← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْحَادِث وأحواله كلهَا حَسَنَة وَله في الذب عَن الْغَيْبَة والنميمة غَايَة كَامِلَة لَا يدع أحدا يذكر بِسوء في مَجْلِسه وَله أذكار وصبر على تَعْلِيم الْعَامَّة مَا يهمم من امْر دينهم وَهُوَ الان مُسْتَمر على هَذِه الْأَحْوَال الجميلة وَلِلنَّاسِ بِهِ انْتِفَاع كثير وَمَعَ هَذَا فَلم يسلم من المنافسة لَهُ وَالْمُبَالغَة في الْحَط عَلَيْهِ والتظهر بثلبه وَهُوَ صابر محتسب وَقد كتب الى أبياتا بعد تَركه لنظم الشّعْر وهي (طبل شيطاني ومزمار الْهوى ... ضربا وَالنَّفس باتت ترقص) (ورياض الْقلب قد أهملها ... عدم التَّقْوَى فباتت تنقص) (أعرب اللَّفْظ بقرآني وَكم ... ألحن الْمَعْنى فَهَل لي مخلص) (يالقومى لم أجد محتسباً ... فَاضلا عَن منكراتي يفحص) (فَعَسَى ربى بجاه الْمُصْطَفى ... يذهب الدافتزول الْغصَص) فأجبته عَنهُ بقولي (قد شققت الطبل والمزمارما ... مثلك الْيَوْم لزمر يرقص) (وكذاك النَّفس قد ألجمتها ... بلجام الزّهْد وَهُوَ المخلص) (أنت لَا تفحص عَن عيب امرء ... تبّ من ظل لعيب يفحص) (فرض النَّفس إِذا زَاد الْهوى ... فَهُوَ إِن مَا رضتها ينتقص) (يالحا الله أناساً كلما ... لَاحَ للأطماع برق بصبصوا) (وإذا نَالَ الْفَتى مكرمَة ... كَانَ من ذَاك لديهم غصص) وَهُوَ الْآن مَا بَين الأربعين وَالْخمسين من عمره دَامَت فوايده ثمَّ مَاتَ ﵀ فى شهر ذي الْحجَّة سنة ١٢١٩ تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ووالد المترجم لَهُ هُوَ من أَعْيَان الْعلمَاء وأكابر الْفُضَلَاء جَامع بَين الشَّرِيعَة

стр. 422

والطريقة عَارِف بفنون من الْعلم لَا سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَله في التصوف والتسليك يَد طولى قَرَأَ على وَالِده وعَلى غَيره وأقرأ فى جَامع صنعاء في صَحِيح البخاري وَغَيره وَله فِي الْوَعْظ يَد طولى وَقد قعد لذَلِك في مَوَاطِن فَانْتَفع بِهِ النَّاس ثمَّ رَحل إِلَى مَكَّة واستوطنها بِسَبَب أُمُور جرت لَهُ مُشْتَمِلَة على امتحانات وَهُوَ الْآن مُقيم هُنَالك وَقد رعب عَن الرُّجُوع إِلَى الْيمن وَهُوَ وافر الجاه عِنْد أَهلهَا عَظِيم الْحُرْمَة رفيع الدرجَة وَصَارَ هُنَالك مأوى لمن دخل مَكَّة لِلْحَجِّ من أَعْيَان أهل الْيمن وَقد كتب إِلَى كتاباً يتَضَمَّن المعاهدة وَلم يكن قد عرفني قبل ارتحاله إِلَى هُنَالك لأني كنت إِذْ ذَاك في أَيَّام الصغر وَأَنا رَأَيْته مرة وَاحِدَة يصلي بِالنَّاسِ في بعض الْمَسَاجِد بِصَنْعَاء فَسمِعت قِرَاءَة فايقة بِصَوْت مطرب مَعَ هَيْئَة جميلَة وَشَيْبَة منورة وَله مصنفات فى الْوَعْظ والرقايق والتصوف وَهُوَ مشحونة بالفصاحة والبلاغة وَهُوَ كَانَ يسْتَحق إفراده بترجمة وَلَكِن اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَمَات ثاني عشر شَوَّال سنة ١٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وألف ومولده سنة ١١٤١ إحدى وَأَرْبَعين وَمِائَة وألف وَمن مصنفاته الْفلك المشحون شرح أسماء من يَقُول للشئ كن فَيكون وَشرح للأربعين الجوهرية وَله تَفْسِير غَرِيب الأسلوب سَمَّاهُ مَفَاتِيح الرضْوَان في تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ كتب مِنْهُ مجلداً ضخماً وَجمع مجموعاً في تَرْجَمَة وَالِده ذكر فِيهِ مؤلفاته وشيوخه وتلامذته وَقد وقفت على جَمِيع ذَلِك وَولده يُوسُف بن إبراهيم سَاكن عِنْده هُنَالك وَهُوَ من المشتغلين بِالْعلمِ والزهد وسلوك طَرِيق الْخَيْر وَالْعِبَادَة والاشتغال بِأَمْر الْآخِرَة وَله في الْأَدَب مسرح قوي وَهُوَ أَصْغَر من أَخِيه على المترجم لَهُ وَقد خرج

стр. 423

إِلَى صنعاء وَسمعت تِلَاوَته وهى تِلَاوَة فايقة بنغمات رايقة ورايته يقْرَأ على عَمه عبد الله بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في مدرسة الإمام شرف الدَّين بِصَنْعَاء في صَحِيح البخاري ٢٠٤ - عليّ بن أَحْمد بن رَاجِح بن سعيد وَزِير الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ من محَاسِن الدَّهْر فى الْكَرم والرياسة والكياسة وَله ولأخيه محسن بن أَحْمد رَاجِح قصَص في الْكَرم يتناقلها النَّاس إلى الْآن ويضربون بهَا الامثال ولشعراء عصرهما فيهمَا غرر الممادح وَكَانَا مستوليين على الْمَنْصُور بِاللَّه لَا يعْمل الا بماقالاه وَلَا سِيمَا صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ الْوَزير الأعظم الذي لَا يَقع فى المملكة شئ إلا بإذنه ومفاوضته وَاسْتمرّ كَذَلِك مُدَّة خلَافَة الْمَنْصُور وَكَانَ ملازماً لَهُ قبل الْخلَافَة وَلما مَاتَ الْمَنْصُور وَقَامَ بعده الإمام المهدي نكب صَاحب التَّرْجَمَة وأخاه الْمَذْكُورين وَأخذ من أموالهما شَيْئا كثيراً فأما صَاحب التَّرْجَمَة فَمَاتَ بعد ذَلِك بأيام يسيرَة في سنة ١١٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فبقي لوَرثَته دنيا وَاسِعَة ووقف ثلث تركته على الْعلمَاء والمحاويج وَهُوَ جُمْهُور وَاسع وَصَارَت الْآن صَدَقَة جَارِيَة على الْمُسْتَحقّين يحصل

стр. 424

مِنْهَا فِي كل عَام شئ وَاسع وَأما أَخُوهُ فَتَأَخر مَوته إلى سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وألف ٢٠٥ - عليّ بن أَحْمد بن سعيد بن مُحَمَّد بن سعيد بن الأثير الحلبي الأصل المصري ولد في حُدُود الثَّمَانِينَ وسِتمِائَة وتعانى الخدم الديوانية وَكَانَ أَبوهُ من الأعيان الموقعين وباشر الدِّيوَان وَكتب الإنشاء فَلَمَّا توجه النَّاصِر إلى الكرك توجه صحبته ووعده بِكِتَابَة السِّرّ فَلَمَّا قدم النَّاصِر الْقَاهِرَة قدم لَهُ عَلَاء الدَّين حلوى بِمِائَة وَعشْرين درهما وَبَاعَ لأجل شِرَائهَا بعض مَتَاعه فَلَمَّا وصلت الْهَدِيَّة إلى النَّاصِر تذكره وَقَالَ لدويداره اكْتُبْ إلى محيي الدَّين ابْن فضل الله يكْتب إلى أَخِيه شهَاب الدَّين دستور إلى الشَّام فإني اسْتَحى أن أواجهه بذلك فَكتب محيى الدَّين الى أَخِيه فل يلْتَفت اليه فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك لم يجد بداً أَن يفصح لَهُ بالأمر فرسم لَهُ أَن يَسْتَقِيم في كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق عوضاً عَن أَخِيه فَخرج من الْقَاهِرَة إلى دمشق وَاسْتقر صَاحب التَّرْجَمَة مَكَانَهُ فَعَظمهُ السُّلْطَان وأكرمه ونوه بِقَدرِهِ وَبلغ عِنْده مَا لم يبلغهُ غَيره حَتَّى كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إلى نواب الشَّام بأشياء يأمرهم بهَا عَن نَفسه فَعظم قدره جداً وباشر الْوَظِيفَة مُبَاشرَة جَيِّدَة وَكَانَ يركب في سِتَّة عشر مَمْلُوكا من الأتراك كل وَاحِد مِنْهُ قِيمَته أَكثر من خَمْسمِائَة دِينَار وكانو يقومُونَ بالديوان سماطين وَلَا يتَكَلَّم مَعَ اُحْدُ مِنْهُم إلا بالتركية وهم يترجمون عَنهُ للنَّاس وَكَانَ يكْتب خطاً قَوِيا مَنْسُوبا وَله اقتدار على إصلاح اللَّفْظَة وإبرازها من صُورَة إلى صُورَة وَمَا كَانَ يخرج من الدِّيوَان كتاب حَتَّى يتأمله وَلَا بُد أَن يزِيد فِيهِ شَيْئا وَقد مدحه شعراء عصره

стр. 425

كالشهاب مَحْمُود وَابْن نباته وَغَيرهمَا وَلم يزل فِي سعادته الى أَن حصل لَهُ مبادئ فالج ثمَّ تزايد بِهِ وَظهر ذَلِك للسُّلْطَان فَصَبر عَلَيْهِ الى أَن أَرَادَ يَوْمًا أَن يقوم من بَين يَدَيْهِ فَسَقَطت الدواة من يَده فتألم لَهُ السُّلْطَان وَقَالَ للدويدار اكْتُبْ إلى نَائِب الشَّام فليجهز لنا القاضي محيي الدَّين بن فضل الله وَأرْسل عَلَاء الدَّين أَن ينزل إلى بَيته فتغافل عَن ذَلِك وَلزِمَ الدِّيوَان مَرِيضا إلى أَن وصل محيي الدَّين فَحَضَرَ إليه الدويدار وَقَالَ لَهُ انْزِلْ بَيْتك فقد وصل صَاحب الْوَظِيفَة فَنزل فِي أَوَائِل الْمحرم وعالجه الاطباء فَلم ينجع بل تزايد إلى أَن صَار لَا يَتَحَرَّك مِنْهُ شئ أصلاً إلا جفونه فَكَانَ إذا أَرَادَ شَيْئا قَرَأَ لَهُ خادمه حُرُوف المعجم فإذا مر بِحرف هُوَ أول الْكَلِمَة أطبق جفْنه ثمَّ يعود إلى أَن يتَحَصَّل لَهُ كلمة بعد كلمة فَيعرف مِنْهَا مُرَاده وَلم يطلّ ذَلِك بل مَاتَ في منتصف الْمحرم سنة ٧٣٠ ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة قَالَ ابْن حبيب ماجد سَاد عصره بِوُجُودِهِ على الأعصار وَكَانَ يتلطف لذوي الْحَاجَات وَيفتح لَهُم أَبْوَاب الْخَيْر وَمن مدح ابْن نباتة فِيهِ (لَا عدمنا لِابْنِ الأثير يراعا ... جَارِيا للعباد بالأرزاق) (كلما مَاس فِي المهارق كالغص ... ن رَأَيْت الندى على الأوراق ٢٠٦ - علي بن أَحْمد هَاجر الصنعاني ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ فِي الْعُلُوم الآلية قِرَاءَة متقنة وفهمها فهماً جيداً وفَاق كثيراً من الطّلبَة في فهم الدقائق والنكات اللطيفة وَله قِرَاءَة عليّ فِي علم الْمنطق فِي مُدَّة سَابِقَة وَهُوَ يفهمهُ فهماً بديعاً ويتقنه إتقاناً عجيباً وَله قِرَاءَة عليّ أَيْضا فِي الْكَشَّاف والمطول وفي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي كثير من كتب السّنة وَهُوَ قوي الْفَهم جيد

стр. 426

الإدراك صَحِيح التَّصَوُّر قل أَن يُوجد نَظِيره مَعَ صلابة فِي الدَّين واشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَصدق لهجة وَهُوَ الْآن من محَاسِن المشتغلين بِالْعلمِ في هَذَا الْعَصْر ٢٠٧ - السَّيِّد علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف أوقبلها بِيَسِير وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على وَالِده وَغَيره من أَعْيَان وبرع فِي عُلُوم عدَّة لَا سِيمَا علم الْأَدَب فان لَهُ فِيهِ يداً طولى ونظمه كثير جداً مَوْجُود بأيدي النَّاس وَكثير مِنْهُ فِي مدح أَمِير الْمُؤمنِينَ علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَلما مَاتَ وَالِده وَكَانَ المتولي لأمور آل إسحق قَامَ وَلَده هَذَا مقَامه وَصَارَ لَهُ جلال وسياسة ضخمة وَظهر من كرمه مَا هُوَ ظَاهر مَشْهُور وَكَانَ موقفه محفوفاً بأعيان الْعلمَاء والأدباء معموراً بالمسائل العلمية واللطائف الأدبية وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ فر من صنعاء في اللَّيْل مغاضباً لخليفة الْعَصْر مَوْلَانَا الْمَنْصُور بِاللَّه على بن الْعَبَّاس حفظه الله وَاسْتقر بِبِلَاد أرحب وَقَامَ بنصره أهل تِلْكَ الْجِهَة فارتجت الديار اليمنية لذَلِك ثمَّ أن الْخَلِيفَة حفظه الله بعث أَمِيرا من أمرائه وَهُوَ الْأَمِير سرُور الْمَنْصُور لمناحرة صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقَعت بَينهمَا حروب وَآخر الْأَمر وَقع صلح على أَن يبْقى هُنَالك بِجَيْش وينوب عَنهُ فى تولى أُمُور آل إسحق آخر وَيصير إليه مَا كَانَ لَهُ ثمَّ انْتقض ذَلِك وَاتفقَ خُرُوج بعض أهل البغي من برط على الْبِلَاد الأمامية فَخرج صَاحب التَّرْجَمَة مَعَهم وَكَانَ يتألم لما يصدر مِنْهُم من

стр. 427

سفك الدِّمَاء وهتك الْحرم ووصلوا أَولا إلى حِدة النزهة الَّتِى قريب صنعاء واستقروا أَيَّامًا فَخرج اليه الْخَلِيفَة حفظه الله وَتَقَدَّمت ظائفة من جُنُوده فيهم وَلَده مَوْلَانَا صفي الإسلام احْمَد بن الإمام حمى الله وَوَقعت حروب شَدِيدَة انجلت عَن قتل الفقيه عبد الله بن احْمَد النهمي وَكَانَ اُحْدُ الوزراء وَعَن قتل الْأَمِير ناجي وَجَمَاعَة من الْجند وَظَهَرت من مَوْلَانَا الصفي شجاعة وبراعة وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ عزم ذَلِك الْجَيْش وَفِيهِمْ صَاحب التَّرْجَمَة إلى الْيمن الْأَسْفَل وَجرى الصُّلْح مَا بَينه وَبَين الْخَلِيفَة حفظه الله على يَد الْوَزير الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره فوصل صَاحب التَّرْجَمَة إلى صنعاء وَاسْتقر ببيته موسعاً عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج اليه وإما تَوْلِيَة أُمُور آل اسحق فقد صَارَت إلى عَمه الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إسحاق وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا يفد إليه الْعلمَاء والفضلاء ويطارح الأدباء واستأذن بِأَن يسكن في الرَّوْضَة فَأذن لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك جرت أُمُور الله اعْلَم بِصِحَّتِهَا فأودعه الْخَلِيفَة حفظه الله السجْن وَهُوَ إلى حَالَة تَحْرِير هَذِه الأحرف شهر شَوَّال سنة ١٢١٣ بَاقٍ كَذَلِك فرج الله عَنهُ وَله من حسن الْخلق ولطف الطَّبْع وكرم الشيم والمحبة لأهل الْعلم وَالْفضل وفصاحة اللِّسَان وَقُوَّة الْحِفْظ وَسُرْعَة الادراك مَالا يعبر عَنهُ بِوَصْف ثمَّ أطلق وَتوفى في سنة ١٢٢٠ عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف ٢٠٨ - السَّيِّد علي بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن مَعْصُوم قد تقدمت تَرْجَمَة وَالِده وَولد هَذَا في الْمَدِينَة وَدخل بِلَاد الْهِنْد وَله مؤلفات مِنْهَا سلافة الْعَصْر ترْجم فِيهَا لأدباء الْمِائَة الْحَادِيَة عشرَة وَلم

стр. 428

أَقف عَلَيْهِ وَله البديعية الموسومة بِتَقْدِيم علي عَارض بِهَذِهِ التَّسْمِيَة بديعية أَبى بكر بن حجَّة لِأَنَّهُ سَمَّاهَا تَقْدِيم أَبى بكر وكل وَاحِد تمت لَهُ التورية في التَّسْمِيَة وَله نظم حسن (مِنْهُ ... لَيْسَ احمرار لحاظه من عِلّة ... لَكِن دم الْقَتْلَى على الأسياف) (قَالُوا تشابه طرفه وبنانه ... وَمن البديع تشابه الْأَطْرَاف) وَله (بدا بَدْرًا ولاح لنا هلالاً ... وأشرق كوكباً واهتزّ غصنا) (وثنى قده الْحسن ارتياحاً ... فهام الْقلب بالْحسنِ الْمثنى) وَهُوَ إمامي الْمَذْهَب وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته

стр. 429

٢٠٩ - علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقّب عَلَاء الدَّين الحنفي الرومي قَرَأَ في صغره على حَمْزَة القرمانى وَحفظ مُخْتَصر القدورى ثمَّ أَنى قسطنطينية وَقَرَأَ على الملا خسرو وعَلى مصلح الدَّين بن حسام الدَّين الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والشرعية ثمَّ صَار معيداً لدرسه ثمَّ تزوج بابنته وَحصل لَهُ مِنْهُمَا أَوْلَاد اعطاه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ملك الرّوم الْمدرسَة الحجرية وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثِينَ درهماً وأعطاه خَمْسَة آلاف دِرْهَم وَلما صَار مُحَمَّد باشا القرماني وزيراً للسُّلْطَان نَقله من تِلْكَ الْمدرسَة إلى مدرسة أُخْرَى وَنقص من تَقْرِيره اليومي خَمْسَة دَرَاهِم فاشمأز صَاحب التَّرْجَمَة وَترك التدريس واتصل بالشيخ الْعَارِف مصلح الدَّين بن الْوَفَاء ثمَّ مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقتل الْوَزير الْمَذْكُور وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة فأرسل إلى صَاحب التَّرْجَمَة الوزراء وَدعَاهُ إليه فَلم يجب ثمَّ أرسل إليه مرسوماً بتفويضه في الْفَتْوَى في بلد اماسية وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثِينَ درهماً وَأمره أَن يدرّس بمدرسة السُّلْطَان مُرَاد الغازي بِمَدِينَة بروسا فَلم يقبل التدريس وَسَار إلى أماسيه لزيارة ابْن عَمه ثمَّ أعطَاهُ السُّلْطَان مدرسة وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهماً ثمَّ أعطَاهُ إحدى الْمدَارِس الثمان فدرس هُنَالك مُدَّة كَثِيرَة ثمَّ توجه لِلْحَجِّ فَلم يَتَيَسَّر لَهُ تِلْكَ السنة وبقي بِمصْر وَاتفقَ أَنه توفي مفتي قسطنطينية فعينه السُّلْطَان للإفتاء بهَا وأمر من يَنُوب عَنهُ حَتَّى يعود فَلَمَّا عَاد بَاشر الإفتاء وَعين لَهُ السُّلْطَان كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَعين لَهُ مدرسة وَجعل لَهُ خمسين درهماً فِي كل يَوْم فَصَارَ مقرره كل يَوْم مائَة وَخمسين درهماً فحسده على ذَلِك بعض الْعلمَاء فَجمع بعض فَتَاوِيهِ وَقَالَ إنه أَخطَأ فِيهَا وأرسلها إلى ديوَان السُّلْطَان فأرسلها الوزراء إلى صَاحب التَّرْجَمَة

стр. 430

فأجاب عَنْهَا ودعا على ذَلِك الْحَاسِد فَمَاتَ قبل أَن يمر عَلَيْهِ أُسْبُوع وَكَانَ كثيير التِّلَاوَة وَالْعِبَادَة مديماً لصَلَاة الْجَمَاعَات حسن الأخلاق كريم النَّفس وَكَانَ يقْعد في علو دَاره والزنبيل مُعَلّق فَيلقى المستفتي الورقة فِيهِ ويحركه فيجذبه وبكتب جَوَابه ثمَّ يدليه إليه وإنما فعل كَذَلِك لِئَلَّا ينْتَظر النَّاس بِبَابِهِ للْفَتْوَى فَكَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر وَاسْتمرّ على ذَلِك إلى زمَان السُّلْطَان سليم خَان فاتفق أَنه أَمر بقتل مائَة وَخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن فَبلغ صَاحب التَّرْجَمَة فَذهب إلى ديوَان السُّلْطَان وَلم يكن من عَادَة الْمُفْتى أن يذهب إلى هُنَالك إلا لحادث عَظِيم فتحير أهل الدِّيوَان واستقبله الوزراء وأجلسوه فِي صدر الْمجْلس ثمَّ سَأَلُوهُ عَن سَبَب مَجِيئه فَقَالَ أُرِيد أَن ألاقي السُّلْطَان ولي مَعَه كلان فبلغوا ذَلِك فأذن لَهُ السُّلْطَان فَدخل وَسلم وَجلسَ ثمَّ قَالَ وَظِيفَة أَرْبَاب الْفَتْوَى أَن يحفظوا آخِرَة السُّلْطَان وَقد سَمِعت أَنَّك قد أمرت بقتل مائَة وَخمسين رجلاً لَا يجوز قَتلهمْ شرعاً فَغَضب السُّلْطَان وَقَالَ إنك تتعرض لأمر السلطنة وَلَيْسَ ذَلِك من وظيفتك فَقَالَ بل أتعرض الْأَمر آخرتك وَأَنه من وظيفتي فإن عَفَوْت فلك النجَاة وإلا كَانَت عَلَيْك الْعقُوبَة الْعَظِيمَة فَانْكَسَرت عِنْد ذَلِك سُورَة السُّلْطَان وَعَفا عَن الْكل فَقَالَ تَكَلَّمت في أخرتك وبقي لي كَلَام يتَعَلَّق بالمروءة قَالَ السُّلْطَان مَا هُوَ قَالَ إن هَؤُلَاءِ من عبيد السُّلْطَان فَهَل يَلِيق لَهُم أَن يتكففوا النَّاس قَالَ لَا قَالَ فقررهم في منصبهم فَفعل السُّلْطَان ذَلِك ثمَّ اتفقت قَضِيَّة أُخْرَى وهي أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور سَافر الى بعض مدنه وَصَاحب التَّرْجَمَة مَعَه فاتفق أَنه رأى أربعمائة رجل في الطَّرِيق مشدودين بالحبال فَسَأَلَ عَن حَالهم فَقَالُوا

стр. 431

أنهم خالفوا أَمر السُّلْطَان فاشتروا الْحَرِير وَقد كَانَ منع السُّلْطَان ذَلِك فَذهب إلى السُّلْطَان وَهُوَ رَاكب فَكَلمهُ وَقَالَ لَا يحل قَتلهمْ لغضب السُّلْطَان وَقَالَ أَيهَا الْمولى مَا يحل لى قتل ثلث الْعَالم لنظام الباقي قَالَ نعم وَلَكِن إذا أدى إلى خلل عَظِيم قَالَ السُّلْطَان وأي خلل أعظم من مُخَالفَة الأمر قَالَ هَؤُلَاءِ لم يخالفوا أَمرك لأنك نصبت الْأُمَنَاء على الْحَرِير وَهَذَا إذن بطرِيق الدّلَالَة قَالَ السُّلْطَان لَيْسَ أُمُور السلطنة من وظيفتك قَالَ إنه من أُمُور الْآخِرَة وَأَن التَّعَرُّض من وظيفتي ثمَّ فَارقه وَلم يسلم عَلَيْهِ فَحصل للسُّلْطَان غضب عَظِيم حَتَّى وقف على فرسه زَمَانا كثيراً وَالنَّاس واقفون قدامه وَخَلفه متحيرين من ذَلِك الأمر ثمَّ إن السُّلْطَان عَفا عَن الْكل ثمَّ لما وصل إلى مقْصده أرسل لصَاحب التَّرْجَمَة أَمِيرا وَقَالَ قل لَهُ إني قد أَعْطيته قَضَاء الْعَسْكَر إلى وَظِيفَة الإفتاء والتدريس لأني علمت أنه يتَكَلَّم بِالْحَقِّ فَأجَاب عَلَيْهِ مَعَ الأمير بِمَا نَصه وصل إلى كتابك سلمك الله وأبقاك تأمرني فِيهِ بِالْقضَاءِ وإني ممتثل أَمرك إلا أَن لي مَعَ الله عهداً أَن لَا يصدر عَنى لفظ حكمت فَأَحبهُ السُّلْطَان محبَّة شَدِيدَة وَزَاد في تَعْظِيمه وَأرْسل إليه خَمْسمِائَة دِينَار فقبلها ثمَّ إنّ السُّلْطَان المتولي للسلطنة بعد سليم زَاده فِي مقرره خمسين درهماً فَصَارَ مَجْمُوع تَقْرِيره اليومي مائتي درهماً وَقد صنّف كتاباً جمع فِيهِ مختارات الْمسَائِل وَسَماهُ الْمُخْتَار وَمَات في سنة ٩٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ٢١٠ - علي بن اسمعيل بن حسن بن هادي النهمي ثمَّ الصنعاني مولده سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على علماءها كشيخنا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربى والقاضى

стр. 432

الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَغَيرهمَا وَهُوَ بارع الذكاء فايق الذِّهْن جيد الإدراك حسن الْأَخْلَاق كريم الصُّحْبَة وَله شغلة كَبِيرَة بالعلوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَقد اسْتَفَادَ بفاضل ذهنه الْوَقَّاد من غَرِيب الْمسَائِل عجايب وَله ميل إِلَى الْأَدِلَّة وَعمل بِمَا يَصح مِنْهَا وَعدم الْتِفَات إِلَى مَحْض الرأي وَله قُوَّة في المباحثة والتصرفات الذهنية والاستنباطات العجيبة وَلَو دَامَ على الِاشْتِغَال لفاق في كثير من أَنْوَاع المعارف وَلكنه لَا يُفَارق المطالعة ويستفيد مِنْهَا ويفيد وَله شعر يمدح بِهِ خَليفَة الْعَصْر مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَهُوَ جيد فِي الْغَالِب وَيضمنهُ معاني دقيقة نفيسة وَله قدرَة على المشي مَعَ كل جنس بِمَا يَلِيق بِهِ وإقبال على معالى الْأُمُور ورغبة فى الشّرف وهوالآن حَيّ عافاه الله ثمَّ مَاتَ ﵀ أَظُنهُ سنة ١٢٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف ٢١١ - السَّيِّد على بن اسمعيل بن علي بن الْقَاسِم بن احْمَد بن الامام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة ١١٥١ إحدى وَخمسين وَمِائَة وَألف بشهارة وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ فى الْعُلُوم الأدبية وَالْفِقْه وَمن جملَة مشايخه شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة على بن إبراهيم الْمُتَقَدّم ذكره وَالشَّيْخ الْعَلامَة نَاصِر بن الْحُسَيْن المحبشي والقاضي الْعَلامَة محسن بن أَحْمد الشامى ثمَّ الشهارى وبرع فى الْأَدَب وَصَارَ يكْتب القصيدة في الْوَقْت الحقير مَعَ مافى شعره من الانسجام والسهولة والمعانى الفايقة وَقد جمعه فى سفينة بعث بهَا إِلَى وطالعت بعض مافيها وَلم يَتَيَسَّر لى النَّقْل مِنْهَا وَلما أرجعتها إليه كتبت إليه هَذِه الأبيات (بعثت نحوى زادك الله من ... تيارك العذب بدر القريض)

стр. 433

(سرحت طرفى مِنْهُ فى جنَّة ... لم يحكها فى الْحسن روض اريض) (نظمت مايقصر عَن شأوه ... من خيرة القَوْل الطَّوِيل العريض) (فدمت تحي للعلى مربعاً ... فمربع الْعليا كسير مهيض) فَأجَاب بِأَبْيَات لم أحفظها وَهُوَ من أكَابِر آل الامام وَله رياسة كَبِيرَة في تِلْكَ الديار ويفد إِلَى صنعاء في الْأَرْبَعَة الْخَمْسَة الأعوام مرة وَاجْتمعت بِهِ في وفوده فِي سنة ١٢٠٨ وَكَانَ لنا في كل أُسْبُوع يَوْم نَجْتَمِع فِيهِ وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء من بعد الظّهْر إِلَى آخر اللَّيْل وَجَرت بيني وَبَينه مطارحات أدبية في فنون من ذَلِك أَنه كتب أبياتاً مضمونها أَنه لما عقد هَذَا الِاجْتِمَاع فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء زَالَ عَنهُ مايوصف بِهِ من النحاسة وَأَنه صَار بذلك أسعد الْأَيَّام وأبركها وَله فِي ذَلِك نظم بديع وَكَانَ إِذا وَقع التراخي من بعض من يضمه ذَلِك الْمجْلس كتب اليه أَنه إِذا لم يصل وَقع الرُّجُوع عَن تَقْرِير سَعَادَة يَوْم الْأَرْبَعَاء وَهُوَ حسن المحاضرة لَا يمل جليسه لما يُورِدهُ من الْأَخْبَار والأشعار والظرايف واللطايف والمباحثات العلمية والاستفادة فِيمَا لم يكن لَدَيْهِ مِنْهَا وتحرير الأسئلة الْحَسَنَة وَقد كتب إِلَى من ذَلِك شَيْئا كثيرا وأجبت عَلَيْهِ برسايل هي فِي مَجْمُوع رسائلي وَله حرص على الفوايد وهمة فِي تَقْيِيد الشوارد وَله من علوّ الهمة وَشرف النَّفس حَظّ وافر وَلما رَحل من صنعاء إِلَى وَطنه مَدِينَة شهارة كتب إِلَى من هُنَاكَ (أشارت إِلَى عهد اللقا بالحواجب ... وَمَا كنت عَن ذكرَاهُ مهمل وَاجِب) (سلي إن شَككت الْحَال قبلك إِذْ غَدا ... يناجيه قلبي هَل رأى غير وَاجِب) (وَعَن أرقى لَا تسألى غير عَارِف ... وَأعرف شئ فِيهِ زهر الْكَوَاكِب)

стр. 434

(أَبيت أراعيها فَمَا بَين طالع ... أدير لَهُ طرفي وَمَا بَين غارب) (وتغرب جيلاً بعد جيل فَلَا أرى ... سوى القطب أوفى من سمير لصَاحب) (يُقيم لمن لَا يطْرق النوم جفْنه ... فقلبي مغناطيسه فِي التجاذب) (أعلياء لَوْلَا أَن سكناك مهجتي ... لما عذبت لي بعد بعدِي مشارب) (بلَى أن نَار الْبعد أذهبت الحشا ... فَهَل في الْقَتِيل الطالبي من مطَالب) (عَسى أَن يرق الْقلب مِنْهَا لرقتي ... ويرفق بِي فالرفق فعل الأطايب) (فتبعث لي حَتَّى مَعَ الريح يالها التح ... ية والبشرى بنيل مآربى) (كمثلى ماهب النسيم وَلَا حدت ... حداة إِلَى أوطانها بالركايب) (وَلم أمْلى تسليمي وأشهد أدمعي ... على وصب مني لصبري مغالب)) (سَلاما لنشر الرَّوْض ينفح عرفه ... ذكياً بمسك تبتي مصاحب) (سَلام أرق من النسيم إِذا هَب وأذكى من العبير والعنبر الأشهب يخْتَص من هوالمراد وان موه النظام ويهدى إِلَى من هُوَ المرام وإن احتملت الْعبارَة سواهُ فَمَا سواهُ المرام القاضي الْفَاضِل الناسك والسالك بِلَا نَكِير أحسن المسالك الْعَالم الرباني الْبَدْر مُحَمَّد بن على الشوكانى حفظه الله وأحله فِي رِضَاهُ أعلا المباني (وبلغه المأمول فِيمَا يرومه ... وسَاق إليه متحفات الرغايب) (وَمد لنا فِي عمره فَهُوَ نعْمَة ... تعم وأولاه جزيل الْمَوَاهِب) وإنها صدرت الأحرف الحقيرة للتحية وتجديد العهاد ومستمدة للدُّعَاء كماهو مبذول معوّل فِي وُصُوله على رب الْعباد (وتنبيك عَن شوق تأجج ناره ... وَلم يطفها صبّ الدُّمُوع السواكب) (لذكرى لَيَال كَانَ طرفي بوصلكم ... قريراً عَسى للوصل عودة غايب)

стр. 435

. فَللَّه فِينَا مايشاء وَمَا قضى ... مضى كَيفَ شا وَالله أغلب غَالب) وللتهنية لكم بِمَا بلغ فَبلغ الْغَايَة عندي من المسرة من الأعراس الحميد جعل الله لأعينكم فِيهِ أعظم قُرَّة وَبَارك لَك وَعَلَيْك وأصلح لَك زَوجك وشؤنك كلهَا وسَاق ماشاء من برّه الهني إليك (أهنيك بالأعراس فاحمد مُقَدرا ... لذَلِك واشكر يَا ابْن ودي لواهب) (لَك الْحَمد مالاحت بروق وَمَا سرت ... نُجُوم وَمَا انهلت دموع السحايب) (ودمت على خفض من الْعَيْش رَافع ... لقدرك مَخْصُوصًا بأصفى المطالب) (وَلَا زلت في أفق الْخلَافَة مشرقا ... فانك بدر بن تِلْكَ الْكَوَاكِب) (خلَافَة مَوْلَانَا الذي شرّفت بِهِ ... أَزَال على شَرق الدنا والمغارب) فأجبت بقولي) (ايا بَين كم كدرت صفو المشارب ... وياهجركم هيجت لوعة غايب) (وَيَا دهركم جرعتني فقد صَاحب ... بكاس نوى من بعده فقد صَاحب) (إِلَى الله أَشْكُو ماجنته يَد النَّوَى ... على كبدي والدهر جمّ العجايب) (أحنّ إِلَى وصل تقادم عَهده ... وإن حنين الْمَرْء أَحْقَر وَاجِب) (وأندب دهر الْجمع بعد تفرق ... وأبكي عَلَيْهِ بالدموع السواكب) (فيا منزل اللقياء صافحك الحيا ... بجود ملث أدكن الردن ساكب) (بعيشك هَل من عودة بعد فرقة ... تعود لصبّ مغرم الْقلب دايب) وهي أَبْيَات طَوِيلَة غير طائلة وَهُوَ الْآن عافاه الله حى ووالده كَانَ شَاعِرًا كثير الشّعْر رَئِيسا كَبِيرا وشعره مَجْمُوع عِنْد وَلَده المترجم لَهُ ثمَّ قدم صَاحب التَّرْجَمَة عافاه الله إلى صنعاء المحروسة في شهر رَمَضَان سنة ١٢١٥ وَكَانَ يحضر مَعنا فِي الْقِرَاءَة في ليالي رَمَضَان بمنزلي ويجري بَيْننَا

стр. 436

مطارحات أدبية ومذكرات علمية فَمن ذَلِك أَنه حضر فِي بعض الليالي أَغْصَان زنبق قد تفتح نورها فَقلت من يشبه هَذِه الاغصان بتشبيه غير مِمَّا قد شبهها بِهِ الأولون ثمَّ قلت عقب ذَلِك بَيْتا وَهُوَ (تحكي رماح زمرد ... قد نظمت فِيهَا الْكَوَاكِب) فَأخذ هَذَا الْبَيْت وَكتب بعده وَقَبله هَكَذَا (غُصْن كَأَن قوامه ... قدّ لَدَى التَّشْبِيه كاعب) (تحكي رماح زمرد ... قد نظمت فِيهَا الْكَوَاكِب) (أَو سالفات نواعم ... جالت عَلَيْهِنَّ الذوايب) (بقرامل مصفوفة ... من لُؤْلُؤ فِيهِنَّ لازب) وَلم يتَوَقَّف إلا مِقْدَار الْكتب بالقلم من دون روية وَلَا تدبر ووفد أَيْضا إلى صنعاء سنة ١٢١٨ وَكثر اجتماعنا وَسمع مني رسالتي الْمُسَمَّاة الدر النضيد فِي إخلاص التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ حضر مَعنا فِي قِرَاءَة مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر وَحصل كلا المؤلفين بِخَطِّهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد دَار بينى وَبَينه من المساجلات الأدبية والمكاتبات الشعرية مايكثر سرد بعضه وَقد رقمت بعض ذَلِك في مَجْمُوع شعرى

стр. 437

٢١٢ - السَّيِّد على بن الإمام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد الرئيس الْكَبِير المستقل بغالب الْيمن الأسفل كَانَ لَهُ اطلَاع على الْعُلُوم الأدبية وتمهرّ في الصِّنَاعَة الشعرية ولشعراء عصره فِيهِ غرر المدايح وَهُوَ من مفاخر الْيمن ومحاسن ذَلِك الزَّمن وشعره مَشْهُور عِنْد النَّاس وَمن جيده القصيدة الَّتِى مطْلعهَا (أكذا المشتاق يؤرقه ... تغريد الْوَرق ويقلقه)

стр. 438

وَمن أحسن قَوْله فِيهَا (آه يَا برق أما خبر ... عَن أهل الْغَوْر تحَققه) (فتزيل جوى لاسير هوى ... مضني قد طَال تشوقه) وَمن أحسن شعره الأبيات هَذِه (أيكتم مَا بِهِ الصبّ المشوق ... وَقد لاحت لَهُ وَهنا بروق) (وَهل يخفى الغرام على ولوع ... يؤرق جفْنه الْبَرْق الخفوق) (ويسلو عَن أهل الْجزع صبّ ... جرى من جفن عَيْنَيْهِ العقيق) ( ... اليك إليك عَنى يَا عذولي ... فلست من الصبابة أستفيق) (فلي قلب إلى بانات حزوي ... طروب لَا يمل وَلَا يفِيق) وَقد كتب الى وَالِده قصيدة لما صدّ الركب الْيَمَانِيّ عَن الْحَج سنة ١٠٨٨ يحثه على الْجِهَاد ومطلعها (لعمرك لَيْسَ يدْرك بالتواني ... وَلَا بِالْعَجزِ غايات الأماني) وهي غَايَة فِي بَابهَا وَكَانَت بَينه وَبَين المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب مُنَافَسَة على الْملك والبلاد قبل أَن يلي المهدي الْخلَافَة واتفقت بَينهمَا حروب وَفتن كَبِيرَة وَمن سعادته أَنه أدْركهُ الْأَجَل قبل أَن يلي المهدي الْخلَافَة فَمَاتَ في يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَمَضَان سنة ١٠٩٦ سِتّ وَتِسْعين وَألف بِمَدِينَة اب وقبره بهَا ٢١٣ - على بن اسمعيل بن يُوسُف القونوي عَلَاء الدَّين الشافعي ولد بقونية من بِلَاد الروم سنة ٦٦٨ ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَقدم

стр. 439

دمشق سنة ٦٩٣ فدرّس بالإقبالية ثمَّ قدم بِالْقَاهِرَةِ فَسمع من جمَاعَة كابى الْفضل بن عَسَاكِر وَابْن الْقيم والدمياطي وَابْن الصَّواف وَابْن دَقِيق الْعِيد وَقَرَأَ فِي الْأُصُول على تَاج الدَّين الجيلاني وَتقدم فِي معرفَة التَّفْسِير وَالْفِقْه والأصول وَأقَام على قدم وَاحِد ثَلَاثِينَ سنة يصلي الصُّبْح جمَاعَة ثمَّ يقْرَأ إلى الظّهْر ثمَّ يُصليهَا وَيَأْكُل في بَيته شَيْئا ثمَّ يتَوَجَّه إلى زِيَارَة صَاحب أَو عِيَادَة مَرِيض أَو شَفَاعَة أَو تهنية أَو تَعْزِيَة ثمَّ يرجع ويشتغل بِالذكر إلى آخر النَّهَار وَكَانَ السُّلْطَان النَّاصِر يعظمه ويثني عَلَيْهِ ثمَّ ولاه قَضَاء دمشق فَتوجه اليها فِي سنة ٧٢٧ فباشره أحسن مُبَاشرَة مَعَ تصلب زايد وعفة لم يكن لَهُ فِي الحكم نهمة بل هُوَ على عَادَته في الإقبال على الْعلم وَكَانَ كثير الْفُنُون كثير الإنصاف كثير الْكتب ولمااستقر بِدِمَشْق أعطى الشَّافِعِيَّة ألف دِينَار وَقَالَ هَذِه حضرت معي من الْقَاهِرَة وَله مصنفات مِنْهَا شرح الحاوي وَشرح مُخْتَصر الْمِنْهَاج للحليمي ثمَّ طلب الإعفاء من الْقَضَاء فَلم يجبهُ السُّلْطَان وَكَانَ يعظّم الشَّيْخ تقي الدَّين ابْن تَيْمِية ويذب عَنهُ وَيُقَال ان النَّاصِر قَالَ لَهُ إِذا وصلت إلى دمشق قل للنائب يفرج عَن ابْن تَيْمِية قَالَ ياخوند لأيّ معنى سجن قَالَ لأجل الْفَتَاوَى قَالَ فإن كَانَ رَاجعا عَنْهَا أفرجنا عَنهُ فَيُقَال كَانَ هَذَا الْجَواب سَببا لاستمرار ابْن تَيْمِية في السجْن إلى أن مَاتَ لأنه كَانَ لايذعن للرُّجُوع وَلما خرج ابْن الْقيم من القلعة وأتاه سربه وأكرمه وَوَصله وَكَانَ يثني على أبحاثه قَالَ الأسنوي فِي تَرْجَمته وَكَانَ أجمع من رَأينَا للعلوم مَعَ الاتساع فِيهَا خُصُوصا الْعَقْلِيَّة واللغوية لَا يشار بهَا الا إليه وَتخرج بِهِ أكثر الْعلمَاء المصريين قَالَ وتحيل عَلَيْهِ جمَاعَة من الْكِبَار في أَن يبعد عَن الديار المصرية لأغراض فَحسن

стр. 440

للسُّلْطَان تَوليته قَضَاء الشَّام فَفعل فَسَأَلَهُ السُّلْطَان فِي ذَلِك وتلطف بِهِ فَاعْتَذر وَمن جملَة مَا قَالَ للسُّلْطَان ان لَهُ أطفالاً يتأذون بالحركة فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان أنا أحملهم على كفي وَبسط يَده وَمن شعره (غمرتني المكارم الغرّ مِنْكُم ... وتوالت عليّ مِنْهَا فنون) (شَرط إحسانكم تحقق عندي ... لَيْت شعرى الْجَزَاء كَيفَ يكون) وَكَانَ مَوته فِي رَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة ٧٢٩ تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وتأسّف النَّاس على فَقده ٢١٤ - علي بن أَبى بكر بن سُلَيْمَان بن أبي بكر بن عمر بن صَالح نور الدَّين الهيثمي الشافعي الْحَافِظ ولد فِي رَجَب سنة ٧٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقُرْآن ثمَّ صحب الزين العراقي وَلم يُفَارِقهُ سفراً وحضراً حَتَّى مَاتَ ورافقه فِي جَمِيع مسموعاته بِمصْر والقاهرة والحرمين وَبَيت الْمُقَدّس ودمشق وبعلبك وحماه وحلب وحمص وطرابلس وَغَيرهَا وَلم ينْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر إلا بمسموعات يسيرَة ومشائخ قَليلَة وَصَاحب التَّرْجَمَة مكثر سَمَاعا وشيوخاً وَلم يكن الزين يعْتَمد فِي شئ من أُمُوره إلا عَلَيْهِ وزوّجه ابْنَته ورزق مِنْهَا عدَّة أَوْلَاد وَكتب الْكثير من تصانيف الزين وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكْثَرهَا وَتخرج بِهِ وورى بِهِ فى افراد زَوَائِد كتب كالمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني وَالْمَسَانِيد لأحمد وَالْبَزَّار وأبي يعلى على الْكتب السِّتَّة وابتدأ أَولا بزوائد أَحْمد فجَاء فِي مجلدين وكل وَاحِد من الْخَمْسَة الْبَاقِيَة فى تصنيف مُسْتَقل الا الطبرانى الاوسط وَالصَّغِير فهما في تصنيف ثمَّ جمع الْجَمِيع فى كتاب وَاحِد مَحْذُوف الأسانيد سَمَّاهُ مجمع الزَّوَائِد وَكَذَا

стр. 441

أفرد زَوَائِد صَحِيح ابْن حبَان على الصحيحيين ورتب أَحَادِيث الْحِلْية لابى نعيم على الأبواب وَمَات عَنهُ مسودة فبيّضه وأكمله ابنحجر فى مجلديم وَأَحَادِيث الغيلانيات والخلعيات وفوايد تَمام الأفراد للدَّار قطني أَيْضا على الْأَبْوَاب فو مجلديم ورتب كلا من ثِقَات بن حبَان ثِقَات العجلي على الْحُرُوف وأعانه بكتبه ثمَّ بالمرور عَلَيْهَا وتحريرها وَعلم خطبهَا وَنَحْو ذَلِك وعادت بركَة الزين عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَفِي غَيره وَكَانَ عجباً في الدَّين وَالتَّقوى والزهد والإقبال على الْعلم وَالْعِبَادَة وخدمة الزين وَعدم مُخَالطَة النَّاس فِي شئ من الْأُمُور والمحبة للْحَدِيث وَأَهله وَحدث بالكثير رَفِيقًا للزين وَبعد موت الزين أَخذ عَنهُ النَّاس وَأَكْثرُوا وَمَعَ ذَلِك فَلم يُغير حَاله وَلَا تصدر وَلَا تمشيخ ولميزل على طَرِيقَته حَتَّى مَاتَ في لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع وعشين رَمَضَان سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة قَالَ ابْن حجر أنّه تتبع أَوْهَامه في مجمع الزَّوَائِد فَبَلغهُ فَعَاتَبَهُ فَترك التتبع قَالَ وَكَانَ كثير الاستحضار للمتون يسْرع الْجَواب بِحَضْرَة المين فيعجب الزين ذَلِك قَالَ وَكَانَ من لَا يدرى يظنّ لسرعة جَوَابه بِحَضْرَة الزين أَنه أحفظ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْحِفْظ الْمعرفَة على بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مَنْصُور بن على الموصلى زين الدَّين ين شيخ القوفية بِالتَّصْغِيرِ اسْم مَكَان كَانَ جده الأعلى مُنْقَطِعًا بمَكَان بالموصل وَكَانَ المَاء بَعيدا عَنهُ فَرَأى رُؤْيا فحفر حفيرة فى ذَلِك الْمَكَان فجرت مِنْهُ عين

стр. 442

لَطِيفَة فَقيل لَهُ شيخ القوفيه ولد صَاحب التَّرْجَمَة في رَجَب سنة ٦٨١ إحدى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بالموصل وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ الشاطبية وَشَرحهَا عَن الشَّيْخ شمس الدَّين بن الْوراق وَأخذ سَائِر الْعُلُوم عَن جمَاعَة وَسمع الحَدِيث عَن زَيْنَب بنت الْكَمَال والمزيّ وَغَيرهمَا وَشرع فِي التصانيف فشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وفروع ابْن الساعاتي ونظم الحاوي الصَّغِير وَشرح الْمِنْهَاج وَشرع فِي شرح التسهيل لِابْنِ مَالك وَغير ذَلِك قَالَ ابْن رَافع في ذيل تَارِيخ بَغْدَاد كَانَ حسن الْعبارَة لطيف المحاضرة مليح البزة جميل الْهَيْئَة كثير التودّد خيراً ديناً وَهُوَ الذي كتب إليه الصفدي السُّؤَال الْمَشْهُور في قَوْله تَعَالَى استطعما أَهلهَا وَجعله نظماً فَقَالَ (أَلا إنما الْقُرْآن أكبر معجز ... لافضل من يهدي بِهِ الثَّقَلَان) (وَمن جملَة الإعجاز كَون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وَبسط معَان) (ولكنني في الْكَهْف أَبْصرت آيَة ... بهَا الْفِكر في طول الزَّمَان عناني) (وَمَا ذَاك إلا استطعما أَهلهَا فقد ... يرى استطعماهم مثله بِبَيَان) (فَمَا الْحِكْمَة الغراء فِي وضع ظَاهر ... مَكَان ضمير إنّ ذَاك لشان) فأجاب صَاحب التَّرْجَمَة (سَأَلت لماذا استطعما أَهلهَا أَنى ... عَن استطعماهم ان ذَاك لشان) (وَفِيه اخْتِصَار لَيْسَ ثمَّ وَلم تقف ... على سَبَب الرجحان مُنْذُ زمَان) (فهاك جَوَابا رَافعا لنقابه ... يصير بِهِ الْمَعْنى كرأي عيان) (إذا مَا اسْتَوَى الحالان في الحكم رجح ال ... ضمير وَأما حِين يَلْتَقِيَانِ) (فإن كَانَ في التَّصْرِيح أظهر حِكْمَة ... لرفعة شَأْن أَو حقارة جَان) (كَمثل أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول ذَا ... وَمَا نَحن فِيهِ صَرَّحُوا بِأَمَان)

стр. 443

(وَهَذَا على الإيجاز وَاللَّفْظ جَاءَ فِي ... جوابي منثوراً بِحسن بَيَان) (فَلَا تمتحن بالنظم من بعد عَالما ... فَلَيْسَ لكلّ بالقريض يدان) (وَقد قيل إنّ الشّعْر يزري بهم فَلَا ... يكَاد ترى من سَابق برهَان) (واستغفر الله الْعَظِيم بِمَا طَغى ... بِهِ قلمي أَو طَال فِيهِ لساني) قَالَ ابْن حجر وشعره أَكثر انسجاماً وَأَقل تكلفاً من شعر الصفدي وَمَات بالموصل فِي رَمَضَان سنة ٧٥٥ خمس وَخمسين وَسَبْعمائة ٢١٦ - علي بن دادو بن يُوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول الْملك الْمُجَاهِد ابْن الْمُؤَيد بن المظفربن الْمَنْصُور صَاحب الْيمن ولي السلطنة بعد أَبِيه فِي ذي الْحجَّة سنة ٧٢١ وثار عَلَيْهِ ابْن عَمه الظَّاهِر بن الْمَنْصُور وَجَرت حروب بَينهمَا ثمَّ اسْتَقر الْمُجَاهِد بزبيد فحاصره الظَّاهِر فجربت من الْحصار ثمَّ كَاتب الْمُجَاهِد الإمام صَلَاح الدَّين صَاحب صنعاء فَأرْسل إليه عسكراً فجرت لَهُم قصَص طَوِيلَة إِلَى أَن آل الْأَمر إلى الْمُجَاهِد وَاسْتولى على الْبِلَاد كلهَا وَحج سنة ٧٤٢ وأحضر كسْوَة الْكَعْبَة وباباً لَهَا على أَنه يركبه ويكسو الْكَعْبَة وَفرق على المكيين مَالا كثيراً فَلم يمكنوه من ذَلِك فَلَمَّا رَجَعَ وجد وَلَده قد غلب على المملكة ولقب الْمُؤَيد فحاربه إلى أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله ثمَّ حج سنة ٧٥١ فَقدم محمله على محمل المصريين فَاخْتَلَفُوا وَوَقع بَينهم الْحَرْب وساعد أهل مَكَّة الْمُجَاهِد ثمَّ اسْتمرّ الْقَتْل في أهل الْيمن فَانْهَزَمُوا وَأسر الْمُجَاهِد وَأمْسك وَحمل إلى الْقَاهِرَة فأكرمه السُّلْطَان النَّاصِر وَحل قَيده وَقرر عَلَيْهِ مَالا يحملهُ وخلع عَلَيْهِ وجهزّه إلى بِلَاده وَأرْسل مَعَه بعض أمراءه فَلَمَّا وصل إلى الينبع فرّ مِنْهُ فأمسكه وأعيد إلى مصر فَجهز إلى الكرك فحبس بِهِ إلى

стр. 444

أَن خلع النَّاصِر حسن فأفرج عَنهُ فِي شعْبَان سنة ٧٥٢ واعيد الى بِلَاده ومملكته وَكَانَ ذَلِك بشفاعة بعض الْأُمَرَاء وَوصل إلى الْيمن فأقام في مَمْلَكَته إلى أَن مَاتَ وَكَانَت والدته لما حج قد دبرت المملكة وَلما بلغَهَا أسره أَقَامَت وَلَده الصَّالح وكتبت إلى التُّجَّار وروي أَنه ركب بعد أَن أطلق حصاناً وَمر على شاطئ النيل فعطش الحصان ونازعه الى شربه المَاء فَسَقَاهُ ثمَّ بَكَى أحر بكاء فَسَأَلَهُ بعض من كَانَ عِنْده عَن سَبَب بكائه فَقَالَ إن بعض المنجمين ذكر لَهُ وَهُوَ بِالْيمن أَنه يملك الديار المصرية ويسقي فرسه من النيل وَكَانَ يظن وُقُوع ذَلِك فَلَمَّا رأى فرسه في ذَلِك الْوَقْت يشرب من مَاء النيل عرف أَن ذَلِك الْقدر هُوَ الذي أُشير اليه وَمَات في جُمَادَى سنة ٧٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ٢١٧ - الشَّيْخ ملا علي قاري بن سُلْطَان بن مُحَمَّد الهروي الحنفي ولد بهراة ورحل إلى مَكَّة وَاسْتقر بهَا وَأخذ عَن جمَاعَة من الْمُحَقِّقين كَابْن حجر الهيثمي وَله مصنفات مِنْهَا شرح الْمشكاة وَشرح الشمايل وَشرح الوتريه وَشرح الجزرية وَشرح النخبة وَشرح الشِّفَاء وَشرح الشاطبية ولخص الْقَامُوس وَسَماهُ الناموس وَله الثِّمَار الجنية فِي أَسمَاء الْحَنَفِيَّة وَله غير ذَلِك قَالَ العصامي فِي وَصفه الْجَامِع للعلوم النقلية والعقلية والمتضلع من السنة النَّبَوِيَّة أحد جَمَاهِير والاعلام مشاهير أولي الْحِفْظ والأفهام ثمَّ قَالَ لكنه امتحن بالاعتراض على الْأَئِمَّة لاسيما الشافعى وَأَصْحَابه وَاعْترض على الإمام مَالك في إرسال يَدَيْهِ وَلِهَذَا تَجِد مؤلفاته لَيْسَ عَلَيْهَا نور الْعلم وَمن ثمَّة نهى عَن مطالعتها كثير من الْعلمَاء والأولياء انْتهى وَأَقُول هَذَا دَلِيل على علو مَنْزِلَته فان الْمُجْتَهد شَأْنه أَن

стр. 445

يبين مَا يُخَالف الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة ويعترضه سَوَاء كَانَ قَائِله عَظِيما أَو حَقِيرًا تِلْكَ شكاة ظَاهر عَنْك عارها وَكَانَ وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة سنة ١٠١٤ أَربع عشرَة وَألف ٢١٨ - علي بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْعَلَاء الدمشقي الصَّالِحِي الحنبلي وَيعرف بالمرداوي ولد تَقْرِيبًا من سنة ٨٢٠ عشْرين وثمان مائَة بِمُرَاد ونشأبها فحفظ الْقُرْآن وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على احْمَد بن يُوسُف ثمَّ تحول إِلَى دمشق وَقَرَأَ على علمائها في الْفُنُون ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَأخذ عَن علمائها وتصدى للإقراء بِدِمَشْق ومصر وللافتاء وصف التصانيف مِنْهَا الإنصاف في معرفَة الرَّاجِح من الْخلاف أَربع مجلدات كبار وَاخْتَصَرَهُ في مُجَلد وتحرير الْمَنْقُول في تمهيد علم الْأُصُول وَشَرحه وَسَماهُ التحبير في شرح التَّحْرِير في مجلدين وَله تصانيف غير ذَلِك وَهُوَ عَالم متقن مُحَقّق لكثير من الْفُنُون منصف منقاد إلى الْحق متعفف ورع وَمَات فِي جُمَادَى الأولى سنة ٨٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة ٢١٩ - علي بن صَالح العماري ثمَّ الصنّعاني ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وماية وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره في كثير من الْفُنُون وبرع في عُلُوم الْأَدَب وشارك فِي التَّفْسِير والْحَدِيث مُشَاركَة قَوِيَّة وَتفرد بِمَعْرِِفَة فنون كعلم الْهَيْئَة والهندسة والنجوم وَكتب الْخط الفايق ونظم الشّعْر الْحسن وَهُوَ متفرد بِكَثِير من المحاسن قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعَة ذكي قوى الادراك بديع التَّصَوُّر ضخم الرياسة جيد التَّدْبِير اتَّصل أول أمره بمولانا الإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ﵀ وولاه أعمالاً وَصَارَ بعد ذَلِك أحد وزرائه وَكَانَ

стр. 446

يمِيل إليه ويؤثره لما لَدَيْهِ من الْفَضَائِل ثمَّ انحرف عَنهُ قَلِيلا ثمَّ عَاد لَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وعزم قبل مَوته على تَفْوِيض الوزارة اليه فَمَاتَ وبويع مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه اله فولاه بندر المخا وَهُوَ أكبر ولَايَة فى القطراليمنى وبقي هُنَالك نَحْو خمس سِنِين وشكر النَّاس ولَايَته وَحسن تَدْبيره وَهُوَ مَعَ ذَلِك مورد لأهل الْعلم والفضائل وَيَأْخُذ عَن كل من رأى لَدَيْهِ علماً لَا يعرفهُ ويستفيده في أسرع مُدَّة ثمَّ عَاد من المخا إِلَى صنعاء وَقد جمع دنيا عريضة وَكَانَ يتَّصل بالخليفة حفظه الله في كثير من الْأَوْقَات فحسده جمَاعَة من الوزراء فأبعدوه ثمَّ بعد أَيَّام فوّض إِلَيْهِ مَوْلَانَا الإمام وساطة بعض مداين الْيمن والمشارفة على بعض أملاكه فَصَارَ من جملَة الوزراء وَاجْتمعت بِهِ فِي مقَام مَوْلَانَا الْخَلِيفَة مَرَّات عديدة وَكَانَ يذاكر هُنَالك بمسائل مفيدة وسألنى بمسائل أجبْت عَلَيْهَا برسائل هي مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع رسائلي وَآخر مَا سَأَلَني عَنهُ قبل مَوته عَن كَلَام المفترين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل﴾ وَأورد فى السُّؤَال اعترضات على الزمخشري والسعد وأجبت عَنهُ برسالة سميتها جَوَاب السَّائِل عَن تَفْسِير تَقْدِير الْقَمَر منَازِل وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ متفرد بمواد كِتَابَة الإنشاء وَمَا يحْتَاج إليه من عُلُوم الأدب وَغَيرهَا مَعَ جودة النّظم والنثر الى غَايَة والاقتدار من ذَلِك على مالم يقتدر عَلَيْهِ غَيره ولعمري أَنه يفضل كثيراً من الافاضل الْمُتَقَدِّمين المتفردين بالبلاغة لمَاله من دقة الذِّهْن وممارسة الْعُلُوم الدقيقة وَحسن الْخط على حد يقصر عَنهُ الْوَصْف وَالْقُدْرَة على اخراج كثير من الصَّنَائِع من الْقُوَّة إلى الْفِعْل وَله من ذَلِك مَا ينبهر لَهُ من يعرف الْحَقِيقَة وسأذكر من أَدِلَّة تفرده وَصدق مَا شرحته فِي حَقه مَالا

стр. 447

يَسْتَطِيع الْمُنكر إنكاره ليعلم المطلع على ذَلِك أَنه فَوق مَا وَصفته بل هُوَ مِمَّن يفتخر بِهِ الْعَصْر على مَا تقدمه من العصور ويكفى فى تَصْحِيح هَذِه الدَّعْوَى ذكر النظم والنثر الذي كتبه إلى الإمام المهدي يستعطفه بِهِ في سنة ١١٧٩ وَقد اشْتَمَلت كل فقرة من فقر النثر على تَارِيخ هَذِه السنة وكل بَيت من بيُوت النّظم على تاريخين كَذَلِك في الصَّدْر تَارِيخ وَفِي الْعَجز تَارِيخ مَعَ سلاسة النّظم والنثر وَعدم التَّكَلُّف وَهَذَا شئ لَا يبلغ اليه قرايح أهل هَذَا الْعَصْر بل لَا يظن اقتدار أهل العصور المتقدمة عَلَيْهِ وإن قدر عَلَيْهِ فَرد من الْأَفْرَاد جَاءَ بِهِ في كَلَام معقّد متكلّف قد روعيت فِيهِ الْأَلْفَاظ وهجرت الْمعَانى وَهَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِى اشرنا اليها يَقُول أفقر عباد الإله على العماري عمته مَكَارِم الْحَلِيم الْبَارِي بِحَمْد الله استهل الإنشاء كَمَا بدا وَجه الْهلَال وبجدى أشكره في الْبكر وَالْآصَال ﷻ عَن مُشَاركَة لَهُ فِي ملكه وَعَن ندّ ينشئ السَّحَاب الثقال بِمد ويمتن تَعَالَى دَائِما أبداً بِلَا عد وَصلَاته وَسَلَامه الأكملان أبدا على سيدنَا مُحَمَّد وَآله ماغاب هِلَال وجدد ونادى المهدي مهني بِلِسَانِهِ وَاسْتشْهدَ (مليك الورى لَا زلت في قايم العلى ... هلالا منيرا مشرقا قَائِما باهى) لازلت في نعم توالي وَبهَا نصر من الرب تَعَالَى (وتبدئ للدنيا سُرُورًا وأنعما ... فدمت لنا ركن الْهدى أمراً ناهي (فَلَا بَرحت في عَيْش جَدِيد نايلا بجد ماتهوى وتريد لَك فوز الْأجر في الشَّهْر السعيد مبشرا بنيل رجواك بِهِ من الْعَزِيز الحميد (تقدم شهر الصَّوْم بالفوز مُعْلنا ... وَطيب الثَّنَاء وافاك من طيبه الشاهى)

стр. 448

لعز ذُو الْجلَال والاكرام مدلك الْأجر بِهَذَا الْعَام وَبِهَذَا هنئت وحزت بِهِ مَا شِئْت (وفي كل عَام نلْت أجراً لرَبه ... وَمَا بت عَن شكر بجد لَهُ لاهي) زادك رب الْخلق بجود مِمَّا أولى وبوأك بِحَدّ الشرف الرفيع الأعلى وولاك رِقَاب الْخلق أبداً وَأولى فَنعم مَا أولاك تَعَالَى وَجها وَنعم الْمولى (ودونك قولا للحب مؤرخ ... على كل شطر لَيْسَ شين وَلَا لاهي) وَلما ورخ بِهِ كل سجعه زيد تمنعاً على من رام مَنعه فَلهَذَا جَاءَهُ مُحكم الصنعة وأعجز فِيهَا من يروم تأليفه وَجمعه) (ينبيك لما جا بحالى مذكرا ... وماصرت عَنى بعد طول الجفا ساهي) (عجب فهمك الشريف يفهم لمقالي لست بالساهي عَن أمري فأنبهك لحالي) (فكمال عافيتك من ربي هُوَ جل مالي وَلَئِن بقيت بهَا كملت آمالي) (وَدم صاعداً في الْمجد أشرف مقْعد ... على حسن عَيْش نوره منوّر زاهي) آمنا بِهِ سالماً من حُدُوث ريب الزَّمن محجوباً عَن بوادى الْفِتَن وشوائب حبك الاحن فاكثر حمدا لله تصلح بِهِ كل نِيَّة وأشكر بِهِ دَائِما في السِّرّ وَالْعَلَانِيَة (فَهَذَا هِلَال الصَّوْم وافى هلاله ... بمبدأ عمر دهره لَيْسَ متناهي) فاستأنف الْآن عزا بدا وعمراً جَدِيدا وعش بدوام نعيم سعد عَيْشًا حميداً وأخلق بدوام أيامه ولياليه عيداً فعيدا فتهن اجرابه دَائِما وعمراً مديداً (تهن بِمَا أَعْطَيْت فِيهِ مهناء ... هوالخير بالإقبال والعزّ والجاه) وأنجز وَتمّ مَا كتب بالقلم وَمَا أبدعه مداده ونظم وانقضى بجيد

стр. 449

الْمقَال وَبعد أَن بشر بالنصر والإقبال (وَقد جَاءَ نصر الله بِالْفَتْح قَابلا ... وتبّت لَهَا الأعداء فَالْحَمْد لله) أسأَل من رَبنَا تَعَالَى بَان يحسن إليك بإتمام نعْمَته عَلَيْك ويخولك بكرمه وبجود مهنيا بِمَا لديك ويحوطك بامنه من خَلفك وَمن بَين يَديك وحساب هَذِه الْفقر ومصاريع الأبيات واف وَلَا نقص في شئ مِنْهُ إلا في مَوضِع وَاحِد فإنه نقص مِنْهُ وَاحِد فَقَط فَمن ظنّ أَن ثمَّة نقصاً في غير ذَلِك فَهُوَ إما لتصحيف من الظَّان أَو تَحْرِيف وَمن تَأمل هَذِه الْقطعَة بِعَين الْحَقِيقَة علم مِقْدَار منشيها ومرتبته في الْفضل وَبَعض الأبيات والفقر وإن كَانَ يظن بعض من لم يمارس عُلُوم الاعراب أَن فِيهِ لحناً فَمَا ذَلِك إلا من قُصُور بَاعه فإن لكل من ذَلِك وَجها وجيهاً فِي الْعَرَبيَّة ثمَّ لما أَرَادَ الْحَج كتب إلى الإمام المهدي هَذَا النظم والنثر مودعاً لَهُ ومستعطفاً وَلَفظه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ونحمده تَعَالَى وإن نطق الْقَلَم بالتشبيب وعنى عَن الْغَرَض الْبعيد بالقريب فقصده مُنَاسبَة الْقَصْد لَا النسيب فَلهَذَا صرخَ بالاستهلال وَصرح بالخفي فَقَالَ (أجرم مَا يُقَال لَهُ عثار ... وذنب لَا يكون لَهُ اغتفار) (وَهل يسْتَوْجب التعذيب طرف ... جرى مِنْهُ انهمال وانهمار) (وقلب لَا يفِيق عَن التصابي ... وَلَا ينهاه ضعف وانكسار) (بِهِ ظبي لَهُ الجوزاء قرط ... مليح والهلال لَهُ سوار) (لَهُ مالي بِلَا من وروحي ... ولي مِنْهُ الملالة والنفار) جرح فؤادي بأسياف الْعُيُون وَضعف قلبي بسهام الجفون وَلما

стр. 450

صَحَّ لَهُ عَن الْقلب حَدِيث الْهوى وروت لَهُ الجفون على الطرف مَرَاسِيل النَّوَى وَعلم الدَّهْر أَن قلبي موثق في يَدَيْهِ وموصول دمعي مَوْقُوف عَلَيْهِ علل بالجفاء ذَلِك الْوِصَال فَقَالَ عَنهُ بِلِسَان الْحَال (سقى دهرا نعمنافيه عَيْشًا ... وأياما لياليها قصار) (وَمر كَأَنَّهُ اصغاث نوم ... فَمَا عندي لماضيه ادكار) أنساني معرفَة تنكير الزَّمن لما نصبت صروفه على الْحَال خيام المحن وَلما ولع بخفض عَيْش الْمَرْفُوع أهملت كَلَام العاذل الْمَوْضُوع وصرفته عَن الإغراء فَهُوَ الْمَمْنُوع وَقلت مُبينًا مَا كَفاهُ من اتِّبَاع العذل عَن الْمَتْبُوع وأغناه عَن الْمثنى من الملام وَالْمَجْمُوع (أعاذل قد كَفاك العذل دهر ... وَقَامَ بِمَا جناه الاغترار) (تلوم فَتى أَصَابَته الرزايا ... وفارقه الشَّبَاب الْمُسْتَعَار) (أبعد الْخمس وَالْعِشْرين يصبو ... لعمر أَبِيك هَذَا الاغترار) (ذهب عَنهُ تصريف الْهوى وَمَعْنَاهُ وانقلبت عينه غيناً فَتغير مبناه جرد الْوَقار زِيَادَته بتخفيفه واسقط الزَّمَان تعديه بتضعيفه وَغير أُصُوله بِالتَّصْغِيرِ من أَصله حَتَّى أنسانى بِذكر صَحِيحه ولفيفه ومعتله (وَلم أنس الَّتِى قَامَت لعزمي ... تودعني وأدمعها غزار) (تخوفني نوىً عرضت وطالت ... وتخشي أَن يكون فَلَا مَزَار) (تَقول وَقد أجد الْبَين مهلاً ... بِنَفْسِك لَا يشقّ بك البدار) (وَلم تكسب يداك سوى ثَنَاء ... فَلَيْسَ عَلَيْك مهما كنت عَار) (وَمَا لطخت عرضك بالدنايا ... وَلَا دارت على فِيك الْعقار) (سَوَاء والإقامة مِنْك عزم ... وسيّان الخفا والاشتهار)

стр. 451

(وَمن شرفت لَهُ نفس وَعرض ... فأنى كَانَ كَانَ لَهُ افتخار) تَكَلَّمت بمنطق غير مَمْنُوع تساوى بِهِ الْمَحْمُول والموضوع مَا أقربها إلى الْقيَاس بالمحال وَمَا ابعدها عَن الْوَهم بالخيال أيظن الْفَصْل يغني عَن الْعرض الْعَام أَو يخال الْجِنْس يعين الْحَد على التَّمام فَقلت لما قصدت الْخُلُو بِالْجمعِ وساوت بَين الشَّرْط وَالْمَنْع) (دعينى لَا ابالك أن قصدي ... إِلَى بَاب الْكَرِيم هُوَ الفخار) (أيرضى بالهوان فؤاد حر ... يعزّ عَلَيْهِ للضيم اصطبار) (وَمَا دَار الْأَحِبَّة لي بدار ... إِذا مانالنى فِيهَا احتقار) (فبالأحباب أحباب وداري ... هي الدُّنْيَا وبالجيران جَار) وكل النَّاس أخوالى وتربي ... لَهُم ترب وكل الأرض دَار) إذا اتّحدت معانيهم فى الظَّاهِر وزالت الغرابة بخلوص التنافر وَكَانَ الْأَب آدم وَالأُم حَوَّاء فقد اقْتضى الْحَال تطابق الأهواء بعد عَن جبلتهم من شرفة خالقه بالمجاز إلى الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة وَأَنْشَأَ اختراعه من أسلوب تعذّر فِيهِ الإخبار عَنهُ بِالصِّفَاتِ البشرية فَلِذَا لذت بِهِ من نَوَائِب الزَّمن وَقلت مُصَرحًا باستنكار ماجنته المحن (معذ الْمجد والعلياء أني ... أضام ولي إلى الْمهْدي ائتمار) (منيع الْجَار لَو يشكي هِلَال ... عَلَيْهِ النَّقْص فَارقه السرَار) (وَلَو وافاه ليل خَائفًا من ... هجوم الصُّبْح مَا طلع النَّهَار) (مليك هذب الْأَيَّام حَتَّى ... خشت سطواته الصمّ الحجار) (وطيرفي بقاع الأَرْض قسرا ... عداهُ فَكل قلب مستطار) (وَلَوْلَا سطوة لليث تخشى ... لزاحمه على الغاب الْحمار

стр. 452

(كريم لَا يشوب عطاه من ... حَلِيم لَا يخف لَهُ وقار) (اذالمست يَدَاهُ لقصد جود ... بيبس الْعود عَاد لَهُ اخضرار) (وإن لمست يَدَاهُ بِيَوْم فتك ... نصال السَّيْف كَانَ لَهُ احمرار) (ففي يمناه للعافين يمن ... وفي يسراه للساري يسَار) (يهون عَلَيْهِ فى كسب المعالي ... وفي أخذ العدى الذَّهَب النضار) (بِهِ اغتفرت جنايات الليالي ... وجاد بوعده الْفلك الْمدَار) (يضمن صَدره حلماً وعلماً ... غزيراً لَا تقاس بِهِ الْبحار) (فَلَو كشف الغطا مَا ازددت علماً ... على علم هُوَ الْعلم الْمنَار) (فداؤك عَالم لم يبْق فيهم ... بجدواك احْتِيَاج وافتقار) كرم بنانه الْمَجْمُوع مغن عَن الْبَيَان وَكَمَال جوده الْمُفْرد غني عَن التَّشْبِيه بالإمكان فَكيف لَا أقوم بشكر برّه وإنعامه وإن أطلت الثَّنَاء فَكيف لي أَن أمدحه بِعشر معشارا كرامه فَهُوَ الذى ربانى صَغِيرا وغذانى بلبان أنعامه كَبِيرا لَهُ أياد علي سَابِقَة أعد مِنْهَا وَلَا أعددها لذا مددت إليه كف الِاعْتِذَار وَقلت مُصَرحًا بِمَا أَشْكُو من الزَّمن الجوال (أَمِير الْمُؤمنِينَ فدَاك عبد ... أناحت عِنْده النوب الْكِبَار) (رَمَاه الدَّهْر محتالاً بقوس ... من الْحدثَان أسهمه الْبَوَار) (أينسفني الزَّمَان ولي انتماء ... اليك ولي بخدمتك انتصار) (إذا مَا كنت وَالْأَيَّام عوناً ... عليّ وجورها فلك الْخِيَار) (فإما أن اقيم بضنك عَيْش ... وثوباى المذلة وَالصغَار) (واما أَن أقيم بِثَوْب عز ... خلت عَنهُ الْمضرَّة والضرار) عبد رفعته على يَقِين الِابْتِدَاء وخفضته على توهم الاعتداء رق لَهُ

стр. 453

الْحَاسِد ورثى لَهُ الشامت وكادت أَن تتحرك رَحْمَة لَهُ النُّجُوم الثوابت نصبت بربعه خيام المصايب وركضت في ميدانه خُيُول النوايب وَهل يفزع الخايف إِلَى غير حضرتك أَو يعزّ الذَّلِيل بِغَيْر سدتك (وَأَنت أَحَق من يرْعَى ذماما ... وَمن تحمى بِحَضْرَتِهِ الذمار) (نعم من ذَا الذي مَا حَاز نقصاً ... وَمن أغناه عَن قدر حذار) (الْيَسْ المرأ من مَاء وطين ... وَقد نقص الْهلَال المستنار) (اذا مالم تخنك يَد وَعين ... وَلَا قلب فقد خفّ القطار) كَيفَ تخونه يَده أَو قلبه من ملئ من فرنه الى قدمه من حبه تبت يَد مدّت إلى مالم يشتهيه وعميت عين لحظت مَالا يرتضيه وخرست لِسَان فاهت بِغَيْر الْمَدْح فِيهِ (أمير الْمُؤمنِينَ فأى ذَنْب ... أتيت وَكَانَ لى مِنْهُ اخْتِيَار) (لقد كثرت حسّادي فجازوا ... على حسّاد آدم حِين جاروا) (وَقد ألبست من علياك فخراً ... ومجداً لَا يُبَاع وَلَا يعار) (وَلم يكسبني الإقلال ذلاً ... وأني ذَا وجودك لي عقار) مَا أكئبنى غير سخطك وَلَا أهمني سوى عتبك وَأَن الْعَفو ثَمَرَة الذُّنُوب والخطأ وَكَمَال الإحسان التجاوز عَن الاعتدا (أَمِير الْمُؤمنِينَ أطلت سخطاً ... ومثلي من يُقَال لَهُ العثار) (لسخطك لَا أقيم بأرض عز ... وإن عزّت فلي عَنْهَا نفار) (وإني إن نأوت فَغير ناء ... بودك وهولى أبداً شعار) (وَمَا سَافَرت في الآفاق إلا ... وَمن جدواك عيشي والدثار) (مُقيم الظَّن عنْدك والأماني ... وإن شطت بي النوق العشار)

стр. 454

(مقامك كعبتى وحماك ركني ... ولي حج ببابك واعتمار) (أَطُوف بِهِ وأرم كلّ يَوْم ... جمار الْهم إن رمى الْجمار) (أَمِير الْمُؤمنِينَ اليك وافت ... تهادي والمديح لَهَا شنار) (مودّعة وَمَا التوديع فِيهَا ... قلاء أوملال أَو نفار) (برغم الْمجد أَن يرضى فِرَاق ... لحضرتك الْعلية أَو سفار) (وَدون بعاد يَوْم مِنْك عِنْدِي ... يهون الصاب أكلاً والمرار) (وَهَذَا ان تعذر مدكف ... لتوديعي وداع واختصار) (وَدم للْملك مَا هبّت شمال ... وَمَا غنى على الْغُصْن الهزار) أنظر مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْقطعَة من الانسجام والسهولة والسلامة من الحشو والتكلف مَعَ مَا فِي ضمن النثر من التَّوْجِيه بالعلوم فشرع بالتوجيه بِعلم اصْطِلَاح الحَدِيث ثمَّ النَّحْو ثمَّ الصّرْف ثمَّ الْمنطق ثمَّ الْمعَانِي وَالْبَيَان وَمَعَ هَذَا فسنه ذَا ذَاك خمس وَعشْرين سنة كَمَا يفِيدهُ قَوْله (أبعد الْخمس وَالْعِشْرين يصبو ... لعمر أَبِيك هَذَا الاغترار) والقطعة الأولى الْمُشْتَملَة على التواريخ هُوَ أَنْشَأَهَا أَيْضا قبل أَن يستكمل ثَلَاثِينَ من عمره وَله أشعار فِي آخر عمره أَعلَى من هَذِه الْقطعَة الْمَذْكُورَة سَابِقًا وَقد أنشدني من ذَلِك كثيراً وَمَا أحسن قَوْله فِي بعض قصائده (وإذا رامت الذبابة للشم ... س غطاء مدت عَلَيْهَا جنَاحا) وَاسْتمرّ على اتِّصَاله بالإمام المهدي ثمَّ بمولانا خَليفَة الْعَصْر حَتَّى توفاه الله تَعَالَى في يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع شهر جُمَادَى الأولى سنة ١٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قبل تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة بِنَحْوِ نصف سنة فرحمه

стр. 455

الله وَتجَاوز عَنهُ فَلَقَد كَانَ من محَاسِن الْعَصْر ومفاخر الدَّهْر وَله أَوْلَاد أكبرهم أَحْمد وَهُوَ الذي قَامَ مقَامه وَهُوَ ماش على طَرِيقَته في الكمالات لَهُ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والخط الْحسن والعرفان التَّام وتلوه في الْعُمر حُسَيْن وَقد تقدّمت تَرْجَمته ثمَّ إسماعيل وَمُحَمّد وقاسم وَهَؤُلَاء كل وَاحِد مِنْهُم على حَدَاثَة أسنانهم لَهُ شغلة بِالْعلمِ والبلاغة وَالنّظم والنثر والكمال في فنون الأدب ٢٢٠ - عليّ بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَبى الرِّجَال الصَّنْعَانِيّ الشَّاعِر الْمجِيد من شعره (وَلَقَد أَقُول وَقد تغنّت في الْحمى ... وَرْقَاء ذَات صبَابَة وولوع) (وَالْعود فى يَدهَا يمِيل والفها ... يختال بَين خمائل وفروع) (وَالْعين قد سفحت وهاج لَهَا البكا ... تذكارها لاحبة وربوع) (أحمامة الايك الَّتِى قد هيجت ... شجو الكئيب بِأَنَّهُ وسجوع) (مهلا فنفخك للسوالف في الفضا ... أذكى غضا الأشجان بَين ضلوعي) (فدعي الْهوى ثمَّ اسبحي فتخيري ... درا لطوقك من بحار دموعي) وَله أشعار كَثِيرَة وَقد ترْجم لَهُ صَاحب طوق الصادح وَصَاحب

стр. 456

نسمَة السحر وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته ٢٢١ - السَّيِّد علي بن صَلَاح بن مُحَمَّد العبالي بِالْمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة بعْدهَا مُوَحدَة أَصله من الحرجة بمهملتين مفتوحتين ثمَّ جِيم قَرْيَة مَا بَين الْحجاز وصعدة وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء وَمن جملَة أنصار الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد كَانَ يَبْعَثهُ فى مهماته ويصفه بالاوصاف الجميلة حَتَّى قَالَ فِيهِ لَا أَخَاف على أهل الْيمن وَفِيهِمْ هَذَا يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وأرسله في أول دَعوته إلى القاضي الْعَلامَة يُوسُف الحماطي ليَأْخُذ مِنْهُ الْبيعَة فَقَالَ القاضي لَا معرفَة لي بِمِقْدَار الإمام فِي الْعلم ولابد أَن أورد عَلَيْهِ مسَائِل فَقَالَ هَات مَا تُرِيدُ إيراده عَلَيْهِ من الْمسَائِل فَذكر لَهُ مسَائِل مشكلة فَأَجَابَهُ في الْحَال بجوابات ارتضاها فَقَالَ لَهُ امدد يدك أُبَايِعك فأنت أهل للامامة فَقَالَ لَهُ لَا تفعل فَلَيْسَ علمى بِالنِّسْبَةِ إلى علم الإمام شَيْئا فاطمأنت نفس القاضي وَبَايع وَمَات في شهر رَجَب سنة ١٠١٩

стр. 457

تسع عشرَة وَألف بشهارة وَله أَوْلَاد أمجاد مِنْهُم الْحُسَيْن وَهُوَ من الْعلمَاء المبرزين وَهُوَ الذي كمّل شرح الشَّيْخ لطف الله الغياث على الكافية وَولده السحن بن علي من أكَابِر الْعلمَاء المدرسين المفيدين وَولده مُحَمَّد بن علي هُوَ الْقَائِل) (من خَالَفت أَقْوَاله أَفعاله ... تحوّلت أَفعاله أَفْعَى لَهُ) (من أظهر السِّرّ الذي في صَدره ... لغيره وهاله وهى لَهُ) (من لم يكن لِسَانه طَوْعًا لَهُ ... فَتَركه أَقْوَاله أقوى لَهُ) (وَمن نأى عَن الْحَرَام طَالبا ... من رشده حَلَاله حلى لَهُ) وهي أَبْيَات جَيِّدَة وفي الْبَيْت الأول نظر لَان أَفعاله فَاعل تحولت فَهُوَ مَرْفُوع وأفعى لَهُ لامه مَفْتُوح بِخِلَاف بَقِيَّة الأبيات فهي متوافقة الجناس بالحروف والحركات وَجرى الْقَلَم عِنْد كتب هَذِه الابيات بشئ من جِنْسهَا مثل عَددهَا وَهُوَ (لَا تشتغل بملبس فَكل ذي ... فضل ترى أسما لَهُ أسمى لَهُ) (من يطْلب الشئ الْعَظِيم عَاجِزا ... عَن حَملَة وناله ونى لَهُ) (من لم يذد رقيبه عَن مربع ... يلقى بِهِ غزاله غزى لَهُ) (فِي رَاحَة الْمَرْء وفى ترويحه ... فُؤَاده وباله وبى لَهُ ٢٢٢ - السَّيِّد على بن الإمام شرف الدَّين بن شمس الدَّين ولد فِي رَجَب سنة ٩٢٧ سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَن وَالِده وَغَيره وفَاق في فنون كَثِيرَة واشتهر بِالْعلمِ وَمَات فِي رَجَب سنة ٩٧٨ ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة بحصن حب مسموماً في سفرجلة أهداها لَهُ رجل وَولده ابراهييم من أكَابِر الْعلمَاء أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَأخذ عَنهُ جمَاعَة

стр. 458

من الأكابر مِنْهُم الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث وقبره بشبام ٢٢٣ - مَوْلَانَا الإمام خَليفَة الْعَصْر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين علي بن الإمام المهديّ الْعَبَّاس بن الْمَنْصُور حُسَيْن بن المتَوَكل الْقَاسِم بن حُسَيْن بن المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْمَنْصُور الْقَاسِم بن مُحَمَّد قد تقدم تَمام نسبه في تَرْجَمَة جده الْحسن بن الْقَاسِم ولد حَسْبَمَا سمعته مِنْهُ حفظه الله في سنة ١١٥١ إحدى وَخمسين وَمِائَة وألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا وفى سنة ١١٧٢ أَو فى الَّتِى قبلهَا فوض إليه وَالِده الإمام المهدي ولَايَة صنعاء وَجعله أَمِير الأجناد وَأمره بِسُكُون قصر صنعاء فَقَامَ بذلك قيَاما تَاما بحزم ومهابة وَحُرْمَة وافرة وَمَكَارِم وَاسِعَة وَحسن أَخْلَاق وصبر على الامور وسياسة لاحوال الْجُمْهُور فاستمر على ذَلِك ودام فِيهِ مُدَّة أَيَّام وَالِده وَاتفقَ في سنة ١١٨٤ أَن حسن العنسى السَّاكِن بجبل برط المتريس على ذوى مُحَمَّد وذوى حُسَيْن الساكنين فِي جبل برط وهم جَمْرَة عرب الْيمن إذ ذَاك وَأهل الشَّوْكَة مِنْهُم وَمن لَا يقوم لَهُم غَيرهم من سَائِر الْقَبَائِل وَقع بَينه وَبَين الإمام المهدي ﵀ خطوب كَانَت سَببا لِخُرُوجِهِ عَلَيْهِ فَخرج بِجَيْش من الْمَذْكُورين وَمن غَيرهم لم يخرج بِمثلِهِ أحد من أهل تِلْكَ الْجِهَات فاستعد لَهُ مَوْلَانَا الإمام المهدي وَجمع العساكر وَأرْسل اُحْدُ أُمَرَاء أبناده وَهُوَ الامير سندوس بمعظم جيوشه من خيل وَرجل وَسَائِر العساكر الْمَطْلُوبَة من الْقَبَائِل حَتَّى اجْتمع لَهُ جَيش كثير وَأمر أَمِير الأجناد وَمن مَعَه من الجيوش أَن يلتقي حسن العنسي إلى بعض الطَّرِيق فَلَمَّا علم بذلك حسن العنسي سلك طَرِيقا أُخْرَى فَلم يشْعر أهل

стр. 459

صنعاء إلا وَهُوَ فِي سعوان وَهُوَ مَحل شرقي صنعاء قريب مِنْهَا فحصلت بذلك رجّة في صنعاء كَبِيرَة وَكَانَ الإمام المهدي سَاكِنا فِي الْجَانِب الغربى من صنعاء ومولانا ولد هـ صَاحب التَّرْجَمَة سَاكِنا فِي الْقصر وَهُوَ في الْجَانِب الشرقي فَخرج عِنْد أَن بلغه ذَلِك الْخَبَر فى طَائِفَة يسيرَة من أَصْحَابه لَا يبلغون خمس مائَة رجل وَطَائِفَة يسيرَة من الْخَيل أَكْثَرهم لَا نفع فِيهِ لكَون مُعظم الْخَيل المنتخبة قد صَارَت صُحْبَة الأمير سندروس فاصطف لَهُ حسن العنسي وَأَصْحَابه وهم أُلُوف مؤلفة وَفِيهِمْ من أهل الشجَاعَة والتجربة للحروب والاعتياد للشرّ من هُوَ أَضْعَاف أَضْعَاف من مَعَ مَوْلَانَا بل مازال ذَلِك الْمِقْدَار الْيَسِير يتناقص بفرار من لَا يستحي من الْعَسْكَر وتسترهم بَين الإثل وَنَحْوه قبل الْوُصُول إِلَى المعركة فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ كَانَ من بَين يدى مَوْلَانَا بِالنِّسْبَةِ الى الْجمع الآخر كلا شئ وَهُوَ يقدم وَلَا ينثني ويحث من بَين يَدَيْهِ على المصابرة والإقدام ويحول بَينهم وَبَين الإحجام حَتَّى وصل بهم إلى نحر الْعَدو وضايقوهم غَايَة المضايقة وَقتلُوا مِنْهُم كثيراً وَلَكنهُمْ انثالوا عَلَيْهِم من جَمِيع الجوانب كأنهم الْجَرَاد فتاخر بِأَصْحَابِهِ قَلِيلا قَلِيلا وَهُوَ يدافع عَنْهُم وَخرج وَالِده الإمام المهدى مغيرا اليه ومغيثا لَهُ فالتقاه وَهُوَ يتهلهل لم يظْهر عَلَيْهِ فزع وَلَا جزع وَلَا طيش وَلَا خفَّة وَلَا وَجل وَلَا خطل بل من رَآهُ ظن أَنه جَاءَ من بعض المتنزهات وَهُوَ قد خرج من معركة تطيل لَهَا الْعُقُول وتشيب لَهَا الْولدَان وترجف مِنْهَا الأفئدة وتخرس عِنْدهَا الألسن وَهَكَذَا فلتكن الشجَاعَة وَبعد هَذِه الموقعة اعْترف لَهُ الْكَبِير وَالصَّغِير والجليل والحقير حَتَّى خصومه بِأَنَّهُ بمَكَان من ثبات الْجنان يقصر عَنهُ أَبنَاء الزَّمَان ثمَّ انه اسْتمرّ على امارة الْجَيْش

стр. 460

وَولَايَة صنعاء وَمَا يرجع اليها حَتَّى مَاتَ وَالِده الإمام المهدي في شهر رَجَب سنة ١١٨٩ فَبَايعهُ الْعلمَاء والحكام آل الإمام وَسَائِر النَّاس على اخْتِلَاف طبقاتهم وَلم يتَخَلَّف عَنهُ أحد وفرحوا بِهِ واغتبطوا بخلافته وأحبهم وأحبوه وَتَوَلَّى وزارته جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد علي بن يحيى الشامي إلى عِنْد مَوته ثمَّ الْفَقِيه الْحسن بن عُثْمَان القرشي ثمَّ وَلَده الفقيه حسن بن حسن وَمن جملَة وزرائه السَّيِّد أَحْمد بن اسمعيل فايع وَولى الْقَضَاء الأكبر عِنْد مبايعته القاضي العلاّمة يحيى بن صَالح السحولى وَأما أُمَرَاء أجناده فهم في أول خِلَافَته الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا في أَيَّام وَالِده الْأَمِير فَيْرُوز والنقيب ريحَان وَغَيرهمَا ثمَّ مَاتُوا وَصَارَت الإمارة إِلَى الْأَمِير سرُور الْمَنْصُور أَيَّامًا وَإِلَى النَّقِيب جَوْهَر وَأما ولَايَة صنعاء وإمارة الْجَيْش الذي كَانَ أَمِيرا عَلَيْهِم قبل خِلَافَته فَصَارَت أَيَّامًا يسيرَة إِلَى أَخِيه الْقَاسِم بن المهدي ثمَّ بعد ذَلِك صَارَت إِلَى وَلَده الْهمام صفي الإسلام أَحْمد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ الْآن الْقَائِم بتدبير الأجناد والمتولى لجَمِيع الْأُمُور بِصَنْعَاء وَمَا يَليهَا وَله من كَمَال الرياسة وَحسن مسك السياسة والمهابة والصرامة والفطنة بدقائق الْأُمُور والاطلاع على أَحْوَال الْجُمْهُور وجودة التَّدْبِير والخبرة بالجلي والخفى مَالا يُمكن وَصفه مَعَ النقادة التَّامَّة والشهامة الْكَامِلَة وعلو الهمة والمعرفة للأدب ومطالعة كتبه والإشراف على كتب التَّارِيخ ومحبة أهل الْفَضَائِل وَكَرَاهَة أَرْبَاب الرذائل والنزاهة والصيانة والميل إِلَى معالي الْأُمُور وَهُوَ أكبر أَوْلَاد الإمام وَقد تقدمت لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة ويليه في السن أخوه شرف الإسلام الْحسن بن أمير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق عَظِيم الهمة كريم السجية شرِيف النَّفس مطلع على ماتمس اليه
следующие страницы →