← Тараджим

Тараджим · id 6669

مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة

ابن تغري بردي

Полный текст (483 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الْملك الْمُعظم توران شاه ابْن الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد ابْن [الْملك] الْعَادِل أبي بكر بن نجم الدّين أَيُّوب، الأيوبي الْمصْرِيّ سُلْطَان الديار المصرية. تسلطن بعد موت أَبِيه الصَّالح بِنَحْوِ شَهْرَيْن وَنصف، وَقيل: بعد أَرْبَعَة أشهر [وَنصف] وَهُوَ الْأَصَح؛ لِأَن الصَّالح مَاتَ على المنصورة فِي [نصف] شعْبَان، وأخفت زَوجته شجر الدّرّ مَوته مَخَافَة على الْمُسلمين. وَبَايَعُوا لإبنه توران شاه هَذَا فِي غيبته. ودبرت شجر الدّرّ أُمُور المملكة، إِلَى أَن قدم توران [شاه] من حصن كيفا فِي أول الْمحرم من سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، فتح الله على يَدَيْهِ فِي يَوْم دُخُوله؛ فتيمن [النَّاس] بطلعته. وَلما ملك [مصر] واستفحل أمره، أَخذ يهدد مماليك أَبِيه بِالْقَتْلِ والفتك؛ فَتَنَكَّرت خواطر الْجَمِيع عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا على قَتله. ثمَّ مَا كَفاهُ ذَلِك حَتَّى صَار يتوعد شجر الدّرّ بالمصادرة، وَيطْلب مِنْهَا التحف؛ فَدفعت إِلَيْهِ شَيْئا كثيرا، وَهُوَ لَا يكف عَنْهَا الطّلب.

стр. 317

وَكَانَت شجر الدّرّ مطاعة؛ فَتغير خاطرها عَلَيْهِ، مَعَ مَا تنكر [من] قُلُوب مماليك أَبِيه؛ فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فِي يَوْم الأثنين سَابِع عشْرين الْمحرم من سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة [الْمَذْكُورَة] ؛ فَلم يثبت لَهُم، وهرب وطلع إِلَى برج خشب؛ فأطلقوا فِيهِ النفظ؛ فَنزل إِلَى الخرقاة؛ فَرَمَوْهُ بالنشاب؛ فَصَارَ يَصِيح؛ مَالِي حَاجَة بِالْملكِ، دَعونِي أتوجه إِلَى الْحصن؛ فَلم يَتْرُكُوهُ، وضربوه بِالسُّيُوفِ، إِلَى أَن تلف. وسلطنوا عَلَيْهِم شجر الدّرّ زَوْجَة أستاذهم؛ فَكَانَت مُدَّة سلطنة [الْملك] الْمُعظم توران شاه [هَذَا] على مصر دون الشَّهْر.

стр. 318

شجر الدّرّ أم خَلِيل الصالحية، جَارِيَة الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب، وَأم وَلَده خَلِيل، وَكَانَت حظية عِنْد [الْملك] الصَّالح. ملكهَا فِي أَيَّام وَالِده، واستولدها ابْنه خَلِيل، ثمَّ تزَوجهَا. وَكَانَت فِي صحبته بِبِلَاد الشرق، ثمَّ صَارَت مَعَه بِحَبْس الكرك، وقاست مَعَه تِلْكَ الخطوب. ثمَّ قدمت مَعَه إِلَى الديار المصرية. وَعظم أمرهَا فِي الدولة الصالحية، [وَصَارَ إِلَيْهَا غَالب التَّدْبِير فِي حَيَاة الصَّالح، ثمَّ فِي مَرضه، ثمَّ بعد مَوته] . وَكَانَت من محَاسِن الدَّهْر حزما، وعقلا، ودينا، وجمالا. وَلما تسلطن ابْن زَوجهَا الْمُعظم توران شاه هددها - كَمَا تقدم ذكره -. وَوَقع لَهَا مَعَه أُمُور، إِلَى أَن قتل؛ فاتفقوا خجدا شيتها الصالحية على سلطنتها؛ لحسن سيرتها، وغزير عقلهَا، وجودة تدبيرها. وَجعلُوا خجداشها أيبك التركماني أتابك عسكرها. وخطب لَهَا مَنَابِر مصر وأعمالها. وَكَانَ الخطباء يَقُولُونَ على [المنابر بِمصْر] بعد الدُّعَاء للخليفة: واحفظ اللَّهُمَّ الْجِهَة الصالحية ملكة الْمُسلمين، عصمَة الدُّنْيَا وَالدّين، أم خَلِيل المستعصمية، صَاحِبَة السُّلْطَان الْملك الصَّالح.

стр. 319

وَكَانَت تعلم [على المناشير] : ((وَالِدَة خَلِيل)) . وَبقيت على ذَلِك مُدَّة ثَلَاثَة أشهر، وساست النَّاس فِيهَا أحسن سياسة، إِلَى أَن بدا لَهَا خلع نَفسهَا [فخلعت نَفسهَا] من السلطنة. وَاسْتقر [الْملك] الْمعز أيبك (التركماني فِي السلطنة عوضهَا، وَتَزَوجهَا، وَكَانَت مستولية على الْمعز أيبك [التركماني] ) فِي جَمِيع أَحْوَاله. وَكَانَت تركية الْجِنْس، ذَات شهامة، وَنَفس قَوِيَّة، شَدِيدَة الْغيرَة. وَمَعَ ذَلِك بلغَهَا أَن الْمعز أيبك يُرِيد [أَن] يتَزَوَّج عَلَيْهَا؛ فعاجلته وقتلته لما دخل إِلَيْهَا، وأخفت ذَلِك. وأرادت سلطنة بعض خجدا شيتها؛ ليتم لَهَا مَا أَرَادَت؛ فَلم ينْتج أمرهَا، وفشى الْأَمر. ووثب عَلَيْهَا مماليك الْمعز أيبك؛ فَلم يمكنوهم مِنْهَا خجداشيتها الصالحية. وَوَقعت أُمُور. وَآخر الْأَمر أَنَّهَا قتلت بيد المماليك المعزية فِي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة. وَكَانَت شجر الدّرّ خيرة، دينة، عَاقِلَة، عارفة، وَلَا يعْتَبر قَتلهَا لزَوجهَا أيبك [الْمَذْكُور] ؛ فَإِن ذَلِك آفَة مُعْتَرضَة للعقول الصِّحَاح. وَكَانَ لشجر [الدّرّ] مآثر وأوقاف على (وُجُوه الْبر وَالصَّدقَات مَعْرُوفَة بهَا) -[رَحمهَا الله تَعَالَى]-.

стр. 320

ذكر مُلُوك التّرْك بالديار المصرية

стр. 321

فارغة

стр. 322

الْملك الْمعز عز الدّين، أَي بك، التركماني الصَّالِحِي النجمي. أول مُلُوك التّرْك بالديار المصرية. وَقد ذكرنَا من ولى ملك مصر من الأتراك الَّذين مسهم الرّقّ إِلَى يَوْمنَا (هَذَا [فِي] أَبْيَات [موالياً] ) : (أَي بك قطز يعقبوا بيبرس ذُو الْإِكْمَال ... بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال) (لاجين بيبرس برقوق شيخ ذُو الأفضال ... ططر برسباى جقمق ذُو الْعلَا أينال) ( [وخشقدم عَنهُ قل يلبيه ذُو الْأَحْوَال ... تمربغا قيتبيه الْفَحْل ذُو الإقبال] ) وَكَانَ أصل أَي بك الْمَذْكُور من مماليك [الْملك] الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب. اشْتَرَاهُ فِي حَيَاة وَالِده [الْملك] الْكَامِل، وَجعله جاشنكيره؛ وَلِهَذَا كَانَ رنكه [صُورَة] خونجا. تسلطن بعد أَن خلعت شجر الدّرّ نَفسهَا من الْملك من غير كره، بعد أَن أجمع رَأْي أكَابِر الْأُمَرَاء على سلطنته؛ فتسلطن فِي يَوْم السبت آخر شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة.

стр. 323

وَتمّ أمره وَركب بشعائر السلطنة، وحملت الغاشية بَين يَدَيْهِ، وَتمّ أمره فِي الْملك. ثمَّ إِن المماليك الصالحية - الْأُمَرَاء البحرية - اتَّفقُوا بعد ذَلِك وَقَالُوا: لابد لنا من وَاحِد من بني أَيُّوب نسلطنه، نَجْتَمِع الْجَمِيع على طَاعَته. وَكَانَ الْقَائِم بِهَذَا الْأَمر الْأَمِير فَارس الدّين أقطاي الجمدار، وبيبرس البندقداري وبلبان الرَّشِيدِيّ، وسنقر الرُّومِي وَجَمَاعَة أخر؛ فأقاموا مظفر الدّين مُوسَى ابْن [الْملك] النَّاصِر يُوسُف ابْن الْملك المسعود ابْن [الْملك] الْكَامِل ابْن [الْملك] الْعَادِل بن أَيُّوب، ولقبوه بِالْملكِ الْأَشْرَف، وَكَانَ عِنْد عماته؛ فأحضروه وعمره يَوْم ذَاك عشر سِنِين. وَلم يعْزل الْمعز عَن السلطنة، بل صَار مَعَه كالأتابك، وخطب لَهما مَعًا على المنابر. وَكَانَت هَذِه الْحَرَكَة بعد سلطنة الْمعز [أَي بك هَذَا] بِخَمْسَة أَيَّام. وَلم يسع الْمعز أَي بك حِينَئِذٍ إِلَّا الإذعان لما فَعَلُوهُ خجدا شيته؛ لعظم شوكتهم. وَاسْتمرّ [الْملك] الْمعز فِي السلطنة شَرِيكا لهَذَا الصَّبِي، إِلَى أَن مهد أُمُوره وقويت شوكته وصفى لَهُ الْوَقْت عزل الصَّبِي، واستقل [هُوَ] بالسلطنة بعد أُمُور حصلت ووقائع، إِلَى أَن قتلته زَوجته شجر الدّرّ - الْمُقدم ذكرهَا - فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشْرين شهر ربيع الأول سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة.

стр. 324

وتسلطن بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور على بن أَي بك - كَمَا سَيَأْتِي ذكره -. وأيبك صَوَابه أَن يكْتب: أَي بك؛ فَإِنَّهُ اسْم مركب كأي بغا وَأي دمر. وَلَا عِبْرَة بِكِتَابَة من لَا يعرف المصطلح باللغة التركية من الْفُقَهَاء؛ فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ شَيْئا لَا يعرفونه لَا يفهمونه. [بل] وأعجب من ذَلِك أَنهم يكابرون فِي هَذَا الْأَمر، مَعَ أَنهم لَو سَأَلَهُمْ بعض الصغار: مَا معنى مَا تَقولُونَ؟ لَا يعْرفُونَ ﴿، فَهَذَا هُوَ الْحمق بِعَيْنِه. وَقد حرفوا بذلك أَسمَاء كَثِيرَة، وجعلوها فِي قالب لَا معنى لَهُ مثل: جَانِبك، وتنبك [وكلبك وَنَحْو ذَلِك. والعجيب أَنهم يَكْتُبُونَ جَانِبك: جانى بك. وماعداه مثل: جانباني، وَمثل: جَان تمر وجان غاى، وجان كلى، وجان قرا، الْجَمِيع بِلَا يَاء] . ويكتبون: جانى بك بِالْيَاءِ على هَذِه [الصُّورَة] . فَلَو سَأَلَهُمْ سَائل: مَا معنى وَجه التَّخْصِيص فِي أَن جانى بك تكْتب بِالْيَاءِ من دون هَذِه الْأَسْمَاء جَمِيعًا؟ . فلعمري مَا يكون جوابهم﴾ ؟ والجميع على صِيغَة وَاحِدَة من أَن صدر الْكَلِمَة جَان - وَهِي: الرّوح باللغة التركية - وعجزها مُخْتَلف، وكل اسْم من ذَلِك فصل يُمَيّز الرجل عَن غَيره فِي نَوعه، وَله معنى صَحِيح يُفِيد المستمع إِذا كَانَ على صيغته لَا على مَا يحرفونه هَؤُلَاءِ - إنتهى.

стр. 325

الْملك الْمَنْصُور نور الدّين، على بن [الْملك] الْمعز، عز الدّين أى بك التركماني، الصَّالِحِي النجمي. تسلطن بعد قتل أَبِيه فِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشْرين شهر ربيع الأول سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة. وَتمّ أمره فِي السلطنة. وَهُوَ الثَّانِي من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية. وَجلسَ على تخت الْملك وعمره خمس عشرَة سنة. ووزيره وَزِير أَبِيه شرف الدّين الفائزي، وَقَامَ بتدبير ملكه الْأَمِير علم الدّين سنجر الْحلَبِي؛ فَحَدَّثته نَفسه بالوثوب على الْأَمر؛ فَقبض عَلَيْهِ الْأَمِير قطز المعزي الأيبكي وخجداشيته المعزية. وَوَقع فِي أَيَّامه حروب كَثِيرَة مَعَ المماليك الصالحية مثل: بيبرس البندقداري، وخجداشيته من [المماليك] الصالحية. ثمَّ قدم فِي أَيَّامه هولاكو ملك التتار إِلَى بَغْدَاد، وَقتل الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه - حَسْبَمَا تقدم ذكره فِي ترجتمه فِي الْخُلَفَاء - وأخربت بَغْدَاد - وَقد ذكرنَا ذَلِك كُله فِي ((النُّجُوم الزاهرة)) مستوفاة -.

стр. 326

ثمَّ ملك هولاكو حلب وَالشَّام، [ثمَّ قصد التتار جِهَة] الديار المصرية. فَلَمَّا بلغ الْأَمِير قطز ذَلِك [كُله]- وَكَانَ استفحل أمره بالديار المصرية - كَلمُوهُ فِي السلطنة، وَالْقِيَام بملاقاة التتار؛ فَجمع قطز الْقُضَاة وأعيان الدولة؛ فَاجْتمع رَأْي الْجَمِيع على خلع الْملك الْمَنْصُور هَذَا من السلطنة؛ لصِغَر سنه، وَلعدم دَفعه لِلْعَدو المخذول؛ فَخلع وتسلطن قطز. وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم السبت سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة. وَكَانَت مُدَّة سلطنته سنتَيْن وَسَبْعَة أشهر وإثنتين وَعشْرين يَوْمًا، وَبَقِي معتقلا سنينا كَثِيرَة، إِلَى أَن مَاتَ. وَفِي أَيَّام [الْملك] الْمَنْصُور هَذَا فِي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة وَقع تَفْرِيط من الخدام الَّذين بحرم النَّبِي [ ﷺ ]-[فاشتعلت النَّار فِي الْحرم الشريف، واحترقت سقوفه، وَاحْتَرَقَ مِنْبَر النَّبِي [ ﷺ ]-] . ثمَّ ظهر بعد ذَلِك نَار أُخْرَى بِالْحرَّةِ - قَرِيبا من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة - وَكَانَت تخفى بِالنَّهَارِ وَتظهر بِاللَّيْلِ، يَرَاهَا النَّاس من مَسَافَة بعيدَة، وَيظْهر لَهَا دُخان عَظِيم؛ أَقَامَت [على ذَلِك] أَيَّامًا كَثِيرَة.

стр. 327

الْملك المظفر سيف الدّين، قطز بن عبد الله المعزي. الثَّالِث من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية. تسلطن بعد خلع ابْن أستاذه الْملك الْمَنْصُور على ابْن [الْملك] الْمعز أَي بك التركماني فِي يَوْم السبت سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة؛ وَذَلِكَ بعد أَن عظمت الأراجيف بقدوم التتار. وَسبب خلع [الْملك] الْمَنْصُور: كَونه كَانَ صَغِيرا لَا يدْرِي تَدْبِير الْأُمُور؛ فتسلطن قطز [الْمَذْكُور] ؛ ليقوم بِدفع التتار عَن الْبِلَاد. وَلما تسلطن أَخذ فِي تجهيز أمره لقِتَال التتار، بعد أَن استولت التتار على حلب ودمشق وأخذوهما من يَد السُّلْطَان النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف الأيوبي. ووصلت غارات التتار إِلَى غَزَّة؛ فَخرج إِلَيْهِم المظفر من الديار المصرية بعساكرها، والتقى التتار بِعَين جالوت فِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشْرين شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة، وَهَزَمَهُمْ أقبح هزيمَة، وولوا [التتار] [الأدبار] ، وأعز الله الْإِسْلَام على يَد [الْملك] المظفر هَذَا.

стр. 328

ثمَّ بعد كسرة التتار، سَار الْملك المظفر بعساكره إِلَى دمشق ومهد أمورها وَأصْلح مَا فسد من شَأْنهَا، وَأحسن للرعية، وساس النَّاس أحسن سياسة. وقطز هَذَا هُوَ أول من ملك الْبِلَاد الشامية من مُلُوك التّرْك [بديار مصر] ، وَكَانَ الشَّام جَمِيعه قبل ذَلِك مَعَ [الْملك] النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف الأيوبي وَغَيره من مُلُوك بني أَيُّوب. وَلما مهد [الْملك] المظفر أَمر الشَّام عَاد إِلَى جِهَة الديار المصرية - بعد أُمُور ذَكرنَاهَا فِي غير هَذَا الْكتاب -. وَسَار [الْملك المظفر] ، إِلَى أَن وصل إِلَى الْقصير رأى أرنبا؛ فساق [الْملك] المظفر خلف الأرنب، وسَاق وَرَاءه جمَاعَة من الْأُمَرَاء قد اتَّفقُوا على قَتله، وَكَبِيرهمْ بيبرس البندقدارى وَمَعَهُ انص [الرُّومِي وصنغلي والهاروني] [وَجَمَاعَة أخر] . فَلَمَّا دنوا مِنْهُ وَلم يبْق عِنْد قطز غَيرهم، تقدم إِلَيْهِ بيبرس [البندقدارى] ، وشفع عِنْده شَفَاعَة؛ فقبلها [الْملك] المظفر قطز؛ فَأَهوى بيبرس على يَده ليقبلها؛ فَقبض عَلَيْهَا، وَحمل عَلَيْهِ انص وضربه بِالسَّيْفِ، ثمَّ حملُوا عَلَيْهِ وقتلوه، وتركوه مَيتا، وَسَاقُوا وهم شاهرون سيوفهم، إِلَى أَن وصلوا إِلَى الدهليز السلطاني بِمَنْزِلَة الصالحية.

стр. 329

وَجلسَ بيبرس البنداقدارى على مرتبَة السلطنة وتسلطن، وَتمّ أمره؛ فَعظم على الْمُسلمين قتل [الْملك] المظفر قطز إِلَى الْغَايَة، ولعنوا قَاتله سنينا كَثِيرَة؛ لِأَنَّهُ كَانَ من خِيَار مُلُوك التّرْك، وَله الْيَد الْبَيْضَاء فِي الْقيام برد التتار واقماعهم، وطردهم عَن بِلَاد الْمُسلمين. وَكَانَ قتل [الْملك] المظفر هَذَا فِي يَوْم السبت سادس [عشر] ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة؛ فَكَانَت سلطنته على مصر سنة وَاحِدَة (إِلَّا يَوْمًا [وَاحِدًا] . وَقيل: إِلَّا عشرَة أَيَّام ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 330

الْملك الظَّاهِر ركن الدّين، بيبرس البندقدارى الصَّالِحِي النجمي. وكنيته: أَبُو الْفتُوح. تسلطن بعد قتل الْملك المظفر قطز فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة - حَسْبَمَا تقدم ذكره فِي قتل [الْملك] المظفر قطز -. وأصل [الْملك] الظَّاهِر [بيبرس] هَذَا: أَنه كَانَ تركي الْجِنْس، أَخذ من بِلَاده، وأبيع بِدِمَشْق للعماد الصَّائِغ، ثمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدكين البندقدارى -[وَبِه عرف بالبندقدارى]-. [ثمَّ لما صادر الْملك الصَّالح عَلَاء الدّين أيدكين البندقدارى] أَخذ بيبرس هَذَا مِنْهُ فِي جملَة مَا أَخذ. وَجعله من جملَة مماليكه البحرية. وَلَا زَالَ بيبرس يترقى والأقدار تساعده، إِلَى أَن ملك مصر بعد أُمُور وَقعت لَهُ ومحن، ولقب [بِالْملكِ الظَّاهِر] .

стр. 331

وَمن عَجِيب الإتفاق [أَن أستاذه] أيدكين البندقداري صَار فِي سلطنته من جملَة أمرائه. وَلما ملك [الظَّاهِر] بيبرس الديار المصرية وَتمّ أمره واستفحل أَخذ فِي الْجِهَاد، وَفتح الْبِلَاد من يَد الْعَدو؛ فَافْتتحَ غَالب بِلَاد السَّاحِل بالبلاد الشامية، ومهد الممالك، وطالت أَيَّامه وَحسنت. وَهُوَ الَّذِي استجد بِمصْر الْقُضَاة الْأَرْبَعَة. وَقد استوعبنا أُمُوره فِي عدَّة مَوَاطِن من مصنفاتنا بأطول من هَذَا. ودام [الْملك] الظَّاهِر فِي الْملك، إِلَى أَن مَاتَ بِدِمَشْق فِي يَوْم الْخَمِيس - بعد صَلَاة الظّهْر - الثَّامِن وَالْعِشْرين من محرم سنة سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة. وَملك بعده ابْنه الْملك السعيد مُحَمَّد، الْمَدْعُو ((بركَة خَان)) وَكَانَ تسلطن -[الْملك السعيد]- فِي حَيَاة أَبِيه [الْملك] الظَّاهِر. وَكَانَت مُدَّة سلطنة [الْملك] الظَّاهِر بيبرس على مصر تِسْعَة عشرَة سنة وشهرين وَنصف. وَفِي [أَيَّام الْملك الظَّاهِر هَذَا] ورد الْخَبَر من نواحي عكا أَن سبع جزائر فِي الْبَحْر خسف بهَا وبأهلها بعد أَن [أمْطرت وأدامت] سَبْعَة أَيَّام، وَهلك مِنْهُم خلق كثير.

стр. 332

الْملك السعيد نَاصِر الدّين أَبُو الْمَعَالِي، مُحَمَّد، الْمَدْعُو بركَة خَان، ابْن السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقداري، الصَّالِحِي النجمي، الْخَامِس من مُلُوك التّرْك بِمصْر. سمي بركَة خَان على اسْم جده لأمه بركَة خَان ملك التتار بن دولة خَان الْخَوَارِزْمِيّ. تسلطن [الْملك السعيد هَذَا] فِي حَيَاة أَبِيه الظَّاهِر صُورَة فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر شَوَّال سنة إثنتين وَسِتِّينَ وسِتمِائَة. وَأقَام الْملك [السعيد على ذَلِك سِنِين، وَلَيْسَ لَهُ من السلطنة إِلَّا مُجَرّد الِاسْم فَقَط، إِلَى أَن مَاتَ أَبوهُ] الظَّاهِر بِدِمَشْق فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور استبد بِالْأَمر؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِمصْر وَمَات أَبوهُ بِالشَّام؛ فَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير بيليك الخازاندار على يَد الْأَمِير بكتوت الجوكندار بِمَوْت أَبِيه؛ فأخفاه الْملك السعيد، إِلَى أَن وصلت العساكر إِلَى مصر أظهر مَوته، وَتمّ أمره فِي السلطنة. وَكَانَ مولد الْملك السعيد [هَذَا] فِي صفر سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة.

стр. 333

ودام فِي الْملك. وسافر إِلَى الْبِلَاد الشامية، [وَعَاد إِلَى الديار المصرية] . ثمَّ وَقع لَهُ أُمُور، وَخرج عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء والمماليك، وَكَبِيرهمْ حموه الْأَمِير سيف الدّين قلاوون الألفي الصَّالِحِي، وخلعوه من الْملك بعد وقائع - ذَكرنَاهَا فِي غير هَذَا الْكتاب - وسلطنوا أَخَاهُ سلامش عوضه؛ ولقبوه بِالْملكِ الْعَادِل؛ فَكَانَت مُدَّة سلطنة الْملك السعيد [هَذَا - أَعنِي] من يَوْم مَاتَ أَبوهُ - سنتَيْن وشهرين وَخَمْسَة عشر يَوْمًا. وَأعْطى الكرك بعد خلعه من السلطنة؛ فَتوجه إِلَيْهَا، ودام بهَا سِتَّة أشهر وَخَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا. وَمَات فِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة - رَحمَه الله تَعَالَى -.

стр. 334

الْملك الْعَادِل سيف الدّين، سلامش ابْن السُّلْطَان الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس [البندقدارى] ، الصَّالِحِي النجمي. تسلطن بعد خلع أَخِيه [الْملك] السعيد بركَة خَان وعمره - يَوْم تسلطن - سبع سِنِين وَنصف. وَهُوَ [السُّلْطَان] السَّادِس من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ بالديار المصرية. وَلما تسلطن وَتمّ أمره، صَار الْأَمِير سيف الدّين قلاوون الألفي الصَّالِحِي أتابكه ومدبر دولته فَلم تطل أَيَّام [الْملك] الْعَادِل [هَذَا] فِي السلطنة وخلع من الْملك بِالْملكِ الْمَنْصُور قلاوون الألفي فِي شهر رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين؛ فَكَانَت مُدَّة سلطنة الْملك الْعَادِل سلامش [هَذَا] على مصر نَحْو أَرْبَعَة أشهر، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط، وَالْأَمر كُله لقلاوون.

стр. 335

الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين أَبُو الْمَعَالِي، قلاوون الصَّالِحِي النجمي الألفي. تسلطن بعد خلع [الْملك] الْعَادِل سلامش فِي شهر رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة. وَهُوَ السَّابِع مَعَ مُلُوك التّرْك بالديار المصرية. أَصله من مماليك الْأَمِير اق سنقر الكاملي. اشْتَرَاهُ [من تاجره بِأَلف دِينَار، وَلِهَذَا كَانَ يعرف بالألفي. وَلما مَاتَ أق سنقر الْمَذْكُور اشْتَرَاهُ] الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة. وترقى بعد [موت] أستاذه الصَّالح، وَعظم فِي [دولة الظَّاهِر] بيبرس، إِلَى أَن صَار يخْطب لَهُ مَعَ السُّلْطَان [الْملك] الْعَادِل سلامش على المنابر، وَضربت السِّكَّة على وَجه باسم سلامش وعَلى وَجه باسم قلاوون. ثمَّ آل الْأَمر [إِلَيْهِ] وتسلطن - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ -. وَلما تمّ أمره فِي ملك مصر أمسك جمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم، وَاسْتعْمل مماليكه على الْبِلَاد وَأمرهمْ. وَكسر التتار فِي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة فِيمَا بَين حمص والرستن.

стр. 336

ثمَّ افْتتح عدَّة بِلَاد بالسواحل الشامية، وَقَامَ فِي أَمر الْجِهَاد والغزو أتم قيام. وَلما افْتتح المرقب فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة قَالَ [فِي الْمَعْنى] الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود بن سُلَيْمَان الْحلَبِي [القصيدة] الْمَشْهُورَة الَّتِي أَولهَا. (الله أكبر هَذَا النَّصْر وَالظفر ... هَذَا هُوَ الْفَتْح لَا مَا تزْعم السّير) وَقد أَتَيْنَا مِنْهَا أبياتا كَثِيرَة فِي تَرْجَمَة قلاوون فِي تاريخنا ((المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي)) . قلت: وَمِمَّا يدل على علو همة [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون وَحسن اعْتِقَاده عِمَارَته للبيمارستان المنصوري ببين القصرين من الْقَاهِرَة؛ فإننا لَا نعلم فِي الْإِسْلَام وَقفا على وَجه بر أعظم مِنْهُ، وَلَا أَكثر مصروفا، وَلَا أحسن شرطا. وَلَو لم يكن من محاسنه إِلَّا البيمارستان [الْمَذْكُور] لكفاه ذَلِك دنيا وَأُخْرَى. إنتهى. وَاسْتمرّ [الْملك] الْمَنْصُور على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الإجتهاد فِي الْجِهَاد، إِلَى أَن خرج من الديار المصرية قَاصِدا غَزْو عكا بالسَّاحل الشَّامي، وَنزل بِمَسْجِد

стр. 337

التِّبْن - خَارج الْقَاهِرَة - وَكَانَ مَرِيضا؛ فاشتدت علته؛ فَمَاتَ بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور فِي يَوْم السبت سادس ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة، وَحمل فِي محفة إِلَى الْقَاهِرَة من ليلته. فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء من لَيْلَة الْأَحَد أنزل بِهِ من [قلعة الْجَبَل] فِي تابوته وَبَين يَدَيْهِ الْأُمَرَاء والجند مشَاة، إِلَى أَن دفن بتربته ببين القصرين من الْقَاهِرَة بعد أَن حكم إِحْدَى عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر. وتسلطن من بعده ابْنه الْملك الْأَشْرَف خَلِيل. وَكَانَ [الْملك] الْمَنْصُور من أجل [مُلُوك التّرْك] وَأَعْظَمهَا، بلغت عدَّة مماليكه إثنا عشر ألفا. وَأعظم من هَذَا كُله أَن ملك مصر دَامَ من بعده فِي ذُريَّته ونسله، [ثمَّ فِي] يَد مماليكهم إِلَى يَوْمنَا هَذَا. وَلَا نعلم هَذَا وَقع لأحد من مُلُوك الدُّنْيَا فِي الْإِسْلَام وَغَيره. وَأَيْضًا أَن مماليكه هم الَّذين لبسوا هَذِه الكلفتات

стр. 338

[الْحمر] وغيروا تِلْكَ الملابس الشنيعة. وَقد ذكرنَا تَرْتِيب أُمُور الْأَوَائِل ولبسهم وَمَا غَيره مماليك قلاوون وقرروه من الظرائف والتجمل فِي تَرْجَمته فِي ((المنهل الصافي)) ، ثمَّ بأوسع من ذَلِك فِي تَرْجَمته [فِي] تاريخنا أَيْضا ((النُّجُوم الزاهرة فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) ؛ فَمن أَرَادَ شَيْئا من ذَلِك فَعَلَيهِ بمطالعتها، لوُجُود الْمَقْصُود فيهمَا بِزِيَادَة، إنتهى. وَكَانَت صفة الْملك الْمَنْصُور: تَامّ الشكل، مستدير اللِّحْيَة، قد وخطه الشيب، مليح الشكل، وَعَلِيهِ سكينَة ووقار. وَكَانَ منعجم اللِّسَان لَا يكَاد يفحص باللغة الْعَرَبيَّة؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَخذ من بِلَاد التّرْك وَهُوَ كَبِير. وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ أجل مُلُوك التّرْك بِلَا مدافعة ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 339

الْملك الْأَشْرَف صَلَاح الدّين، خَلِيل ابْن [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون، النجمي الصَّالِحِي الألفي. تسلطن بعد موت أَبِيه الْمَنْصُور قلاوون فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة. ومولده [فِي ذِي الْحجَّة] فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة تخمينا. فَلَمَّا تسلطن وَتمّ أمره فِي ملك مصر، افْتتح سلطنته بِالْجِهَادِ؛ وَسَار من مصر ونازل عكا حَتَّى افتتحها، وافتتح بعد ذَلِك غَالب [سواحل الشَّام، ثمَّ افْتتح قلعة الرّوم وبهسنا. وَلَو طَالَتْ أَيَّامه لأفتتح غَالب] بِلَاد الْعرَاق وَغَيره؛ لِأَنَّهُ كَانَ شجاعا مقداما، عالي الهمة، عديم النظير فِي الشجَاعَة، لَا نَعْرِف فِي مُلُوك التّرْك من يدانيه فِي الشجَاعَة والإقدام، لَا قبله وَلَا بعده، إِلَى يَوْمنَا هَذَا، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظ [أَبُو عبد الله] الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه: كَانَ بطلا شجاعا مقداما، عالي الهمة، يمْلَأ الْعين ويرجف الْقلب، رَأَيْته مَرَّات، وَكَانَ ضخما سمينا، كَبِير الْوَجْه، بديع الْجمال، مستدير اللِّحْيَة، على وَجهه رونق الْحسن، وهيبة السلطنة.

стр. 340

وَكَانَ إِلَى جوده وبذله الْأَمْوَال فِي أغراضه الْمُنْتَهى. وَكَانَ صَاحب سطوة، شَدِيد الْوَطْأَة، قوي الْبَطْش، تخافه الْمُلُوك فِي أمصارها، والوحوش العادية فِي آجامها، أباد جمَاعَة من كبار الدولة. وَكَانَ منهمكا على اللَّذَّات، لَا يعبا بالتحرز على نَفسه؛ لفرط شجاعته، وَمَا أَحْسبهُ بلغ ثَلَاثِينَ سنة، وَلَعَلَّ الله تَعَالَى قد عَفا عَنهُ. إنتهى كَلَام الذَّهَبِيّ. قلت: وَاسْتمرّ [الْملك] الْأَشْرَف فِي ملك مصر من غير مُنَازع، إِلَى أَن خرج من الْقَاهِرَة فِي أَوَائِل محرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتوجه إِلَى الْبحيرَة للصَّيْد. فَلَمَّا كَانَ بتروجة فِي يَوْم السبت ثَانِي عشر الْمحرم [سنة تَارِيخه] وَقت الْعَصْر حضر إِلَيْهِ نَائِب سلطنته الْأَمِير بيدار وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء - وَكَانَ [الْملك] الْأَشْرَف قد أمره بكره النَّهَار [الْمَذْكُور] أَن يمْضِي بالدهليز والعساكر إِلَى جِهَة الْقَاهِرَة، وَبَقِي الْأَشْرَف وأمير (شكاره يتصيدان - فأحاطوا بِهِ، وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا شهَاب الدّين [بن] الأشل أَمِير) شكار الْمَذْكُور؛ فابتدر الْأَشْرَف بيدرا وضربه بِالسَّيْفِ قطع يَده، ثمَّ ضربه حسام الدّين لاجين على كتفه حلهَا، وَصَاح لاجين على بيدرا: من يُرِيد الْملك هَذِه تكن ضَربته؛

стр. 341

فَسقط [الْملك] الْأَشْرَف عَن فرسه، وَلم يكن مَعَه سيف، بل كَانَ فِي وَسطه بند مشدود. ثمَّ جَاءَ الْأَمِير بهادر رَأس نوبَة فَأدْخل السَّيْف من أَسْفَله وَشقه إِلَى حلقه، وتركوه طريحا فِي الْبَريَّة. والتفوا على بيدار، وحلفوا لَهُ، وَمَشى تَحت العصائب السُّلْطَانِيَّة يُرِيد الْقَاهِرَة، ولقبوه بِالْملكِ الأوحد، وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة وَأصْبح يسير إِلَى الْقَاهِرَة. فَلَمَّا ارْتَفع النَّهَار إِذا بِطَلَب عَظِيم قد أقبل فِيهِ الْأَمِير كتبغا المنصوري والأمير حسام الدّين الأستادار، وَغَيرهمَا يطْلبُونَ بِدَم أستاذهم [الْملك] الْأَشْرَف؛ فَالْتَقوا مَعَ بيدرا بالطرانة؛ فانكسر بيدرا وَقتل. وحملت الأشرفية رَأس بيدرا على رمح، وعادوا إِلَى [جِهَة] الْقَاهِرَة، وَاتَّفَقُوا على سلطنة [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون؛ فتم ذَلِك، وتسلطن النَّاصِر مُحَمَّد - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -. وَكَانَت مُدَّة الْأَشْرَف ثَلَاث سِنِين وشهرين وأياما ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 342

الْملك النَّاصِر نَاصِر الدّين، أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن السُّلْطَان [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون. تسلطن بعد قتل أَخِيه [الْملك] الْأَشْرَف خَلِيل فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة. [ومولده فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة] . وَهَذِه سلطنته الأولى. وَهُوَ [السُّلْطَان] التَّاسِع من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ. وَاسْتقر نَائِبه فِي السلطنة الْأَمِير [زين الَّذين] كتبغا المنصوري. وَاسْتقر فِي الوزارة علم الدّين سنجر الشجاعي مُضَافا للأستادارية وتدبير الدولة. ثمَّ قبض [الْملك] النَّاصِر على جمَاعَة من الْأُمَرَاء الَّذين اتَّفقُوا على قتل أَخِيه [الْملك] الْأَشْرَف وهم: الْأَمِير نوغاي، والناق، والطنبغا الجمدار، وآق سنقر مَمْلُوك لاجين، وطرنطاى الساقي، وَمُحَمّد خواجا وأروس - وَكَانَ ذَلِك فِي خَامِس صفر - واختفى آق سنقر المنصوري ولاجين.

стр. 343

وَلما قبض على هَؤُلَاءِ؛ أَمر السُّلْطَان بِقطع أَيْديهم وتسميرهم؛ فسمروا وطيف بهم مَعَ رَأس بيدرا. ثمَّ أمسك كتبغا الشجاعي لما بلغه عَنهُ أَنه يُرِيد الفتك بِهِ، وَقَتله بعض أَصْحَاب كتبغا صبرا. واستبد كتبغا [من ثمَّ] بِأَمْر المملكة؛ لصِغَر سنّ الْملك النَّاصِر مُحَمَّد. ثمَّ بدا لكتبغا أَن يخلع [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ويتسلطن عوضه، وَاتفقَ مَعَ أكَابِر الْأُمَرَاء على ذَلِك؛ فوافقوه وخلعوا [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد فِي [يَوْم] الْحَادِي عشر [من] الْمحرم سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة، وسلطنوا كتبغا ولقبوه [بِالْملكِ الْعَادِل] ؛ فَكَانَت سلطنة [الْملك] النَّاصِر فِي هَذِه الْمرة نَحْو السّنة [الْوَاحِدَة] . ثمَّ جهر [الْملك] الْعَادِل كتبغا [النَّاصِر] إِلَى الكرك بعد أَن قَالَ لَهُ: لَو علمت أَنهم يخلون لَك الْملك وَالله تركته، وَلَكنهُمْ لَا يخلوه لَك، وَأَنا مملوكك ومملوك والدك، أحفظ لَك الْملك، وَأَنت الأن تروح إِلَى الكرك، إِلَى أَن تترعرع [وترتجل] وتجرب الْأُمُور وتعود إِلَى ملكك، بِشَرْط أَنَّك تُعْطِينِي دمشق، وأكون بهَا مثل صَاحب حماة. فَقَالَ لَهُ الْملك النَّاصِر: نعم؛ فاحلف لي أَنَّك تبقي عَليّ نَفسِي وَأَنا أروح؛ فَحلف كل مِنْهُمَا على مَا أَرَادَهُ الآخر.

стр. 344

وَتوجه [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد إِلَى الكرك، وَأقَام [بِهِ] ، إِلَى أَن عَاد إِلَى ملكه بعد قتل [الْملك] الْمَنْصُور (لاجين حَسْبَمَا يَأْتِي [ذكره] فِي مَحَله - إِن شَاءَ الله تَعَالَى -) .

стр. 345

الْملك الْعَادِل زين الدّين، كتبغا بن عبد الله المنصوري التركي، سُلْطَان الديار المصرية. ثمَّ بعد خلعه من السلطنة ولي نِيَابَة صرخد، ثمَّ نِيَابَة حماة، إِلَى أَن مَاتَ. تسلطن بعد خلع [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي محرم سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة. وَهُوَ الْعَاشِر من [مُلُوك التّرْك] وَأَوْلَادهمْ بالديار المصرية. وأصل كتبغا هَذَا من سبى التتار فِي وقْعَة حمص الأولى الَّتِي كَانَت فِي سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة؛ فَأَخذه الْملك الْمَنْصُور قلاوون فِي أَيَّام إمرته وَأعْتقهُ، ورقاه حَتَّى صَار فِي سلطنته من أكَابِر الْأُمَرَاء. وَاسْتمرّ على ذَلِك فِي الدولة الأشرفية خَلِيل، إِلَى أَن قتل وتسلطن أَخُوهُ [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد [ثمَّ خلع] وتسلطن كتبغا هَذَا - حَسْبَمَا تقدم ذكر ذَلِك كُله -. وَلما تمّ أَمر الْملك الْعَادِل كتبغا فِي السلطنة استناب خجداشه حسام الدّين لاجين المنصوري.

стр. 346

وَكَانَ لاجين [الْمَذْكُور] من جملَة من ساعد على قتل الْأَشْرَف [خَلِيل] ، واختفى بعد ذَلِك مُدَّة، إِلَى أَن شفع فِيهِ كتبغا وَأَعَادَهُ إِلَى رتبته. فَلَمَّا تسلطن استنابه. ثمَّ أَمر كتبغا جمَاعَة كَبِيرَة من مماليكه، ومهد أُمُور مَمْلَكَته، وساس النَّاس أحسن سياسة. ثمَّ أحب أَن يُسَافر إِلَى دمشق؛ فَخرج بالعساكر من الديار المصرية فِي سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة، وَسَار، إِلَى أَن وصل إِلَى دمشق، [وَأقَام بهَا أَيَّامًا، ثمَّ خرج إِلَى حمص لأمر بدا لَهُ، ثمَّ عَاد إِلَى دمشق] . وَجلسَ بدار الْعدْل وَحكم بَين النَّاس، وأحبه النَّاس. ثمَّ خرج من دمشق بعساكره إِلَى نَحْو الْقَاهِرَة بعد أَن ولي مَمْلُوكه أغزلو نِيَابَة الشَّام، وَسَار حَتَّى وصل إِلَى وَادي فَحْمَة، وَنزل بِهِ [بالعساكر] ؛ فعندما اسْتَقر بِهِ الْجُلُوس ركب [الْأَمِير] حسام الدّين لاجين المنصوري وَمَعَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء، وَقتل الْأَمِير بتخاص وبكتوت الْأَزْرَق - وَكَانَا جناحي كتبغا - فَلَمَّا سمع كتبغا بذلك ركب فرس النّوبَة، وسَاق إِلَى دمشق حَتَّى وَصلهَا قبل الْعَصْر فِي خَمْسَة نفر [من] خواصه وَدخل القلعة.

стр. 347

وَلما هرب كتبغا احتاط لاجين على الخزائن والجيش، وَركب تَحت العصائب السُّلْطَانِيَّة فِي دست السلطنة، وَسَار حَتَّى وصل إِلَى الْقَاهِرَة، وَجلسَ على تخت الْملك، وَتمّ أمره، ولقب [بِالْملكِ الْمَنْصُور] . وَأما كتبغا، فَإِنَّهُ اسْتمرّ مُقيما بقلعة دمشق، وَأمره فِي إدبار حَتَّى قدم الْأَمِير كجكن دمشق وَنزل بالقبيبات، وأعلن باسم الْملك الْمَنْصُور، فَسَار إِلَيْهِ أُمَرَاء دمشق، ودخلوا فِي طَاعَة [الْملك] الْمَنْصُور؛ فأذعن عِنْد ذَلِك [الْملك الْعَادِل] [كتبغا] وَسلم نَفسه؛ فاعتقلوه بقلعة دمشق؛ فَأَقَامَ بهَا، إِلَى أَن جَاءَهُ مرسوم شرِيف من [الْملك] الْمَنْصُور لاجين بنيابة صرخد؛ فَخرج من دمشق وَسَار إِلَيْهَا، وَأقَام بهَا، إِلَى أَن نَقله الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون إِلَى نِيَابَة حماة؛ فَمَاتَ بهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة - وَهُوَ يَوْم عيد الْفطر - سنة إثنتين وَسَبْعمائة. وَنقل من حماة وَدفن بتربته بِدِمَشْق بسفح قاسيون. وَكَانَت مُدَّة سلطنته على الديار المصرية سنتَيْن وَسَبْعَة عشر يَوْمًا. وَكَانَ ملكا خيرا، دينا، عَاقِلا [عادلا] ، سليم الْبَاطِن. [قلت] : وَمن سَلامَة بَاطِنه [وتغفله] أَتَى عَلَيْهِ من نَائِبه لاجين حَتَّى زَالَ ملكه.

стр. 348

الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين، لاجين بن عبد الله المنصوري. تسلطن بعد خلع [الْملك] الْعَادِل كتبغا فِي محرم سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة. وَهُوَ السُّلْطَان الْحَادِي عشر من مُلُوك التّرْك [بالديار المصرية] . وَأَصله من مماليك [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون، رقاه، إِلَى أَن ولاه نِيَابَة قلعة دمشق، ثمَّ نِيَابَة دمشق؛ فَأَقَامَ بهَا إِحْدَى عشرَة سنة، إِلَى أَن عَزله [الْملك] الْأَشْرَف خَلِيل ابْن قلاوون بالشجاعي، وَقبض عَلَيْهِ، وخنق بَين [يَدي الْملك الْأَشْرَف خَلِيل] ، ثمَّ خلى عَنهُ؛ فَإِذا بِهِ رَمق، فرق عَلَيْهِ الْأَشْرَف وَأطْلقهُ، ورده إِلَى رتبته. فَلَمَّا ثار بيدرا على الْأَشْرَف كَانَ لاجين هَذَا من جملَة من وَافقه على قَتله وساعده فِي ذَلِك - حَسْبَمَا تقدم ذكره فِي تَرْجَمَة الْأَشْرَف -.

стр. 349

ثمَّ اختفى لاجين مُدَّة طَوِيلَة، إِلَى أَن شفع فِيهِ كتبغا، وَأَعَادَهُ إِلَى رتبته نَائِبا. فَلَمَّا تسلطن كتبغا جعله نَائِب سلطنته؛ فَوَثَبَ [عَلَيْهِ] وخلعه من الْملك، وتسلطن بعد أُمُور ذَكرنَاهَا - فِيهَا طول لَا يَلِيق [ذكرهَا] بِهَذَا الْمُخْتَصر، وَمن أَرَادَ الْإِحَاطَة بهَا؛ فَعَلَيهِ بمصنفاتنا الطوَال؛ فَهِيَ هُنَاكَ [مشبعة] مستوفاة -. وَلما تمّ أَمر [الْملك] الْمَنْصُور لاجين فِي الْملك تغير [على] خجداشيته، وَخَالف مَا شرطوه عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء أمره، من أَنه: لَا يعْزل أحدا مِنْهُم، وَلَا يقدم مَمْلُوكه منكوتمر عَلَيْهِم؛ فَفعل خلاف ذَلِك، وَقدم مَمْلُوكه، وَجعله نَائِب السلطنة بالديار المصرية بعد عزل قراسنقر المنصوري؛ فَسَار منكوتمر فِي النَّاس أقبح سيرة، لاسيما لما راك [الْملك] الْمَنْصُور الْبِلَاد - أَعنِي الروك الحسامي - صَار منكوتمر [الْمَذْكُور] يزْجر الْأُمَرَاء ويخاشنهم فِي اللَّفْظ. ثمَّ حسن لأستاذه [الْمَنْصُور لاجين] مسك جمَاعَة من الْأُمَرَاء؛ فَأمْسك بيسرى وأيبك الْحَمَوِيّ وقرا سنقر فِي آخَرين.

стр. 350

وَلما تفاقم أمره هرب قبجق وبكتمر وألبكى وبزلار إِلَى ملك التتار، وأطمعوه فِي الْبِلَاد. ونفرت [مِنْهُ الْقُلُوب، وَمن] الْملك الْمَنْصُور؛ لَا لسوء سيرته، بل لِبُغْض أورثه مَمْلُوكه منكوتمر فِي قُلُوبهم. وَأَرَادَ النَّاس عود الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون إِلَى الْملك. ركب الْمَنْصُور لاجين الموكب [السلطاني] وَهُوَ صَائِم، وَتوجه إِلَى الْقصر بقلعة الْجَبَل، وَقد اتّفق عَلَيْهِ جمَاعَة من المماليك الأشرفية، ودخلوا عَلَيْهِ بعد عشَاء الْآخِرَة وَهُوَ جَالس يلْعَب [ب] الشطرنج، فَأول من دخل عَلَيْهِ الْأَمِير كرجى مقدم البرجية - وَكَانَ نوغاى السِّلَاح دَار فِي نوبَته عِنْد السُّلْطَان، وَهُوَ من جملَة المتفقين - والمنصور مكب على لعب الشطرنج، وَمَا عِنْده إِلَّا القَاضِي حسام الدّين الْحَنَفِيّ والأمير عبد الله وبريد البدوي، وأمامه محب الدّين بن الْعَسَّال. فأوهم كرجى أَنه يُرِيد إصْلَاح الشمعة؛ فأرمى الفوطة على النمجاة؛ ثمَّ قَالَ للسُّلْطَان: يَا خوند، مَا تصلي الْعشَاء؟ ! فَقَالَ: نعم، وَقَامَ ليُصَلِّي؛ فَضَربهُ كرجي بِالسَّيْفِ على كتفه، [فَطلب السُّلْطَان النمجاة؛ فَلم يجدهَا؛ فَقَامَ من هول الضَّرْبَة أمسك كرجى ورماه تَحْتَهُ] ؛ فخطف [نوغاى] النمجاة وضربه على رجله؛ فقطعها، فصاح القَاضِي؛ وانقلب السُّلْطَان على ظَهره مَيتا، ثمَّ تَرَكُوهُ وَالْقَاضِي عِنْده، وَأَغْلقُوا عَلَيْهِمَا الْبَاب.

стр. 351

وَتوجه كرجى وطغجى إِلَى منكوتمر بدار النِّيَابَة من قلعة الْجَبَل، ودقا عَلَيْهِ الْبَاب، وَقَالا لَهُ: السُّلْطَان يطلبك؛ فَأنْكر مجيئهما، وَقَالَ لَهما: قتلتماه؟ ﴿. فَقَالَ كرجى: نعم يَا مأبون، وَجِئْنَا لنقتلك؛ فَاسْتَجَارَ منكوتمر بطغجى؛ فأجاره. ثمَّ وَقع أُمُور آلت إِلَى قَتله فِي اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة؛ لأَنهم قَالُوا: نَحن مَا قتلنَا أستاذه إِلَّا من أَجله؛ فَكيف نبقيه؟﴾ . ثمَّ نهبوا دَار منكوتمر فِي الْحَال. وَاتَّفَقُوا على إِعَادَة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون إِلَى ملكه، وتحالفوا على ذَلِك، وَأَرْسلُوا لإحضاره سلار الصَّغِير. وَعمل طغجى نِيَابَة السلطنة أَرْبَعَة أَيَّام. فَلَمَّا حضر الْأَمِير عبد الله أَمِير سلَاح من غَزْوَة الشَّام قتل كرجى وطغجى وَغَيرهمَا - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ فِي [تاريخنا] ((النُّجُوم الزاهرة)) ، وَأَيْضًا فِي ((المنهل الصافي)) -. ثمَّ أرْسلُوا فِي مجئ [الْملك] النَّاصِر ثَانِيًا، إِلَى أَن حضر من الكرك، وتسلطن ثَانِي مرّة - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -. وَقتل الْملك الْمَنْصُور لاجين وَهُوَ فِي عشر الْخمسين أَو جاوزها، وَكَانَت مُدَّة أَيَّامه فِي السلطنة سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر. وَكَانَ الْمَنْصُور من أَعقل النَّاس [وَأَحْسَنهمْ] ، وأحشمهم، وأشجعهم، وَهُوَ الَّذِي عمر الْجَامِع الطولوني - خَارج الْقَاهِرَة - بَعْدَمَا كَانَ أشرف على الخراب، وأوقف عَلَيْهِ هَذِه الْأَوْقَاف الجليلة، وَهُوَ الَّذِي راك الديار المصرية - ((الروك الحسامي)) - وَهُوَ الَّذِي أبطل الثَّلج الَّذِي كَانَ ينْقل من الشَّام إِلَى مصر فِي الْبَحْر.

стр. 352

وأبطل [أَيْضا] عده مكوس. وَلم يكن لَهُ [من المساوئ] سوى تحكم مَمْلُوكه منكوتمر فِي المملكة لَا غير ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 353

سلطنة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون الثَّانِيَة قد تقدم ذكر مولده وَنسبه فِي أول سلطنته. وَلما أَن قتل [الْملك] الْمَنْصُور [حسام الدّين] لاجين اتّفق الْأُمَرَاء المصريون على سلطنته ثَانِيًا، وحلفوا لَهُ فِي غيبته، وأحضروه من الكرك وسلطنوه. وَصَارَ الْأَمِير سلار نَائِب السلطنة [وحسام الدّين لاجين الأستادار أتابكا وبيبرس الجاشنكير أستادارا والأمير] آقوش الأفرم الصَّغِير نَائِبا على دمشق. وَكَانَ عمر [الْملك] النَّاصِر يَوْم عوده إِلَى الْملك خمس عشرَة سنة. وَفِيه يَقُول الشَّيْخ عَلَاء الدّين الوداعي: (الْملك النَّاصِر قد أَقبلت ... دولته مشرقة الشَّمْس) (عَاد إِلَى كرسيه مِثْلَمَا ... عَاد سُلَيْمَان إِلَى الْكُرْسِيّ) وَاسْتمرّ [الْملك] النَّاصِر [مُحَمَّد] فِي السلطنة، وَخرج من الديار المصرية لقِتَال التتار لما حَضَرُوا إِلَى الشَّام فِي أَوَائِل سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة، وَدخل دمشق فِي ثامن شهر ربيع الأول. وعدى التتار الْفُرَات، وَخرج [الْملك] النَّاصِر بالعساكر لتلقيهم؛ فالتقاهم بوادي الخازندار - خَارج حمص - فَكَانَ بَين الْفَرِيقَيْنِ وقْعَة عَظِيمَة،

стр. 354

وَثَبت عَسْكَر الْإِسْلَام ثباتاً عَظِيما إِلَى الْعَصْر، ثمَّ تكاثر عَسْكَر التتار؛ فَانْكَسَرت ميمنة السُّلْطَان - وَكَانَ عَسْكَر السُّلْطَان يَوْمئِذٍ نَحْو عشْرين ألفا والتتار فِي نَحْو مائَة ألف - وَانْهَزَمَ السُّلْطَان، وَقتل فِي المصاف جمَاعَة من الْأُمَرَاء. وَملك قازان دمشق - مَا خلا قلعتها؛ فَإِن نائبها الْأَمِير أرجواش المنصوري قَامَ بحفظها أتم قيام -. وخطب لقازان بِدِمَشْق، وَولي قازان نِيَابَة دمشق لقبجق - الَّذِي كَانَ هرب من [لاجين المنصوري] حَسْبَمَا تقدم ذكره -. وقاست أهل دمشق شَدَائِد من التتار. وَأما الْملك النَّاصِر؛ [فَإِنَّهُ] دخل مصر بعد كَسرته، وَأنْفق فِي العساكر. وبينما هُوَ فِي ذَلِك جَاءَهُ الْخَبَر بِعُود قازان إِلَى بِلَاده. وَحضر قبجق طَائِعا؛ فوبخه السُّلْطَان وأهانه أَولا، ثمَّ رضى عَنهُ. ثمَّ عاودت التتار الْبِلَاد؛ فَخرج الْملك النَّاصِر ثَانِيًا، وواقعهم بمرج الصفر، وَهَزَمَهُمْ أقبح هزيمَة، وَقتل قطلوشاه مقدم التتار، وَجَمَاعَة كَثِيرَة من عَسْكَر التتار. وَنصر الله الْإِسْلَام. وَعَاد قازان من حلب فِي ضيق وقهر من كسر أَصْحَابه، هَذِه الكسرة القبيحة. ودقت البشائر لذَلِك أَيَّامًا، ثمَّ عَاد [الْملك] النَّاصِر إِلَى [الديار المصرية] . ودام بهَا فِي ضيق وَحجر من نَائِبه سلار وأستاذه بيبرس الجاشنكير، وَوَقع لَهُ مَعَهُمَا أُمُور فِي سِنِين كَثِيرَة.

стр. 355

ودام على ذَلِك إِلَى شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسَبْعمائة أظهر التَّوَجُّه إِلَى الْحجاز، وَخرج من الْقَاهِرَة، وَتوجه إِلَى الكرك متبرما من سلار وبيبرس، وَأعْرض عَن ملك مصر؛ فروجع فِي ذَلِك؛ فَأبى، وصمم على الْإِقَامَة بالكرك. فاتفق الْأُمَرَاء على سلطنة بيبرس الجاشنكير وسلطنوه ولقبوه [بِالْملكِ المظفر] . وَاسْتمرّ [الْملك] النَّاصِر بالكرك، إِلَى أَن تحرّك لطلب الْملك ثَالِث مرّة، وَملك [الديار المصرية]- حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره، [إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.
следующие страницы →