← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(٨٩) إسماعيل بن أَبى بكر بن عبد الله بن إبراهيم ابْن علي بن عَطِيَّة بن علي الشّرف الشرجى اليمانى الشافعى الْمَعْرُوف بالمقرئ الزبيدي ولد سنة ٧٥٤ أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وتفقه بالجمال الراعي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة على مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا وَعبد اللَّطِيف الشرجي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ في عدَّة فنون وبرز في جَمِيعهَا وفَاق أهل عصره وَطَالَ صيته وأشتهر ذكره وَمهر فِي صناعَة النّظم والنثر وَجَاء بمالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَأَقْبل عَلَيْهِ مُلُوك الْيمن وَصَارَ لَهُ حَظّ عَظِيم عِنْد الْخَاص وَالْعَام وولاه الْملك الْأَشْرَف تدريس المجاهدية بتعز والنظامية بزبيد فَأفَاد الطّلبَة وَعين للسفارة الى الديار المصرية ثمَّ تَأَخّر ذَلِك لطمعه في الِاسْتِقْرَار في قَضَاء الْأَقْضِيَة بعد الْمجد الشيرازي صَاحب الْقَامُوس الانى ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلم يتم لَهُ مناه بل كَانَ يرجوه في حَيَاة الْمجد ويتحامل عَلَيْهِ بِحَيْثُ إن الْمجد عمل للسُّلْطَان كتاباً وَجعل أول كل سطر مِنْهُ الْألف فاستعظمه السُّلْطَان فَعمل لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة كِتَابه الَّذِي لم يسْبق اليه الْمَعْرُوف بعنوان الشرف وَالْتزم أن يخرج من أواخره ووسطه علوماً غير الْعلم الَّذِي يخرج من جَمِيعه وَهُوَ الْفِقْه وَلم يتم في حَيَاة الْأَشْرَف فقدّمه لوَلَده النَّاصِر وَوَقع عِنْده بل وَعند سَائِر عُلَمَاء عصره بِبَلَدِهِ وَغَيرهَا موقعاً عَظِيما وَمن تَأمله رأى فِيهِ مَا يعجز عَنهُ غَالب الطباع البشرية فإنه إِذا قَرَأَهُ الْقَارئ جَمِيعًا وجده فقهاً وَإِذا قرأ أَوَائِل السطور فَقَط وأوساطها فَقَط وأواخرها

стр. 142

فَقَط استخرج من ذَلِك علم النَّحْو والتاريخ وَالْعرُوض والقوافي وَمن مصنفاته الرَّوْض مُخْتَصر الرَّوْضَة فَكَانَ الِاسْم مُخْتَصرا من اسْم الأَصْل والارشاد وَهُوَ كتاب نَفِيس فِي فروع الشَّافِعِيَّة رَشِيق الْعبارَة حُلْو الْكَلَام في غَايَة الإيجاز مَعَ كَثْرَة الْمعَانى وَشَرحه فِي مجلدين وَقد طَار في الآفاق واشتغل بِهِ عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة في الأقطار وَشَرحه جمَاعَة مِنْهُم وَله بديعية بديعة وَله تصانيف غير هَذِه وارتقى في جَمِيع المعارف إلى رُتْبَة لم يشْتَمل على مجموعها غَيره بل قيل أن الْيمن لم ينجب مثله وشعره في الذروة الْعَالِيَة حَتَّى قَالَ بعض معاصريه أنه أشعر من المتنبي وَلَعَلَّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يأتي بِهِ في شعره من الْأَنْوَاع الغريبة والأساليب العجيبة كالقصيدة الَّتِى تقْرَأ حُرُوف رويها بِالضَّمِّ وَالنّصب والجر وَمن شعره مَا يخرج من الْبَيْت الْوَاحِد وُجُوه تزيد على الْألف وَكَانَ مَعَ إجادته في الشّعْر يكره أن ينتسب إليه حَتَّى قَالَ (بِعَين الشّعْر أبصرني أنَاس ... فَلَمَّا ساءني أخرجت عينه) (خُرُوجًا بعد رَاء كَانَ رأيي ... فَصَارَ الشّعْر مني الشَّرْع عينه) قَالَ ابْن حجر فِي أنبائه إنه اجْتمع بِهِ فِي سنة ٨٠٠ ثمَّ فِي سنة ٨٠٦ قَالَ وَفِي كل مرة يحصل لي مِنْهُ الود الزَّائِد والإقبال وتنقلت بِهِ الأحوال وَولى بعض الْبِلَاد فِي دولة الْأَشْرَف وناله من النَّاصِر جَائِحَة تَارَة وإقبال أُخْرَى وَكَانَ يتشوق لولاية الْقَضَاء بِتِلْكَ الْبِلَاد فَلم يتَّفق لَهُ قَالَ وَمن نظمه بديعية الْتزم في كل بَيت مِنْهَا تورية مَعَ التورية باسم النَّوْع البديعي وَله مسَائِل وفضائل وَعمل مرة مَا يتَفَرَّع من الْخلاف فِي مَسْأَلَة المَاء المشمس فبلغت آلافاً قَالَ وَله خُصُوصِيَّة بالسلطان وَولى عدَّة ولايات

стр. 143

دون قدره وَله تصانيف وحذق تَامّ وَنظر مليح مارأيت بِالْيمن أذكى مِنْهُ انْتهى وَالْحَاصِل أنه إمام في الْفِقْه والعربية والمنطق وَالْأُصُول وَذُو يَد طولى فِي الْأَدَب نظماً ونثراً ومتفرد بالذكاء وَقُوَّة الْفَهم وجودة الْفِكر وَله في هَذَا الشَّأْن عجائب وغرائب لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَلم يبلغ رتبته فِي الذكاء واستخراج الدقائق أحد من أَبنَاء عصره بل وَلَا من غَيرهم سمع بعض النَّاس يذكر بيتى الحريري في المقامات اللَّذين قَالَ أنه قد أَمن أَن يعززا بثالث وهما (سم سمة تحمد آثارها ... فاشكر لمن أعْطى وَلَو سمسمه) (وَالْمَكْر مهما اسطعت لاتأته ... لتقتفي السؤدد والمكرمة فَقَالَ إن تعزيزهما بثالث غير مُمْتَنع فَجحد ذَلِك الْبَعْض وَطَالَ بَينهمَا النزاع فَرجع إِلَى بَيته وَعمل على هَذَا النمط توفية خمسين بَيْتا وَأرْسل بهَا إلى من جادله وَقَالَ قد صَارا خمسين وَأول أبياته (من كلّ مهدي ودعا أحمدا ... أُجِيب مَا أسعد من كَلمه) وَقد كَانَ بعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن عاصره قبل عصر صَاحب التَّرْجَمَة قد عزز بَيْتِي الحريري بثالث وَهُوَ (والمس لمهوى الضَّيْف خير الْقرى ... وَسلم الْمُسلم والمسلّمه) وَمَعَ كَونه بِهَذِهِ الْمنزلَة من الذكاء كَانَ غَايَة في النسْيَان حَتَّى قيل أنه لَا يذكر مَا كَانَ في أول يَوْمه وَمن أعجب مَا يحْكى فِي نسيانه أَنه نسي مرة ألف دِينَار ثمَّ وَقع عَلَيْهَا بعد مُدَّة اتِّفَاقًا فَتذكر ذَلِك مَعَ عدم توسعه فى الدِّينَا بل مَعَ مزِيد حَاجته إِلَى ماهو أقل من ذَلِك وَكَانَ يُنكر نحلة ابْن عربي وَأَتْبَاعه وَبَينه وَبَين متبعيه معارك وَله في ذَلِك رسالتان وقصائد

стр. 144

كَثِيرَة مَاتَ في سنة ٨٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وترجمته تحْتَمل كراريس (٩٠) السَّيِّد إسماعيل بن الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن ين الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد شَيخنَا الْعَلامَة الْمدرس ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٢٠ عشْرين وَمِائَة والف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها ثمَّ انْتفع بِهِ الطّلبَة في الْعَرَبيَّة واشتهر على الألسن أَنه من افْتتح طلبه عَلَيْهِ في علم الْعَرَبيَّة اسْتَفَادَ وَكنت من جملَة من افْتتح عَلَيْهِ فِي الْعَرَبيَّة فَقَرَأت عَلَيْهِ ملحة الإعراب للحريري وَشَرحهَا الْمَعْرُوف بشرح بحرق وَكَانَ لَهُ فِي عناية كَامِلَة وَله مُشَاركَة قَوِيَّة في علم الصّرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَمن بركته المجربة أَنى تصدّرت للتدريس فِي الملحة وَشَرحهَا قبل الْفَرَاغ من قرائتها عَلَيْهِ وَكَانَ ﵀ يواظب على التدريس مَعَ ضعفه وعلو سنه وَكنت أرَاهُ يأتي الْجَامِع الْمُقَدّس فِي أَيَّام الشتَاء وَشدَّة الْبرد فيقعد للتدريس وَقد أثر فِيهِ الْبرد مَعَ الْحَرَكَة تَأْثِيرا قَوِيا وَاسْتمرّ ﵀ على ذَلِك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فى يَوْم الْجُمُعَة لست عشرَة لَيْلَة خلت من شهر صفر سنة ١٢٠٦ سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَألف (٩١) السَّيِّد اسمعيل بن الْحسن الشامي مولده سنة ١١٥٤ أَربع وَخمسين وَمِائَة وألف وَله شغله بالزهد والورع والاشتغال بِخَاصَّة نَفسه واتصل بالسيّد علي بن مُحَمَّد بن عَامر أَيَّام تَوليته للأوقاف فَكَانَ يَنُوب عَنهُ فِي كثير من الْأَعْمَال ثمَّ اسْتَقر بعد مُدَّة فى وقف مَدِينَة ثلاثم اسْتَقر بعد ذَلِك فِي ولَايَة وقف صنعاء وَهُوَ الآن مُسْتَمر على ذَلِك وبيني وَبَينه مَوَدَّة صَادِقَة ومحبة خَالِصَة وَلنَا اجتماعات

стр. 145

نفيسة وَهُوَ كثير التَّوَاضُع حسن الْأَخْلَاق عالي الهمة كثير الْمُرُوءَة كثير الْبر والإحسان لَا برح في حماية الْملك الديَّان وَله يَد في المعارف العلمية وَعمل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل وإنصاف فِي جَمِيع مسَائِل الْخلاف وَتوفى ﵀ في شهر شعْبَان سنة ١٢٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف (٩٢) الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ﵄ وَسَيَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن إِن شَاءَ الله ولد فِي نصف شعْبَان فِي سنة ١٠١٩ تسع عشرَة وألف فِي شهارة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ كَامِل الْخلق معتدل الْقَامَة أسمر اللَّوْن عَظِيم اللِّحْيَة أشعر الذراعين قوي الْحَرَكَة كثير التبسم حسن الْخلق قَرَأَ على جمَاعَة من

стр. 146

أَعْيَان عُلَمَاء عصره فِي الْفِقْه وَسَائِر الْفُنُون فبرع فِي الْفِقْه وفَاق على عُلَمَاء عصره فِي ذَلِك وَأقر لَهُ الْكثير مِنْهُم وَالصَّغِير وَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِي المعضلات وشارك فِي بَقِيَّة الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وَكَانَ يقرئ فِيهَا أَعْيَان عُلَمَاء عصره وصنّف مصنّفات مِنْهَا العقيدة الصَّحِيحَة وَشَرحهَا الْمسَائِل المرتضاة إِلَى جَمِيع الْقُضَاة وحاشية على منهاج الإمام المهدي في الْأُصُول بلغ فِيهَا إلى بعضه ورسالة في الطَّلَاق للثلاث وَفِي المحايرة في إبطال الدور وَفِي الْخلْع وَفِيمَا وَقع إهداره في أَيَّام الْبُغَاة وَفِيمَا يُؤْخَذ من الجبايات وَكَانَ وَاسع الْحلم قوي الصَّبْر شَدِيد الإغضاء وَلما اشتهرت فضائله وتمت مناقبه دَعَا إلى نَفسه بعد موت أخيه الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم فى يَوْم الْأَحَد سلخ رَجَب سنة ١٠٥٤ أَربع وَخمسين وَألف وَقد كَانَ تقدمه صنوه أَحْمد بن الْقَاسِم ودعا إلى نَفسه لأنه كَانَ عِنْد الْمُؤَيد بِاللَّه في شهارة فقوى عزمه على الدعْوَة القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره فَدَعَا وتأخرت دَعْوَة المتَوَكل لأنه كَانَ عِنْد موت أَخِيه فى صوران وَبَين المحلين مَسَافَة وَلم يعد دَعْوَة أَخِيه أَحْمد مَانِعَة من دَعوته لكَونه لم يكن جَامعا لشروط الإمامة الْمُعْتَبرَة فِي مَذْهَبهمَا الَّتِى مِنْهَا الِاجْتِهَاد وَلم يكن أَحْمد بِهَذِهِ الْمنزلَة في الْعلم وَلما ظَهرت دَعْوَة المتَوَكل على الله تلقاها النَّاس بِالْقبُولِ ودخلوا تَحت طَاعَته وَقد كَانَ أَيْضا دَعَا ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم فِي الْيمن وَلكنه لما بلغته دَعْوَة عَمه إسماعيل ترك ودعا في الشَّام بِلَاد صعدة السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عز الدَّين بن على بن الْحُسَيْن بن الإمام عز الدَّين بن الْحسن وَاسْتمرّ أَحْمد بن الْقَاسِم على دَعوته وَبعث العساكر إلى الْجِهَات المتفرقة لحفظ الْأَطْرَاف

стр. 147

من غير إيذان بِحَرب وَلكنه مَا زَالَ أمره يتناقص وَلَا سِيمَا بعد مبايعة السيّدين الأعظمين مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم وأخيه أَحْمد ابْن الْحسن للمتوكل على الله فإنه ضعف جَانب احْمَد غَايَة الضعْف وَلم يتقاعد عَن الْقيام بالدعوة وتجهيز الجيوش وَوَقعت حروب قتل فِيهَا جمَاعَة قَليلَة ثمَّ ارتحل أَحْمد إلى عمرَان ثمَّ إلى ثلا وأحيط بِهِ فِيهَا فَجرى الصُّلْح على أَن يَقع الِاجْتِمَاع بَين الأخوين وَمن غلب الآخر في الْعلم اسْتَقل بالإمامة فَظهر فضل صَاحب التَّرْجَمَة فَبَايعهُ أخوه أَحْمد ثمَّ بَايعه النَّاس الَّذين مَعَه وسكنت الْأُمُور وَأما السَّيِّد إبراهيم فَمَا زَالَ أمره يضطرب فَتَارَة يُبَالغ وَتارَة يظْهر بَقَاءَهُ على دَعوته وتكرر مِنْهُ ذَلِك وَلم يكن مَعَه مَا يعول بِهِ من جند وَلَا أَتبَاع وَصَارَت الْيمن جَمِيعهَا تَحت طَاعَة صَاحب التَّرْجَمَة وَصفا لَهُ الْوَقْت وقهر الأضداد وَلم يبْق لَهُ مُخَالف وَكَانَ أكبر رُؤَسَاء دولته ابْن أخيه مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم فإنه كَانَ يقبض حواصل أحسن الْبِلَاد ثمَّ بعده أَحْمد ابْن الْحسن بن الْقَاسِم وَكَانَ مُجَاهدًا وَيبْعَث بِهِ الإمام إلى الأقطار النائية للغزو فيظفر وَيعود وَقد دوخ مَا بَعثه إليه كَمَا فعل لما بَعثه المتَوَكل إلى يافع فإنه استولى عَلَيْهَا جَمِيعًا وقهر سلاطينها وَفتح حصونها ودخلوا تَحت طَاعَته وَكَذَلِكَ فعل مرة بعد مرة ثمَّ وَجهه إلى عدن ولحج وَأبين فَفعل فِيهَا كَمَا فعل فِي يافع وَكَذَلِكَ توجه إِلَى حَضرمَوْت فافتتحها بعد فَرَاغه من افْتِتَاح يافع وأذعنت هَذِه الْبِلَاد كلهَا بِالطَّاعَةِ لصَاحب التَّرْجَمَة وَلم ير النَّاس أحسن من دولته في الْأَمْن والدعة وَالْخصب وَالْبركَة وَمَا زَالَت الرعايا مَعَه في نعْمَة والبلاد جَمِيعهَا مجبورة كَثِيرَة الْخيرَات وَكَثُرت أَمْوَال الرعايا وكل أحد آمن على مَا في يَده لعلمه بَان الامام سيمنعه عدله

стр. 148

عَن أَن يتَعَرَّض لشئ من مَاله وَغير الإمام تَمنعهُ هَيْبَة الإمام عَن الاقدام الى شئ من الْحَرَام وَقد كَانَ النَّاس حديثي عهد بجور الأتراك قد نهكتهم الْحَرْب الْوَاقِعَة بَينهم وَبينهمْ على طول أَيَّامهَا قَالَ السَّيِّد عَامر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَامر الشَّهِيد في بغية المريد أن الإمام المترجم لَهُ مَاتَ وَمَعَهُ من أَنْوَاع الطيب مَا قِيمَته مائَة ألف أُوقِيَّة فضَّة وَذكر أَنه خلّف من النَّقْد وَالْعرُوض مَا لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر وَخلف من الطَّعَام ثَلَاث مائَة ألف قدح صنعاني هَذَا معنى مَا ذكره والامام مَا زَالَ يتنقل من مَكَان إلى مَكَان وَمن بلد إلى بلد وصحبته أكَابِر الْعلمَاء وطلبة الْعلم يَأْخُذُونَ عَنهُ مَا يُرِيدُونَ وَهُوَ يبْذل لَهُم ذَلِك وَيفِيض عَلَيْهِم من بيُوت الْأَمْوَال مَا يَحْتَاجُونَ إليه وَكَانَ الْغَالِب بَقَاؤُهُ في ضوران وَمَا زَالَ على هَذَا الْحَال الْجَمِيل والعيش الْحسن وَقد دخل تَحت طَاعَته السلاطين من يافع وحضرموت وعدن وظفار وعير هَذِه الديار فَمنهمْ من وَفد رَاغِبًا وَمِنْهُم من وَفد رَاهِبًا وَمِنْهُم من وصل اسيرا وجيوش الامام تقَاتل فى الاطراف دَائِما وَمن جملَة من والى الامام وَتَابعه الشريف صَاحب مَكَّة وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفي فِي لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الآخرة سنة ١٠٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَله جوابات مسَائِل سَأَلَهُ بهَا عُلَمَاء عصره وهي كَثِيرَة جداً مُتَفَرِّقَة بأيدي النَّاس لَو جمعت لجاءت مجلدا وَلِلنَّاسِ عَلَيْهَا اعْتِمَاد كَبِير لَا سِيمَا الْحُكَّام (٩٣) السَّيِّد اسماعيل بن على بن حسن بن أَحْمد بن حميد الدَّين بن مطهر بن الإمام شرف الدَّين ولد فِي سنة ١١٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وماية وألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا

стр. 149

فَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيانها مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَالسَّيِّد يُوسُف العجمي وَجَمَاعَة آخرين في علم الْعَرَبيَّة وَغَيره ودرس وَأفَاد وَهُوَ من السَّادة القادة النجباء الكملاء والعقلاء وَفِيه مُرُوءَة وفتوة وَحسن أَخْلَاق وملاحة محاضرة وجودة بادرة وَحفظ الْأَخْبَار النادرة والأشعار الرائقة وَقد مَال إليه مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فَصَارَ يَدعُوهُ إلى مقَامه في كثير من الْأَوْقَات ويجالسه وَكَثِيرًا مَا يَقع الِاجْتِمَاع بيني وَبَينه هُنَالك أما في يَوْم الْجُمُعَة للحضور عِنْد الْخَلِيفَة حفظه الله للعشاء والقهوة فعلى سَبِيل الِاسْتِمْرَار ويجري بَيْننَا هُنَالك من المذاكرات الأدبية والعلمية مَا تشنف الأسماع وَهُوَ يُورد مَا يُطَابق الْمقَام ويوافق مُقْتَضى الْحَال ويبحث معي في كثير من الْمعَانى الدقيقة والطرائق الرقيقة وَالْأَخْبَار الرشيقة وَفِيه من سمو الهمة عزة النَّفس مَا لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره لاسيما في مثل هَذِه المواطن الَّتِى يظْهر فِيهَا جَوَاهِر الرِّجَال فإني لم أسمع مِنْهُ على طول مُدَّة اجتماعي بِهِ هُنَالك كلمة مؤذنة بالخضوع لمطلب من مطَالب الدُّنْيَا الدُّنْيَا لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا بل يستطرد فِي كَلَامه قصصاً ووقائع فِيهَا مواعظ لَهَا وَقع في الْقُلُوب قَاصِدا بذلك التَّعَرُّض للثَّواب الأخروي وَقد صَار حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَهُوَ سنة ١٢١٣ في ثَمَانِينَ سنة وَله نشاط تَامّ إلى الْحَرَكَة وركوب الْخَيل الَّتِى يهاب ركُوبهَا أَكثر الشَّبَاب فإن مَوْلَانَا حفظه الله يركبه على خيله الْمعدة لركوبه عَلَيْهَا في كثير من الْحَالَات وَلم ينقص شئ من حواسه الظَّاهِرَة والباطنة إِلَّا مُجَرّد ثقل يسير فِي سَمعه وَهُوَ مواظب على الطَّاعَات يعين الضُّعَفَاء بِمَا يقدر عَلَيْهِ من ملكه أَو بالشفاعة ثمَّ مَاتَ

стр. 150

رَحمَه الله في شهر شَوَّال سنة ١٢١٥ خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف وَولده علي لَهُ شغلة بِالْعلمِ كَبِيرَة وعناية تَامَّة قَرَأَ فِي الآلات على أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر ورافقني فِي قِرَاءَة الْكَشَّاف والعضد والمطول وحواشي هَذِه الْكتب على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَهُوَ الآن مكب على الطلب ملازم لمعالي الرتب وَله قِرَاءَة على السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن أسمعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَرُبمَا قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الطّلبَة في الآلات وَله من حسن الْأَخْلَاق ولطافة الطَّبْع وبشاشة الْوَجْه للخاص وَالْعَام مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذَا مناهز للخمسين وَأخْبر لي أَن مولده في سنة ١١٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وماية وَألف وَولده حسن بن على ين إسماعيل قد صَار من الطّلبَة المستفيدين لَهُ اشْتِغَال بالفقه وَعلم الْعَرَبيَّة وَسَائِر الْعُلُوم وَهُوَ كأبيه وجده في حسن الْأَخْلَاق واللطافة والظرافة وَمَات ﵀ في سنة ١٢١٥ خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قبل موت جده بأشهر وَهُوَ فى عنفوان شبابه (٩٤) اسمعيل بن علي بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب الْملك الْمُؤَيد صَاحب حماه ولد سنة ٦٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة وَأمره النَّاصِر فخدمه لما كَانَ بالكرك فَبَالغ فَلَمَّا عَاد النَّاصِر إلى السلطنة وعده بسلطنة حماه ثمَّ سلطنه بهَا يفعل فِيهَا مَا يَشَاء من إقطاع وَغير ذَلِك وَلَا يُؤمر وَلَا ينْهَى أركبه النَّاصِر شعار الملكة والسلطنة وَمَشى في خدمته أكَابِر أُمَرَاء النَّاصِر فَمن بعدهمْ وَاسْتقر بحماه ثمَّ قدم إلى مصر على السُّلْطَان النَّاصِر فِي سنة ٧١٦ فَبَالغ السُّلْطَان في إكرامه ثمَّ قدم مرة أُخْرَى فحج مَعَ السُّلْطَان سنة ٧١٩ فَلَمَّا عَاد عظم فى عين السُّلْطَان

стр. 151

لما رَآهُ من آدابه وفضائله وَألبسهُ بعد الْعود شعار السلطنة وَبَين يَدَيْهِ جَمِيع خَواص النَّاصِر وَسَائِر النَّاس وَمَشى السلحدار بِالسِّلَاحِ والدويدار الْكَبِير بالدواة والغاشية والعصايب وَجَمِيع دست السُّلْطَان بَين يَدَيْهِ وَكَانَ جملَة مَا وصل إلى أهل الدولة بِسَبَبِهِ في هَذَا الْيَوْم مائَة وَثَلَاثِينَ تَشْرِيفًا مِنْهَا ثلَاثه عشر أطلس وَكَانَ يزور السُّلْطَان فِي كل سنة غَالِبا وَمَعَهُ الْهَدَايَا والتحف وَأمر السُّلْطَان جَمِيع النواب أَن يكتبو اليه يقبل الأَرْض وَهَذَا لفظ يخْتَص بالسلطان الْأَعْظَم وَكَانَ النَّاصِر نَفسه يكْتب إليه ذَلِك وَكَانَ جواداً شجاعاً عَالما بفنون عدَّة لاسيما الْأَدَب فَلهُ فِيهِ يَد طولى نظم الحاوي فِي الْفِقْه وصنف تَارِيخه الْمَشْهُور ونظم الشّعْر والموشحات وَكَانَ لَهُ معرفَة بِعلم الْهَيْئَة قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر الكامنة وَلَا أعرف فِي اُحْدُ من الْمُلُوك من المدايح مالابن نَبَاته والشهاب مَحْمُود وَغَيرهمَا فِيهِ إلا سيف الدولة وَقد مدح النَّاس غَيرهمَا من الْمُلُوك لَكِن اجتمع لهذين من الْكَثْرَة والإجادة من الفحول مالم يتَّفق لغَيْرِهِمَا وَكَانَ يحب أهل الْعلم ويقربهم وَكَانَ لِابْنِ نَبَاته عَلَيْهِ راتب في كل سنة يصل إليه سوى مَا يتحفه بِهِ إذا قدم عَلَيْهِ وَكَانَ النَّاصِر يكْتب إليه اعز الله أنصار الْمقَام الشريف العالي السلطاني الملكى المؤيدى وَهَذَا وَهُوَ نَائِب من نوابه وَكَانَ نَائِب النَّاصِر في الشَّام وَهُوَ أكبر النواب يكْتب إلى صَاحب التَّرْجَمَة يقبل الأَرْض وَأما غير نَائِب الشَّام فَيكْتب إليه يقبل الأَرْض وَينْهى وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ في شهر محرم سنة ٧٣٢ وَمن نظمه (أحسن بِهِ طرفاً أفوت بِهِ القضا ... إن رمته فِي مطلب أَو مهرب) (مثل الغزالة مَا بَدَت في مشرق ... إلا بَدَت أنوارها في الْمغرب)

стр. 152

(٩٥) عماد الدَّين اسمعيل بن عمر بن كثير البصروي الأصل الدمشقي الشافعي ولد بقرية من أَعمال مَدِينَة بصرى سنة ٧٠١ ثمَّ انْتقل إلى دمشق سنة سِتّ وَسَبْعمائة وتفقه بالشيخ برهَان الدَّين الفرارى وَغَيره وَسمع من الْقَاسِم بن عَسَاكِر والمزي وَغَيرهمَا وبرع في الْفِقْه وَالتَّفْسِير والنحو وأمعن النظر في الرِّجَال والعلل وَمن جملَة مشايخه شيخ الاسلام تقى الدَّين ابْن تَيْمِية ولازمه وأحبه حبا عَظِيما كَمَا ذكر معنى هَذَا ابْن حجر في الدُّرَر وأفتى ودرّس وَله تصانيف مفيدة مِنْهَا التَّفْسِير الْمَشْهُور وَهُوَ فِي مجلدات وَقد جمع فِيهِ فأوعى وَنقل الْمذَاهب والأخبار والْآثَار وَتكلم بِأَحْسَن كَلَام وأنفسه وَهُوَ من أحسن التفاسير إن لم يكن أحْسنهَا وَمن مصنفاته كتاب التَّكْمِيل فِي معرفَة الثقاة والضعفاء والمجاهيل فِي خَمْسَة مجلدات وَكتاب الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة فى أَرْبَعَة وَخمسين جزأ وَكتاب الْهدى وَالسّنَن فى أَحَادِيث المسانيد وَالسّنَن جمع فِيهِ بَين مُسْند الامام أَحْمد وَالْبَزَّار وأبي يعلى وَابْن أَبى شيبَة إلى الْكتب السِّتَّة وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور وَقد انْتفع النَّاس بمصنفاته وَلَا سِيمَا التَّفْسِير مَاتَ فى شعْبَان سنة ٧٧٤ (٩٦) السَّيِّد اسمعيل بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة ١١١٠ عشر وَمِائَة وَألف ونشأ بِمَدِينَة صنعاء وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير وبرع في الْعُلُوم لاسيما الْأُصُول وَشرح منظومة الكافل في الأصول لشيخه السَّيِّد

стр. 153

مُحَمَّد الْأَمِير شرحاً حافلاً في مجلدين جَاءَ فِيهِ بِمَا فِي المطولات من الْفَوَائِد وَكَانَ من جملَة من خرج مَعَ وَالِده أَيَّام وُقُوع الْمُنَازعَة بَينه وَبَين الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن الإمام المهدي واعتقله الْمَنْصُور ثمَّ أفرج عَنهُ الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَله نظم فائق فَمِنْهُ (طَال النَّوَى شهراً فشهراً ... حَتَّى قطعت الدَّهْر هجرا) (هجراً طَويلا لم أطق ... لزمانه عداً وحصرا) (ياهند رقى للَّذي ... أضرمت فى أحشاه جمرا) وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَمِنْه (لَا وخمر في الشفات ... أسكرت بالرشفات) (ولآل من ثغور ... في عقيق من شفات) (وغصون من قدود ... بنهود مثمرات) (ورياض في خدود ... زاهيات ناعمات) وهى أَبْيَات من قصيدة كتب بهَا الى السَّيِّد الْعَلامَة اسحق بن يُوسُف وأجابه بِأَبْيَات أَولهَا (اسمعوا عَن زفراتي ... فهي في الْحبّ رواتي) وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة رسائل نفيسة وأبحاث شريفة وقفنا على بَعْضهَا عِنْد وَلَده السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن اسمعيل وستأتى تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة رَئِيسا كَبِيرا وعالماً شهيراً وأشعاره كَثِيرَة فِي غَايَة الرقة والانسجام وَله ماجريات لَا يَتَّسِع لَهَا الْمقَام وَمَات فِي شهر ذي الْقعدَة سنة ١١٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف

стр. 154

(٩٧) السَّيِّد اسمعيل بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الرئيس الْمَشْهُور المؤرخ الأديب مؤلف سمط اللآل في شعراء الْآل وَهُوَ كتاب ترْجم فِيهِ لكل من شعر من العلوية وَلم يحط بمشاهيرهم فضلاً عَن أهل الخمول مِنْهُم وَلَكِن في الْجُمْلَة كتاب مُفِيد قيل إِنَّه أنكر عَلَيْهِ الإمام المتَوَكل على الله إكثاره من الشّعْر فَجمع هَذَا الْكتاب وَجعله كالرد عَلَيْهِ وَمن شعره (غطى على خَدّه بكم ... فَأشبه الْورْد في الكمايم) (وَقَالَ لي ناطقاً بِصَوْت ... كَأَنَّهُ ساجع الحمايم) (أخْشَى من الْعين قلت مهلا ... عَيْنَاك يامنيتى تمايم) وشعره كثير غالبه الْجَوْدَة ومدحه كثير من الشُّعَرَاء وَمَات سنة ١١١١ إِحْدَى عشرَة وَمِائَة وَألف بِبَيْت الْفَقِيه الزيدية (٩٨) السَّيِّد اسمعيل بن هادي الْمُفْتى الصنعاني أَخذ الْعلم عَن الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال مرافقا لشَيْخِنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَأخذ الْعلم أَيْضا عَن جمَاعَة من أَعْيَان عصره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر وَكَانَ يدرس فِي جَمِيع الْفُنُون بِمَسْجِد الفليحي بِصَنْعَاء وَهُوَ قرين شَيخنَا المغربى فى الطّلب

стр. 155

والتدريس وَمَا زَالَ على ذَلِك حَتَّى توفي فِي شهر رَجَب سنة ١١٩٨ ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة وَألف ورثاه تِلْمِيذه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن بن علي بن المتَوَكل على الله اسمعيل بقصيدة فائقة مطْلعهَا (ياله فادحٌ ألم وخطب ... مِنْهُ كَادَت شمّ الْجبَال تمور) (٩٩) اسمعيل بن يحيى بن حسن الصديق الصعدي ثمَّ الذمّاري ثمَّ الصنعاني ولد بعد سنة ١١٣٠ بذمار وَطلب الْعلم هُنَالك فَقَرَأَ الْفِقْه على الْحسن ابْن أَحْمد الشبيبي فبرع فِيهِ وَصَارَ محققاً للأزهار وَشَرحه ولبيان ابْن مظفر وَكَانَ وَالِده قَاضِيا فى حُبَيْش ثمَّ تولى هَذَا الْقَضَاء في أَيَّام صغره بذمار من جملَة حكام السَّبِيل ثمَّ ولي قَضَاء حُبَيْش مَكَان وَالِده في حَيَاته ثمَّ عزل فَعَاد إلى صنعاء وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء كالفقيه الْعَلامَة إبراهيم خَالِد وَقَرَأَ أَيْضا على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير فِي الحَدِيث وشارك في غير الْفِقْه مُشَاركَة لَطِيفَة ثمَّ جعله الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن من جملَة حكامه بِصَنْعَاء وعظمه وأجلّه وركن عَلَيْهِ فِي أمور كَثِيرَة مِنْهَا تَركه وَالِده فإنه جعلهَا بنظره وَكَانَ لَهُ أبهة عَظِيمَة وجلالة فِي الصُّدُور وتبحّر في الْفِقْه وتقعر فِي الْعبارَات مَعَ سكينَة ووقار ومحافظة على ناموس الْقَضَاء وملازمة لما يجلب الهيبة وَالْعَظَمَة في صُدُور الْعَامَّة من لبس الثِّيَاب الفاخرة وَعدم التزيد في الْكَلَام وَترك مَا لَا ينْهض بِهِ من الامور مَخَافَة ان يعجز عَنهُ بعد ظُهُوره فَيكون عَلَيْهِ في ذَلِك وصمة كَمَا كَانَ يَقع بَينه وَبَين الْحَاكِم الْأَكْبَر الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي فإنهما قد يتعارضان في أَمر فيدع صَاحب التَّرْجَمَة التصميم على مَا يظْهر لَهُ مَخَافَة أَن يتم غير

стр. 156

كَلَامه وَكَانَ إذا وَفد عَلَيْهِ من لَهُ خبْرَة بِعلم الْفِقْه أورد عَلَيْهِ مسَائِل قد حفظهَا من علم الأصول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وإذا وَفد عَلَيْهِ من يعرف عُلُوم الِاجْتِهَاد أَو بَعْضهَا أورد عَلَيْهِ مسَائِل من دقائق الْفِقْه فيظن الْفَقِيه أنه مبرز في غير الْفِقْه ويظن غَيره الْعَكْس من ذَلِك فتولد لَهُ من هَذَا عَظمَة فِي الصُّدُور كَبِيرَة وَكَانَ كثيراً مَا يسْتَخْرج رايات شريفة إمامية لجَماعَة من أهل الْعلم الَّذين يلازمون حَضرته بأنهم يقضون بَين النَّاس ويقبضون مِنْهُم أجرتهم الَّتِى يستحقونها وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة من الْقُضَاة فَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ حَاكم السَّبِيل فِي الْعرف أي لَا تَقْرِير لَهُ من بَيت المَال فَكَانَ مثل هَذَا أَيْضا من مُوجبَات تَعْظِيمه وَالْحَاصِل أنه كَانَ صَدرا من الصُّدُور عَظِيم الهمة شرِيف النَّفس كَبِير الْقدر نَافِذ الْكَلِمَة لَهُ دنيا وَاسِعَة وأملاك جليلة أصلها من فضلات رزقه عِنْد تَوليته قَضَاء حُبَيْش فإنه كَانَ يشتري بِمَا فضل لَهُ أَرضًا للزَّرْع ثمَّ تكاثرت تِلْكَ الأرض وَكَانَ يكْتَسب بِمَا فضل من غلاتها ثمَّ تضاعفت غَايَة المضاعفة وَصَارَ من الْمَشْهُورين بِكَثْرَة الْأَمْلَاك وَكَانَ يَجْعَل ضيافات عَظِيمَة وَيجمع فِيهَا الْأَعْيَان والأكابر وَقد دعاني في أَيَّام طلبي للْعلم إلى بَيته مَرَّات وَيظْهر من التَّعْظِيم والآجلال مَالا يُوصف وَآخر ذَلِك قبيل مَوته بِنَحْوِ نصف سنة فإنه أضافني مُنْفَردا وَقد كَانَ اشْتغل جمَاعَة فِي تِلْكَ الْأَيَّام بالحط على بِمَا يَقْتَضِيهِ اجتهادي فِي كثير من الْمسَائِل كَمَا هُوَ دأب الْيمن وَأَهله بل دأب جَمِيع الْمُقَصِّرِينَ مَعَ من يمشي مَعَ الدَّلِيل من الْعلمَاء فَقَالَ لي ﵀ مَا مضمونه إن فِي التظهر بذلك فتْنَة وَذكر لي قضايا جرت مَعَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير شَاهدهَا وَعرفهَا وَمَا زَالَ يضْرب لي الْأَمْثَال بِكَلَام رصين

стр. 157

وخطاب متين من جملَته أَن السَّيِّد مُحَمَّد الْأَمِير قد عرفت مَا ناله من النَّاس من الْأَذَى بالْقَوْل وَالْفِعْل وَمَعَ ذَلِك فمعه الْوَزير فلَان والأمير فلَان وَفُلَان وَفُلَان يقومُونَ بنصره ويدفعون عَنهُ مَا يكره وَأَنت يَا وَلَدي قد انقبضت عَن النَّاس وعكفت على الْعلم وانجمعت عَن الأكابر ثمَّ إن السَّيِّد مُحَمَّد قد كَانَ عِنْد مُخَالفَته للنَّاس في سن عالية فِي أَوَاخِر عمره وَأَنت فى عنفوان الشَّبَاب فقد لاتحتمل النَّاس مِنْك مَا كَانُوا يحْتَملُونَ مِنْهُ وَأطَال معي في هَذَا الشَّأْن ﵀ وَمَا زَالَ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع شهر صفر سنة ١٢٠٩ تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف وَله شرح على مُقَدّمَة بَيَان ابْن مظفر وَشرع فِي شرح الْمسَائِل المرتضاة للإمام المتَوَكل على الله وَلم يكمل ورسالة فِي الْبَسْمَلَة وَولده يُوسُف بن اسمعيل أصلح أَوْلَاده بعده جعل الْخَلِيفَة مَوْلَانَا الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله إليه مَا كَانَ إلى وَالِده من الْقَضَاء وَغَيره وَهُوَ الْآن قَائِم بذلك أتمّ قيام على طَريقَة حَسَنَة مَعَ عفة ونزاهة وَله قِرَاءَة عليّ فِي أَوَائِل بَيَان ابْن مظفر (١٠٠) أَمِير كَاتب بن أَمِير عمر ابْن العميد ابْن الأتقاني الحنفي ولد في شَوَّال سنة ٦٩٥ خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة واشتغل ببلاده وَمهر وَتقدم وَقدم دمشق في سنة ٧٢٠ ودرس وناظر وَظَهَرت فضائله وَدخل مصر ثمَّ رَجَعَ فَدخل بَغْدَاد وَولى قضاءها ثمَّ قدم دمشق نَائِبا فِي سنة ٧٤٧ وَولى بهَا تدريس دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة بعد وَفَاة الذهبى وَتكلم فِي رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَالرَّفْع وَادّعى بطلَان صَلَاة من فعل ذَلِك وصنف فِيهِ مصنفاً رد عَلَيْهِ السبكي وَفَارق دمشق وَدخل الديار المصرية سنة ٧٥١ فَأقبل عَلَيْهِ بعض أمرائها وعظّمه وَجعله شَيخا

стр. 158

لمدرسة بناها ونظّم فِي ذَلِك قصيدة مدحه بهَا وَكَانَ ذَلِك في جُمَادَى الأولى سنة ٧٥٧ وَكَانَ معادياً للشَّافِعِيَّة كثير الْحَط على عُلَمَائهمْ وَفِيه تيه زَائِد وَكبر شَدِيد وبأو عَظِيم وتعصب لنَفسِهِ جداً قَالَ فِي بعض مصنفاته مَا لَفظه لَو كَانَ الأسلاف في الْحَيَاة لقَالَ أَبُو حنيفَة اجتهدت ولقال أَبُو يُوسُف نَار الْبَيَان أوقدت ولقال مُحَمَّد أَحْسَنت وَاسْتمرّ هَكَذَا حَتَّى سرد غَالب أَعْيَان الْحَنَفِيَّة وَشرح الْهِدَايَة شرحاً حافلاً وَادّعى أَن بَينه وَبَين الزمخشري رجلَيْنِ فَقَط وَأنكر عَلَيْهِ ذَلِك وَمَات في حادي عشر شَوَّال سنة ٧٥٨ ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة (١٠١) السَّيِّد أَمِير الدَّين بن عبد الله بن نهشل ابْن المطهر بن أَحْمد بن عبد الله بن عز الدَّين بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن الإمام المطهّر بن يحيى هُوَ أحد عُلَمَاء الزيدية الْمَشَاهِير قَرَأَ على الإمام شرف الدَّين وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ سَاكِنا بِهِجْرَة حوث وَمَات بهَا فى يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٠٢٩ تسع وَعشْرين وَألف (١٠٢) أَيمن بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أربعة عشر أَبَا فِي نسق وَاحِد قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر لم يُوجد لَهُ نَظِير فِي ذَلِك إن كَانَ ثَابتا ولد بتونس ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَكَانَ كثير الهجاء والوقيعة ثمَّ قدم الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فجاور بهَا وَتَابَ وَالْتزم أَن يمدح النبي ﵌ خَاصَّة إلى أَن يَمُوت فوفى بذلك وَأَرَادَ الرحلة عَن الْمَدِينَة فَذكر أَنه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم

стр. 159

في النوم فَقَالَ يَا أَبَا البركات كَيفَ ترْضى بفراقنا فَترك الرحيل وَأقَام بِالْمَدِينَةِ إلى أَن مَاتَ وسمى نَفسه عاشق النبي وَذكر أَن صَاحب تونس بعث اليه يطْلب مِنْهُ الْعود إلى بَلَده ويرغبه فِيهِ فَأجَاب أَنى لَو أَعْطَيْت ملك الْمغرب والمشرق لم أَرغب عَن جوَار رَسُول الله ﵌ فَذكر أَنه رأى النبي ﷺ وأطعمه ثَلَاث لقمات قَالَ وَقَالَ لي كلَاما لَا أقوله لَاحَدَّ غير أَن في آخره وَاعْلَم أنّي عَنْك رَاض فَعمل قصيدة مِنْهَا (فَرَرْت من الدُّنْيَا إلى سَاكن الْحمى ... فرار محب عَائِذ بحبيبه) (لجأت إلى هَذَا الجناب وانما ... لجأت الى سامى الْعباد رحيبه) قَالَ ابْن فضل الله وَذكر أَبُو البركات أَنه رأى النبي ﵌ فَأَنْشد بَين يَدَيْهِ هَذَا الْبَيْت (لولاك لم أدر الْهوى ... لولاك لم أدر الطَّرِيق) مَاتَ في سنة ٧٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة حرف الْبَاء الْمُوَحدَة (١٠٣) بايزيد خَان بن مُرَاد بن أورخان ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَمَا إليها ولد سنة ٧٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَجلسَ على التخت سنة ٧٩٢ وَفتح كثيراً من بِلَاد النَّصَارَى وقلاعهم وَاسْتولى على من كَانَ بالروم من مُلُوك الطوائف وَخرج عَلَيْهِ تيمورلنك إلى بِلَاده وَكَانَ قد لقِيه بِجَيْش الروم وَفِيهِمْ طَائِفَة من التتار فخدع تيمور من كَانَ مَعَ صَاحب التَّرْجَمَة من التتار فمالوا اليه فقاتل هُوَ وَمن مَعَه قتالاً شَدِيدا وَكَانَ شجاعاً فَمَا زَالَ

стр. 160

يضْرب بِسَيْفِهِ حَتَّى كَاد يصل إلى تيمور فرموا عَلَيْهِ بساطاً وأمسكوه وحبسوه فَمَاتَ كمداً في الْأسر سنة ٨٠٥ خمس وثمان مائَة (١٠٤) بايزيد خَان بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن مُحَمَّد بن بايزيد الْمَذْكُور قبله ولد سنة ٨٥٥ خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَجلسَ على التخت بعد وَالِده سنة ٨٨٦ وعظمت سلطنته وافتتح عدَّة قلاع لِلنَّصَارَى وَخرج عَلَيْهِ أَخُوهُ جم فَانْهَزَمَ من صَاحب التَّرْجَمَة لما وَقع المصاف وفرّ إلى بِلَاد النَّصَارَى فَأرْسل إليه حلاقاً مَعَه سم فَمَا زَالَ يتَقرَّب إلى جم حَتَّى اتَّصل بِهِ وَحلق لَهُ بسكين مَسْمُومَة وهرب فسرى السم وَمَات وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد سُلْطَانا مُجَاهدًا مثاغرا مرابطاً محباً لأهل الْعلم محسناً إليهم وَمَات سنة ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة وفي أَيَّامه ظهر شاه اسمعيل الآتي ذكره وَكَانَ الْحَرْب بَينه وَبَين السُّلْطَان سليم ابْن صَاحب الترجمة كَمَا سيأتي تَحْقِيقه بعد أَن غلب سليم على السلطنة وَأَخذهَا من وَالِده كَمَا سيأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى (١٠٥) برسباي الدقماقي الظّاهري البرقوقي الْملك الْأَشْرَف اشْتَرَاهُ برقوق ثمَّ أعْتقهُ وَاسْتمرّ في خدمَة ابْنه النَّاصِر ثمَّ صَار مَعَ الْمُؤَيد بعد قتل النَّاصِر وَحضر مَعَه إلى مصر فولاه نِيَابَة طرابلس ثمَّ غضب عَلَيْهِ فاعتقله فَلَمَّا دخل ططر الشَّام بعد الْمُؤَيد استصحبه إلى الْقَاهِرَة وَقَررهُ دواداراً كَبِيرا فَلَمَّا اسْتَقر ابْنه الصَّالح مُحَمَّد كَانَ نَائِبا عَنهُ في التَّكَلُّم مُدَّة أشهر إلى أَن أجمع الرأي على خلعه وسلطنة صَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ في ثامن ربيع الآخر سنة ٨٢٥ وأذعن الْأُمَرَاء والنواب لذَلِك وساس الْملك ونالته السَّعَادَة ودانت لَهُ الْبِلَاد وأهلها وَفتحت فِي أَيَّامه

стр. 161

بِلَاد كَثِيرَة من غير قتال وَاسْتمرّ إلى أن مَاتَ في عصر يَوْم السبت ثَالِث عشر ذي الْحجَّة سنة ٨٤١ إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة وعهد إلى ابْنه الْعَزِيز بالسلطنة وَأَن يكون الأتابك جقمق نظام المملكة وَكثر تزاحم النَّاس عَلَيْهِ وَكَانَت أَيَّامه هُدُوا وسكونا وَلكنه كَانَ مَوْصُوفا بالشح وَالْبخل والطمع مَعَ الْجُبْن والخور وَكَثْرَة التلون وَسُرْعَة الْحَرَكَة والتقلب فِي الأمور وَشَمل بِلَاد مصر وَالشَّام الخراب وَقلت الأموال بهَا وافتقر النَّاس وسائت سيرة الْحُكَّام والولاة مَعَ بُلُوغ آماله ونيل أغراضه وقهر أعاديه وقتلهم بيد غَيره وَله مآثر في أَرض مصر عَظِيمَة مِنْهَا الْمدرسَة المنسوبة إليه ومدحه بعض الْعلمَاء بتوسيعه على الطّلبَة فَوق مَا كَانَ يَفْعَله من قبله فَقَالَ السَّبَب إن من تقدم من الْفُقَهَاء لم يَكُونُوا يوافقون الْمُلُوك على أغراضهم فَلم يسمحوا لَهُم بِكَثِير أَمر وَأما فُقَهَاء زَمَاننَا فهم لأجل كَونهم في قبضتنا وطوع أمرنَا نسمح لَهُم بِهَذَا النزر الْيَسِير قَالَ السخاوي وَهَذَا كَانَ إِذْ ذَاك وإلا فالآن مَعَ موافقتهم لَهُم في إشاراتهم فضلاً عَن عباراتهم لَا يعطونهم شَيْئا بل يتلفتون لما بِأَيْدِيهِم ويحسدونهم على الْيَسِير انْتهى (١٠٦) برقوق الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد الجركسي واسْمه الطنبغا وَلكنه سمي بذلك الِاسْم لنتوء فِي عَيْنَيْهِ كَأَنَّهُمَا البرقوق كَانَ مَمْلُوكا لرجل يُقَال لَهُ الخواجة عُثْمَان ثمَّ ملكه الْأَشْرَف شعْبَان فَلَمَّا قتل ترقى إلى أَن صَار أَمِير أَرْبَعِينَ ثمَّ مَا زَالَ يترقى حَتَّى قبض على بعض الْأُمَرَاء الْكِبَار وَتَوَلَّى التَّدْبِير للدولة مَكَانَهُ ثمَّ حصل التنافس بَينه وَبَين أَمِير يُقَال لَهُ بركه وَوَقع بَينهمَا حَرْب وَكَانَ الغلب لبرقوق فَقبض على

стр. 162

بركه وسجنه ثمَّ مَا زَالَ يعْمل فِي توليه للسلطنة اسْتِقْلَالا وخلع مخدومه الصَّالح حاجي إلى أَن اسْتَقل في رَمَضَان سنة ٧٨٤ فَجَلَسَ على التخت ولقب بِالظَّاهِرِ وَبَايَعَهُ الْخَلِيفَة والقضاة والأمراء فَمن دونهم وخلعوا الصَّالح بن الْأَشْرَف وأدخلوه إلى دور أَهله بالقلعة فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بِمدَّة خرج جمَاعَة من الْأُمَرَاء على برقوق فبرز إليهم فتسلل من مَعَه وخذلوه فتغيب حِينَئِذٍ واختفى في دَار بِقرب الْمدرسَة الشيخونية ظَاهر الْقَاهِرَة ثمَّ إن الْأُمَرَاء أعادوا الصَّالح إلى المملكة ولقب بالمنصور وَصَارَ يلبغا الناصري أتابكاً لَهُ وَأَرَادَ منطاش قتل برقوق فَلم يُوَافقهُ الناصري بل شيّعه إلى الكرك وسجنه بهَا ثمَّ بعد ذَلِك ثار منطاش على الناصري فحاربه إلى أَن قبض عَلَيْهِ وسجنه بالإسكندرية واستقل منطاش بِالتَّدْبِيرِ وَكَانَ أهوج فَلم يَنْتَظِم لَهُ أَمر وانتقضت عَلَيْهِ الْأَطْرَاف فَجمع العساكر وَخرج إلى جِهَة الشَّام فاتفق خُرُوج برقوق من الكرك وانضم إليه جمع قَلِيل فَالْتَقوا بمنطاش فانكسر إِلَى جِهَة الشَّام فاستولى الظَّاهِر برقوق على جَمِيع الأثقال وَفِيهِمْ الْخَلِيفَة والقضاة وأتباعهم فساقهم إلى الْقَاهِرَة واستقرت قدمه في الْملك وَأعَاد الصَّالح بن الأشرف إلى مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ كل ذَلِك فِي أَوَائِل سنة ٧٩٢ ثمَّ جمع العساكر وَتوجه إلى الشَّام لمحاربة منطاش فحصرها وهرع إليه الأمراء وتعصب الشاميون لمنطاش فَمَا أَفَادَ بل انهزم منطاش بعد أَن دَامَت الْحَرْب بَينهمَا مُدَّة وثبث برقوق في الْملك إلى أَن مَاتَ سنة ٨٠١ إحدى وثمان مائَة وعهد بالسلطنة لوَلَده فرج وَله يَوْمئِذٍ تسع سِنِين واستحلف القاضي الشافعي فَحلف لَهُ وَكَذَلِكَ الْخَلِيفَة وَجَمِيع الأمراء وَكَانَت مُدَّة اسْتِقْلَال برقوق

стр. 163

بالمملكة من غير مشارك تسع عشرَة سنة وَمن آثاره الْمدرسَة الَّتِى عمرها بَين القصرين وَكَانَ شجاعاً ذكياً خَبِيرا بالأمور حازماً مهاباً فإن تيمورلنك لم يقدر على التَّقَدُّم على مصر فِي سلطنته لما بلغه عَنهُ من الحزم والعزم والشدة وَالْقُوَّة وَلما بلغه موت برقوق أعْطى من بشره مبلغاً من المَال كثيرا وَحصل مَعَه الطمع فِي أَخذ مصر فَدفع الله عَنْهَا كَمَا سيأتي بَيَان ذَلِك في تَرْجَمته إن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ برقوق أول من أَخذ الْبَذْل على الولايات حَتَّى وَظِيفَة الْقَضَاء وَسَائِر الْوَظَائِف الدِّينِيَّة وَهُوَ أول مُلُوك الجراكسة في مصر (١٠٧) أَبُو بكر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر بن لَعَلَّه ذُؤَيْب شرف الْمَعْرُوف تنكر بِابْن قاضي شهبة الدمشقي الشافعي ولد سنة ٧٧٩ تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسراج البلقيني وطبقته وَله مصنفات مِنْهَا الذيل على تَارِيخ ابْن حجر وطبقات الشَّافِعِيَّة وَشرح الْمِنْهَاج إلى الْخلْع في أَربع مجلدات وَشرح التَّنْبِيه وَله التَّارِيخ الْكَبِير من سنة ٢٠٠ إلى ٧٩٢ وَله ذيل على تَارِيخ الذهبي في ثَمَان مجلدات وَمَات عَاشر ذي الْقعدَة سنة ٨٥١ إحدى وَخمسين وثمان مائَة (١٠٨) أَبُو بكر بن على بن عبد الله التقي الحموي الإزراري الْمَعْرُوف بِابْن حجَّة قَالَ السّخاوي بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بحماه وَنَشَأ بهَا وَأخذ فنوناً من الْعلم ومعاني الأدب وارتحل إلى الشَّام ومصر ومدح الأكابر ثمَّ عَاد إلى بِلَاده وَدخل الْقَاهِرَة فِي الايام

стр. 164

المؤيدية فَعظم أمره وَتَوَلَّى كِتَابَة الإنشاء ثمَّ توقف أمره فَعَاد إلى بِلَاده فَأَقَامَ بهَا ملازماً للْعلم وَالْأَدب إلى أَن مَاتَ وَله يَد طولى في النظم والنثر مَعَ زهو وإعجاب وَقد يأتي في نظمه بِمَا هُوَ حسن وَبِمَا هُوَ في غَايَة الركة والتكلف وَمَعَ ذَلِك فيفضله على ماهو من أشعار غَيره في السَّمَاء وَهُوَ في الأرض كَمَا يفعل ذَلِك في شرح بديعته الْمَشْهُورَة بأيدي النَّاس وَهُوَ من أحسن تصانيفه وَمِنْهَا بُلُوغ المرام من سيرة ابْن هِشَام وَالرَّوْض الْأنف والأعلام وأمان الْخَائِفِينَ من أمة سيد الْمُرْسلين وبلوغ المُرَاد من الْحَيَوَان والنبات والجماد في مجلدين وبروق الغبث على الْغَيْث الذى انسجم وكشف اللثام عَن وَجه التورية والاستخدام وقهوة الإنشاء في مجلدين جمع فِيهِ مَا أنشأه عَن الْمُلُوك وتأهل الْغَرِيب فِي أَربع مجلدات وَغير ذَلِك من المصنفات وشعره كثير وبسبب عجبه وتيهه هجاه كثير من معاصريه بمقاطيع مقذعة وَزَاد في التحامل عَلَيْهِ النواجي الآتي ذكره إِن شَاءَ الله حَتَّى صنّف كتاباً سَمَّاهُ الْحجَّة في سرقات ابْن حجَّة رَأَيْته فِي مُجَلد لطيف تكلف فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف وشعره مَشْهُور قد ذكر مِنْهُ في شرح بديعته كثيراً وَذكر أَيْضا فِيهِ بَعْضًا من نثره وَهُوَ أحسن من نظمه وَمَات فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شعْبَان سنة ٨٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة

стр. 165

(١٠٩) أَبُو بكر بن علي الْحداد الزبيدي الحنفي قَرَأَ على وَالِده وعَلى على بن نوح وعَلى علي بن عمر العلوي وبرع في أَنْوَاع من الْعلم واشتهر ذكره وطار صيته وصنّف مصنّفات في فقه الْحَنَفِيَّة مِنْهَا شرحان لمختصر القدوري صَغِير وكبير وَجمع تَفْسِيرا حسناً هُوَ الْآن مَشْهُور عِنْد النَّاس يسمونه تَفْسِير الْحداد وَله مصنفات كَثِيرَة تبلغ عشْرين مجلداً وَمَات سنة ٨٠٠ ثَمَان مائَة بِمَدِينَة زبيد وَله زهد وورع وعفة وَعبادَة (١١٠) السَّيِّد أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن بن حريز بمهملتين وَآخره زاي العلوي الحسيني الحصني ثمَّ الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بالتقي الحصني ولد سنة ٧٥٢ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل عصره وبرع وقصده الطّلبَة وصنّف التصانيف كشرح التَّنْبِيه في خمس مجلدات وَشرح الْمِنْهَاج وَشرح صَحِيح مُسلم في ثَلَاث مجلدات وَشرح أَرْبَعِينَ النَّوَوِيّ فِي مُجَلد وَشرح مُخْتَصر أبي شُجَاع فِي مُجَلد وَشرح الْأَسْمَاء الْحسنى في مُجَلد وتلخيص مهمات الأسنوي في مجلدين وقواعد الْفِقْه فِي مجلدين وَله في التصوف مصنفات وَمَات لَيْلَة الْأَرْبَعَاء منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٢٩ تسع وَعشْرين وثمان مائَة ١١١ - بيبرس العثماني الجاشنكير الْملك المظفر كَانَ من مماليك الْمَنْصُور قلاون وترقى إلى أَن جعله أَمِير طبلخانة وَكَانَ أشقر اللَّوْن مستدير اللِّحْيَة مَوْصُوفا بِالْعقلِ التَّام وَالْفِقْه وَهُوَ من جملَة الأمراء الَّذين تعصبوا للناصر حَتَّى أقاموه في السلطنة وَبعد استقراره

стр. 166

صَار صَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر أمرائه وَولى الأستاذ دارية لَهُ ثمَّ قَامَ بنصرة النَّاصِر مرة أُخْرَى وَأَعَادَهُ إلى السلطنة وَصَارَ مُدبرا للملكة هُوَ وسلار فَكَانَ هَذَا الاستاذ دَار وسلار نَائِب السلطنة وَعظم قدره ثمَّ خرج لِلْحَجِّ بعد سنة ٧٠١ وَصَحبه كثير من الأمراء وَحج بِالنَّاسِ فَصنعَ من الْمَعْرُوف شَيْئا كثيراً وَمن محاسنه أَنه قلع المسمار الَّذِي كَانَ في وسط الْكَعْبَة وَكَانَ الْعَوام يسمونه سرة الدُّنْيَا وينبطح الْوَاحِد مِنْهُم على وَجهه وَيَضَع سرته مكشوفة عَلَيْهِ ويعتقد أَن من فعل ذَلِك عتق من النَّار وَكَانَ بِدعَة شنيعة وَكَذَلِكَ أَزَال الْحلقَة الَّتِى يسمونها العروة الوثقى وَهُوَ الَّذِي كَانَ السَّبَب في الْقيام على النَّصَارَى وَالْيَهُود حَتَّى منعُوا من ركُوب الْخَيل والملابس الفاخرة وَاسْتقر الْحَال على أَن النصراني يلبس الْعِمَامَة الزَّرْقَاء واليهودي يلبس الْعِمَامَة الصَّفْرَاء فِي جَمِيع الديار المصرية والشامية وَلَا يركب أحد مِنْهُم فرساً وَلَا يتظاهر بملبوس فاخر وَلَا يضاهى الْمُسلمين فى شئ من ذَلِك وصمم في ذَلِك بعد أَن بذلوا أَمْوَالًا كَثِيرَة فَامْتنعَ وضاق بهم الأمر جداً حَتَّى أسلم كثير مِنْهُم وهدمت في هَذِه الكائنة عدَّة كنايس وأبطل عيد الشَّهِيد وَهُوَ موسم من مواسم النَّصَارَى كَانَ يخرجُون إلى النيل فيلقون فِيهِ أصبعاً لبَعض من سلف مِنْهُم يَزْعمُونَ أَن النيل لَا يزِيد إلا إن وضع الأصبع فِيهِ وَكَانَ يحصل فِي ذَلِك الْعِيد من الْفُجُور وَالْفِسْق والمجاهرة بالمعاصي أَمر عَظِيم وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد غلب هُوَ وسلاّر على سلطنة النَّاصِر وَلم يبْق بِيَدِهِ إلا الِاسْم وَكَانَ يُبَالغ فِي التأدب مَعَ رَفِيقه سلار فَلَمَّا حجروا على النَّاصِر التَّصَرُّف فِي المملكة وَصَارَ مَعَهُمَا صُورَة بِلَا حَقِيقَة أظهر أَنه يُرِيد الْحَج ثمَّ خرج وَعدل من

стр. 167

الطَّرِيق إلى الكرك وَأرْسل إلى الأمراء بِمصْر بأنه قد ترك الْملك فاضطرب الأمراء عِنْد ذَلِك وَتَشَاوَرُوا فِي من يسْتَقرّ في السلطنة مَكَانَهُ فَحسن سلار لبيبرس أَن يتسلطن فَأَجَابَهُ إلى ذَلِك بعد تمنع كَبِير وَأَفْتَاهُ جمَاعَة من الْعلمَاء بِجَوَاز ذَلِك فتسلطن وتلقب بالمظفر وَكتب عَهده عَن الْخَلِيفَة وَركب بالعمامة المدورة والتقليد على رَأس الْوَزير وناب عَنهُ سلاّر على عَادَته وأطاعه أهل الشَّام وَذَلِكَ كُله فِي شهر شَوَّال سنة ٧٠٨ وَيُقَال أن التشاريف الَّتِى أَعْطَاهَا الْأُمَرَاء وَغَيرهم كَانَت ألف تشريف وَمِائَتَيْنِ وأبطل ضَمَان الْخمر من طرابلس وَكَانَ ذَلِك من حَسَنَاته فَلَمَّا كَانَ وسط سنة ٧٠٩ خامر عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وتوجهوا إلى النَّاصِر فَأَخَذُوهُ من الكرك فتوجهوا مَعَه إلى دمشق وَسَارُوا في عَسْكَر كثير فَلَمَّا تحقق حَرَكَة النَّاصِر جرد إليه عسكراً كثيراً فخامروا وانهزموا ثمَّ لم يُرْسل أحداً إلا خامر عَلَيْهِ حَتَّى صهره وزج ابْنَته وفي غُضُون ذَلِك زين بعض الْفُقَهَاء لبيبرس أَن يجدد لَهُ الْخَلِيفَة عهداً بالسلطنة فَفعل وَقَرَأَ ذَلِك وَأرْسل بنسخة إِلَى الْأُمَرَاء الخارجين عَلَيْهِ وَكَانَ أَوله (إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) فَلَمَّا قرئَ على كَبِيرهمْ قَالَ ولسليمان الريح وَأمر بِقِرَاءَة هَذَا الْعَهْد على المنابر يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا سَمعه الْعَامَّة صاحوا فَمنهمْ من يَقُول نصر الله النَّاصِر وَمِنْهُم من يَقُول يَا نَاصِر يَا مَنْصُور وَاتفقَ أَنه نصب أَمِيرا في شهر رَمَضَان ومروا بِهِ من وسط الْقَاهِرَة عَلَيْهِ الزِّينَة فَكَانَ الْعَامَّة يَقُولُونَ يافرحة لاتتم وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك ثمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ جمَاعَة مِمَّن تَأَخّر مَعَه أَن يشْهد عَلَيْهِ بالنزول عَن السلطنة وَيتَوَجَّهُ إلى أطفيح ويكاتب النَّاصِر ويستعطفه من هُنَالك وينتظر جَوَابه فَفعل وَخرج عَلَيْهِم

стр. 168

الْقَوْم فسبّوه وشتموه ورجموه بِالْحِجَارَةِ فَفرق فيهم دَرَاهِم فَلم يرجِعوا فسل مماليكه عَلَيْهِم السيوف فَرَجَعُوا عَنهُ فَأَقَامَ بأطفيح يَوْمًا ثمَّ رَحل طَالبا للصعيد فوصل إلى إخميم فَقدم عَلَيْهِم الْأمان من النَّاصِر وَأَنه أقطعه صيهون فَقبل ذل وَرجع مُتَوَجها إلى غَزَّة فَلَمَّا وصل غَزَّة وجد هُنَاكَ نَائِب الشَّام وَغَيره فقبضوا عَلَيْهِ وسيّروه إلى مصر فَتَلقاهُمْ قَاصد النَّاصِر فقيده وأركبه بغلاً حَتَّى قدم بِهِ إلى القلعة في ذي الْقعدَة فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ عاتبه وَعدد عَلَيْهِ ذنوباً فَيُقَال أنه خنق بِحَضْرَتِهِ بِوتْر حَتَّى مَاتَ وَقيل سقَاهُ سما وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْخَيرِ والأمانة وَالتَّعَفُّف وَكَانَ قَتله فِي شهر الْقعدَة سنة ٧٠٩ وَقد كَانَ تعكست عَلَيْهِ الْأُمُور وكل مادبره عَاد عَلَيْهِ بالخذلان حرف التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة (١١٢) تنكر نَائِب الشَّام جلب إلى مصر وَهُوَ صَغِير فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف ثمَّ صَار إلى النَّاصِر فَجعله أَمِير عشرَة قبل أَن يعْزل نَفسه ويفر إلى الكرك ثمَّ كَانَ فى صحبته بالكرك يترسل بَينه وَبَين الأفرم وَكَانَ الأقرم إِذْ ذَاك نَائِب الشَّام ففي بِبَعْض الْأَوْقَات اتهمه الأفرم بَان مَعَه كتباً إلى أُمَرَاء الشَّام ففتشه وَعرض عَلَيْهِ الْعقُوبَة فَرجع إلى النَّاصِر وشكى عَلَيْهِ مالاقاه من الإهانة فَقَالَ لَهُ إِن عدت إلى الْملك فأنت نَائِب الشَّام عوضه فَلَمَّا عَاد إلى الْملك جهزه لنيابة الشَّام في ربيع الآخر سنة ٧١٢ وَأرْسل مَعَه من ييعرفه بِمَا يحْتَاج إليه فباشر ذَلِك وَتمكن وسلك سَبِيل الْحُرْمَة والناموس الْبَالِغ وَفتح الله على

стр. 169

يَدَيْهِ ملطية فى سنة ٧١٥ وَذَلِكَ أَنه اسْتَأْذن السُّلْطَان في ذَلِك فَأذن لَهُ فأظهر أَنه يُرِيد التَّوَجُّه إلى مَحل آخر فَخرج وَخرجت العساكر مَعَه وَهُوَ في دست السلطنة بالعصايب والكوسات وَمَعَهُ الْقُضَاة فَلَمَّا وصل إلى حلب جرد عسكراً إلى مطلية ثمَّ توجّه في أَثَره فنازلها إلى أَن فتحهَا ورحل بأسرى وَغَنَائِم وَمَال كثير فَعظم شَأْنه وهابه الأمراء والنواب قَالَ الصفدي سَار السِّيرَة الْحَسَنَة العادلة بِحَيْثُ لم يكن لَهُ همة في مأكل وَلَا مشرب وَلَا ملبس وَلَا منكح بل فِي الفكرة فى تَأْمِين الرعايا فأمنت السبل فِي أَيَّامه ورخصت الأسعار وَلم يكن أحد في ولَايَته يتَمَكَّن من ظلم أحد وَلَو كَانَ كَافِرًا ثمَّ إن النَّاصِر بَالغ فِي تَعْظِيمه وَتقدم أمره إلى جَمِيع النواب بالبلاد الشامية أَن يكاتبوا تنكر بِجَمِيعِ مَا كَانُوا يكاتبون بِهِ السُّلْطَان وَزَاد في الترقي حَتَّى كَانَ النَّاصِر لَا يفعل شَيْئا إلا بعد مشاورته وَلم يكْتب هُوَ الى السُّلْطَان فى شئ فَيردهُ فِيهِ إلا نَادرا وَلم يتَّفق في طول ولَايَته أَنه ولي أَمِيرا وَلَا نَائِبا وَلَا قَاضِيا وَلَا وزيراً وَلَا كَاتبا إلى غير ذَلِك من جليل الْوَظَائِف وحقيرها برشوة وَلَا طلب مُكَافَأَة بل رُبمَا كَانَ يدْفع إليه المَال الجزيل لأجل ذَلِك فَيردهُ ويمقت صَاحبه وَكَانَ يتَرَدَّد إلى الْقَاهِرَة بإذن السُّلْطَان فيبالغ في إكرامه واحترامه حَتَّى قَالَ النشو مرة أن الَّذِي خص تنكر فِي سنة ٧٣٣ خَاصَّة مبلغ ألف ألف وَخمسين ألف خَارِجا عَن الْخَيل والسروج وَكَانَ قد سمع الحَدِيث من عِيسَى الْمطعم وأبي بكر بن أَحْمد بن عبد الدايم وَابْن الشّحْنَة وَغَيرهم وَلما حج قَرَأَ عَلَيْهِ بعض الْمُحدثين بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة ثلاثيات البخاري وَمن مُبَالغَة السُّلْطَان فِي تَعْظِيمه أَنه روى عَنهُ الأمير سيف الدَّين أَنه قَالَ لَهُ مرة لي مُدَّة طَوِيلَة

стр. 170

أطلب من النَّاس شَيْئا لَا يفهمونه مني وَهُوَ أَنى لَا أقضي لأحد حَاجَة إلا على لِسَان تنكر ودعا لَهُ بطول الْعُمر قَالَ فنقلت ذَلِك إلى تنكر فَقَالَ بل أَمُوت أَنا فِي حَيَاة السُّلْطَان قَالَ فبلغت السُّلْطَان ذَلِك فَقَالَ لَا قل لَهُ أَنْت إذا عِشْت بعدي نفعتني في أولادي وأهلي وَأَنت إذا مت قبلى ايش أعمل أنامع أولادك أَكثر مِمَّا عملت مَعَهم في حياتك ولتنكر مآثر في دمشق مَسَاجِد ومدارس ورباطات وَحج في سنة ٧٢١ وَيُقَال أنه قدم الْقَاهِرَة بعد حجة فَأمر السُّلْطَان الْأُمَرَاء يهادونه وَكَانَت جملَة مَا قدم اليه ثَمَانِينَ ألف دِينَار وَكَانَ النَّاس فِي ولَايَته آمِنين على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وحريمهم وَأَوْلَادهمْ وَكَانَ يتَوَجَّه في كل سنة إلى الصَّيْد ويصيد أَيَّامًا وَكَانَ مثابراً على الْحق وَنصر الشَّرْع إلا أَنه كَانَ كثير التخيل سريع الْغَضَب شَدِيد الحدة وَلَا يقدر أحد على مُرَاجعَته مهابة لَهُ وَإِذا بَطش بَطش بطشة الجبارين وَإِذا غضب على اُحْدُ لَا يزَال ذَلِك المغضوب عَلَيْهِ فِي انعكاس وخمول إلى أَن يَمُوت غَالِبا وَكَانَ يَقُول أي لَذَّة لحَاكم إذا كَانَت رعاياه يدعونَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ يَخْلُو ليلة من قيام وَدُعَاء وَكَانَ يعظم أهل الْعلم وإذا كَانَ عِنْده أحد مِنْهُم لم يسند ظَهره بل يقبل إليه بِوَجْهِهِ ويؤنسه بالْقَوْل وَالْفِعْل وَكَانَ سليم الْبَاطِن لَيْسَ عِنْده دهاء وَلَا مكر وَلَا يصبر على الْأَذَى لَا يداري أحداً من الأمراء وَقدم إلى مصر في سنة ٧٣٨ فَخرج السُّلْطَان لملاقاته فَلَمَّا رَآهُ ترجل لَهُ فترجل جَمِيع من مَعَه من الامراء فَألْقى تنكر نَفسه من فَوق الْفرس إلى الأرض وأسرع وَهُوَ يقبل الأرض حَتَّى انكب على قدمي السُّلْطَان فقبلهما فأمسك رَأسه بِيَدِهِ وَأمره بالركوب وَقدم فِي سنة ٧٣٩ فَكَانَت قيمَة تقادمه للسُّلْطَان والامراء

стр. 171

مائتي ألف دِينَار وَعشْرين ألف دِينَار وَبَالغ السُّلْطَان فِي إكرامه حَتَّى أخرج لَهُ نِسَاءَهُ فقبلن يَده وَله محَاسِن مِنْهَا أَنه نظر فِي أوقاف الْمدَارِس والجوامع والمساجد والخوانق والزوايا والربط فَمنع أن يصرف لَاحَدَّ جامكية حَتَّى يلم شعثها فعمرت كلهَا في زَمَانه أحسن عمَارَة وَأمر بكسح الأوساخ الَّتِى فِي مقاسم الْمِيَاه الَّتِى تتخلل الدور وَفتح منافذها وَكَانَت انسدت فَكَانَ الوباء يحصل بِدِمَشْق كثيراً بِسَبَب العفونات فَلَمَّا صلح ذَلِك زَالَ مَا كَانَ يعتادهم كل سنة من كَثْرَة الأمراض فَكثر الدُّعَاء لَهُ وأجرى الْعين إلى بَيت الْمُقَدّس بعد أَن كَانَ المَاء بهَا قَلِيلا وَأَقَامُوا في عَملهَا سنة وَأكْثر من فكاك الأسرى وَأعظم ربح التُّجَّار الَّذين يجلبونهم وَجمع الْكلاب فألقاها في الخَنْدَق واستراح النَّاس من أذاها وَلما انْتهى حَظه وَبلغ الْغَايَة في هَذِه الدُّنْيَا أشهر فِي النَّاس أَنه عزم على التَّوَجُّه إلى بِلَاد التتار حَتَّى بلغ ذَلِك السُّلْطَان وَتغَير عَلَيْهِ وتنكر لتنكر وجهز العساكر لإمساكه مَعَ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَلَيْسَ عِنْده خبر فَلَمَّا بلغه الْخَبَر بوصول الْجند والأمراء لإمساكه بهت لذَلِك وَقَالَ مَا الْعَمَل قَالُوا تستسلم فاستسلم وجهز سَيْفه إلى السُّلْطَان وَذَلِكَ فِي ذي الْحجَّة سنة ٧٤٠ وتأسف أهل دمشق عَلَيْهِ ثمَّ بعد الْقَبْض عَلَيْهِ أحيط بموجوده وَوجد لَهُ مَا يُجَاوز الْوَصْف فَمن الذَّهَب الْعين ثَلَاث مائَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار وَمن الدَّرَاهِم ألف ألف دِرْهَم وَخمْس مائَة ألف دِرْهَم وَأما الْجَوَاهِر والحوايص والأقمشة والخيول وَنَحْو ذَلِك فشئ كثير جداً ثمَّ لما دخل الْقَاهِرَة أَمر السُّلْطَان جَمِيع المماليك والأمراء أَن يقعدوا لَهُ بالطرقات من حد بَاب القلعة وَأَن لَا يقوم لَهُ أحد وفي بعض الْأَوْقَات

стр. 172

قَالَ لَهُ السُّلْطَان انْظُر من يكون وصيك فَقَالَ لَهُ خدمتك ونصحتك فَلم تتْرك لي صديقاً وَأمر بتجهيزه إلى الإسكندرية فَلم يزل في الاعتقال دون شهر ثمَّ مَاتَ في أَوَائِل سنة ٧٤١ إحدى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قَالَ الذهبي في أَوَاخِر كِتَابه سير النبلاء كَانَ ذَا سطوة وهيبة وزعامة وإقدام على الدِّمَاء وَله نفس سبعية وَفِيه عتو وحرص مَعَ ديانَة فِي الْجُمْلَة وَكَانَ فِيهِ حِدة وَقلة رأفة وَكَانَ لَا يفكر فى عَاقِبَة وَلَا رأي لَهُ وَلَا دهاء إلى آخر كَلَامه وَتعقبه الْحَافِظ صَلَاح الدَّين الغلائي فَقَالَ لقد بَالغ المُصَنّف وَتجَاوز الْحَد فِي تَرْجَمَة تنكر وأين مثله وَأعْرض عَن محاسنه الطافحة من الْعدْل وقمع الظلمَة وكف الْأَذَى عَن النَّاس ومحبة إِيصَال الْحق إلى مُسْتَحقّه وتولية الوظايف أَهلهَا وحسبك أَن المُصَنّف يعْنى الذهبي كَانَ فَقِيرا فَلَمَّا خلت دَار الحَدِيث الأشرفية وتربة أم الصَّالح ولى تنكر المزي والذهبي بِغَيْر سُؤال مِنْهُمَا وَلَا ببذل لأنه أعلم بحالهما واستحقاقهما ثمَّ ولي الذهبي دَار الحَدِيث الظَّاهِرِيَّة ثمَّ النفيسية ثمَّ دَار الحَدِيث التنكرية ثمَّ قَالَ الغلائي ذَنْب تنكرانه كَانَ يحط كثيراً على ابْن تَيْمِية وفي هَذِه الإشارة كِفَايَة انْتهى وَهُوَ يُشِير بِهَذَا إلى أَن الذهبي تحيز إِلَى الْحَنَابِلَة (١١٣) تيمورلنك بن طرغاي السُّلْطَان الْأَعْظَم الطاغية الْكُبْرَى الْأَعْرَج وَهُوَ اللّنك في لغتهم كَانَ ابْتِدَاء ملكه أَنَّهَا لما انقرضت دولة بنى جنكزخان وتلاشت في جَمِيع النواحي ظهر هَذَا بتركستان وسمرقند وتغلب على ملكهم مَحْمُود بعد أَن كَانَ أتابكه وَتزَوج أمه فاستبد عَلَيْهِ وَكَانَ فى عصره أَمِير بحارى يعرف بِحسن من أكَابِر الْمغل وآخر بخوارزم يعرف بالحاج حسن الصوفي وَهُوَ من كبار التتر فنبذ إليهم

стр. 173

تيمور بالعهد وزحف إلى بُخَارى فملكها من يَد الْأَمِير حسن ثمَّ زحف إلى خوارزم وتحرش بهَا وَهلك الْحَاج حسن فِي خلال ذَلِك وَولى أَخُوهُ يُوسُف فملكها تيمور من يَده وخربها في حِصَار طَوِيل ثمَّ كلف بعمارتها وتشييد ماخرب مِنْهَا وانتظم لَهُ ملك مَا ورا النَّهر وَنزل إلى بُخَارى ثمَّ انْتقل إلى سَمَرْقَنْد ثمَّ زحف إلى خُرَاسَان وَطَالَ تحرشه بهَا وحروبه لصَاحِبهَا شاه ولي إلى أَن ملكهَا عَلَيْهِ سنة ٧٨٤ وَنَجَا شاه ولي إلى تبريز وَبهَا أَحْمد بن أويس صَاحب الْعرَاق وأذربيجان إلى أَن زحف عَلَيْهِم تيمور سنة ٧٨٨ فَهَلَك شاه ولي في حروبه عَلَيْهَا وملكها تيمور ثمَّ زحف إلى أصبهان فأطاعوه طَاعَة ممرضة وخالفه فِي قومه كَبِير من أهل نسبة يعرف بقمر الدَّين فكرّ رَاجعا وحاربه إلى أَن محى أثره واشتغل بسُلْطَان الْمغل وزاحم طقتمش مرَارًا حَتَّى أوهن أمره ثمَّ رَجَعَ إلى أصبهان سنة ٧٩٤ ثمَّ زحف إلى بَغْدَاد سنة ٧٩٥ ففرّ مِنْهَا أَحْمد بن أويس المتغلب عَلَيْهَا بعد بني هولاكو وَاسْتولى عَلَيْهَا تيمور ونهبها وبلغه حَرَكَة طقتمش في جَمِيع الْمغل فأحجم وَتَأَخر إلى قلاع الأكراد وأطراف بِلَاد الروم وأناخ على قراباغ وَرجع طقتمش ثمَّ سَار إليه تيمور أول سنة ٧٩٩ وغلبه على ملكه وَأخرجه من سَائِر أَعماله فلحق ببلغار وَرجع سَائِلًا الْمغل الَّذين كَانُوا مَعَه إلى تيمور فأضحت أُمَم الْمغل والتتر كلهَا في جملَته وصاروا تَحت لوائه وَالْملك لله فَلَمَّا بلغه موت الظَّاهِر برقوق فَرح وَأعْطى من بشره بذلك خَمْسَة عشرَة ألف دِينَار وتهيأ للمسير إلى بِلَاد الشَّام فجَاء إلى بَغْدَاد فَأَخذهَا ثَانِيًا فإنها كَانَت استرجعت نَائِبه ثمَّ قصد سيواس في آخر سنة ٨٠٢ فحاصرها مُدَّة

стр. 174

وَلم يَأْخُذهَا ثمَّ إلى عين تَابَ فأجفل أهل الْقرى بَين يَدَيْهِ وَأهل الْبِلَاد الحلبية وَاجْتمعَ عَسَاكِر المماليك الشامية بحلب وَوصل تيمور مرج دابق وجهز رَسُولا إلى حلب فَأمر سدون نَائِب حلب بقتْله ثمَّ نزل في يَوْم الْخَمِيس تَاسِع ربيع الأول سنة ٨٠٣ على حلب ونازلها وحاصرها فَخرج النواب بالعسكر إلى ظَاهرهَا من جِهَة الشمَال وتقاتلوا يَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت حادي عشر الشَّهْر ركب تيمور فِي جمع وحشدوا الفيلة تقاد بَين يَدَيْهِ وهى فى مَا قيل ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ وَكَانَ مَعَه جمع لَا يُحْصِيه إلا الله من ترك وتركمان وعجم وأكراد وتتار وزحف على حلب فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ من بَين أَيْديهم وَجعلُوا يلقون أنفسهم من الأسوار والخنادق والتتار في أَثَرهم يَقْتُلُونَهُمْ ويأسرونهم إلى أَن دخلُوا حلب عنْوَة بِالسَّيْفِ فلجأت النِّسَاء والأطفال إلى الْجَوَامِع والمساجد فَلم يفد ذَلِك شَيْئا وَاسْتمرّ الْقَتْل والأسر فِي أهل حلب فَقتلُوا الرِّجَال وَسبوا النِّسَاء والأطفال وَقتل خلق كثير من الْأَطْفَال تَحت حوافر الْخَيل وعَلى الطرقات وأحرقوا الْمَدِينَة ثمَّ في يَوْم الثُّلَاثَاء تسلّم قلعتها بالأمان وَصعد إليها فِي الْيَوْم الَّذِي يَلِيهِ وَجلسَ فِي أَبْوَابهَا وَطلب الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء للسلام عَلَيْهِ فامتثلوا أمره وجاؤا إليه لَيْلَة الْخَمِيس فَلم يكرمهم وَجعل يتعنتهم بالسؤال وَكَانَ اخر ماسألهم عَنهُ أن قَالَ مَا تَقولُونَ في مُعَاوِيَة وَيزِيد هَل يجوز لعنهما أم لَا وَعَن قتال علي وَمُعَاوِيَة فَأَجَابَهُ القاضي علم الدَّين القفصي المالكي بَان علياً اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَمُعَاوِيَة اجْتهد فأحطأ فَلهُ أجر فتغيظ من ذَلِك ثمَّ أجَاب الشرف أَبُو البركات الأنصاري الشافعي بَان مُعَاوِيَة لَا يجوز لَعنه لِأَنَّهُ صحابي فَقَالَ تيمور مَا حد الصحابي فَأجَاب

стр. 175

القاضي شرف الدَّين أَنه كل من رأى النبي ﵌ فَقَالَ تيمور فاليهود وَالنَّصَارَى رَأَوْا النبي ﵌ فَأجَاب بَان ذَلِك بِشَرْط كَون الرائي مُسلما وَأجَاب القاضي شرف الدَّين الْمَذْكُور أَنه رأى فِي حَاشِيَة على بعض الْكتب أَنه يجوز لعن يزِيد فتغيظ لذَلِك وَلَا عتب عَلَيْهِ إذا تغيّظ فالتعويل فِي مثل هَذَا الْموقف الْعَظِيم في مناظرة هَذَا الطاغية الْكَبِير فِي ذَلِك الامر الَّذِي مَا زَالَت الْمُرَاجَعَة بِهِ بَين أهل الْعلم فِي قديم الزَّمَان وَحَدِيثه على حَاشِيَة وجدهَا على بعض الْكتب مِمَّا يُوجب الغيظ سَوَاء كَانَ محقاً أَو مُبْطلًا وَقد سألهم في هَذَا الْموقف أَو فى موقف اخر بمسئلة عَجِيبَة فَقَالَ مَا مضمونه أنه قد قتل منا ومنكم من قتل فَمن في الْجنَّة وَمن في النَّار هَل قَتْلَانَا أَو قَتْلَاكُمْ فَقَالَ بعض الْعلمَاء الْحَاضِرين وَهُوَ ابْن الشّحْنَة كَمَا سيأتي إِن شَاءَ الله هَذَا سُؤال قد سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله فاستنكر تيمور ذَلِك وَقَالَ كَيفَ قلت قَالَ ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن قَائِلا قَالَ لرَسُول الله ﵌ يَا رَسُول الله الرجل يُقَاتل حمية وَقَاتل شجاعة وَيُقَاتل ليرى مَوْضِعه فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هي الْعليا فَهُوَ في الْجنَّة أَو كَمَا قَالَ فَلَمَّا سمع تيمور هَذَا الْجَواب أعجبه وأطربه وَللَّه در هَذَا الْمُجيب فَلَقَد وَفقه الله في هَذَا الْجَواب وَهَكَذَا فلتكن جوابات الْعلمَاء لَا كَمَا قَالَه القاضي شرف الدَّين أنه رأى فِي حَاشِيَة ثمَّ إن تيمور توجه إلى قاعة السُّلْطَان الكائنة بقلعة حلب وَأمر بِطَلَب دَرَاهِم مِمَّن بالقلعة من الحلبيين فَكتب أَسمَاء النَّاس وَقبض عَلَيْهِم وعوقبوا بانواع من الغذاب بِحَيْثُ لم يسلم من الْعقُوبَة إلا الْقَلِيل ونهبوا القلعة وَأخذُوا من الأموال والأقمشة

стр. 176

مَا أذهل التتار وَلم يظفروا فِي مملكة بِمثلِهِ ثمَّ رَحل يَوْم السبت مستهل ربيع الآخر إلى جِهَة دمشق وَترك بحلب طَائِفَة من التتار بالقلعة وبالمدينة فوصل إلى دمشق وَقد كَانَ وصل اليها النَّاصِر فرج بعساكر الديار المصرية لدفع التتار وَحصل بَينهم قتال أياماً ثمَّ إنه وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْعَسْكَر المصري وداخلهم الفشل فانكسروا وولوا رَاجِعين إلى جِهَة مصر واقتفى التتار آثارهم يسلبون من قدرُوا عَلَيْهِ أَو لحقوه وَرجع السُّلْطَان إلى مصر فَأخذ تيمور دمشق وَفعل بِأَهْلِهَا أعظم من فعله بحلب فقصد من بالقلعة أَن يمتنعوا مِنْهُ فَأمر بالأخشاب وَالتُّرَاب وَالْحِجَارَة وَبنى برجين قبالة القلعة فأذعنوا حِينَئِذٍ ونزلوا فتسلمها وَنهب الْمَدِينَة وخربها خراباً فَاحِشا لم يسمع بِمثلِهِ وَلم يصل التتار أَيَّام هولاكو إلى قريب مِمَّا فعل بهَا التتار أَيَّام تيمور وَاسْتمرّ بِدِمَشْق إلى شعْبَان ثمَّ رَجَعَ إلى نَاحيَة حلب قَاصِدا بِلَاده وَلما وصل الى بِلَاده اسْتَقر إلى السنة الثَّانِيَة ثمَّ قصد بِلَاد الروم فَجمع سلطانها بايزيد عسكره وَتقدم كل من الْفَرِيقَيْنِ إلى الآخر فحصلت مَقْتَله عَظِيمَة انْكَسَرَ فِيهَا صَاحب الروم وَأسر وتفرق شَمل عسكره فَأخذ تيمور مايلى أَطْرَاف الشَّام من بِلَادهمْ وأخذ برصا وهي كرسي مملكة الروم ثمَّ رَجَعَ إلى بِلَاده وَمَعَهُ أَبُو يزِيد صَاحب الروم معتقلاً فتوفي في اعتقاله من تِلْكَ السنة ثمَّ دخل تيمور بِلَاد الْهِنْد ونازل مملكة الْمُسلمين حَتَّى غلب عَلَيْهَا وَالْحَاصِل أَنه دوّخ الممالك وَاسْتولى على غَالب الْبِلَاد الإسلامية بل والعجم وَجَمِيع ماوراء النَّهر وَالشَّام وَالْعراق وَالروم والهند ومابين هَذِه الممالك وَمن أحب الِاطِّلَاع على ماوقع لَهُ من الْمَلَاحِم وَكَيف صنع بالبلاد والعباد فَعَلَيهِ بِالْكتاب والمؤلف فِي سيرته وَهُوَ مُجَلد لطيف

стр. 177

وَقد قدمنَا الإشارة إليه عِنْد تَرْجَمَة مُؤَلفه ابْن عرب شاه وَقد وصف فِيهِ من عجائب تيمور وغرائبه مَا ينبهر لَهُ كل من وقف عَلَيْهِ وَيعرف مِقْدَار هَذَا الْملك الَّذِي لم يَأْتِ قبله وَلَا بعده مثله فان جنكزخان ملك التتار وإن كَانَ قد أهلك من الْعباد والبلاد زِيَادَة على مَا أهلك هَذَا الا ان ذَاك لم يُبَاشر مابا شَره هَذَا وَلَا بعضه وَلَا كَانَ جَمِيع مافعله في حَيَاته بل الْغَالِب بعد مَوته في سلطنة أَوْلَاده وأحفاده وَأما هَذَا الطاغية فَهُوَ الْمُبَاشر لكل فتوحاته الْمُدبر لجَمِيع معاركه وَلَقَد كَانَ من أَعَاجِيب الزَّمن في حركاته وسكناته وَكَانَ شَيخا طَويلا مهولاً طَوِيل اللِّحْيَة حسن الْوَجْه أعرج شَدِيد العرج سلبت رجله أَوَائِل أمره وَمَعَ ذَلِك يصلى من قيام مهاباً بطلاً شجاعاً جباراً ظلوماً سفاكاً للدماء مقداماً على ذَلِك أفنى فِي مُدَّة سلطنته من الْأُمَم مَالا يحصيهم الا الله وَخرب بلدانا كَثِيرَة تفوت الْحصْر وَكَانَ جهير الصَّوْت يسْلك الْجد مَعَ الْقَرِيب والبعيد وَلَا يحب المزاح وَيُحب الشطرنج وَله فِيهِ يَد طولى ومهارة زَائِدَة وَزَاد فِيهِ جملاً وبغلاً وَجعل رقعته عشرَة في أحد عشر بِحَيْثُ لم يكن يلاعبه فِيهِ إلا أَفْرَاد وَيقرب الْعلمَاء والصلحاء والشجعان والأشراف وينزلهم مَنَازِلهمْ وَلَكِن من خَالف أمره أدنى مُخَالفَة استباح دَمه فَكَانَت هيبته لَا تدانى بِهَذَا السَّبَب وَمَا أخرب الْبِلَاد إلا بذلك فإنه كَانَ من أطاعه من أول وهلة أَمن وَمن خَالفه أدنى مُخَالفَة هلك وَله فكر صائب ومكايد في الْحَرْب عَجِيبَة وفراسة قلّ أَن تخطأ وَمَعْرِفَة بالتواريخ لإدمانه على سماعهَا وَعدم خلو مَجْلِسه عَن قِرَاءَة شئ مِنْهَا سفراً وحضراً وَكَانَ مغرى بِمن لَهُ معرفَة بصناعة مَا إِذا كَانَ حاذقاً فِيهَا مَعَ كَونه أميالا يحسن الْكِتَابَة وَلَا الْقِرَاءَة وَله حذق باللغة

стр. 178

الفارسية والتركية والمغلية ويعتمد قَوَاعِد جنكزخان ويجعلها أصلاً وَلذَلِك أفنى الْعَالم مَعَ تظهره بالإسلام وشعائره وَكَانَ لَهُ جواسيس في جَمِيع الْبِلَاد الَّتِى ملكهَا والتي لم يملكهَا فَكَانُوا ينهون إليه الْحَوَادِث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بِجَمِيعِ مَا يروم فَلَا يتَوَجَّه إِلَى جِهَة إلا وَهُوَ على بَصِيرَة من أَهلهَا وَبلغ من دهائه أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ قصد جِهَة جمع أكَابِر الدولة وَتَشَاوَرُوا إلى أَن يَقع الرأي على التَّوَجُّه في الْوَقْت الفلاني إِلَى الْجِهَة الْفُلَانِيَّة فيكاتب جواسيس تِلْكَ الْجِهَات أَهلهَا فَيَأْخُذُونَ الحذر ويأمن غَيرهم فإذا ضرب النفير وَأَصْبحُوا سائرين ذَات الشمَال عرّج بهم ذَات الْيَمين فيدهم الْجِهَة الَّتِى يُرِيد وَأَهْلهَا غافلون مَاتَ وَهُوَ مُتَوَجّه لأخذ بِلَاد الخطا بِسَبَب ثلوج تنزلت مَعَ شدَّة برد وَكَانَ لَا يُسَافر فِي أَيَّام الشتَاء فَلَمَّا أَرَادَ الله هَلَاكه قوي عزمه على هَذَا السفر وَكَانَ مَوته يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شهر شعْبَان سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة وَلم يكن مَعَه من بنيه وأحفاده سوى حفيده خَلِيل بن ميران شاه بن تيمور فاتفق رَأْيهمْ على اسْتِقْرَار خَلِيل الْمَذْكُور فِي السلطنة مَعَ كَون أَبِيه وَعَمه موجودين وبذل لَهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة وَرجع إِلَى بِلَاده سَمَرْقَنْد فإنها كَانَت كرسي مملكة تيمور فَلَمَّا قرب مِنْهَا تَلقاهُ من بهَا وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد وهم يَبْكُونَ وجثة تيمور في تَابُوت أبنوس وَجَمِيع الْمُلُوك والأمراء مشَاة مكشوفة رُؤْسهمْ وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد حَتَّى دفنوه وَأَقَامُوا عَلَيْهِ العزاء أَيَّامًا قَالَ السخاوي وَلَعَلَّه قَارب الثَّمَانِينَ فإنه قَالَ للقاضي شرف الدَّين الأنصاري وَغَيره كم سنكم فَقَالَ لَهُ الشرف سني الْآن سبع وَخَمْسُونَ سنة وَأجَاب غَيره بِنَحْوِ ذَلِك فَقَالَ أَنا أصلح أَن أكون والدكم وَكَانَت لَهُ همة عَظِيمَة

стр. 179

لم يبلغ إلى سَموهَا همة ملك من الْمُلُوك من جَمِيع الطوائف فإنه مازال يفتح الْبِلَاد ويقهر الْمُلُوك ويستولي على الأقاليم مُنْذُ قِيَامه فِي بِلَاده واستيلائه على مملكة أرضه إلى أَن مَاتَ وناهيك أَنه مَاتَ في الْغَزْو وَلم يصده عَن ذَلِك كَثْرَة مَا قد صَار بِيَدِهِ من الممالك وَلَا كَفاهُ مَا قد استولى عَلَيْهِ من الأراضي الَّتِى كَانَت قَائِمَة بعدة مُلُوك هم تَحت ركابه وَمن جملَة خدمه وَللَّه الْأَمر وَهُوَ الْملك حَقًا وَكَانَ مغرى بغزو الْمُسلمين دون الْكفَّار وصنع كَذَلِك في بِلَاد الروم والهند وأنشأ بِظَاهِر سَمَرْقَنْد عدَّة بساتين وقصور عَجِيبَة فَكَانَت من أعظم النزه وَبنى عدَّة قصبات سَمَّاهَا بأسماء الْبِلَاد الْكِبَار كحمص ودمشق وبغداد وشيراز وَكَانَ يجمع الْعلمَاء ويأمرهم بالمناظرة في مقَامه ويسائلهم ويتعنتهم وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من الغرائب البارزة إلى الْعَالم الدَّالَّة على الْقُدْرَة الالاهية وَأَنه يُسَلط من يَشَاء على من يَشَاء وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد عِنْد مَوته مير شاهان وشاه رخ وَمن الزَّوْجَات ثَلَاث وَمن السرارى شئ كثير وترجمته تحْتَمل كراريس فَمن رام الِاطِّلَاع على أَحْوَاله فَليرْجع الى كتاب سيرته الَّذِي قدمنَا الإشارة إليه حرف الثَّاء الْمُثَلَّثَة (١١٤) ثَابت بن مُحَمَّد بن ثَابت الطرابلسي أَمِير طرابلس الغرب ولي الإمرة بعد أَبِيه وَكَانَ شَابًّا غرّا فاحتال عَلَيْهِ الإفرنج بَان قدم مِنْهُم طَائِفَة فِي عدَّة مراكب فِي صُورَة التُّجَّار وهم مقاتلة فراسلوا من في الْبَلَد من الفرنج وأطلعوهم على سرهم وَأَرْسلُوا من عِنْدهم ترجمانا مجربا فَرَأى فى الْبَلَد غلاء لقلَّة الْحبّ عِنْدهم إِذا ذَاك فتمت لَهُ الْحِيلَة وَأَشَارَ على ثَابت

стр. 180

أَن يجمع الأسلحة الَّتِى مَعَ جند الْبَلَد ويجعلها عِنْده في القلعة لتطمئن إليه تجار الإفرنج وينزلوا من مراكبهم ويبيعوا مَا مَعَهم من البضائع وَذكر لَهُ أَن الْخمس الَّذِي يَخُصُّهُ من البضائع يجْتَمع مِنْهُ مَال كثير وَينْتَفع النَّاس بِمَا مَعَهم من المأكولات فَفعل فَلَمَّا بلغ الفرنج ذَلِك أنزلوا من مركبهم بعض البضائع الَّتِى مَعَهم وَكَانَ مَعَهم عدَّة أعدال من التِّين ففرح أهل الْبَلَد وسارعوا إلى شراها مِنْهُم فَلَمَّا اطمئنوا إليهم هجموا على الْبَلَد بِاللَّيْلِ دفْعَة وَاحِدَة وأهلها غافلون فَقتلُوا فيهم كَيفَ شاؤا وحاصروا القلعة فهرب ثَابت متدلياً بعمامته من الْقصر فَفطن بِهِ بعض الْعَرَب مِمَّن يعاديه فَقتله وَاسْتولى الفرنج على الْبَلَد وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ٧٥٦ سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة (١١٥) ثقبة بن رميثة بن مُحَمَّد بن أَبى سعد بن علي بن قَتَادَة الْحسنى الشريف أَمِير مَكَّة أَخُو عجلَان تأمّراً جَمِيعًا بعد موت والدهما مُدَّة ثمَّ اخْتلفَا واستقل عجلَان ثمَّ قدم ثقبة بن رميثة الى مصر في رَمَضَان سنة ٧٤٦ وَمَعَهُ هَدِيَّة جليلة وَقدم مرة أُخْرَى سنة ٧٥٦ وَقدم هَدِيَّة جليلة وَطلب أَن يكون أَخُوهُ عجلَان مُسْتقِلّا فأجيب وخلع عليه فاستمر الأخوان مُخْتَلفين وتأذى الْحَاج بسببهما ثمَّ جهز اليهما عسكراً فَقبض على ثقبة في موسم سنة ٧٥٤ فسجن بِمصْر ثمَّ أطلق في سنة ٧٥٦ بشفاعة فياض بن مهنا ثمَّ هرب ثقبة من مصر وَتَبعهُ الْعَسْكَر فَلم يدركوه وَاسْتمرّ خَارج مَكَّة إلى موسم سنة ٧٦١ فهجم مَكَّة بعد توجه الْحَاج وَفعل بهَا أفعالاً قبيحة وَنهب خُيُول الأمراء الَّذين من جِهَة المصريين وَاسْتولى على مافى بُيُوتهم ووفع بَين الطَّائِفَتَيْنِ مقتلة عَظِيمَة في الْحرم حَتَّى انْكَسَرَ الأتراك فَقتل أَكْثَرهم
следующие страницы →