Полный текст (483 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَتوجه كرجى وطغجى إِلَى منكوتمر بدار النِّيَابَة من قلعة الْجَبَل، ودقا عَلَيْهِ الْبَاب، وَقَالا لَهُ: السُّلْطَان يطلبك؛ فَأنْكر مجيئهما، وَقَالَ لَهما: قتلتماه؟ ﴿. فَقَالَ كرجى: نعم يَا مأبون، وَجِئْنَا لنقتلك؛ فَاسْتَجَارَ منكوتمر بطغجى؛ فأجاره.
ثمَّ وَقع أُمُور آلت إِلَى قَتله فِي اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة؛ لأَنهم قَالُوا: نَحن مَا قتلنَا أستاذه إِلَّا من أَجله؛ فَكيف نبقيه؟﴾ .
ثمَّ نهبوا دَار منكوتمر فِي الْحَال. وَاتَّفَقُوا على إِعَادَة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون إِلَى ملكه، وتحالفوا على ذَلِك، وَأَرْسلُوا لإحضاره سلار الصَّغِير.
وَعمل طغجى نِيَابَة السلطنة أَرْبَعَة أَيَّام. فَلَمَّا حضر الْأَمِير عبد الله أَمِير سلَاح من غَزْوَة الشَّام قتل كرجى وطغجى وَغَيرهمَا - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ فِي [تاريخنا] ((النُّجُوم الزاهرة)) ، وَأَيْضًا فِي ((المنهل الصافي)) -.
ثمَّ أرْسلُوا فِي مجئ [الْملك] النَّاصِر ثَانِيًا، إِلَى أَن حضر من الكرك، وتسلطن ثَانِي مرّة - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وَقتل الْملك الْمَنْصُور لاجين وَهُوَ فِي عشر الْخمسين أَو جاوزها، وَكَانَت مُدَّة أَيَّامه فِي السلطنة سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر. وَكَانَ الْمَنْصُور من أَعقل النَّاس [وَأَحْسَنهمْ] ، وأحشمهم، وأشجعهم، وَهُوَ الَّذِي عمر الْجَامِع الطولوني - خَارج الْقَاهِرَة - بَعْدَمَا كَانَ أشرف على الخراب، وأوقف عَلَيْهِ هَذِه الْأَوْقَاف الجليلة، وَهُوَ الَّذِي راك الديار المصرية - ((الروك الحسامي)) - وَهُوَ الَّذِي أبطل الثَّلج الَّذِي كَانَ ينْقل من الشَّام إِلَى مصر فِي الْبَحْر.
стр. 352
وأبطل [أَيْضا] عده مكوس. وَلم يكن لَهُ [من المساوئ] سوى تحكم مَمْلُوكه منكوتمر فِي المملكة لَا غير ﵀ [تَعَالَى]-.
стр. 353
سلطنة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون الثَّانِيَة
قد تقدم ذكر مولده وَنسبه فِي أول سلطنته.
وَلما أَن قتل [الْملك] الْمَنْصُور [حسام الدّين] لاجين اتّفق الْأُمَرَاء المصريون على سلطنته ثَانِيًا، وحلفوا لَهُ فِي غيبته، وأحضروه من الكرك وسلطنوه. وَصَارَ الْأَمِير سلار نَائِب السلطنة [وحسام الدّين لاجين الأستادار أتابكا وبيبرس الجاشنكير أستادارا والأمير] آقوش الأفرم الصَّغِير نَائِبا على دمشق.
وَكَانَ عمر [الْملك] النَّاصِر يَوْم عوده إِلَى الْملك خمس عشرَة سنة.
وَفِيه يَقُول الشَّيْخ عَلَاء الدّين الوداعي:
(الْملك النَّاصِر قد أَقبلت ... دولته مشرقة الشَّمْس)
(عَاد إِلَى كرسيه مِثْلَمَا ... عَاد سُلَيْمَان إِلَى الْكُرْسِيّ)
وَاسْتمرّ [الْملك] النَّاصِر [مُحَمَّد] فِي السلطنة، وَخرج من الديار المصرية لقِتَال التتار لما حَضَرُوا إِلَى الشَّام فِي أَوَائِل سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة، وَدخل دمشق فِي ثامن شهر ربيع الأول.
وعدى التتار الْفُرَات، وَخرج [الْملك] النَّاصِر بالعساكر لتلقيهم؛ فالتقاهم بوادي الخازندار - خَارج حمص - فَكَانَ بَين الْفَرِيقَيْنِ وقْعَة عَظِيمَة،
стр. 354
وَثَبت عَسْكَر الْإِسْلَام ثباتاً عَظِيما إِلَى الْعَصْر، ثمَّ تكاثر عَسْكَر التتار؛ فَانْكَسَرت ميمنة السُّلْطَان - وَكَانَ عَسْكَر السُّلْطَان يَوْمئِذٍ نَحْو عشْرين ألفا والتتار فِي نَحْو مائَة ألف - وَانْهَزَمَ السُّلْطَان، وَقتل فِي المصاف جمَاعَة من الْأُمَرَاء. وَملك قازان دمشق - مَا خلا قلعتها؛ فَإِن نائبها الْأَمِير أرجواش المنصوري قَامَ بحفظها أتم قيام -.
وخطب لقازان بِدِمَشْق، وَولي قازان نِيَابَة دمشق لقبجق - الَّذِي كَانَ هرب من [لاجين المنصوري] حَسْبَمَا تقدم ذكره -.
وقاست أهل دمشق شَدَائِد من التتار.
وَأما الْملك النَّاصِر؛ [فَإِنَّهُ] دخل مصر بعد كَسرته، وَأنْفق فِي العساكر. وبينما هُوَ فِي ذَلِك جَاءَهُ الْخَبَر بِعُود قازان إِلَى بِلَاده.
وَحضر قبجق طَائِعا؛ فوبخه السُّلْطَان وأهانه أَولا، ثمَّ رضى عَنهُ. ثمَّ عاودت التتار الْبِلَاد؛ فَخرج الْملك النَّاصِر ثَانِيًا، وواقعهم بمرج الصفر، وَهَزَمَهُمْ أقبح هزيمَة، وَقتل قطلوشاه مقدم التتار، وَجَمَاعَة كَثِيرَة من عَسْكَر التتار. وَنصر الله الْإِسْلَام.
وَعَاد قازان من حلب فِي ضيق وقهر من كسر أَصْحَابه، هَذِه الكسرة القبيحة.
ودقت البشائر لذَلِك أَيَّامًا، ثمَّ عَاد [الْملك] النَّاصِر إِلَى [الديار المصرية] . ودام بهَا فِي ضيق وَحجر من نَائِبه سلار وأستاذه بيبرس الجاشنكير، وَوَقع لَهُ مَعَهُمَا أُمُور فِي سِنِين كَثِيرَة.
стр. 355
ودام على ذَلِك إِلَى شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسَبْعمائة أظهر التَّوَجُّه إِلَى الْحجاز، وَخرج من الْقَاهِرَة، وَتوجه إِلَى الكرك متبرما من سلار وبيبرس، وَأعْرض عَن ملك مصر؛ فروجع فِي ذَلِك؛ فَأبى، وصمم على الْإِقَامَة بالكرك. فاتفق الْأُمَرَاء على سلطنة بيبرس الجاشنكير وسلطنوه ولقبوه [بِالْملكِ المظفر] .
وَاسْتمرّ [الْملك] النَّاصِر بالكرك، إِلَى أَن تحرّك لطلب الْملك ثَالِث مرّة، وَملك [الديار المصرية]- حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره، [إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.
стр. 356
الْملك المظفر
ركن الدّين، [بيبرس] بن عبد الله المنصوري الجاشنكير.
تسلطن بعد خلع [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي عصر يَوْم السبت ثَالِث عشْرين شَوَّال سنة ثَمَان وَسَبْعمائة. وَقيل: فِي ذِي الْقعدَة فِي بَيت سلار.
وَركب من بَيت سلار إِلَى القلعة بخلعة السلطنة. وَتمّ أمره فِي الْملك. قيل: إِن خلعه الَّتِي خلعها على الْأُمَرَاء وَغَيرهم، فِي يَوْم سلطنته، وصلت إِلَى ألفي ومائتي خلعة.
وَاسْتقر بسلار فِي نِيَابَة السلطنة على عَادَته - على كره من سلار -.
وسارت البريدية بسلطنته إِلَى سَائِر الممالك.
وَتمّ أمره فِي الْملك، وأطاعه كل وَاحِد، لَوْلَا أَنه أَخذ فِي التَّعَرُّض إِلَى الْملك النَّاصِر مُحَمَّد [بن قلاوون] ، وَصَارَ يطْلب مِنْهُ مَا كَانَ مَعَه بالكرك من الْأَمْوَال والمماليك؛ فَأرْسل إِلَيْهِ النَّاصِر جملَة مستكثرة، وتأدب مَعَه فِي الْمُكَاتبَة، وَكتب لَهُ [مَعَ ذَلِك] : الملكي المظفري. وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يرجع عَنهُ؛ لأمر يُريدهُ الله تَعَالَى.
стр. 357
كل ذَلِك [وَالْملك النَّاصِر] يترقق لَهُ، ويعرفه أَنه لم يبْق لَهُ غَرضا فِي الْملك، وَأَنه قنع بالكرك، وَإِن لم يَدعه على حَاله وَإِلَّا توجه إِلَى بِلَاد التتار.
هَذَا مَعَ مَا تحقق [الْملك] المظفر بيبرس [من] صدق كَلَامه أَنه قَانِع بالكرك، وَلَكِن فرَاغ الرزق وَالْأَجَل لَهُ أَسبَاب.
فَلَمَّا زَاد [الْملك] المظفر بيبرس على النَّاصِر فِي طلب مَا عِنْده، وأمعن فِي ذَلِك؛ ألجأت الضَّرُورَة تحرّك [الْملك] النَّاصِر [مُحَمَّد] وَطَلَبه الْملك ثَانِيًا. وَكَاتب مماليك أَبِيه النواب بالبلاد الشامية، مَا خلا الأفرم؛ [نَائِب الشَّام] ؛ فَإِنَّهُ كَانَ من أعوان بيبرس؛ فكاتب قراسنقر نَائِب حلب، وأسندمر كرجى نَائِب طرابلس، وقبجق نَائِب حماة، وبكتمر الجوكندار نَائِب صفد وَغَيرهم، فَأَجَابُوهُ الْجَمِيع بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة.
ثمَّ وَقع أُمُور يضيق هَذَا الْمُخْتَصر عَن [إيرادها] ، وَمن أَرَادَ الْعلم بِجَمِيعِ ذَلِك؛ فَعَلَيهِ ((بالنجوم الزاهرة [فِي مُلُوك مصر والقاهرة)) إنتهى] .
قلت: وَلما أفحش [الْأَمر بَين الْملك المظفر بيبرس هَذَا وَبَين] [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون - وَهُوَ بالكرك - صَار أَمر النَّاصِر يقوى
стр. 358
وَأمر بيبرس يضعف، حَتَّى أَن بيبرس مَعَ عظم شوكته من خجداشيته ومماليكه لم يَقع بَينه وَبَين النَّاصِر مصَاف، بل جبن عَن لِقَائِه، وَصَارَ كلما جهز أحدا من العساكر توجه أعيانه إِلَى النَّاصِر.
وَخرج النَّاصِر بِجَمِيعِ النواب من الشَّام وَقصد الديار المصرية، فَلم يثبت بيبرس وتسحب من قلعة الْجَبَل، وَكَانَت الْعَامَّة تكرههُ وتميل إِلَى النَّاصِر مُحَمَّد.
وَاتفقَ فِي أَوَائِل سلطنته شراقي الْبِلَاد؛ فَقَالَت الْعَامَّة:
(سلطاننا ركين ونايبنا دقين [ ﷺ ] يجينا المَاء من أَيْن ... )
(يجيبوا لنا الْأَعْرَج يجى المَاء ويدحرج ... ) .
فَبلغ بيبرس ذَلِك؛ فشوش على جمَاعَة مِنْهُم؛ فحقدوا عَلَيْهِ.
فَلَمَّا أدبر سعده، وَنزل من القلعة، عدت الْعَامَّة خَلفه وأبادوه حَتَّى أشرف على الْهَلَاك، لَوْلَا أشغلهم بنثر الذَّهَب عَنهُ.
وَسَار بيبرس نَحْو الصَّعِيد بعد أَن خلع نَفسه من الْملك.
ثمَّ كتب إِلَى النَّاصِر يَقُول: ((الَّذِي أعرفك [بِهِ] )) أنني قد رجعت لأقلدك بغيك؛ فَإِن حبستني عددت خلْوَة، وَإِن نفيتني عددت ذَلِك سياحة، وَإِن قتلتني كَانَ ذَلِك [لي] شَهَادَة.
стр. 359
فَلَمَّا وقف النَّاصِر على كِتَابه، أَمر لَهُ بصهيون؛ ليقيم بهَا. وَسَار بيبرس من ظَاهر الْقَاهِرَة، وَلم يحضر إِلَى النَّاصِر؛ فَعظم ذَلِك على النَّاصِر وَأرْسل بمسكه؛ فَأمْسك من قريب [مَدِينَة] غَزَّة.
وأحضر بَين يَدي النَّاصِر؛ فوبخه، وَعدد لَهُ ذنُوبه ثمَّ خنقه بِوتْر بَين يَدَيْهِ حَتَّى كَاد يهْلك، ثمَّ أطلقهُ وَزَاد فِي سبه، ثمَّ خنقه ثَانِيًا، إِلَى أَن مَاتَ فِي شَوَّال سنة تسع وَسَبْعمائة.
فَكَانَت دولة بيبرس على مصر دون السّنة.
وَكَانَ ﵀ ملكا عَاقِلا ثَابتا، كثير السّكُون وَالْوَقار، جميل الصِّفَات، دبر مملكة النَّاصِر مُحَمَّد مَعَ سلار سنينا كَثِيرَة، وَحسنت سيرته.
وَهُوَ صَاحب الخانقاة دَاخل بَاب النَّصْر من الْقَاهِرَة.
وَكَانَ أَبيض أشقر، مستدير اللِّحْيَة، مليح الشيبة. وَهُوَ أول مُلُوك الجراكسة - إِن صَحَّ ذَلِك -. وَقيل: إِنَّه كَانَ تركي الْجِنْس.
قلت: والأقوى عِنْدِي أَنه كَانَ جركسيا؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين آقوش الأفرم نَائِب دمشق صداقة عَظِيمَة. وَقيل: قرَابَة. والأفرم كَانَ جركسيا؛ فعلى هَذَا يكون بيبرس [الجاشنكير] جركسيا؛ لكَونه قرَابَة الأفرم. إنتهى.
стр. 360
وَمِمَّا قيل فِي [الْملك] المظفر [بيبرس الجاشنكير هَذَا] لما تسحب [عَنهُ أَصْحَابه] وزالت دولته:
(تثنى عطف مصر حِين وافى ... قدوم النَّاصِر الْملك الْخَبِير)
(فَذَاك الجاشنكير بِلَا لِقَاء ... وَأمسى وَهُوَ ذُو جأش نَكِير)
(إِذا لم تعضد الأقدار شخصا ... فَأول مَا يراع من النظير)
стр. 361
سلطنة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد [بن قلاوون] الثَّالِثَة
قد تقدم كَيْفيَّة خلع [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد هَذَا من الْملك أَولا وَثَانِيا، وَكَيف كَانَ [ابْتِدَاء] تحركه من الكرك لطلب ملكه - أَعنِي لما صَار بيبرس الجاشنكير يُكَرر الطّلب مِنْهُ لما كَانَ مَعَه من الْأَمْوَال والمماليك [وَغَيرهَا] بالكرك -.
وَزَاد عَلَيْهِ فِي ذَلِك، حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْوُثُوب ومكاتبته لنواب الممالك؛ فكاتبهم وأطاعوه بعد أُمُور ذَكرنَاهَا فِي غير هَذَا الْمُخْتَصر.
وَلَا زَالَ أمره يَنْمُو والأقدار تساعده، إِلَى أَن سَار بِجَمِيعِ عَسَاكِر الْبِلَاد الشامية حَتَّى نزل بالريدانية - خَارج الْقَاهِرَة - فِي لَيْلَة عيد الْفطر من سنة تسع وَسَبْعمائة.
وطلع إِلَى قلعة الْجَبَل فِي اللَّيْل، وَأصْبح جلس على سَرِير الْملك، وجددت لَهُ الْبيعَة ثَالِثا.
وَهَذِه سلطنته الثَّالِثَة الَّتِي عظم أمره فِيهَا، ورتب فِيهَا هَذِه التراتيب الهائلة من أَرْبَاب الْوَظَائِف، وخدمة الإيوان وَالْقصر الأبلق، ونزول سرياقوس والميادين، وَعمر فِيهَا تِلْكَ العمائر الْعَظِيمَة من الْقُصُور، والبلاد، والجسور، والقناطر.
وَكَذَلِكَ جَمِيع مماليكه وأمرائه صَار كل مِنْهُم يعمر جِهَة، حَتَّى أَنه زيد فِي مباني الديار المصرية فِي أَيَّامه مِقْدَار نصفهَا - حَسْبَمَا بَينا ذَلِك كُله فِي ((النُّجُوم الزاهرة)) وَأَيْضًا فِي تَرْجَمته فِي تاريخنا ((المنهل الصافي)) .
стр. 362
وَلما تمّ أَمر [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد -[فِي هَذِه الْمرة]- أمسك فِي يَوْم وَاحِد ثَلَاثِينَ أَمِيرا من أَعْيَان الْأُمَرَاء، وَكَثِيرًا من غَيرهم، [ثمَّ أَمر مماليكه وَأَعْطَاهُمْ، وأغدق عَلَيْهِم، وَأقَام لَهُ شَوْكَة وحاشية عَظِيمَة] .
وَولى مَمْلُوكه تنكز الحسامي نِيَابَة الشَّام دفْعَة وَاحِدَة؛ فَأَقَامَ عَلَيْهَا [مَا يزِيد] على ثَلَاثِينَ سنة.
وطالت أَيَّام [الْملك] النَّاصِر فِي هَذِه السلطنة [الثَّالِثَة] زِيَادَة على ثَلَاثِينَ سنة - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره - وأطاعته الْبِلَاد والعباد، وَعظم أمره فِي الْملك، حَتَّى جَاوز فِي العظمة والعساكر كل ملك كَانَ قبله وَبعده إِلَى يَوْمنَا هَذَا.
قلت: وَهُوَ أجل مُلُوك مصر وأعظمهم قدرا، وأطولهم مُدَّة، وَأَحْسَنهمْ سياسة، وَأَكْثَرهم دهاء وَمَعْرِفَة، وأغزرهم عقلا، وَأَكْثَرهم هَيْبَة، وأصوبهم حدسا، وأجودهم رَأيا، وأفضلهم تدبيرا، وأضخمهم رئاسة، وأوسعهم إطلاعا فِي الْأُمُور والعواقب، وأجلدهم صبرا، وأثبتهم مصافا، وأغدقهم عَطاء، وأجلهم بركا وسلاحا، وَأَكْثَرهم مماليكا وحشما وخدما، وأقناهم خيلا وجمالا وبغالا، وأمدهم نَسْلًا وعقبا؛ فَإِنَّهُ تسلطن [بِمصْر] من وَلَده لصلبه ثَمَانِيَة نفر، وَتمّ الْملك فِي نَسْله ومماليك أَوْلَاده ومماليكهم إِلَى يَوْمنَا هَذَا، بل إِلَى أَن تَزُول دولة التّرْك.
ومصداق مَا قُلْنَاهُ: النّظر فِيمَا لَهُ من المآثر بالديار المصرية والبلاد الشامية وَغَيرهَا بِسَائِر بِلَاد الله تَعَالَى، وَفِي ذَلِك كِفَايَة لمن لَهُ عقل وذوق، وَيَكْفِي الْوَاقِف على هَذَا الْمُخْتَصر مَا ذَكرْنَاهُ من الإيجاز من محاسنه، وَلَو أردنَا الإطناب لطال الشَّرْح فِي ذَلِك وَخرج هَذَا الْمُخْتَصر عَن كَيْفيَّة المختصرات.
стр. 363
[قلت] : ودام الْملك النَّاصِر [مُحَمَّد] هَذَا فِي ملك مصر، إِلَى أَن مرض فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وَلزِمَ الْفراش، إِلَى أَن مَاتَ بقلعة الْجَبَل فِي آخر يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من ذِي الْحجَّة [الْمَذْكُورَة] من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وتسلطن بعده ابْنه [الْملك] الْمَنْصُور أَبُو بكر.
وَكَانَت مُدَّة سلطنة [الْملك] النَّاصِر هَذِه - الثَّالِثَة - على مصر تقَارب إثنتين وَثَلَاثِينَ سنة. وَلَا نعلم من طَالَتْ مدَّته من مُلُوك التّرْك بِمصْر مثل ذَلِك. إنتهى -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.
стр. 364
[الْملك] الْمَنْصُور
سيف الدّين، أَبُو بكر ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ابْن [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون.
تسلطن بعد موت أَبِيه النَّاصِر فِي صَبِيحَة يَوْم خَمِيس حادي عشْرين ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّالِث عشر من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ.
جلس على سَرِير الْملك بِعَهْد من أَبِيه.
وَكَانَ [الْملك] النَّاصِر أَحْمد [أسن] من أبي بكر [هَذَا] ، غير أَن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد [بن قلاوون] مَا اخْتَار الْملك من بعده إِلَّا إِلَى الْمَنْصُور هَذَا.
وَكَانَ الَّذِي قَامَ بِأَمْر سلطنته قوصون الناصري، وَخَالف بشتك الناصري فِي ذَلِك.
وَلما تمّ أمره فِي الْملك، حسن لَهُ طاجار الدوادار مسك قوصون؛ فَمَال لإمساكه. وَكَانَ فِي الْمجْلس بعض الخاصكية؛ فَعرف قوصون بذلك؛ فاتفق
стр. 365
قوصون مَعَ الْأَمِير أيدغمش الْأَمِير آخور وَجَمَاعَة أخر؛ فاتفقوا على خلعه من الْملك.
وَامْتنع قوصون؛ عَن حُضُور الْخدمَة [السُّلْطَانِيَّة] ؛ فَأَرَادَ السُّلْطَان الرّكُوب على قوصون؛ فخذله أيدغمش وَمنعه؛ فَكَانَ فِي ذَلِك زَوَال ملكه.
وخلع [الْملك] الْمَنْصُور هَذَا بأَخيه عَلَاء الدّين كجك، وعمره نَحْو سِتّ سِنِين؛ فَكَانَت مُدَّة ملكه شَهْرَيْن وأياما.
وَجلسَ قوصون فِي دَار النِّيَابَة، وَأخذ الْمَنْصُور هَذَا وجهزه إِلَى قوص صُحْبَة الْأَمِير بهادر بن جركتمر، وَتوجه مَعَ الْمَنْصُور أَخَوَيْهِ: يُوسُف ورمضان. ثمَّ وَقع [لَهُ] أُمُور، وَقبض قوصون على طاجار الدوادار وغرقه. وَقتل بشتك فِي حبس الأسكندرية.
وَقبض أَيْضا على جمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا حول الْملك الْمَنْصُور [هَذَا] . وَلما توجه [الْملك] الْمَنْصُور إِلَى قوص وَأقَام بهَا دس قوصون سرا فِي سنة إثنتين وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة إِلَى عبد الْمُؤمن متولى قوص بقتْله؛ فَقتله وَحمل رَأسه إِلَى قوصون فِي السِّرّ. وكتموا ذَلِك عَن النَّاس وأشاعوا مَوته.
فَلَمَّا أمسك قوصون تحققوا ذَلِك.
وَكَانَ [الْملك] الْمَنْصُور سُلْطَانا، كَرِيمًا، مُعظما، عَاقِلا، حمل إِلَيْهِ
стр. 366
فِي سلطنته مَال بشتك، وَمَال آقبغا عبد الْوَاحِد، وَمَال برسبغا؛ وَذَلِكَ مَا يُقَارب أَرْبَعَة آلَاف ألف دِرْهَم، فَوَهَبَهَا جَمِيعًا لخاصكية وَالِده، مثل: ملكتمر الْحِجَازِي صَاحب الْقصر، وَمثل ألطنبغا المارداني، ويلبغا اليحياوي وطاجار الدوادار.
وَكَانَ الْأَمِير طقز دمر الحموى الناصرى حمو الْملك الْمَنْصُور، فَلَمَّا تسلطن جعل طقزدمر نَائِب السلطنة؛ فانتظمت الْأُمُور بسلطنة الْمَنْصُور ونيابة طقز دمر أحسن نظام، وَلم يَقع فِي أَيَّامه سيف وَلَا فتْنَة، إِلَى أَن خلع ثارت الْفِتْنَة، وَأخرج طقز دمر إِلَى نِيَابَة حماة، ثمَّ قتل قوصون - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وَلما أحس النَّاس بقتل الْمَنْصُور بقوص نفرت الْقُلُوب من قوصون، وَعظم ذَلِك على النَّاس، لاسيما خاصكية وَالِده؛ فَكَانَ [ذَلِك] من أكبر الْأَسْبَاب فِي [هَلَاك قوصون] .
стр. 367
الْملك الْأَشْرَف
عَلَاء الدّين كجك ابْن السُّلْطَان [الْملك] النَّاصِر [مُحَمَّد] ابْن [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون.
تسلطن بعد خلع أَخِيه [الْملك] الْمَنْصُور أبي بكر فِي يَوْم الأثنين حادي عشْرين صفر من سنة إثنتين وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة [وعمره دون سبع سِنِين] .
وَأمه أم ولد تترية تسمى: أردو.
وَهُوَ [السُّلْطَان] الرَّابِع عشر من مُلُوك التّرْك، وَالثَّانِي من أَوْلَاد ابْن قلاوون.
واستقل قوصون بتدبير المملكة، وَجلسَ فِي دَار النِّيَابَة، وَنفذ الْأُمُور بِحَسب مَا تختاره؛ فَكَانَ إِذا حضرت الْعَلامَة يَأْخُذ قوصون الْقَلَم بِيَدِهِ ويجعله فِي يَد الْأَشْرَف [هَذَا] ؛ حَتَّى يعلم على المناشير وَغَيرهَا.
стр. 368
واضطربت أَحْوَال الديار المصرية من كَثْرَة الْخلف الْوَاقِع بَين الْأُمَرَاء وَغَيرهم. وَكثر الظُّلم، وتوقفت أَحْوَال الرّعية؛ فَقَالَ [بعض الشُّعَرَاء] فِي الْمَعْنى:
(سلطاننا الْيَوْم طِفْل والأكابر فِي ... خلف وَبينهمْ الشَّيْطَان قد نزغا)
(فَكيف يطْمع من مسته مظْلمَة ... أَن يبلغ السؤل وَالسُّلْطَان مَا بلغا)
ثمَّ تحرّك [الْملك] النَّاصِر أَحْمد ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون من الكرك فِي طلب ملك مصر؛ لِأَنَّهُ كَانَ أسن أَوْلَاد [الْملك] النَّاصِر. وتجرد إِلَيْهِ عدَّة تجاريد من الديار المصرية، وَكَانَ الفخري مقدم العساكر المصرية؛ فَخَالف هُنَاكَ على قوصون، وَمَال إِلَى [الْملك] النَّاصِر أَحْمد بالكرك.
ثمَّ خَالف على قوصون غَالب أُمَرَاء الديار المصرية، وَاتَّفَقُوا مَعَ أيدغمش على الْوُثُوب عَلَيْهِ، وَقَالُوا: هَذَا الْغَرِيب يدْخل بَيْننَا وَيقتل ابْن أستاذنا [الْملك] الْمَنْصُور بقوص ﴿﴾ .
وَقَوْلهمْ: [هَذَا] الْغَرِيب؛ يعنون: أَن قوصون كَانَ فِي خدمَة بعض التُّجَّار؛ فَرَآهُ النَّاصِر مُحَمَّد؛ فَقَالَ للتاجر: بِعني هَذَا. فَقَالَ التَّاجِر: هَذَا غير مَمْلُوك! ؛ فَقَالَ السُّلْطَان: لابد من شِرَائِهِ. وَأعْطى التَّاجِر [فِيهِ] مَالا جزيلا، وَأَخذه،
стр. 369
ورقاه حَتَّى صَار ساقيا، ثمَّ أمره، وزوجه بِإِحْدَى بَنَاته، ثمَّ صَار من أمره مَا صَار؛ وَلِهَذَا كَانَ إِذا وَقع بَين قوصون [الساقي] وبكتمر الساقي [مُنَافَسَة] يَقُول قوصون: أَنا مَا تنقلت من الإصطبلات إِلَى الإطباق، بل أَخَذَنِي السُّلْطَان من تاجري، وصرت مقربا عِنْده. إنتهى.
وَلما كثرت القالة فِي حق قوصون فِي قَتله [الْملك] الْمَنْصُور مَعَ مَا كَانَ قوصون فعله فِي الْعَامَّة؛ فَإِنَّهُ كَانَ وَقع بَينه وَبينهمْ وَحْشَة؛ فَقتل بعض الحرافيش، وَقطع أَيْديهم وسمرهم، وَسمر جمَاعَة من الخدام الطواشية [أَيْضا] ؛ فنفرت الْقُلُوب مِنْهُ.
وَأخذ قطلوبغا الفخري يُكَاتب أُمَرَاء مصر على قوصون ويحرضهم على [طَاعَة الْملك] النَّاصِر أَحْمد، ونصبه فِي [السلطنة بِمصْر] ؛ فَمَال أيدغمش إِلَى ذَلِك مَعَ من وَافقه. وَركب على قوصون وقاتله، ونادى فِي الْعَوام بِنَهْب دَار قوصون؛ فثار الْعَوام والحرافيش، ونهبوا جَمِيع مَا كَانَ فِي دَار قوصون - وَهُوَ يرى من شباك طبقته بالقلعة؛ لِأَن دَاره كَانَت الدَّار الَّتِي هِيَ الْآن تجاه بَاب السلسلة -.
стр. 370
وَصَارَ قوصون يَقُول: يَا مُسلمين! مَا تحفظون هَذَا المَال؛ إِمَّا أَن يكون لي أَو للسُّلْطَان؛ فَقَالَ [لَهُ] أيدغمش من الإصطبل السلطاني: هَذَا شكرانه للنَّاس، وَالَّذِي عنْدك فَوق من الْجَوْهَر يَكْفِي السُّلْطَان.
وَآل الْأَمر إِلَى مسك قوصون وحبسه بالأسكندرية، ثمَّ قَتله فِي شَوَّال من السّنة [الْمَذْكُورَة] .
ثمَّ خلع [الْملك] الْأَشْرَاف كجك بأَخيه [الْملك] النَّاصِر أَحْمد. ودام بقلعة الْجَبَل، إِلَى أَن مَاتَ فِي سلطنة أَخِيه [الْملك] الْكَامِل [شعْبَان]- الْآتِي ذكره -.
وَكَانَت وَفَاة الْأَشْرَف [هَذَا] فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.
стр. 371
الْملك النَّاصِر
شهَاب الدّين، أَحْمد ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون.
تسلطن بعد خلع أَخِيه الْأَشْرَف كجك فِي يَوْم الأثنين عَاشر شَوَّال سنة إثنتين وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة، بعد أَن وَقع لَهُ أُمُور وحوادث.
وَهُوَ السُّلْطَان الْخَامِس عشر من مُلُوك التّرْك بِمصْر، وَالثَّالِث من أَوْلَاد [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد قلاوون.
وَكَانَ وَالِده [الْملك النَّاصِر] أخرجه قبل بُلُوغه إِلَى الكرك؛ فدام بِهِ.
وَكَانَ مليح الشكل، صَاحب بَأْس وَقُوَّة مفرطة.
وَلما مَاتَ وَالِده [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد وتسلطن أَخُوهُ [الْملك] الْمَنْصُور بسفارة قوصون - وَكَانَ بشتك أَرَادَ سلطنته - فَمَنعه قوصون. فَلَمَّا خلع قوصون [أَخَاهُ] الْمَنْصُور طلبه إِلَى مصر ليتسلطن؛ فَامْتنعَ، وَكتب فِي الْبَاطِن إِلَى نواب الشَّام باستعفائه من الْملك؛ فرقوا لَهُ؛ وَكَتَبُوا إِلَى قوصون بالكف عَنهُ، فسلطن قوصون أَخَاهُ الْأَشْرَف كجك.
ثمَّ بدا للناصر هَذَا طلب الْملك، وَوَافَقَهُ طشتمر الساقي -[حمص أَخْضَر]- نَائِب حلب.
стр. 372
وَوَقع [لَهُ] أُمُور يطول شرحها، ذَكرنَاهَا فِي ((المنهل الصافي)) وَغَيره.
وَآخر الْأَمر، أَنه تسلطن وَملك قلعة الْجَبَل.
وَوَقع لَهُ أُمُور عَجِيبَة لَا تقع إِلَّا مِمَّن أُصِيب فِي عقله، وَمن أَرَادَ الْعلم بهَا؛ فَعَلَيهِ بترجمته فِي [تاريخنا] ((النُّجُوم الزاهرة)) ؛ فَفِيهِ من أَحْوَاله غرائب.
وَلما ملك مصر أمسك جمَاعَة من الْأُمَرَاء، وظلم وعسف. ثمَّ بدا لَهُ أَن يتْرك مصر وَيتَوَجَّهُ إِلَى الكرك؛ فَفعل ذَلِك وَسَار إِلَى الكرك وَمَعَهُ الْأَمْوَال والذخائر، وَترك الْأُمَرَاء والعساكر بِالْقَاهِرَةِ وَأقَام بالكرك؛ فاضطربت أَحْوَال الديار المصرية، وكاتبوه الْأُمَرَاء فِي الْحُضُور إِلَى مصر [مرَارًا عديدة، وَهُوَ يسوف بهم من وَقت إِلَى وَقت وَترد مكاتباته إِلَى مصر] بِخَط نَصْرَانِيّ كَانَ مقربا عِنْده يعرف بالرضى.
فَلَمَّا زَاد أمره أجمع النَّاس والأمراء على خلعه، وَإِقَامَة أَخِيه الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل؛ فخلعوه، وأجلسوا الصَّالح على تخت الْملك فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشْرين الْمحرم [من] سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة؛ فَكَانَت مُدَّة ملك النَّاصِر [هَذَا] بِالْقَاهِرَةِ والكرك دون الْأَرْبَعَة أشهر.
وعندما تسلطن [الْملك] الصَّالح أَمر بتجهيز العساكر إِلَى الكرك لمحاصرة أَخِيه [الْملك] النَّاصِر أَحْمد؛ فتوجهوا إِلَيْهِ وحاصروه؛ فَلم يقدروا عَلَيْهِ وعادوا.
ثمَّ توجه عسكرا آخر، وَطَالَ الْأَمر فِي حصاره [وتوجهت إِلَيْهِ العساكر مرَارًا كَثِيرَة.
стр. 373
ودام هَذَا الْحَال، وَطَالَ الْأَمر] ؛ حَتَّى أَنه لم يبْق بِمصْر وَالشَّام أَمِير حَتَّى تجرد إِلَى حِصَار الكرك مرّة ومرتين.
ثمَّ أَخذ أَمر [الْملك] النَّاصِر يتلاشى، وَهلك من عِنْده بالكرك من الْجُوع. وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يمل وَلَا يكل من الْقِتَال والحصار. وَنفذ مَا عِنْده من الْأَمْوَال؛ فَضرب الذَّهَب وخلط فِيهِ الْفضة والنحاس، ونفق ذَلِك فِي النَّاس؛ فَكَانَ الدِّينَار [من] نَفَقَته يُسَاوِي خَمْسَة دَرَاهِم.
وَتَمَادَى عَلَيْهِ الْأَمر، إِلَى أَن عجز وَأمْسك فِي يَوْم الأثنين - وَقت الظّهْر - ثَانِي عشْرين صفر سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وَكتب بذلك إِلَى السُّلْطَان؛ فَأرْسل [السُّلْطَان] الْأَمِير منجك اليوسفي الناصري فحز رَأسه، وَتوجه بِهِ إِلَى الْقَاهِرَة، واستراح كل وَاحِد.
стр. 374
الْملك الصَّالح
عماد الدّين أَبُو الفدا، إِسْمَاعِيل ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ابْن [الْملك الْمَنْصُور] قلاوون.
تسلطن بعد توجه أَخِيه [الْملك] النَّاصِر أَحْمد إِلَى الكرك بِاتِّفَاق الْأُمَرَاء على سلطنته فِي يَوْم الْخَمِيس (ثَانِي عشْرين محرم سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة. وَهُوَ السُّلْطَان السَّادِس عشر من مُلُوك التّرْك، وَالرَّابِع من أَوْلَاد النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون.
وَكَانَ الْقَائِم بسلطنته الْأَمِير جنكلي بن البابا. وَحلف لَهُ الْأُمَرَاء والعساكر. وَلما تمّ أمره فِي ملك مصر اسْتَقر بالأمير آقسنقر السلارى فِي نِيَابَة السلطنة بالديار المصرية - كَمَا كَانَ أَيَّام أَخِيه النَّاصِر -.
ثمَّ أمْسكهُ وَولي النِّيَابَة للأمير آل ملك، ثمَّ مَال إِلَى النِّسَاء، وَتزَوج بنت [الْأَمِير] طقزدمر نَائِب الشَّام.
وَكَانَ [الْملك] الصَّالح هَذَا يمِيل إِلَى السودَان، وحكايته مَعَ حظيته السَّوْدَاء مَشْهُورَة - ذَكرنَاهَا فِي ((النُّجُوم الزاهرة)) -.
وَكَانَ الْمُدبر لمملكته زوج أمه أرغون العلائي.
стр. 375
وَلم تطل مدَّته، وَمَات فِي الْعشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وَكَانَت مُدَّة ملكه ثَلَاث سِنِين وشهرا وَثَمَانِية عشر يَوْمًا.
وتسلطن بعده أَخُوهُ - شقيقه -[الْملك] الْكَامِل شعْبَان الْآتِي ذكره.
وَكَانَ [الْملك] الصَّالح سَاكِنا عَاقِلا، قَلِيل الشَّرّ، كثير الْخَيْر، حُلْو الْوَجْه، أَبيض بصفرة، وعَلى خَدّه شامة، وَهُوَ أصلح حَالا من جَمِيع إخْوَته؛ لِأَنَّهُ كَانَ دينا خيرا. ورتب دروسا للقضاة الْأَرْبَعَة بمدرسة جده قلاوون وَزَاد فِي أوقاف جَامع وَالِده الَّذِي بالقلعة، وَعمر أَمَاكِن بِمَكَّة، واسْمه مَكْتُوب على رِبَاط السِّدْرَة.
وَهُوَ الَّذِي أوقف الْقرْبَة بضواحي الْقَاهِرَة بالقليوبية على الْكسْوَة.
وَلما مَاتَ قَالَ فِيهِ الصّلاح الصَّفَدِي:
(مضى الصَّالح المرجو للبأس والندى ... وَمن لم يزل يلقى المنى بالمنائح)
(فيا ملك مصر كَيفَ حالك بعده ... إِذا نَحن أثنينا عَلَيْك بِصَالح)
стр. 376
الْملك الْكَامِل
زين الدّين، شعْبَان ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ابْن [الْملك الْمَنْصُور] قلاوون.
تسلطن بِعَهْد من أَخِيه [الْملك] الصَّالح إِسْمَاعِيل.
وَلما مَاتَ أَخُوهُ الصَّالح اخْتلفت الْأُمَرَاء فِيمَن يقيمونه [فِي السلطنة] ؛ فمالت طَائِفَة إِلَى أَخِيه حاجى وَطَائِفَة إِلَى شعْبَان هَذَا.
وَقَامَ بأَمْره زوج أمه أرغون العلائي. وَحدث الْأَمِير آل ملك النَّائِب فِي سلطنته؛ فَقَالَ: بِشَرْط أَنه لَا يلْعَب بالحمام؛ فَبلغ شعْبَان ذَلِك؛ فنقم عَلَيْهِ بعد أَن تسلطن؛ وَأخرجه إِلَى نِيَابَة صفد.
وَكَانَ جُلُوس [الْملك] الْكَامِل [هَذَا] على سَرِير الْملك فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وَهُوَ [السُّلْطَان] السَّابِع عشر من مُلُوك التّرْك، وَالْخَامِس من أَوْلَاد ابْن قلاوون.
وَلما تسلطن الْكَامِل [هَذَا] أَسَاءَ السِّيرَة فِي الْأُمَرَاء، وَصَارَ يخرج الإقطاعات بِالْبَدَلِ، وَعمل لذَلِك ديوانا، حَتَّى إِنَّه كَانَ يعين الْقدر فِي المناشير.
стр. 377
وَكَانَ محبا لجمع المَال، وَكَانَ شجاعا، فطنا ذكيا، لَا يخل بِالْجُلُوسِ للْخدمَة) طرفِي النَّهَار، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من اللّعب وَاللَّهْو دَائِما، وَلَو ترك ذَلِك لَكَانَ من أحسن الْمُلُوك حَالا.
وَلما تسلطن قَالَ فِيهِ الشَّيْخ جمال الدّين [مُحَمَّد] بن نباتة الْمصْرِيّ -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.
(جبين سلطاننا المرجى ... مبارك الطالع البديع)
(يَا بهجة الدَّهْر إِذْ تبدى ... هِلَال شعْبَان فِي ربيع)
وَلم تطل مُدَّة الْكَامِل [هَذَا] ، وَوَقع لَهُ مَعَ الْأُمَرَاء وَغَيرهم محن، وَاتَّفَقُوا على خلعه، وقاتلوه حَتَّى خلعوه من الْملك بأَخيه المظفر حاجى فِي يَوْم الأثنين مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة؛ فَكَانَت مُدَّة ملك شعْبَان [هَذَا] على [سلطنة] مصر سنة وَاحِدَة وَسَبْعَة عشر يَوْمًا.
قَالَ الشَّيْخ صَلَاح الدّين [خَلِيل بن أيبك] [الصَّفَدِي] فِي تَارِيخه: حكى لي سيف الدّين أسنبغا دوادار الْأَمِير أرغون شاه قَالَ: مددنا السماط على أَن يَأْكُلهُ الْملك الْكَامِل، وجهزنا طَعَام حاجى إِلَيْهِ فِي حَبسه؛ فَخرج حاجى أكل السماط، وَدخل الْكَامِل، السجْن وَأكل السماط الَّذِي كَانَ لحاجى.
وَقلت فِي واقعته:
(بَيت قلاوون سعاداته ... فِي عَاجل كَانَت بِلَا آجل)
(حل على أملاكه للردى ... دين قد اسْتَوْفَاهُ بالكامل)
стр. 378
قلت: وَلما حبس الْكَامِل كَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ. وَقتل فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة [الْمَذْكُورَة] .
وَكَانَ [صفة] الْكَامِل: أشقر، أَزْرَق الْعَينَيْنِ، محدد الْأنف، تَامّ الشكل -[رَحمَه الله تَعَالَى]-.
стр. 379
الْملك المظفر
حاجى (ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد) ابْن [الْملك] [الْمَنْصُور] قلاوون.
تسلطن بعد خلع أَخِيه الْكَامِل شعْبَان [فِي يَوْم الأثنين مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة] .
وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّامِن عشر من مُلُوك التّرْك بديار مصر، وَالسَّادِس من أَوْلَاد ابْن قلاوون.
وَكَانَ مولده فِي سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأَبوهُ فِي الْحجاز؛ فَسمى حاجى.
وَكَانَ سَبَب قتل الْكَامِل وسلطنة حاجى [هَذَا] : أَن الْكَامِل أَرَادَ قتل حاجى [هَذَا] ، وَأمر أَن تبنى عَلَيْهِ حَائِطا. وَكَانَ الْكَامِل غير محبب للنَّاس؛ فكاتبوا الْأُمَرَاء يلبغا اليحياوي نَائِب الشَّام بِخُرُوجِهِ عَن الطَّاعَة؛ فامتثل ذَلِك، وبرز إِلَى ظَاهر دمشق؛ فَاحْتَاجَ الْكَامِل لما بلغه الْخَبَر أَن يجرد لقتاله عسكرا؛ فَجهز العساكر وسيرهم.
стр. 380
فَلَمَّا خَرجُوا إِلَى الخطارة رجعُوا إِلَيْهِ، وَقد خرج الْجَمِيع عَن طَاعَته؛ فَنزل إِلَيْهِم وَقَاتلهمْ؛ فانكسر وجرح الْأَمِير أرغون العلائي فِي وَجهه، وَقبض عَلَيْهِ وَقتل - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمته -.
وَلما قبض [على] الْكَامِل اتّفق الْأَمِير ملكتمر الْحِجَازِي وآق سنقر وأرغون شاشه وشجاع الدّين أغزلو - الَّذِي جرح أرغون العلائي فِي وَجهه وأخرجوا حاجى [من الْحَبْس]- سلطنوه - حَسْبَمَا تقدم ذكره -.
وَلما تسلطن المظفر [هَذَا] انتظمت لَهُ الْأَحْوَال، وسكنت الْفِتَن، وَصفا لَهُ الْوَقْت؛ فَحسن بِبَالِهِ مسك جمَاعَة من الْأُمَرَاء؛ فَقبض على ملكتمر الْحِجَازِي - الَّذِي قَامَ بسلطنته - وعَلى جمَاعَة أخر من أكَابِر الْأُمَرَاء.
ثمَّ قبض على جمَاعَة كَثِيرَة من أَوْلَاد الْأُمَرَاء؛ فنفرت الْقُلُوب مِنْهُ. وَوَقع لَهُ مَعَ اليحياوي وَغَيره أُمُور يطول شرحها، وَقتل جمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء.
وَآل الْأَمر إِلَى خُرُوج الْأُمَرَاء بِمن مَعَهم إِلَى قبَّة النَّصْر؛ فَركب المظفر بِمن [بقى] مَعَه فِي الظَّاهِر وهم عَلَيْهِ فِي الْبَاطِن، والتقاهم [فَلم يثبت مَعَه أحد من أَصْحَابه؛ فالتقاهم] هُوَ بِنَفسِهِ؛ فطعنه الْأَمِير بيبغا أروس أَمِير مجْلِس أقلبه عَن فرسه، وضربه الْأَمِير طاز يرق بالطبر من خَلفه؛ فجرح وَجهه وأصابعه.
ثمَّ كتفوه، وأحضروه إِلَى بَين يَدي الْأَمِير أرقطاى النَّائِب؛ ليَقْتُلهُ.
стр. 381
فَلَمَّا رَآهُ نزل [عَن فرسه] [وترجل] ، وَرمى عَلَيْهِ قباءه، وَقَالَ: أعوذ بِاللَّه! هَذَا سُلْطَان ابْن سُلْطَان مَا أَقتلهُ، خذوه إِلَى القلعة؛ فَأَخَذُوهُ، وأدخلوه إِلَى تربة هُنَاكَ، وَقضى الله أمره فِيهِ، وَذَلِكَ فِي [يَوْم] ثَانِي عشر شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة؛ فَكَانَت مُدَّة ملكه سنة وَاحِدَة وَثَلَاثَة أشهر وإثني عشر يَوْمًا.
وَكَانَ [الْملك] المظفر شجاعا مقداما، ذَا قُوَّة مفرطة [وإقدام] ، وكرم، غير أَنه كَانَ عِنْده تهور ورعونة.
وَكَانَ أكبر الْأَسْبَاب فِي عَزله لعبه بالحمام.
وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول الصّلاح الصَّفَدِي:
(أَيهَا الْعَاقِل اللبيب تفكر ... فِي المليك المظفر الضرغام)
(كم تَمَادى فِي الْبَغي والغي حَتَّى ... كَانَ لعب الْحمام جد الْحمام)
وَله [أَيْضا] :
(حَان الردى للمظفر ... وَفِي التُّرَاب تعفر)
(كم قد أباد أَمِيرا ... على الْمَعَالِي توقر)
(وَقَاتل النَّفس ظلما ... ذنُوبه مَا تكفر)
стр. 382
الْملك النَّاصِر
نَاصِر الدّين، حسن ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ابْن [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون. تسلطن - بعد خلع أَخِيه المظفر حاجى وَقَتله - فِي يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر [شهر] رَمَضَان سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وَهُوَ [السُّلْطَان] التَّاسِع عشر من مُلُوك التّرْك [بالديار المصرية] ، وَالسَّابِع من أَوْلَاد ابْن قلاوون.
و [كَانَ] مولده فِي [سنة] نَيف وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة.
وَهَذِه سلطنته الأولى.
وَكَانَ إسمه قمارى، فَلَمَّا أَجْلِس على سَرِير الْملك سَمَّاهُ النَّائِب: قمارى؛ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان حسن [هَذَا] : لَا يَا عمي ﴿مَا إسمي إِلَّا حسن، مَا أَنا مَمْلُوك﴾ ! ؛ فَقَالَ النَّائِب: المرسوم مرسومك يَا خوند.
ودقت البشائر، وَتمّ أمره فِي الْملك إِلَى سنة إثنتين وَخمسين وَسَبْعمائة وَقعت الوحشة بَينه وَبَين الْأَمِير طاز الناصري.
стр. 383
وَكَانَ طاز قد عظم أمره، وَصَارَ تَدْبِير المملكة بِيَدِهِ؛ فَعِنْدَ ذَلِك قَامَ طاز [الْمَذْكُور] فِي خلع السُّلْطَان حسن هَذَا وسلطنة أَخِيه الْملك الصَّالح صَالح، حَتَّى تمّ لَهُ ذَلِك.
وَوَافَقَهُ صرغتمش وَغَيره على خلعه، وركبوا عَلَيْهِ؛ فَلم يقاتلهم [الْملك] النَّاصِر وخلع نَفسه؛ فَأخذ وَحبس بالدور من قلعة الْجَبَل، إِلَى أَن أُعِيد [للسلطنة]- حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وَكَانَ خلعه من الْملك فِي أَوَائِل شهر رَجَب من سنة إثنتين وَخمسين وَسَبْعمائة؛ فَكَانَت مُدَّة سلطنته هَذِه الْمرة على مصر ثَلَاث سِنِين وَنَحْو عشرَة أشهر.
стр. 384
الْملك الصَّالح صَالح
ابْن النَّاصِر مُحَمَّد [بن قلاوون] .
تسلطن بعد خلع أَخِيه [الْملك] النَّاصِر حسن فِي يَوْم الأثنين ثامن عشْرين جُمَادَى الْآخِرَة. وَقيل: فِي أَوَائِل رَجَب سنة إثنتين وَخمسين وَسَبْعمائة.
وَهُوَ السُّلْطَان الْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك، وَالثَّامِن من أَوْلَاد [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون.
وَأمه قطلوملك بنت الْأَمِير تنكز نَائِب الشَّام.
[و] مولده بقلعة الْجَبَل فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة.
وَلما تمّ أمره فِي السلطنة، صَار الْأَمِير طاز الناصري مُدبر مَمْلَكَته وَصَاحب الْحل وَالْعقد فِيهَا، وَلَيْسَ [للْملك الصَّالح] هَذَا مَعَه إِلَّا مُجَرّد الأسم [فِي السلطنة] فَقَط، إِلَى أَن أفرج طاز عَن شيخو [اللالا] الْعمريّ الناصري من سجن الأسكندرية.
стр. 385
بَقِي أَمر المملكة لهَؤُلَاء الثُّلَاثَاء، وهم: [الْأَمِير] شيخو [اللالا] أتابك العساكر - وَهُوَ أول [من] سمى بالأمير الْكَبِير، [ولبسها بخلعة] فَصَارَت الأتابكية وَظِيفَة من يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْمنَا هَذَا -، والأمير طاز أَمِير مجْلِس، والأمير صرغتمش رَأس نوبَة النوب.
وكل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة لَهُ حَاشِيَة وعصبية. و [كَانَ] النَّائِب يَوْم ذَاك الْأَمِير قبلاى.
وَاسْتمرّ الْأَمر على ذَلِك، إِلَى أَن وَقعت الوحشة بَين صرغتمش وطاز، وَصَارَ شيخو يصلح بَينهمَا بِكُل مَا وصلت قدرته إِلَيْهِ، وهما فِي تشاحن، والفتنة ثائرة بَينهمَا سرا، إِلَى أَن خرج الْأَمِير طاز إِلَى الصَّيْد بعد أَن اتّفق مَعَ حَاشِيَته أَنهم بعد خُرُوجه يركبون على صرغتمش فِي غيبته. كل ذَلِك حَيَاء من شيخو وإجلالا لَهُ؛ فَوَقع ذَلِك.
فَلَمَّا سمع شيخو بركوبهم أَمر مماليكه أَن يركبُوا مساعدة لصرغتمش؛ فَرَكبُوا على الْفَوْر - وَكَانُوا سَبْعمِائة مَمْلُوك - وواقعوا أَصْحَاب طاز [وكسروهم] . كل ذَلِك وطاز فِي الصَّيْد.
وَفِي الْحَال خلع الأتابك شيخو الْملك الصَّالح [صَالح] من السلطنة؛ وَأعَاد [أَخَاهُ الْملك] النَّاصِر حسن - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وَأما أَمر طاز؛ فَإِنَّهُ لما بلغه مَا وَقع من هزيمَة أَصْحَابه وخلع [الْملك] الصَّالح وإعادة [الْملك] النَّاصِر حسن، عَاد من الصَّيْد، بعد أَن طلب الْأمان من الْأَمِير شيخو؛ فَأَمنهُ وطلع بِهِ إِلَى [الْملك] النَّاصِر حسن بعد معاتبة
стр. 386
كَبِيرَة وتوبيخ، ورسم لَهُ السُّلْطَان حسن بنيابة حلب، عوضا عَن [الْأَمِير] أرغون الكاملي، إنتهى.
وَكَانَ خلع [الْملك] الصَّالح [صَالح] هَذَا فِي يَوْم الأثنين ثَانِي شَوَّال سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة.
فَكَانَت مُدَّة ملكه ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا.
وَلزِمَ [الْملك] الصَّالح [هَذَا] دَاره بقلعة الْجَبَل مكرما محتفظا بِهِ، إِلَى أَن توفى [بهَا] فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة. وَدفن بتربة عَمه [الْملك] الصَّالح عَليّ بن قلاوون، بِالْقربِ من المشهد النفيسي.
وَالْملك الصَّالح على الْمَذْكُور لم يتسلطن، وَمَات [فِي] أَيَّام أَبِيه قلاوون.
стр. 387
[سلطنة] الْملك النَّاصِر حسن الثَّانِيَة
تقدم ذكر خلعه من السلطنة وحبسه، وَأَيْضًا ذكر خلع أَخِيه [الْملك] الصَّالح صَالح من الْملك وإعادته.
وَكَانَ جُلُوسه فِي هَذِه السلطنة الثَّانِيَة فِي يَوْم الأثنين ثَانِي شَوَّال سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة.
وَتمّ أمره فِي الْملك، وَاسْتمرّ شيخو أتابكا وصرغتمش على حَاله، وهما صَاحِبي الْحل وَالْعقد فِي المملكة، و [الْملك] النَّاصِر حسن سَامِعًا لَهما مُطيعًا.
ودام الْأَمر على ذَلِك إِلَى [يَوْم] ثامن شعْبَان سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة. حضر شيخو الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة مَعَ جَمِيع الْأُمَرَاء على الْعَادة؛ فَوَثَبَ عَلَيْهِ مَمْلُوك من المماليك السُّلْطَانِيَّة يُقَال لَهُ: قطلوخجا السِّلَاح دَار، وضربه بِالسَّيْفِ ثَلَاث ضربات: فِي وَجهه، وَفِي بدنه، وَفِي ذراعه، وَهُوَ جَالس بدار الْعدْل فِي خدمَة السُّلْطَان حسن [هَذَا] ؛ فَقَامَ النَّاصِر حسن من الْمجْلس فَزعًا، وَأمْسك قطلوخجا الْمَذْكُور.
وَسقط شيخو إِلَى الأَرْض؛ فطلعت مماليكه ملبسين إِلَى القلعة، وَحَمَلُوهُ على جنوية، ونزلوا بِهِ إِلَى دَاره وَبِه رَمق؛ فخيطوا جراحاته.
وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة، وَنزل [إِلَيْهِ] السُّلْطَان حسن من الْغَد إِلَى بَيته واستعطفه، وَحلف لَهُ أَن الَّذِي جرى لم يكن لَهُ بِهِ علم.
стр. 388
وأحضر قطلوخجا [الْمَذْكُور] وَسَأَلَهُ؛ فَقَالَ: مَا أَمرنِي أحد. غير أنني قدمت لَهُ قصَّة فَمَا قضى حَاجَتي؛ فرسم السُّلْطَان بتسميره، فسمر وطيف بِهِ، ثمَّ وسط.
وَاسْتمرّ شيخو ملازما للْفراش، إِلَى أَن مَاتَ فِي سادس عشْرين ذِي الْقعدَة من سنة ثَمَان وَخمسين الْمَذْكُورَة.
وَكَانَ من أجل الْأُمَرَاء وأعظمهم، وَهُوَ صَاحب الخانقاة بالصليبة وَغَيرهَا.
[قلت] : وبموته خف الْأَمر عَن [الْملك] النَّاصِر حسن، وتحرك لَهُ السعد. وَبَقِي صرغتمش؛ فَأخذ [الْملك] النَّاصِر ينشئ لَهُ حَاشِيَة ومماليك، ورقى مملوكاه طيبغا الطَّوِيل ويلبغا الْعمريّ الَّذِي قَتله - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
(هَذَا، وَقد زَادَت عَظمَة صرغتمش بعد موت شيخو، وتضاعفت حرمته، وَانْفَرَدَ بالرئاسة فِي الْأُمَرَاء، إِلَى أَن ثقل على النَّاصِر.
وحدثته نَفسه بالوثوب على السُّلْطَان؛ بادره [الْملك] النَّاصِر بِالْقَبْضِ
стр. 389
عَلَيْهِ، ورتب مماليكه. فَلَمَّا طلع إِلَى القلعة على الْعَادة، وَأَرَادَ الدُّخُول على السُّلْطَان فِي الْخلْوَة، قَامُوا لَهُ، وأمسكوه، وأمسكوا مَعَه طشتمر القاسمي حَاجِب الْحجاب، وطيبغا الماجاري، وأزدمر، وقماري، وَجَمَاعَة من أُمَرَاء الطبلخانات.
فَلَمَّا سمع [مماليك صرغتمش] ركبُوا بِالسِّلَاحِ، وطلعوا إِلَى الرميلة؛ فَنزل إِلَيْهِم مماليك السُّلْطَان، وقاتلوهم من بكرَة النَّهَار إِلَى الْعَصْر؛ فانكسروا ونهبت دَار صرغتمش ودكاكين الصليبة، وَأمْسك جمَاعَة من الْأَعَاجِم الَّذين كَانُوا من صوفية الصرغتمشية.
ثمَّ حمل صرغتمش إِلَى سجن الأسكندرية، وَقتل بِهِ فِي ذِي الْحجَّة من سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة [الْمَذْكُورَة] .
وَمن يَوْمئِذٍ عظم أَمر [السُّلْطَان] [النَّاصِر] حسن، ورقى مماليكه، وَعمر مدرسته الْعَظِيمَة - تجاه القلعة - الَّتِي لم يعمر فِي الْإِسْلَام مثلهَا، وَأَنْشَأَ حَوَاشِيه، وَأخذ وَأعْطى، إِلَى أَن توجه إِلَى الصَّيْد بكوم بره - وَهِي بليدَة من قوى الْقَاهِرَة -.
وَكَانَ تغير خاطره على مَمْلُوكه يلبغا الْعمريّ لكَلَام بلغه عَنهُ؛ فَركب السُّلْطَان [حسن] فِي [جمَاعَة يسيرَة] من خاصكيته على أَنه يكبس على يلبغا بمخيمه.
стр. 390
وَكَانَ عِنْد يلبغا خَبرا من ذَلِك بطرِيق الدسيسة؛ فَخرج يلبغا مستعدا إِلَى قِتَاله؛ فَلم يقدر السُّلْطَان [حسن] عَلَيْهِ، وانكسر مِنْهُ، وهرب فِي [طَائِفَة قَليلَة] . وعدى النّيل، إِلَى أَن طلع القلعة فِي ليلته - وَهِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع جُمَادَى الأولى سنة إثنتين وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة، فَتَبِعَهُ يلبغا وعدى النّيل، فاعترضه ابْن المحسني - أحد مقدمي الألوف - وَمَعَهُ قشتمر المنصوري وواقعه؛ فانكسر يلبغا مرَّتَيْنِ - كل ذَلِك قبل أَن يمْضِي من اللَّيْل ثلثه -.
وَكَانَ يلبغا فِي جمع موفور؛ فَلَمَّا عجز عَن ابْن المحسني أرسل إِلَيْهِ يعده بِكُل خير إِن تنحى من طَرِيقه؛ فَفعل لَهُ ابْن المحسني ذَلِك لما علم [من زَوَال] دولة النَّاصِر حسن؛ فَسَار يلبغا إِلَى جِهَة القلعة.
وَكَانَ [الْملك] النَّاصِر ألبس مماليكه المقيمين بالقلعة؛ فَلم يجد لَهُم خيولا، لِأَن الْخَيل كَانَت [بأجمعها] فِي الرّبيع؛ فضاقت حيلته.
فَلَمَّا سبح [المسبح] ركب السُّلْطَان حسن وَمَعَهُ أيدمر الدوادار ولبسا لبس الْعَرَب؛ ليتوجها إِلَى الشَّام، فلقيهما بعض المماليك؛ فقبضوهما وأحضروهما إِلَى بَيت الْأَمِير شهَاب الدّين الأزكشي أستادار الْعَالِيَة، فَأَخذهُمَا وَتوجه بهما إِلَى عِنْد يلبغا؛ فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بالسلطان حسن ﵀ [تَعَالَى]-.
следующие страницы →