Полный текст (892 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
دخل عَلَيْهِ فغمز مَمْلُوكه فَوضع الأبيات أَمَامه مَفْتُوحَة فَلَمَّا جلس ابْن الْمرجل لمحها فعرفها فَلَمَّا تحقق القاضي أَنه عرفهَا أَشَارَ برفعها ثمَّ أحضر لَهُ قماش وصرة فضة وَقَالَ لَهُ هَذِه جائزة الأبيات فَأَخذهَا ومدحه وَدخل عَلَيْهِ شَاعِر وَمَعَهُ قصيدتان في إحداهما هجو وفي الْأُخْرَى مدح وأضمر أَن يُعْطِيهِ الْمَدْح فإن أرضاه وإلاّ أعطَاهُ الهجو فغلط فَأعْطَاهُ الهجو فقرأه وَأَعْطَاهُ جَائِزَة وأوهم من حضر أَنه مدح فَلَمَّا خرج الشَّاعِر وجد قصيدة الْمَدْح فَعَاد وَدفعهَا إليه وَأظْهر الِاعْتِذَار فَمَا واخذه
(٦٥) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن عَطاء الله تَاج الدَّين أَبُو الْفضل الإسكندراني الشاذلي
صحب الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس المرسي صَاحب الشاذلية وصنّف مناقبه ومناقب شَيْخه وَكَانَ الْمُتَكَلّم على لِسَان الصوفية في زَمَانه وَهُوَ مِمَّن قَامَ على الشَّيْخ تقى الدَّين ابْن تَيْمِية فَبَالغ في ذَلِك وَكَانَ يتَكَلَّم على النَّاس وَله فِي ذَلِك تصانيف قَالَ الذهبي كَانَت لَهُ خلال عَجِيبَة وَوَقع في النُّفُوس ومشاركة فِي الْفَضَائِل وَرَأَيْت الشَّيْخ تَاج الدَّين الفارقي لما رَجَعَ من مصر مُعظما لوعظه وإشارته وَكَانَ يتَكَلَّم بالجامع الْأَزْهَر يمزج كَلَام الْقَوْم بآثار عَن السلف وفنون من الْعلم فَكثر أَتْبَاعه وَكَانَ عَلَيْهِ سيماء الْخَيْر وَيُقَال أن ثَلَاثَة قصدُوا مَجْلِسه فَقَالَ أحدهم لَو سلمت من العائلة لتجردت وَقَالَ الآخر أَنا أصلي وَأَصُوم وَلَا أجد من الصلاح ذرة فَقَالَ الثَّالِث إن صلاتي مَا ترضيني فَكيف ترْضى ربي فَلَمَّا حَضَرُوا مَجْلِسه قَالَ في أثْنَاء كَلَامه وَمن النَّاس من يَقُول فَأَعَادَ كَلَامهم بِعَيْنِه وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ الشَّيْخ تقي الدَّين السبكي وَقَالَ الْكَمَال جَعْفَر سمع من الأبرقوهي
стр. 107
وَقَرَأَ النَّحْو على المحيى وشارك فِي الْفِقْه وَالْأَدب وَصَحب المرسي فَتكلم على النَّاس فسارعت إليه الْعَامَّة وَكثير من المتفقهة وَكثر أَتْبَاعه قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَالَ الْكَمَال ابْن المكين حكى لَهُ المراكشي قَالَ كنت أصحب فَقِيرا فَحَضَرَ اليه الخليلى الْوَزير يزوره فَقَالَ لَهُ جاءني ابْن عَطاء الله فَقَالَ لي اللَّيْلَة ترى النبى ﵌ فِي الْمَنَام فَاجْعَلْ بشارتي أَن توليني الخطابة بالإسكندرية فمضت اللَّيْلَة وَمَا رَأَيْت شَيْئا وَقد عزمت على ضربه فَلم يزل الْفَقِير يتلطف بِهِ حَتَّى عَفا عَنهُ وَإِذا صَحَّ هَذَا فَهُوَ محتال وَلَيْسَ من الرِّجَال وَهُوَ صَاحب الحكم الْمَشْهُورَة الآن بِحكم ابْن عَطاء الله الَّتِى يلهج كثير من متصوفه زمننا بِحِفْظ كَلِمَات مِنْهَا وَمَات في نصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٠٩ تسع وَسَبْعمائة
(٦٦) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الأزديّ الْعَدْوى أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْبناء
أَخذ عَن قاضي الْجَمَاعَة مُحَمَّد بن على المراكشى وأبى عبد الله مُحَمَّد ابْن أَبى البركات أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَدْعُو ابْن أَبى عَطاء وأبي الْحُسَيْن ابْن أَبى عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم وَكَانَ فَاضلا عَاقِلا نبيهاً انْتفع بِهِ جمَاعَة في التَّعْلِيم وَكَانَ يشْتَغل من بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى قريب الزَّوَال مُدَّة إِلَى أَن كَانَ فى سنة ٦٩٩ فَخرج إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة في يَوْم ريح وغبار فتأذى بذلك وأصابه يبس في دماغه وَكَانَ لَهُ مُدَّة لَا يَأْكُل مَا فِيهِ روح فبدت مِنْهُ أَحْوَال لم تعهد وهيئات عَجِيبَة وَصَارَ يكاشف كل من دخل عَلَيْهِ ويخبره بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم الأغماتي أَهله أَن يحجبوه فَأَقَامَ سنة ثمَّ صَحَّ وَخرج إلى النَّاس وَصَارَ يذكر مَا جرى لَهُ من ذَلِك وَفِيه عجائب مِنْهَا أَنه رأى صوراً علوِيَّة
стр. 108
وُجُوههم مضيئة تكلمُوا بعلوم جمة تتَعَلَّق بمعاني الْقُرْآن بأساليب بديعة قَالَ ثمَّ هجم عليّ جمَاعَة في صور مفزعة فَذكر كلَاما طَويلا وَله مصنفات مِنْهَا التخليص فِي الْحساب فى سفر وَكتاب فِي الأوفاق وَكتاب في الأنواء وَغير ذَلِك وَاسْتمرّ بِبَلَدِهِ يُفِيد النَّاس إِلَى أَن مَاتَ سنة ٧٢١ إحدى وَعشْرين وَسَبْعمائة
(٦٧) أَحْمد بن مُحَمَّد بن حجر الوائلي السعدي الهيثمي
المصري ثمَّ المكي ولد سنة ٩٠٩ تسع وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بِبَلَدِهِ وَحفظ الْقرَان ثمَّ انْتقل إلى مصر فحفظ مختصرات وَقَرَأَ على الشَّيْخ عمَارَة المصرى والرملى وأبى السحن البكري وَغَيرهم وبرع في جَمِيع الْعُلُوم خُصُوصا فقه الشافعي وصنّف التصانيف الْحَسَنَة ثمَّ انْتقل من مصر إِلَى مَكَّة المشرفة وَسبب انْتِقَاله أَنه اختصر الرَّوْض للمقري وَشرع في شَرحه فأخذه بعض الحساد وفتته وأعدمه فَعظم عَلَيْهِ الْأَمر وَاشْتَدَّ حزنه وانتقل إلى مَكَّة وصنّف بهَا الْكتب المفيدة مِنْهَا الامداد وَفتح الْجواد شرحاً على الإرشاد الأول بسيط والثاني مُخْتَصر وتحفة الْمُحْتَاج شرح الْمِنْهَاج وَالصَّوَاعِق المحرقة وَشرح الهمزية وَشرح الْعباب وَكَانَ زاهداً متقللاً على طَريقَة السلف أمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ في سنة ٩٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَتِسْعمِائَة
(٦٨) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن أَبى نصر مُحَمَّد بن عرب شاه
الدمشقي الأَصْل الرومي الحنفي وَيعرف بالعجمي وبابن عرب شاه وَهُوَ الْأَكْثَر وَلَيْسَ هُوَ بقريب لداود وَصَالح ابني مُحَمَّد بن عرب شاه
стр. 109
الهمذانيين الأَصْل الدمشقيين الحنفيين ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف ذي الْقعدَة سنة ٧٩١ إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقرَان على الزين عمر بن اللبان المقري ثمَّ تحول في سنة ثَلَاث وثمان مائَة في زمن الْفِتْنَة مَعَ أخوته وأمهم وَابْن أُخْته عبد الرَّحْمَن بن إبراهيم بن حولان إِلَى سَمَرْقَنْد ثمَّ بمفرده إِلَى بِلَاد الخطا وَأقَام بِبِلَاد مَا وَرَاء النَّهر مديماً للاشتغال وَالْأَخْذ عَن من هُنَاكَ من الأستاذين فَكَانَ مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد الجرجاني وَابْن الجزري وهما نزيلا سَمَرْقَنْد وعصام الدَّين ابْن الْعَلامَة عبد الْملك وَجَمَاعَة ولقي بسمرقند الشَّيْخ الْعُرْيَان الأدهمي الَّذِي استفيض هُنَالك أَنه ابْن ثلثمِائة وَخمسين سنة وبرع فى الْفُنُون ثمَّ توجه إِلَى خوارزم فَأخذ عَن نور الله وَأحمد بن شمس الْأَئِمَّة ثمَّ إِلَى بِلَاد الدشت وَتلك النواحى ثمَّ قطع بَحر الرّوم إِلَى مملكة ابْن عُثْمَان فَأَقَامَ بهَا نَحْو عشر سِنِين وَترْجم فِيهَا للْملك غياث الدَّين أَبى الْفَتْح مُحَمَّد بن أَبى يزِيد مُرَاد بن عُثْمَان كتاب جَامع الحكايات ولامع الرِّوَايَات من الفارسي إِلَى التركي فِي نَحْو سِتّ مجلدات وَتَفْسِير أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي القادري بالتركي نظماً وباشر عِنْده ديوَان الإنشاء وَكتب عَنهُ إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف عَرَبيا وشامياً وتركياً ومغولياً وعجمياً كل ذَلِك مَعَ حرصه على الاستفادة بِحَيْثُ قَرَأَ الْمِفْتَاح على الْبُرْهَان الحوافي وَأخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة أَيْضا فَلَمَّا مَاتَ ابْن عُثْمَان رَجَعَ إِلَى وَطنه الْقَدِيم فَدخل حلب فَأَقَامَ بهَا نَحْو ثَلَاث سِنِين ثمَّ الشَّام وَكَانَ دُخُوله إليها في جُمَادَى الآخرة سنة ٨٢٥ فَجَلَسَ بحانوت مَسْجِد الْقصب مَعَ شُهُوده يَسِيرا لكَون مُعظم أوقاته الانعزال عَن النَّاس وَقَرَأَ بهَا على القاضي شهَاب الدَّين الْحَنْبَلِيّ صَحِيح مُسلم فى سنة ٨٣٠
стр. 110
فَلَمَّا قدم الْعَلَاء البخاري سنة ٨٣٢ مَعَ الركب الشامي من الْحجاز انْقَطع إليه ولازمه في الْفِقْه والأصليين والمعاني وَالْبَيَان والتصوف وَغير ذَلِك حَتَّى مَاتَ وَتقدم في غَالب الْعُلُوم وَأَنْشَأَ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق وصنف نظماً ونثراً وَمن تصانيفه مرآة الْأَدَب في علم الْمعَانى وَالْبَيَان والبديع سلك فِيهِ أسلوباً بديعاً نظم فِيهِ التَّلْخِيص عمله قصائد غزلية كل بَاب مِنْهُ قصيدة مُفْردَة على قافية ومقدمة في النَّحْو عُقُود النَّصِيحَة والرسالة الْمُسَمَّاة العقد الفريد فِي التَّوْحِيد وَهُوَ مؤلف تَارِيخ تيمور وَسَماهُ عجائب الْمَقْدُور في نَوَائِب تيمور وَفِيه بلاغة فائقة وسجعات رائقة وَله فَاكِهَة الْخُلَفَاء ومفاكهة الظرفاء والترجمان المترجم بمنتهى الأرب فِي لُغَة التّرْك والعجم وَالْعرب وأشير إليه بالفضيلة وأجله الأكابر وَكَانَ أحد الْأَفْرَاد في إجادة النظم والنثر وَمَعْرِفَة اللُّغَات والمجئ بالمستظرفات وإجادة الْخط وإتقان الضَّبْط وعذوبة الْكَلَام وملاحة المحاضرة وَكَثْرَة التودد ومزيد التَّوَاضُع وعفة النَّفس ووفور الْعقل وَاسْتمرّ على جميل أَوْصَافه حَتَّى مَاتَ في يَوْم الِاثْنَيْنِ منتصف شهر رَجَب سنة ٨٥٤ أَربع وَخمسين وثمان مائَة وَجَرت لَهُ محنة من الظَّاهِر جقمق شكى اليه حميد الدَّين فَأدْخلهُ سجن أهل الجرائم فدام فِيهِ خَمْسَة أَيَّام ثمَّ أخرج وَاسْتمرّ مَرِيضا من الْقَهْر حَتَّى مَاتَ بعد اثني عشر يَوْمًا وَمن نظمه
(قَمِيص من الْقطن من حله ... وشربة مَاء قراح وقوت)
(ينَال بهَا الْمَرْء مَا يبتغي ... وَهَذَا كثير على من يَمُوت)
وَمن نظمه
стр. 111
. فعش مَا شِئْت في الدُّنْيَا وَأدْركَ ... بهَا مَا شِئْت من صيت وَصَوت)
(فحبل الْعَيْش مَوْصُول بِقطع ... وخيط الْعُمر مقصوص بِمَوْت)
وَله
(وَمَا الدَّهْر إِلَّا سلم فبقدر مَا ... يكون صعُود الْمَرْء فِيهِ هُبُوطه)
(وهيهات مَا فِيهِ نزُول وإنما ... شُرُوط الَّذِي يرقى إِلَيْهِ سُقُوطه)
(فَمن صَار أَعلَى كَانَ أوفى تهشما ... وَفَاء بِمَا قَامَت عَلَيْهِ شُرُوطه)
وَحكى السخاوي أَنه اسر مَعَ تيمور لنك وَنقل إِلَى سَمَرْقَنْد ثمَّ خرج مِنْهَا في سنة إِحْدَى عشر وجال بِبِلَاد الشرق وَرجع إِلَى دمشق وَقد جرى بَينه وَبَين الْبُرْهَان الباعوني الْمُقدم ذكره مطارحات مِنْهَا أَن الْبُرْهَان كتب إِلَيْهِ بِسِتَّة أَبْيَات الْتزم فِيهَا قافية الظَّاء المشالة أَولهَا
(أأحمد لم تكن وَالله فظاً ... وَلَكِن لَا أرى لى مِنْك حظا)
واستوفى كثيراً من اللُّغَة فَحصل لصَاحب التَّرْجَمَة سِتَّة أَبْيَات أُخْرَى قبل نظره في كتب اللُّغَة فَعجب من كَثْرَة اطِّلَاعه وسعة دائرته ثمَّ كتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات الْتزم فِيهَا الرَّاء قبل الْألف وَالرَّاء بعْدهَا أَولهَا
(من مجيري من ظلوم ... مِنْهُ أبعدت فِرَارًا)
وَاسْتوْفى مَا فِي الْبَاب فَكتب إِلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة قصيدة بغداذية فَلم يقدر على الْجَواب بِمِثْلِهَا وَكتب إِلَيْهِ بقوله
(يَا شهَاب الدَّين يَا ... أَحْمد يَابْنَ عرب شاه)
وَاسْتوْفى القافية فظفر صَاحب التَّرْجَمَة بأَشْيَاء تَركهَا فَكتب إِلَيْهِ
(قد أَتَى الْفضل عَلَيْهِ ... حلل اللَّفْظ موشاه) فتعجب الْبُرْهَان من سَعَة دائرته واطلاعه ثمَّ قَالَ لَهُ أَنا وَالله مَا
стр. 112
عرفتك إِلَّا الْآن فَقَالَ لَهُ وَالله وَإِلَى الْآن مَا عَرفتنِي وطالت الْمُكَاتبَة بَينهَا على هَذَا المنوال حَتَّى اجْتمع من ذَلِك مُجَلد
٦٩ - (أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي بن صَالح بن عبد الله بن أَحْمد قاطن
الحبابى ثمَّ الثلائى ثمَّ الكوكباني ثمَّ الصّنعاني كَانَ مولده لَيْلَة أَربع عشرَة محرم سنة ١١١٨ ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَألف قَرَأَ في مَدِينَة شبام وحصن كوكبان وتكسب بِالتِّجَارَة فِي مبادئ عمره بشبام مَعَ اشْتِغَاله بِالْعلمِ وإكبابه على الْفُنُون ثمَّ أَخذ في صنعاء عَن السَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الْأَخْفَش وَالسَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وطالت ملازمته للثَّالِث وَقَرَأَ عَلَيْهِ في عدَّة فنون وبقي في بَيته سِنِين فعاونه عِنْد الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن حُسَيْن بن الإمام المهدي وَكَانَ السَّيِّد الْمَذْكُور إِذْ ذَاك مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء الْأَكْبَر بِصَنْعَاء فولى صَاحب التَّرْجَمَة الْقَضَاء وَجعله من جملَة حكامها فاتفقت حَادِثَة كَانَ بِسَبَبِهَا عزل صَاحب التَّرْجَمَة مَعَ أَن الْحق مَعَه ثمَّ لما كَانَت خلَافَة الإمام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ولاه الْقَضَاء بِمَدِينَة ثلاء ثمَّ جعل إِلَيْهِ ولَايَة الْأَوْقَاف ثمَّ بعد ذَلِك اعتقله وحصلت لَهُ محن وَخرب بَيته فِي ثلاء بِسَبَب أَن السَّيِّد الْعَلامَة قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي احتسب عَلَيْهِ إِذْ ذَاك أَنه عمره فَوق مَقْبرَة ثمَّ عوضه الله فملكه الْأَمَام المهدي دَارا عَظِيمَة بِصَنْعَاء وَبهَا أَوْلَاده الآن وَسَائِر أَهله ثمَّ بعد اعتقاله حج وَبعد أَيَّام ولاه الْأَمَام المهدي الْقَضَاء الْأَكْبَر بِمَدِينَة صنعاء وَاسْتمرّ أَيَّامًا وحمدت مُبَاشَرَته مَعَ اشتهاره بالعفة والنزاهة وَعدم الْمُحَابَاة فى شئ من الْأُمُور لَا لصغير وَلَا لكبير وَكَانَ يكثر الْحَط
стр. 113
والإنكار على بعض المتعلقين بأعمال الْأَمَام المهدي كالفقيه علي الجرافي وَمن يشابهه فَمَا زَالُوا بالإمام المهدي حَتَّى اعتقله قبل مَوته بِنَحْوِ عَام ثمَّ اسْتمرّ مَحْبُوسًا إِلَى أَيَّام مَوْلَانَا الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فأفرج عَنهُ فَخرج إِلَى بَيته وَقد ثقل سَمعه وضعفت قوته لعلو سنه وَمَعَ ذَلِك فَمَا زَالَ يُقرئ من يطْلب الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ شغف بِالْعلمِ وَله عرفان تَامّ بفنون الِاجْتِهَاد على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وَله شُيُوخ عدَّة وَقد اختصر الإصابة وَكتب مجلداً يشْتَمل على أَسَانِيد الْكتب العلمية إِلَى مصنفيها وَترْجم جمَاعَة من رجال الإسناد وَهُوَ في حكم المعجم وَله كتاب آخر ذكر فِيهِ تراجم لأهل عصره وَكَانَ لَهُ عناية كَامِلَة بِعلم السنة وَيَد قَوِيَّة فِي حفظهَا وَهُوَ عَامل بِاجْتِهَاد نَفسه لَا يُقَلّد أحداً وَاسْتمرّ مشتغلاً بنشر الْعلم مُجْتَهدا في الطَّاعَات حَتَّى توفاه الله في لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة ١١٩٩ تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَله أَوْلَاد أعلمهم عبد الحميد بن أَحْمد وَله عرفان كَامِل فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد مَعَ سمت ووفور عقل وجودة فهم وَقُوَّة إِدْرَاك وَهُوَ على طَريقَة وَالِده في الْعَمَل بالأدلة ومولده حَسْبَمَا ذكر لي بِخَطِّهِ سَابِع عشر شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٧٥ خمس وَسبعين وَمِائَة وَألف وَهُوَ الان مكب على طلب الْعُلُوم مشتغل بِالنّظرِ في أَمر معاشه ومعاده مقبل على شَأْنه قد شغلته نَفسه عَن غَيره وَمن شعر وَالِده المترجم لَهُ حَسْبَمَا رَأَيْت ذَلِك بِخَطِّهِ مَنْسُوبا إِلَيْهِ
(يَا ساريا لسرى الْحسن كم أسرت ... عيونه من كميّ حَار في حوره)
(نوافث السحر مِنْهَا قيدته ضحى ... وَالله أعلم مَا كَانَ انْتهى خَبره)
(فاعقل قلوصك واعقل من سريت لَهُ ... فَأَنَّهُ الشَّمْس تعشوا الْعين من نظره)
стр. 114
(٧٠) أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن مربع بن حَازِم بن إبراهيم بن الْعَبَّاس المصري الشافعى الشَّيْخ نجم الدَّين ابْن الرّفْعَة
ولد سنة ٦٤٥ خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَأخذ عَن الضياء جَعْفَر بن الشَّيْخ عبد الرَّحِيم والسديد الأرمي وَابْن بنت الْأَعَز وَابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيرهم واشتهر بالفقه إِلَى أَن صَار يضْرب بِهِ الْمثل وَكَانَ إِذا أطلق الْفَقِيه انْصَرف إِلَيْهِ بِغَيْر مشارك مَعَ مشاركته في الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول ودرس بالمعزية وَأفْتى وَعمل الْكِفَايَة في شرح التَّنْبِيه ففاق الشُّرُوح ثمَّ شرع فِي شرح الْوَسِيط فَعمل بِهِ فِي أول الرّبع الثاني إِلَى آخر الْكتاب وَشرع فِي الربع الأول إِلَى أثْنَاء الصَّلَاة وَمَات فأكمله غَيره وَله تصانيف لطاف وَولى حسبَة مصر وناب في الحكم ثمَّ عزل نَفسه وَحج سنة ٧٠٧ وَكَانَ حسن الشكل فصيحاً ذكياً محسناً إِلَى الطّلبَة كثير السعي في قَضَاء حوائجهم وَكَانَ قد ندب لمناظرة ابْن تَيْمِية وَسُئِلَ ابْن تَيْمِية عَنهُ بعد ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت شَيخا يتقاطر فقه الشَّافِعِيَّة من لحيته هَكَذَا ذكر ابْن حجر فِي الدُّرَر وَندب صَاحب التَّرْجَمَة لمناظرة ابْن تَيْمِية لَا يَفْعَله الا من لَا يفهم وَلَا يدري بمقادير الْعلمَاء فَابْن تَيْمِية هُوَ ذَلِك الإمام المتبحر فِي جَمِيع المعارف على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وَأَيْنَ يَقع صَاحب التَّرْجَمَة مِنْهُ وماذا عساه يفعل فِي مناظرته اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون المناظرة بَينهمَا في فقه الشَّافِعِيَّة فَصَاحب التَّرْجَمَة أهل للمناظرة وَأما فِيمَا عدا ذَلِك فَلَا يُقَابل ابْن تَيْمِية بِمثلِهِ إِلَّا من لَا يفهم وَلَعَلَّ النادب لَهُ بعض أُولَئِكَ الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا يشتغلون بِمَا لَا يعنيهم من أَمر الْعلمَاء كسلار وبيبرس وأضرا بهما وَلَا ريب أَن صَاحب التَّرْجَمَة غير مَدْفُوع عَن
стр. 115
تقدّمه في فقه الشَّافِعِيَّة وَلَكِن لَا مدْخل للمناظرة فِيهِ بَين مُجْتَهد ومقلد وَقد أثنى ابْن دَقِيق الْعِيد على صَاحب التَّرْجَمَة وَكَذَلِكَ السبكي وَقَالَ كَانَ افقه من الروياني صَاحب الْبَحْر قَالَ الْكَمَال جَعْفَر برع فِي التفقه وانتهت إِلَيْهِ رياسة الشَّافِعِيَّة في عصره وَكَانَ ديّناً حسن الشكل جميل الصُّورَة فصيحاً مفوهاً كثير الإحسان إِلَى الطّلبَة قَالَ القاضي أَبُو الطَّاهِر السقطي كَانَت لي حَاجَة عِنْد القاضي لتوليه الْعُقُود فَتوجه ابْن الرّفْعَة معي إِلَى الْقَاهِرَة فحضرنا درس القاضي فبحث معي ابْن الرّفْعَة فِي ذَلِك الدَّرْس ثمَّ جعل يَقُول ياسيدنا يازين الدَّين ترفق بى ثمَّ عرف القاصى بي فَقضى حاجتي وَلما تولى ابْن دَقِيق الْعِيد الْقَضَاء توجه معي إليه وَلم يكن لَهُ بي معرفَة فَقَالَ لَهُ مَا تذكر سيدنَا لما درس العَبْد بالمعزية وشرفتهم بالحضور وَأورد سيدنَا الْبَحْث الفلاني وَأجَاب فَقِيه في الْمجْلس بِكَذَا فَاسْتحْسن سيدنَا جَوَابه هُوَ هَذَا فولانى وحكاياته في ذَلِك كَثِيرَة قَالَ وَكَانَ أَولا فَقِيرا مضيقاً عَلَيْهِ فباشر في حِرْفَة لَا تلِيق بِهِ فلامه الشَّيْخ تقي الدَّين ابْن الصايغ فَاعْتَذر إليه بِالضَّرُورَةِ فَتكلم لَهُ مَعَ القاضي وأحضره درسه فبحث وَأورد نَظَائِر وفوائد فأعجب بِهِ القاضي وَقَالَ لَهُ إلزم الدَّرْس فَفعل ثمَّ ولاه قَضَاء الْوَاجِبَات فحسنت حَاله ثمَّ ولى أَمَانَة الحكم بِمصْر فَوَقع بَينه وَبَين بعض الْفُقَهَاء شئ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنه نزّل فَقِيه الْمدرسَة عُريَانا فاسقط الْعلم السمهودي نَائِب الحكم عَدَالَته فتعصب لَهُ جمَاعَة وَرفعُوا امْرَهْ إِلَى القاضي فَقَالَ إنه لم يَأْذَن لنائبه فِي الإسقاط فَعَاد لحاله ومؤلفاته تشهد لَهُ بالتبحر في فقه الشَّافِعِيَّة وَلما ولي ابْن دَقِيق الْعِيد اسْتمرّ على نِيَابَة الحكم حَتَّى حصل لَهُ أَمر عزل فِيهِ نَفسه فَلم يعده ابْن
стр. 116
دَقِيق الْعِيد وَسُئِلَ عَن ذَلِك فَقَالَ أَنا مَا صرفته ثمَّ تولى الْحِسْبَة فِي مصر إِلَى أن مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر شهر رَجَب سنة ٧١٠ عشر وَسَبْعمائة وَكَانَ كثير الصَّدَقَة مكباً على الاشتغال حَتَّى عرض لَهُ وجع المفاصل بِحَيْثُ كَانَ الثَّوْب إِذا لمس جسده المه وَمَعَ ذَلِك فَلَا يَخْلُو من كتاب مَعَه ينظر إِلَيْهِ وَرُبمَا انكب على وَجهه وَهُوَ يطالع
(٧١) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عماد بن علي الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس القرافى المصري ثمَّ المقدسي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الهائم
ولد في سنة ٧٥٦ سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة وَسمع في كبره من التقي ابْن حَاتِم وَالْجمال الأسيوطى والعراقى وَنَحْوهم واشتعل كثيراً وبرع في الْفِقْه والعربية وَتقدم في الْفَرَائِض ومتعلقاتها وارتحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَانْقَطع بِهِ للتدريس والإفتاء وناب هُنَالك في تدريس الصلاحية وانتفع بِهِ النَّاس وَكَانَ خيّرا مهاباً معلماً قوالا بِالْحَقِّ عَلامَة فِي فنون انْتَهَت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة في الْحساب والفرائض وَجمع فِي ذَلِك عدَّة تآليف عَلَيْهَا يعول النَّاس من بعده مِنْهَا كتاب الْفُصُول والجمل الوجيزة والأرجوزة الألفية كلهَا فِي الْفَرَائِض وَكتاب المعونة واللمع المرشدة ومختصر تَلْخِيص ابْن الْبناء كل ذَلِك في الْحساب والمنظومة اللامية في الْجَبْر والمقابلة والطريقة في المناسخة الْمَشْهُورَة الْآن وَفِي الْفِقْه شرح قِطْعَة من الْمِنْهَاج فى مُجَلد وَغَايَة السؤل فى الدَّين الْمَجْهُول وَتَحْقِيق الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول في رفع الحكم الشرعي قبل بعثة الرَّسُول ورسائل فِي مسَائِل عدَّة وَاخْتصرَ اللمع لأبي إسحاق الشِّيرَازِيّ فِي الْأُصُول وَله في الْعَرَبيَّة الضوابط الحسان فِيمَا يقوم بِهِ اللِّسَان ونظم
стр. 117
قَوَاعِد الْأَعْرَاب وَشَرحهَا والتبيان فى تَفْسِير غَرِيب الْقُرْآن وَالْعقد النضيد فِي تَحْقِيق كلمة التَّوْحِيد كتب مِنْهُ ثَلَاثِينَ كراسا وَالْبَحْر العجاج في شرح الْمِنْهَاج وَقطعَة من التَّفْسِير وابراز الخفايا في فن الْوَصَايَا وسارت بمؤلفاته وفضائله الركْبَان وَتخرج بِهِ كثير من الْفُضَلَاء ورحلوا اليه من الآفاق وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة وَتوفى في الْعشْر الْأَوَاخِر من جُمَادَى الآخرة سنة ٨١٥ خمس عشرَة وثمان مائَة وَكَانَ نادرة عصره في الْفَرَائِض والحساب ﵀
(٧٢) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن لُقْمَان بن أَحْمد بن شمس الدَّين بن الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى
أحد عُلَمَاء الزيدية الْمَشَاهِير لقي جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء وَأخذ عَنْهُم وَشهد لَهُ بِالْفَضْلِ أكَابِر مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم فإنه وَصفه بِالِاجْتِهَادِ وَمن مشايخه الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وَالسَّيِّد أَحْمد الشرفي الْمَذْكُور بعده وَكَانَ يدرس الطّلبَة بِجَامِع شهاره وَله تصانيف مِنْهَا شرح الكافل وَشرح الأساس وَشرح التَّهْذِيب للتفتازانى وَكتب تعاليق على الْمفصل والفصول اللؤلؤية وأوائل الْمِنْهَاج وَشرح بَعْضًا من الْبَحْر الزخار وَكَانَ أحد أُمَرَاء الجيوش في أَيَّام الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم وَله في ذَلِك مقامات مَشْهُورَة وَتُوفِّي فِي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع شهر رَجَب سنة ١٠٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَألف
стр. 118
(٧٣) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الشّرفي
الْعَلامَة المؤرّخ مُصَنف اللئالى المضية جعلهَا شرحاً لقصيدة السَّيِّد صارم الدَّين إبراهيم بن مُحَمَّد الَّتِى عَارض بهَا البسّامة وَهُوَ شرح حافل فِي ثَلَاث مجلدات وَتوفى فِي شهر الْحجَّة سنة ١٠٥٥ خمس وَخمسين وَألف سنة وَمن مصنفاته شرح الأساس وَشرح الأزهار في أَرْبَعَة مجلدات وَله أشعار وأخبار وَجِهَاد واجتهاد ومولده سنة ٩٧٥ خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَمن جملَة مشايخه الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَله تلامذة جهابذة
(٧٤) أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن علي بن يحيى بن مُحَمَّد بن خلف الله بن خَليفَة التقي أَبُو الْعَبَّاس الهيمي الداري
القسنطيني الأَصْل السكندري المولد القاهري المنشأ المالكي ثمَّ الحنفي وَيعرف بالشُمني بِضَم الْمُعْجَمَة وَالْمِيم ثمَّ نون مُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى مرزعة بِبَعْض بِلَاد الْمغرب أَو إِلَى قَرْيَة ولد في الْعشْر الْأَخِيرَة من رَمَضَان سنة ٨٠١ إِحْدَى وثمان مائَة باسكندرية وَقدم الْقَاهِرَة مَعَ أَبِيه فاسمعه عَن ابْن الكويك وَالْجمال الحنبلي والولي العراقي وَجَمَاعَة وَأَجَازَ لَهُ
стр. 119
آخرون وَقَرَأَ في الْأَصْلَيْنِ والنحو والمعاني وَالْبَيَان والمنطق وَغَيرهمَا وَمن جملَة مشايخه الْعَلَاء البخاري والصيرامي وتحول حَنِيفا في سنة ٨٣٤ وبرع في جَمِيع المعارف وصنف حَاشِيَة المغنى لخصها من حَاشِيَة الدمامينى وَكَذَلِكَ مزيل الخفاء عَن أَلْفَاظ الشِّفَاء وشرحاً متوسطاً للنقاية فِي فقه الْحَنَفِيَّة وَقَرَأَ ذَلِك مرَارًا وتنافس النَّاس في تَحْصِيل الْحَاشِيَة وتوسل بعض المغاربة بسلطانهم عِنْد من ارتحل إليه وكتبها في أعاربها كَذَا قَالَ السخاوي وَقد رَأَيْت حَاشِيَته على المغني وَحَضَرت عِنْد قِرَاءَة الطّلبَة عليّ فِي الأَصْل فَمَا وَجدتهَا مِمَّا يرغب فِيهِ لَا بِكَثْرَة فَوَائِد وَلَا بتوضيح خفي وَلَا بمباحثة مَعَ المُصَنّف بل غايتها نقُول من كَلَام الدمامينى وإنى لأعجب من تنافس النَّاس فى مثلهَا وَكَذَلِكَ حَاشِيَة الشِّفَاء فإنها في نَحْو أَربع كراريس وفيهَا تَفْسِير أَلْفَاظ غَرِيبَة من اللُّغَة يقوم بذلك أدنى الطّلبَة إذا حضر لَدَيْهِ الْقَامُوس فضلاً عَن غَيره وَقد انْتفع النَّاس بِصَاحِب التَّرْجَمَة في فنون مُتعَدِّدَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ طبقَة بعد طبقَة وَأخذُوا عَنهُ علوما جمة لاسيما الْكتب الْكَبِيرَة الدقيقة كالكشاف والبيضاوي وَشرح المواقف وَشرح الْمَقَاصِد والعضد والرضي والمطوّل وَانْفَرَدَ بتقرير جَمِيع ذَلِك من دون مُلَاحظَة للحواشي وَقد انْتفع بِهِ جمَاعَة من الأكابر كالأسيوطي والسخٍاوي وَغَيرهمَا وَكَانَ إماماً متفنناً متين الدّيانَة زاهداً عفيفاً متواضعاً حسن الصِّفَات قوي الإدراك ورسم لَهُ السُّلْطَان بفرس يركبهَا فركبها قَلِيلا ثمَّ عجز وَنزل عَنْهَا وَتركهَا فَقَالُوا لَهُ إِذا لم تركبها فَانْتَفع بِثمنِهَا وَلم يَنْفَكّ الْفُضَلَاء عَن ملازمته والأكابر عَن الْأَخْذ عَنهُ وَكَانَ لَا يكْتب على الْفَتَاوَى وَلَا يُجيب مافيه شهرة من الْأُمُور بل غَالب مَا يهواه الأنجماع
стр. 120
والخمول وَقد كَانَ عرض عَلَيْهِ الْقَضَاء وجاءه كَاتب السِّرّ وَأخْبرهُ أَنه إن لم يجب نزل السُّلْطَان إليه فصمم وَقَالَ الاختفاء مُمكن فَقَالَ لَهُ فِيمَا تجيب إِذا سَأَلَك الله عَن امتناعك مَعَ تعينه عَلَيْك فَقَالَ يفتح الله حِينَئِذٍ بِالْجَوَابِ وَلم يكن يحابي فِي الدَّين أحداً التمس مِنْهُ بعض الشَّبَاب من ذوي الْبيُوت أَن يَأْذَن لَهُ بالتدريس بعد أَن أهْدى اليه شيا فبادر إلى رد الْهَدِيَّة وَامْتنع من الإذن وَقد تزاحم النَّاس عَلَيْهِ فى آخر أَيَّامه وَصَارَ شيخ الْفُنُون بِلَا مدافع وَجَمِيع الْأَعْيَان من جَمِيع الْمذَاهب تلامذته وَمَات فِي سَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة ٨٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعَة مثله وَخلف ألف دِينَار وذكرين وَأُنْثَى من جَارِيَة
(٧٥) أَحْمد بن مصطفى بن خَلِيل الرومي الحنفي الْمَعْرُوف بطاشكبري
ولد لَيْلَة الرَّابِع عشرَة من شهر ربيع الأول سنة ٩٠١ إِحْدَى وَتِسْعمِائَة وقرأ على جمَاعَة من عُلَمَاء الروم فِي عدَّة فنون وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِمَدِينَة بروسا إحدى مَدَائِن الروم ثمَّ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُوَ مُصَنف الشقائق النعمانية فِي عُلَمَاء الدولة العثمانية وَقد ترْجم لنَفسِهِ في آخرها وَذكر مشايخه ومقروءاته وَذكر أَنه عمى فِي سنة ٩٦١ وَلم أَقف على تَارِيخ مَوته
(٧٦) أَحْمد بن مُوسَى الخيالي الرومي
قَرَأَ على وَالِده وعَلى خضر بك وبرع في الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وفَاق أقرانه ودرس بمدارس الروم وَكَانَ دَقِيق الذِّهْن باهر الذكاء أفحم أكَابِر عُلَمَاء عصره فِي دقائق الْعُلُوم وَكَانَ كثير الدَّرْس قَلِيل الْأكل حَتَّى صَار نحيفاً بِحَيْثُ إنه كَانَ يحلق بإصبعه السبابَة والإبهام وَيدخل فِيهَا يَده فينتهي الى
стр. 121
عضده وَله مصنفات مِنْهَا حواشي شرح العقائد وحاشية على أوائل حَاشِيَة التَّجْرِيد وَمَات وَله ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة شَابًّا وَلَو عَاشَ لزاحم الشريف وَأَضْرَابه وَهُوَ مَوْجُود فِي دولة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بن مُرَاد خَان وَكَانَ قعوده على تخت السلطنة سنة ٨٥٥ كَمَا سيأتي إن شَاءَ الله
(٧٧) الإمام المهدي احْمَد بن يحيى بن المرتضى بن مفضل بن مَنْصُور بن مفضّل
ابْن حجاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن يُوسُف الداعي بن يحيى الْمَنْصُور ابْن أَحْمد النَّاصِر بن يحيى الهادي بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب الإمام الْكَبِير المُصَنّف في جَمِيع الْعُلُوم ولد بِمَدِينَة ذمّار يَوْم الِاثْنَيْنِ لَعَلَّه سَابِع شهر رَجَب سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة قَرَأَ فِي علم الْعَرَبيَّة فَلبث في قِرَاءَة النَّحْو والتصريف والمعاني وَالْبَيَان قدر سبع سِنِين وبرع فِي هَذِه الْعُلُوم الثَّلَاثَة وفَاق غَيره من أَبنَاء زَمَانه ثمَّ أَخذ فِي علم الْكَلَام على صنوه الهادي وعَلى القاضي يحيى بن مُحَمَّد المدحجي فَسمع على الآخر الْخُلَاصَة وَحفظ الغياضة ثمَّ شرح الْأُصُول للسَّيِّد مَا نكديم ثمَّ أَخذ في علم اللَّطِيف فَقَرَأَ تذكرة ابْن متويه على القاضي الْمَذْكُور مرة ثمَّ على القاضي علي بن عبد الله بن أَبى الْخَيْر مرة أُخْرَى ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ الْمُحِيط وَالْمُعْتَمد لأبي الْحُسَيْن البصري ومنتهى السؤل وَسمع على الْفَقِيه علي بن صَالح السِّيرَة النَّبَوِيَّة ونظام الْغَرِيب ومقامات الحريري وعَلى الْمُقْرِئ الْمَعْرُوف بِابْن النسّاخ الْكَشَّاف وعَلى أَخِيه الهادي الْمُتَقَدّم علم الْفِقْه وَقَرَأَ غير ذَلِك وتبحر في الْعُلُوم واشتهر فَضله وَبعد صيته وصنف
стр. 122
التصانيف ففى أصُول الدَّين نكت الفرائد في معرفَة الْملك الْوَاحِد والقلائد وَشَرحهَا الدُّرَر الفرائد والملل وَشَرحهَا الأمنية والأمل ورياضة الأفهام في لطيف الْكَلَام وَشَرحهَا دامغ الأوهام وَفِي أصُول الْفِقْه كتاب الْفُصُول في معاني جَوْهَرَة الْأُصُول ومعيار الْعُقُول وَشَرحه منهاج الْوُصُول وفي علم النَّحْو الْكَوْكَب الزَّاهِر شرح مُقَدّمَة طَاهِر والشافية شرح الكافية والمكلل بفرائد معانى الْمفصل وتاج عُلُوم الْأَدَب فى قانون كَلَام الْعَرَب واكليل التَّاج وجوهرة الْوَهَّاج وفي الْفِقْه الأزهار وَشَرحه الْغَيْث المدرار فى أَرْبَعَة مجلدات وَالْبَحْر الزخار فى مجلدين وفى الحَدِيث كتاب الْأَنْوَار فى الْآثَار الناصة على مسَائِل الأزهار فِي مُجَلد لطيف وَكتاب الْقَمَر النوار فى الرَّد على المرخصين في الملاهي والمزمار وفي علم الطَّرِيقَة تَكْمِلَة الْأَحْكَام وفي الْفَرَائِض كتاب الفائض وفي الْمنطق القسطاس وفى التَّارِيخ الْجَوَاهِر والدرر وَشَرحهَا يَوَاقِيت السّير وَقد انْتفع النَّاس بمصنفاته لَا سِيمَا الْفِقْهِيَّة فان عُمْدَة زيدية الْيمن في جَمِيع جهاته على الأزهار وَشَرحه وَالْبَحْر الزخار وَلما اشتهرت فضائله وَكَثُرت مناقبه بَايعه
стр. 123
النَّاس عِنْد موت الإمام النَّاصِر في شهر شَوَّال سنة ٧٩٣ يمدينة صنعاء بِمَسْجِد جمال الدَّين ثمَّ خَرجُوا إِلَى بَيت بوس فترجح لأهل بَيت بوس أَن تكون الدعْوَة من مكانهم وأظهروا الْكَلَام والتنصير فبادر رجل من
стр. 124
صنعاء فَوجدَ أهل صنعاء فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَقد كَانَت وَقعت الْمُبَايعَة بِاللَّيْلِ لولد الْأَمَام النَّاصِر وَهُوَ الامام الْمَنْصُور على بن صَلَاح الدَّين فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك انزعجوا وَجعلُوا مخرجهم من الْجَامِع الى حِصَار بَيت بوس فأحاطوا بِهِ وَوَقع الْقِتَال فَقتل من أهل بَيت بوس نَحْو عشرَة وَمن جَيش الْمَنْصُور علي بن صَلَاح قدر خمسين في ثَلَاثَة عشر يَوْمًا ثمَّ وَقع الصُّلْح بَين الْجَمِيع على أَن يرجِعوا إِلَى مَا يَقُوله الْعلمَاء وَرَجَعُوا جَمِيعًا إِلَى صنعاء وَمَعَهُمْ صَاحب التَّرْجَمَة فَلَمَّا وصلوا إلى صنعاء لم يحصل مِنْهُم الْوَفَاء بِمَا وَقع عَلَيْهِ التصالح فَرجع من نَاحيَة بَاب شعوب هُوَ وَسَبْعَة أَنْفَار فِي اللَّيْل ووصلوا إِلَى بني شهَاب فَأَجَابُوا دَعوته وامتثلوا أمره وَمَضَت أوامره هُنَالك وَجَرت أحكامه فَأخْرج الْمَنْصُور إلى قِتَاله بعض المقدمين من أمرائه فَكَانَ النَّصْر لصَاحب التَّرْجَمَة ثمَّ اسْتخْلف على جِهَات أنس السَّيِّد علي بن أَبى الْفَضَائِل وعزم ووصلته الْكتب من أهل الْجِهَات الْعليا وَمن الأشراف آل يحيى وَأهل الظَّاهِر واستدعوه للنهوض إِلَى صعده فَمَا وصل إلى محيب من جِهَة نَاحيَة حُضُور لقِيه الْعلمَاء والقبائل ثمَّ وصلته رسل الْأُمَرَاء بني تَاج الدَّين أهل الطَّوِيلَة وكوكبان فَتقدم الى الطَّوِيلَة وصلحت جَمِيع تِلْكَ الْجِهَات وَدخلت تَحت طَاعَته فَلَمَّا علم الْمَنْصُور وأمراؤه بذلك خَافُوا مِنْهُ على صعده فراسلوا السَّيِّد علي بن أَبى الْفَضَائِل بأنهم لَا يُرِيدُونَ إلا الْحق وَأَنَّهُمْ مَعَ اخْتِلَاف الْكَلِمَة يخَافُونَ على الْبِلَاد من سُلْطَان الْيمن وعرفوه أَنه يسترجع الإمام فوصلت إليه كتب السَّيِّد يستنهضه ويحرج عَلَيْهِ بأنه لَا يجوز التَّأَخُّر سَاعَة وَاحِدَة فَرجع فَلم يَقع الْوَفَاء بِمَا وعده الْمَنْصُور فأقام الإمام فِي رصابه ثمَّ خرج جَيش من صنعاء من جَيش الْمَنْصُور على
стр. 125
غرَّة فَلم يشْعر الإمام إلا وَقد أحاطوا بِهِ فَلَمَّا علم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم وَقع الصُّلْح على سَلامَة من مَعَه من الْعلمَاء وَسَائِر أَصْحَابه وَيخرج هُوَ إليهم يذهبون بِهِ مَعَهم فَلَمَّا صَار في جَامع معبر نقضوا عَهدهم وَقتلُوا من كَانَ فِي الدَّار وَكَانَ في المقتولين ثَمَانِيَة من الْفُقَهَاء وَسلم مِنْهُم جمَاعَة فأسروا مَعَه ودخلوا بهم ذمّار دخلة مُنكرَة ثمَّ قيدوه وقيدوا مَعَه السَّيِّد على بن الهادى ابْن المهدي والفقيه سُلَيْمَان وَغَيرهم بقيود ثَقيلَة وأطلقوا بَقِيَّة الْفُقَهَاء ثمَّ سَارُوا إِلَى صنعاء فَلَمَّا قربوا مِنْهَا أحَاط بهم السُّفَهَاء يؤذونهم بالْكلَام وهم في الْمحمل فَقَالَ الْفَقِيه سُلَيْمَان ادع عَلَيْهِم فَرفع سجاف الْمحمل وَسلم عَلَيْهِم فَلَمَّا رَأَوْهُ كفوا عَن الأذية ودعوا الله أَن يَنْفَعهُمْ بِهِ ثمَّ سجن بقصر صنعاء من سنة ٧٩٤ إِلَى سنة ٨٠١ وفي الْحَبْس صنف الأزهار ثمَّ خرج بعناية من الَّذين وضعُوا لحفظه وَكَانَ خُرُوجه بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَسَار إلى هِجْرَة الْعين ثمَّ طلع في جَوف اللَّيْل إلى حصن ثلا وَطلب النَّاس مِنْهُ اظهار الْأَمر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فرجح التَّأْخِير حَتَّى يختبرهم ثمَّ بعد ذَلِك تقدّم على صعدة مَعَ علي بن الْمُؤَيد وَقد دَعَا فِي أَيَّام حَبسه فافتتحا صعدة ثمَّ قدّم الْمَنْصُور بعض امرائه ثمَّ تلاشى الْأَمر وتثبط النَّاس عَن نصرته فأراح قلبه عَن التَّعَلُّق بِهَذَا الْأَمر وَعَكَفَ على التصنيف وأكب على الْعلم حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في شهر الْقعدَة سنة ٨٤٠ أَرْبَعِينَ وثمان مائَة بالطاعون الْكَبِير الَّذِي مَاتَ مِنْهُ أَكثر الْأَعْيَان وقبره بظفير حجه مَشْهُور مزورومات الْمَنْصُور علي بن صَلَاح فِي هَذِه السنة في شهر
стр. 126
(٧٨) أَحْمد بن بحيى حَابِس الصّعدي اليماني أحد مشاهير عُلَمَاء الزيدية
وَله مَشَايِخ كبراء مِنْهُم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وبرع فِي عُلُوم عدَّة وصنّف تصانيف مِنْهَا شرح تَكْمِلَة الأحكام وَشرح الشافية لِابْنِ الْحَاجِب وَلم يكمل وَشرح الكافل وتكميل شرح الأزهار والمقصد الْحسن وَجَمِيع تصانيفه مقبولة وَله شرح على الثَّلَاثِينَ مَسْأَلَة فِي أصول الدَّين وَتَوَلَّى الْقَضَاء بصعدة وَاسْتمرّ فِيهِ حَتَّى مَاتَ في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر شهر ربيع الأول سنة ١٠٦١ احدى وَسِتِّينَ والف
(٧٩) أَحْمد الْمَكْر بِفَتْح الْمِيم وَالْكَاف وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة
رجل من أهل الْيمن الْأَسْفَل رَأَيْته في سنة ١٢١٥ وَقد صَار في سن عالية أخبرني أَنه فِي مائَة وَأَرْبع وَعشْرين سنة وَنصف سنة وَمَعَ هَذَا فَهُوَ صَحِيح الْعقل والحواس مُسْتَقِيم الْقَامَة حسن الْعبارَة وَله تعلق بالتصوف تَامّ ورأيته كثير المكاشفة ثمَّ بعد هَذِه السن تزوج وَولد لَهُ كَمَا أخبرني عَن نَفسه في سنة ١٢١٦ وأخبرني غَيره وَرَأَيْت رجلاً آخر على رَأس الْقرن الثاني عشر يذكر أَنه قد صَار في مائَة سنة وَسبع وَعشْرين سنة وَنصف سنة وَيذكر أَنه من بني الهبل فصدقوه في علو سنه وَهَذَا الْعُمر خَارج عَن الْعَادة الْمَعْرُوفَة في هَذِه الأزمنة مَعَ كَون كل وَاحِد من الرجلَيْن صَحِيح الْحَواس قوي الْبدن وَمِمَّا يحسن ذكره هُنَا أَن رجلاً يُقَال لَهُ حُسَيْن عَامر الداغية من بِلَاد الحدا بلغ في الْعُمر إلى نَحْو تسعين سنة ثمَّ ظهر بِرَأْسِهِ قرنان كقرون الْمعز فَوق أُذُنَيْهِ
стр. 127
وانعطفا على أُذُنَيْهِ وشاعت الْأَخْبَار بذلك إلى أَن بلغت الينا إلى مَدِينَة صنعاء وَكَانَ المخبرون ثِقَات من أهل الْعلم ثمَّ لما بلغ الْخَبَر خَليفَة الْعَصْر حفظه الله أرسل رَسُولا يأتي بِهِ وَكَانَ ذَلِك باطلاعي فَرَجَعت جوابات من شيخ ذَلِك الْمحل وَهُوَ رجل يُقَال لَهُ سعد مِفْتَاح أَن صَاحب الْقُرُون مَوْجُود لديهم بِيَقِين وَلكنه قطعهمَا لما تأذى بهما وَرَأَيْت الجوابات ثمَّ تَوَاتَرَتْ الْقَضِيَّة تواتراً لم يبْق فِيهِ شك وَذَلِكَ في سنة ١٢١٥
وَمن الغرائب الْحَادِثَة فِي هَذَا الْعَام أن امْرَأَة قد كَانَت قريب الْبلُوغ فَخرج لَهَا في فرجهَا ذكر وَصَارَت رجلاً بعد أَن كَانَت امْرَأَة وَقد أخبرني بذلك السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى الكيسي وَقَالَ إن فرجهَا كَانَ ثقباً صَغِيرا وَأَنه أمرها بعد ظُهُور الذكر أن تلبس لبس الرِّجَال فلبسته وهي الآن كَذَلِك
(٨٠) السَّيِّد أَحْمد بن يُوسُف بن الْحُسَيْن ين الْحسن ابْن الإمام الْقَاسِم
الْمُحَقق الْعَلامَة الْمُحدث البارع في علم السّنة الْمَشْهُور بحفظها وَحفظ رجالها حَتَّى لقب الحَدِيث لغلبته عَلَيْهِ كَانَ عَارِفًا بفنون الآلة جَمِيعًا وَله يَد طولى في علم الْأَدَب وقصائد طنانة وَله تَخْرِيج لمجموع الإمام زيد بن علي نَفِيس يدل على طول بَاعه فِي علم الرِّوَايَة وَكَانَ مَشْهُورا بدماثة الْأَخْلَاق والتواضع والاحتمال وَالصَّبْر وَسُكُون الطَّبْع وَالْوَقار وَله فِي ذَلِك أَحْوَال عَجِيبَة حَتَّى كَانَ إِذا تَركه أَهله من طَعَامه وَشَرَابه أوشئ مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ لَا يطْلب ذَلِك مِنْهُم وَلَا يظْهر عَلَيْهِ غضب بل يحْتَمل كل شَيْء وَهَذَا فِي خَواص أَهله الَّذين هم مَحل تبذل الإنسان وَعدم تحفظه فَمَا ظَنك بِسَائِر النَّاس فَمن قصائده
стр. 128
الطنانة القصيدة الَّتِي أَولهَا
(أَيهَا الْقَاصِر الفعال على اللَّهْو ... ألما يَئِن لَك الإقصار)
(قد أَتَاك المشيب فِيهِ من الله ... إِلَيْك الْأَعْذَار والإنذار)
(فاترك اللَّهْو جانباً واحتشمه ... فَهُوَ ضيف قراه مِنْك الْوَقار)
(إن سكر الشَّبَاب لم يبْق مِنْهُ ... بعد صحو المشيب إلا الْخمار)
(قد تولى ريعانه وَهُوَ ليل ... وأنار القتير وَهُوَ نَهَار)
(أضلال من بعد أَن وضح الصُّبْح لرائيه فاستبان الْمنَار)
(صخك الشيب مِنْهُ فابك خَطَايَا ... ك وأقلل فحتفك الإكثار)
(لَيْسَ خَمْسُونَ حجَّة بعْدهَا عز ... ف وَلَا صبوة وَلَا استهتار)
(ذهب المتقون بِاللَّه بالعز ... وذل العصاة والذل عَار)
(وَاتبع فِي الورى الَّذين قفوا أَحْمد في فعله وَمَا عَنهُ جاروا)
(سلكوا نهجه القويم فللحق على الْخلق عِنْدهم إيثار)
(مَالهم مَذْهَب سوى الْخَبَر المر ... وي عَنهُ وَلَا لَهُم اخْتِيَار)
وَهِي ابيات طَوِيلَة وَمن نظمه
(ياليلة بِالْقصرِ قصرهَا ... طيب عَلَيْهَا لذّ لي قصر)
(قد أمكنت كفى من قمر ... أَلْقَت الى عنائه الْخمر)
(فَغَدَوْت أجنى الْهم مِنْهُ وَقد ... أدنى الى قَضِيَّة الهصر)
(وسكرت من فِيهِ وَمن يَده ... خمرين خيرهما حوى الثغر)
(وَغدا لِسَان الْحَال ينشدني ... متمثلا شعرًا هُوَ السحر)
(يامنة امتنها السكر ... لَا ينقضي مني لَهَا الشُّكْر)
وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل ناشراً لعلومه متواضعاً في كل أَحْوَاله حَتَّى
стр. 129
توفاه الله تَعَالَى فِي أَوَاخِر شهر جُمَادَى الآخرة سنة ١١٩١ وَكَانَ مولده بعد سنة ١١٢٠ وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن علمائها
(٨١) السَّيِّد أَحْمد بن يُوسُف بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن صَلَاح ابْن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن علي زبارة
بِفَتْح الزاي بعْدهَا مُوَحدَة وَبعد الْألف رَاء مُهْملَة نِسْبَة الى مَحل يُقَال
стр. 130
لَهُ زبار في بِلَاد خولان ولد سنة ١١٦٦ أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَقَرَأَ على مَشَايِخ صنعاء فَمن جملَة مقروءاته الْقرَاءَات السَّبع تَلَاهَا على الشَّيْخ الْعَلامَة هادي بن حُسَيْن القارني الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَرَأَ النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول على مَشَايِخ صنعاء وَمن حملتهم شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربى الآتى ذكره انشاء الله وَقَرَأَ الفقه
стр. 131
على الْفَقِيه الْعَارِف شَيخنَا أَحْمد بن عَامر الحدائى وعَلى الْفَقِيه الْعَارِف سعيد ابْن اسمعيل الرشيدي وَقَرَأَ في الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمي وفي التَّفْسِير على المغربي الْمُتَقَدّم وبرع فِي أكثر هَذِه المعارف وَأفْتى ودرّس وَصَارَ الآن من شُيُوخ الْعَصْر ورافقني فِي قِرَاءَة التَّفْسِير على شَيخنَا المغربي وَحضر فِي قِرَاءَة الطّلبَة عليّ فِي شرحي للمنتقى وَطلب مني إجازته لَهُ وَقد كنت في أَيَّام الصغر حضرت عِنْده وَهُوَ يقْرَأ في شرح الفاكهي للملحة وَهُوَ أكبر مني فإنه كَانَ اذ ذَاك في نَحْو ثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ حسن المحاضرة جميل الْمُرُوءَة كثير التَّوَاضُع لَا يعد نَفسه شَيْئا يَعْتَرِيه في بعض الْحَالَات حِدة ثمَّ يرجع سَرِيعا وَقد يقهرها بالحلم وَلَيْسَ بمتصنع في ملبسه وَجَمِيع شؤونه وبيني وَبَينه مجالسة ومؤانسة ومحبة أكيدة من قديم الْأَيَّام وَلما كَانَ شهر رَجَب سنة ١٢١٣ صَار قَاضِيا من جملَة قُضَاة الحضرة المنصورية أعزها الله وعظّمه مَوْلَانَا الإمام تَعْظِيمًا كَبِيرا بعد أَن أشرت عَلَيْهِ بنصبه وعرفته بجليل مِقْدَاره وَهُوَ الآن حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على الْقيام بوظيفة الْقَضَاء ناشر للْعلم بِقدر الطَّاقَة
стр. 132
(٨٢) أَحْمد بن يُوسُف الرباعي
ولد بِصَنْعَاء سنة ١١٥٥ خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن جمَاعَة من علمائها في الْفِقْه والعربية والْحَدِيث وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد الْأَمِير واتصل بالحاكم الْأَكْبَر يحيى بن صَالح السحولي فَكَانَ يلي لَهُ أعمالاً فيحكمها ويتقنها ثمَّ بعد مَوته اتَّصل بي وَأخذ عَنى في الحَدِيث فَقَرَأَ عليّ في البخاري وفي الْأَحْكَام للهادي وَحضر عندي في كثير من الدُّرُوس وَصَارَ الآن من جملَة الْحُكَّام في صنعاء وَهُوَ مُسْتَمر على ملازمتي وَكَثِيرًا مَا أفوض إليه أعمالاً فَيقوم بهَا أتم قيام وَله فهم قويّ وعرفان تَامّ وإنصاف وَفهم للْحَقِيقَة وَعدم جمود على التَّقْلِيد مَعَ حسن سمت وَسُكُون ووقار وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا يقْرَأ عليّ في شرحي للمنتقى وفي مؤلفى الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدرارى وَولده حسن ابْن أَحْمد من أذكياء الطّلبَة وَله سَماع على فى المؤلفين الْمَذْكُورين وَهُوَ مَعَ حَدَاثَة سنة يسابق في فهمه وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(٨٣) اسحق بن مُحَمَّد العبدي الصعدي اليماني
ولد تَقْرِيبًا في وسط الْقرن الحادي عشر وَقَرَأَ على شُيُوخ عصره في جَمِيع الْفُنُون وبرع وفَاق الأقران وَصَارَ مُنْفَردا فِي جَمِيع علومه وَله شُيُوخ أجلاء مِنْهُم القاضي صَالح بن مهدي المقبلي الآتي ذكره واتصل بالإمام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب فَعَظمهُ وَصَارَ من جملَة وزرائه بعد أَن كَانَ في غَايَة الْفقر وَنِهَايَة المكابدة للْحَاجة ثمَّ جرى بَينه وَبَينه شئ فارتحل الْمَذْكُور إلى بِلَاد الْهِنْد وأكرمه سلطانها إكراماً عَظِيما وطوف تِلْكَ الْبِلَاد وَتردد فِي الْجِهَات واتصل بالعلماء والملوك وَغَيرهم وظفر بكتب
стр. 133
وَاسِعَة وتبحر في المعارف ودرّس وصنّف فَمن مصنّفاته الحافلة المفيدة الْمُؤلف الَّذِي سَمَّاهُ الاحتراس مجيبا على الكردى مؤلف النبراس الَّذِي اعْترض بِهِ على مؤلف الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْمُسَمّى بالأساس وَلَقَد أَتَى صَاحب التَّرْجَمَة في مُؤَلفه هَذَا بِمَا يفوق الْوَصْف من التحقيقات الباهرة وضايق الكردي مَعَ تبحره فِي الْعُلُوم مضايقة شَدِيدَة وَكَانَ يبين مَوَاضِع نقل الكردي ثمَّ ينْقل بَقِيَّة الْكَلَام الَّذِي تَركه فِي الْمَنْقُول مِنْهُ كالمواقف والمقاصد وَشرح التَّجْرِيد وَنَحْو ذَلِك وَكَثِيرًا مَا يُوجد في الْكَلَام مَا يدْفع مَا أوردهُ الكردي ثمَّ بعد ذَلِك يتَكَلَّم بِكَلَام لَا يعرف قدره إلا من تبحر في عُلُوم الْعقل وَالنَّقْل وَلَقَد سلك مسالك في هَذَا الْكتاب يبعد الْوُصُول إليها من كثير من الْمُحَقِّقين وَله أشعار رائقة ورسائل فائقة وترسلات بليغة وخطه في الطَّبَقَة الْعليا من الْحسن وَحَاصِله أَن مثله فِي مَجْمُوعه قَلِيل النظير وَتوفى فِي سنة ١١١٥ خمس عشرَة وَمِائَة وَألف بأبي عَرِيش وقبر هُنَالك وَمن نظمه
(قف بالرسوم العافيات نادباً ... وأدّ من حق الْبكاء وَاجِبا)
(وناد وصل الغانيات نَادِما ... يَا آيباً أَن لَا يكون آيبا)
(فَلَا تلام إن وقفت شاكياً ... وإن وقفت الدمع فِيهَا ساكبا)
(معاهد عهدتها ملاعبا ... فقد غَدَتْ برغمنا متاعبا)
(مازلت فِي شرع الغرام قَاضِيا ... لكنّه غَدا عليّ قاضبا)
(وَلم تكن عزايمى نوائباً ... وَكم وقفت في النَّوَى نوائبا)
(فَمَا لمخضوب البنان معرضاً ... عَن وصل مسلوب الْجنان جانبا)
وَمن شعره أَيْضا قَوْله
стр. 134
(أَمر بدارها فأطوف سبعاً ... وألثم ركنها من بعد لمس)
(فسموني بِعَبْد الدَّار جهلاً ... وَمَا علمُوا بانى عبد شمس)
(٨٤) السَّيِّد اسحق بن يُوسُف بن المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد حَسْبَمَا وجد بِخَطِّهِ فى سنة ١١١١ إحدى عشرَة وَمِائَة وَألف وَهُوَ إمام الْآدَاب وَالْفَائِق فِي كل بَاب على ذوي الْأَلْبَاب قَرَأَ فِي الآلات وَلم تطل أَيَّام طلبه بل هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلى أيام طلب غَيره من الطّلبَة لَا تعد وَلكنه نَالَ بِقُوَّة فكرته الصادقة وجودة ذهنه الفائقة مَالا يَنَالهُ غَيره من أهل الِاشْتِغَال الطَّوِيل ثمَّ قَرَأَ بعد ذَلِك في علم الحَدِيث على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَكَانَ يتعجب من ذكائه وَله مصنفات مِنْهَا تفريج الكروب في مَنَاقِب علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَهُوَ كتاب نَفِيس وَله رسائل كالرسالة الَّتِى سَمَّاهَا الْوَجْه الْحسن الْمَذْهَب للحزن وفيهَا من البلاغة وَحسن المسلك مَا يشْهد لَهُ بالتفرد ومضمونها الإنكار على من عادى علم السنة من الْفُقَهَاء الزيدية وعَلى من عادى علم الْفِقْه من أهل السنة وَكَانَ يمِيل إِلَى الإنصاف وَلكنه لَا يظْهر ذَلِك لشدَّة الجامدين من الْفُقَهَاء على من أنصف وَلم يتعصّب للْمَذْهَب وَهُوَ الَّذِي أورد السُّؤَال واستشكا لَهُ بقوله فِي أَوله
(أَيهَا الْأَعْلَام من سَادَاتنَا ... ومصابيح دياجي الْمُشكل)
(خبرونا هَل لنا من مَذْهَب ... يقتفى فى القَوْل أوفى الْعَمَل)
(أم تركنَا هملاً نرعى بِلَا ... سائم نقفوه نهج السبل)
(فإذا قُلْنَا ليحيى قيل لَا ... هَهُنَا الْحق لزيد بن علي)
стр. 135
(وَإِذا قُلْنَا لزيد حكمُوا ... أَن يحيى قَوْله النَّص الجلى)
(واذا قُلْنَا لهَذَا وَلذَا ... فهم خير جَمِيع الْملَل)
(أَو سواهُم من بني فَاطِمَة ... أُمَنَاء الوحي بعد الرُّسُل)
(قرروا الْمَذْهَب قولاً خَارِجا ... عَن نُصُوص الآل فابحث وسل)
(إن يكن مُجْتَهدا قَرَّرَهُ ... كَانَ تقليداً لَهُ كَالْأولِ)
(إن يكن قَرَّرَهُ من دونه ... فقد انسدّ طَرِيق الجدل)
(ثمَّ من نَاظر أَو جادل أَو ... رام كشفا لقذى لم ينجلى)
(قَدَحُوا في دينه وَاتَّخذُوا ... عرضه مرمى سِهَام المنصل)
ثمَّ أجَاب عَن هَذَا السُّؤَال عُلَمَاء عصره وَكَثُرت الجوابات الى غَايَة وهى مَجْمُوعَة عِنْد كثير من النَّاس وَلم يعجب المترجم لَهُ شئ مِنْهَا ثمَّ أنه رام كشف الإشكال وَجمع رِسَالَة سَمَّاهَا التفكيك لعقود التشكيك فَلَمَّا وقفت عَلَيْهَا لم أستحسنها بل كتبت عَلَيْهَا جَوَابا سميته التشكيك على التفكيك وَلَعَلَّ الَّذِي حمله على ذَلِك الْجَواب تعويل جمَاعَة عَلَيْهِ مِمَّن علم أَنه السَّائِل وَالظَّاهِر أَنه قصد بالسؤال ترغيب النَّاس إلى الْأَدِلَّة وتنفيرهم عَن التَّقْلِيد كَمَا يدل على ذَلِك قصيدته الَّتِى أوردهَا القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن في كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ تحفة الأخوان بِسَنَد سيد ولد عدنان وأولها
(تَأمل وفكر في المقالات وأنصت ... وعدعن ضلالات التعصب والفتّ)
وَقد ذيلت أَنا هَذِه القصيدة بقصيدة أطول مِنْهَا وأولها
(مسامع من ناديت يَا عَمْرو سدّت ... وَصمت لَدَى صفو من النصح صمت)
وهي مَوْجُودَة في مَجْمُوع شعري وَقد أوردت كثيراً مِنْهَا في الْجَواب
стр. 136
على التفكيك الْمشَار إليه وَسكن المترجم لَهُ سربه وهي نزهة قريب ذمار جَارِيَة الْأَنْهَار باسقة الْأَشْجَار ثمَّ بَاعهَا وفرّ إلى أَبى عَرِيش إلى شريفها وَكَاتب من هُنَالك أَنه يُرِيد رُجُوع مَا بَاعه ثمَّ جرت خطوب آخرها أَنه عَاد إلى حَضْرَة مَوْلَانَا الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَقد كَانَ يكثر الإحسان إليه كَمَا كَانَ وَالِده الْمَنْصُور يكثر الإحسان إليه كَذَلِك وَكَانَ مفرط الْكَرم لَا يبالى بِمَا أخذولا بِمَا أعْطى وَله أشعار رائقة فائقة مَجْمُوعَة في كراريس جمعهَا السَّيِّد الأديب مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشامي ﵀ وهي مَشْهُورَة بأيدي النَّاس فَلَا حَاجَة إلى إيراد شئ مِنْهَا وَمَات في سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف وَقد كَانَ يحْكى عَن نَفسه أَن أَجود شعره القصيدة الَّتِى مدح بهَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ﵀ وهي
(حَقِيقَة عشق في الْفُؤَاد مجازها ... لَهَا فرض عين في الخدود جَوَازهَا)
(وَمَا كنت أدري أَن للعشق دولة ... تذل لَهَا أبطالها وعزازها)
وهي قصيدة طَوِيلَة مُشْتَمِلَة على بلاغة بليغة
(٨٥) السَّيِّد إسماعيل بن إبراهيم
ابْن الْحُسَيْن بن الْحسن بن يُوسُف بن الإمام المهدي لدين الله مُحَمَّد بن المهدي لدين الله أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم ﵏ ولد سنة ١١٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء المحمية بِاللَّه وَنَشَأ بهَا واشتغل بالمعارف العلمية وَهُوَ ذُو فكر صَحِيح وَنظر قويم رجيح وَفهم صَادِق وإدراك تَامّ وَكَمَال تصور وعقل يقل وجود نَظِيره وَحسن سمت فائق وتأدب رائق وبشاشة أَخْلَاق وكرم أعراق أَخذ عَنى فِي
стр. 137
الْفِقْه والأصول والْحَدِيث فَقَرَأَ عليّ في شرح الأزهار وَشرح الْغَايَة وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن وأمالي أَحْمد بن عِيسَى وَالْأَحْكَام للهادي وَفِي البخاري وَالْهدى وشرحى للمنتقى ومؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وفي الْكَشَّاف وَغير ذَلِك وَهُوَ الآن مكبّ على الطلب لَهُ فِيهِ أكمل رَغْبَة وَأتم نشاط وَعظم إقبال وَصَارَ الآن يكْتب تفسيري الَّذِي سميته فتح الْقَدِير بعد أَن كتب غَالب مصنفاتي وسمعها عليّ وَله اشْتِغَال بِالْعبَادَة ومحبة للاستكثار مِنْهَا وَمن حسن أخلاقه واحتماله أَنى لم أعرفهُ مَعَ طول ملازمته لي أَنه قد غضب مرة وَاحِدَة مَعَ كَثْرَة مَا يَدُور بَين الطّلبَة من المذاكرة والمناظرة المفضية فِي بعض الْحَالَات إِلَى تكدر الْأَخْلَاق وَظُهُور بعض القلق وَهَذِه منقبة عزيزة الْوُجُود وَكَانَ وَالِده ﵀ معدوداً من عُلَمَاء الْفِقْه وَأَخُوهُ الْعَلامَة الْعلم ستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم حسن فَمِنْهُ مَا كتب إِلَى وَقد أهْدى لي طَاقَة زهر منثور
(إليك ياعز الْهدى ... نظام منثور أَتَى)
(هَدِيَّة أبرزها الر ... بيع في فصل الشتا)
(حقيرة لَكِنَّهَا ... طابت شذى ومنبتا)
(كأصلك الزاكي الَّذِي ... أبدى لنا خير فَتى)
(فاقبل وسامح ناظماً ... قصّر فِيمَا نعتا)
فأجبت بقولى
(يَابْنَ الأولى فِي شَأْنهمْ ... بهل أَتَى الْمَدْح أَتَى)
(وَمن هم القادة إِن ... أعضل خطب أَو عتا)
стр. 138
(بحلق من فضَّة ... بعثت ياخير فَتى)
(كأنه الجامات في ... فيروزج قد نعتا)
(أَو الثريا أَو عقو ... د الدرّ إِن مانبتا)
(نظمك والمنثور وَا ... فاني مَتى الْوَصْل مَتى)
(٨٦) إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الصَّمد
الهاشمى العقيلى الجبرتى ثمَّ الزبيدي الشافعي ولد سنة ٧٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ أَحْوَال ومقامات وَلأَهل زبيد فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير وَكَانَ يلازم قِرَاءَة سُورَة يس وَيَأْمُر بهَا وَيَزْعُم أَن قرَاءَتهَا لقَضَاء كل حَاجَة وَكَانَ أول ظُهُور أمره أنه بشر السُّلْطَان الْأَشْرَف بانهزام جند قصدوه وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَصَارَت لَهُ بذلك عِنْده منزلَة وَكلمَة لَا ترد وَكَانَ منزلَة ملْجأ لأهل الْعِبَادَة وَلأَهل البطالة وَأهل الْحَاجَات فَأهل الْعِبَادَة يحْضرُون للذكر وَالصَّلَاة وَأهل البطالة للسماع وَاللَّهْو وَأهل الْحَاجَات لوجاهته فَأَنَّهُ تتلمذ لَهُ أَحْمد بن الرداد وَمُحَمّد المزجاجي فجالسا السُّلْطَان وَكَانَ مغريّ بِالسَّمَاعِ والرقص دَاعيا إِلَى نحلة ابْن عربى حَتَّى صَار من لايحصل نُسْخَة من الفصوص تنقص مَنْزِلَته عِنْده وَاشْتَدَّ الْبلَاء على الْعلمَاء الصادعين بِالْحَقِّ بِسَبَبِهِ وَفِيه يَقُول بعض الأدباء وَكَانَ منحرفاً عَنهُ ومعتقداً لصلاح صَالح المصري
(صَالح المصريّ قَالُوا صَالح ... ولعمري أنه للمنتخب)
(كَانَ ظني أَنه من فتية تمتحنهم تختلب)
стр. 139
(رَهْط إسماعيل قطاع الطر ... يق إِلَى الله وأرباب الريب)
(سفل حمقى رعاع غاغة ... أكلب فيهم على الدُّنْيَا كلب)
وَقد كَانَ قَامَ صَالح الْمصْرِيّ هَذَا على صَاحب التَّرْجَمَة فتعصبوا لَهُ حَتَّى نفوه إِلَى الْهِنْد ثمَّ كَانَ الْفَقِيه أَحْمد الناشري عَالم زبيد يقوم عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وَلَا يَسْتَطِيع أَن يغيّرهم عَمَّا هم فِيهِ لميل السُّلْطَان اليه وبالع فِي تَعْظِيمه الحزرجي فِي تَارِيخه وَقَالَ كَانَ فِي أول أمره معلم أَوْلَاد ثمَّ اشْتغل بالنسك وَالْعِبَادَة وَصَحب الشُّيُوخ فَفتح عَلَيْهِ وتسلّك على يَدَيْهِ الجم الْغَفِير وَبعد صيته وانتشرت كراماته وَارْتَفَعت مكانته عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَبَالغ الْأَشْرَف إسماعيل بن الْعَبَّاس في امْتِثَال أوامره مَاتَ في نصف شهر رَجَب سنة ٨٠٦ سِتّ وثمان مائَة
(٨٧) السَّيِّد إسماعيل بن أَحْمد الكّبسي
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء صنعاء المعاصرين لَهُ عرفان بالنحو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْفِقْه وإلمام بالأصول لَا سِيمَا أصُول الدَّين وَهُوَ بمَكَان من الزّهْد والعفة والأنجماع عَن بنى الدِّينَا والقنوع بِمَا يصل إليه وإن كَانَ يَسِيرا وَله عناية بقول الْحق والمناصحة لأهل الولايات وَأكْثر مَا يكْتب إِلَى فِي ذَلِك من كَلِمَاته المقبولة وَله شعر جيّد فَمن شعره مَا كتبه إِلَى يعاتبني لما شددت على جمَاعَة من الْقُضَاة الَّذين يَأْخُذُونَ الْأُجْرَة من النَّاس وَكَانَ فيهم ثَلَاثَة حكام من الكباسية وَمن جملَة أبياته قَوْله
(عزّ الْأَنَام مُحَمَّد فَهُوَ الَّذِي ... طابت عناصره وَأكْرم من سُئِلَ)
(الحبر وَالْبَحْر الخضّم وحاكم ... الإسلام عالمنا وملجأ من وَجل)
стр. 140
(يَا من علاكيوان إنّ زَمَاننَا ... أرسى على الْآل الوبال فَهَل جهل)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة مَذْكُورَة في غير هَذَا الْموضع وَله إِلَى سُؤَالَات وَكَانَ سَاكِنا في الرَّوْضَة فأرسلها إِلَى مَعَ شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي ﵀ فأجبت عَلَيْهَا بِجَوَاب طَوِيل وأرسلتها إليه مَعَ شَيخنَا الْمَذْكُور وَهُوَ الآن يقْرَأ عَلَيْهِ في فنون مُتعَدِّدَة وَلِلنَّاسِ إليه رَغْبَة لزهده وورعه
(٨٨) السَّيِّد إسماعيل بن أَحْمد الكبسي الملقب مغلس
ولد سنة وَقَرَأَ على جمَاعَة من أهل الْعلم كالسيّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَغَيرهمَا من مَشَايِخ صنعاء وَهُوَ الآن من المدرسين في جَامع صنعاء فِي الْفِقْه والآلات وَله معرفَة تَامَّة وفطرة سليمَة وفاهمة قَوِيَّة وَهُوَ الآن يقْرَأ عليّ من جملَة الطّلبَة في شرح الْعَضُد على مُخْتَصر الْمُنْتَهى وحواشيه وَهُوَ كثير الطَّاعَة قَلِيل الفضول كثير الإقبال على شَأْنه صَلِيب الدّيانَة تعتريه حِدة لَا سِيمَا إذا شَاهد شَيْئا من الْمُنْكَرَات كثّر الله أَمْثَاله وَقد خرج من صنعاء فِي أَوَاخِر سنة ٢١ الى خصن الظفير هُوَ وَجَمَاعَة ودعا إلى نَفسه وَبث دَعوته إلى الأقطار وَجَرت أُمُور طَوِيلَة وَبعد ذَلِك ترك الدعْوَة وَاسْتقر هُنَالك
стр. 141
(٨٩) إسماعيل بن أَبى بكر بن عبد الله بن إبراهيم
ابْن علي بن عَطِيَّة بن علي الشّرف الشرجى اليمانى الشافعى الْمَعْرُوف بالمقرئ الزبيدي ولد سنة ٧٥٤ أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وتفقه بالجمال الراعي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا وَعبد اللَّطِيف الشرجي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ في عدَّة فنون وبرز في جَمِيعهَا وفَاق أهل عصره وَطَالَ صيته وأشتهر ذكره وَمهر فِي صناعَة النّظم والنثر وَجَاء بمالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَأَقْبل عَلَيْهِ مُلُوك الْيمن وَصَارَ لَهُ حَظّ عَظِيم عِنْد الْخَاص وَالْعَام وولاه الْملك الْأَشْرَف تدريس المجاهدية بتعز والنظامية بزبيد فَأفَاد الطّلبَة وَعين للسفارة الى الديار المصرية ثمَّ تَأَخّر ذَلِك لطمعه في الِاسْتِقْرَار في قَضَاء الْأَقْضِيَة بعد الْمجد الشيرازي صَاحب الْقَامُوس الانى ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلم يتم لَهُ مناه بل كَانَ يرجوه في حَيَاة الْمجد ويتحامل عَلَيْهِ بِحَيْثُ إن الْمجد عمل للسُّلْطَان كتاباً وَجعل أول كل سطر مِنْهُ الْألف فاستعظمه السُّلْطَان فَعمل لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة كِتَابه الَّذِي لم يسْبق اليه الْمَعْرُوف بعنوان الشرف وَالْتزم أن يخرج من أواخره ووسطه علوماً غير الْعلم الَّذِي يخرج من جَمِيعه وَهُوَ الْفِقْه وَلم يتم في حَيَاة الْأَشْرَف فقدّمه لوَلَده النَّاصِر وَوَقع عِنْده بل وَعند سَائِر عُلَمَاء عصره بِبَلَدِهِ وَغَيرهَا موقعاً عَظِيما وَمن تَأمله رأى فِيهِ مَا يعجز عَنهُ غَالب الطباع البشرية فإنه إِذا قَرَأَهُ الْقَارئ جَمِيعًا وجده فقهاً وَإِذا قرأ أَوَائِل السطور فَقَط وأوساطها فَقَط وأواخرها
стр. 142
فَقَط استخرج من ذَلِك علم النَّحْو والتاريخ وَالْعرُوض والقوافي وَمن مصنفاته الرَّوْض مُخْتَصر الرَّوْضَة فَكَانَ الِاسْم مُخْتَصرا من اسْم الأَصْل والارشاد وَهُوَ كتاب نَفِيس فِي فروع الشَّافِعِيَّة رَشِيق الْعبارَة حُلْو الْكَلَام في غَايَة الإيجاز مَعَ كَثْرَة الْمعَانى وَشَرحه فِي مجلدين وَقد طَار في الآفاق واشتغل بِهِ عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة في الأقطار وَشَرحه جمَاعَة مِنْهُم وَله بديعية بديعة وَله تصانيف غير هَذِه وارتقى في جَمِيع المعارف إلى رُتْبَة لم يشْتَمل على مجموعها غَيره بل قيل أن الْيمن لم ينجب مثله وشعره في الذروة الْعَالِيَة حَتَّى قَالَ بعض معاصريه أنه أشعر من المتنبي وَلَعَلَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يأتي بِهِ في شعره من الْأَنْوَاع الغريبة والأساليب العجيبة كالقصيدة الَّتِى تقْرَأ حُرُوف رويها بِالضَّمِّ وَالنّصب والجر وَمن شعره مَا يخرج من الْبَيْت الْوَاحِد وُجُوه تزيد على الْألف وَكَانَ مَعَ إجادته في الشّعْر يكره أن ينتسب إليه حَتَّى قَالَ
(بِعَين الشّعْر أبصرني أنَاس ... فَلَمَّا ساءني أخرجت عينه)
(خُرُوجًا بعد رَاء كَانَ رأيي ... فَصَارَ الشّعْر مني الشَّرْع عينه)
قَالَ ابْن حجر فِي أنبائه إنه اجْتمع بِهِ فِي سنة ٨٠٠ ثمَّ فِي سنة ٨٠٦ قَالَ وَفِي كل مرة يحصل لي مِنْهُ الود الزَّائِد والإقبال وتنقلت بِهِ الأحوال وَولى بعض الْبِلَاد فِي دولة الْأَشْرَف وناله من النَّاصِر جَائِحَة تَارَة وإقبال أُخْرَى وَكَانَ يتشوق لولاية الْقَضَاء بِتِلْكَ الْبِلَاد فَلم يتَّفق لَهُ قَالَ وَمن نظمه بديعية الْتزم في كل بَيت مِنْهَا تورية مَعَ التورية باسم النَّوْع البديعي وَله مسَائِل وفضائل وَعمل مرة مَا يتَفَرَّع من الْخلاف فِي مَسْأَلَة المَاء المشمس فبلغت آلافاً قَالَ وَله خُصُوصِيَّة بالسلطان وَولى عدَّة ولايات
стр. 143
دون قدره وَله تصانيف وحذق تَامّ وَنظر مليح مارأيت بِالْيمن أذكى مِنْهُ انْتهى وَالْحَاصِل أنه إمام في الْفِقْه والعربية والمنطق وَالْأُصُول وَذُو يَد طولى فِي الْأَدَب نظماً ونثراً ومتفرد بالذكاء وَقُوَّة الْفَهم وجودة الْفِكر وَله في هَذَا الشَّأْن عجائب وغرائب لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَلم يبلغ رتبته فِي الذكاء واستخراج الدقائق أحد من أَبنَاء عصره بل وَلَا من غَيرهم سمع بعض النَّاس يذكر بيتى الحريري في المقامات اللَّذين قَالَ أنه قد أَمن أَن يعززا بثالث وهما
(سم سمة تحمد آثارها ... فاشكر لمن أعْطى وَلَو سمسمه)
(وَالْمَكْر مهما اسطعت لاتأته ... لتقتفي السؤدد والمكرمة
فَقَالَ إن تعزيزهما بثالث غير مُمْتَنع فَجحد ذَلِك الْبَعْض وَطَالَ بَينهمَا النزاع فَرجع إِلَى بَيته وَعمل على هَذَا النمط توفية خمسين بَيْتا وَأرْسل بهَا إلى من جادله وَقَالَ قد صَارا خمسين وَأول أبياته
(من كلّ مهدي ودعا أحمدا ... أُجِيب مَا أسعد من كَلمه)
وَقد كَانَ بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن عاصره قبل عصر صَاحب التَّرْجَمَة
قد عزز بَيْتِي الحريري بثالث وَهُوَ
(والمس لمهوى الضَّيْف خير الْقرى ... وَسلم الْمُسلم والمسلّمه)
وَمَعَ كَونه بِهَذِهِ الْمنزلَة من الذكاء كَانَ غَايَة في النسْيَان حَتَّى قيل أنه لَا يذكر مَا كَانَ في أول يَوْمه وَمن أعجب مَا يحْكى فِي نسيانه أَنه نسي مرة ألف دِينَار ثمَّ وَقع عَلَيْهَا بعد مُدَّة اتِّفَاقًا فَتذكر ذَلِك مَعَ عدم توسعه فى الدِّينَا بل مَعَ مزِيد حَاجته إِلَى ماهو أقل من ذَلِك وَكَانَ يُنكر نحلة ابْن عربي وَأَتْبَاعه وَبَينه وَبَين متبعيه معارك وَله في ذَلِك رسالتان وقصائد
стр. 144
كَثِيرَة مَاتَ في سنة ٨٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وترجمته تحْتَمل كراريس
(٩٠) السَّيِّد إسماعيل بن الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن
ين الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد شَيخنَا الْعَلامَة الْمدرس ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٢٠ عشْرين وَمِائَة والف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها ثمَّ انْتفع بِهِ الطّلبَة في الْعَرَبيَّة واشتهر على الألسن أَنه من افْتتح طلبه عَلَيْهِ في علم الْعَرَبيَّة اسْتَفَادَ وَكنت من جملَة من افْتتح عَلَيْهِ فِي الْعَرَبيَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ ملحة الإعراب للحريري وَشَرحهَا الْمَعْرُوف بشرح بحرق وَكَانَ لَهُ فِي عناية كَامِلَة وَله مُشَاركَة قَوِيَّة في علم الصّرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَمن بركته المجربة أَنى تصدّرت للتدريس فِي الملحة وَشَرحهَا قبل الْفَرَاغ من قرائتها عَلَيْهِ وَكَانَ ﵀ يواظب على التدريس مَعَ ضعفه وعلو سنه وَكنت أرَاهُ يأتي الْجَامِع الْمُقَدّس فِي أَيَّام الشتَاء وَشدَّة الْبرد فيقعد للتدريس وَقد أثر فِيهِ الْبرد مَعَ الْحَرَكَة تَأْثِيرا قَوِيا وَاسْتمرّ ﵀ على ذَلِك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فى يَوْم الْجُمُعَة لست عشرَة لَيْلَة خلت من شهر صفر سنة ١٢٠٦ سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(٩١) السَّيِّد اسمعيل بن الْحسن الشامي
مولده سنة ١١٥٤ أَربع وَخمسين وَمِائَة وألف وَله شغله بالزهد والورع والاشتغال بِخَاصَّة نَفسه واتصل بالسيّد علي بن مُحَمَّد بن عَامر أَيَّام تَوليته للأوقاف فَكَانَ يَنُوب عَنهُ فِي كثير من الْأَعْمَال ثمَّ اسْتَقر بعد مُدَّة فى وقف مَدِينَة ثلاثم اسْتَقر بعد ذَلِك فِي ولَايَة وقف صنعاء وَهُوَ الآن مُسْتَمر على ذَلِك وبيني وَبَينه مَوَدَّة صَادِقَة ومحبة خَالِصَة وَلنَا اجتماعات
стр. 145
نفيسة وَهُوَ كثير التَّوَاضُع حسن الْأَخْلَاق عالي الهمة كثير الْمُرُوءَة كثير الْبر والإحسان لَا برح في حماية الْملك الديَّان وَله يَد في المعارف العلمية وَعمل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل وإنصاف فِي جَمِيع مسَائِل الْخلاف وَتوفى ﵀ في شهر شعْبَان سنة ١٢٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف
(٩٢) الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
﵄ وَسَيَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن إِن شَاءَ الله ولد فِي نصف شعْبَان فِي سنة ١٠١٩ تسع عشرَة وألف فِي شهارة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ كَامِل الْخلق معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن عَظِيم اللِّحْيَة أشعر الذراعين قوي الْحَرَكَة كثير التبسم حسن الْخلق قَرَأَ على جمَاعَة من
следующие страницы →