Полный текст (892 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مَا أذهل التتار وَلم يظفروا فِي مملكة بِمثلِهِ ثمَّ رَحل يَوْم السبت مستهل ربيع الآخر إلى جِهَة دمشق وَترك بحلب طَائِفَة من التتار بالقلعة وبالمدينة فوصل إلى دمشق وَقد كَانَ وصل اليها النَّاصِر فرج بعساكر الديار المصرية لدفع التتار وَحصل بَينهم قتال أياماً ثمَّ إنه وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْعَسْكَر المصري وداخلهم الفشل فانكسروا وولوا رَاجِعين إلى جِهَة مصر واقتفى التتار آثارهم يسلبون من قدرُوا عَلَيْهِ أَو لحقوه وَرجع السُّلْطَان إلى مصر فَأخذ تيمور دمشق وَفعل بِأَهْلِهَا أعظم من فعله بحلب فقصد من بالقلعة أَن يمتنعوا مِنْهُ فَأمر بالأخشاب وَالتُّرَاب وَالْحِجَارَة وَبنى برجين قبالة القلعة فأذعنوا حِينَئِذٍ ونزلوا فتسلمها وَنهب الْمَدِينَة وخربها خراباً فَاحِشا لم يسمع بِمثلِهِ وَلم يصل التتار أَيَّام هولاكو إلى قريب مِمَّا فعل بهَا التتار أَيَّام تيمور وَاسْتمرّ بِدِمَشْق إلى شعْبَان ثمَّ رَجَعَ إلى نَاحيَة حلب قَاصِدا بِلَاده وَلما وصل الى بِلَاده اسْتَقر إلى السنة الثَّانِيَة ثمَّ قصد بِلَاد الروم فَجمع سلطانها بايزيد عسكره وَتقدم كل من الْفَرِيقَيْنِ إلى الآخر فحصلت مَقْتَله عَظِيمَة انْكَسَرَ فِيهَا صَاحب الروم وَأسر وتفرق شَمل عسكره فَأخذ تيمور مايلى أَطْرَاف الشَّام من بِلَادهمْ وأخذ برصا وهي كرسي مملكة الروم ثمَّ رَجَعَ إلى بِلَاده وَمَعَهُ أَبُو يزِيد صَاحب الروم معتقلاً فتوفي في اعتقاله من تِلْكَ السنة ثمَّ دخل تيمور بِلَاد الْهِنْد ونازل مملكة الْمُسلمين حَتَّى غلب عَلَيْهَا وَالْحَاصِل أَنه دوّخ الممالك وَاسْتولى على غَالب الْبِلَاد الإسلامية بل والعجم وَجَمِيع ماوراء النَّهر وَالشَّام وَالْعراق وَالروم والهند ومابين هَذِه الممالك وَمن أحب الِاطِّلَاع على ماوقع لَهُ من الْمَلَاحِم وَكَيف صنع بالبلاد والعباد فَعَلَيهِ بِالْكتاب والمؤلف فِي سيرته وَهُوَ مُجَلد لطيف
стр. 177
وَقد قدمنَا الإشارة إليه عِنْد تَرْجَمَة مُؤَلفه ابْن عرب شاه وَقد وصف فِيهِ من عجائب تيمور وغرائبه مَا ينبهر لَهُ كل من وقف عَلَيْهِ وَيعرف مِقْدَار هَذَا الْملك الَّذِي لم يَأْتِ قبله وَلَا بعده مثله فان جنكزخان ملك التتار وإن كَانَ قد أهلك من الْعباد والبلاد زِيَادَة على مَا أهلك هَذَا الا ان ذَاك لم يُبَاشر مابا شَره هَذَا وَلَا بعضه وَلَا كَانَ جَمِيع مافعله في حَيَاته بل الْغَالِب بعد مَوته في سلطنة أَوْلَاده وأحفاده وَأما هَذَا الطاغية فَهُوَ الْمُبَاشر لكل فتوحاته الْمُدبر لجَمِيع معاركه وَلَقَد كَانَ من أَعَاجِيب الزَّمن في حركاته وسكناته وَكَانَ شَيخا طَويلا مهولاً طَوِيل اللِّحْيَة حسن الْوَجْه أعرج شَدِيد العرج سلبت رجله أَوَائِل أمره وَمَعَ ذَلِك يصلى من قيام مهاباً بطلاً شجاعاً جباراً ظلوماً سفاكاً للدماء مقداماً على ذَلِك أفنى فِي مُدَّة سلطنته من الْأُمَم مَالا يحصيهم الا الله وَخرب بلدانا كَثِيرَة تفوت الْحصْر وَكَانَ جهير الصَّوْت يسْلك الْجد مَعَ الْقَرِيب والبعيد وَلَا يحب المزاح وَيُحب الشطرنج وَله فِيهِ يَد طولى ومهارة زَائِدَة وَزَاد فِيهِ جملاً وبغلاً وَجعل رقعته عشرَة في أحد عشر بِحَيْثُ لم يكن يلاعبه فِيهِ إلا أَفْرَاد وَيقرب الْعلمَاء والصلحاء والشجعان والأشراف وينزلهم مَنَازِلهمْ وَلَكِن من خَالف أمره أدنى مُخَالفَة استباح دَمه فَكَانَت هيبته لَا تدانى بِهَذَا السَّبَب وَمَا أخرب الْبِلَاد إلا بذلك فإنه كَانَ من أطاعه من أول وهلة أَمن وَمن خَالفه أدنى مُخَالفَة هلك وَله فكر صائب ومكايد في الْحَرْب عَجِيبَة وفراسة قلّ أَن تخطأ وَمَعْرِفَة بالتواريخ لإدمانه على سماعهَا وَعدم خلو مَجْلِسه عَن قِرَاءَة شئ مِنْهَا سفراً وحضراً وَكَانَ مغرى بِمن لَهُ معرفَة بصناعة مَا إِذا كَانَ حاذقاً فِيهَا مَعَ كَونه أميالا يحسن الْكِتَابَة وَلَا الْقِرَاءَة وَله حذق باللغة
стр. 178
الفارسية والتركية والمغلية ويعتمد قَوَاعِد جنكزخان ويجعلها أصلاً وَلذَلِك أفنى الْعَالم مَعَ تظهره بالإسلام وشعائره وَكَانَ لَهُ جواسيس في جَمِيع الْبِلَاد الَّتِى ملكهَا والتي لم يملكهَا فَكَانُوا ينهون إليه الْحَوَادِث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بِجَمِيعِ مَا يروم فَلَا يتَوَجَّه إِلَى جِهَة إلا وَهُوَ على بَصِيرَة من أَهلهَا وَبلغ من دهائه أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ قصد جِهَة جمع أكَابِر الدولة وَتَشَاوَرُوا إلى أَن يَقع الرأي على التَّوَجُّه في الْوَقْت الفلاني إِلَى الْجِهَة الْفُلَانِيَّة فيكاتب جواسيس تِلْكَ الْجِهَات أَهلهَا فَيَأْخُذُونَ الحذر ويأمن غَيرهم فإذا ضرب النفير وَأَصْبحُوا سائرين ذَات الشمَال عرّج بهم ذَات الْيَمين فيدهم الْجِهَة الَّتِى يُرِيد وَأَهْلهَا غافلون مَاتَ وَهُوَ مُتَوَجّه لأخذ بِلَاد الخطا بِسَبَب ثلوج تنزلت مَعَ شدَّة برد وَكَانَ لَا يُسَافر فِي أَيَّام الشتَاء فَلَمَّا أَرَادَ الله هَلَاكه قوي عزمه على هَذَا السفر وَكَانَ مَوته يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شهر شعْبَان سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة وَلم يكن مَعَه من بنيه وأحفاده سوى حفيده خَلِيل بن ميران شاه بن تيمور فاتفق رَأْيهمْ على اسْتِقْرَار خَلِيل الْمَذْكُور فِي السلطنة مَعَ كَون أَبِيه وَعَمه موجودين وبذل لَهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة وَرجع إِلَى بِلَاده سَمَرْقَنْد فإنها كَانَت كرسي مملكة تيمور فَلَمَّا قرب مِنْهَا تَلقاهُ من بهَا وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد وهم يَبْكُونَ وجثة تيمور في تَابُوت أبنوس وَجَمِيع الْمُلُوك والأمراء مشَاة مكشوفة رُؤْسهمْ وَعَلَيْهِم ثِيَاب الْحداد حَتَّى دفنوه وَأَقَامُوا عَلَيْهِ العزاء أَيَّامًا قَالَ السخاوي وَلَعَلَّه قَارب الثَّمَانِينَ فإنه قَالَ للقاضي شرف الدَّين الأنصاري وَغَيره كم سنكم فَقَالَ لَهُ الشرف سني الْآن سبع وَخَمْسُونَ سنة وَأجَاب غَيره بِنَحْوِ ذَلِك فَقَالَ أَنا أصلح أَن أكون والدكم وَكَانَت لَهُ همة عَظِيمَة
стр. 179
لم يبلغ إلى سَموهَا همة ملك من الْمُلُوك من جَمِيع الطوائف فإنه مازال يفتح الْبِلَاد ويقهر الْمُلُوك ويستولي على الأقاليم مُنْذُ قِيَامه فِي بِلَاده واستيلائه على مملكة أرضه إلى أَن مَاتَ وناهيك أَنه مَاتَ في الْغَزْو وَلم يصده عَن ذَلِك كَثْرَة مَا قد صَار بِيَدِهِ من الممالك وَلَا كَفاهُ مَا قد استولى عَلَيْهِ من الأراضي الَّتِى كَانَت قَائِمَة بعدة مُلُوك هم تَحت ركابه وَمن جملَة خدمه وَللَّه الْأَمر وَهُوَ الْملك حَقًا وَكَانَ مغرى بغزو الْمُسلمين دون الْكفَّار وصنع كَذَلِك في بِلَاد الروم والهند وأنشأ بِظَاهِر سَمَرْقَنْد عدَّة بساتين وقصور عَجِيبَة فَكَانَت من أعظم النزه وَبنى عدَّة قصبات سَمَّاهَا بأسماء الْبِلَاد الْكِبَار كحمص ودمشق وبغداد وشيراز وَكَانَ يجمع الْعلمَاء ويأمرهم بالمناظرة في مقَامه ويسائلهم ويتعنتهم وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من الغرائب البارزة إلى الْعَالم الدَّالَّة على الْقُدْرَة الالاهية وَأَنه يُسَلط من يَشَاء على من يَشَاء وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد عِنْد مَوته مير شاهان وشاه رخ وَمن الزَّوْجَات ثَلَاث وَمن السرارى شئ كثير وترجمته تحْتَمل كراريس فَمن رام الِاطِّلَاع على أَحْوَاله فَليرْجع الى كتاب سيرته الَّذِي قدمنَا الإشارة إليه
حرف الثَّاء الْمُثَلَّثَة
(١١٤) ثَابت بن مُحَمَّد بن ثَابت الطرابلسي أَمِير طرابلس الغرب
ولي الإمرة بعد أَبِيه وَكَانَ شَابًّا غرّا فاحتال عَلَيْهِ الإفرنج بَان قدم مِنْهُم طَائِفَة فِي عدَّة مراكب فِي صُورَة التُّجَّار وهم مقاتلة فراسلوا من في الْبَلَد من الفرنج وأطلعوهم على سرهم وَأَرْسلُوا من عِنْدهم ترجمانا مجربا فَرَأى فى الْبَلَد غلاء لقلَّة الْحبّ عِنْدهم إِذا ذَاك فتمت لَهُ الْحِيلَة وَأَشَارَ على ثَابت
стр. 180
أَن يجمع الأسلحة الَّتِى مَعَ جند الْبَلَد ويجعلها عِنْده في القلعة لتطمئن إليه تجار الإفرنج وينزلوا من مراكبهم ويبيعوا مَا مَعَهم من البضائع وَذكر لَهُ أَن الْخمس الَّذِي يَخُصُّهُ من البضائع يجْتَمع مِنْهُ مَال كثير وَينْتَفع النَّاس بِمَا مَعَهم من المأكولات فَفعل فَلَمَّا بلغ الفرنج ذَلِك أنزلوا من مركبهم بعض البضائع الَّتِى مَعَهم وَكَانَ مَعَهم عدَّة أعدال من التِّين ففرح أهل الْبَلَد وسارعوا إلى شراها مِنْهُم فَلَمَّا اطمئنوا إليهم هجموا على الْبَلَد بِاللَّيْلِ دفْعَة وَاحِدَة وأهلها غافلون فَقتلُوا فيهم كَيفَ شاؤا وحاصروا القلعة فهرب ثَابت متدلياً بعمامته من الْقصر فَفطن بِهِ بعض الْعَرَب مِمَّن يعاديه فَقتله وَاسْتولى الفرنج على الْبَلَد وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ٧٥٦ سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة
(١١٥) ثقبة بن رميثة بن مُحَمَّد بن أَبى سعد بن علي بن قَتَادَة الْحسنى الشريف أَمِير مَكَّة
أَخُو عجلَان تأمّراً جَمِيعًا بعد موت والدهما مُدَّة ثمَّ اخْتلفَا واستقل عجلَان ثمَّ قدم ثقبة بن رميثة الى مصر في رَمَضَان سنة ٧٤٦ وَمَعَهُ هَدِيَّة جليلة وَقدم مرة أُخْرَى سنة ٧٥٦ وَقدم هَدِيَّة جليلة وَطلب أَن يكون أَخُوهُ عجلَان مُسْتقِلّا فأجيب وخلع عليه فاستمر الأخوان مُخْتَلفين وتأذى الْحَاج بسببهما ثمَّ جهز اليهما عسكراً فَقبض على ثقبة في موسم سنة ٧٥٤ فسجن بِمصْر ثمَّ أطلق في سنة ٧٥٦ بشفاعة فياض بن مهنا ثمَّ هرب ثقبة من مصر وَتَبعهُ الْعَسْكَر فَلم يدركوه وَاسْتمرّ خَارج مَكَّة إلى موسم سنة ٧٦١ فهجم مَكَّة بعد توجه الْحَاج وَفعل بهَا أفعالاً قبيحة وَنهب خُيُول الأمراء الَّذين من جِهَة المصريين وَاسْتولى على مافى بُيُوتهم ووفع بَين الطَّائِفَتَيْنِ مقتلة عَظِيمَة في الْحرم حَتَّى انْكَسَرَ الأتراك فَقتل أَكْثَرهم
стр. 181
وَبَاعُوا من أسر مِنْهُم بأبخس ثمن وَأسر أَمِير التّرْك فَأَجَارَتْهُ امْرَأَة من الْقَتْل فغذب بانواع الغذاب ثمَّ أطلقهُ ثقبة بشفاعة القاضي تقي الدَّين الحراري على شريطة أَن يخرج من مَكَّة فَخرج إلى البقيع فَلَحقُوا الركب المصري فسافروا مَعَهم واستقل بعد ذَلِك بِمَكَّة فأدركه الْمَوْت في أَوَاخِر رَمَضَان سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
حرف الْجِيم
(١١٦) جَعْفَر بن تغلب بن جَعْفَر بن كَمَال الدَّين أبوالفضل الأدفويي
الأديب الْفَقِيه الشافعي ولد بعد سنة ٦٨٠ ثَمَانِينَ وسِتمِائَة قَالَ الشَّيْخ تقي الدَّين السبكي كَانَ يُسمى وعد الله قَالَ الصفدي اشْتغل فِي بِلَاده فمهر فِي الْفُنُون ولازم ابْن دَقِيق الْعِيد وَغَيره وتأدب بِجَمَاعَة مِنْهُم أبوحيان وَحمل عَنهُ كثيراً وَكَانَ يُقيم في بُسْتَان بِبَلَدِهِ وصنف الِاتِّبَاع فى أَحْكَام السماع والطالع السعيد فى تَارِيخ الصَّعِيد والبدر السافر في تحفة الْمُسَافِر وكل مجاميعه جَيِّدَة وَكَانَت لَهُ خبْرَة بالموسيقى وَله النظم والنثر الْحسن فَمِنْهُ
(إِن الدُّرُوس بمصرنا في عصرنا ... طبعت على غلط وفرط عياط)
(ومباحث لَا تنتهي لنهاية ... جدلاً وَنقل ظَاهر الأغلاط)
(ومدرس يبدي مبَاحث كلهَا ... نشأت عَن التَّخْلِيط والأخلاط)
(ومحدث قد صَار غَايَة علمه ... أَجزَاء يَرْوِيهَا عَن الدمياطى)
(وفلانة تروى حَدِيثا عالبا ... وَفُلَان يرْوى ذَاك عَن أَسْبَاط)
(وَالْفرق بَين عزيزهم وغريرهم ... وافصح عَن الْخياط والحناط)
стр. 182
(والفاضل النحرير فيهم دأبه ... قَول ارسطاطاليس أَو بقراط)
(وعلوم دين الله نادت جهرة ... هَذَا زمَان فِيهِ طيّ بساطي)
وَكَانَ عَالما فَاضلا متقللاً من الدُّنْيَا وَمَعَ ذَلِك لَا يَخْلُو من المآكل الطّيبَة مَاتَ في أول سنة ٧٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
(١١٧) السَّيِّد جَعْفَر بن مطهر بن مُحَمَّد الجرموزي
الرئيس الْكَاتِب الشَّاعِر ولاه المتَوَكل على الله إسماعيل بِلَاد العدين وَبعد ذَلِك صَار كَاتبا مَعَ السَّيِّد عبد الله بن يحيى بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم لما استولى على بِلَاد العدين وَغَيرهمَا وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة متشبهاً بالصاحب بن عباد وأبي إسحاق الصابي مكثراً من ذكرهمَا حَتَّى في شعره وَمَا أحسن قَوْله في ذَلِك بعد الترشيح الْفَائِق
(تعانقت أَغْصَان بَان النقا ... فشابهت أعطاف أحبابى)
و (مذ صبا قلبي صبا صاحبي ... آه على الصاحب والصابي)
وَقَوله في المجون وأجاد
(تشابه ذقني حِين شبت وبغلتي ... فكلتاهما في اللَّوْن أشيب أَشهب)
(فوَاللَّه مَا أدرى علام أتيتكم ... على لحيتى أم بغلتى كنت أركب)
وَكَانَت وَفَاته في حُدُود سنة ١٠٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَألف بالعدين ووالده هُوَ الْجَامِع لسيرة الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد السِّيرَة الحافلة الْمَشْهُورَة وَكَانَ لَهُ فِي حَرْب الأتراك عناية كُلية وولاه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل عتمة
стр. 183
(١١٨) جقمق الظَّاهِر أَبُو سعيد الجركسي
جلبه إِلَى مصر الخواجا وَهُوَ صَغِير ثمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الْعَلَاء بن الأتابك ثمَّ أعْتقهُ وَكَلمه الظَّاهِر فى أَن يُعْطِيهِ اياه فسلمه إِلَيْهِ من غير أَن يُعلمهُ بِعِتْقِهِ فَدفعهُ الظَّاهِر لِأَخِيهِ إينال ثمَّ صَار في الدولة الناصرية أَمِير عشرَة ثمَّ صَار في أَيَّام الْمُؤَيد أَمِير طبلخاناه ثمَّ جعله خَازِن دَارا ثمَّ صَار بعد الْمُؤَيد أحد المقدمين ثمَّ اسْتَقر فِي الحجوبية الْكُبْرَى أَيَّام الْأَشْرَف برسباى ثمَّ نَقله فِي سنة ٨٢٦ إِلَى الأتابكية وَاسْتمرّ فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ الاشرف بعد أَن أوصاه على وَلَده المستقر بعده في السلطنة الملّقب بالعزيز فَصَارَت أُمُور السلطنة كلهَا معقودة بِصَاحِب التَّرْجَمَة والعزيز إِنَّمَا هُوَ مَعَه صُورَة ثمَّ خلعه بعد أَيَّام يسيرَة وتسلطن فِي يَوْم الأربعاء تَاسِع عشر ربيع الأول سنة ٨٤٢ ثمَّ اتفق في أَوَائِل سلطنته بعض الكدر إلى أَن صفا لَهُ الْوَقْت وَقد كَانَ أخبرهُ شخص فِي سنة ٨٠٤ أَنه سَيكون صَاحب التَّرْجَمَة سُلْطَانا وَهُوَ في ذَلِك الْوَقْت غير مَنْظُور بِذَاكَ بل مظهر للوله والتغفيل عَن أَحْوَال النَّاس وتعاطي الأسباب المقللة للهيبة وَكَذَا بشر بِهِ قَدِيما جمَاعَة من الصَّالِحين وَاسْتمرّ فِي السلطنة وَثَبت قدمه وَكَانَ ملكا عادلا كثير الصلواة وَالصَّوْم وَالْعِبَادَة عفيفاً عَن الْمُنْكَرَات والقاذورات لَا يضْبط عَنهُ فِي ذَلِك زلَّة وَلَا تحفظ لَهُ هفوة متقشفا بِحَيْثُ لم يمشى على سنَن الْمُلُوك فى كثير من ملبسه وهيئته وجلوسه وحركاته وأفعاله متواضعاً يقوم
стр. 184
للفقهاء وَالصَّالِحِينَ إِذا دخلُوا عَلَيْهِ ويبالغ في تقريبهم مِنْهُ وَلَا يرْتَفع في الْمجْلس بحضرتهم وَله إلمام بِالْعلمِ واستحضار لبَعض الْمسَائِل لِكَثْرَة تردد الْعلمَاء إليه في حَال أَمرته ورغبته في الاستفادة مِنْهُم وَله كرم زَائِد بِحَيْثُ ينْسب إلى التبذير فإنه قد يعْطى بعض أهل الْعلم ألف دِينَار فَصَاعِدا وَله عناية في إِزَالَة كثير من الْمُنْكَرَات وإن كَانَت من شعار السلطنة وَكَانَ كثير الإحسان إلى الْأَيْتَام بِحَيْثُ كَانَ يُرْسل من يحضرهم إلى حَضرته فيمسح رؤوسهم وَيُعْطى كل وَاحِد مِنْهُم وَأصْلح كثيراً من الْمصَالح الْعَامَّة كالقناظر والجوامع والمدارس وَقرر لأهل الْحَرَمَيْنِ رواتب في كل سنة خُصُوصا الْفُقَرَاء مِنْهُم يحمل إليهم من مائَة دِينَار وَأَقل وَأكْثر وَكثر الدُّعَاء لَهُ بذلك وهادن مُلُوك الْأَطْرَاف وَهَا داهم وَتردد إِلَيْهِم لَا عَن عجز أَو ضعف قُوَّة بل كَانَ يَقُول كل مَا أَفعلهُ مَعَ الْمُلُوك لَا يفى بنعل الْخَيل لَو أردْت الْمسير إِلَيْهِم كل ذَلِك والأقدار تساعده والسعادة تعاضده مَعَ حِدة تعتريه في بعض الْأَحْوَال وَسُرْعَة بَطش وبادرة مفرطة والكمال لله وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الْمُلُوك في غَالب أَوْصَافه وَقد كَانَ كثير التَّعْظِيم لأهل الْعلم وَله معرفَة بمقاديرهم حَتَّى كَانَ يتأسف على فقد الْحَافِظ ابْن حجر ويسميه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ مِمَّن ظَهرت سعادته في مماليكه بِحَيْثُ تسلطن جمَاعَة مِنْهُم وَلم يزل على ملكه إِلَى أَن ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَض وَصَارَ يظْهر التجلّد لَا يمْتَنع من الْكِتَابَة حَتَّى غلب عَلَيْهِ الْحَال فعجز وانحط وَلزِمَ الْفراش نَحْو شهر حَتَّى مَاتَ بَين الْمغرب وَالْعشَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثَالِث شهر صفر سنة ٨٥٧ سبع وَخمسين وثمان مائَة وعهد لوَلَده الْمَنْصُور بالسلطنة وَقد كَانَ سنه عِنْد مَوته زِيَادَة على ثَمَانِينَ سنة وَرَآهُ بعض الصلحاء
стр. 185
بعد مَوته فَقَالَ لَهُ مافعل الله بك فَقَالَ وَالله لقد أَعْطَانَا الْملك من قبل أَن نرد عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ماهو الْملك الَّذِي أَعْطَاك إِيَّاه قَالَ الْجنَّة ثمَّ قَالَ وَجَاء جمَاعَة بَعدنَا لَيْسَ لَهُم فِيهَا وَقت وَلَا مَكَان
(١١٩) جلال بن أَحْمد بن يُوسُف التبريزي الْمَعْرُوف بالتبّاني
بمثناة ثمَّ مُوَحدَة ثَقيلَة نِسْبَة إِلَى التبّانة ظَاهر الْقَاهِرَة قدم الْقَاهِرَة قبل سنة ٧٥٠ وَأخذ عَن جمَاعَة من أَهلهَا في فنون عديدة وبرع في الْجَمِيع مَعَ الدَّين وَالْخَيْر وصنّف عدَّة تصانيف مِنْهَا الْمَنْظُومَة في الْفِقْه وَشَرحهَا في أَربع مجلدات وَشرح الْمَشَارِق والمنار وَالتَّلْخِيص وَاخْتصرَ شرج مغلطاي على البخاري وَله مُصَنف في منع تعدد الْجمع وَآخر في أَن الإيمان يزِيد وَنقص وَكَانَ محباً للْحَدِيث حسن الِاعْتِقَاد شَدِيدا على الاتحادية والمبتدعة وانتهت إليه رياسة الحنيفة وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء غير مرة فأصرّ على الِامْتِنَاع وَقَالَ هَذَا امْر يحْتَاج إلى دراية وَمَعْرِفَة اصْطِلَاح وَلَا يكفي فِيهِ مُجَرّد الاتساع في الْعلم وَمَات فِي ثَالِث رَجَب سنة ٧٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ عَن بضع وَسِتِّينَ سنة
حرف الْحَاء الْمُهْملَة
(١٢٠) حاجي بن الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاون
اسْتَقر في السلطنة بعد أَخِيه الْمَنْصُور علي بن الأشرف وَهُوَ ابْن زِيَادَة على عشر سِنِين ولقب بالصالح ثمَّ عزل بعد سنة وَنصف بأتابكه الظَّاهِر برقوق الْمُتَقَدّم ذكره فِي شهر رَمَضَان سنة ٧٨٤ وَأمره بالاقامة
стр. 186
فى دَاره قلعة الْجَبَل جَريا على عَادَة بني الْمُلُوك فاستمر إلى أَن خلع برقوق وسجن بقلعة الكرك فاعيد ثَانِيًا الى السلطنة ولقب بالمنصور فَأَقَامَ دوره تِسْعَة أشهر وَعَاد برقوق إلى السلطنة وخلعه فِي صفر سنة ٧٩٢ وَاسْتمرّ الْمَنْصُور ملازماً لداره إلى أَن مَاتَ فِي تسع عشرَة شَوَّال سنة ٨١٤ أَربع عشرَة وثمان مائَة بعد أَن تعطلت حَرَكَة يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ مُنْذُ سِنِين وَدفن بتربة جدته قَالَ العيني كَانَ شَدِيد الْبَأْس على جواريه لسوء خلقه لغَلَبَة السَّوْدَاء عَلَيْهِ وَكَانَ مشتغلاً باللهو وَالسكر وَقد جَاوز الأربعين من عمره
(١٢١) حاجي بن مُحَمَّد بن قلاون الْملك المظفر سيف الدَّين بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولد سنة ٧٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فَلَمَّا كَانَ في آخر سلطنة أَخِيه الْكَامِل شعْبَان قبض عَلَيْهِ وسجنه هُوَ وَأَخُوهُ حُسَيْن وَالِد الأشرف شعْبَان وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الاولى سنة ٧٤٧ فاتفق أَن دولته زَالَت بِقِيَام الْأُمَرَاء عَلَيْهِ فى يَوْم الِاثْنَيْنِ أول جُمَادَى الْآخِرَة من تِلْكَ السنة فَأمْسك وسجن حَيْثُ كَانَ حاجي وَنقل حاجي إلى تخت السلطنة فمدوا لَهُ السماط الَّذِي أعد للكامل وأدخلو للكامل السماط الَّذِي أعد لحاجي وأحيط بِمَال الْكَامِل وخواصه وصودروا وَاتفقَ رخص الأسعار أول ماولى المظفر ففرح النَّاس بِهِ لكنه أقبل على اللَّهْو والشغف بِالنسَاء حَتَّى وصلت قيمَة حظيته الْمُسَمَّاة إنفاق مائَة ألف دِينَار وَصَارَ يحضر الأوباش يَلْعَبُونَ بالمصارعة بَين يَدَيْهِ وَكَانَ جُلُوسه على التخت فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٤٧ فبقى سنة وَأَرْبَعَة أشهر وخلع فى ثانى عشر شهر رَمَضَان
стр. 187
سنة ٧٤٨ وكاقد قتل جمَاعَة من أكَابِر الْأُمَرَاء فنفرت عَنهُ الْقُلُوب واستوحش مِنْهُ بَقِيَّة الأمراء وَكَانَ كثير اللعب بالحمام فلامه على ذَلِك بعض أكَابِر أمرائه فَقَالَ لَهُ اذْبَحْهَا فذبح الْأَمِير مِنْهَا طيرين فطار عقل السُّلْطَان وَقَالَ لخواصه إذا دخل إِلَى فبضعوه بِالسُّيُوفِ فَبَلغهُ ذَلِك فَأخذ حذره مِنْهُ ثمَّ اجْتمع الْأُمَرَاء إِلَى قبَّة النَّصْر فَبلغ ذَلِك المظفر فَخرج فى من بقي مَعَه فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ حمل عَلَيْهِ أميران طعنه أَحدهمَا وضربه الآخر فقتلاه ثمَّ قرروا أَخَاهُ النَّاصِر حسن في السلطنة
(١٢٢) حَامِد بن حسن شَاكر الصنعاني
نَشأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالسيّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الأحفش وَالسَّيِّد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وَالسَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وَغَيرهم وأكبّ على علم الحَدِيث غَايَة الإكباب حَتَّى فاق فِيهِ وشارك في سَائِر الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وانتفع بِهِ النَّاس في الْوَعْظ وَكَانَ لَهُ في الْجَامِع حَلقَة كَبِيرَة يحْضرُون عَلَيْهِ لسَمَاع وعظه ولوعظه وَقع فِي الْقُلُوب لما هُوَ عَلَيْهِ من الزّهْد والتقشف وَعدم الِاشْتِغَال بالدنيا وَقد أخبرني جمَاعَة مِمَّن أَخذ عَنهُ أَنه كَانَ فَقِيرا قانعاً يلبس الثِّيَاب الخشنة ويباشر شِرَاء حاجاته بِنَفسِهِ ويتواضع في جَمِيع أُمُوره وَكتبه مضبوطة غَايَة الضَّبْط وَلَا يضْبط إِلَّا عَن بَصِيرَة حَتَّى صَارَت مرجعاً بعد مَوته وَله مؤلفات دَالَّة على سَعَة حفظه للْحَدِيث واتقانه لهَذَا الْعلم رَأَيْت مِنْهَا الا نموذج اللَّطِيف في حَدِيث امْر معَاذ بِالتَّخْفِيفِ وَله شرح لعدة الحص الْحصين لَيْسَ على نمط الشُّرُوح بل يكْتب أَحَادِيث وَلَا يشْتَغل بالْكلَام على أَحَادِيث الْعدة لاتخريجا وَلَا تَفْسِيرا وقفت عَلَيْهِ بعد شرحي
стр. 188
للعدة وَجمع حَاشِيَة على ضوء النَّهَار للعلاّمة الْجلَال وَصَارَ تَارَة يرجح مَا فِي ضوء النَّهَار وَتارَة يرجح مافي حَاشِيَته منحة الْغفار للعلاّمة السَّيِّد مُحَمَّد الْأَمِير وَلكنه لَيْسَ بمتقن لعلم الأصول وَسَائِر الْعُلُوم الَّتِى يحْتَاج اليها من حرر الْمسَائِل وأما بِالنِّسْبَةِ إلى مَا يرجع إلى متون الأحاديث وَالْكَلَام على أسانيدها فَهُوَ قَلِيل النظير وَقد أَكثر من التعقبات في تِلْكَ الْحَاشِيَة لما فِي حَاشِيَة الْأَمِير وَله رسائل ومسائل مَاتَ ﵀ فَجْأَة فِي بضع وَسبعين بعد الْمِائَة والألف وَسمعت من يرْوى عَن السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الْأَمِير أَنه قَالَ لمابلغه أَن صَاحب التَّرْجَمَة بِجمع حَاشِيَة على الْكَشَّاف إن على الْكَشَّاف حَاشِيَة السعد وحاشية صَاحب التَّرْجَمَة ينبغي أَن يُقَال لَهَا حَاشِيَة الشقب والشقب فِي لِسَان أهل الْيمن عبارَة عَن مُقَابل السعد وَهُوَ النحس وَكَانَ السَّيِّد الْمَذْكُور يتحامل عَلَيْهِ لما بلغه أَنه يتعقّب حَاشِيَته الْمُتَقَدّم ذكرهَا روى لي ذَلِك من عرف الرجلَيْن رحمهمَا الله تَعَالَى وإيانا
(١٢٣) الْحسن بن أَحْمد بن صَلَاح اليوسفي الجمالى اليمانى الْمَعْرُوف بالحيمى
أحد أَعْيَان دولة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه بن الْقَاسِم وأخيه الإمام المتَوَكل على الله وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الأدباء وَكَانَ يقوم بالامور الْعَظِيمَة الْمُتَعَلّقَة بالدولة ثمَّ يشْتَغل بِالْعلمِ درساً وتدريساً وَكَانَ يوجهه الإمام المتَوَكل على الله في الْمُهِمَّات لفصاحته ورجاحة عقله وَقُوَّة تَدْبيره فَمن جملَة مَا بَعثه إِلَيْهِ من الْمُهِمَّات إرساله إِلَى حَضرمَوْت لما وَقع الِاخْتِلَاف بَين السلاطين آل كثير فَقَامَ بِالْأَمر أتمّ قيام وصلحت الْأُمُور بحميد رَأْيه وَجَمِيل عنايته
стр. 189
وَوَجهه أَيْضا إِلَى سُلْطَان الْحَبَشَة لما وصلت اليه مِنْهُ كتب تَتَضَمَّن وغوبه في الإسلام وَيطْلب وُصُول جمَاعَة من آل الإمام إليه ليسلم على أَيْديهم فَتوجه في نَحْو خمسين رجلا وَركب من بندر المخاثم توجّه من هُنَالك ولاقى مشاقاً عَظِيمَة وَاسْتمرّ في الطَّرِيق سفراً وإقامة نَحْو تِسْعَة أشهر فوصل إِلَى سُلْطَان الْحَبَشَة في يَوْم عيد لِلنَّصَارَى فَدخل على السُّلْطَان لابساً شعار الإسلام من الثِّيَاب الْبيض وَكَانَ السُّلْطَان غير مربد لما أظهره في كتبه من الرغوب في الإسلام بل مُعظم قَصده المراسلة كَمَا يَفْعَله الْمُلُوك وَأَنه يُرِيد إصْلَاح الطَّرِيق فَلَمَّا اسْتَقر صَاحب التَّرْجَمَة في مَدِينَة السُّلْطَان أَضَافَهُ وَأكْرم أَصْحَابه وَأَرَادَ أَن يخلع عَلَيْهِ خلعة حَرِير خَالص وسوارين من الذَّهَب فَقَالَ لَهُ هَذَا لَا يحل في شريعتنا وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة في تِلْكَ الْبِلَاد صولة عَظِيمَة حَتَّى كَانَ أَصْحَابه يبطشون بالنصارى إِذا تعرضوا لَهُم ويضربونهم وشاع عِنْد الْحَبَشَة أَن الْعَرَب الَّذين هم أَصْحَاب المترجم لَهُ يَأْكُلُون النَّاس فزادت مهابتهم فِي صُدُورهمْ وَكَانَ أعظم معِين لَهُم على ذَلِك البنادق فإنه لَا يعرفهَا أهل الْحَبَشَة إِذْ ذَاك ولولاهى مَا قدرُوا على مُرُور الطَّرِيق فإنهم كَانُوا ينصبون عَلَيْهِم كالجراد فيرمونهم بالبنادق فيقتلون مِنْهُم وينهزمون ويفزعون لأصواتها وتأثيرها ثمَّ لما أيس صَاحب التَّرْجَمَة من إسلام السُّلْطَان طَالبه بالإذن لَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى ديار الْإِسْلَام فتثاقل عَنهُ ثمَّ بعد حِين أذن لَهُ وَكَانَ لايصحى من شرب الْخمر فعين لَهُ وقتاً يصل اليه للوداغ وَترك شرب الْخمر في ذَلِك الْيَوْم وَجمع وزراءه وأمراءه وأعيان دولته فَأمر صَاحب التَّرْجَمَة أَصْحَابه أَن يرموا بالبنادق عِنْد وصولهم إلى بَاب السُّلْطَان كَمَا يَفْعَله أهل الْيمن ويسمون ذَلِك تعشيرة
стр. 190
فَلَمَّا سمع السُّلْطَان أصوات البنادق هرب من أيوانه وهرب الوزراء وَسَائِر أَصْحَاب السُّلْطَان فَدخل صَاحب التَّرْجَمَة الدَّار ثمَّ بعد ذَلِك عَاد السُّلْطَان إلى مَكَانَهُ وَأخذ في أهبة تَوْجِيهه إلى بِلَاد الإسلام وَكَانَ جملَة بَقَائِهِ لَدَيْهِ ثَلَاث سِنِين وَرجع إلى حَضْرَة الإمام سالماً وَهَذِه الرحلة مُشْتَمِلَة على عجائب وغرئب قد جمعهَا صَاحب التَّرْجَمَة في كراريس هي بأيدي النَّاس وَمن شعره أَيَّام إقامته بِالْحَبَشَةِ هَذِه الأبيات
(على كلّ سعي في الصلاح ثَوَاب ... وكلّ اجْتِهَاد فِي الرشاد صَوَاب)
(وَلَيْسَ على الإنسان إدراك غَايَة ... وَدون مداها للعيون حجاب)
(وَلَو علم الساعون غَايَة أَمرهم ... لما كَانَ شخص بالشرور يصاب)
(فَقل لأمير الْمُؤمنِينَ لقد دَعَا ... وَحقّ لَهُ بعد الدُّعَاء يُجَاب)
(وَلَكِن دَعَا قوماً يظنون أَنهم ... رموا غَرضا في دينهم فَأَصَابُوا)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة جَيِّدَة وَله أشعار أَيَّام إقامته هُنَالك وشعره جيد مَاتَ في شهر ذي الْحجَّة سنة ١٠٧٠ سبعين وَألف
(١٢٤) السَّيِّد الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علي بن صَلَاح بن أَحْمد بن الهادي بن الْجلَال
ابْن صَلَاح بن مُحَمَّد بن الْحسن بن المهدي بن علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى النَّاصِر بن الْحسن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْمُخْتَار لدين الله الْقَاسِم بن النَّاصِر ابْن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن ابراهيم بن اسمعيل بن ابراهيم
стр. 191
ابْن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب ﵃ الْمَعْرُوف بالجلال الْعَلامَة الْكَبِير ولد فِي شهر رَجَب سنة ١٠١٤ أَربع عشرَة وألف بِهِجْرَة رغافة بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُعْجمَة وَبعد الألف فَاء قَرْيَة مَا بَين الْحجاز وصعده ونشأبها ثمَّ رَحل إلى صعدة وَأخذ عَن علمائها ثمَّ رَحل إلى شهارة وَأخذ عَن أَهلهَا ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء وَأخذ عَن أكَابِر علمائها وَمَا حواليها من الْجِهَات وَمن جملَة مشايخه القاضي عبد الرَّحْمَن الحيمي والعلاّمة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد والعلاّمة مُحَمَّد عز الدَّين الْمُفْتى وَسَائِر أَعْيَان الْقرن الحادي عشر وبرع في جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وصنف التصانيف الجليلة فَمِنْهَا ضوء النَّهَار جعله شرحاً للأزهار للإمام المهدي وحرر اجتهاداته على مُقْتَضى الدَّلِيل وَلم يعبأ بِمن يُوَافقهُ من الْعلمَاء أَو خِلَافه وَهُوَ شرح لم تشرح الأزهار بِمثلِهِ بل لَا نَظِير لَهُ فِي الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي الْفِقْه وَفِيه مَا هُوَ مَقْبُول وَمَا هُوَ غير مَقْبُول وَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا الْمَعْصُوم وَمَا أَظن سَبَب كَثْرَة الْوَهم فِي ذَلِك الْكتاب إِلَّا أَن هَذَا السَّيِّد كالبحر الزخار وذهنه كشعلة نَار فيبادر إلى تَحْرِيم مَا يظْهر لَهُ واثقاً بِكَثْرَة علمه وسعة دائرته وَقُوَّة ذهنه وَلَا أَقُول كَمَا قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة صرح بن الْحُسَيْن الاخفش فِي وَصفه لبَعض مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة إنه عِظَام لالحم عَلَيْهَا بل أَقُول هُوَ بَحر عجاج متلاطم الامواج وَله فى أصُول الدَّين شرح الْفُصُول وَشرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى وفى الْمنطق شرح التَّهْذِيب وَفِي أصُول الدَّين عِصَام المتورعين وَغير ذَلِك من المؤلفات في غَالب الْفُنُون وَله حَاشِيَة كمّل بهَا حَاشِيَة السعد على الْكَشَّاف وحاشية على شرح القلائد
стр. 192
ومجموعات مفيدة ورسائل عديدة وَله القصيدة الَّتِى سَمَّاهَا فيض الشعاع أَولهَا
(الدَّين دين مُحَمَّد وصحابه ... ياهائما بقياسه وَكتابه)
وَشَرحهَا شرحاً نفيساً فِيهِ فَوَائِد جمة ولي كثير من المناقشات في ترجيحاته الَّتِى يحررها في مؤلفاته وَلَكِن مَعَ اعترافي بعظيم قدره وَطول بَاعه وتبريزه فِي جَمِيع أَنْوَاع المعارف وَكَانَ لَهُ مَعَ أبناء دهره قلاقل وزلازل كَمَا جرت بِهِ عَادَة أهل الْقطر الْيُمْنَى من وضع جَانب أكَابِر عُلَمَائهمْ المؤثرين لنصوص الْأَدِلَّة على أَقْوَال الرِّجَال وَقد كَانَ الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم الْمُتَقَدّم ذكره يجلّه غَايَة الإجلال وَلَا يعرف أهل الْفضل إِلَّا أَهله واستوطن الجراف وَمَات فِيهِ وقبره هُنَالك وَكَانَ مَوته لَيْلَة الأحد لثمان بَقينَ من ربيع الآخر سنة ١٠٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وألف وَكَانَ جيد النظم وَمَا أحسن قَوْله فِي القصيدة الَّتِى تقدمت الإشارة إليها مُخَاطبا لرَسُول الله ﷺ
(وَقل ابْنك الْحسن الْجلَال مباين ... من قد غلا فِي الدَّين من تلعابه)
(لَا عَاجِزا عَن مثل أَقْوَال الورى ... أَو هائباً من علمهمْ لصعابه)
(فالمشكلات شَوَاهِد لي أنني ... أشرقت كل مُحَقّق بلعابه)
(لَوْلَا محبَّة قدوتي بِمُحَمد ... زاحمت رسطاليس في أبوابه)
وَمِنْه
(وشادن يغرق أهل الْهوى ... فِي حسنه فابك على وارده)
(مذ لَاحَ في الخد أَخُو أمّه ... عَايَنت تَصْحِيف أخي وَالِده)
وَله مضمناً مَعَ حسن التَّصَرُّف
стр. 193
(رفعت عمامتي فرأت ... برأسي شيباً اشتعلا)
(فَعَادَت بعد تنكرني ... فَقلت لَهَا أَنا ابْن جلا)
(١٢٥) السَّيِّد الْحسن بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١٠٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسمعيل الأمير وَغَيره وفَاق في غَالب الْعُلُوم وصنّف تصانيف مِنْهَا منظومة الْهَدْي النَّبَوِيّ لِابْنِ الْقيم ثمَّ شرحها شرحاً نفيساً وَمِنْهَا رسائل نفيسة فى عُلُوم عدَّة وَكَانَ أحد الرؤسا مَعَ أَخِيه السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسحق الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ اعتقله الإمام الْمَنْصُور الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَكَانَ قد اعتقله الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم ابْن حُسَيْن وَله أشعار فائقة مِنْهَا وَهُوَ بالسجن
(وعدت أَسِير الوجد ظَبْيَة حاجر ... بالطيف يطْرق في الظلام محاجري)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(ياصاحبى مالنسيم نجدي ... قد عطّرت سوحي بعرف الند)
مدح بهَا شَيْخه الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن اسمعيل الأمير وَله شعر كثير سَائِر مَجْمُوع عِنْد أَهله وكل أهل هَذَا الْبَيْت الشريف عُلَمَاء شعراء لَا يَخْلُو عَن ذَلِك إلا النَّادِر وَصَاحب التَّرْجَمَة من أكابرهم وأفاضلهم الجامعين بَين الْعلم والأدب والرياسة وَمَكَارِم الأخلاق وَجَمِيع صِفَات الْكَمَال وَمَات في سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وألف
١٢٦ - حسن بن أَحْمد بن يُوسُف الرباعي الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّانِي عشر وَقَرَأَ على جمَاعَة من شُيُوخ
стр. 194
الْعَصْر كالسيد الْعَلامَة الْحسن بن يحيى الكبسي والقاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد السودي وَغَيرهمَا واستفاد فى جَمِيع الْعُلُوم الآلية وفي علم السنة المطهّرة وَله فهم صَادِق وَإِدْرَاك قوي وتصور صَحِيح وإنصاف وَعمل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة وَله قِرَاءَة على فى علم الْمعَانى وَالْبَيَان وفي علم التَّفْسِير وفي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن وفي مؤلفاتي وَهُوَ الْآن من أَعْيَان أهل الْعرْفَان ومحاس حَملَة الْعلم بِمَدِينَة صنعاء وَقد تقدمت تَرْجَمَة وَالِده
١٢٧ - الْحسن بن اسمعيل بن الْحسن بن مُحَمَّد المغربي
نِسْبَة إلى مغارب صنعاء ثمَّ الصنعاني حفيد شَارِح بُلُوغ المرام الآتي ذكره هُوَ شيخ شُيُوخ الْعَصْر ولد بعد سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء كسلفه وَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيان عُلَمَاء صنعاء مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال والعلامة محسن بن اسمعيل الشامي وَغير وَاحِد في عدَّة فنون كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وانتفع بِهِ الطّلبَة في جَمِيع هَذِه الْفُنُون وَأخذ عَنهُ أَعْيَان الْعلمَاء وتخرجوا بِهِ وصاروا مبرزين فى حيوته وَكَانَ ﵀ زاهداً ورعاً عفيفاً متواضعاً متقشفاً لَا يعد نَفسه فِي الْعلمَاء وَلَا يرى لَهُ حَقًا على تلامذته فضلاً عَن غَيرهم وَلَا يتصنّع في ملبوس بل يقْتَصر على عِمَامَة صَغِيرَة وقميص وَسَرَاويل وثوب يَضَعهُ على جَنْبَيْهِ وَتارَة يَجْعَل إزاراً مَكَان الثَّوْب
стр. 195
وَيقْضى حَاجته من الأسواق بِنَفسِهِ ويباشر دقيقها وجليلها وَيحمل على ظَهره مَا يحْتَاج الى الْحمل مِنْهَا ويقود دَابَّته ويسقيها بِنَفسِهِ وَلَا يتصدر لما يتصدر لَهُ من هُوَ مَعْدُود من صغَار تلامذته من تَحْرِير الْفَتَاوَى ومماراة أهل الْعلم بل جلّ مَقْصُوده الِاشْتِغَال بِخَاصَّة نَفسه وَنشر الْعلم بإلقائه إلى أَهله وَالْقِيَام بِمَا لَا بُد مِنْهُ من المعيشة يكْتَفى بِمَا يحصل لَهُ من مستغلاته الَّتِى ورثهَا عَن سلفه الصَّالح مَعَ حقارتها وخطب للْقَضَاء في أَيَّام شبابه فَلم يساعد بل صمم على الِامْتِنَاع بعد أن رغبّه شَيْخه أَحْمد بن صَالح الْمُتَقَدّم ذكره وَالْحَاصِل أَنه من الْعلمَاء الَّذين اذا رَأَيْتهمْ ذكرت الله وكل شؤونه جَارِيَة على نمط السلف الصَّالح وَكَانَ إذا سَأَلَهُ سَائل أَحَالهُ في الْجَواب على أحد تلامذته واذا أشكل عَلَيْهِ شئ في الدَّرْس اَوْ فِيمَا يتَعَلَّق بِالْعَمَلِ سَأَلَ عَنهُ غير مبال سَوَاء كَانَ الْمَسْئُول عَنهُ خفِيا أَو جلياً لأنه جبل على التَّوَاضُع وَمَعَ هَذَا ففي تلامذته القاعدين بَين يَدَيْهِ نَحْو عشرَة مجتهدين وَالْبَعْض مِنْهُم يصنّف في أَنْوَاع الْعُلُوم إذ ذَاك وَهُوَ لَا يزْدَاد الا تواضعا قَرَأت عَلَيْهِ ﵀ في المطوّل وحواشيه والعضد وحواشيه من أَولهمَا إلى آخرهما والكشاف وَبَعض حَوَاشِيه من أَوله إلى آخِره إلا فوتاً يَسِيرا وَبَعض الرسَالَة الشمسية وَشَرحهَا للقطب وحاشيتها للشريف وَبَعض تَنْقِيح الأنظار في عُلُوم الحَدِيث وقطعة من صَحِيح مُسلم وقطعة من شَرحه للنووي وَجَمِيع سنَن أَبى دَاوُد ومختصر المنذري عَلَيْهَا وَبَعض شرح ابْن رسْلَان والخطابي لَهَا وَشرح بُلُوغ المرام لجده إِلَّا قَلِيلا من أَوَائِله وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل لَا يزْدَاد إِلَّا تواضعا وتصاغرا وتحقيرا لنَفسِهِ وَهَكَذَا فليصنع من أَرَادَ الْوُصُول إِلَى ثَمَرَة الْعلم وَالْبُلُوغ إِلَى فَائِدَته
стр. 196
الأخروية وَكَانَ ﵀ يقبل علي إقبالاً زَائِدا ويعينني على الطلب بكتبه وَهُوَ من جملَة من أرشدني إِلَى شرح الْمُنْتَقى وشرعت في حَيَاته بل شرحت أَكْثَره وأتممته بعد مَوته وَكَانَ كثيراً مَا يتحدث في غيبتي أَنه يخْشَى عليّ من عوارض الْعلم الْمُوجبَة للاشتغال عَنهُ فَمَا أصدق حدسه وأوقع فراسته فَأنى ابْتليت بِالْقضَاءِ بعد مَوته بِدُونِ سنة وانتقلت روحه الطاهرة إِلَى جوَار الله فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة ١٢٠٨ ثَمَان وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثيته بقصيدة أَولهَا
(كَذَا فَلْيَكُن رزء الْعلَا والعوالم ... وَمن مثل ذَا ينهدّ ركن المعالم)
وريثته أَيْضا بِأَبْيَات أُخْرَى أَولهَا
(جفن المعارف من فراقك سافح ... والعذب مِنْهَا بعد بعْدك مالح)
١٢٧ - السَّيِّد الْحسن بن الْحُسَيْن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
الصنعاني المولد والوفاة وَالدَّار الْعَلامَة المبرّز في عدَّة فنون لَا سِيمَا علم الْمَعْقُول فَهُوَ فِيهِ فريد عصره وَله تصانيف في الْمنطق جعله حَاشِيَة على شرح الْعَلامَة الْجلَال في التَّهْذِيب وتلامذته جمَاعَة نبلاء كَانُوا يقصدونه للْقِرَاءَة عَلَيْهِ إِلَى منزله وَله أشعار حسان مِنْهَا القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
لجمال ذاتك في الْوُجُود تطلعي ... ولنيل وصلك في الْحَيَاة تطمعي)
(ولوجهك الزاهي بِحسن جماله ... حجّي وتطوافي بِذَاكَ المربع) وَله يَد في علم التصوف قَوِيَّة وَكَذَلِكَ فى علم الأسماء وَقد أثنى عَلَيْهِ صَاحب نسمَة السحر وَذكر لَهُ مؤلفات وَقَالَ أنه كتب لَهُ بخطه أَنه ولد بضوران سنة ١٠٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَذكر لَهُ شعراً كتبه إليه مطلعه
стр. 197
(ترنم حادى الشوق فَهُوَ مزمزم ... فرعياً لحاد بالهوى يترنّم)
وَذكر مَا يدل على أَن صَاحب التَّرْجَمَة وقف على نسمَة السحر وقرضها وَقد بلغ عمره ثَمَانِينَ سنة وَلم يذكر وَفَاته
١٢٨ - السَّيِّد الْحسن بن زيد بن الْحُسَيْن الشامي
قَرَأَ بِصَنْعَاء على أَعْيَان علمائها كالسيد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي وطبقته وبرع في علم الحَدِيث وشارك فِي غَيره من الْفُنُون مُشَاركَة قَوِيَّة وَنشر الْعلم وأتعب نَفسه في الإرشاد إلى الْحق من الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَأَقْبل عَلَيْهِ الْخَاص وَالْعَام وَأخذُوا عَنهُ وتخلقوا بأخلاقه وَمَشوا على طَرِيقَته وَكَانَ لَا يمل من ذَلِك فِي جَمِيع الأوقات فظهرت بركته وَعم النَّفْع بِهِ فإنه سكن في صنعاء فَصَارَ لَهُ اتِّبَاع لَا يعْملُونَ إلا بالأدلة ثمَّ سكن في هِجْرَة سناع فَصَارَ أَهلهَا جَمِيعًا مشتغلين بِالطَّاعَةِ مواظبين على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَكَذَلِكَ سكن في ذهبان وَصَارَ أَهله كَذَلِك وَله في حسن التَّعْلِيم طَريقَة لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَعند وزيره أَحْمد بن علي النهمي فنفع بِهِ جمَاعَة من المحاويج وَصَارَ يبْذل جاهه لَهُم فيجلب إليهم خيراً كثيراً وَلَا يَأْخُذ لنَفسِهِ شَيْئا مَعَ كَونه فَقِيرا وَكَانَ هَذَا دأبه طول حَيَاته وَلَا مطمع لَهُ في مُوَاصلَة أَرْبَاب الدولة الا ذَلِك وَله فى الزّهْد والتقشف وَكَثْرَة الْعِبَادَة وظائف لَا يقدر عَلَيْهَا غَيره مَعَ قِيَامه بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر والترسلات في ذَلِك على الإمام فَمن دونه والإرشاد إلى الرِّفْق بالرعية وَلَقَد كَانَ خيراً كُله وَلم أعرفهُ وَلكنه
стр. 198
أَخْبرنِي باخباره كل من يعرفهُ وَمَا زَالَ مستمراً على ذَلِك حَتَّى مَاتَ في سنة ١١٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا
١٢٩ - الْحسن بن علي بن جَابر الهبل اليمانى الشَّاعِر المفلق
الْفَائِق المكثر الْمجِيد ولد سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَله شعر يكَاد يسيل رقة ولطافة وجودة وسبك حسن معاني وغالبه الْجَوْدَة وَله ديوَان شعر مَوْجُود بايدى النَّاس وَمِنْه
(أَتَرَى يسلو الْهوى وَله ... عِنْد سكان الْحمى وَله)
(مغرم في قلبه حزن ... فصل الهجران مجمله)
(عظمت أسقامه فغدا ... لَا يرَاهُ من تَأمله)
(لَو رأى من ظل يعذله ... وَجه من في الْحبّ أنحله)
(قَالَ أما فِيك لَا حرج ... إن قضى وجداً يحِق لَهُ)
وَله
(ياقليل الْحِفْظ للذمم ... أيّ شرع حلّ فِيهِ دمى)
(هَل لمن أتلفت مهجته ... ياشقيق الرّوح من حكم)
وَله
(لاذقت حرّ صبابتي ... وكفيت مَا ألْقى بهَا)
(فَالنَّار من أسمائها ... وَالْمَوْت من ألقابها)
وَله القصيدة الطنانة الَّتِى مطْلعهَا
(لَو كَانَ يعلم أَنَّهَا الأحداق ... يَوْم النقا مَا خاطر المشتاق)
(جهل الْهوى حَتَّى غَدا في أسره ... وَالْحب مَا لأ سيره اطلاق)
وَكلهَا غرر لَوْلَا مَا كدرها بِهِ من ثلب الاعراض المصونة أَعْرَاض
стр. 199
خير الْقُرُون وَلما ارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن وَكَانَ كالوزير لَهُ قبل الْخلَافَة وتصدى للقعود في دستها توفي في شهر صفر سنة ١٠٧٩ تسع وَسبعين وَألف فَيكون عمره احدى وَثَلَاثِينَ سنة وَلَو طَال عمر هَذَا الشَّاب الظريف وَلم يشب صافى شعره بذلك المشرب السخيف لَكَانَ أشعر شعراء الْيمن بعد الْألف على الاطلاق وَأَصله من قَرْيَة بنى الهبل وهي هِجْرَة من هجر خولان وَمحله ومحلي وَاحِد لَيْسَ بَينهمَا مَسَافَة بل بَينهمَا من الْقرب بِحَيْثُ يسمع كل وَاحِد مِمَّن فيهمَا كَلَام الآخر وَقد بَالغ صَاحب نسمَة السحر في حَقه فَقَالَ إنه لم يُوجد بِالْيمن اشعر مِنْهُ من أول الإسلام وَهَذَا مَعْلُوم الْبطلَان فَالصَّوَاب مَا قلته سَابِقًا
١٣٠ - الْحسن بن علي بن الْحسن بن علي بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن صَالح بن مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن حَنش
وَبَقِيَّة نسبه مَعْرُوفَة فَلهُ سلف صَالح فيهم الْعلمَاء والقضاة والصلحاء وبيتهم مَشْهُور فى الديار اليمنية ولد بشهاره في سنة ١١٥٣ ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَألف ورحل من وَطنه لطلب الْعلم إِلَى مَدِينَة صنعاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها كالسيد الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن اسماعيل الْأَمِير فِي الحَدِيث
стр. 200
والقاضى الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن قَرَأَ عَلَيْهِ فى مغنى اللبيب ورسالة الْوَضع للهروى وَغَيرهمَا وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسحاق بن يُوسُف بن المتَوَكل قَرَأَ عَلَيْهِ في المعالجة والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال في الْعَرَبيَّة والقاضى حسن ابْن مُحَمَّد المغربي في شرح بُلُوغ المرام وَشَيخنَا الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن عَامر وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي غَايَة السؤل وَشَرحهَا وسيرة الشامي وَشَيخنَا الْعَلامَة الْأَكْبَر السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد قرأ عَلَيْهِ فِي جَامع الْأُصُول لِابْنِ الأثير وَغَيره وَولده الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر قَرَأَ عَلَيْهِ في الْغَايَة وَشَرحهَا وفي صَحِيح البُخَارِيّ وَقَرَأَ القراآت السَّبع على شيخها المتفرد بمعرفتها الْفَقِيه علي اليدومي وَأول من اتَّصل بِهِ عِنْد وُصُوله إلى صنعاء الْفَقِيه إسماعيل بن مُحَمَّد حَنش وَقَرَأَ عَلَيْهِ وأعانه على الطلب وَولى في أَوَائِل عمره أعمالاً من وقف وَغَيره ثمَّ أمره مَوْلَانَا الإمام المهدي أَن يتَّصل بولده مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله ليقْرَأ عَلَيْهِ فاتصل بِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ ولازمه مُدَّة ثمَّ لما مَاتَ الإمام الْمهْدي وبويع مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه أناط بِصَاحِب التَّرْجَمَة أعمالاً وصيره أحد وزرائه المقربين عِنْده وَجعل بنظره بعض الْبِلَاد اليمنية وَبَالغ في تَعْظِيمه لكَونه شَيْخه في الْعلم وَلم يعامله مُعَاملَة سَائِر الوزراء وَإِذا نَاب الدولة أَمر يتَعَلَّق بالأمور الشَّرْعِيَّة كَانَ التعويل عَلَيْهِ فى الْغَالِب وغالب مَا يتَحَصَّل لَهُ يُنْفِقهُ على الْعلمَاء ويواسي بِهِ الْفُضَلَاء والفقراء على وَجه لايحب أَن يطلع عَلَيْهِ أحد وَمَا زَالَ هَذَا دأبه وديدنه من أول وزارته إِلَى حَال تَحْرِير
стр. 201
هَذَا نَحْو ثَلَاث وَعشْرين سنة وَهُوَ لَا يزْدَاد إلا خيّراً وإنفاقاً على من يسْتَحق ذَلِك وَهُوَ فى هَذِه الْخصْلَة مُنْقَطع القرين عديم النظير لَا سِيمَا في هَذَا الْعَصْر فإنه قد يعْطى بعض المحاويج الَّذين لَا يتصلون بِهِ عَطاء يُجَاوز الْوَصْف في الْكَثْرَة ويشتري الْبيُوت ويهبها لمن لَا بَيت لَهُ ويعين من أَرَادَ أَن يشترى بَيْتا اذا كَانَ مُسْتَحقّا لَا كثر الثّمن أوكله وَقد صنع هَذَا المصنع مَعَ أنَاس كثيرين وَهُوَ يكره ظُهُور ذَلِك واطلاع النَّاس عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَلِيل الخلوص وأنى لَا كثر التَّعَجُّب من كَثْرَة صدقاته الَّتِى مِنْهَا مَا يبلغ الْمِائَة القرش وفوقها ودونها بل أخبرني بعض الْعلمَاء أَنه اطلع على مَا وهبه لبَعض الْعلمَاء وَكَانَت جملَته ألف قِرْش دفْعَة وَاحِدَة وأخبرني آخر أَنه بلغ إعطاؤه لعالم آخر اثنتي عشرَة مائَة قِرْش دفْعَة وَاحِدَة وناهيك بِهَذَا فإن عَطاء الْمُلُوك في عصرنا يتقاصر عَنهُ ويزداد التَّعَجُّب من استمراره على ذَلِك كَيفَ قدر على الْقيام بِهِ مَعَ أَن غَيره مِمَّن بنظره أَعمال أَكثر من أَعماله ومدخولات أوفر من مدخزلاته قد لَا يقوم مَا يتَحَصَّل لَهُ بِمَا يستغرقه لخاصة نَفسه وَأَهله فضلاً عَن غير ذَلِك ثمَّ أذكر قَول الله تَعَالَى وَمَا أنفقتم من شئ فَهُوَ يخلفه وَقَول النبى ﵌ أنْفق ينْفق عَلَيْك فَأعْلم عِنْد ذَلِك السَّبَب وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي عَيْش فائق مترفه فِي ملبوسه ومأكوله ومسكنه ومركبه وَجَمِيع أَحْوَاله على حد يقصر عَنهُ أَمْثَاله قد جمع الله لَهُ من نعم الدُّنْيَا مَالا يُدْرِكهُ غَيره وَأَعْطَاهُ من الكمالات مَالا يُوجد مجتمعاً فِي سواهُ فإنه مَعَ إحكامه لما يتَعَلَّق بِهِ من الْأَعْمَال الدولية مَعْدُود من الْعلمَاء مَذْكُور فِي الفرسان مَشْهُور بِحسن الرماية جيد الْخط قوي النثر حسن الْأَخْلَاق وَكَانَ بشوشاً متواضعاً سيوساً جلياً وقوراً سَاكِنا عفيفا مواظبا
стр. 202
على الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة كثير الأذكار محباً للْفُقَرَاء وَلَا سِيمَا إذا كَانُوا من أهل بَيت النُّبُوَّة رَاغِبًا في الْخَيْر كافاً لنَفسِهِ عَن الشَّرّ مُعظما للشَّرْع مجالسه مُشْتَمِلَة على المباحثات العلمية والمفاكهات الأدبية مقرباً لأهل الْفضل مُبْعدًا لأهل البطالة حسن المحاضرة قوي المباحثة جيد الْفَهم حسن الادراك ينشط اذا سُئِلَ عَن مسئلة علمية ويبحث ويستخرج بدقيق ذهنه فرائد بديعة يعرف النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والقراآت وَالتَّفْسِير وَيعْمل بِجَمِيعِ هَذِه الْفُنُون وَله كَمَال الِاشْتِغَال والعناية بِعلم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْعَمَل بِمَا تَقْتَضِيه الأدلة وَلَا يبالي بِمَا عدا ذَلِك ولديه من الْكتب النفيسة مَالا يُوجد عِنْد غَيره وبيني وَبَينه من خَالص الوداد مَالا أقدر على التَّعْبِير عَن بعضه وَمَا أعده إِلَّا بِمَنْزِلَة الْوَالِد وَهُوَ ينزلني منزلَة الْوَلَد ويجلّني إجلال الْوَالِد وَقد اتفقت الألسن على الثَّنَاء عَلَيْهِ وَنشر محاسنه مَعَ أَن النَّاس لَا يرضون عَن المتعلقين بأعمال الدولة وَلَكِن رَأَوْا فِيهِ من المحاسن مَالا يُمكن جَحده وَالْحَاصِل أَنه للدولة جمال وَلأَهل الْعلم جلال وللفقراء ذخيرة أفضال طَالَتْ أَيَّامه ومدت أعوامه وَفِي سنة إحدى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف حصل لَهُ نِسْيَان وَكَثْرَة سَهْو فباشر مَا بنظره من الأعمال بعض قرَابَته فَلم يحسن الْمُبَاشرَة وَمَا زَالَ ذَلِك الْعَارِض يتزايد وفي سنة ثَلَاث وَعشْرين رجح رفع يَده عَن الْأَعْمَال الَّتِى كَانَ يُبَاشِرهَا ثمَّ أحاطت الدُّيُون بغالب مَا يملكهُ بِسَبَب مُبَاشرَة ذَلِك الْقَرِيب ثمَّ توفي إِلَى رَحْمَة الله يَوْم السبت خَامِس عشر شهر شعْبَان سنة ١٢٢٥ خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بِصَنْعَاء وقبر بمقبرتها
стр. 203
١٣١ - الإمام الْحسن بن علي بن دَاوُد المؤيدي
رَأَيْت سيرته فِي مُجَلد وَصفه مؤلفها بالتبحر فِي عُلُوم عديدة كالنحو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث وَرَأَيْت لَهُ رسائل تدل على بلاغته وَقُوَّة تصرفه دَعَا إِلَى نَفسه سنة ٩٨٤ في نصف شهر رَمَضَان مِنْهَا فاجتمعت إِلَيْهِ الزيدية وَأَجَابُوا دَعوته وَبَايَعُوهُ في بِلَاد صعدة وَخرج مِنْهَا بِجَيْش إِلَى الأهنوم واشتعلت الأرض نَارا بقيامه على الأتراك وَدخل في طَاعَته بعض أَوْلَاد الإمام شرف الدَّين وَأسر عبد الله بن المطهر وأودعه السجْن ثمَّ توجه بجند وَاسع لأخذ بِلَاد هَمدَان فَفتح أكثرها وَخرج الأتراك من صنعاء وأميرهم سِنَان فَمَا زَالَت الْحَرْب بَينهمَا سجالاً وفي سنة ٩٩٣ افْتتح سِنَان بِلَاد الأهنوم وانحصر الإمام الْحسن في مَحل يُقَال لَهُ الصاب ودعا الى السّلم فاجاب وَخرج الى يدسنان فِي نصف شهر رَمَضَان مِنْهَا وَهَذَا من غرائب الزَّمَان كَون قِيَامه في نصف شهر رَمَضَان وأسره في نصف شهر رَمَضَان ثمَّ دخل بِهِ سِنَان إلى صنعاء فوصل بِهِ الى الباشا حسن فسجنه وَقد كَانَ أسر أَوْلَاد المطهر بن شرف الدَّين الأربعة لطف وعَلى يحيى وَحفظ الله وغوث الدَّين وسجنهم مَعَ الإمام وفي شهر شَوَّال من هَذِه السنة أرسل الباشا بهم جَمِيعًا إلى الروم وَكَانَ آخر الْعَهْد بهم وَقد روي أَنه مَاتَ الإمام الْحسن في الروم مَحْبُوسًا في شهر شَوَّال سنة ١٠٢٤ أَربع وَعشْرين وَألف سنة وَالله أعلم وَله أَخْبَار حسان استوفى مؤلف سيرته فَمن رام الِاطِّلَاع عَلَيْهَا فليقف على السِّيرَة الْمَذْكُورَة ليعرف مِقْدَار هَذَا الإمام وسعة دائرته في المعارف العلمية
стр. 204
١٣٢ - الْحسن بن عمر بن الْحسن بن حبيب بن عمر بن شُرَيْح بن عمر المقلب بدر الدَّين الدمشقي الحلبي
ولد سنة ٧١٠ عشر وَسَبْعمائة بِشَهْر شعْبَان مِنْهَا وَنَشَأ مغرماً بِعلم الْأَدَب وَأخذ عَن جمَاعَة من الأدباء مِنْهُم ابْن نَبَاته وَله مؤلف في الأدب سَمَّاهُ نسيم الصِّبَا يشْتَمل على نفائس وَاسْتعْمل مفاصل شِفَاء القاضي عِيَاض فسبكها سجعّا وألف درة الأسلاك فِي دولة الأتراك سجع كُله يدل على مزِيد اطِّلَاعه وفصاحته وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة من أَعْيَان عُلَمَاء عصره قَالَ ابْن حجر وَكَانَ فَاضلا كيساً صَحِيح النَّقْل حدث عَنهُ جمَاعَة وَكَانَ يُوقع عَن الْقُضَاة وَانْقطع فِي آخر مدَّته بِمَنْزِلَة وَله تذكرة النبيه في أَيَّام الْمَنْصُور وبنيه سجعاً وباشر نِيَابَة الْقَضَاء ونيابة كِتَابَة السِّرّ مَاتَ في شهر ربيع الآخر سنة ٧٧٩ تسع وَسبعين وَسَبْعمائة وَمن شعره
(ألحاظه شهِدت بأني ظَالِم ... وَأَتَتْ بِخَط عذاره تذكارا)
(يَا حَاكم الْحبّ اتئد فى قصتى ... فالخط زورو الشُّهُود سكارى)
١٣٣ - السَّيِّد الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن على بن الرشيد بن أَحْمد بن الأمير الْحُسَيْن بن علي بن يحيى
بن مُحَمَّد بن يُوسُف الأصغر الملقب الأشل ابْن الْقَاسِم ابْن الإمام الداعي يُوسُف الأكبر ابْن الإمام الْمَنْصُور يحيى ابْن الإمام النَّاصِر احْمَد بن الإمام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن اسمعيل بن إبراهيم بن الْحسن ابْن الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم وَرَحمته وَبَرَكَاته ولد بعد صلوة الْعشَاء من لَيْلَة الِاثْنَيْنِ غرَّة شهر شعْبَان سنة ٩٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على جمَاعَة
стр. 205
من الشُّيُوخ وَأدْركَ حِصَّة نافعة من المعارف وَفرغ نَفسه للْجِهَاد مَعَ وَالِده فَنَهَضَ بِمَا لاينهض بِهِ غَيره ونال من الاتراك مالم ينله أحد وأوقع بهم وقعات مُتعَدِّدَة حَتَّى استأصلهم وأخرجهم من الديار اليمنية بعد أَن حَارب جمَاعَة من كبرائهم كحيدر باشا وقانصوه باشا وَأخذ جَمِيع مَا بِأَيْدِيهِم من مدن الْيمن ووقعاته وملاحمه لَا يَتَّسِع لَهَا هَذَا الْمُخْتَصر وَقد سرد جَمِيع ذَلِك الجرموزي في سيرته وهي كتاب حافل وَلم يكن لأحد من الْعِنَايَة التَّامَّة بمجاهدة الأتراك مَا كَانَ لَهُ ﵀ وَأسر فِي أَيَّام وَالِده وَحبس بِصَنْعَاء وبقي أَيَّامًا طائلة ثمَّ خرج خُفْيَة وهيأ الله لَهُ أَسبَاب ذَلِك فَلم يشْعر بِهِ أحد وَفِيه من الشجَاعَة والإقدام في المعارك مَا يبهر الْعُقُول فإنه وَحده يقوم مقَام الْجَيْش الْكثير وَقد أحَاط بِهِ في قاع صنعاء أَيَّام محاصرته لَهَا جمَاعَة من فرسَان الأتراك الْمَشْهُورين وهم عدد وَاسع يزِيد خيلهم على الألف فضلاً عَن سَائِر الْجَيْش وَلم يكن عِنْده إذ ذَاك إلا أَخُوهُ الْعَلامَة الْحُسَيْن الآتي ذكره وَنَفر يسير فدار الْقِتَال عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه ومازال يصاولهم طَعنا وَضَربا ويجدل شجعانهم حَتَّى خرج من بَينهم سالما هُوَ وَمن مَعَه من النَّفر الْيَسِير وَكم أعدد من إقدامات هَذَا السَّيِّد الَّذِي تقصر الأقلام عَن حصر بعض مناقبه وَهُوَ نَظِير المطهّر ابْن شرف الدَّين أَو أرفع دَرَجَة مِنْهُ في الشجَاعَة والرياسة وَحسن التَّدْبِير وَقد بلغت جيوشه فِي بعض المواطن نَحْو ثَمَانِينَ الْفَا وَله في الْكَرم يَد طولى قَالَ السَّيِّد عَامر بن مُحَمَّد عبد الله بن عَامر الشَّهِيد في بغية المريد أنه أعطى الشريف طَاهِر الادريسى خَمْسَة وَعشْرين ألف قِرْش من النَّقْد وَمن الْجَوَاهِر والنفائس مَا يخرج عَن الْفِكر انْتهى ثمَّ بعد أَن أجلى الأتراك
стр. 206
من أَرض الْيمن جَمِيعهَا اختط حصن الدامغ في حُدُود سنة ١٠٤٠ فعمره عمَارَة بليغة وأجرى فِيهِ الأنهار وغرس فِي جوانبه الأشجار وشيّد الديار حَتَّى صَار مَدِينَة كَبِيرَة وَاسْتقر فِيهِ حَتَّى توفاه الله في وَقت الْمغرب من لَيْلَة الْأَحَد ثَالِث شَوَّال سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وألف في خلَافَة أخيه الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ورثاه شعراء عصره بمراثي جَيِّدَة مِنْهَا قَول بَعضهم
(أدرى الذي ينعى إلينا من نعى ... لَو كَانَ يدري مَا أشاد وأسمعا)
(أتراه يدري أنه ينعي إِلَى ... كل الأنام الدَّين وَالدُّنْيَا مَعًا)
(وحياتهم ومعاشهم ورياشهم ... ونعيمهم هَذِه الْخِصَال الأربعا)
وَكَانَ مَوته فِي مَدِينَة الْحصين الَّتِي عمرها تَحت حصنه الْمُتَقَدّم وَله نظم فَمِنْهُ مَا قَالَه في أَيَّام اعتقاله يرغب وَالِده فِي الصُّلْح بأبيات أَولهَا
(مولاي أن الصُّلْح أعذب موردا ... فاسلك لَهُ جدداً سوياً أجردا)
وهي أَبْيَات مَشْهُورَة
وَكَانَ يلازم في أَسْفَاره وجهاداته الْقِرَاءَة على الشُّيُوخ والمطالعة لكتب الْعلم ولازم في آخر أَيَّامه السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى فَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الاصول وَغَيرهَا وَقد جمع إلى شجاعته الباهرة الْكَرم الفائض حَتَّى كَانَ يعْطى عَطاء من لَا يخَاف الْفقر وَالْحَاصِل أنه من أعظم سلاطين الْجِهَاد وأساطين مصَالح الْعباد
١٣٤ - حسن بن مُحَمَّد بن قلاون الصالحي الْملك النَّاصِر بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور
ولد سنة ٧٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وسبعمائة وسمي أَولا قمارى فَلَمَّا جلس على التخت قَالَ للنائب يَا أبي مَا اسْمِي قمارى اسْمِي حسن فَقَالَ على خيرة الله وَاسْتقر اسْمه
стр. 207
حسناً وَولى السلطنة بعد أَخِيه المظفر سنة ٧٤٨ وَقبض على حَاشِيَة أَخِيه وصودروا لتخليص الأموال فَوجدَ لديهم من الْجَوَاهِر مَا قِيمَته مائَة الف دِينَار فَمَا كَانَ يَوْم السبت رَابِع عشر شَوَّال سنة ٧٥١ قَالَ النَّاصِر لأهل المملكة إن كنت سُلْطَانا فاقبضوا هَذَا فأمسك وَأرْسل إلى الإسكندرية ثمَّ مَا زَالَ يقبض الأمراء وَاحِدًا بعد وَاحِد فنفروا مِنْهُ وركبوا عَلَيْهِ في سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٥٢ وخلعوه وقرروا أَخَاهُ الصَّالح وأعيد النَّاصِر فِي شَوَّال سنة ٧٥٥ واستبد بالمملكة وَصفا لَهُ الْوَقْت وَلم يُشَارِكهُ أحد في التَّدْبِير فَبَالغ فِي أَسبَاب الطمع واستحوذ على إهلاك بَيت المَال وَأكْثر من سفك الدِّمَاء وَشرع في عمَارَة الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالرميلة وَلَيْسَ لَهَا نَظِير بالديار المصرية وَمَات وَلم تكمل ثمَّ عزم على قتل بعض أكَابِر أمرائه فاستعد لَهُ وتقاتلا فَكَانَت الدائرة على النَّاصِر فَانْهَزَمَ ثمَّ أمسك وَقتل في تَاسِع جُمَادَى الأولى سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ ذكياً مفرطاً وَله بعض اشْتِغَال بِالْعلمِ
١٣٥ - الْحسن بن مُحَمَّد شاه الفنّاري الْمَعْرُوف بالشلبي صَاحب حَاشِيَة المطوّل
قَرَأَ على عُلَمَاء الروم ثمَّ ارتحل إلى مصر لقِرَاءَة مغني اللبيب على رجل مغربي وَكَانَ علي الفنّاري قاضي السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عَم صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ لَهُ اسْتَأْذن السُّلْطَان في عزمي على مصر لقِرَاءَة مغني اللبيب على شيخ مغربي هُنَالك لَيْسَ لَهُ نَظِير في معرفَة هَذَا الْكتاب فَاسْتَأْذن الْمَذْكُور السُّلْطَان فَقَالَ لَعَلَّه قد اخْتَلَّ دماغه وَكَانَ منحرفاً عَنهُ بِسَبَب أَنه صنّف حَاشِيَة التَّلْوِيح باسم ابْن السُّلْطَان وَهُوَ بايزيد بن مُحَمَّد فَرَحل الى
стр. 208
مصر وَقَرَأَ الْكتاب الْمَذْكُور قِرَاءَة متقنة وَكتب لَهُ المغربي فِي ظهر كِتَابه إجازة ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاد الروم وَأرْسل كتاب مغني اللبيب إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَلَمَّا نظر فِيهِ زَالَ عَنهُ مَا كَانَ فَأعْطَاهُ مدرسة يدرس بهَا ثمَّ في دولة السُّلْطَان بايزيد عيّن لَهُ كل يَوْم ثَمَانِينَ درهماً وَله مصنفات مِنْهَا حَاشِيَة المطوّل الْمُتَقَدّم ذكرهَا وهي حَاشِيَة مفيدة وَمِنْهَا حَاشِيَة على شرح المواقف للشريف وحاشية على التَّلْوِيح وَكلهَا مقبولة وَسمع في مصر صَحِيح البخارى على بعض تلاميذة الْحَافِظ ابْن حجر وَمَات فِي دولة السُّلْطَان بايزيد خَان وَكَانَ جُلُوسه على تخت السلطنة سنة ٨٨٦
١٣٦ - الْحسن بن قَاسم الْمُجَاهِد القاضي الْعَلامَة الذكى
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٩٠ تسعين وماية وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير ومسكنه هُوَ وَأَهله في مَدِينَة ذي جبلة انتقلوا إليها من مَدِينَة ذمار وَهُوَ عَارِف بالفقه والفرائض والنحو والاصول وَله مُشَاركَة في علم الحَدِيث وَفهم جيد وذهنه صَحِيح قَرَأَ علي عِنْد وصولي مَدِينَة جبلة مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله في الحَدِيث والأصول ولازمني مُدَّة إقامتي في تِلْكَ الْمَدِينَة من جملَة من لازمني من أَهلهَا للْقِرَاءَة وَقد أجزت لَهُ أَن يروي عَنى مروياتي وَهُوَ أهل لذَلِك لرغوبه إلى الْعلم وإكبابه عَلَيْهِ وَقد كتب بعض مؤلفاتي كالدرر والدراري والفوائد الْمَجْمُوعَة فِي الأحاديث الْمَوْضُوعَة وحاشية شِفَاء الأوام والسيل الجرار وَغير ذَلِك وَله سماعات علي عِنْد قدومه إلى صنعاء وَقد قدم مَرَّات وَصَارَ قَاضِيا فِي مَوَاضِع ورسخت مَعْرفَته وَعمل بِالدَّلِيلِ
стр. 209
١٣٧ - الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن سَابق الدَّين بن علي بن أَحْمد بن أسعد بن أَبى السُّعُود بن يعِيش الْمَعْرُوف بالنحوي
الصنعاني الزيدي عَالم الزيدية فِي زَمَانه وَشَيخ شيوخهم وناشر علومهم كَانَ يحضر حَلقَة تدريسه زهاء ثَمَانِينَ عَالما وَله تَحْقِيق وإتقان لاسيما لعلم الْفِقْه يفوق الرصف وَله مصنّفات مِنْهَا في الْفِقْه كتاب التَّذْكِرَة الفاخرة أودعهُ من الْمسَائِل مَالا يُحِيط بِهِ الْحصْر مَعَ إيجاز وَحسن تَعْبِير وَهُوَ كَانَ مدرس الزيدية وعمدتهم حَتَّى اخْتَصَرَهُ الإمام المهدي أَحْمد بن يحيى وجرّد مِنْهُ الأزهار فَمَال الطّلبَة من حِينَئِذٍ إلى هَذَا الْمُخْتَصر وَله تَفْسِير وَله تَعْلِيق على اللمع وَاخْتصرَ الِانْتِصَار للإمام يحيى في مُجَلد وَكَانَ زاهداً ورعاً متقشفاً متواضعاً وَولى قَضَاء صنعاء وانتفع النَّاس بِهِ وَكَانَ يَأْكُل من عمل يَده وَاسْتمرّ على حَاله الْجَمِيل إلى أن مَاتَ فى سنة ٧٩١ احدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وقبر فِي عدني صنعاء قريب من بَاب الْيمن وقبره مَشْهُور مزور
١٣٨ - السَّيِّد الْحسن بن مطهر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد
ابْن الداعي الْمُنْتَصر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن الإمام يُوسُف الدَّاعِي ابْن يحيى الْمَنْصُور بن احْمَد النَّاصِر بن يحيى الهادى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب رضى لله عَنْهُم الْحسنى الْيُمْنَى الجرموزي ولد بعتمة سنة ١٠٤٤ أَربع وأربعين وَألف وَقَرَأَ على القاضي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي والقاضى مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي والقاضي علي الطَّبَرِيّ وَغَيرهم من عُلَمَاء
стр. 210
صنعاء وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والمنطق وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله مؤلفات مِنْهَا شرح نهج البلاغة ونظم الكافل وَله شعر حسن فَمِنْهُ في تَشْبِيه الزنبق
(انْظُر إِلَى الزنبق الأنيق وَقد ... أبدع في شكله وفي نمطه)
(كَمثل قنديل فضَّة غرست ... شموع تبر تضئ فِي وَسطه)
وَله أشعار رائقة واتصل بالمتوكل على الله اسماعيل وتنقل فى الولايات فولى حرازتم بندر المخاومدحه أَعْيَان الشُّعَرَاء فِي زَمَنه كالشيخ إبراهيم الْهِنْدِيّ وَغَيره من شعراء الْيمن وَجَمَاعَة من شعراء الْبَحْرين وعمان وعظمت رياسته وطار صيته ونال من الْعِزّ مالم يكن لَهُ في حِسَاب وَمَات يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الآخرة سنة ١١٠٠ إحدى عشر ماية بِصَنْعَاء بعد أَن تَغَيَّرت لَهُ الأحوال
١٣٩ - السَّيِّد الْحسن بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم الحمزي الكبسي ثمَّ الصنعاني
ولد بصفر سنة ١١٦٧ سبع وَسِتِّينَ وماية ألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ فِيهَا على جمَاعَة من الْعلمَاء وأكثر انتفاعه على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي فإنه لَازمه في جَمِيع الْفُنُون فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع في جَمِيع هَذِه الْفُنُون وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر الْمشَار إليهم بالتحقيق والإتقان وَهُوَ جيد التَّحْرِير حسن المباحثة وَله رسائل في مسَائِل مُتَفَرِّقَة متقنة غَايَة الإتقان وَقد رافقني في قِرَاءَة الْكَشَّاف على شَيخنَا الْمُتَقَدّم فَكَانَ يسْتَخْرج بفاضل ذهنه فَوَائِد نفيسة وَبعد موت شَيخنَا اسْتَقر المترجم لَهُ بِهِجْرَة
стр. 211
الكبس وَعَكَفَ عَلَيْهِ طلبة الْعلم هُنَالك وَمَا زَالَ يرشدهم إلى المعارف العلمية ويدرس في كثير من الْفُنُون وَله شعر حسن ونثر جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إلى من هُنَالك نظماّ ونثراً وَهَذَا لَفظه
(سَلام من الله السَّلَام وَرَحْمَة ... عَلَيْك إمام الْعلم وَالدّين وَالْهدى)
(يفوحان كالمسك الذكى بسوحكم ... دواما كَمَا دَامَت معاليك سرمدا)
(فياراكبا بلغ سلامي ليشتفي ... فؤادي بِهِ إن مَا بلغت مُحَمَّدًا) من ضرب سرادقات مجده على هام الْكَوَاكِب وَسبح فلك فخره فِي بحار أَعلَى الْمَرَاتِب وحازت جِيَاد مساعيه قصبات الْفَضَائِل فِي غَايَة المناقب وتفردت أفكاره باستخراج دقائق الْعُلُوم بنظره الثاقب وَنشر أَعْلَام الْحق فِي قناة الِاجْتِهَاد فِي رَأْيه الصائب الْعَلامَة على الإطلاق في جَمِيع مسارح الْمذَاهب عُمْدَة الْخَاصَّة والعامة بالِاتِّفَاقِ فَالْكل رَاغِب وراهب
(الْعِزّ مَوْلَانَا الْكَرِيم مُحَمَّد ... شيخ الشُّيُوخ وفيصل الْحُكَّام)
(هش إذا نزل الْوُفُود بِبَابِهِ ... سهل الْحجاب مؤدب الخدّام)
(وَإِذا رَأَيْت شقيقه وَصديقه ... لم تدر أَيهمَا أَخُو الأرحام)
(أبقاه ربي للعلوم ونشرها ... يحيى موَات شرائع الإسلام)
وَبعد هَذَا نثر طَوِيل فأجبت بمالفظه
السدة الَّتِى ضربت خيامها على هام السماك والعقوة الَّتِى تتضاءل عِنْد تعاظمها أَعْنَاق الأملاك والحسنة الَّتِى صَارَت لمحاس الدَّهْر غرَّة والمكرمة الكائنة في ذَات المكارم طرة
(أعني بِهِ الْحسن بن يحيى من غَدا ... فَرد الزَّمَان وحبره المتبحرا)
(السَّابِق الأعلام فَهُوَ مقدم ... يَوْم الرِّهَان وَغَيره فِيهِ ورا)
стр. 212
لَا برح زِينَة للزمان ومنقبة يفتخر بهَا نوع الإنسان وَخَصه الله بجزيل سَلَامه وَجَمِيل إكرامه وجليل انعامه وَالله الْمَسْئُول أَن يُقيم بِهِ سوق الْمجد على سَاق ويجعله بفضائله وفواضله مَاشِيا فَوق الأعناق وَبعد هَذَا نثر طَوِيل والمترجم لَهُ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل مشتغل بنشر الْعلم وأعمال الْخَيْر قد قنع من عيشه بالكفاف من غلات أَمْوَال يسيرَة ورثهَا عَن وَالِده وَكَثِيرًا مَا يَقع بيني وَبَينه مباحثات علمية وتحريرات لما يَدُور مِنْهَا وَلما مَاتَ أَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى قَامَ هَذَا مقَامه في الْقَضَاء بالجهات الخولانية وَمَا يتَّصل بهَا وعظّمه مَوْلَانَا الإمام بِمَا يَلِيق بجلاله وَقدره بعد أَن عَرفته حفظ الله بَان الْمَذْكُور بِالْمحل العالي في الْعلم وَالْعَمَل وَأَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن يحيى ستأتي تَرْجَمته إن شَاءَ الله
١٤٠ - الْحسن بن يحيى سيلان السفياني ثمَّ الصعدي
أحد الْعلمَاء الْمَشَاهِير أَخذ الْعلم عَن القاضي صديق بن رسام وَالسَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد حورية وبرع فِي عدَّة فنون وَله مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَة على شرح غَايَة السؤل للحسين بن الْقَاسِم وَله حَاشِيَة على شرح الْآيَات للنجري وحاشية على القلائد وحاشية على حَاشِيَة الشلبي على المطول اقْتصر فِيهَا على إيضاح مَا أشكل من عِبَارَات الشلبي وَلم يزل مدرساً بصعدة ونواحيها حَتَّى مَاتَ في شهر الْقعدَة سنة ١١١٠ عشر وَمِائَة وَألف
стр. 213
١٤١ - الْحُسَيْن بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن صَالح بن مُحَمَّد السياغي الحيمي ثمَّ الصنعاني
ولد سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على أَعْيَان علمائها وَهُوَ رفيقي في بعض مسموعاتى على شيوخي ورافقني فِي قِرَاءَة الخبيصي والرضي شرحيّ الكافية وَشرح السعد الْمُخْتَصر على التَّلْخِيص وحاشية الشَّيْخ لطف الله وَشرح اليزدي على التَّهْذِيب وَشرح الشافية للطف الله على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني ﵀ ورافقني أَيْضا في قِرَاءَة سنَن أَبى دَاوُد والعضد وحواشيه والمطول وحواشيه والكشاف وحواشيه على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي وَحضر مَعنا قَلِيلا على شَيخنَا السَّيِّد الإمام عبد الْقَادِر بن أَحْمد في قِرَاءَة الحَدِيث وَقِرَاءَة الْفِقْه كشرح الأزهار وَالْبَيَان على وَالِده وَقَرَأَ مَجْمُوع الإمام زيد بن علي على القاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وعَلى آخَرين وبرع في هَذِه المعارف كلهَا وفَاق وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين في عدَّة فنون وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ الْحسن الْفَائِق وَله إكباب على الْعلم واشتغال بِهِ عَمَّا سواهُ مَعَ ذهن قوي وَفهم صَحِيح وادراك جيد وسمت حسن ورصانة وعقل ومتانة دين وغالب انتفاعه على الشَّيْخَيْنِ الأولين وَقد قَرَأَ عَلَيْهِمَا غير مَا تقدم ذكره كالصحيحين وَشرح الْعُمْدَة ووفقت على حَاشِيَة لَهُ نفيسة على شرح الْجلَال لِآدَابِ الْبَحْث وَرَأَيْت لَهُ حلاً للغز السَّيِّد الْعَلامَة اسحق بن يُوسُف الْمُتَقَدّم ذكره جعله شرحاً لأبيات
стр. 214
اللغز وأجاد فِيهِ كل الإجادة وَهُوَ الْآن يشْرَح مَجْمُوع الامام زيد بن على شرحاً حافلاً وبيني وَبَينه مكاتبات ومشاعرات ومباحثات في عدَّة مسَائِل وَله نظم جيد ونثر حسن واذا حرر بحثا فى مسئلة أتقنه غَايَة الإتقان وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل في الِاشْتِغَال بالمعارف العلمية درساً وتدريساً ثمَّ مَاتَ ﵀ شهر جُمَادَى الأولى سنة ١٢٢١ إحدى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف وقبر بمقبرة صنعاء ووالده من عُلَمَاء الْفِقْه
стр. 215
المبرزين فِيهِ وَهُوَ أحد الْحُكَّام بِصَنْعَاء الْآن وَتوفى في رَمَضَان سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وجد صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ من المتقنين فى علم الْفِقْه والفرائض أَخذ عَن أكَابِر عُلَمَاء عصره وَأخذ عَنهُ الأكابر وَتَوَلَّى الْقَضَاء مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى مَاتَ في شهر شَوَّال سنة ١١٦٤
١٤٢ - السَّيِّد الْحُسَيْن بن أَحْمد بن صَلَاح بن أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن علي الْمَعْرُوف بزبارة
نِسْبَة إلى مَوضِع كَمَا تقدم في تَرْجَمَة حفيده أَحْمد بن يُوسُف ولد تَاسِع عشر شهر رَمَضَان سنة ١٠٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وألف وَأخذ عَن الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وأخيه الْحسن بن مُحَمَّد والعلاّمة علي بن يحيى
следующие страницы →