Полный текст (483 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
كَبِيرَة وتوبيخ، ورسم لَهُ السُّلْطَان حسن بنيابة حلب، عوضا عَن [الْأَمِير] أرغون الكاملي، إنتهى.
وَكَانَ خلع [الْملك] الصَّالح [صَالح] هَذَا فِي يَوْم الأثنين ثَانِي شَوَّال سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة.
فَكَانَت مُدَّة ملكه ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا.
وَلزِمَ [الْملك] الصَّالح [هَذَا] دَاره بقلعة الْجَبَل مكرما محتفظا بِهِ، إِلَى أَن توفى [بهَا] فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة. وَدفن بتربة عَمه [الْملك] الصَّالح عَليّ بن قلاوون، بِالْقربِ من المشهد النفيسي.
وَالْملك الصَّالح على الْمَذْكُور لم يتسلطن، وَمَات [فِي] أَيَّام أَبِيه قلاوون.
стр. 387
[سلطنة] الْملك النَّاصِر حسن الثَّانِيَة
تقدم ذكر خلعه من السلطنة وحبسه، وَأَيْضًا ذكر خلع أَخِيه [الْملك] الصَّالح صَالح من الْملك وإعادته.
وَكَانَ جُلُوسه فِي هَذِه السلطنة الثَّانِيَة فِي يَوْم الأثنين ثَانِي شَوَّال سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة.
وَتمّ أمره فِي الْملك، وَاسْتمرّ شيخو أتابكا وصرغتمش على حَاله، وهما صَاحِبي الْحل وَالْعقد فِي المملكة، و [الْملك] النَّاصِر حسن سَامِعًا لَهما مُطيعًا.
ودام الْأَمر على ذَلِك إِلَى [يَوْم] ثامن شعْبَان سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة. حضر شيخو الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة مَعَ جَمِيع الْأُمَرَاء على الْعَادة؛ فَوَثَبَ عَلَيْهِ مَمْلُوك من المماليك السُّلْطَانِيَّة يُقَال لَهُ: قطلوخجا السِّلَاح دَار، وضربه بِالسَّيْفِ ثَلَاث ضربات: فِي وَجهه، وَفِي بدنه، وَفِي ذراعه، وَهُوَ جَالس بدار الْعدْل فِي خدمَة السُّلْطَان حسن [هَذَا] ؛ فَقَامَ النَّاصِر حسن من الْمجْلس فَزعًا، وَأمْسك قطلوخجا الْمَذْكُور.
وَسقط شيخو إِلَى الأَرْض؛ فطلعت مماليكه ملبسين إِلَى القلعة، وَحَمَلُوهُ على جنوية، ونزلوا بِهِ إِلَى دَاره وَبِه رَمق؛ فخيطوا جراحاته.
وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة، وَنزل [إِلَيْهِ] السُّلْطَان حسن من الْغَد إِلَى بَيته واستعطفه، وَحلف لَهُ أَن الَّذِي جرى لم يكن لَهُ بِهِ علم.
стр. 388
وأحضر قطلوخجا [الْمَذْكُور] وَسَأَلَهُ؛ فَقَالَ: مَا أَمرنِي أحد. غير أنني قدمت لَهُ قصَّة فَمَا قضى حَاجَتي؛ فرسم السُّلْطَان بتسميره، فسمر وطيف بِهِ، ثمَّ وسط.
وَاسْتمرّ شيخو ملازما للْفراش، إِلَى أَن مَاتَ فِي سادس عشْرين ذِي الْقعدَة من سنة ثَمَان وَخمسين الْمَذْكُورَة.
وَكَانَ من أجل الْأُمَرَاء وأعظمهم، وَهُوَ صَاحب الخانقاة بالصليبة وَغَيرهَا.
[قلت] : وبموته خف الْأَمر عَن [الْملك] النَّاصِر حسن، وتحرك لَهُ السعد. وَبَقِي صرغتمش؛ فَأخذ [الْملك] النَّاصِر ينشئ لَهُ حَاشِيَة ومماليك، ورقى مملوكاه طيبغا الطَّوِيل ويلبغا الْعمريّ الَّذِي قَتله - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
(هَذَا، وَقد زَادَت عَظمَة صرغتمش بعد موت شيخو، وتضاعفت حرمته، وَانْفَرَدَ بالرئاسة فِي الْأُمَرَاء، إِلَى أَن ثقل على النَّاصِر.
وحدثته نَفسه بالوثوب على السُّلْطَان؛ بادره [الْملك] النَّاصِر بِالْقَبْضِ
стр. 389
عَلَيْهِ، ورتب مماليكه. فَلَمَّا طلع إِلَى القلعة على الْعَادة، وَأَرَادَ الدُّخُول على السُّلْطَان فِي الْخلْوَة، قَامُوا لَهُ، وأمسكوه، وأمسكوا مَعَه طشتمر القاسمي حَاجِب الْحجاب، وطيبغا الماجاري، وأزدمر، وقماري، وَجَمَاعَة من أُمَرَاء الطبلخانات.
فَلَمَّا سمع [مماليك صرغتمش] ركبُوا بِالسِّلَاحِ، وطلعوا إِلَى الرميلة؛ فَنزل إِلَيْهِم مماليك السُّلْطَان، وقاتلوهم من بكرَة النَّهَار إِلَى الْعَصْر؛ فانكسروا ونهبت دَار صرغتمش ودكاكين الصليبة، وَأمْسك جمَاعَة من الْأَعَاجِم الَّذين كَانُوا من صوفية الصرغتمشية.
ثمَّ حمل صرغتمش إِلَى سجن الأسكندرية، وَقتل بِهِ فِي ذِي الْحجَّة من سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة [الْمَذْكُورَة] .
وَمن يَوْمئِذٍ عظم أَمر [السُّلْطَان] [النَّاصِر] حسن، ورقى مماليكه، وَعمر مدرسته الْعَظِيمَة - تجاه القلعة - الَّتِي لم يعمر فِي الْإِسْلَام مثلهَا، وَأَنْشَأَ حَوَاشِيه، وَأخذ وَأعْطى، إِلَى أَن توجه إِلَى الصَّيْد بكوم بره - وَهِي بليدَة من قوى الْقَاهِرَة -.
وَكَانَ تغير خاطره على مَمْلُوكه يلبغا الْعمريّ لكَلَام بلغه عَنهُ؛ فَركب السُّلْطَان [حسن] فِي [جمَاعَة يسيرَة] من خاصكيته على أَنه يكبس على يلبغا بمخيمه.
стр. 390
وَكَانَ عِنْد يلبغا خَبرا من ذَلِك بطرِيق الدسيسة؛ فَخرج يلبغا مستعدا إِلَى قِتَاله؛ فَلم يقدر السُّلْطَان [حسن] عَلَيْهِ، وانكسر مِنْهُ، وهرب فِي [طَائِفَة قَليلَة] . وعدى النّيل، إِلَى أَن طلع القلعة فِي ليلته - وَهِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع جُمَادَى الأولى سنة إثنتين وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة، فَتَبِعَهُ يلبغا وعدى النّيل، فاعترضه ابْن المحسني - أحد مقدمي الألوف - وَمَعَهُ قشتمر المنصوري وواقعه؛ فانكسر يلبغا مرَّتَيْنِ - كل ذَلِك قبل أَن يمْضِي من اللَّيْل ثلثه -.
وَكَانَ يلبغا فِي جمع موفور؛ فَلَمَّا عجز عَن ابْن المحسني أرسل إِلَيْهِ يعده بِكُل خير إِن تنحى من طَرِيقه؛ فَفعل لَهُ ابْن المحسني ذَلِك لما علم [من زَوَال] دولة النَّاصِر حسن؛ فَسَار يلبغا إِلَى جِهَة القلعة.
وَكَانَ [الْملك] النَّاصِر ألبس مماليكه المقيمين بالقلعة؛ فَلم يجد لَهُم خيولا، لِأَن الْخَيل كَانَت [بأجمعها] فِي الرّبيع؛ فضاقت حيلته.
فَلَمَّا سبح [المسبح] ركب السُّلْطَان حسن وَمَعَهُ أيدمر الدوادار ولبسا لبس الْعَرَب؛ ليتوجها إِلَى الشَّام، فلقيهما بعض المماليك؛ فقبضوهما وأحضروهما إِلَى بَيت الْأَمِير شهَاب الدّين الأزكشي أستادار الْعَالِيَة، فَأَخذهُمَا وَتوجه بهما إِلَى عِنْد يلبغا؛ فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بالسلطان حسن ﵀ [تَعَالَى]-.
стр. 391
وَكَانَت مُدَّة الْملك النَّاصِر حسن - فِي هَذِه السلطنة الثَّانِيَة - سِتّ سِنِين وَسَبْعَة أشهر.
وَقد تقدم تَارِيخ وَفَاته عِنْد ركُوبه على يلبغا الْمَذْكُور.
وسلطن يلبغا من بعده [الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن الْملك المظفر حاجى ابْن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون] .
стр. 392
الْملك الْمَنْصُور
مُحَمَّد ابْن [الْملك] المظفر حاجى ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ابْن [الْملك] الْمَنْصُور قلاوون.
تسلطن بعد قتل عَمه [الْملك] النَّاصِر حسن فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع جُمَادَى الأولى سنة إثنتين وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة.
وَكَانَ الْقَائِم بأَمْره الْأَمِير يلبغا الْعمريّ الناصري. وَكَانَ عمر الْمَنْصُور [يَوْم ذَاك] أَربع عشرَة سنة.
وَصَارَ يلبغا [الْمَذْكُور] مُدبر مَمْلَكَته، ويشاركه فِي ذَلِك خجداشه طيبغا الطَّوِيل.
والمنصور هَذَا هُوَ [السُّلْطَان] الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية.
و [عِنْدَمَا] اسْتَقر الْملك الْمَنْصُور فِي السلطنة خرج الْأَمِير بيدمر الْخَوَارِزْمِيّ نَائِب الشَّام عَن الطَّاعَة؛ فَجهز يلبغا الْعمريّ السُّلْطَان وَخرج بِهِ إِلَى الْبِلَاد الشامية؛ لقِتَال بيدمر الْمَذْكُور فِي السّنة الْمَذْكُورَة.
فَلَمَّا وصل السُّلْطَان إِلَى الشَّام أَخذ بيدمر صلحا وَعَاد بِهِ إِلَى الديار المصرية.
стр. 393
وَاسْتمرّ [الْملك] الْمَنْصُور فِي السلطنة، وَعظم أَمر يلبغا حَتَّى صَار جَمِيع أُمُور المملكة تَحت حكمه - لاسيما لما أخرج طيبغا الطَّوِيل إِلَى نِيَابَة حلب قهرا [فِي الدولة الأشرفية شعْبَان]- فاستبد عِنْد ذَلِك بِجَمِيعِ الْأُمُور.
وَاسْتمرّ [الْملك] الْمَنْصُور فِي السلطنة، إِلَى أَن بدا مِنْهُ أُمُور استوحش مِنْهَا يلبغا؛ فخلعه بِابْن عَمه [الْملك] الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر شعْبَان سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة.
وَلزِمَ الْمَنْصُور هَذَا دَاره بقلعة الْجَبَل، إِلَى أَن توفى لَيْلَة السبت تَاسِع محرم سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة وَقد أناف على [خمسين سنة] .
وَدفن بتربة جدته أم أَبِيه بالروضة - خَارج الْبَاب المحروق - من الْقَاهِرَة؛ فَكَانَت مُدَّة سلطنته على مصر سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام، لم يكن لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط.
وَلما مَاتَ خلف عدَّة أَوْلَاد - رجَالًا وَنسَاء -، تزوج الْوَالِد بِإِحْدَى بَنَاته فِي حَيَاته، وَمَاتَتْ تَحْتَهُ فِي سنة أَربع وَثَمَانمِائَة.
وَكَانَ الْملك الْمَنْصُور محبا للطرب وَاللَّهْو، رَاضِيا بالعيش الطّيب الرغد، فَكَأَن (لِسَان حَاله يَقُول) [كَقَوْل من قَالَ] :
(خل الْمُلُوك تسطوا بِالْملكِ وَالسِّلَاح ... إِنِّي رضيت مِنْهُم بِالرَّاحِ والملاح)
وَكَانَ للمنصور جواري مغاني - جوقة كَامِلَة نَحْو الْعشْرَة - يعرفن بمغاني الْمَنْصُور، استخدمهن الْوَالِد بعد موت الْمَنْصُور.
стр. 394
وَكَانَت هَذِه عَادَة تِلْكَ الْمُلُوك السَّابِقَة، يكون لَهُم المغاني من الْجَوَارِي وَغَيرهم، وَآخر من فعل ذَلِك الْأَمِير مَحْمُود الأستادار فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة برقوق، ثمَّ فِي الدولة المؤيدية شيخ الأتابك ألطنبغا القرمشي.
ثمَّ بَطل ذَلِك مَعَ مَا بَطل من محَاسِن المملكة) وترتيبها لما ولى الْأُمُور غير أَهلهَا؛ فَذهب لذَلِك فنون كَثِيرَة وعلوم جمة، وانحط قدر أَرْبَاب الكمالات من كل علم [وفن] .
وَللَّه در المتنبي، حَيْثُ قَالَ:
(أَتَى الزَّمَان بنوه فِي شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الْهَرم)
.
стр. 395
الْملك الْأَشْرَف
شعْبَان ابْن الْأَمِير حُسَيْن ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون.
جلس على سَرِير الْملك بعد خلع ابْن عَمه [الْملك] الْمَنْصُور [مُحَمَّد] فِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر شعْبَان سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وعمره عشر سِنِين.
وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه الأتابك يلبغا على الْعَادة.
والأشرف هَذَا هُوَ [السُّلْطَان] الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية، وَهُوَ مَعَ يلبغا آلَة فِي السلطنة، وَجَمِيع أُمُور المملكة بيد يلبغا ويشاركه فِي ذَلِك طيبغا الطَّوِيل.
ثمَّ ثقل طيبغا [الطَّوِيل] على يلبغا، فَمَا زَالَ يلبغا بِهِ حَتَّى ظفر بِهِ وأمسكه.
واستبد عِنْد ذَلِك بِجَمِيعِ أُمُور المملكة، وَعظم أمره حَتَّى تجَاوز الْحَد.
وَضرب سَابق الدّين مِثْقَال مقدم الماليك السُّلْطَانِيَّة دَاخل الْقصر سِتّمائَة عصاة.
стр. 396
وَكَانَ يلبغا سيء الْخلق، بذئ اللِّسَان. فَلَمَّا زَاد أمره فِي الظُّلم أضمر مماليكه [لَهُ] السوء، وَاتَّفَقُوا على قَتله.
وَاتفقَ أَن يلبغا عدى بِالْملكِ الْأَشْرَف إِلَى [بر] الجيزة؛ فثارت عَلَيْهِ مماليكه هُنَاكَ؛ فهرب يلبغا مِنْهُم وعدى النّيل، فانضمت مماليكه على الْأَشْرَف، وندبوه لقِتَال يلبغا؛ فوافقهم بعد أُمُور.
وقاتلوا يلبغا نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام [ويلبغا] بِجَزِيرَة أروى - الْمَعْرُوفَة بالجزيرة الْوُسْطَى - والأشرف ببولاق التكروري بِالْبرِّ الغربي.
وسلطن يلبغا آنوك بن حُسَيْن؛ فَلم يتم لَهُ ذَلِك، وَانْهَزَمَ وَقتل. وانتصر الْأَشْرَف - حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ مفصلا فِي عدَّة أَمَاكِن من مصنفاتنا [المطولات]-.
وَلما انتصر الْأَشْرَف أَخْلَع على أسندمر بالأتابكية؛ فَأَرَادَ أسندمر أَن يسير على سير يلبغا بعد أَن سكن بالكبش؛ فَلم يُوَافقهُ الْأَشْرَف على ذَلِك؛ فَأَرَادَ أسندمر خلع الْأَشْرَف، وَركب عَلَيْهِ؛ فانكسر بعد أُمُور طَوِيلَة، ومسك أسندمر وَحبس.
стр. 397
وَفِي هَذَا الْمَعْنى يَقُول [الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد] بن الْعَطَّار:
(هِلَال شعْبَان [جَهرا] لَاحَ فِي صفر ... بالنصر حَتَّى أرى عيدا بشعبان)
(وَأهل كَبْش كَأَهل الْفِيل قد أخذُوا ... رغما وَمَا انتطحت فِي الْكَبْش شَاتَان)
[قلت] : وَمن يَوْمئِذٍ استبد [الْملك] الْأَشْرَف بتدبير الْأُمُور، وَعظم وضخم، وَأَنْشَأَ المماليك الْكَثِيرَة، وَحسنت أَيَّامه حَتَّى [صَار] يضْرب بأيامه الْمثل.
وَاسْتمرّ على ذَلِك، إِلَى أَن تجهز إِلَى الْحَج فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة، وَخرج [طلبه] من الْقَاهِرَة يتجمل زَائِد إِلَى الْغَايَة فِي يَوْم الْأَحَد ثَالِث عشر شَوَّال من السّنة - وَقد ذكرنَا كَيْفيَّة خُرُوجه، وَحسن طلبه، وتجمله فِي ((النُّجُوم الزاهرة)) [وَغَيره؛ فَلْينْظر هُنَاكَ] .
ثمَّ خرج [الْملك] الْأَشْرَف فِي يَوْم الأثنين رَابِع عشره بأبهة عَظِيمَة، وَسَار حَتَّى نزل بسرياقوس؛ وأخلع بهَا على الشَّيْخ ضِيَاء الدّين القرمي باستقراره فِي مشيخة خانقاته الَّتِي أَنْشَأَهَا [الْأَشْرَف هَذَا] بالصوة.
стр. 398
وَكَانَت هَذِه الْمدرسَة من محَاسِن مباني الدُّنْيَا - وَقد هدمت [هَذِه الْمدرسَة] فِي الدولة الناصرية فرج بن برقوق.
ثمَّ سَار الْأَشْرَف من سرياقوس وَنزل بركَة الْحجَّاج؛ فَأَقَامَ بهَا إِلَى يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشْرين شَوَّال، وَركب مِنْهَا بِمن مَعَه من العساكر مُتَوَجها إِلَى الْحجاز. وَكَانَ مَعَه من الْأُمَرَاء المقدمين تِسْعَة، وَمن [أُمَرَاء] الطبلخانات خَمْسَة وَعِشْرُونَ نَفرا، وَمن العشرات خَمْسَة عشر أَمِيرا.
وَجعل النَّائِب بِمصْر آقتمر عبد الْغَنِيّ، وَجعل بالقلعة أيدمر الشمسي. وَضبط أُمُور [الديار المصرية] إِلَى الْغَايَة، والمقادير تجْرِي بِخِلَاف مَا فعل.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت ثَانِي ذِي الْقعدَة طشتمر اللفاف، وقرطاى، وأينبك البدري، [وَعصى الْجَمِيع وَمَعَهُمْ] جمَاعَة كَثِيرَة.
والجميع عشرات وأجناد، [وَلم يكن] فيهم [أَمِير] طبلخاناه غير أينبك [الْمَذْكُور] .
[وَعصى الْجَمِيع] ، وَوَقع لَهُم أُمُور حَتَّى ملكوا القلعة، وخلعوا [الْملك] الْأَشْرَف، وسلطنوا وَلَده أَمِير على، وَزَعَمُوا أَن الْأَشْرَف مَاتَ بِالْعقبَةِ.
стр. 399
وَمن الْغَرِيب الأتفاق أَنه وَافق ركوبهم هُنَا خُرُوج من كَانَ مَعَ الْأَشْرَف عَلَيْهِ بعقبة أَيْلَة وانهزام الْأَشْرَف مِنْهُم، وَعوده إِلَى الْقَاهِرَة، واختفائه بقبة النَّصْر فِي تربة؛ فَبلغ خَبره الأمرء الَّذين خَرجُوا بالديار المصرية، ومسكوا شخصا من حَوَاشِي الْأَشْرَف وقرروه؛ فدلهم على مَكَانَهُ بقبة النَّصْر.
وَكَانَ الْأَشْرَف لما رَجَعَ من الْعقبَة كَانَ بِصُحْبَتِهِ من الْأُمَرَاء المقدمين صرغتمش الأشرفي، وبشتك الأشرفي، وأرغون شاه الأشرفي، ويلبغا الناصري اليلبغاوي - صَاحب الْوَقْعَة مَعَ برقوق الْآتِي ذكرهَا -. وَسَار بهم حَتَّى وافى قبَّة النَّصْر - خَارج الْقَاهِرَة - فَبَلغهُ مَا وَقع بالديار المصرية؛ فتحير فِي أمره ثمَّ خَافَ على نَفسه؛ فَتوجه هُوَ ويلبغا الناصري واختفيا عِنْد أستادار يلبغا الناصري. ثمَّ خَافَ الْأَشْرَف، وَفَارق يلبغا [الناصري] ، وَتوجه إِلَى عِنْد إمرأة تسمى: آمِنَة، واختفى عِنْدهَا.
وَأما الْأُمَرَاء المصريون؛ فَإِنَّهُم أرْسلُوا جمَاعَة بالكبس على الْأَشْرَف بقبة النَّصْر؛ فأمسكوا الْأُمَرَاء الْمُقدم ذكرهم، وقتلوهم، وحزوا رُءُوسهم، وَلم يَجدوا الْأَشْرَف؛ فَبينا هم فِي ذَلِك نم إِلَيْهِم شخص، وعرفهم مَكَان الْأَشْرَف؛ فتوجهوا إِلَيْهِ ومسكوه، وعاقبوه، ثمَّ قَتَلُوهُ - بعد أُمُور ذَكرنَاهَا فِي غير هَذَا الْمُخْتَصر -.
стр. 400
وَكَانَ قَتله فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء خَامِس ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة.
وتسلطن [من] بعده وَلَده الْملك الْمَنْصُور [على] آلَة.
وَوَقع [من بعده] أُمُور وَفتن سنينا كَثِيرَة، إِلَى أَن ملك برقوق الديار المصرية - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره -.
وَكَانَ الْملك الْأَشْرَف من محَاسِن الدُّنْيَا؛ كَانَ ملكا جَلِيلًا، عَارِفًا، عَاقِلا، شجاعا مقداما، كَرِيمًا، هينا لينًا، محببا للرعية.
قيل: إِنَّه لم يل [الْملك] فِي الدولة التركية أحلم مِنْهُ، وَلَا أحسن خلقا وخلقا. وَكَانَ محبا للْعُلَمَاء والفقراء وَأهل الْخَيْر، مقتديا بالأمور الشَّرْعِيَّة، وأبطل فِي سلطنته عدَّة مكوس. وَكَانَ محسنا لإخوته وَأَوْلَاد عَمه وأقاربه.
قلت: ومحاسن الْأَشْرَف كَثِيرَة، يضيق هَذَا الْمُخْتَصر عَن ذكرهَا، وَمن أَرَادَ معرفَة أَحْوَاله؛ فَعَلَيهِ [بتاريخنا ((المنهل الصافي)) ، وأوسع مِنْهُ لاسيما فِي تراجم مُلُوك مصر - ((النُّجُوم الزاهرة)) ] . إنتهى.
стр. 401
الْملك الْمَنْصُور
على ابْن [الْملك] الْأَشْرَف شعْبَان ابْن الْأَمِير حُسَيْن - وَكَانَ حُسَيْن يلقب بالأمجد، غير أَنه لم يتسلطن - ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون.
تسلطن بعد خلع وَالِده الْأَشْرَف فِي حَيَاته.
نَصبه الْأُمَرَاء الخارجون عَن [طَاعَة أَبِيه]- حَسْبَمَا تقدم ذكره - فِي يَوْم الأثنين خَامِس ذِي الْقعدَة من سنة ثَمَان وَسبعين [الْمَذْكُورَة] ، وعمره نَحْو سبع سِنِين.
وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّالِث وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بديار مصر.
وَلما تمّ أَمر الْملك الْمَنْصُور، اسْتَقر آقتمر عبد الْغَنِيّ فِي نِيَابَة السلطنة على عَادَته، وَاسْتقر طشتمر المحمدي اللفاف أتابك العساكر دفْعَة وَاحِدَة، وأنعم عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَوْجُود الْأَمِير أرغون شاه [الأشرفي] ، وَاسْتقر قرطاي الطازي رَأس نوبَة النوب، وأنعم عَلَيْهِ بموجود صرغتمش الأشرفي، ورسم لَهما أَن يجلسا بالإيوان مَعَ نَائِب السلطنة.
стр. 402
وَاسْتقر أسندمر الصرغتمشي أَمِير سلَاح، ورسم لَهُ أَن يجلس فِي الميسرة، وَاسْتقر أينبك البدري أَمِير آخور كَبِيرا.
وَجَمِيع هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين كَانُوا من جملَة الأجناد والعشرات، مَا خلا أينبك؛ فَإِنَّهُ كَانَ [أَمِير] طبلخاناه.
ثمَّ أخرج طشتمر الدوادار إِلَى نِيَابَة دمشق؛ فَلم تطل مُدَّة هَؤُلَاءِ إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة.
وَوَقع بَين قرطاي وأينبك - وهما أَصْهَار - وَحْشَة، وانتصر أينبك على قرطاي وَقَتله.
ثمَّ وَقع أُمُور، وَقتل [أينبك أَيْضا] ؛ فآل الْأَمر بعد فتن إِلَى الأميرين: برقوق العثماني وبركة الجوباني اليلبغاويان، وملكا الديار المصرية، وصارا صاحبا حلهَا وعقدها.
وَاسْتقر برقوق أَمِير آخور كَبِيرا، عوضا عَن أينبك دفْعَة وَاحِدَة من إمرة عشرَة، [وَاسْتقر بركَة رَأس نوبَة النوب دفْعَة وَاحِدَة أَيْضا من إمرة عشرَة] أَو طبلخاناه.
وَمِمَّا وَقع من الْأَعَاجِيب فِي دولة [الْملك] الْمَنْصُور هَذَا أَنه: ورد بريدي من حلب [فِي سنة إثنتين وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وعَلى يَده كتاب نَائِب حلب] يتَضَمَّن أَن إِمَامًا يُصَلِّي بِقوم، وَأَن شخصا عَبث بِهِ فِي صلَاته من بَاب المداعبة؛ فَلم يقطع الإِمَام الصَّلَاة حَتَّى فرغ، وَحين سلم انْقَلب وَجه العابث وَجه خِنْزِير وهرب إِلَى غابة هُنَاكَ؛ فتعجب النَّاس من هَذَا [الْأَمر] ، وَكتب بذلك محضرا. إنتهى!
стр. 403
وَاسْتمرّ الْملك الْمَنْصُور فِي السلطنة، إِلَى أَن توفّي يَوْم الْأَحَد ثَالِث عشْرين صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة؛ فَلم يَجْسُر برقوق أَن يتسلطن وَنصب فِي السلطنة أَخَاهُ الْملك الصَّالح حاجى.
وَكَانَت مُدَّة ملك الْمَنْصُور خمس سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا. وَمَات وعمره إثنتا عشرَة سنة، وَدفن بتربة جدته لِأَبِيهِ خوند بركَة بالتبانة - خَارج الْقَاهِرَة -.
وَكَانَ [الْملك] الْمَنْصُور جميلا، حسن الصُّورَة، وَلم يكن لَهُ من الْأَمر شيئ لتشكر أَفعاله أَو تذم -[﵀]-.
стр. 404
الْملك الصَّالح
حاجى ابْن الْملك الْأَشْرَف شعْبَان ابْن الأمجد حُسَيْن ابْن [الْملك] النَّاصِر مُحَمَّد ابْن قلاوون - وَقد تقدم أَن الأمجد حُسَيْن لم يتسلطن -.
ولى [الْملك] الصَّالح هَذَا السلطنة بعد موت أَخِيه الْمَنْصُور على فِي يَوْم الأثنين رَابِع عشْرين صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة [وعمره أَزِيد من عشر سِنِين] .
وَهُوَ السُّلْطَان الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك.
وَلما تسلطن، اسْتمرّ الأتابك برقوق العثماني أتابكه ومدبر مَمْلَكَته، وَإِلَيْهِ جَمِيع أُمُور الدولة شامها ومصرها، وَلَيْسَ [للصالح] [هَذَا] من السلطنة إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط.
ودام الْأَمر على ذَلِك، حَتَّى كثرت الْفِتَن، وهم جمَاعَة من الْأُمَرَاء بالوثوب على الْأَمر، واضطربت أَحْوَال المملكة؛ فَعِنْدَ ذَلِك أَشَارَ جمَاعَة من الْأُمَرَاء على برقوق بالسلطنة؛ فجبن عَن ذَلِك، وَكَانَ لَهُم مُدَّة طَوِيلَة يشيرون عَلَيْهِ بذلك.
فَلَمَّا تزايد الْأَمر ألجأته الضَّرُورَة لذَلِك؛ فَخلع [الْملك] الصَّالح حاجى هَذَا، وتسلطن فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة.
стр. 405
فَكَانَت مُدَّة مملكة [الْملك] الصَّالح هَذَا سنة وَاحِدَة وَنصف سنة وَخَمْسَة عشر يَوْمًا.
ورسم لَهُ [الْملك] الظَّاهِر برقوق بِلُزُوم دَاره فِي قلعة الْجَبَل - على مَا كَانَت عَادَة أَوْلَاد السلاطين عَلَيْهِ - فَلَزِمَ الصَّالح دَاره بهَا، إِلَى أَن خلع الْأَمِير يلبغا الناصري برقوقا وحبسه بالكرك فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة، وَأخرج الْملك الصَّالح [هَذَا] ، وَأَعَادَهُ إِلَى الْملك، وَغير لقبه [بِالْملكِ الْمَنْصُور]- حَسْبَمَا يَأْتِي [ذكر ذَلِك كُله] ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.
стр. 406
الْملك الظَّاهِر
سيف الدّين، برقوق ابْن الْأَمِير آنص العثماني، اليلبغاوي، الجاركسي، الْقَائِم بدولة الجراكسة.
أَصله جاركسي الْجِنْس، جلبه خواجا عُثْمَان بن مُسَافر؛ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ الأتابك يلبغا الْعمريّ الخاصكي صَاحب الْكَبْش وَأعْتقهُ، وَمَات يلبغا وَهُوَ من صغَار مماليكه.
ثمَّ وَقع لَهُ محن كَثِيرَة، وخدم عِنْد الْأَمِير منجك نَائِب الشَّام ثمَّ عَاد إِلَى بَيت السُّلْطَان.
فَلَمَّا كَانَت وقْعَة الْأَشْرَف كَانَ برقوق هَذَا مِمَّن وَافق على الْعِصْيَان؛ فتأمر عشرَة، ثمَّ طبلخاناه، ثمَّ صَار بعد أشهر أَمِير مائَة [و] مقدم ألف، وأمير خور كَبِيرا.
ولازل يترقى والأقدار تساعده، إِلَى أَن تسلطن بعد خلع الْملك الصَّالح حاجى فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة - وَكَانَ الْمُوَافق لهَذَا الْيَوْم آخر هاتور، وسادس تشرين الثَّانِي، والطالع برج الْحُوت -.
وَتمّ أمره فِي الْملك.
стр. 407
وَهُوَ [السُّلْطَان] الْخَامِس وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك [وَأَوْلَادهمْ]- وَهِي [سلطنته الأولى]-، وَالثَّانِي من الجراكسة؛ إِن صَحَّ [أَن] بيبرس الجاشنكير كَانَ جاركسيا، وَإِلَّا فَهُوَ الأول مِنْهُم.
وَتمّ أمره فِي السلطنة وَعظم، وَأَنْشَأَ لَهُ حَاشِيَة ومماليكا ودولة. وطالت أَيَّامه، وَعمر مدرسته الَّتِي بِخَط بَين القصرين من الْقَاهِرَة، وَنقل إِلَيْهَا رمة وَالِده الْأَمِير آنص.
وَكَانَ المشد على عمارتها الْأَمِير جاركس الخليلي الْأَمِير آخور الْكَبِير. وَفِي معنى عمارتها يَقُول [الأديب] شهَاب الدّين الْمصْرِيّ:
(قد أنشأ الظَّاهِر السُّلْطَان مدرسة ... فاقت على إرم مَعَ سرعَة الْعَمَل)
(يَكْفِي الخليلي أَن جَاءَت لخدمته ... شم الْجبَال لَهَا تسْعَى على عجل) .
وَاسْتمرّ [الْملك] الظَّاهِر فِي السلطنة، إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ الْأَمِير تمربغا الأفضلي الأشرفي، الْمَدْعُو منطاش نَائِب ملطية.
стр. 408
ثمَّ وَافق منطاش الأتابك يلبغا الناصري اليلبغاوي نَائِب حلب، وقويت شوكتهما، فَجهز لَهما الظَّاهِر عسكرا عَلَيْهِ خَمْسَة من [أُمَرَاء الألوف] : أيتمش البجاسي الأتابك، وَأحمد بن يلبغا الْعمريّ أَمِير مجْلِس، وجاركس الخليلي اليلبغاوي أَمِير آخور، وأيدكار الْعمريّ حَاجِب الْحجاب، وَيُونُس النوروزي الدوادار، وَخَمْسمِائة مَمْلُوك، وَجَمَاعَة كَثِيرَة من أُمَرَاء الطبلخانات والعشرات.
وَخَرجُوا من الْقَاهِرَة، والتقوا بالناصري ومنطاش [بِدِمَشْق] ؛ فأنكسر عَسْكَر السُّلْطَان، وَقبض على أيتمش، وَقتل جاركس [الخليلي] وَيُونُس [الدوادار] . وَعصى ابْن يلبغا وأيدكار الْحَاجِب على برقوق، ووافقا الناصري.
وَمن يَوْم ذَاك أَخذ أَمر برقوق فِي انحطاط، وَأمر الناصري ومنطاش فِي تزايد، إِلَى أَن ملكا الديار المصرية من غير قتال، وَهُوَ أَنه: لما قدم الناصري بعساكره، وَنزل خَارج الْقَاهِرَة - عِنْد قبَّة النَّصْر - لم ينْهض برقوق لقتاله - خذلانا من الله تَعَالَى وَزَوَال نعْمَة - وَجبن حَتَّى عَن حفظ قلعة الْجَبَل، بل أرسل إِلَى الناصري نمجاة الْملك مَعَ الْأَمِير أبي بكر بن سنقر الْحَاجِب الثَّانِي والأمير بيدمر المنجكي شاد الْقصر (وَأَمرهمَا أَن يأخذا لَهُ [من الناصري] الْأمان؛ فتوجها إِلَى الناصري، وسألاه فِي ذَلِك خلْوَة؛ فَاعْتَذر إِلَيْهِمَا الناصري من أَنه لَا يُطيق يُعْطِيهِ الْأمان؛ لما يعلم مَا أضمره منطاش وَغَيره للظَّاهِر.
стр. 409
ثمَّ أَشَارَ على الظَّاهِر أَنه ينزل من القلعة ويختفي بمَكَان، إِلَى أَن يصلح الناصري من أمره مَا يكون فِيهِ مصلحَة لَهُ.
فَلَمَّا بلغ برقوق ذَلِك صلى عشَاء الْآخِرَة هُوَ والخليفة، وَقَامَ الْخَلِيفَة إِلَى منزله، وَبَقِي الظَّاهِر فِي قَلِيل من أَصْحَابه، ثمَّ أذن لسودون الشيخوني النَّائِب بالتوجه إِلَى حَال سَبيله. ثمَّ أَمر من حضر بالتفرق، وَقَامَ هُوَ من مَكَانَهُ وتستر حَتَّى نزل من الإصطبل السلطاني. وَسكن دق الكوسات، وَوَقع النهب فِي الحواصل السُّلْطَانِيَّة، وَذَلِكَ فِي لَيْلَة الأثنين خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة.
وزالت دولة [الْملك] الظَّاهِر برقوق بعد أَن حكم على الديار المصرية أَمِيرا وسلطانا إِحْدَى عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وَسَبْعَة عشر يَوْمًا.
تَفْصِيله: من يَوْم قبض برقوق على الْأَمِير طشتمر الدوادار فِي [تَاسِع] ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسبعين وَسَبْعمائة إِلَى يَوْم تسلطن فِي تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة، أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام.
وَكَانَ يُسمى فِي تِلْكَ الْأَيَّام: الْأَمِير الْكَبِير نظام الْملك.
وَمن يَوْم تسلطن إِلَى أَن نزل من [قلعة الْجَبَل] واختفى سِتّ سِنِين وثمان شهور وَسَبْعَة عشر يَوْمًا.
فَهَذَا تَفْصِيل حكمه على مصر: إِحْدَى عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا.
стр. 410
وَاسْتمرّ برقوق مختفيا، إِلَى أَن أخرج الناصري [الْملك] الصَّالح حاجى من الدّور [السُّلْطَانِيَّة] وسلطنه ثَانِيًا، وَغير لقبه [بِالْملكِ الْمَنْصُور] .
ثمَّ قبض على برقوق من بَيت أبي يزِيد بن مُرَاد، وَأخذ إِلَى القلعة فِي ظهر النَّهَار؛ فحبس بالإصطبل السلطاني [ثَلَاثَة أَيَّام] ، ثمَّ أخرج إِلَى الكرك؛ [فحبس بهَا، إِلَى أَن أخرج من الكرك] وَعَاد إِلَى ملكه؛ فَكَانَ فِي خلعه وحبسه ثمَّ عوده بعد ذَلِك إِلَى ملكه عِبْرَة لمن اعْتبر؛ وَهُوَ ذَلِك أفرج مُلُوك التّرْك تَرْجَمَة - وَقد استوعبنا تَرْجَمته فِي مصنفاتنا المطولات بِمَا فِيهِ كِفَايَة عَن غَيره -. إنتهى.
стр. 411
الْملك الْمَنْصُور
حاجى - وَهِي سلطنته الثَّانِيَة -.
وَقد تقدم ذكر سلطنته الأولى، وَنسبه، وعمره فِيمَا مضى فِي تِلْكَ التَّرْجَمَة. ولنذكر هُنَا عوده؛ فَنَقُول: لما كَانَ يَوْم الأثنين خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَقع اتِّفَاق الْأُمَرَاء على سلطنته ثَانِيًا، وَذَلِكَ بعد هروب الظَّاهِر برقوق واختفائه، وَبعد أَن ملك الأتابك يلبغا الناصري وتمربغا الأفضلي - الْمَدْعُو منطاش - وَمن كَانَ مَعَهُمَا من الْأُمَرَاء بالديار المصرية من غير قتال وَلَا حِصَار، وَبعد أَن سُئِلَ الناصري بالسلطنة غير مرّة؛ فَلم يقبل وخشي العواقب، وَأجْمع على سلطنة حاجى هَذَا؛ فسلطنه وَغير لقبه.
وَلَا نَعْرِف فِي الْمُلُوك التركية أحدا غير لقبه غَيره، فَكَانَ لقبه أَولا: الصَّالح؛ فَغير فِي سلطنته هَذِه بالمنصور.
وَلما تمّ أمره، صَار الأتابك يلبغا الناصري مُدبر ممالكه، وَجَمِيع أُمُور المملكة فِي يَده.
وَبعد سلطنته بِمدَّة يسيرَة أَخذ الظَّاهِر برقوق من بَيت [أبي] يزِيد بن مُرَاد، وَأخرج إِلَى الكرك، وَحبس بهَا.
وَصفا الْوَقْت للناصري، واستبد بِجَمِيعِ أُمُور المملكة، وَصَارَ منطاش من جملَة أمرائه؛ فَعظم ذَلِك على منطاش؛ فأضمر السوء للناصري، مَعَ قلَّة أَصْحَابه وَعدم شوكته، وساعده على ذَلِك تغير خواطر جمَاعَة من الْعَسْكَر على النصاري.
стр. 412
وَسبب تغير خواطر الْمَذْكُورين: وَهُوَ أَنه صَار الناصري كلما سَأَلَهُ أحد من أَصْحَابه فِي إقطاع حَوَاشِي برقوق أَو غَيرهم يمْتَنع من ذَلِك شَفَقَة على النَّاس؛ فَلم يحسن ذَلِك ببال جمَاعَة مِمَّن حضر إِلَى الديار المصرية صحبته؛ فحقدوا عَلَيْهِ.
وَاتفقَ ركُوب منطاش على الناصري بِجَمَاعَة قَليلَة [جدا] ، يستحى من ذكرهَا قلَّة؛ فَلم يكترث بهم الناصري، وَأرْسل إِلَى قِتَاله جمَاعَة من الْأُمَرَاء؛ فانتصر عَلَيْهِم منطاش. وتكرر ذَلِك غير مرّة، إِلَى أَن نزل الناصري بِنَفسِهِ لقتاله، وانكسر من منطاش، وَأمْسك، وَحبس بثغر الأسكندرية.
وطلع منطاش إِلَى بَاب السلسلة من قلعة الْجَبَل، وَسكن مَكَان الناصري، واستبد بِجَمِيعِ أُمُور المملكة، شامها ومصرها، من غير مُنَازع.
ثمَّ لم يقنع منطاش بذلك، وَأَرَادَ قتل برقوق بالكرك؛ فَأرْسل الشهَاب البريدي بقتْله؛ فَوَقع أُمُور ذَكرنَاهَا مستوفاة فِي مصنفاتنا الْمُقدم ذكرهَا.
وَآل الْأَمر إِلَى خُرُوج برقوق من حبس الكرك؛ واجتماع النَّاس عَلَيْهِ، وغالبهم من كَانَ خرج أَولا - وهم خجداشيته اليلبغاوية - حنقا من منطاش لما مسك الناصري؛ لِأَن برقوق كَانَ يلبغاويا والناصري كَانَ أَيْضا يلبغاويا؛ فَذَهَبت اليلبغاوية أَولا من خجداش لَهُم إِلَى خجداش آخر، وَهُوَ الناصري.
فَلَمَّا وثب على الْأَمر غير خجداشهم - وَهُوَ منطاش الأشرفي - عظم عَلَيْهِم ذَلِك، وأنضم غالبهم على برقوق لما خرج من حبس الكرك. ولسان حَالهم يَقُول [فِي ذَلِك] :
(وَمَا من حبه أحنو عَلَيْهِ ... وَلَكِن بغض قوم آخَرين)
.
стр. 413
وَاسْتمرّ أَمر برقوق يَنْمُو وَأمر منطاش يضمحل، إِلَى أَن خرج منطاش بِالْملكِ الْمَنْصُور [هَذَا] إِلَى الْبِلَاد الشامية لقِتَال برقوق.
وَوَقع المصاف بَينهم بِمَنْزِلَة شقحب، انتصر برقوق - وإنهزم منطاش إِلَى دمشق - وَاسْتولى على الْمَنْصُور هَذَا والخليفة [والقضاة] و [على] العصائب السُّلْطَانِيَّة، وَعَاد بِالْجَمِيعِ إِلَى الديار المصرية بعد أُمُور صدرت بَينه وَبَين منطاش.
وَاسْتمرّ منطاش بالبلاد الشامية، إِلَى أَن أخرج الظَّاهِر برقوق الناصري من سجن الأسكندرية، وندبه لقِتَال منطاش.
وَوَقع بعد ذَلِك أُمُور، إِلَى أَن قتل برقوق الناصري بقلعة حلب) .
ثمَّ ظفر بمنطاش من عِنْد نعير بعد سِنِين، وَقَتله أَيْضا - وَقد ذكرنَا هَذَا كُله مُجملا فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) [ومفصلا فِي ((المنهل الصافي)) فِي تَرْجَمَة الظَّاهِر برقوق] [كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء والسلاطين على حِدته] ؛ لِأَنَّهُ مُرَتّب على الْحُرُوف. وَمن أَرَادَ الْعلم بذلك؛ فَعَلَيهِ بمطالعتهما؛ ففيهما الْغَرَض بِزِيَادَة -[إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.
ثمَّ سَار برقوق بِالْملكِ الْمَنْصُور هَذَا وَجَمِيع العساكر إِلَى الديار المصرية حَتَّى دَخلهَا فِي يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر صفر سنة إثنتين وَتِسْعين وَسَبْعمائة.
стр. 414
وَلما دخل برقوق إِلَى الديار المصرية فرشت الشقق الْحَرِير تَحت حوافر فرسه؛ فَتنحّى برقوق عَنْهَا، وَمَشى الْمَنْصُور عَلَيْهَا؛ فَحسن ذَلِك ببال النَّاس كثيرا.
وطلع برقوق إِلَى القلعة، وَعَاد إِلَى ملكه.
وخلع الْمَنْصُور هَذَا، وَلزِمَ دَاره بقلعة الْجَبَل مبجلا، إِلَى أَن مَاتَ بعد أَن أقعد، وتكسح فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شَوَّال سنة أَرْبَعَة عشر وَثَمَانمِائَة عَن بضع وَأَرْبَعين سنة. وَدفن بتربة جدته خوند بركَة أم الْأَشْرَف شعْبَان.
فَكَانَت مُدَّة [مملكة الْمَنْصُور] فِي سلطنته الثَّانِيَة ثَمَانِيَة أشهر وَنَحْو سِتَّة عشر يَوْمًا تخمينا - أَعنِي من يَوْم أجلسه الناصري على تخت الْملك إِلَى يَوْم طلع برقوق إِلَى [قلعة الْجَبَل] وَجلسَ على تخت الْملك -.
стр. 415
ذكر سلطنة [الظَّاهِر] برقوق الثَّانِيَة
تقدم ذكر سلطنته الأولى وَنسبه، ثمَّ مَا وَقع من خلعه وحبسه، ثمَّ ذكر سَبَب خُرُوجه من حبس الكرك وَعوده إِلَى ملك مصر بعد خلع الْمَنْصُور حاجى [فِي] يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر صفر سنة إثنتين وَتِسْعين وَسَبْعمائة.
قلت: وَلما عَاد إِلَى ملكه قَابل الأتابك يلبغا الناصري خجداشه بالجميل، وَأخرجه من سجن الأسكندرية هُوَ وَجَمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء اليلبغاوية خجداشيته مِمَّن كَانَ منطاش حَبسهم - وهم الَّذين كَانُوا خَرجُوا عَلَيْهِ مَعَ الناصري وخلعوه من الْملك - فَلم يُؤَاخذ أحدا مِنْهُم أَولا.
وأخلع على الناصري وَقَالَ [لَهُ] : هَذَا غريمك منطاش بالبلاد الشامية. ثمَّ جهزه الظَّاهِر برقوق، وَجعله مقدم العساكر لقِتَال منطاش.
وأخلع على الجوباني بنيابة دمشق - وَهُوَ أَيْضا مِمَّن كَانَ خرج عَلَيْهِ -؛ فتوجهت العساكر إِلَى الشَّام، وَانْهَزَمَ منطاش مِنْهُم بعد أُمُور وَقعت بَينهم وَبعد أَن قتل ألطبنغا الجوباني [نَائِب الشَّام] فِي المعركة، وَتَوَلَّى الناصري [عوضه فِي الشَّام] .
[وتسحب منطاش إِلَى جِهَة نعير، ثمَّ بلغ برقوق أَن الناصري تهاون] [فِي أَمر] منطاش؛ فأسرها لَهُ، وتجرد إِلَى الْبِلَاد الشامية، وَقبض عَلَيْهِ، وَقَتله بقلعة حلب فِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة.
ثمَّ تتبع الظَّاهِر برقوق أعداءه، إِلَى أَن [قَتلهمْ عَن آخِرهم] ، وأولهم منطاش، وَآخرهمْ مَمْلُوكه على باى.
стр. 416
ثمَّ لما صفا الْوَقْت للظَّاهِر، أَخذ فِي إنْشَاء مماليكه وحواشيه، فَلَا زَالَ أمره يعظم ومماليكه تكْثر، إِلَى أَن صَارَت مماليكه نوابه بِجَمِيعِ الْبِلَاد الشامية وَغَيرهَا
وَاسْتمرّ على عَظمته وضخامته، إِلَى أَن ركب عَلَيْهِ مَمْلُوكه وَأحد خواصه على باي الخازندار فِي سنة ثَمَانمِائَة، وظفر بِهِ برقوق وَقَتله؛ فَلم يقم بعد ذَلِك إِلَّا أشهرا وَمرض، وَمَات فِي لَيْلَة الْجُمُعَة نصف شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة بعد أَن جَاوز السِّتين [سنة] من الْعُمر. وَكَانَت مُدَّة تحكمه أتابكا بعد أَن قبض على طشتمر الدوادار أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام.
ومنذ تسلطن إِلَى أَن مَاتَ سِتَّة عشر سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا خلع فِيهَا - حَسْبَمَا تقدم ذكره - بِالْملكِ الْمَنْصُور ثَمَانِيَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا.
وَخلف [الْملك] الظَّاهِر برقوق سِتَّة أَوْلَاد، ثَلَاثَة ذُكُور وَثَلَاثَة بَنَات.
الذُّكُور: فرج - الَّذِي تسلطن بعده - عبد الْعَزِيز - الَّذِي تسلطن بعد خلع أَخِيه النَّاصِر فرج - وَإِبْرَاهِيم. وَالْبَنَات: سارة وبيرم وَزَيْنَب.
وَخلف من الذَّهَب [الْعين] ألفي ألف دِينَار وَأَرْبَعمِائَة ألف دِينَار.
وَخلف من القنود وَالسكر والقماش وأنواع الفرو مَا قِيمَته ألف ألف دِينَار وَأَرْبَعمِائَة ألف دِينَار.
стр. 417
وَترك من الْخُيُول نَحْو سِتَّة آلَاف فرس [وبغل] . وَمن الْجمال نَحْو خَمْسَة آلَاف جمل.
وَبَلغت عليق خيوله الْخَاص وبغاله وَجَمِيع تعلقات إصطبله فِي الشَّهْر أحد عشر ألف أردب شعير وفول.
قلت: وَفِي الْجُمْلَة، هُوَ أجل ملك جَاءَ من بعده، لَا من قبله إِلَى يَوْمنَا هَذَا.
стр. 418
الْملك النَّاصِر
زين الدّين أَبُو السعادات، فرج ابْن [الْملك] الظَّاهِر برقوق ابْن الْأَمِير آنص، الجاركسي الأَصْل. وَالسَّادِس وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية، وَالثَّانِي من الجراكسة.
تسلطن صَبِيحَة يَوْم موت وَالِده فِي يَوْم الْجُمُعَة النّصْف من شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة بِعَهْد من أَبِيه.
وَفِي معنى سلطنته يَقُول الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد [الْمُقْرِئ الأوحدي] [﵀] .
(مضى الظَّاهِر السُّلْطَان أكْرم مَالك ... إِلَى ربه يرقى إِلَى الْخلد فِي الدرج)
(وَقَالُوا: ستأتي شدَّة بعد مَوته ... فأكرمهم رَبِّي وَمَا جَاءَ سوى فرج)
وَكَانَ [عمر النَّاصِر هَذَا] يَوْم تسلطن دون الْعشْر سِنِين.
وَأمه أم ولد رُومِية تسمى: شيرين، تلوذ للوالد بِقرَابَة.
وَتمّ أمره فِي الْملك، وَصَارَ الأتابك أيتمش مُدبر مَمْلَكَته، ويشاركه الْوَالِد فِي ذَلِك - وَهُوَ يَوْم ذَاك أَمِير سلَاح -.
стр. 419
ثمَّ وَقعت أُمُور، وَتَفَرَّقَتْ المماليك الظَّاهِرِيَّة فرْقَتَيْن: فرقة مَعَ أيتمش - وهم كبار الْأُمَرَاء - وَفرْقَة مَعَ يشبك الخازندار - وهم أصاغر الْأُمَرَاء -.
وَآل الْأَمر بَينهمَا إِلَى الْقِتَال؛ فانكسر [الأتابك] أيتمش بِمن مَعَه وتوجهوا جَمِيعًا إِلَى تنم الْحسنى الظَّاهِرِيّ نَائِب الشَّام؛ فَغَضب [تنم] لغضبهم، وَسَار بِجَمِيعِ العساكر الشامية وبمن قدم عَلَيْهِ مَعَ أيتمش وَغَيره من أُمَرَاء مصر يُرِيد مصر.
وَخرج [الْملك] النَّاصِر بعساكر مصر، وتواقع مَعَ الْأَمِير تنم وأيتمش وَالْوَالِد بِمن مَعَهم؛ فَكسر الْجَمِيع، وَقتل غالبهم، إِلَّا الْوَالِد وآقبغا نَائِب حلب؛ فَإِنَّهُمَا حبسا.
وَاسْتولى يشبك وأقرانه من أصاغر الْأُمَرَاء على [مملكة] مصر؛ فاضطربت أَحْوَال مصر؛ لسوء تدبيرهم وَاخْتِلَاف كلمتهم.
ثمَّ قدم تيمور [لنك] إِلَى الْبِلَاد الشامية فِي سنة [ثَلَاث] وَثَمَانمِائَة بعد وقْعَة أيتمش بأشهر؛ فَخرجت العساكر المصرية صُحْبَة النَّاصِر ثَانِيًا إِلَى دمشق؛ فَلم ينْتج أَمرهم مَعَ تيمور؛ لسوء تدبيرهم، لَا لقلَّة عَسْكَرهمْ.
стр. 420
وَملك تيمور الشَّام من الْوَالِد؛ فَإِنَّهُ كَانَ ولي نِيَابَة دمشق بعد أَن قتل سودون قريب الظَّاهِر فِي أسر تيمور [الْمَذْكُور] .
وَعَاد النَّاصِر [إِلَى مصر] وصحبته الْوَالِد والعساكر على أقبح وَجه - وَقد ذكرنَا ذَلِك كُله مفصلا فِي غير هَذَا [الْمحل]-.
ثمَّ بعد توجه تيمور أُعِيد الْوَالِد إِلَى نِيَابَة دمشق ثَانِيًا.
ثمَّ وَقع فتن كَثِيرَة بَين الْأُمَرَاء الظَّاهِرِيَّة، وتداول ذَلِك بَينهم سِنِين عديدة، وأفنى بَعضهم بَعْضًا قتلا وحبسا.
وَخرجت غَالب بِلَاد مصر فِي تِلْكَ الْأَيَّام، وَاسْتمرّ ذَلِك وَزَاد، إِلَى أَن ضجر [الْملك] النَّاصِر فرج مِنْهُم وَترك ملكه، وتسحب من القلعة من غير أَن يكرههُ أحد على ذَلِك، وَكَانَ وَقت تسحبه من القلعة فِي وسط نَهَار الْأَحَد خَامِس عشْرين شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة.
واختفى النَّاصِر؛ فَلم يعرف لَهُ مَكَان. وَبلغ الْأُمَرَاء ذَلِك؛ فأجمع رَأْيهمْ على سلطنة أَخِيه عبد الْعَزِيز؛ فَطلب من الدّور السُّلْطَانِيَّة، وتسلطن، ولقب [بِالْملكِ الْمَنْصُور] على كره مِنْهُ.
وَكَانَت مُدَّة ملك [الْملك] النَّاصِر فرج [فِي] هَذِه الْمرة [الأولى] سِتّ سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَعشرَة أَيَّام.
стр. 421
الْملك الْمَنْصُور
عز الدّين، عبد الْعَزِيز ابْن [الْملك] الظَّاهِر برقوق بن آنص. تسلطن بعد أَن تسحب [أَخِيه] الْملك النَّاصِر فرج فِي وَقت عشَاء الْآخِرَة من لَيْلَة الأثنين سادس [عشْرين] شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة؛ لكَونه كَانَ ولي [الْعَهْد من بعد] أَخِيه فرج بِوَصِيَّة وَالِده بذلك.
ولقب [بِالْملكِ الْمَنْصُور] [أبي الْعِزّ عبد الْعَزِيز] ، وَهُوَ لم يبلغ الْحلم وَأمه أم ولد، تركية تسمى: قنق باى، مَاتَت بعد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة.
وَهُوَ [السُّلْطَان] السَّابِع وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية، وَالثَّالِث من مُلُوك الجراكسة.
وَلما تمّ أمره فِي الْملك تلاشت أَحْوَال المملكة؛ لإختلاف كلمة الْأُمَرَاء، فَإِنَّهُ كَانَ يَوْم ذَاك بيبرس هُوَ الأتابك، وَكَانَ لين الْجَانِب لَا يلْتَفت إِلَى كَلَامه؛ فَصَارَ كل أحد لَهُ حكم، حَتَّى أصاغر المماليك، فَلم يرض بذلك أحد.
والتفت كل أحد إِلَى عود [الْملك] النَّاصِر فرج، لاسيما الْأَمِير يشبك الشَّعْبَانِي الدوادار؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدولة الناصرية لَهُ كلمة نَافِذَة وَعز.
стр. 422
فَلَمَّا تسلطن الْمَنْصُور هَذَا اضْطَرَبَتْ الْأُمُور، وتحكم غَيره فِي المملكة؛ فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ، وَصَارَ يتلفت إِلَى عود النَّاصِر بِكُل مَا تصل قدرته إِلَيْهِ.
فَلَمَّا رأى سعد الدّين [إِبْرَاهِيم] بن غراب [ذَلِك]- وَكَانَ [الْملك] النَّاصِر مختفيا عِنْده - أعلمهُ بِهِ؛ ففرح يشبك بذلك [وَأخذ فِي التَّدْبِير لخُرُوج النَّاصِر وَعوده إِلَى الْملك، إِلَى أَن تمّ لَهُ ذَلِك] .
فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة [من] سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة [الْمَذْكُورَة] ظهر [الْملك] النَّاصِر فرج من بَيت سودون الحمزاوي، وتلاحق بِهِ كثير من الْأُمَرَاء والمماليك السُّلْطَانِيَّة. وَلم يطلع الْفجْر حَتَّى ركب [الْملك] النَّاصِر بِآلَة الْحَرْب، وَسَار بِمن مَعَه يُرِيد الطُّلُوع إِلَى قلعة الْجَبَل؛ مَنعه جمَاعَة من الْأُمَرَاء من الطُّلُوع وهم: سودون المحمدي، الْأَمِير آخور، [و] أينال باي بن قجماس، وبيبرس الأتابك، وسودون المارديني، ويشبك بن أزدمر فِي آخَرين.
وقاتلوه سَاعَة، ثمَّ إنهزموا. وَملك النَّاصِر قلعة الْجَبَل، وخلع أَخَاهُ الْمَنْصُور هَذَا، وَسكن روعه وَأحسن إِلَيْهِ، وَعَاد إِلَى ملكه، وَأمْسك الْأُمَرَاء الْمَذْكُورين، وحبسهم، وقتلهم.
стр. 423
وَأما [الْملك] الْمَنْصُور هَذَا؛ فَإِنَّهُ اسْتمرّ عِنْد أمه بقلعة الْجَبَل، إِلَى أَن أخرجه النَّاصِر إِلَى الأسكندرية و [خرج] صحبته أَخُوهُ إِبْرَاهِيم فِي صفر سنة تسع وَثَمَانمِائَة، وَتوجه مَعَهُمَا الْأَمِير قطلوبغا الكركي، والأمير أينال حطب.
وَكَانَت مُدَّة الْملك الْمَنْصُور فِي الْملك شَهْرَيْن وَعشرَة أَيَّام؛ فَلم تطل مُدَّة الْمَنْصُور بالأسكندرية، وَمَات فِي لَيْلَة الأثنين سَابِع شهر ربيع الآخر [من] سنة تسع وَثَمَانمِائَة، ثمَّ مَاتَ عقبه أَخُوهُ إِبْرَاهِيم من ليلته؛ فاتهم [الْملك] النَّاصِر فِي مَوْتهمَا.
стр. 424
سلطنة النَّاصِر [فرج] الثَّانِيَة على مصر
تقدم ذكر نسبه وَمَا وَقع لَهُ من خلعه وَعوده إِلَى الْملك فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز الْمُقدم ذكره، فَلَا حَاجَة للإعادة.
وَلما جلس [الْملك] النَّاصِر [هَذَا] على تخت الْملك ثَانِيًا استفحل أمره، واستبد بِأُمُور المملكة، وَأمْسك جمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء وحبسهم، [ثمَّ قَتلهمْ] . ثمَّ اشْتغل بِمن خرج عَلَيْهِ من مماليك أَبِيه النواب بالبلاد الشامية مثل: نوروز الحافظي وَشَيخ المحمودي وجكم العوضي [وَغَيرهم] .
وَوَقع لَهُ مَعَهم أُمُور، وتجرد [نَحْو] ثَمَانِي تجاريد إِلَى الْبِلَاد الشامية بسببهم.
وَطَالَ الْأَمر، وتجاوزت الْفِتَن الْحَد، وَخَربَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّام غَالب قرى [الديار المصرية] والبلاد الشامية.
وَصَارَ حكم [الْملك] النَّاصِر [هَذَا] لَا يتَجَاوَز قطيا - فِي غَالب الأحيان - لاسيما لما تسلطن جكم العوضي بحلب تلاشى أمره وضعفت حرمته، إِلَى أَن قتل جكم بآمد تراجع أمره قَلِيلا.
وَمد الْملك النَّاصِر يَده فِي الْقَتْل فِي مماليك أَبِيه، وَأَرَادَ الْإِسْرَاف فِي ذَلِك؛ فَأخذ الْوَالِد يرجعه عَن ذَلِك ويكفه - وَهُوَ يَوْم ذَاك أتابكا - فانكف قَلِيلا؛ لِأَنَّهُ صَار يخوفه عَاقِبَة ذَلِك.
стр. 425
فَلَمَّا أَن ولي الْوَالِد نِيَابَة الشَّام ثَالِث مرّة - على كره مِنْهُ - خلي الجو للْملك النَّاصِر؛ فأسرف فِي الْقَتْل، وأمعن حَتَّى أَنه قَارب من قَتله الْألف.
ثمَّ خرج النَّاصِر بعد ذَلِك مُجَردا إِلَى الْبِلَاد الشامية لقتل نوروز وَشَيخ - الْمُقدم ذكرهمَا - وَقد نفرت [مِنْهُ] الْقُلُوب، وتغيرت الخواطر عَلَيْهِ؛ بِسَبَب إسرافه فِي الْقَتْل.
[قلت] : وَهُوَ مَعْذُور من وَجه وَغير مَعْذُور من وَجه، أما الْوَجْه الأول: فَإِنَّهُ سامحهم فِي أَوَائِل الْأَمر كثيرا، وَعفى عَن أَكْثَرهم الْمرة والمرتين حَتَّى أَن عدوه [الْملك الْمُؤَيد] شيخ قَالَ بعد مَوته: إِن كَانَ الله يعفوا عَن الْملك النَّاصِر؛ فيعفوا عَنهُ بقتْله للأمير تمراز النَّائِب.
وحكاية تمراز مَعَ النَّاصِر مُطَوَّلَة، لَا تلِيق بِهَذَا الْمُخْتَصر، فَلْتنْظرْ فِي المطولات.
[ذَكرنَاهَا هُنَا لتأييد مَا قُلْنَاهُ] .
وَحكى لي [الْأَمِير جقمق الظَّاهِرِيّ الْحَاجِب] قَالَ: مَا صَبر أحد على عدوه وَعفى عَنهُ مثل النَّاصِر، فَإِنَّهُ لم يقتل وَاحِدًا مِمَّن قتل حَتَّى عصى عَلَيْهِ الْمرة والمرتين وَالثَّالِثَة.
[قلت] : وَلم نر هَذَا وَقع لملك بعده كَائِن من كَانَ - صَالحهمْ وطالحهم - بل كَانَ من خرج عَلَيْهِ [وَاحِد مرّة) لم يبلعه رِيقه - من الْملك الْمُؤَيد إِلَى يَوْمنَا هَذَا -.
следующие страницы →