل فِيهَا - كَانَ [الْخَلِيفَة] المستعين هَذَا صحبته.
فَلَمَّا انْكَسَرَ النَّاصِر من الأميرين الْمَذْكُورين وَدخل الشَّام - يَوْم مَاتَ الْوَالِد أَو قبله بِيَوْم؛ فولي عوض الْوَالِد فِي نِيَابَة دمشق الأتابك دمرداش المحمدي - وتجهز لِحَرْب أعدائه؛ فَلم ينْتج أمره، وانكسر ثَانِيًا وحوصر
стр. 254
بِدِمَشْق - وَقد استولت الْأُمَرَاء على الْخَلِيفَة المستعين هَذَا والقضاة - وَطَالَ الْأَمر بَين الْأُمَرَاء وَالسُّلْطَان [الْملك] النَّاصِر؛ فَلم يجد الْأُمَرَاء بدا من خلع [الْملك] النَّاصِر وسلطنة الْخَلِيفَة المستعين هَذَا؛ فتسلطن [المستعين الْمَذْكُور] بعد مدافعة كَثِيرَة على كره مِنْهُ.
وَقد سقنا ذَلِك مفصلا من أَوله إِلَى آخِره فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) وَأَيْضًا فِي تَرْجَمَة المستعين فِي تاريخنا ((المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي)) ؛ فَمن أَرَادَ من ذَلِك شَيْئا فَعَلَيهِ بمطالعة التاريخين الْمَذْكُورين. إنتهى.
وَلما تسلطن المستعين عظم أمره، إِلَى أَن قتل [الْملك] النَّاصِر فرج.
وَعَاد الْأَمِير شيخ المحمودي بالمستعين إِلَى الديار المصرية، وَقد صَار نوروز الحافظي نَائِبا على دمشق.
أَخذ شيخ يسير مَعَ المستعين على قَاعِدَة الْخُلَفَاء، لَا على قَاعِدَة السلاطين؛ فَعظم ذَلِك على المستعين، وَكَانَ فِي ظَنّه أَنه يستبد بالأمور؛ فجَاء الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك؛ فَصَارَ بقلعة الْجَبَل كالمسجون بهَا وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء.
وَأخذ الْأَمِير شيخ فِي أَسبَاب السلطنة، إِلَى أَن تمّ لَهُ ذَلِك.
وتسلطن فِي يَوْم الأثنين مستهل شعْبَان من سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة على كره من المستعين.
وخلع المستعين من السلطنة بِغَيْر أَمر يُوجب ذَلِك؛ بل بِالشَّوْكَةِ.
стр. 255
فَكَانَت مُدَّة سلطنة المستعين سَبْعَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط.
وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة وَهُوَ محتفظ بِهِ بقلعة الْجَبَل إِلَى ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة خلعة الْملك الْمُؤَيد [شيخ] من الْخلَافَة أَيْضا بأَخيه المعتضد دَاوُد، وأرسله إِلَى سجن الأسكندرية؛ فسجن [بِهِ، إِلَى أَن أطلقهُ الْملك الْأَشْرَف برسباى، ورسم لَهُ بِالسُّكْنَى فِي الأسكندرية؛ فسكن] بهَا، إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بالطاعون، وَلم يبلغ الْأَرْبَعين. وَدفن بالأسكندرية.
وعهد بالخلافة إِلَى وَلَده يحيى - يَعْنِي أَنه لم يخلع مِنْهَا (بطرِيق شَرْعِي ﵀ [تَعَالَى -] .
стр. 256
(المعتضد بِاللَّه)
أَبُو الْفَتْح، دَاوُد بن المتَوَكل على الله، أَبُو عبد الله مُحَمَّد. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي.
بُويِعَ بالخلافة بعد خلع أَخِيه المستعين فِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشر ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة.
وَأقَام المعتضد فِي الْخلَافَة سِنِين حَتَّى أَنه تسلطن فِي أَيَّامه عدَّة سلاطين.
وَكَانَ فِيهِ كل الْخِصَال الْحَسَنَة، سيد بني الْعَبَّاس فِي زَمَانه، أَهلا للخلافة بِلَا مدافعة، كَرِيمًا عَاقِلا سيوسا، حُلْو المحاضرة، يجل طلبة الْعلم وَأهل الْأَدَب، جيد الْفَهم، لَهُ مُشَاركَة فِي أَشْيَاء كَثِيرَة من الْفُنُون بالذوق والمعرفة.
وَكَانَ يجْتَهد فِي السّير على قَاعِدَة الْخُلَفَاء مَعَ جُلَسَائِهِ وندمائه؛ فيضعف موجوده من هَذَا الْأَمر، وَرُبمَا يتَحَمَّل من الدُّيُون شَيْئا لأجل ذَلِك.
وَكَانَ يحب معاشرة النَّاس من غير مُنكر، يمِيل إِلَى تدين وَعبادَة، وَله أوراد فِي كل يَوْم.
وَلَقَد جالسته مرَارًا عديدة فَلم أر عَلَيْهِ مَا أكره.
стр. 257
وَتُوفِّي بعد مرض طَوِيل بعد أَن عهد إِلَى أَخِيه - شقيقه - سُلَيْمَان بالخلافة فِي يَوْم الْأَحَد رَابِع شهر ربيع الأول سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة.
وَشهد السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر جقمق [جنَازَته وَالصَّلَاة] عَلَيْهِ بمصلاة المؤمني [من] تَحت القلعة.
وَدفن عِنْد آبَائِهِ بالمشهد النفيسي خَارج الْقَاهِرَة - رَحمَه الله تَعَالَى -.
стр. 258
(المستكفي بِاللَّه)
أَبُو الرّبيع، سُلَيْمَان بن المتَوَكل على الله مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه، أَبُو بكر، بن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه سُلَيْمَان بن الْحَاكِم [بِأَمْر الله] أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ القبي بن الراشد مَنْصُور بن المسترشد الْفضل بن المستظهر أَحْمد بن الْمُقْتَدِي عبد الله ابْن الْأَمِير ذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم بِأَمْر الله عبد الله بن الْقَادِر [بِاللَّه] أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر جَعْفَر بن المعتضد أَحْمد ابْن الْأَمِير الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون بن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب. الْهَاشِمِي العباسي، أَمِير الْمُؤمنِينَ.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه [دَاوُد] بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ فِي الْعشْر الأول من شهر ربيع الأول سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة؛ فَأَقَامَ فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي الْمحرم سنة خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة بعد أَن مرض عدَّة أَيَّام، وَلم يعْهَد لأحد من إخْوَته.
وَمَات وَهُوَ فِي عشر السِّتين تخمينا.
стр. 259
وَحضر [السُّلْطَان] [الْملك] الظَّاهِر جقمق الصَّلَاة عَلَيْهِ بمصلاة المؤمني [من] تَحت [قلعة الْجَبَل] ، وَعَاد أَمَام جنَازَته إِلَى المشهد النفيسي - حَيْثُ هُوَ دَفنه - مَاشِيا، [بل] وَتَوَلَّى حمل نعشه فِي بعض الأحيان، [وَحضر دَفنه] .
وَكَانَ المستكفي رَئِيسا سَاكِنا عَاقِلا، دينا، كثير الصمت، منعزلا عَن النَّاس، قَلِيل الإجتماع بهم، لم يسْلك طَرِيق أَخِيه المعتضد دَاوُد مَعَ ندمائه وَأَصْحَابه.
هَذَا [مَعَ] الْعقل التَّام والسيرة الْحَسَنَة والعفة عَن الْمُنْكَرَات والفروج.
وَلَقَد بَلغنِي عَن غير وَاحِد من أَقَاربه وحواشيه أَن المعتضد ﵀ كَانَ يَقُول أَيَّام خِلَافَته: لم أر على أخي سُلَيْمَان هَذَا مُنْذُ نَشأ كَبِيرَة.
قلت: وَفِي هَذَا كِفَايَة - رحمهمَا الله [تَعَالَى]-.
وتخلف [من] بعده أَخُوهُ [حَمْزَة] .
стр. 260
(الْقَائِم بِأَمْر الله)
أَبُو الْبَقَاء، حَمْزَة بن المتَوَكل على الله مُحَمَّد. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي، رَابِع الْأُخوة من أَوْلَاد المتَوَكل [على الله] .
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَخِيه المستكفي [سُلَيْمَان من غير عهد. وَهُوَ أَنه: لما توفّي المستكفي] أجمع رَأْي السُّلْطَان [الْملك] الظَّاهِر جقمق على تَوْلِيَة حَمْزَة [الْمَذْكُور] ؛ لِأَنَّهُ أسن من بَقِي من إخْوَته وأمثلهم؛ فاستدعاه [فِي] يَوْم الأثنين خَامِس [محرم] سنة خمس وَخمسين [وَثَمَانمِائَة] بِالْقصرِ السلطاني من قلعة الْجَبَل.
وَحضر الْأُمَرَاء والقضاة وأعيان الدولة، وَأَجْمعُوا على بيعَة حَمْزَة الْمَذْكُور.
وافتتح قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين يحيى الْمَنَاوِيّ الشَّافِعِي الْبيعَة بِخطْبَة فِي غير الْمَعْنى، ثمَّ سكت فِي أثْنَاء الْخطْبَة وَأخذ فِي الدُّعَاء، وَفِي ظَنّه أَن الْبيعَة قد استتمت.
فَلَمَّا رأى [قَاضِي الْقُضَاة] كَمَال الدّين [بن] الْبَارِزِيّ كَاتب السِّرّ ذَلِك ابْتَدَأَ بِخطْبَة بليغة، حمد الله [تَعَالَى] فِيهَا وَأثْنى
стр. 261
[عَلَيْهِ وعَلى] مُحَمَّد -[ ﷺ ]- ثمَّ أثنى على الْخَلِيفَة، ثمَّ على السُّلْطَان بِعِبَارَة طَلْقَة مَعَ فصاحة وَحسن تأدي، إِلَى أَن استتمت الْبيعَة.
وَبَايَعَهُ السُّلْطَان وَمن حضر من الْقُضَاة والأعيان. ثمَّ سَأَلَ القَاضِي كَمَال الدّين الْمَذْكُور الْخَلِيفَة حَمْزَة [هَذَا] بِأَنَّهُ فوض السلطنة للسُّلْطَان الْملك الظَّاهِر جقمق وقلده أُمُور الرّعية، وَجعله يتَصَرَّف فِي الْملك كَيفَ شَاءَ، ثمَّ عدد لَهُ أَشْيَاء من هَذَا النمط؛ فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة إِلَى ذَلِك.
فَلَمَّا استتم كَلَامه استدعى السُّلْطَان التشريف الخليفتين وَألبسهُ حَمْزَة [الْمَذْكُور] . وَبعد لبسه عَاد وَجلسَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَة، ثمَّ سلم على السُّلْطَان.
وَقَامَ وَنزل إِلَى دَاره فِي وُجُوه النَّاس من الْقُضَاة والأعيان، ولقب بالقائم بِأَمْر الله.
وَاسْتمرّ الْقَائِم فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن كَانَت الْفِتْنَة بَين الأتابك أينال العلائي وَبَين [الْملك] الْمَنْصُور عُثْمَان؛ فَأرْسل الأتابك أينال خلف الْقَائِم هَذَا [يَطْلُبهُ] من دَاره؛ فَحَضَرَ إِلَيْهِ وَقَامَ مَعَه فِيمَا هُوَ بصدده، إِلَى أَن تمّ لَهُ مَا أَرَادَ.
وتسلطن بعد خلع الْمَنْصُور عُثْمَان؛ فَعرف لَهُ الْملك الْأَشْرَف ذَلِك، وأنعم عَلَيْهِ بأَشْيَاء كَثِيرَة من الْأَمْوَال والإقطاعات وَغَيرهَا.
стр. 262
وَسَار فِي الْخلَافَة بعظمة زَائِدَة وَحُرْمَة وافرة - بِخِلَاف من تقدم من إخْوَته - إِلَى أَن اسْتهلّ [شهر] رَجَب سنة تسع وَخمسين وَثَمَانمِائَة بِيَوْم الثُّلَاثَاء وَقع من المماليك السُّلْطَانِيَّة وَغَيرهم حَرَكَة كَبِيرَة، وأظهروا فِيهَا الْمُخَالفَة على السُّلْطَان. وَاجْتمعَ مِنْهُم خلائق تَحت القلعة، وهجموا بَيت الْأَمِير قوصون ودخلوه - كَمَا كَانَ فعل الْملك الْأَشْرَف أينال - وأمسكوا من نزل إِلَيْهِم من الْأُمَرَاء ومنعوهم من الْعود إِلَى القلعة. ثمَّ توجه بَعضهم إِلَى الْخَلِيفَة هَذَا وسألوه فِي الْحُضُور؛ فَقَامَ من وقته يَظُنهَا الكرة الأولى، وَحضر إِلَيْهِم فَلم ير مَا كَانَ رَآهُ تِلْكَ الْمرة؛ فندم على مَجِيئه حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم.
[وَقد ذكرنَا أَمر هَذِه الْوَقْعَة فِي تاريخنا ((حوادث الدهور فِي مدى الْأَيَّام والشهور)) مُطَوَّلَة؛ فَلْتنْظرْ هُنَاكَ] .
وبينما هُوَ فِي ذَلِك انفض الْجمع بعد قتال هَين، وَتوجه الْقَائِم إِلَى منزله.
وَكَانَ السُّلْطَان لما بلغه الغوغاء من المماليك أرسل إِلَى الْقَائِم [هَذَا] أَنه يغيب من دَاره؛ فَلم يفعل. ثمَّ زَاد [من] أَنه حضر إِلَيْهِم؛ فَلم يبْق لَهُ عذر، وَعرف كل أحد بِمَا قَصده الْخَلِيفَة.
قلت: لله در الْقَائِل:
(أُمُور تضحك السُّفَهَاء مِنْهَا ... ويخشى من عواقبها اللبيب)
стр. 263
ثمَّ أصبح السُّلْطَان من الْغَد [و] طلب الْقَائِم بِأَمْر الله إِلَى القلعة ووبخه بِكَلَام؛ فَأَرَادَ الْقَائِم أَن يلحن بحجته، وَكَانَ فِي لِسَانه مسكة تَمنعهُ الْكَلَام؛ فَلم يقف السُّلْطَان لجوابه وَأمر بِهِ؛ فَقبض عَلَيْهِ وأجلس بالبحرة من قلعة الْجَبَل.
ثمَّ استدعى [السُّلْطَان] أَخَاهُ يُوسُف من الْغَد فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث الشَّهْر، وأخلع عَلَيْهِ بالخلافة [بعد أَن حكم الْقُضَاة بخلع الْقَائِم] . ودام الْقَائِم محتفظا بِهِ بقلعة الْجَبَل إِلَى يَوْم الأثنين سَابِع شهر رَجَب [الْمَذْكُور] رسم السُّلْطَان بتوجهه إِلَى سجن الْإسْكَنْدَريَّة؛ فَنزل على فرس من غير أَن يركب خَلفه أحد من الأوجاقية على عَادَة أكَابِر الْأُمَرَاء ﴿﴾ . وَسَار بقماش جُلُوسه وَمَعَهُ حَاجِب الْحجاب ووالي الْقَاهِرَة، إِلَى أَن أوصلاه إِلَى الجزيرة الْوُسْطَى، وأنزلوه إِلَى النّيل من تجاه بولاق التكروري.
وَتوجه إِلَى الأسكندرية؛ فسجن بهَا، إِلَى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ؛ أفرج عَنهُ من السجْن ورسم لَهُ أَن يسكن بهَا فِي بَيت - كَمَا كَانَ أَخُوهُ الْعَبَّاس -؛ فَفعل [بِهِ ذَلِك وَتمّ] إِلَى يَوْمنَا هَذَا.
[آخر كَلَام الْمُؤلف - رَحمَه الله تَعَالَى -] .
стр. 264
(المستنجد بِاللَّه)
أَبُو المحاسن، يُوسُف بن المتَوَكل على الله. أَمِير الْمُؤمنِينَ، العباسي، الْهَاشِمِي.
بُويِعَ بالخلافة بعد [أَن] خلع السُّلْطَان [الْملك] الْأَشْرَف أينال أَخَاهُ الْقَائِم حَمْزَة من الْخلَافَة فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث شهر رَجَب سنة [تسع] وَخمسين وَثَمَانمِائَة.
وَصُورَة ولَايَته [للخلافة أَنه] : لما كَانَ يَوْم الْخَمِيس ثَالِث رَجَب استدعى السُّلْطَان الْقُضَاة الْأَرْبَعَة بِالْقصرِ السُّلْطَان، وأحضر الجمالي يُوسُف بن المتَوَكل [على الله] ؛ فَجَلَسَ الجمالي يُوسُف فَوق القَاضِي الْحَنَفِيّ - عَن يسَار السُّلْطَان - وَحضر [جَمِيع] أَعْيَان الدولة، وَلم يحضر الْمجْلس أحد من الْفُقَهَاء، سوى الْقُضَاة وَجَمَاعَة من موقعي الحكم للشَّهَادَة على السُّلْطَان بِمَا عساه يفعل من خلع الْخَلِيفَة حَمْزَة وَولَايَة يُوسُف.
فَلَمَّا تمّ الْمجْلس؛ قَامَ القَاضِي محب الدّين بن الْأَشْقَر كَاتب السِّرّ بَين يَدي السُّلْطَان وَقَالَ: نشْهد عَلَيْك يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان أَنَّك خلعت [أَمِير الْمُؤمنِينَ] الْقَائِم بِأَمْر الله حَمْزَة وَوليت أَخَاهُ المتَوَكل على الله يُوسُف.
стр. 265
- وَكَانَ المستنجد لقب أَولا بالمتوكل - فَقَالَ السُّلْطَان: نعم؛ فَشهد عَلَيْهِ الموقعون بذلك. وَقَامَ الجمالي يُوسُف من وقته وَلبس خلعة الْخلَافَة على الْعَادة، وَعَاد السُّلْطَان وَسلم عَلَيْهِ.
وانفض الْمجْلس وَلم يتَكَلَّم أحد من الْقُضَاة فِي شَيْء من ولَايَته، وَلَا خلع الْقَائِم، بل [إِن] القَاضِي الشَّافِعِي علم الدّين صَالح البُلْقِينِيّ نقل عَن عُلَمَاء مذْهبه أَن للسُّلْطَان أَن يعْزل الْخَلِيفَة ويولي غَيره؛ فَهَذَا كَانَ المندوحة فِي خلع الْقَائِم وَولَايَة يُوسُف المستنجد. إنتهى [كَلَام الجمالي يُوسُف الْمُؤلف - رَحمَه الله تَعَالَى -] .
стр. 266
(ذكر الْخُلَفَاء الفاطميين [خلفاء مصر] )
أَوَّلهمْ الْمعز لدين الله، أَبُو تَمِيم، معد بن الْمَنْصُور إِسْمَاعِيل بن الْقَائِم بِأَمْر الله مُحَمَّد بن الْمهْدي عبيد الله. العبيدي، الفاطمي، المغربي الرافضي.
مولده بالمهدية بِبِلَاد الغرب.
(وَتَوَلَّى الْخلَافَة بعد موت أَبِيه الْمَنْصُور بِبِلَاد الغرب فِي يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلثمائة) .
وَهُوَ أول من قدم مِنْهُم إِلَى الديار المصرية وملكها، وبنيت لَهُ الْقَاهِرَة.
وَهُوَ الرَّابِع من بني عبيد بِبِلَاد الغرب؛ لِأَن الأول مِنْهُم: الْمهْدي عبيد الله، وَالثَّانِي: الْمَنْصُور إِسْمَاعِيل، وَالثَّالِث: الْقَائِم مُحَمَّد، وَالرَّابِع: الْمعز هَذَا. [ثمَّ قدم الْقَاهِرَة] .
стр. 267
قلت: وَفِي نسب هَؤُلَاءِ الفاطميين وشرفهم أَقْوَال كَثِيرَة؛ فَمن النَّاس من رفع نسبهم إِلَى فَاطِمَة الزهراء وأثبته، وَمِنْهُم من نسبهم إِلَى الْحُسَيْن بن أَحْمد القداح - والقداح الْمَذْكُور كَانَ مجوسيا وأحواله مَعْرُوفَة -.
وَالْقَوْل الثَّانِي أشهر وَأكْثر، وَعَلِيهِ جُمْهُور المؤرخين.
وَقد استوعبنا ذَلِك كُله فِي تَرْجَمَة الْمعز [هَذَا] فِي تاريخنا [النُّجُوم الزاهرة فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) ، وَذكرنَا فِيهِ أَقْوَال جمَاعَة كَثِيرَة.
стр. 268
ذكر دُخُول الْمعز إِلَى الديار المصرية - على سَبِيل الإختصار -
قيل: إِنَّه دَخلهَا وَمَعَهُ ألف وَخَمْسمِائة جمل [موسوقة] ذهب عين.
وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلثمائة.
وَكَانَ قد أرسل قبل ذَلِك مَمْلُوكه الْخَادِم جَوْهَر الصّقليّ بجيوش عَظِيمَة إِلَى مصر؛ فملكها جَوْهَر بعد أُمُور، وَبنى الْقَاهِرَة فِي سنة سِتِّينَ وثلثمائة.
وجوهر الْمَذْكُور هُوَ صَاحب الْجَامِع الْأَزْهَر، وَهُوَ من كبار الرافضة الشِّيعَة.
وَلما فرغت الْقَاهِرَة أرسل جَوْهَر إِلَى الْمعز؛ فجَاء وسكنها وملكها هِيَ وَالشَّام فِي رَمَضَان فِي سنة إثنتين وَسِتِّينَ وثلثمائة. وَكَانَ يَوْم ذَاك الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد من بني الْعَبَّاس [أَمِير الْمُؤمنِينَ] الْمُطِيع بِأَمْر الله.
فَمن حِينَئِذٍ صَار بِبَغْدَاد وَسَائِر ممالك الشرق إِلَى أَعمال الْفُرَات وحلب يخْطب فِيهَا باسم [الْخُلَفَاء من] بني الْعَبَّاس. وَمن حلب إِلَى بِلَاد الْمغرب يخْطب [فِيهَا] باسم الْخُلَفَاء الفاطميين - وداخل ذَلِك الحرمان الشريفان -.
وَكَانَ الْمعز رَافِضِيًّا سبابا خبيثا، إِلَّا أَنه كَانَ فَاضلا، عَاقِلا، أديبا، حازما، جوادا، ممدحا، وَفِيه عدل للرعية.
стр. 269
قيل: إِن زَوْجَة الأخشيد لما زَالَت دولتهم أودعت عِنْد يَهُودِيّ بغلطاقا كُله جَوْهَر، ثمَّ طالبته فَأنْكر؛ فَقَالَت لَهُ: خُذ الْكمّ الْوَاحِد وَأَعْطِنِي مَا بَقِي؛ فَلم يفعل؛ فَلم تزل تدرجه، وَهُوَ لايرضى، حَتَّى سَأَلته أَن يُعْطِيهَا [كَمَا وَاحِدًا] وَيَأْخُذ مَا بَقِي، وَهُوَ لَا يرضى؛ فتوجهت إِلَى قصر الْمعز وأخبرته بِمَا وَقع؛ فَأرْسل أحضر الْيَهُودِيّ وَسَأَلَهُ فَأنْكر، ثمَّ أعترف وأحضر البغلطاق. فَلَمَّا رَآهُ الْمعز تحير مِمَّا فِيهِ من الْجَوَاهِر، وَقد أَخذ الْيَهُود من صَدره درتين واعترف أَنه باعهما بِأَلف وسِتمِائَة دِينَار. فَأَخذه الْمعز وَدفعه بكامله لَهَا؛ فاجتهدت أَن يَأْخُذهُ هَدِيَّة مِنْهَا، أَو بِثمن؛ فَلم يفعل، وأخذته وانصرفت.
وَكَانَ الْمعز عَارِفًا بالنجامة وَيُحب المنجمين.
حكى أَن المنجمين [أخبروا الْمعز] بِأَن عَلَيْهِ قطعا، وأشاروا عَلَيْهِ بِأَن يتَّخذ سردابا ويتوارى فِيهِ [سنة] ؛ فَفعل ذَلِك.
فَلَمَّا طَالَتْ مدَّته فِي السرداب ظنت جنده المغاربة أَنه رفع إِلَى السَّمَاء؛ فَكَانَ الْفَارِس مِنْهُم ينظر إِلَى الْغَمَام؛ فيترجل وَيَقُول: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ! .
ثمَّ خرج الْمعز من السرداب بعد سنة.
وَتُوفِّي بعد ذَلِك بِيَسِير، فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلثمائة، (وَله سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة، وتخلف بعده ابْنه) [الْعَزِيز] .
стр. 270
(الْعَزِيز بِاللَّه)
أَبُو مَنْصُور، نزار بن الْمعز معد. أَمِير الْمُؤمنِينَ، الفاطمي، العبيدي، ثَانِي خلفاء مصر من بني عبيد، وخامسهم مِمَّن أجداده المغاربة.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه الْمعز فِي سنة خمس وَسِتِّينَ وثلثمائة.
ومولده بالمهدية من القيروان سنة أَربع وَأَرْبَعين، وَقيل: سنة إثنتين وَأَرْبَعين وثلثمائة.
وَتمّ أمره فِي الْخلَافَة. وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه جَوْهَر الْخَادِم الْمُقدم ذكره.
وَكَانَ الْعَزِيز كَرِيمًا، أديبا، شجاعا، عادلا فِي الرّعية.
وَهُوَ أحسن خلفاء بني عبيد سيرة، غير أَنه كَانَ يمِيل إِلَى النُّجُوم، وَولى رجلا نَصْرَانِيّا يُقَال لَهُ: [ابْن] نسطورس وزارة مصر، وَولى [رجلا] يَهُودِيّا يُقَال لَهُ: منشا وزارة الشَّام؛ فاستطالت النَّصَارَى وَالْيَهُود بهما.
فَأخذ الْمُسلمُونَ شخصا من ورق ملصق على صُورَة إمرأة، وَعمِلُوا فِي يَدهَا قصَّة مَكْتُوبَة، فِيهَا: بِالَّذِي أعز الْيَهُود بمنشا، وأعز النَّصَارَى بنسطورس
стр. 271
وأذل الْمُسلمين بك أَلا رحمت الْمُسلمين. ونصبوها لَهُ على الطَّرِيق؛ فَلَمَّا رَآهَا طلبَهَا؛ فأحضروها إِلَيْهِ وَقَرَأَ الْقِصَّة؛ فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ. ثمَّ أمسك نسطورس ومنشا وصادرهما، وَأخذ مِنْهُمَا أَمْوَالًا عَظِيمَة، ثمَّ صلبهما.
[وَكَانَ يَدعِي علم النجامة؛ فَكتب لَهُ بعض الشُّعَرَاء] :
( [بالظلم والجور] قد رَضِينَا ... وَلَيْسَ بالْكفْر والحماقة)
(إِن كنت أَعْطَيْت علم غيب ... فَقل لنا كَاتب البطاقة)
وهجاه بَعضهم بالقدح فِي نسبه، وَكَتَبُوا [لَهُ] ذَلِك [فِي ورقة ووضعوها على الْمِنْبَر] ؛ فَلَمَّا صعد الْعَزِيز [يَوْم الْجُمُعَة الْمِنْبَر وجدهَا وفيهَا] :
(إِنَّا سمعنَا نسبا مُنْكرا ... يُتْلَى على الْمِنْبَر فِي الْجَامِع)
(إِن كنت فِيمَا تَدعِي صَادِقا ... فاذكر أَبَا بعد الْأَب السَّابِع)
(وَإِن ترد تَحْقِيق مَا قلته ... فانسب لنا نَفسك كالطائع)
(أَو لَا دع الْأَنْسَاب مستورة ... وادخل بِنَا فِي النّسَب الْوَاسِع)
(فَإِن أَنْسَاب بني هَاشم ... يقصر عَنْهَا طمع الطامع)
وَتُوفِّي الْعَزِيز فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلثمائة.
وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وأياما. وتخلف بعده ابْنه [الْحَاكِم مَنْصُور] .
стр. 272
(الْحَاكِم بِأَمْر الله)
أَبُو عَليّ، مَنْصُور بن الْعَزِيز بِاللَّه نزار بن الْمعز لدين الله، أَبُو تَمِيم، معد بن الْمَنْصُور إِسْمَاعِيل بن الْقَائِم مُحَمَّد بن الْمهْدي عبيد الله. العبيدي، الفاطمي، المغربي الأَصْل، الْمصْرِيّ المولد والمنشأ وَالدَّار والوفاة، الثَّالِث من خلفاء مصر من بني عبيد.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه الْعَزِيز فِي يَوْم الثُّلَاثَاء لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلثمائة.
ومولده بِالْقَاهِرَةِ فِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشْرين جُمَادَى الأول سنة خمس وَسبعين وثلثمائة.
وَالْحَاكِم هَذَا هُوَ الَّذِي بنى الْجَامِع دَاخل بَاب النَّصْر من الْقَاهِرَة.
وَكَانَ الْحَاكِم فِي أول أمره خيرا عادلا؛ أَمر أَن تلبس النَّصَارَى الْأَزْرَق وَالْيَهُود الْأَصْفَر، وَأَن لَا يركبُوا خيولا وَلَا بغالا. وَجعل لَهُم حمامات على حدتهم وَعمل عَلَيْهَا صلبانا. ثمَّ بنى على رَأس كل كَنِيسَة مَسْجِدا يُؤذن فِيهِ على رُءُوسهم.
стр. 273
ثمَّ لما كبر تغير عَن ذَلِك كُله، وَعبد الْكَوَاكِب، وَصَارَ يَأْمر بالشَّيْء الَّذِي يضْحك النَّاس مِنْهُ.
من ذَلِك: أَنه اجتاز يَوْمًا بحمام الذَّهَب؛ فَسمع فِيهَا ضجيج النِّسَاء؛ فَأمر أَن تسد عَلَيْهِنَّ؛ [فسدوها عَلَيْهِنَّ] حَتَّى متن جَمِيعًا.
ثمَّ أَمر بهدم كَنِيسَة قمامة وَنهب جَمِيع مَا فِيهَا؛ فهدمت ونهبت، ثمَّ أَمر بإعادتها كَمَا كَانَت.
ثمَّ أَمر بِأَن لَا يَبِيع أحد زبيبا، ثمَّ أَمر أَن [لَا] يَأْكُلهُ أحد، ثمَّ أَمر بحرقه فِي جَمِيع الْبِلَاد، ثمَّ أَمر بإحراق الْعِنَب، ثمَّ أَمر بِقطع الكروم كلهَا؛ فَقطعت جَمِيع الكروم بِمصْر وَالشَّام.
ثمَّ أَمر بقتل الْكلاب؛ فَقتل بالديار المصرية ثَلَاثُونَ ألف كلب.
ثمَّ أَمر بإهراق الْعَسَل النَّحْل؛ فبدد النَّاس إثني عشر ألف جابية عسل.
ثمَّ منع النَّاس من طبخ الملوخيا، ثمَّ أَمر أَن لَا تزرع فِي الأَرْض كلهَا وكل من وجدت عِنْده شنق.
ثمَّ منع [النَّاس] [من] بيع: الترمس، والسمك الأملس، وكبب اللَّحْم، والفقاع، وَأمر بشنق من يعملهم، وشنق على ذَلِك جمَاعَة كَثِيرَة.
وَكَانَ يلبس الصُّوف، ويركب حمارا وَيَطوف فِي الْأَسْوَاق وَحده بِغَيْر غُلَام.
стр. 274
وَكَانَ لما تخلف صَغِيرا تولى تَدْبِير ملكه خَادِم لِأَبِيهِ يُسمى أرجوان - وَقيل برجوان - حَتَّى كبر الْحَاكِم.
فَلَمَّا كبر [الْحَاكِم] قتل أرجوان [الْمَذْكُور] ؛ فَوجدَ لَهُ من الْأَمْوَال مَالا يُحْصى كَثْرَة. من جملَة مَا وجد لَهُ: ألف قَمِيص، وَألف سروال، وَألف تكة حَرِير فِي كل تكة نافحة مسك ونافحة عنبر [كبارًا] .
وَوجد لَهُ من الْجَوَاهِر والأواني مَا قِيمَته خَمْسمِائَة ألف دِينَار.
وَوجد لَهُ من الدَّوَابّ أَرْبَعَة آلَاف فرس وَأَرْبَعَة آلَاف بغل.
وَوجد لَهُ من الذَّهَب [الْعين] [ألفي] ألف ألف دِينَار.
وَلما استبد الْحَاكِم بِالْأَمر وَحده طَغى وتجبر، وَسَاءَتْ سيرته فِي الرّعية، وفسدت عقيدته فِي الدّين.
وَكَانَت أُخْته سِتّ الْملك عَاقِلَة، وَعلمت بِزَوَال الْملك عَنْهُم؛ فَعمِلت على قَتله، إِلَى أَن قتل بحلوان خَارج الْقَاهِرَة - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ مفصلا فِي الأَصْل -؟ . وَكَانَ قَتله فِي ثامن عشْرين شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة.
وَتَوَلَّى بعده ابْنه الظَّاهِر لإعزاز دين الله.
стр. 275
وَكَانَ أَمر الْحَاكِم هَذَا متضادد: مَا بَين شجاعة [واقدام] ، وَجبن وإحجام، ومحبة للْعلم وانتقام من الْعلمَاء، وميل إِلَى الصّلاح وَقتل الصلحاء.
وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ السخاء، وَرُبمَا بخل بِمَا لم يبخل بِهِ غَيره.
وَكَانَت خِلَافَته خمْسا وَعشْرين سنة وشهرا وَاحِدًا.
стр. 276
(الظَّاهِر لإعزاز دين الله)
أَبُو هَاشم، عَليّ بن الْحَاكِم بِأَمْر الله مَنْصُور بن [الْعَزِيز نزار بن الْمعز معد] . العبيدي. المغربي الأَصْل، الْمصْرِيّ الفاطمي، الرَّابِع من خلفاء بني عبيد بِمصْر.
بُويِعَ بالخلافة بعد قتل أَبِيه الْحَاكِم فِي شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، وَله من الْعُمر سِتَّة عشر سنة وَثَمَانِية أشهر وَخَمْسَة أَيَّام.
وَقَامَت عمته سِتّ الْملك بتدبير ملكه أحسن قيام، وبذلت الْأَمْوَال فِي الْجند وساست النَّاس أحسن سياسة.
ثمَّ مَاتَت؛ فاقتفى الظَّاهِر [هَذَا] طريقتها؛ فحسنت سيرته.
وَكَانَ فِيهِ عدل وكرم وشجاعة.
وَوَقع فِي أَيَّامه أُمُور لصِغَر سنه وَضعف بدنه.
وطمع النَّاس فِي أَطْرَاف بِلَاده، وتغلب صَاحب الرملة حسان بن المفرج البدوي على أَكثر بِلَاد الشَّام، وتضعضعت دولة الظَّاهِر. وَمن يَوْمئِذٍ أَخذ أَمر الْخُلَفَاء الفاطميين فِي انحطاط.
وَكَانَ وزيره نجيب الدولة عَليّ بن أَحْمد الجرجرائي جيد التَّدْبِير.
стр. 277
وَفِي أَيَّام الظَّاهِر حضر إِلَى مَكَّة رجل أعجمي وَمَعَهُ جمَاعَة عَظِيمَة كَأَنَّهُمْ يحجون، فَلَمَّا دخلُوا الْبَيْت الْحَرَام، اقتلعوا الْحجر الْأسود من مَكَانَهُ وكسروه، فَأمْسك الْجَمِيع، وَرُبمَا قتل بَعضهم. وطببوا الْحجر الْأسود، وأعادوه إِلَى مَكَانَهُ.
[ثمَّ] توفّي الظَّاهِر بعد ذَلِك بِمدَّة [فِي] يَوْم الْأَحَد النّصْف من شعْبَان سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة؛ فَكَانَت ولَايَته على مصر سِتَّة عشر سنة وَتِسْعَة أشهر. وتخلف بعده ابْنه [الْمُسْتَنْصر أَبُو تَمِيم معد] .
стр. 278
(الْمُسْتَنْصر بِاللَّه)
أَبُو تَمِيم، معد بن الظَّاهِر عَليّ بن الْحَاكِم مَنْصُور بن الْعَزِيز [نزار] بن الْمعز معد العبيدي، الفاطمي.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه الظَّاهِر فِي يَوْم الْأَحَد نصف شعْبَان سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة. وعمره يَوْم ولي الْخلَافَة سبع سِنِين وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا.
وَبَقِي فِي الْخلَافَة سِتِّينَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر.
وَلَا نعلم فِي الْإِسْلَام خَليفَة وَلَا سُلْطَانا أَقَامَ فِي الْملك هَذِه الْمدَّة.
والمستنصر هَذَا هُوَ الَّذِي خطب لَهُ البساسيري على مَنَابِر بَغْدَاد، وَهَذَا شَيْء لم يَقع لأحد من آبَائِهِ - وَقد ذكرنَا سَبَب ذَلِك فِي كتَابنَا ((النُّجُوم الزاهرة)) مطولا فَلْينْظر هُنَاكَ.
وَفِي أَيَّام الْمُسْتَنْصر هَذَا كَانَ الغلاء الْعَظِيم بِمصْر الَّذِي لم يَقع مثله من زمَان يُوسُف ﵇ فِي حُدُود سِنِين نَيف وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة -.
стр. 279
وَقيل: إِن الْقَمْح أبيع بِدِينَار وَنصف الْقدح، وَأكل النَّاس [فِيهِ] بَعضهم، وأكلوا الْميتَة وَالْكلاب، وأبيع فِيهِ الْكلاب بِخَمْسَة دَنَانِير، والقط بِثَلَاثَة دَنَانِير.
وَاشْتَدَّ الغلاء، ودام سِنِين حَتَّى بَقِي الْكَلْب يدْخل بَيت الشَّخْص وَيَأْكُل وَلَده وَهُوَ قَاعد لَا يَسْتَطِيع النهوض لدفعه؛ مِمَّا بِهِ من شدَّة الْجُوع.
وَقيل: إِنَّه كَانَ بِمصْر حارة تعرف بحارة الطَّبَق - وَهِي مَعْرُوفَة -[كَانَ] فِيهَا عشرُون دَارا، كل دَار تَسَاوِي ألف دِينَار؛ فأبيعت كلهَا بطبق خبز، كل دَار برغيف. وَأقَام الغلاء يعاود النَّاس سِنِين.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: خرجت إمرأة وَمَعَهَا قدر ربع جَوْهَر؛ فَقَالَت: من يَأْخُذ مني هَذَا الْجَوْهَر ويعطيني عوضه برا. فَلم تَجِد من يَأْخُذهُ مِنْهَا؛ فَقَالَت: إِذا لم تنفعني وَقت الضائقة فَلَا حَاجَة لي بك. وألقته على الأَرْض وانصرفت. فالعجب مَا كَانَ لَهُ من يلتقطه! .
وَحكى أَن الْمُسْتَنْصر [هَذَا] أخرج جَمِيع مَا فِي الذَّخَائِر؛ فَبَاعَهَا.
يُقَال: إِنَّه بَاعَ فِي [هَذَا] الغلاء ثَمَانِينَ ألف قِطْعَة من أَنْوَاع الْجَوْهَر المثمنة، وَخَمْسَة وَسبعين ألف قِطْعَة من أَنْوَاع الديباج الْمَذْهَب، وَعشْرين ألف سيف، وَأحد عشر ألف دَار.
стр. 280
وافتقر [الْخَلِيفَة] [الْمُسْتَنْصر] [هَذَا] حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا سجادة تَحْتَهُ وقبقاب فِي رجله؛ فَصَارَ إِذا نزل [من الْقصر] يستعير بغلة الدِّيوَان حَتَّى يركبهَا.
وَمَات فِي هَذَا الغلاء مُعظم النَّاس جوعا. ثمَّ بعد سِنِين تراجع حَاله إِلَى مَا كَانَ [عَلَيْهِ] وأزيد.
ودام فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن مَاتَ [بهَا - أَعنِي الْقَاهِرَة -] فِي يَوْم الْخَمِيس لإثنتي عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سِتُّونَ سنة - كَمَا تقدم ذكره - وتخلف [من] بعده ابْنه [المستعلي أَحْمد] .
стр. 281
(المستعلي بِاللَّه)
أَبُو الْقَاسِم، أَحْمد بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه معد بن الظَّاهِر عَليّ بن الْحَاكِم مَنْصُور بن الْعَزِيز نزار بن الْمعز معد، العبيدي الفاطمي.
بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه الْمُسْتَنْصر فِي ثامن عشر [من] ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة - وَهُوَ يَوْم عيد الغدير - وسنه نَيف على عشْرين سنة.
وَكَانَ الْقَائِم بخلافته وزيره أَمِير الجيوش الْأَفْضَل بن شاهنشاه بن أَمِير الجيوش بدر الجمالي.
والمستعلى هَذَا هُوَ السَّادِس من خلفاء مصر من بني عبيد.
وَفِي أَيَّام المستعلي هَذَا استولت الفرنج على سواحل الشَّام، وَأخذت بَيت الْمُقَدّس.
وَأخذ أَمر الفاطميين فِي اضمحلال، وتلاشت خلافتهم، وغلبت الوزراء عَلَيْهِم - كَمَا هُوَ الْآن -. وَلم يبْق لَهُم من يَوْمئِذٍ من الْخلَافَة إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط.
стр. 282
ودام المستعلي فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع صفر سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
وَكَانَت خِلَافَته سبع سِنِين وشهرين وأياما.
وتخلف بعده ابْنه [الْآمِر بِأَحْكَام الله مَنْصُور] .
стр. 283
(للْآمِر بِأَحْكَام الله)
أَبُو عَليّ، الْمَنْصُور بن المستعلي أَحْمد. الفاطمي، العبيدي، السَّابِع من خلفاء مصر من الفاطميين بني عبيد.
[بُويِعَ بالخلافة بعد موت أَبِيه المستعلي] .
وَكَانَ أسوءهم سيرة، وَأخذت الفرنج فِي أَيَّامه [وَفِي أَيَّام أَبِيه] عدَّة بِلَاد من سواحل الْمُسلمين.
قَالَ الْحَافِظ [أَبُو عبد الله شمس الدّين مُحَمَّد] الذَّهَبِيّ -[﵀]-: كَانَ الْآمِر كآبائه رَافِضِيًّا خبيثا فَاسِقًا، ظَالِما جبارا، متظاهرا بالمنكر وَاللَّهْو، ذَا كبر وجبروت.
وَكَانَ مُدبر سُلْطَانه شاهنشاه [بن] أَمِير الجيوش بدر الجمالي. فَلَمَّا كبر الْآمِر قَتله وَأقَام عوضه فِي الوزارة الْمَأْمُون [أَبَا عبد الله] [مُحَمَّد] البطائحي؛ فظلم وأساء السِّيرَة. إنتهى [كَلَام الذَّهَبِيّ] .
стр. 284
قلت: والمأمون [هَذَا] هُوَ صَاحب جَامع الْأَقْمَر بِالْقَاهِرَةِ.
ثمَّ إِن الْآمِر قبض على الْمَأْمُون أَيْضا وَقَتله وصلبه سنة تِسْعَة عشر وَخَمْسمِائة.
وَفِي أَيَّام الْآمِر أخذت الفرنج عكا سنة سَبْعَة وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة، وَأخذُوا طرابلس سنة إثنتين وَخَمْسمِائة، وَأخذُوا عرقة وبانياس وعدة بِلَاد فِي تِلْكَ السّنة، وتسلموا بيروت فِي سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة بِالسَّيْفِ، وَأخذُوا صيدا سنة أَربع وَخَمْسمِائة.
ثمَّ قصد الْملك الفرنج بردويل أَخذ مصر؛ فَأَهْلَكَهُ الله قبل أَن يصل إِلَى الْعَريش؛ فشق أَصْحَابه بَطْنه، وصبروه، ورموا حشوته هُنَاكَ، فَهِيَ ترْجم إِلَى الْيَوْم.
وسمى ذَلِك الْمَكَان بسبخة بردويل. ثمَّ دفنُوا بردويل الْمَذْكُور بالقمامة.
وَكَانَ بردويل هُوَ الَّذِي أَخذ بَيت الْمُقَدّس من الْمُسلمين وسواحل كَثِيرَة، وَذَلِكَ بشؤم الْآمِر هَذَا وَأَبِيهِ، فَإِنَّهُ كَانَ ظَالِما قَلِيل الهمة.
стр. 285
وَكَانَ الْآمِر عاصر فِي أول خِلَافَته من خلفاء بَغْدَاد [من] بني الْعَبَّاس المستظهر أَحْمد، [وَفِي آخر] ولَايَته المسترشد، الْفضل.
وكل هَذِه الْبِلَاد والسواحل الْمَأْخُوذَة كَانَت تَحت حكم خلفاء مصر الفاطميين، لَيْسَ لخلفاء بني الْعَبَّاس عَلَيْهَا حكم من يَوْم دخل الْمعز إِلَى الديار المصرية إِلَى مَا سَيَأْتِي ذكره.
وَفِي أَيَّام الْأَمر أَيْضا - فِي سنة أَربع وَخَمْسمِائة - طلع بِمصْر وأعمالها سَحَاب أسود أظلم مِنْهُ الجو، وهبت ريح شَدِيدَة حَتَّى ظن النَّاس أَنَّهَا الْقِيَامَة، ودامت من الْعَصْر إِلَى الْمغرب [ثمَّ انجلت] .
ودام الْآمِر فِي الْخلَافَة، إِلَى أَن قتل وَهُوَ مار على جسر الرَّوْضَة، عِنْد خُرُوجه من الجسر إِلَى الجزيرة بالروضة تجاه مصر.
وثب عَلَيْهِ تِسْعَة؛ فضربوه بالسكاكين، حَتَّى أَن أحدهم وثب وَركب خَلفه. ثمَّ حمل جريحا.
وَمَات فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة.
وَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة وَعشْرين سنة وَتِسْعَة أشهر. [وَمَات من غير عقب] .
следующие страницы →