Полный текст (892 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
التَّفْسِير وَكَانَ جوادا مهيبا لَا يتَرَدَّد إلى اُحْدُ من أرباب الدولة وَمن كرمه أنّه فرق على الْفُقَرَاء والطلبة في ولَايَته للْقَضَاء نَحْو سِتِّينَ ألف دِرْهَم مَعَ أَن مُدَّة ولَايَته للْقَضَاء ثَمَانُون يَوْمًا فَقَط وَكَانَ يدرس بمدارس كَثِيرَة حَتَّى مَاتَ في ثَالِث وَعشْرين شهر ربيع الأول سنة ٧٦٩ تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
١٧٢ - السَّيِّد عبد الله بن علي بن عبد الله الْجلَال
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّانِي عشر اَوْ أول الْقرن الثَّالِث عشر وقرا على وَالِده وَغير فِي الآلات وَغَيرهَا وَهُوَ حاد الذِّهْن جيد الْفَهم حسن الإدراك قوي التَّصَوُّر وَله شعر بديع جداً لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره وَقد كتب الى مِنْهُ بقصائد طنانة وَله قِرَاءَة عليّ الْآن فِي المطول وَحُضُور في سَماع كثير من كتب الحَدِيث وشروحها وَهُوَ فِي سنّ الشَّاب جمّل الله بِهِ الْعَصْر
стр. 387
١٧٣ - السَّيِّد عبد الله بن علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الإله بن أَحْمد بن إبراهيم مؤلف الْهِدَايَة
ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن على بن المرتضى بن الْمفضل ابْن الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن الْعَفِيف بن مفضل بن الْحجَّاج بن علي بن يحيى بن الْقَاسِم بن الإمام الدعي يُوسُف بن الإمام الْمَنْصُور يحيى بن النَّاصِر احْمَد بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِم الْمَعْرُوف بالوزير الصنعاني الدَّار والنشأة الْعَالم الْمَشْهُور والشاعر الْمجِيد ولد سنة ١٠٧٤ أَربع وَسبعين وَألف في شعبانها وَقَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره من أكبرهم القاضي الْعَلامَة علي بن يحيى البرطي والقاضي حُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي والقاضي مُحَمَّد بن إبراهيم السحولي وَغَيرهم وبرع في الْعُلُوم الآلية وَالتَّفْسِير وَكَانَ الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن يقْرَأ عَلَيْهِ في الْكَشَّاف بِحُضُور أَعْيَان عُلَمَاء صنعاء وَاتفقَ وُصُول القاضي الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن علي البدري من ثلا إلى حَضْرَة المتَوَكل وهم حَال الْقِرَاءَة في بحث إنما الصَّدقَات للْفُقَرَاء فباحثه القاضي عبد الْقَادِر ثمَّ انجرت المباحثة إلى مَا ذكره عُلَمَاء الْبَيَان في بحث انما ثمَّ غاضا فِي مبَاحث دقيقة بِحَيْثُ لم يفهم أَكثر الْحَاضِرين مَا هما فِيهِ وَطَالَ ذَلِك وَاسْتدلَّ بعض الْحَاضِرين بتهليل وَجه القاضي عبد الْقَادِر حَال تِلْكَ المباحثة وَعدم ظُهُور مثل ذَلِك على صَاحب التَّرْجَمَة أَن الْحق بيد القاضي وَلم يكن ثمَّ سَبِيل للحاضرين إلى معرفَة من مَعَه الْحق بسوى ذَلِك وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي آخر مدَّته قد ترك التدريس وَمَال إلى السّكُون والدعة وَله في الْأَدَب يَد طولى وشعره
стр. 388
مَجْمُوع في ديوَان كَبِير وَمِنْه مَا هُوَ في غَايَة الْقُوَّة كَقَوْلِه من أَبْيَات كتبهَا إلى السَّيِّد الْحُسَيْن بن علي بن المتَوَكل
(زفها بكرا على الشرط عقارا ... وتخيّر حبب الكأس نثارا)
وَله أَبْيَات اخرى روضية جَيِّدَة مطلها
(هَذَا الغدير وَحَوله زهر الربى ... يملي الهزار عَلَيْهِ سجعاً مطربا)
وَله قصيدة طَوِيلَة بديعة مطْلعهَا
(لي فِيكُم يَا ذوى أم الْقرى ذمم ... بِالْقربِ حاشا كم أَن يقطع الرَّحِم)
وَمن محَاسِن شعره القصيدة الَّتِى على طَرِيق أهل الطَّرِيقَة ومطلعها
(حَضْرَة الْحق في الْمقَام النفيس ... أذهلتني عَن صاحبي وجليسي)
وَكَانَ إِذا لم يتَكَلَّف ملاحظات النكات البديعية فِي شعره جَاءَ على أحسن أسلوب فإن تكلّف ذَلِك صَار من الضعْف بمَكَان وإن ظن من لَا يعرف محَاسِن الشّعْر إلا بالنكات البديعية المتكلفة خلاف مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ غير مُصِيب فإن غَالب أشعار الْمُتَأَخِّرين إنما صَارَت بمَكَان من السماجة لتكلفهم لذَلِك كقصيدة صَاحب التَّرْجَمَة الَّتِى سَمَّاهَا أهرام مصر وَالْتزم فِيهَا التورية في كل بَيت ومطلعها
(أنادم من دمع الْعُيُون حواريا ... فَلَا غروان نادمت مِنْهَا سواقيا
стр. 389
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مصنّفات مِنْهَا طبق الْحَلْوَى وَهُوَ تَارِيخ جعله على السنين وَذكر فِيهِ حوادث وَمِنْهَا إقراط الذَّهَب في الْمُفَاخَرَة بَين الرَّوْضَة وبئر الْعَرَب وَمِنْهَا رِسَالَة أجَاب بهَا على رِسَالَة للسَّيِّد صَلَاح الأخفش الْمُتَقَدّم ذكره في شَأْن الصَّحَابَة وسمى المترجم لَهُ رسَالَته إرسال الذؤابة بَين جنبى مسئلة الصَّحَابَة وَمَا أَجود قَوْله مادحاً للمتوكل الْقَاسِم ابْن الْحُسَيْن بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(الْمجد قد آلى على نَفسه ... ألية لَيْسَ أَرَاهَا يَمِين)
(لَا صافحت رَاحَته رَاحَة ... غير يَمِين الْقَاسِم بن الْحُسَيْن)
وَكَانَت وَفَاته سنة ١١٤٧ سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي شوالها
стр. 390
١٧٤ - السَّيِّد عبد الله بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني
ولد بعد سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وألف تَقْرِيبًا وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن علي الكوكباني وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي والفقيه يحيى بن صَالح الشهاري والفقيه يحيى بن أَحْمد زيد الشامي والفقيه حُسَيْن يحيى القاعي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة على بن إبراهيم بن عَامر وبرع في الْآلَات والْحَدِيث والأدب وَهُوَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء كوكبان وبيني وَبَينه مراجعات وَله جَوَاب على رسالتى الَّتِى أَحْبَبْت بهَا على سُؤال وَالِده وسميتها حل الإشكال في إجبار الْيَهُود على الْتِقَاط الأذيال وسمي جَوَابه إرسال الْمقَال إلى حل الإشكال وأجبت عَن جَوَابه برسالة سميتها تفويق النبال إلى إرسال الْمقَال والجميع مَوْجُود بِمَجْمُوع رسائلى وَوَقعت
стр. 391
بيني وَبَينه مباحثة فِي شُرُوط صَلَاة الْجُمُعَة اشْتَمَلت على رسائل وَله كتاب ترْجم فِيهِ لشعراء عصره وَهُوَ فِي غَايَة النفاسة رَأَيْته فِي مُجَلد سَمَّاهُ الحدائق المطلعة من زهور أَبنَاء الْعَصْر شقائق وَله مؤلف آخر سَمَّاهُ اللواحق بالحدائق ومختصر فِي تَرْجَمَة جده السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وَآخر في تَرْجَمَة وَالِده السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الآتي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَله خلع العذار فِي ريحَان العذار ورسالة في تَحْرِيم الزَّكَاة على بني هَاشم وديوان من نظمه ونثره وَلم يكن لَدَى من شعره مَا أذكرهُ هُنَا وَهُوَ سَاكن عَاقل رصين الْكَلَام جيد الْفَهم حسن الإدراك كَمَا يفهم ذَلِك من تحريراته وَلم أكن قد عَرفته وأرسل إليّ بِطَلَب الإرسال إليه بشئ من شرحي للمنتقى فأرسلت إليه بالمجلد الأول وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف لَدَيْهِ وَله شعر لم يكن لَدَى الْآن شئ مِنْهُ ثمَّ توفي في شهر شَوَّال سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف بعد أن صَار مُنْفَردا بفنون الْعلم في كوكبان وَلم يخلف بعده مثله وَلَا من يُقَارِبه
١٧٥ - السَّيِّد عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ الصنعاني
ولد في سنة ١١١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف وَهُوَ أحد عُلَمَاء صنعاء
стр. 392
المبرزين في علم الْقرَاءَات والآلات والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَ يقرئ فى جَمِيع هَذِه الْعُلُوم وَله تلامذة صَارُوا عُلَمَاء نبلاء وَمن جملَة من قَرَأَ عَلَيْهِ الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن قبل مصير الْخلَافَة اليه وَكَانَ زاهداً متقللاً من الدُّنْيَا آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر وَله في ذَلِك مقامات جليلة وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد الإمام المهدي لَا ترد لَهُ شَفَاعَة كائنة مَا كَانَت لمزيد ورعه وَعدم طمعه فِي شئ من الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ سَائِر أَرْبَاب الدولة كَانُوا يجلونه ويهابونه وَكَانَ يعْمل بالأدلة ويرشد النَّاس اليها وينفرهم عَن التَّقْلِيد وَله في نهي الْمُنكر عناية عَظِيمَة اخبرني بعض الثِّقَات أَنه
стр. 393
مَشى مَعَه فِي بعض شوارع صنعاء فَرَأى رجلاً جندياً وَقد أَرَادَ الْفَاحِشَة من امْرَأَة أَو صَار يفعل الْفَاحِشَة بهَا فَفرق صَاحب التَّرْجَمَة بَينهمَا فَسَبهُ ذَلِك الجندي سباً فظيعاً فَمر وَلم يلْتَفت الى ذَلِك فَقَالَ لَهُ الذي كَانَ مَعَه لَو تدعني اعرف هَذَا الجندي حَتَّى ترفع أمره إلى الدولة ليعاقبوه فَقَالَ الذى وَجب علينا من إنكار الْمُنكر قد فَعَلْنَاهُ لله وَلَا أُرِيد أَن أفعل شَيْئا لنفسي دَعه يسبني كَيفَ شَاءَ وَكَانَ لايسمع بمنكر الا أتعب نَفسه في الْقيام على صَاحبه حَتَّى يُزِيلهُ وإذا أُصِيب رجل بمظلمة فرّ إليه فَيقوم مَعَه قومة صَادِقَة حَتَّى ة ينصف لَهُ فرحمه الله وكافاه بِالْحُسْنَى فَلَقَد كَانَ من محَاسِن الدَّهْر وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى توفاه الله فى سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ألف وَله أولاد أمجاد مِنْهُم الْعَلامَة مُحرز بن عبد الله من الْعلمَاء العاملين الورعين المنجمعين عَن بنى الدُّنْيَا المنقطعين إلى الله وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مستقلة إن شَاءَ الله وعَلى بن عبد الله ولطف البارى بن عبد الله هما من الجامعين بَين الْعلم وَالْعَمَل بِالدَّلِيلِ والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَلم يسلمُوا مَعَ ذَلِك من محن الزَّمن الَّتِى هن شَأْن أَرْبَاب الْفَضَائِل
١٧٦ - عبد الله بن أَبى الْقَاسِم بن مِفْتَاح شَارِح الأزهار
الشَّرْح الذي عَلَيْهِ اعْتِمَاد الطّلبَة الى الْآن كَانَ محققاً للفقه وَلَعَلَّه قَرَأَ على الإمام المهدي مُصَنف الأزهار وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وميل النَّاس إلى شَرحه وعكوفهم عَلَيْهِ مَعَ أَنه لم يشْتَمل على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ سَائِر الشُّرُوح من الْفَوَائِد دَلِيل على ينْتَه وَصَلَاح مقْصده وَهُوَ مُخْتَصر من الشَّرْح الْكَبِير للإمام المهدي الْمُسَمّى بالغيث وَتوفى ﵀ يَوْم السبت سَابِع شهر ربيع الآخر سنة ٨٧٧ سبع وَسبعين وثمان مائَة وقبره يماني
стр. 394
صنعاء وَكَانَ عَلَيْهِ مشْهد وَقد تهدّم ورثاه مُحَمَّد بن على الزحيف بِأَبْيَات مِنْهَا
(سقى جدثاً أضحى بِصَنْعَاء ثاوياً ... من الدَّلْو والجوزاء غاد ورايح)
ورثاه يحيى بن مُحَمَّد بن صَالح حَنش بقصيدة مطْلعهَا
(أما عَلَيْك فقلبي دَائِم الْفَزع ... وَكَيف أسلو ووجدي غير مُنْقَطع)
١٧٧ - عبد الله بن محسن الحيمي ثمَّ الصّنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء وتشأ بهَا وتلا بعض الْقرَاءَات على بعض شُيُوخ الْقُرْآن ثمَّ قَرَأَ فِي الْفِقْه على شَيخنَا أَحْمد بن عَامر الحدايى قبل قراءتي عَلَيْهِ ورافقني في قِرَاءَة النَّحْو على شَيخنَا عبد الله بن إسماعيل النهمي وَقَرَأَ عليّ في الْأُصُول فِي شرح غَايَة السؤل وَسمع مني جَمِيع تيسير الديبع واستفاد في عدَّة فنون ودرس في كثير مِنْهَا وَنقل كثيراً من رسائلي ومازال ملازماً لي فِي كثير من الْأَوْقَات وبيني وَبَينه صداقة خَالِصَة ومحبة صَحِيحَة وَلم يسلم من التعصبات عَلَيْهِ من جمَاعَة من الْجُهَّال حَتَّى جرت لَهُ بِسَبَب ذَلِك محن وَهُوَ صابر محتسب وَهَذَا شَأْن هَذِه الديار وَأَهْلهَا والعالم المُصَنّف فِي غربَة لَا يزَال يكابد شَدَائِد ويجاهد وَاحِدًا بعد وَاحِد وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وإنما يُوفي الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب وَصَاحب التَّرْجَمَة الْآن حي نفع الله بِهِ
١٧٨ - عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ
ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني
стр. 395
وَغَيره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وشارك فِيمَا عدا ذَلِك ودرس الطّلبَة بِجَامِع صنعاء في هَذِه الْفُنُون وَهُوَ كثير الصمت منجمع عَن النَّاس قَلِيل المخالطة لَهُم لَا يتَرَدَّد إلى بني الدُّنْيَا وَلَا يشْتَغل بِمَا لَا يعنيه وَلَا يتظهر بِالْعلمِ وَلَا يكَاد ينْطق الا جَوَابا فضلاً عَن أَن يُمَارِي أَو يبدي مالديه من الْعلم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ قَلِيل النظير عديم المثيل وَهُوَ حي الْآن نفع الله بِهِ وَتوفى ﵀ فِي يَوْم الأربعاء لَعَلَّه رَابِع وَعِشْرُونَ شهر شَوَّال سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
١٧٩ - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن اسمعيل بن صَلَاح الْأَمِير الصّنعاني
سيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة أبيه ولد سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة قَاسم بن مُحَمَّد الكبسي وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة محسن بن اسمعيل الشامي وعَلى الْعَلامَة لطف الباري بن احْمَد الْورْد خطيب صنعاء وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل بن هادي الْمُفْتى وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن احْمَد وَشَيخنَا الْعَلامَة علي بن هادي عرهب وعَلى غير هَؤُلَاءِ وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَهُوَ اُحْدُ عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين العاملين بالأدلة الراغبين عَن التَّقْلِيد مَعَ قُوَّة ذهن وجودة فهم ووفارة ذكاء وَحسن تَعْبِير وخبرة لمسالك الِاسْتِدْلَال ومحبة للْفُقَرَاء وعناية في إيصال الْخَيْر اليهم بِكُل مُمكن ومتانة دين واشتغال بِالْعبَادَة ودراية كَامِلَة بمؤلفات وَالِده ورسائله وأشعاره وَهُوَ الذي جمع شعره في مُجَلد وبلغني أَنه نظم بلغ المرام وأنه الْآن يشرحه وَله جوابات في مشكلات وفتاوى وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة عبد الحميد بن احْمَد قاطن وَلَا شغلة لَهُ بِغَيْر الْعلم والإكباب
стр. 396
على كتب الحَدِيث وتحرير مسَائِله وَتَقْرِير دلائله وَله نظم كنظم الْعلمَاء مِنْهُ قصيدة أجاب بهَا على السَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل بن احْمَد الكبسى الْمُتَقَدّم ذكره ومطعلها
(لله دَرك أَيهَا الْبَدْر الذي ... يهدي إلى نهج الصَّوَاب الظَّاهِر)
(أبرزت من تيار علمك درة ... فِي سلك تبر قَعْر بَحر زاخر)
وَهُوَ الْآن حَيّ ينْتَفع بِهِ النَّاس وَلَعَلَّه قد جَاوز خمسين عَاما من عمره عافاه الله
١٨٠ - عبد الله بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن علي بن ثامر بن فضل ابْن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن إبراهيم الزيدى العبسى العكى الْمَعْرُوف بالنجري
ولد في أحد الربيعين سنة ٨٢٥ خمس وَعشْرين وثمان مائَة وَنَشَأ بِمَدِينَة حوث وَقَرَأَ على وَالِده فِي النَّحْو والأصلين وَالْفِقْه وعَلى أَخِيه علي بن مُحَمَّد ثمَّ حج سنة ٨٣٨ وارتحل إلى الديار المصرية فوصلها في ربيع الأول من الَّتِى يَليهَا فبحث فِيهَا في النَّحْو وَالصرْف على ابْن قديد وَأبي الْقَاسِم النويري وفي الْمعَانى وَالْبَيَان على الشمني وفي الْمنطق على التقي الحصني وفي علم الْوَقْت على الْعِزّ عبد الْعَزِيز الميقاتي وَحضر في الهندسة قَلِيلا عِنْد أَبى الْفضل المغربي بل كَانَ يطالع وَمهما أشكل يُرَاجِعهُ فِيهِ فطالع شرح الشريف الجرجاني على الجغميني والتبصرة لجَابِر بن أَفْلح وَقَرَأَ في الْفِقْه على الْأمين الأقصراني والعضد الصيرامي وَتقدم فِي غَالب هَذِه الْفُنُون كَمَا
стр. 397
قَالَ البقاعي الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ واشتهر فَضله وَبعد صيته وَكتب عَنهُ في سنة ٨٥٣ قَوْله
(بشاطئ حوث من ديار بني حَرْب ... لقلبي أشجان معذبة قلبي)
(فَهَل لي إلى تِلْكَ الْمنَازل عودة ... فيفرج من غمي ويكشف من كربي)
وتستّر مُدَّة بَقَائِهِ هُنَالك فَلم ينتسب زيديا بِهِ انتسب حنفياً وَلِهَذَا تَرْجمهُ البقاعي والسخاوي فَقَالَ الحنفي ثمَّ عَاد إلى الْيمن وصنّف مصنفات مِنْهَا المعيار في المناسبات بَين الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة جعله على نمط قَوَاعِد ابْن عبد السَّلَام وَهُوَ كتاب نَفِيس مُفِيد وَمِنْهَا شرح آيَات الْأَحْكَام اخْتَصَرَهُ من الثمرات وَمِنْهَا شرح مُقَدّمَة الْبَحْر للإمام المهدي وَله مصنفات في غير ذَلِك وَمن جملَة مَا كتبه وَهُوَ بِمصْر إلى وَالِده
(فراقك غصتي ولقاك روحي ... وقربك لي شِفَاء من قروحي)
(وَمَا إن أذكر الاوطان إِلَّا ... يضيق لى من الأوطان سوحى)
(فعفوك والدى عَنى وَإِلَّا ... فنوحى ياعيون على نوحى)
وَهَؤُلَاء الْمَشَايِخ من المصريين الْمَذْكُورين فِي التَّرْجَمَة هم أكابر شُيُوخ مصر فى ذَلِك الزَّمن كَمَا يُفِيد ذَلِك من ترْجم لَهُم وَلَعَلَّ بَقَاءَهُ في مصر خمس سِنِين كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا سلف وَيُمكن أن يكون أَكثر من ذَلِك وَخرج من مصر بمغني اللبيب وَهُوَ أول من وصل بِهِ إلى الْيمن وَحكى عَنهُ أنه ألف شرح مُقَدّمَة الْبَحْر في سَفَره قَافِلًا من مصر وَتوفى سنة ٨٧٧ سبع وَسبعين وثمان مائَة وأرّخ مَوته الضّمدي في الوافي سنة
стр. 398
٨٧٤ - أَربع وَسبعين وثمان مائَة
١٨١ - عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٩٠ تسعين وَمِائَة وألف أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْمَشَايِخ واستفاد لاسيما في الْعُلُوم الآلية وَهُوَ حسن الإدراك جيد الْفَهم قوي التَّصَوُّر وَله قِرَاءَة عليّ في الْمعَانى وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير وفي صَحِيح البخاري وَمُسلم وَسنَن أَبى دَاوُد وَفِي بعض مؤلفاتي وَله في الصلاح وَالْعِبَادَة وَالْعَمَل بالأدلة مَسْلَك حسن وَله فِي حسن الْخلق والتودد وَحفظ اللِّسَان مَالا يقدر عليه إِلَّا من هُوَ مثله
١٨٢ - السَّيِّد عبد الله بن الإمام المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحمزي
كَانَ من الأذكياء النبلاء الْعلمَاء وَله مصنفات مِنْهَا الْيَاقُوت المنظم الذي شرح بِهِ قصيدة وَالِده وَهُوَ كتاب حافل نَفِيس فِيهِ فَوَائِد بديعة وَمِنْهَا كتاب رياحين الأنفاس المهتزة فِي بساتين الأكياس فِي براهين رَسُول الله ﷺ إلى كَافَّة النَّاس وَهُوَ كتاب نَفِيس اسْتَخْلَفَهُ وَالِده في مَدِينَة ذمار بعد فتحهَا ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين أهل الْمَدِينَة فأخرجوه فَدخل صنعاء فَأخذُوا عَلَيْهِ من دروعه وَآلَة ملكة شَيْئا كثيراً وَلما فتح
стр. 399
عَامر بن عبد الْوَهَّاب صنعاء سيّره مَعَه إلى تعز وَتوفى هُنَالك وَله شعر فَمِنْهُ قصيدة مطْلعهَا
(أوما النسيم يبلغن إذا سرى ... طرساً إلى صنعاء من أم الْقرى)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(حَيّ الْغَدَاة وَأقر الْحَيّ والحرما ... عَنى السَّلَام سَلاما زَاده حرما)
١٨٣ - عبد الله بن المهلا بن سعيد بن علي الشرفي اليماني الْمَعْرُوف بالمهلاّ
ولد في شهر صفر سنة ٩٥٠ خمسين وَتِسْعمِائَة بالشرف الْأَعْلَى وأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم وَالِده المهلا والفقية عِنْد الله الرَّاغِب وَالسَّيِّد هادي الوشلي والقاضي علي بن عطف الله وَالسَّيِّد أَحْمد بن الْمُنْتَصر والفقيه عبد الرَّحْمَن النزيلي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران ورحل إليه طلبة الْعلم من الْآفَاق وَمن جملَة تلامذته الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَاتفقَ أَن الباشا جَعْفَر امتحن الْعلمَاء بِحَدِيث اختلقه ونمّق ألفاظه وأملاه عَلَيْهِم فابتدر الْحَاضِرُونَ لكتابته فَلم يَتَحَرَّك صَاحب التَّرْجَمَة لشئ من ذَلِك فَسَأَلَ الباشا لم لَا يكْتب فَقَالَ يَا مَوْلَانَا قد أفدتم وَالْجَمَاعَة قد كتبُوا وَنحن حفظنا فَقَالَ هَذَا وَالله هُوَ الْعَالم ثمَّ أخْبرهُم أَن الحَدِيث هُوَ الذي وَضعه وإنما أَرَادَ امتحانهم وَتُوفِّي سنة ١٠٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَألف وَلَيْسَ هَذَا هُوَ مؤلف الْمَوَاهِب القدسية شرح البوسية فَذَاك مُتَأَخّر وَقد تقدمت تَرْجَمته واسْمه الْحُسَيْن بن نَاصِر
١٨٤ - عبد الله بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن أَحْمد ابْن عبد الله بن هِشَام
ولد فى ذى الْقعدَة سنة ٧٠٨ ثَمَان وَسَبْعمائة وَلزِمَ الشهَاب عبد اللَّطِيف
стр. 400
وَسمع من أَبى حَيَّان وَلم يلازمه وَحضر درس الشَّيْخ تَاج الدَّين التبريزي وَقَرَأَ على الفكهانى وَكَانَ شافعياً ثمَّ تحنبل وأتقن الْعَرَبيَّة ففاق الأقران وَلم يبْق لَهُ نَظِير فِيهَا وصنّف مغني اللبيب وَهُوَ كتاب لم يؤلف في بَابه مثله واشتهر فِي حَيَاته وَله تَعْلِيق على ألفية بن مَالك وعمدة الطَّالِب في تَحْقِيق تَعْرِيف ابْن الْحَاجِب مجلدان وَرفع الْخَصَاصَة عَن قراء الْخُلَاصَة ارْبَعْ مجلدات والتحصيل وَالتَّفْصِيل لكتاب التذييل والتكميل عدَّة مجلدات وَشرح الشواهد الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وقواعد الاعراب وشذور الذَّهَب وَشَرحه وقطر الندى وَشَرحه والكوكب الدرية شرح اللمحة البدرية لأبي حَيَّان وَشرح بَانَتْ سعاد وَشرح الْبردَة والتذكرة فِي خَمْسَة عشر مجلداً وَشرح التسهيل وَلم يبيضه وَكَانَ كثير الْمُخَالفَة لأبي حَيَّان شَدِيد الانحراف عَنهُ وَلَعَلَّ ذَلِك وَالله اعْلَم لكَون أَبى حَيَّان كَانَ مُنْفَردا بِهَذَا الْفَنّ في ذَلِك الْعَصْر غير مدافع عَن السَّبق فِيهِ ثمَّ كَانَ الْمُنْفَرد بعده هُوَ صَاحب التَّرْجَمَة وَكَثِيرًا مَا ينافس الرجل من كَانَ قبله في رتبته الَّتِى صَار اليها إظهاراً لفضل نَفسه بالاقتدار على مزاحمته لمن كَانَ قبله أَو بالتمكن من الْبلُوغ إلى مَا لم يبلغ اليه والا فَأَبُو حَيَّان هُوَ من التَّمَكُّن من هَذَا الْفَنّ بمَكَان وَلم يكن للمتأخرين مثله وَمثل صَاحب التَّرْجَمَة وَهَكَذَا نافس أَبُو حَيَّان الزمخشري فَأكْثر من الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ في النَّحْو وَالنّهر الماد لكَون الزمخشري مِمَّن تفرد بِهَذَا الشَّأْن وإن لم يكن عصره مُتَّصِلا بعصره وَهَذِه دقيقة ينبغي لمن أَرَادَ إخلاص الْعَمَل أَن يتَنَبَّه لَهَا فإنها كَثِيرَة الْوُقُوع بعيدَة الإخلاص وَقد تصدر صَاحب التَّرْجَمَة للتدريس وانتفع بِهِ النَّاس وَتفرد بِهَذَا الْفَنّ وأحاط بدقائقه وحقائقه
стр. 401
وَصَارَ لَهُ من الملكة فِيهِ مالم يكن لغيره واشتهر صيته في الأقطار وطارت مصنّفاته في غَالب الديار حَتَّى قَالَ ابْن خلدون مازلنا نَحن بالغرب نسْمع أَنه قد ظهر بِمصْر عَالم يُقَال لَهُ ابْن هِشَام أنحى من سِيبَوَيْهٍ وَمَات في لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس ذي الْقعدَة سنة ٧٦١ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله نظم فَمِنْهُ
(وَمن يصطبر للْعلم يظفر بنيله ... وَمن يخْطب الْحَسْنَاء يصبر على الْبَذْل)
(وَمن لم يذلّ النَّفس في طلب الْعلَا ... يَسِيرا يَعش دهراً طَويلا أخاذل)
ورثاه ابْن نباتة فَقَالَ
(سقى ابْن هِشَام في الثرى نور رَحْمَة ... تجرّ على مثواه ذيل غمام)
(سأروي لَهُ من سيرة الْمَدْح مُسْندًا ... فَمَا زلت اروي سيرة ابْن هِشَام
١٨٥ - عبد الله بن يُوسُف بن مُحَمَّد الزَّيْلَعِيّ الحنفي جمال الدَّين
اشْتغل كثيراً وأخذ عَن أَصْحَاب النحيب وَعَن القاضي عَلَاء الدَّين التركماني وَعَن جمَاعَة ولازم مطالعة كتب الحَدِيث إلى أَن خرج أَحَادِيث الْهِدَايَة وَأَحَادِيث الْكَشَّاف كَانَ يترافق هُوَ وزين الدَّين العراقي فِي مطالعة الْكتب الحديثية فالعراقي لتخريج الإحياء والزيلعي لتخريج أَحَادِيث الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَكَانَ كل مِنْهُمَا يعين الآخر وَلابْن حجر تَخْرِيج لأحاديث الْكَشَّاف فَلَعَلَّهُ استمد من تَخْرِيج صَاحب التَّرْجَمَة وَمَات بِالْقَاهِرَةِ في الْمحرم سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
١٨٦ - عبد الْملك بن حُسَيْن بن عبد الْملك العصامي الشافعي المكي صَاحب التَّارِيخ الْمَشْهُور
الْمُسَمّى سمط النُّجُوم الغوالى فى أَبنَاء الاوائل التوالى وَهُوَ مجلدان ضخمان الأول إلى أَيَّام مُعَاوِيَة والثاني إلى آخر الْقرن الثاني عشر وَبسط فِيهِ
стр. 402
تراجم بعض الْخُلَفَاء والملوك والأمراء وَاخْتصرَ تراجم آخَرين وَلم أقف لَهُ على تَرْجَمَة
١٨٧ - عبد الْملك بن جمال الدَّين بن إسماعيل العصامي
جدّ الْمَذْكُور قبله ولد سنة ٩٧٨ ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن مشايخها وبرع في الْعُلُوم وصنّف مصنفات مِنْهَا شرح الشذور وَشرح الْقطر وَشرح الشَّمَائِل وَشرح الألفية وَغير ذَلِك قَالَ حفيده الْمُتَقَدّم قبله انها بلغت مصنفاته سِتِّينَ مصنفا وَمَات سنة ١٠٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وَألف
١٨٨ - عبد الْمُؤمن بن خلف بن أَبى الْحسن بن شرف الدّمياطي شرف الدَّين
ولد في آخر سنة ٦١٣ ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَنَشَأ بدمياط وَكَانَ يعرف بِابْن الْمَاجِد وَكَانَ جميل الصُّورَة جداً حَتَّى كَانَ أهل دمياط إذا بالغوا في وصف الْعَرُوس قَالُوا كأنها ابْن الْمَاجِد وتشاغل أَولا بالفقه ثمَّ طلب الحَدِيث بعد أَن دخل الْعشْرين وجاوزها فَسمع بالإسكندرية في سنة ٦٣٢ من أَصْحَاب السلفي وبالقاهرة مِنْهُم وَغَيرهم ولازم المنذري وَحج فِي سنة ٦٤٣ فَسمع بالحرمين وَدخل الشَّام سنة ٦٤٥ ثمَّ دخل الجزيرة وَالْعراق وَكتب الْكثير وَبَالغ وَجمع مُعْجم شُيُوخه فِي أَربع مجلدات وَبلغ عَددهمْ ألف شيخ ومائتي شيخ وَخمسين شَيخا وأملى فِي حَيَاة مشايخه وَكتب عَن جمَاعَة من رفقائه قَالَ المزي مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ وَقَالَ الذهبي كَانَ مليح الْهَيْئَة حسن الْخلق بسّاماً فصيحاً لغوياً مقريا
стр. 403
جيد الْعبارَة كَبِير النَّفس صَحِيح الْكتب مُفِيدا جداً فِي المذاكرة وَقَالَ ابْن سيد النَّاس سمعته يَقُول دخلت على جمَاعَة يقرؤن الحَدِيث فَمن ذكر عبد الله بن سَلام فشددوا لامه فَقلت سَلام عَلَيْكُم سَلام عَلَيْكُم وصنّف كتاباً فِي الصَّلَاة الْوُسْطَى وَآخر في الْخَيل وقبائل الْخَزْرَج وقبائل الأوس وَالْعقد الثّمن فِيمَن اسْمه عبد الْمُؤمن والمسانية والسيرة النبويه وَغير ذَلِك وَكَانَ لَهُ نظم متوسط وروى عَنهُ جمَاعَة مَاتُوا قبله بدهر وَطَالَ عمره وَتفرد بأَشْيَاء وَحمل عَن الصّنعاني عشْرين كتاباً من تصانيف فِي اللُّغَة والْحَدِيث وأزكى في علم النّسَب على الْمُتَقَدِّمين وَوَصفه أَبُو حَيَّان بحافظ الْمشرق وَالْمغْرب قَالَ الذهبي كَانَ موسعاً عَلَيْهِ فِي الرزق وَله حُرْمَة وجلالة مَاتَ في خَامِس ذي الْقعدَة سنة ٧٠٥ خمس وَسَبْعمائة
١٨٩ - عبد الْمُؤمن بن عبد الْحق بن عبد الله بن علي بن مَسْعُود البغدادي الحنبلي أَبُو الْفَضَائِل صفي الدَّين
ولد سنة ٦٥٨ ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وتفقه على جمَاعَة وعني بِالْحَدِيثِ فَسمع من عبد الصَّمد وَآخَرين ورحل إلى دمشق فَسمع من ابْن عَسَاكِر وَخرج لنَفسِهِ عَن نَحْو ثلثمِائة شيخ وَحدث وَتخرج بالفضلاء وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ عَلامَة في الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة وَأَجَازَ لَهُ في بَغْدَاد جمَاعَة وَكَذَلِكَ من دمشق وَكَانَ زاهداً خيّراً ذَا مُرُوءَة وفتوة وتواضع ومحاسن كَثِيرَة طارحاً للتكلف على طَرِيق السلف محبّاً للخمول وَكَانَ شيخ الْعرَاق على الإطلاق وَله مصنّفات مِنْهَا شرح الْمُحَرر ومختصر فى الْفَرَائِض وادراك الْعِنَايَة فِي اخْتِصَار الْهِدَايَة وَتَحْقِيق الامل فِي الْأُصُول والجدل وتحرير الْمُقَرّر فِي تَقْرِير الْمُحَرر وَالْعدة شرح
стр. 404
الْعُمْدَة وَله نظم رائق ومحاسن وَلم يتَزَوَّج واخذ عَنهُ جمَاعَة وَمَات في صفر سنة ٧٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
١٩٠ - عبد الهادي بن أَحْمد بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن الْحسن الثلائى الْمَعْرُوف بالحسوسة
بمهملات الزيدي قَالَ القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين إنه كَانَ يحفظ مجموعات الْقَاسِم والهادى وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة ويمليها عَن ظهر قلبه بِمَا يبهر الْعُقُول مَعَ سَائِر عُلُوم أهل الْكَلَام وَكَانَ يحفظ أَحْوَال النَّاس ولقى الْفُضَلَاء وَقَرَأَ عَلَيْهِم فَمن جملَة شُيُوخه عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الحيمي شيخ الإمام الْقَاسِم وَعِيسَى زعفان وعَلى بن الْحَاج قَالَ يحمل القاضي عبد الهادي من جليل الْكَلَام ودقيقه مَالا يُشبههُ فِيهِ أحد حَتَّى قَالَ الإمام الْقَاسِم إنه يظن أَنه أوسع علماً من أَبى الْهُذيْل لانه اطلع على ماحصله أبو الْهُذيْل وَغَيره وَكَانَ مطلعاً على قَوَاعِد البهشمية لَا يشذ عَنهُ مِنْهَا شئ وَلَا يخفى عَلَيْهِ شئ من احوال أهل الْعلم الكلامي وَقد كَانَ ينَال مِنْهُ المقصرون وَيَقُولُونَ أنه يمِيل إلى مَذْهَب الْمُعْتَزلَة في أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب فتألم لما بلغه ذَلِك وأملى من فضائله مَا بهرهم مِمَّا يعرفوه وَولى الْقَضَاء بِصَنْعَاء فباشره مُبَاشرَة حَسَنَة وَله في حسن السياسة أَحَادِيث وانتقل من صنعاء الى ثلا فى أوايل مَرضه ثمَّ توفي بهَا لَيْلَة الْجُمُعَة الثاني عشر من ذي الْحجَّة سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف
١٩١ - السَّيِّد عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن بن يحيى الديلمى
الْمُتَقَدّم ذكر وَالِده في حرف الْحَاء ولد تَقْرِيبًا على رَأس سنة ١٢٠٠ مِائَتَيْنِ وَألف وَقَرَأَ على وَالِده فِي الْفِقْه والآلات وعَلى غَيره مِمَّن يجد عِنْده
стр. 405
علماً في جِهَته وهي مَدِينَة ذمار ثمَّ فهم أنواعاً من الْعُلُوم الدقيقة بذهنه الْفَائِق وفهمه الذى يقل وجود نَظِيره وَحفظه الْحسن فَصَارَ يذاكر في كل علم من الْعُلُوم ويفهمه أحسن فهم وَلما وصلت إلى ذمار مَعَ مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل عل الله فى سنة ١٢٢٥ لازمنى الْمَذْكُور لَيْلًا وَنَهَارًا لمحل الصداقة بيني وَبَين وَالِده ولكوني نزلت في بَيتهمْ فَسمع عليّ أَوَائِل كتب لَا أحصى عَددهَا وَلَا أذكر أسمائها الْآن لكثرتها واستفاد بالمذاكرة والمباحثة شَيْئا كثيراً وَصَارَ في مَدِينَة ذمار مَعَ حدث سنة مرجعا فى الْعُلُوم حَتَّى علم الطِّبّ فإن لَهُ الْيَد الطُّولى ومازال يُفِيد الطّلبَة هُنَالك مَعَ قلَّة الراغبين في عُلُوم الِاجْتِهَاد بذمار وفي سنة ١٢٢٦ في الرحلة الثَّانِيَة للْجِهَاد مَعَ مَوْلَانَا الامام المتَوَكل على الله ولامنى مُلَازمَة كَامِلَة لَيْلًا وَنَهَارًا وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد المشتغلين بالعلوم في هَذَا الْوَقْت زَاده الله علماً وتوفيقاً وَله إليّ أشعار جَيِّدَة لَعَلَّهَا مَوْجُودَة في مَجْمُوع الْأَشْعَار عِنْدِي
١٩٢ - السَّيِّد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد شَاكر بن عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن ابْن الْعَبَّاس بن جَعْفَر
الْحسنى من قبل الحسيني من قبل الْأَب الموصلي مولداً وبلداً ومنشأ ولد شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقدم علينا إلى صنعاء في سنة ١٢٣٤ وَكثر اتِّصَاله بي وَهُوَ جَامع بَين
стр. 406
علم الأديان والأبدان جيد الْفَهم فصيح اللِّسَان حسن الْعبارَة حسن الإشارة قد عرف كثيراً من الْبِلَاد كمصر وَالشَّام وَالْعراق (والحرمين وَدخل إلى الروم دفعات واتصل بعلماء الْبِلَاد وأعيانها وملوكها وَأخْبرنَا عَن هَذِه الْبِلَاد وَأَهْلهَا بأحسن الأخبار مَعَ صدق لهجة وتحر للصدق وَكتب إليّ من شعره بنظم فائق رائق
وَمن جملَة ماخبرنا بِهِ من خبر عَجِيب ونبأ غَرِيب وَهُوَ أَنه وجد في جبل قيسون من جبال الشَّام رجل من الْجِنّ يُقَال لَهُ قاضي الْجِنّ واسْمه شمهورش وَأَنه أدْرك الإمام مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري وَأخذ عَنهُ فأخبرنا صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ أخبرنَا السَّيِّد إسماعيل بن عبد الله الأيدين جكلي نِسْبَة إلى قَرْيَة بالروم قَالَ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد المنينى نزيل دمشق الشَّام قَالَ أخبرنَا عبد الْغنى بن اسماعيل النابلسى عَن القاضى شمهورش قاضى الْجِنّ بِصَحِيح البخارى عَن البخاري وَمِمَّا أخبرنَا بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة أَن اعْتِمَاد حنفية هَذَا الزَّمَان في جَمِيع ديار الروم وَالشَّام ومصر وَغَيرهَا فِي الْفِقْه على مؤلفين أَحدهمَا مؤلف الملاخسرو الرومي الْمُسَمّى الدُّرَر وَالْغرر متْنا وشرحاً والمؤلف الآخر لمُحَمد أفندي مفتي دمشق الْمُسَمّى الدر الْمُخْتَار وَاسْتشْهدَ فِي خطْبَة الْكتاب بقول الْقَائِل
(ترى الْفَتى يُنكر فضل الْفَتى ... في وقته حَتَّى إذا مَا ذهب)
(يحثه الْحِرْص على نُكْتَة ... يَكْتُبهَا عَنهُ بِمَاء الذَّهَب)
وَأخْبرنَا أَن هَذَا مُحَمَّد أفندي من أهل الْقرن الحادى عشر وَقد طلب صَاحب التَّرْجَمَة بعض مؤلفاتي فأعطيته الدُّرَر وَشَرحهَا الدراري وَقد كتب إليّ من نظمه شعراً فائقاً قد ذكرته في مجموعي فَليرْجع إليه
стр. 407
وَقد تلقيت مِنْهُ الذكر على الطَّرِيقَة النقشبندية
١٩٣ - عبد الهادي بن مُحَمَّد السودي ثمَّ الصنعاني الصُّوفِي الشَّاعِر الْمَشْهُور
ولد في نَيف وَسبعين وثمان مائَة ونشأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ بهَا الْفِقْه وَغَيره ثمَّ لحقته جذبة فَخرج هائماً من صنعاء وَسكن مَدِينَة تعز وَذكر الإمام شرف الدَّين أَنه إنما حصل لَهُ الهيام بِسَبَب أكله للقات وَله شعر حسن فَمِنْهُ
(كَيفَ حاروا فِيك وَاعجَبا ... يامنى سمعي وَيَا بصري)
(أَنْت لَا تخفى على أحد ... غير أعمى الْفِكر وَالنَّظَر)
(حيرة عَمت وأيّ فَتى ... رام عرفاناً وَلم يحر)
(وَمِنْه)
(لَا وَقد مِنْك معتدل ... عَن غرامي فِيك لم أمل)
(لَيْسَ لى عطف على اُحْدُ ... لَا وَلَا ميل إلى بدل)
(بك يَا سؤلي ظَفرت فَلم ... الْتفت للدَّار والطّلل)
(وَمِنْه)
(عاذلي في الْحبّ أَو خطره ... لست من ليلى وَلَا سمره)
(أَنا فى وَاد أَظُنك مَا ... قلت فِي الأفياء من شَجَرَة)
(لَا تطل فِيهِ الملام إلى ... أَن تذوق الحلو من ثَمَرَة)
(يَا حُلُول الشعب من اضمٍ ... انشقوني النشر من زهرَة)
وَفِي هَذَا الشّعْر من شعر أَبى نواس وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة في أَيَّام الإمام شرف الدَّين وَمَات سنة ٩٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة
стр. 408
١٩٤ - عبد الْوَاسِع بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد القرشي الأموي العلفي
ينتهي نسبه إلى عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم بن الْعَاصِ بن أُميَّة ولد سنة ١٠٢٦ سِتّ وَعشْرين وَألف أَو في الَّتِى بعْدهَا بِبِلَاد حيدان بِسَبَب أَخْوَاله بني مدحف فَخذ من حيدان ثمَّ انْتقل هُوَ ووالدته إلى هجرتهم بني علفة فى بِلَاد الكلبيين فبقى بهَا مُدَّة ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَهُوَ فِي سن الطلب فأخذ عَن جمَاعَة من شيوخها كالفقيه الْفَاضِل مُحَمَّد بن أَحْمد الحربي فِي النَّحْو وعَلى التهامى فِي الصّرْف وعَلى عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الحيمى فى انواع من الْعلم وعَلى السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى وَالسَّيِّد الْحسن بن احْمَد الْجلَال والقاضي صَلَاح الذنوبى والقاضى أَحْمد ابْن سعيد الهبل وبرع فِي عُلُوم كالنحو وَالصرْف والاصول وَالْفِقْه والفرائض وَمن جملَة مشايخه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم والقاضي الْحُسَيْن بن علي الشوكاني والقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كالسيد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكبسي وَولده احْمَد وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بن أَحْمد زبارة وعَلى بن مُحَمَّد الشطبى وَكَانَ الامام المتَوَكل على الله يَقُوله من أَرَادَ النَّحْو فليقرأ على القاضي عبد الْوَاسِع وَله تَفْسِير لطيف على سُورَة الإخلاص وَله مَجْمُوع فى خطب السّنة ومختصر سَمَّاهُ الْوَعْظ النافع فِيمَا أنشأه القاضي عبد الْوَاسِع وَلم يزل مُقيما على التدريس حَتَّى مَاتَ فِي ثاني عشر شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٠٨ ثَمَان وَمِائَة وَألف وقبره فِي الْغِرَاس بجوار الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن وَلِهَذَا القاضى ذُرِّيَّة صَالِحَة مباركة فيهم رُؤَسَاء وفضلاء وكملاء فَمنهمْ في تَارِيخ تَحْرِير هَذِه الأحرف مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد بن عبد الْوَاسِع اُحْدُ رُؤَسَاء الدولة وأعيانها وَهُوَ
стр. 409
كثير الْخَيْر كثير الْعدْل قوي الْعقل مَحْمُود السِّيرَة طيب السريرة وَمِنْهُم أَخُوهُ الْحسن بن علي وَهُوَ تلو أَخِيه مُحَمَّد في محاسنه مَعَ صدق لهجة وَحسن خلق وشهامة نفس وَكَمَال مُرُوءَة وَمِنْهُم يحيى بن مُحَمَّد بن على وَهُوَ الْآن فِي عنفوان الشَّبَاب وَله أشعار فائقة تشْتَمل على معَان رائقة
١٩٥ - عبد الْوَهَّاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تَمام السبكي تَاج الدَّين
ولد سنة ٧٢٧ سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كَابْن سيد النَّاس وطبقته ثمَّ قدم دمشق سنة ٧٣٩ فَسمع بهَا من زَيْنَب بنت الْكَمَال والمزي والذهبي ومعن في طلب الحَدِيث وَكتب الْأَجْزَاء والطباق حَتَّى مهر وَهُوَ شَاب مَعَ ملازمته الِاشْتِغَال بالفقه وَالْأُصُول والعربية وصنف تصانيف مِنْهَا شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح منهاج البيضاوى وَعمل الفوايد الْمُشْتَملَة على الْأَشْبَاه والنظاير والطبقات الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى وَالصُّغْرَى ورزق السَّعَادَة فِي تصانيفه فانتشرت فِي حيوته وَكَانَ ذَا بلاغة وطلاقة جيد البديهة طلق اللِّسَان حسن النظم والنثر ودرس في غَالب مدارس دمشق وناب عَن أَبِيه فِي الحكم ثمَّ أشتغل بِهِ بِاخْتِيَار أَبِيه وَولى خطابة الْجَامِع وانتهت إليه رياسة الْقَضَاء والمناصب بِالشَّام وَحصل لَهُ بِسَبَب الْقَضَاء محنة بعد محنة وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي غَايَة الثَّبَات وعزل مَرَّات وكشفوا عَلَيْهِ فِي بَعْضهَا وَحكم بعض الْقُضَاة بحبسه واجتهدوا فِي طلب غَيره من عثراته فَلم يَجدوا قَالَ ابْن كثير جرى عَلَيْهِ من المحن والشدايد مالم يجر على قَاض قبله وَحصل لَهُ من المناصب والرياسة مالم يحصل لأحد قبله وانتهت اليه الرياسة بِالشَّام وَأَبَان فِي أَيَّام محنته عَن شجاعة وَقُوَّة
стр. 410
مناظرة حَتَّى أفحم خصومه مَعَ كثرتهم وَلما عَاد على وظايفه صفح عَن القايمين عَلَيْهِ وَكَانَ كَرِيمًا مهابا وَمَات فِي سَابِع ذي الْحجَّة سنة ٧٧١ إحدى وَسبعين وَسَبْعمائة
١٩٦ - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله السَّيِّد نور الدَّين أَبُو حَامِد
الحسيني الأيجي الشافعي ولد يَوْم السبت خَامِس وَعشْرين ذي الْقعدَة سنة ٨٤٢ اثْنَتَيْنِ واربعين وثمان مائَة بشيراز وتحول إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ على جمَاعَة كالمحب الطبري وأبي الْفَتْح المراغي وَحفظ الْقُرْآن وَبَعض الْحَاوِي وَفِي الصّرْف النخبة لجده وفي النَّحْو الكافية وشيئاً من الطوالع وَغير ذَلِك وَأخذ عَن الصفي جده لأمه فِي عُلُوم عدَّة وعَلى النورأبى الْفتُوح وَأَجَازَ لَهُ كثير من أَمْصَار مُخْتَلفَة وَقدم الْقَاهِرَة وَدخل الشَّام وزار الْقُدس والخليل وَأخذ فى هَذِه الْأَمْكِنَة عَن جمَاعَة كالبقاعى والسخاوي وتصدر فِي أيج للإفتاء والإقراء والتحديث وَكتب على الْمِنْهَاج والتيسير للبارزي وعَلى القونوي وَجمع كتاباً طَويلا سَمَّاهُ مجمع الْبحار جعله أَولا مُخْتَصرا للروضة ثمَّ بسط الْكَلَام وَاسْتوْفى كَلَام الشَّافِعِيَّة مَعَ ذكر الْأَدِلَّة والعلل تَرْجَمَة السخاوي وَذكر أَنه فَارقه فِي سنة ارْبَعْ وَتِسْعين يعْنى وثمان مائَة فَلَعَلَّهُ عَاشَ إِلَى الْقرن التَّاسِع وَالله أعلم
١٧٩ - السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد الهاشمي الحسيني الملقّب العبري
بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة ذكره الذهبي فِي المشتبه فَقَالَ عَالم كَبِير فِي وقتنا وتصانيفه سايرة وَقَالَ الأسنوى فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة كَانَ أَولا حنفياً ثمَّ صَار شافعياً وَكَانَ يقرئ المذهبين وَوَصفه بعض أهل
стр. 411
بِلَاده فَقَالَ كَانَ قاضي الْقُضَاة عضد السلاطين مَشْهُورا في الْآفَاق مشاراً إليه فِي جَمِيع الْفُنُون ملاذاً للضعفاء كثير التَّوَاضُع والإنصاف وَمَال فى آخر عمره إِلَى الِاشْتِغَال بالعلوم الدِّينِيَّة وَله من المصنفات عدَّة مِنْهَا شُرُوح مصنّفات القاضي البيضاوي الْمِنْهَاج والمطالع والغاية والمصباح وَشرح المصابيح وَسكن سلطانية ثمَّ تبريز وَولى قضاءها وَعبارَته فصيحة قريبَة من الأفهام وَكَانَت وَفَاته بتبريز في شهر رَجَب سنة ٧٤٢ اثْنَتَيْنِ وأربعين وَسَبْعمائة في الْعَام الذي حصل فِيهِ الغلاء المفرط بخراسان وَالْعراق وَفَارِس وأذربيجان ودياربكر حَتَّى جَاوز الْوَصْف وَأكل الْأَب ابْنه وَالِابْن أَبَاهُ وبيعت لُحُوم الْآدَمِيّين فِي الْأَسْوَاق جَهرا ودام ذَلِك سِتَّة أشهر كَذَا في الدُّرَر لِابْنِ حجر حاكياعن بعض فضلاء الْعَجم
١٩٨ - عُثْمَان بن عليّ بن عمر بن إسماعيل بن إبراهيم بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن علي بن عبد الله الطائيّ الحلبى
فَخر الدَّين ابْن خطيب حبرين الشافعي ولد في ربيع الأول سنة ٦٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَمهر في الْفُنُون حَتَّى كَانَ يدرس كل من قَصده في أي كتاب أَرَادَ من أي علم أحضرهُ وَلم ير النَّاس لَهُ فى ذَلِك نظيرا إِلَّا مَا حكى عَن ابْن يُونُس فَكَانَ يقرئ في الحاوي وَغَيره من الْفُرُوع وفي الْمَحْصُول وَغَيره من أصُول الْفِقْه وفي الشاطبية وَغَيرهَا من الْقرَاءَات وفى الفرايض وأنواع الْحساب وفي الْعَرَبيَّة والتصريف وَالْحكمَة والطب وَغير ذَلِك وناب الحكم وَكَانَ فِي خلال الدَّرْس وخلال الحكم يلازم السبحة وَمن تصانيفه شرح التفجير وَشرح الشَّامِل الصَّغِير وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح الحاوي وَشرح مُخْتَصر مُسلم للمنذري ثمَّ طلب إِلَى الْقَاهِرَة
стр. 412
فَمثل بَين يدي السُّلْطَان فبدر من السُّلْطَان كَلَام في حَقه أغْلظ لَهُ فِيهِ فَرجع مَرْعُوبًا فَمَرض وَكَانَ مَعَه وَلَده فَمَرض كَذَلِك وَمَاتَا جَمِيعًا بعد جُمُعَة فِي الْمحرم سنة ٧٣٨ ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن حبيب فَقَالَ حَاكم قدره كَبِير وعالم لَيْسَ لَهُ نَظِير قدوة فى معرفَة الْأُصُول وَالْفُرُوع مشار اليه بالتقدم في المحافل والجموع ثمَّ ذكر أَنه بَاشر توقيع الحكم وَنظر الأوقاف ووكالة بَيت المَال ثمَّ اشْتغل بِالْقضَاءِ بحلب مُدَّة
١٩٩ - عُثْمَان بن قطلو بك التركمان أَمِير التركمان بديار بكر وَصَاحب آمدو ماردين
وَغَيرهَا كَانَ أَبوهُ من جملَة الْأُمَرَاء بالدولة الأرتقية ثمَّ انْتَمَى ابْنه هَذَا إِلَى تيمورلنك وَصَارَ من أعوانه وَدخل مَعَه الْبِلَاد الشامية لما طرقها ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده فاستولى على مَا تقدم ذكره في أَيَّام النَّاصِر فرج بن برقوق صَاحب مصر وَالشَّام وولاه الرها وضخم أمره وَمَا زَالَ فِي علو إِلَى أَن تجرّد الْمُؤَيد شيخ الْبِلَاد الشرقية وَعَاد إِلَى نَحْو بَغْدَاد فَأرْسل قصاده إِلَى الْمُؤَيد يعْتَذر عَن نَفسه في ذَنْب مِنْهُ سَابق وَيَقُول إن لم يعف عَنى السُّلْطَان لَا أجد لي بداً من مُوَافقَة خصومه فَأَجَابَهُ وَكَانَ من الرِّجَال قُوَّة وشجاعة وإقداماً قتل ملوكاً وَلما سلطن الْأَشْرَف برسباي الْمُتَقَدّم ذكره وطالت أَيَّامه تغيّر مَا بَينهمَا فَجهز لقتاله عسكراً غير مرة وَأخذ مِنْهُ الرها وَقبض على ابْنه هابيل وَحبس بقلعة الْجَبَل حَتَّى مَاتَ ثمَّ تجرّد الْأَشْرَف بِنَفسِهِ إليه فِي سنة ٨٣٦ وَوصل إِلَى آمد وَنزل عَلَيْهَا وحاصرها زِيَادَة على شهر ثمَّ رَحل عَنْهَا بعد وُقُوع الصُّلْح بَينهمَا وَأرْسل لَهُ بخلعة وسرج فرس ذهب وَاسْتمرّ على حَاله إِلَى سنة ٨٣٩ فَسَار إِلَى إسكندر
стр. 413
من تبريز وَبلغ على صَاحب التَّرْجَمَة فَجهز علي بك ابْنه فِي فرقة من الْعَسْكَر وَهُوَ على أَثَرهم فَالتقى الْفَرِيقَانِ فاستظهر عَسْكَر هَذَا فَثَبت اسكندر بِمن مَعَه ثمَّ حملُوا حَملَة رجل وَاحِد على عَسْكَر هَذَا فكسروه وَسَار اسكندر خَلفهم فتبعوا صَاحب التَّرْجَمَة فَرمى بِنَفسِهِ إِلَى خَنْدَق القلعة ليفوز بمهجته وَعَلِيهِ آلَة الْحَرْب فَوَقع على حجر فشدخ دماغه ثمَّ حمل وعلق إِلَى القلعة بحبال فدام بهَا أَيَّامًا قلايل ثمَّ مَاتَ وَذَلِكَ في الْعشْر الأول من صفر سنة ٨٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَقد بلغ التسعين أَو زَاد عَلَيْهَا ودام سُلْطَانه زِيَادَة على خمسين سنة
٢٠٠ - عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن أَبى بكر بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أَبى حَفْص عمر الملقب المتَوَكل على الله الهنتاتي
بِفَتْح الْهَاء ثمَّ نون بعْدهَا مثناة ثمَّ مثلهَا بعد ألف قَبيلَة من البربر وجده أَبُو حفض عمر هُوَ أحد الْعشْرَة من أَصْحَاب مُحَمَّد بن تومرث الْمَعْرُوف بالمهدي ولد تَقْرِيبًا بعد الْعشْرين وثمان مائَة بتونس وَبهَا نَشأ فِي كنف أبيه وجده وَقَرَأَ الْقُرْآن وشيئاً من الْعلم وَصَارَ إليه الْملك وَهُوَ ابْن ثَمَان عشرَة سنة فَخَالف عَلَيْهِ عَمه أَبُو الْحسن فظفر بِهِ وتمهدت لَهُ الْأُمُور وطالت أَيَّامه فإنه ولي ملك تونس وَهُوَ في تِلْكَ السن في سنة ٨٣٩ ودام فِي الْملك أَرْبعا وَخمسين سنة وَنصف سنة ودانت لَهُ الْبِلَاد والرعية وَاجْتمعَ لَهُ من الْأَمْوَال وَغَيرهَا مَا يفوق الْوَصْف وَأَنْشَأَ الأبنية الهايلة والخزانة الشرقية بِجَامِع الزَّيْتُون وَجعل بهَا كتباً نفيسة للطلبة وَبعد صيته وطارت شهرته وهادن مُلُوك تِلْكَ الأقطار وَكَذَا مُلُوك
стр. 414
الافرنج وخطب لَهُ بالجزاير وتلمسان وجائته بيعَة صَاحب فاس وأثنى عَلَيْهِ غير وَاحِد مِمَّن لقِيه وَلم يزل بحالته حَتَّى مَاتَ فِي صَبِيحَة يَوْم السبت تَاسِع وَعشْرين شهر رَمَضَان سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة
٢٠١ - الإمام الْهَادِي عز الدَّين بن الْحسن بن الْمُؤَيد
ولد بأعلا فَللَّه بِفَتْح الْفَاء واللامين بعْدهَا بِعشر بَقينَ من شَوَّال سنة ٨٤٥ خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَقَرَأَ فِي وَطنه ثمَّ رَحل إِلَى صعدة فَقَرَأَ على على بن مُوسَى الدوارى فنونا من الْعلم وَقَرَأَ أَيْضا على غَيره ثمَّ رَحل إِلَى تهَامَة فَسمع الحَدِيث على شَيْخه يحيى بن أَبى بكر العامري الْمَشْهُور مؤلف الْبَهْجَة وَغَيرهَا سمع مِنْهُ سنَن أَبى دَاوُد وَأَجَازَهُ في ساير كتب الحَدِيث وبرع فى جَمِيع الْعُلُوم وصنف وَهُوَ دون الْعشْرين فَمن مصنفاته شرح منهاج القرش في مجلدين ضخمين وَشرح الْبَحْر للامام الْمهْدي بلغ فِيهِ إِلَى كتاب الْحَج وَهُوَ شرح مُفِيد سلك فِيهِ طَريقَة الإنصاف وَهُوَ يدل على تبحّره فِي عدَّة عُلُوم وَله فتاوى مَجْمُوعَة فِي مُجَلد ضخم مفيدة وَمن جملَة شُيُوخه الإمام مُحَمَّد بن علي الوشلي فإنه لَازمه في الْحَضَر وَالسّفر ثمَّ لما كمل فِي جَمِيع الْعُلُوم دَعَا النَّاس إِلَى مبايعته فَبَايعُوهُ فى تَاسِع شَوَّال سنة ٨٧٩ تسع وَسبعين وثمان مائَة وَكَانَت الدعْوَة بوطنه هِجْرَة فَللَّه وَدخل تَحت طَاعَته بِلَاد السودة وكحلان والشرفين والبلاد الشامية وعلماء ساير محلات الزيدية قد بَايعُوهُ وإن لم يجبهُ جَمِيع أَهلهَا وَهُوَ من أكَابِر أَئِمَّة الْآل في الْعلم وَالْعَمَل وَالْكَرم وساير الْخِصَال الشَّرِيفَة وَله شغف بِالْعلمِ عَظِيم ولديه من التَّسْلِيم للحق وَاتِّبَاع الدَّلِيل مالم يكن لغيره حَتَّى رَأَيْته قد حرر بحثاً فى مسئلة انحصار الامامة فى بعض بطُون قُرَيْش
стр. 415
وَتكلم بِالصَّوَابِ مَعَ كَونه إِذْ ذَاك إِمَامًا واستمرت إمامته إِلَى أَن مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة ٩٠٠ تِسْعمائَة وَمُدَّة خِلَافَته إحدى وَعِشْرُونَ سنة
٢٠٢ - السَّيِّد علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن احْمَد بن عَامر الشَّهِيد
الْمُتَقَدّم ذكره ولد بشهارة سنة ١١٤٣ ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَقيل سنة ١١٣٩ وَقَرَأَ بهَا على أهل الْعلم هُنَالك ثمَّ ارتحل إلى كوكبان وَقَرَأَ على من بِهِ من الْعلمَاء كالسيّد عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ثمَّ ارتحل إلى صنعاء وَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة احْمَد بن مُحَمَّد بن اسحق وَغَيره كالقاضي احْمَد بن صَالح بن أبي الرِّجَال وَاسْتقر بهَا وَتزَوج وَكَانَ إِمَامًا في جَمِيع الْعُلُوم محققاً لكل فن ذَا سكينَة ووقار قلّ أَن يُوجد لَهُ نَظِير فِي ذَلِك كَانَ إذا اجْتمع بِأَهْل الْعلم وَجَرت المباحثة فِي فن من فنون الْعلم لَا يتَكَلَّم قط بل ينظر إليهم ساكتاً فيرجعون إليه بعد ذَلِك فيتكلم بِكَلَام يقبله الْجَمِيع ويقنع بِهِ كل سامع وَكَانَ هَذَا دأبه على مُرُور الْأَيَّام لَا يَعْتَرِيه الطيش والخفة في شئ كَائِنا مَا كَانَ وَلَا يُوجد لَهُ عَدو قطّ لحفظ لِسَانه والتفاته الى مَا يعنيه وَعدم اشْتِغَاله بِمَا لَا يعنيه مَعَ كَونه غير مُتَعَلق بالمناصب الدُّنْيَوِيَّة الَّتِى هي منشأ الْعَدَاوَة إما لحسد أَو لغيرة فَلهَذَا كَانَ الثَّنَاء عَلَيْهِ كلمة إجماع وَالِاعْتِرَاف بفضله لَيْسَ فِيهِ نزاع وَكَانَ يسْلك هَذَا المسلك مَعَ أَهله وَأَوْلَاده فإنهم إذا وَقع لَهُم السَّهْو عَن شئ مِمَّا يحْتَاج إليه من طَعَام أَو شراب أَو نَحْوهمَا لم يَقع مِنْهُ الطلب لذَلِك مِنْهُم فضلاً عَن أَن يتجرد عَلَيْهِم ويلومهم وَلَقَد أخبرني أَنه خرج يَوْمًا مَعَ جَنَازَة وَقت الْغَدَاء وَمَا رَجَعَ إِلَّا قبل الظّهْر فَظن أَهله أَنه قد تغدى لِأَنَّهُ كَانَ كثير الضيافات عِنْد معارفه
стр. 416
فوصل الى مَكَانَهُ وَاسْتمرّ جَالِسا الى وَقت الْعشَاء لم يطْلب مِنْهُم شَيْئا وَمثل هَذَا عَجِيب وأخبرني أَنه دخل لَيْلَة منزله ووقف فِي الْمَكَان الذى يأوى اليه وَلم يشْعر أَهله بذلك فبقى إِلَى مِقْدَار نصف اللَّيْل في ظلمَة بِلَا مِصْبَاح وَلَا قهوة وَلَا غير ذَلِك مِمَّا يحْتَاج اليه في السمر مَعَ أَنه كَانَ محباً للسمر وإذا كَانَت هَذِه مُعَامَلَته لأَهله فَمَا ظَنك بمعاملته لغَيرهم وَلَا أعلم أَنه غضب قط أَو خَاصم فى شئ مُنْذُ عَرفته الى أَن مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ نَظِير في حفظ الْأَشْعَار لأهل الْجَاهِلِيَّة والإسلام وَحفظ الْأَخْبَار الَّتِى لَا يدرى بشئ مِنْهَا غَالب أهل الْعَصْر وَمَعَ هَذَا فإنه يحضر مَوَاقِف الِاجْتِمَاع فيتحدث متحدث بِخَبَر من الأخبار فيزيد وَينْقص ويغلط ويصحف ويحرف وَهُوَ مصغ اليه مقبل عَلَيْهِ كَأَن لَا يعرف من ذَلِك شَيْئا فإذا فرغ ذَلِك المتحدث من حَدِيثه استحسنه صَاحب التَّرْجَمَة وَسكت وَلَا يسْتَدرك عَلَيْهِ فى شئ مَعَ أَنه يعلم بتفصيل ذَلِك الْخَبَر وَصَحِيحه وفاسده اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يسْأَله سَائل عَن تِلْكَ الْحِكَايَة أَو يسترشد مِنْهُ الحاكي فإنه حِينَئِذٍ يُمْلِيهَا بِعِبَارَة عذبة ويصوغها بِأَلْفَاظ فصيحة واذا كَانَت مُشْتَمِلَة على شئ من الشّعْر ذكره لَا يُغَادر مِنْهُ شَيْئا حَتَّى يخجل حاكي تِلْكَ الْقَضِيَّة ويندم على اقدامه وَهَكَذَا اذا روى اُحْدُ من هُوَ بِحَضْرَتِهِ شَيْئا من الشّعْر أصغى اليه وَقد لَا يدري ذَلِك الرَّاوِي لمن الشّعْر وَقد يصحّف في بعضه وَقد لَا يحفظ إِلَّا شَيْئا يَسِيرا من القصيدة وَصَاحب التَّرْجَمَة سَاكِت لَا يتَكَلَّم فإذا سَأَلَهُ سَائل عَن ذَلِك روى تِلْكَ القصيدة من أَولهَا إلى آخرهَا وَذكر السَّبَب الذي قيلت لأَجله وَترْجم لقائلها تَرْجَمَة لَا يدع من أَحْوَاله شَيْئا وَقل أَن يجرى بِحَضْرَتِهِ شئ لَا يعرفهُ وَهُوَ قَلِيل التَّكَلُّف مائل إلى الخمول لَيْسَ لَهُ
стр. 417
رَغْبَة فِي الظُّهُور وَلَا يتَكَلَّم في مَسْأَلَة إِلَّا وَهُوَ على قدم راسخة والارجع الى الْبَحْث بل كثيرا مَا يرجع الى الْبَحْث وان كَانَ يعلم بالمسئلة فإني سَمِعت مِنْهُ صَحِيح البخاري من أوله الى آخِره بِلَا فَوت فَكَانَت تعرض مباحثات حَال الْقِرَاءَة فَيسمع السُّؤَال ثمَّ يصمت وَيَأْخُذ الشُّرُوح فَينْظر فِيهَا فإن وجد مَا يُفِيد أملاه وَإِن لم يجد تكلم من عِنْد نَفسه بِكَلَام في غَايَة الْحسن والافادة وَمِمَّا كتبته اليه فى أَيَّام قرائتى عَلَيْهِ هَذَانِ البيتان وَفِيهِمَا طرد عَجِيب
(إمام البهاليل الأولى سبقوا إلى ... سَمَاء المعالي آمراً بعد آمُر)
(علي بن إبراهيم بن علي ب ... ن إبراهيم بن أَحْمد بن عَامر)
وَقد أَخذ عَنهُ الطّلبَة في فنون مُتعَدِّدَة وَكَانُوا يقصدونه في الْغَالِب إلى بَيته وَكَانَ للعصر بِهِ جمال وللعلم وَأَهله بِهِ أنس وَله في الشّعْر يَد طولى وقصائده الطنانة مَوْجُودَة بأيدي النَّاس فَمن شَعْرَة في وصف البنادق من جملَة قصيدة
(فواغر أَفْوَاه الثعابين كلما ... نفخن قتاما تستطار مشاعل)
(حكى شكلها الْحَيَّات لَكِن صفيرها ... زئير وفي الأحشاء مِنْهَا الغوائل)
(كراسيها أذنابها وعيونها ... وَرَاء وَلَا يخفى عَلَيْهَا الْمقَاتل)
ولولم يكن لَهُ إلا هَذِه الأبيات لكفته فإنها غَايَة لَا تدْرك وهي تدل على مَا أولاها من أدبه الغض وَمن قصائده الطنانة هَذِه القصيدة
(خلس اللحظ تذيب المهجا ... فبها الدمع يرى ممنزجا)
(اتسم لحظك في مرعى الْهوى ... فيلاقي الْقلب مِنْهُ حرجا)
(راشقات وَتسَمى نظراً ... بِنِبَالٍ وَتسَمى دعجا)
стр. 418
(لم تُؤثر فيّ سوى أَفْئِدَة ... وهي فِيهِنَّ تبين الشخجا)
(كَانَ عهدي قبلهَا أَن النهى ... للتصابى مَانع أَن يلجا)
(يَا خليلى أَرَاهَا مِنْكُمَا ... ظلة بالسفح ان لم تعجا)
(وإذا ظللتماه فانشقا ... من شميم الدَّار عرفا ارجا)
(انما عتد من عمري بِمَا ... كنت فِيهِ بالصبا مبتهجا)
(يمْلَأ التهويم عينيّ وَلم ... يَك قلبي بالهوى منزعجا)
(كم سرقنا باللوى في غَفلَة ... من عوادى الدَّهْر غيثا سجسجا)
(ترقص الاغصان فِيهِ طَربا ... وَعَلِيهِ الطير تشدو هزجا)
(ودجى قد ألف الشمل إلى ... أَن فرى الصُّبْح لأفق ودجا)
(وليالي بالتداني لُؤْلُؤ ... قد أُعِيدَت بالتنائي سبجا)
(اذ يلف الْحبّ مشتاقى هوى ... وعفاف بالغرام امتزجا)
(لم يشقني ظلّ أفنان الْحمى ... انما اشتاق بَدْرًا غنجا)
(حركات الْحسن في أعطافه ... يستميل اللب عَن أهل الحجا)
(آه من عين بِهِ دامية ... وهي في الدمع تخوض اللججا)
(كلما لَام عَلَيْهِ عاذل ... وجد المسمع بَابا مرتجا)
(لَا سمت بي عقوة من هَاشم ... وبخال بالمعالى وشجا)
(ان أخافتني القنا من دونه ... بعواليها حُسَيْنًا سرجا)
(لأقيمن على رغم النَّوَى ... منسم الْحبّ واعلو الثبجا)
(أَتَرَى آساده فِي وَهن ... من سهاد ظلّ فِيهِ مدلجا)
(آه من عسجد شعر صغته ... وَأرَاهُ فِي الْهوى قد سمجا)
стр. 419
(لَو رأى قَيْصر مِنْهُ مَا رَأَوْا ... صاغ مِنْهُ لملوك دملجا)
وَلم يشْتَغل رَحْمَة الله بالتأليف مَعَ أَنه أهل لَهُ وَلَو وَجه نَفسه اليه لجاء بِمَا بعجز عَنهُ غَيره وَلَعَلَّ السَّبَب فِي ذَلِك محبته للخمول حَيا وَمَيتًا وَكتب من نفايس الْكتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيراً وَكنت اعْجَبْ من سرعَة مَا يتَحَصَّل لَهُ من ذَلِك مَعَ شغلته بالتدريس فَسَأَلته بعض الْأَيَّام عَن هَذَا فَقَالَ إنه لَا يتْرك النسخ يَوْمًا وَاحِدًا وإذا عرض مَا يمْنَع فعل من النسخ شَيْئا يَسِيرا وَلَو سطراً أَو سطرين فلزمت قَاعِدَته هَذِه فَرَأَيْت في ذَلِك مَنْفَعَة عَظِيمَة وَكَانَ لَهُ ﵀ ميل إلى السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن اسحق وَخرج مَعَه من صنعاء إلى وصاب أَيَّام وُقُوع الْحَرْب بَينه وَبَين الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وانتفع بِصُحْبَتِهِ وَكَانَ يُعينهُ على أمور دُنْيَاهُ وَكَانَ لَهُ لطايف وظرائف وكلمات مستحسنة مِنْهَا أنه كَانَ بعض أَبنَاء الأكابر يتَّصل بِهِ وَيقْرَأ عَلَيْهِ ويديم الْجُلُوس مَعَه وَهُوَ فائق الْجمال بديع الْأَوْصَاف فَتزَوج وَانْقطع عَنهُ فَقيل لَهُ فى ذَلِك فَقَالَ انْصَرف ندمان لوُجُود ندماته فتمت لَهُ الإشارة إلى الْوَاقِع مَعَ مُرَاعَاة التَّوْجِيه بالقاعدة النحوية على أحسن أسلوب وَلم يزل ﵀ مستمراً على حَاله الْجَمِيل حَتَّى توفاه الله في الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة ١٢٠٧ سبع وَمِائَتَيْنِ وَألف ورثيته بقصيدة مطْلعهَا
(هَب أَن بدر الْأُفق يَوْمًا يأفل ... أوأنه يهوى السماك الأعزل)
٢٠٣ - السَّيِّد علي بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن صَلَاح الْأَمِير
حفيد السَّيِّد مُحَمَّد صَاحب التصانيف الآتي إنشاء الله ولد شهر الْقعدَة سنة ١١٧١ إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة والْحَدِيث
стр. 420
واستفاد في أسْرع مُدَّة مَعَ أَنه لم يشْتَغل كثيراً وَلكنه مفرط الذكاء سريع الْفَهم قوي الإدراك جيد الفطنة يتوقد ذكاء فصيح الْعبارَة فايق النظم والنثر وَله مصنفات مِنْهَا السِّرّ المصون في نكتة الإظهار والإضمار في أَكثر النَّاس وَأَكْثَرهم لَا يعلمُونَ ورسالة فِي تَحْرِيم تحلية السِّلَاح بِالذَّهَب وتأنيس أَرْبَاب الصَّفَا في مولد الْمُصْطَفى وَكتاب النفحات الربانية واللمحات الرحمانية فى احراز ذخاير الصلات بابراز ضماير الصَّلَوَات وَالْفَتْح الالاهى بتبيه اللاهي وَكلهَا حَسَنَة وَحج مَرَّات وَتردد مَا بَين صنعاء وَمَكَّة وَمَال إِلَى الْأَدَب ونظم القصايد الطنانة والمقاطيع الْحَسَنَة وَأكْثر من ذَلِك واشتهرت أشعاره وطارت فِي الأقطار اليمنية واشتغل بهَا النَّاس وكتبوها وحفظوها وَكَانَ يكثر من مطارحة الأدباء ومجالستهم ومجاذبتهم للطايف وفنونن الْأَدَب ثمَّ انجمع وَترك الشّعْر والتفت إلى الْعِبَادَة والأذكار والوعظ وَتَعْلِيم الْعَامَّة أُمُور الدَّين فعقد مجَالِس بِجَامِع صنعاء وَبِغَيْرِهِ من مساجدها وبجامع الرَّوْضَة وَكَانَ يجْتَمع عَلَيْهِ جمع جم وَرغب النَّاس إليه وَأَقْبلُوا على وعظه وَكَانَ ينحدر عِنْد مَا يتَكَلَّم عَن النَّاس من أول الْمجْلس إلى آخره لَا يتلعثم في عبارَة وَلَا يتَرَدَّد فِي لفظ كَأَنَّهُ يملي من كتاب ويستطرد الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة ويسرد من ذَلِك شَيْئا كثيراً بِعِبَارَة حَسَنَة ومسالك مستحسنة وَجمع مجاميع حَسَنَة مِنْهَا رِسَالَة فِي تَفْسِير أَلْفَاظ الْأَذَان وَأُخْرَى في تَحْرِيم التحلي بِالذَّهَب وَله من ذَلِك أَشْيَاء نفيسة وَله فصاحة وبراعة وَقُوَّة نفس وعفة وإنكار للْمُنكر بِمَا يستطيعه وتبلغ إليه قدرته وَكَثِيرًا مَا يصل إليّ إِذا حدث شئ من ذَلِك وَلَا يزَال حَتَّى أساعده على الْقيام في دفع ذَلِك
стр. 421
الْحَادِث وأحواله كلهَا حَسَنَة وَله في الذب عَن الْغَيْبَة والنميمة غَايَة كَامِلَة لَا يدع أحدا يذكر بِسوء في مَجْلِسه وَله أذكار وصبر على تَعْلِيم الْعَامَّة مَا يهمم من امْر دينهم وَهُوَ الان مُسْتَمر على هَذِه الْأَحْوَال الجميلة وَلِلنَّاسِ بِهِ انْتِفَاع كثير وَمَعَ هَذَا فَلم يسلم من المنافسة لَهُ وَالْمُبَالغَة في الْحَط عَلَيْهِ والتظهر بثلبه وَهُوَ صابر محتسب وَقد كتب الى أبياتا بعد تَركه لنظم الشّعْر وهي
(طبل شيطاني ومزمار الْهوى ... ضربا وَالنَّفس باتت ترقص)
(ورياض الْقلب قد أهملها ... عدم التَّقْوَى فباتت تنقص)
(أعرب اللَّفْظ بقرآني وَكم ... ألحن الْمَعْنى فَهَل لي مخلص)
(يالقومى لم أجد محتسباً ... فَاضلا عَن منكراتي يفحص)
(فَعَسَى ربى بجاه الْمُصْطَفى ... يذهب الدافتزول الْغصَص)
فأجبته عَنهُ بقولي
(قد شققت الطبل والمزمارما ... مثلك الْيَوْم لزمر يرقص)
(وكذاك النَّفس قد ألجمتها ... بلجام الزّهْد وَهُوَ المخلص)
(أنت لَا تفحص عَن عيب امرء ... تبّ من ظل لعيب يفحص)
(فرض النَّفس إِذا زَاد الْهوى ... فَهُوَ إِن مَا رضتها ينتقص)
(يالحا الله أناساً كلما ... لَاحَ للأطماع برق بصبصوا)
(وإذا نَالَ الْفَتى مكرمَة ... كَانَ من ذَاك لديهم غصص)
وَهُوَ الْآن مَا بَين الأربعين وَالْخمسين من عمره دَامَت فوايده ثمَّ مَاتَ ﵀ فى شهر ذي الْحجَّة سنة ١٢١٩ تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ووالد المترجم لَهُ هُوَ من أَعْيَان الْعلمَاء وأكابر الْفُضَلَاء جَامع بَين الشَّرِيعَة
стр. 422
والطريقة عَارِف بفنون من الْعلم لَا سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله في التصوف والتسليك يَد طولى قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره وأقرأ فى جَامع صنعاء في صَحِيح البخاري وَغَيره وَله فِي الْوَعْظ يَد طولى وَقد قعد لذَلِك في مَوَاطِن فَانْتَفع بِهِ النَّاس ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة واستوطنها بِسَبَب أُمُور جرت لَهُ مُشْتَمِلَة على امتحانات وَهُوَ الْآن مُقيم هُنَالك وَقد رعب عَن الرُّجُوع إِلَى الْيمن وَهُوَ وافر الجاه عِنْد أَهلهَا عَظِيم الْحُرْمَة رفيع الدرجَة وَصَارَ هُنَالك مأوى لمن دخل مَكَّة لِلْحَجِّ من أَعْيَان أهل الْيمن وَقد كتب إِلَى كتاباً يتَضَمَّن المعاهدة وَلم يكن قد عرفني قبل ارتحاله إِلَى هُنَالك لأني كنت إِذْ ذَاك في أَيَّام الصغر وَأَنا رَأَيْته مرة وَاحِدَة يصلي بِالنَّاسِ في بعض الْمَسَاجِد بِصَنْعَاء فَسمِعت قِرَاءَة فايقة بِصَوْت مطرب مَعَ هَيْئَة جميلَة وَشَيْبَة منورة وَله مصنفات فى الْوَعْظ والرقايق والتصوف وَهُوَ مشحونة بالفصاحة والبلاغة وَهُوَ كَانَ يسْتَحق إفراده بترجمة وَلَكِن اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَمَات ثاني عشر شَوَّال سنة ١٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ومولده سنة ١١٤١ إحدى وَأَرْبَعين وَمِائَة وألف وَمن مصنفاته الْفلك المشحون شرح أسماء من يَقُول للشئ كن فَيكون وَشرح للأربعين الجوهرية وَله تَفْسِير غَرِيب الأسلوب سَمَّاهُ مَفَاتِيح الرضْوَان في تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ كتب مِنْهُ مجلداً ضخماً وَجمع مجموعاً في تَرْجَمَة وَالِده ذكر فِيهِ مؤلفاته وشيوخه وتلامذته وَقد وقفت على جَمِيع ذَلِك وَولده يُوسُف بن إبراهيم سَاكن عِنْده هُنَالك وَهُوَ من المشتغلين بِالْعلمِ والزهد وسلوك طَرِيق الْخَيْر وَالْعِبَادَة والاشتغال بِأَمْر الْآخِرَة وَله في الْأَدَب مسرح قوي وَهُوَ أَصْغَر من أَخِيه على المترجم لَهُ وَقد خرج
стр. 423
إِلَى صنعاء وَسمعت تِلَاوَته وهى تِلَاوَة فايقة بنغمات رايقة ورايته يقْرَأ على عَمه عبد الله بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في مدرسة الإمام شرف الدَّين بِصَنْعَاء في صَحِيح البخاري
٢٠٤ - عليّ بن أَحْمد بن رَاجِح بن سعيد
وَزِير الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ من محَاسِن الدَّهْر فى الْكَرم والرياسة والكياسة وَله ولأخيه محسن بن أَحْمد رَاجِح قصَص في الْكَرم يتناقلها النَّاس إلى الْآن ويضربون بهَا الامثال ولشعراء عصرهما فيهمَا غرر الممادح وَكَانَا مستوليين على الْمَنْصُور بِاللَّه لَا يعْمل الا بماقالاه وَلَا سِيمَا صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ الْوَزير الأعظم الذي لَا يَقع فى المملكة شئ إلا بإذنه ومفاوضته وَاسْتمرّ كَذَلِك مُدَّة خلَافَة الْمَنْصُور وَكَانَ ملازماً لَهُ قبل الْخلَافَة وَلما مَاتَ الْمَنْصُور وَقَامَ بعده الإمام المهدي نكب صَاحب التَّرْجَمَة وأخاه الْمَذْكُورين وَأخذ من أموالهما شَيْئا كثيراً فأما صَاحب التَّرْجَمَة فَمَاتَ بعد ذَلِك بأيام يسيرَة في سنة ١١٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فبقي لوَرثَته دنيا وَاسِعَة ووقف ثلث تركته على الْعلمَاء والمحاويج وَهُوَ جُمْهُور وَاسع وَصَارَت الْآن صَدَقَة جَارِيَة على الْمُسْتَحقّين يحصل
стр. 424
مِنْهَا فِي كل عَام شئ وَاسع وَأما أَخُوهُ فَتَأَخر مَوته إلى سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف
٢٠٥ - عليّ بن أَحْمد بن سعيد بن مُحَمَّد بن سعيد بن الأثير الحلبي الأصل المصري
ولد في حُدُود الثَّمَانِينَ وسِتمِائَة وتعانى الخدم الديوانية وَكَانَ أَبوهُ من الأعيان الموقعين وباشر الدِّيوَان وَكتب الإنشاء فَلَمَّا توجه النَّاصِر إلى الكرك توجه صحبته ووعده بِكِتَابَة السِّرّ فَلَمَّا قدم النَّاصِر الْقَاهِرَة قدم لَهُ عَلَاء الدَّين حلوى بِمِائَة وَعشْرين درهما وَبَاعَ لأجل شِرَائهَا بعض مَتَاعه فَلَمَّا وصلت الْهَدِيَّة إلى النَّاصِر تذكره وَقَالَ لدويداره اكْتُبْ إلى محيي الدَّين ابْن فضل الله يكْتب إلى أَخِيه شهَاب الدَّين دستور إلى الشَّام فإني اسْتَحى أن أواجهه بذلك فَكتب محيى الدَّين الى أَخِيه فل يلْتَفت اليه فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك لم يجد بداً أَن يفصح لَهُ بالأمر فرسم لَهُ أَن يَسْتَقِيم في كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق عوضاً عَن أَخِيه فَخرج من الْقَاهِرَة إلى دمشق وَاسْتقر صَاحب التَّرْجَمَة مَكَانَهُ فَعَظمهُ السُّلْطَان وأكرمه ونوه بِقَدرِهِ وَبلغ عِنْده مَا لم يبلغهُ غَيره حَتَّى كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إلى نواب الشَّام بأشياء يأمرهم بهَا عَن نَفسه فَعظم قدره جداً وباشر الْوَظِيفَة مُبَاشرَة جَيِّدَة وَكَانَ يركب في سِتَّة عشر مَمْلُوكا من الأتراك كل وَاحِد مِنْهُ قِيمَته أَكثر من خَمْسمِائَة دِينَار وكانو يقومُونَ بالديوان سماطين وَلَا يتَكَلَّم مَعَ اُحْدُ مِنْهُم إلا بالتركية وهم يترجمون عَنهُ للنَّاس وَكَانَ يكْتب خطاً قَوِيا مَنْسُوبا وَله اقتدار على إصلاح اللَّفْظَة وإبرازها من صُورَة إلى صُورَة وَمَا كَانَ يخرج من الدِّيوَان كتاب حَتَّى يتأمله وَلَا بُد أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا وَقد مدحه شعراء عصره
стр. 425
كالشهاب مَحْمُود وَابْن نباته وَغَيرهمَا وَلم يزل فِي سعادته الى أَن حصل لَهُ مبادئ فالج ثمَّ تزايد بِهِ وَظهر ذَلِك للسُّلْطَان فَصَبر عَلَيْهِ الى أَن أَرَادَ يَوْمًا أَن يقوم من بَين يَدَيْهِ فَسَقَطت الدواة من يَده فتألم لَهُ السُّلْطَان وَقَالَ للدويدار اكْتُبْ إلى نَائِب الشَّام فليجهز لنا القاضي محيي الدَّين بن فضل الله وَأرْسل عَلَاء الدَّين أَن ينزل إلى بَيته فتغافل عَن ذَلِك وَلزِمَ الدِّيوَان مَرِيضا إلى أَن وصل محيي الدَّين فَحَضَرَ إليه الدويدار وَقَالَ لَهُ انْزِلْ بَيْتك فقد وصل صَاحب الْوَظِيفَة فَنزل فِي أَوَائِل الْمحرم وعالجه الاطباء فَلم ينجع بل تزايد إلى أَن صَار لَا يَتَحَرَّك مِنْهُ شئ أصلاً إلا جفونه فَكَانَ إذا أَرَادَ شَيْئا قَرَأَ لَهُ خادمه حُرُوف المعجم فإذا مر بِحرف هُوَ أول الْكَلِمَة أطبق جفْنه ثمَّ يعود إلى أَن يتَحَصَّل لَهُ كلمة بعد كلمة فَيعرف مِنْهَا مُرَاده وَلم يطلّ ذَلِك بل مَاتَ في منتصف الْمحرم سنة ٧٣٠ ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة قَالَ ابْن حبيب ماجد سَاد عصره بِوُجُودِهِ على الأعصار وَكَانَ يتلطف لذوي الْحَاجَات وَيفتح لَهُم أَبْوَاب الْخَيْر وَمن مدح ابْن نباتة فِيهِ
(لَا عدمنا لِابْنِ الأثير يراعا ... جَارِيا للعباد بالأرزاق)
(كلما مَاس فِي المهارق كالغص ... ن رَأَيْت الندى على الأوراق
٢٠٦ - علي بن أَحْمد هَاجر الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ فِي الْعُلُوم الآلية قِرَاءَة متقنة وفهمها فهماً جيداً وفَاق كثيراً من الطّلبَة في فهم الدقائق والنكات اللطيفة وَله قِرَاءَة عليّ فِي علم الْمنطق فِي مُدَّة سَابِقَة وَهُوَ يفهمهُ فهماً بديعاً ويتقنه إتقاناً عجيباً وَله قِرَاءَة عليّ أَيْضا فِي الْكَشَّاف والمطول وفي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي كثير من كتب السّنة وَهُوَ قوي الْفَهم جيد
следующие страницы →