← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٢٤١ - علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن يحيى البكري الزيدي أحد الْعلمَاء اليمنيين الْمُحَقِّقين لَهُ مصنّفات مِنْهَا شرح مُقَدّمَة بَيَان ابْن مظفر وَشرح منهاج القرشي وَشرح مُقَدّمَة الأزهار وَكَانَ بعض أهل الْعلم يفضله على عبد الله النجري الْمُتَقَدّم ذكره وَقد كتب إليه الإمام عز الدَّين بن الْحسن كلَاما فى مسئلة الإمامة وَأجَاب عَنهُ بِجَوَاب هُوَ مَوْجُود فِي فَتَاوَى الإمام عز الدَّين وَكَانَ مُتَّصِلا بالإمام المطهر بن مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان وَقَائِمًا بِكَثِير من أُمُور خِلَافَته قَالَ صَاحب مطلع البدور وَهُوَ الذي حكى صفة الْكتاب الْوَاصِل الى الامام المطهر من الْفَقِيه مُحَمَّد بن الأصم أَنَّهَا اتفقت فِي زمن الإمام الْمَذْكُور قصَّة عَجِيبَة ونكتة غَرِيبَة فِي بلد شامى الحرجة تسمى الْحمرَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِيهَا رجل من الزرعة وَكَانَ ذادين وَصدقَة فاتفق أَنه بنى مَسْجِدا يصلي فِيهِ وَجعل يأتي ذَلِك الْمَسْجِد كل لَيْلَة بالسراج وبعشائه فإن وجد فِي الْمَسْجِد من يتَصَدَّق عَلَيْهِ أعطَاهُ ذَلِك الْعشَاء وإلا أكله وَصلى صلَاته وَاسْتمرّ على ذَلِك الْحَال ثمَّ أنها اتفقت شدَّة ونضب مَاء الْآبَار وَكَانَت لَهُ بير فَلَمَّا قل مَاؤُهَا أَخذ يحتفرها هُوَ وَأَوْلَاده فخربت تِلْكَ البير وَالرجل فِي أَسْفَلهَا خراباً عَظِيما حَتَّى إنه سقط مَا حولهَا من الارض اليها فأيس مِنْهُ أَوْلَاده وَلم يحفروا لَهُ وَقَالُوا قد صَار هَذَا قَبره وَكَانَ ذَلِك الرجل عِنْد خراب الْبِئْر فِي كَهْف فِيهَا فَوَقَعت إلى بَابه خَشَبَة منعت الْحِجَارَة من أَن تصيبه فأقام فِي ظلمَة عَظِيمَة ثمَّ إنه بعد ذَلِك جَاءَهُ السراج الذي كَانَ يحملهُ إلى الْمَسْجِد وَذَلِكَ الطَّعَام الذي كَانَ يحملهُ كل لَيْلَة وَكَانَ بِهِ يفرق مَا بَين اللَّيْل وَالنَّهَار وَاسْتمرّ لَهُ ذَلِك مُدَّة سِتّ سِنِين وَالرجل مُقيم في ذَلِك الْمَكَان على تِلْكَ الْحَال ثمَّ انه بدا

стр. 492

لأولاده أَن يحفروا الْبِئْر لإعادة عمارتها فحفروها حَتَّى انْتَهوا إلى أَسْفَلهَا فوجدوا أباهم حَيا فَسَأَلُوهُ عَن حَاله فَقَالَ لَهُم ذَلِك السراج وَالطَّعَام الذي كنت أحمل إلى الْمَسْجِد يأتيني على مَا كنت أحملهُ تِلْكَ الْمدَّة فعجبوا من ذَلِك فَصَارَت قَضِيَّة موعظة يتوعظ بهَا النَّاس فى أسواق تِلْكَ الْبِلَاد وَقَالَ في مطلع البدور وَمن جملَة من زار هَذَا الرجل مُحَمَّد بن الأصم انْتهى وَتُوفِّي صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الأحد ثامن وَعشْرين رَمَضَان سنة ٨٨٢ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة ٢٤٢ - علي بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن هطيل النجري الْمَشْهُور اليماني صَاحب التصانيف كشرحه للمفصل وَله شرح على الظَّاهِرِيَّة صنفه للإمام الْمَنْصُور علي بن صَلَاح الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ سَاكِنا بِصَنْعَاء وَقد طَار صيته فِي الآفاق وَكَانَ مديماً لمطالعة شرح الرضي على كَافِيَة ابْن الْحَاجِب لَا يُفَارِقهُ فِي غَالب أوقاته ويحكى أَنه لما حَضرته الْوَفَاة أَمر من يدْفع إليه شرح الرضي فَدفعهُ إليه فَوَضعه على صَدره ثمَّ أنْشد (تمتّع من شميم عرار نجد ... فَمَا بعد العشية من عرار) ويحكى عَنهُ أَنه دخل مَكَّة لِلْحَجِّ فَأخْبر أن قاضي الْمحمل الاشمى من أكَابِر الْعلمَاء فَتَلقاهُ إلى الطَّرِيق ووجده فِي محمل فناداه وَقَالَ مسئلة أَيهَا القاضي فكشف عَن الْمحمل وَقَالَ قل فَسَأَلَهُ كَذَلِك وَأجَاب بِجَوَاب حسن ثمَّ سَأَلَهُ بِمَسْأَلَة ثَانِيَة كَذَلِك وَأجَاب بِجَوَاب أحسن وَقَالَ لَهُ لَعَلَّك من الْيمن قَالَ نعم قَالَ أَنْت من صنعاء قَالَ نعم قَالَ أَنْت ابْن هطيل قَالَ نعم قَالَ قد ألفيت كَذَا وَكَذَا قَالَ نعم وَمَا يدْريك بِهَذَا فإن جيران دَاري لَعَلَّهُم

стр. 493

لَا يعْرفُونَ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَنْتُم يَا عُلَمَاء صنعاء وضعتم أَنفسكُم بِالسُّكُونِ فِيهَا فِي مضيعة توفي سنة ٨١٢ اثنتي عشرَة وثمان مائَة فِي يَوْم الأربعاء حادي عشر ذي الْحجَّة مِنْهَا بِمَدِينَة صنعاء وَكَانَ منشاؤه وَطَلَبه بِمَدِينَة حوث ثمَّ فَارقهَا لأمر جرى بَينه وَبَين أَهلهَا وَقَالَ قصيدة بذمها مطْلعهَا (قوّض خيامك راحلاً عَن حوث ... حوث الْخَبيث مَحل كل خَبِيث) وَمن مشايخه ابراهيم بن عَظِيمَة النجراني وَمن تلامذته المرتضى ابْن الهادي بن ابراهيم

стр. 494

٢٤٣ - على بن مُحَمَّد القوشجى بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة بعْدهَا جِيم وياء النِّسْبَة ومعنا هَذَا اللَّفْظ بِالْعَرَبِيَّةِ حَافظ البازي وَكَانَ أَبوهُ من خدام ملك مَا وَرَاء النَّهر يحفظ البازي قَرَأَ على عُلَمَاء سَمَرْقَنْد ثمَّ رَحل إلى الروم وَقَرَأَ على قاضي زَاده الرومي ثمَّ رَحل إلى بِلَاد كرمان فَقَرَأَ على علمائها وسود هُنَالك شَرحه للتجريد ثمَّ عَاد الى ملك ماوراء النَّهر وَلم يدرى أَيْن ذهب فَلَمَّا وصل إليه عاتبه على الاغتراب فَاعْتَذر بأنه اغترب لطلب الْعلم فَقَالَ لَهُ باى هَدِيَّة جِئْت قَالَ رِسَالَة حللت بهَا إشكال الْقَمَر وَهُوَ إشكال تحير فِي حله الأقدمون فَقَالَ هَات أنظر فِيهَا فقرأها قَائِما فأعجبته وَقد كَانَ ذَلِك الْملك بنى رصداً وَأمر جمَاعَة من الْعلمَاء بِعِلْمِهِ فماتوا فأمر صَاحب التَّرْجَمَة فأكمله وَكَتَبُوا عَنهُ مَا حصل وَهُوَ الْمَشْهُور بالزيج الْجَدِيد وَهُوَ أحسن الزيجات ثمَّ لما توفي ذَلِك الْملك وَتَوَلَّى مَكَانَهُ بعض أَوْلَاده لم يعرف قدر صَاحب الترحمة فاستأذنه لِلْحَجِّ فَلَمَّا وصل إلى تبريز أكْرمه سلطانها إكراماً عَظِيما وأرسله إلى سُلْطَان الروم مُحَمَّد خَان فَلَمَّا وصل إليه أكْرمه إكراماً زَائِدا على إكرام سُلْطَان تبريز لَهُ وَسَأَلَهُ أَن يسكن لَدَيْهِ فأجابه إلى ذَلِك ووعده الرُّجُوع بعد أَن يُوصل جَوَاب الرسَالَة وَأخذ عَلَيْهِ عهداً على ذَلِك فَلَمَّا أدى الرسَالَة أرسل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان إليه من خُدَّامه جمَاعَة فخدموه وأكرموه وصرفوا اليه فِي كل مرحلة ألف دِرْهَم بأمر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فوصل إلى مَدِينَة قسطنطينية فِي حشمة وافرة وَعند ملاقاته للسُّلْطَان أهْدى إليه رِسَالَة فِي علم الْحساب سَمَّاهَا المحمدية ثمَّ صنف رِسَالَة أُخْرَى فِي علم الْهَيْئَة باسم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وسماها الرسَالَة الفتحية لمصادفتها

стр. 495

لفتح عراف الْعَجم وَجعله السُّلْطَان مدرساً فِي بعض الْمدَارِس وَعين لَهُ كل يَوْم مائتي دِرْهَم وَعين لكل من أَوْلَاده وأتباعه شَيْئا خَارِجا عَن ذَلِك وَكَانُوا كثيرين يزِيدُونَ على مائتي نفس وَلما قدم قسطنطينية أول قدمة تَلقاهُ علماؤها فَذكر لَهُم مارآه من الجزر وَالْمدّ فِي الْبَحْر فَتكلم أكبر عُلَمَاء الروم فِي ذَلِك الزَّمن وَهُوَ خواجة زَاده الآتى ذكره إِن شَاءَ الله فِي سَبَب ذَلِك ثمَّ ذكر صَاحب التَّرْجَمَة مَا جرى بَين السعد والشريف من المباحثة وَرجح جَانب السعد فخالفه خواجة زَاده وَرجح جَانب الشريف وَله تصانيف مِنْهَا شرح التَّجْرِيد الذي تقدمت الإشارة إليه وَهُوَ شرح عَظِيم سَائِر فِي الاقطار كثير الْفَوَائِد وَله حَاشِيَة على أوائل حَاشِيَة السعد على الْكَشَّاف وَله كتاب عنقود الزهور فِي الصّرْف وَهُوَ من مشاهير الْعلمَاء وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَلكنه كَانَ موت السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الذي قدم الروم فِي زَمَنه سنة ٨٨٦ سِتّ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة ٢٤٤ - علي بن مُحَمَّد العقيني الأنصاري التّعزي الشافعي ولد سنة ١٠٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَقَرَأَ بتعز على مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْمُفْتى وَقَرَأَ فِي غَيرهَا على مُحَمَّد بن علي مطير وَجَمَاعَة آخَرين ورحل إلى مَكَّة فَقَرَأَ على ابْن عَلان وَغَيره وبرع فِي فنون وصنّف تصانيف مِنْهَا شرح ألفية ابْن مَالك وَشرح الْمدْخل فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشرح زيد بن رسْلَان وَشرح على الْمَنْظُومَة في شعب الإيمان وَشرح على النخبة وحاشية على التَّيْسِير وَمَات في ثَالِث ربيع الآخر سنة ١١٠١ إحدى وَمِائَة وَألف بتعز

стр. 496

٢٤٥ - على بن مجد الدَّين مُحَمَّد بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن عمر الْمَعْرُوف بالمولى مصنفك لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف فِي حداثة سنه وَالْكَاف للتصغير فِي لُغَة الْعَجم وَهُوَ من أَوْلَاد الإمام فَخر الدَّين الرازي وفخر الدَّين هُوَ عمر الْمَذْكُور فِي النّسَب وَكَانَ الإمام يُصَرح فِي مصنفاته بأنه من أَوْلَاد عمر ابْن الْخطاب ولد صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ٨٠٣ ثَلَاث وثمان مائَة بخراسان وسافر مَعَ أَخِيه إلى هراة لطلب الْعلم فِي سنة ٨١٢ وصنف الإرشاد فِي سنة ٨٢٣ وَشرح الْمِصْبَاح فِي النَّحْو سنة ٨٢٥ وَشرح آداب الْبَحْث فِي سنة ٨٢٦ وَشرح اللّبَاب فِي سنة ٨٢٨ وحاشية المطول فِي سنة ٨٣٢ وحاشية شرح الْمِفْتَاح للتفتازاني سنة ٨٣٤ وحاشية التَّلْوِيح سنة ٨٣٥ ثمَّ ارتحل فِي سنة ٨٣٩ رحْلَة أُخْرَى إلى هراة وصنف هُنَالك الْوِقَايَة وَشرح الْهِدَايَة فِي سنة ٨٣٩ وارتحل فِي سنة ٨٤٨ إلى ممالك الروم وصنف هُنَالك فِي سنة ٨٥٥ شرح المصابيح للبغوي وَشرح تِلْكَ السنة أَيْضا شرح الْمِفْتَاح للشريف وصنف فِي هَذِه السنة حَاشِيَة شرح الْمطَالع وَشرح أَيْضا بعض أصُول فَخر الإسلام البزدوي وصنف فِي سنة ٨٥٦ حَاشِيَة الْكَشَّاف وَله مصنفات فارسية كأنوار الأحداق وَحَدَائِق الإيمان وتحفة السلاطين وَله غير ذَلِك من المصنفات كحاشية شرح العقائد وَمن مشايخه جلال الدَّين يُوسُف أحد تلامذة سعد الدَّين التَّفْتَازَانِيّ ودرس بِبِلَاد الروم وَغَيرهَا ثمَّ وَقع لَهُ صمم فِي آخر مدَّته وَعين لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كل يَوْم ثَمَانِينَ درهماً وَمَات بقسطنطينية سنة ٨٧٥ خمس وَسبعين وثمان مائَة

стр. 497

٢٤٦ - على بن المظفر بن ابراهيم ابْن عمر ابْن يزِيد الوادعي الكندي الإسكندراني ثمَّ الدمشقي ولد سنة ٦٤٠ أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَسمع من جمَاعَة نَحْو مِائَتَيْنِ واشتغل بالأدب فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَقَالَ الشّعْر فأجاد ثمَّ دخل ديوَان الإنشاء فِي آخر عمره وَكَانَ كثير الهجاء فنفر النَّاس عَنهُ وَكَانَ يتشيع من غير سبّ وَلَا رفض وَجمع التَّذْكِرَة فِي عدَّة مجلدات تقرب من الْخمسين وفيهَا فَوَائِد كَثِيرَة وَمن شعره (فتنت بِمن محاسنه ... إلى عرب النقا تنمي) (عذار من بني لَام ... وطرف من بني سهم) (وعذالي بَنو ذهل ... وحسادي بَنو فهم) وَله في هَذَا الْجِنْس (قسماً بمرآك الْجَمِيل فانه ... عربى حسن من بنى زهران) (احلت عَنْك وَلَو رَأَيْتُك من بنى ... لحيان لابل من بني شَيبَان) وَمن مقطعاته الرائقة (قَالَ لي عاذلي المفنّد فِيهَا ... حِين وافت وسلّمت مختالة) (قُم بناندعى النبؤة فِي العش ... ق فقد سلمت علينا الغزالة) وَمِنْهَا) (إذا رَأَيْت عارضاً مسلسلاً ... فِي وجنة كجنة يَا عاذلي) (فَاعْلَم يَقِينا أنني من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل) وَمِنْهَا (وَفِي أَسَانِيد الأراك حَافظ ... للْعهد يروي صبره عَن عَلْقَمَة)

стр. 498

(فَكلما ناحت بِهِ حمامة ... روى حَدِيث دمعه عَن عِكْرِمَة) وَفِي هَذَا من اللطافة مَالا يخفى لَان عِكْرِمَة من أَسمَاء الْحَمَامَة وَهُوَ شَاعِر مجيد مبدع وَقد ذكر جمَاعَة من متأخرى الادباء أَن ابْن نَبَاته كَانَ يتطفل على مَعَانِيه الرائقة وَقد أورد ابْن حجَّة فِي كشف اللثام عَن التورية والاستخدام جملَة مِمَّا وَقع فِيهِ ذَلِك قَالَ الذهبي كَانَ يخل بِالصَّلَاةِ ويرمي بعظائم وَكَانَت الحماسة من بعض محفوظاته حملني الشره على السماع من مثله وَقَالَ ابْن رَافع سمع مِنْهُ الْحَافِظ المزي وَغَيره وَكَانَ قد سمع الْكثير وَقَرَأَ بِنَفسِهِ وَحصل الأصول وَمهر فِي الأدب وَكتب الْخط الْمَنْسُوب وَكَانَ يكْتب للوزير ابْن ودَاعَة ويلازمه وإنما قيل لَهُ الوادعي نِسْبَة إليه وَكَانَ يُبَاشر مشيخة دَار الحَدِيث النفيسة إلى أَن مَاتَ فِي شهر رَجَب سنة ٧١٦ سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة ٢٤٧ - عليّ بن هادي عرهب الصنعاني المولد وَالدَّار والمنشأ أحد عُلَمَاء الْعَصْر الْمَشَاهِير ولد سنة ١١٦٤ ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وعَلى وَالِده وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وعَلى جمَاعَة آخرين وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأخذ عَنهُ أهل الْعلم وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل أَيَّام الطلب فِي شرح التَّلْخِيص الصغيير للتفتازاني وَفِي حَوَاشِيه فاستمرت الْقِرَاءَة إلى بعض الْمُقدمَة ثمَّ انْقَطَعت لِكَثْرَة عرُوض الأعذار من جِهَته فأتممته على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخلانى ﵀ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة فِي قُوَّة الْفَهم

стр. 499

وَسُرْعَة الإدراك وَتَحْقِيق المباحث الدقيقة مَالا يُوجد لغيره وَلكنه كثير الْعَوَارِض الْمُوجبَة لانْقِطَاع التدريس وَلَوْلَا ذَلِك لعكف الطّلبَة عَلَيْهِ وفَاق معاصريه وَصَارَ متفردا برياسة التدريس وَلَكِن الْعلم تكْثر موانعه وَهُوَ غير مقلد بل يجْتَهد رَأْيه فِي جَمِيع مَا يحْتَاج إليه من مسَائِل الْعِبَادَة وَغَيرهَا وَمَا أحقه بذلك فإن الْعُلُوم الاجتهادية حَاصِلَة لَدَيْهِ وَزِيَادَة عَلَيْهَا وَهُوَ الْآن حي وَأكْثر سكونه بالروضة وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف استمديت لَهُ رَأيا شريفاً من حَضْرَة مَوْلَانَا الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله فِي تَوليته للْقَضَاء بالروضة وَهُوَ أكبر من مثل هَذَا وَأجل فإن كثيراً من أكَابِر قُضَاة الْعَصْر المتولين للْقَضَاء فِي الحضرة الإمامية وَغَيرهَا لَيْسَ علمهمْ بِالنِّسْبَةِ إلى علم هَذَا شَيْئا وَلم يبْق لَاحَدَّ من قُضَاة الرَّوْضَة مَعَه كَلَام ثمَّ فِي شهر رَمَضَان سنة ١٢١٤ وصلت مُكَاتبَة من أَمِير كوكبان السَّيِّد الأجل شرف الدَّين بن أَحْمد بن مُحَمَّد يتَضَمَّن أَن كوكبان وجهاته يحْتَاج إلى عَالم من أكَابِر عُلَمَاء صنعاء للاحياء بالتدريس وللقيام بِعَهْد الْقَضَاء هُنَالك فارسلت بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَهُوَ إلى الْآن هُنَالك ٢٤٨ - علي بن يحيى بن علي بن رَاجِح بن سعيد الكينعي الصنعاني المولد والمنشأ وَالدَّار ولد سنة ١١٥١ إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن زيد الشامي وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَحضر على جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء

стр. 500

وَحفظ الْمسَائِل المهمة الْمُتَعَلّقَة بأمر الدَّين وَمَال إلى الْعَمَل والزهد وَله يَد طولى فِي علم التَّارِيخ وَحفظ غرائب الْأَخْبَار وطرائف الْأَشْعَار وَحسن المحاضرة وَجَمِيل المذاكرة مَعَ شهامة نفس وعلو همة وخبرة تَامَّة بأبناء عصره لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُم خافية مَعَ انجماعه وميله إلى الخمول وَهُوَ من الأجواد الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي وُجُوه الْخَيْر فإنه مَعَ قلَّة ذَات يَده يجود بموجوده ويؤثر على نَفسه وَقد رَأَيْت من مكارمه مَالا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَهُوَ فِي هَذَا الشَّأْن من محاس الزَّمَان وَلَو اتَّسع نطاق مَاله لطارله من الذّكر واشتهر لَهُ من الصيت مَا يزاحم بِهِ البرامكة فضلاً عَمَّن هُوَ دونهم وَلكنه يُؤثر الخمول ويميل إلى القنوع من الدُّنْيَا بالبلغة ونعمت الْخصْلَة وَمَا أحقه بِمَا قلته من أَبْيَات (ترَاهُ وَهُوَ ذُو طمرين يمشي ... بهمته على هام السّماك) وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف حَيّ ومنزله نزهة أَرْبَاب الْأَلْبَاب وَحَدِيثه روح أَرْوَاح بني الْآدَاب ٢٤٩ - علي بن يحيى بن أَحْمد بن مَضْمُون البرطي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ الْعَالم الْكَبِير الْمَشْهُور بالتحقيق فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم ولد سنة ١٠٦١ إحدى وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ لَهُ بِالْعلمِ شغف شَدِيد حَتَّى قيل انه يقطع اللَّيْل جَمِيعًا فِي المطالعة بِمَسْجِد الْبُسْتَان من صنعاء وإذا غَلبه النوم اغْتسل بِالْمَاءِ وَمن مشايخه القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن علي بن أَبى الرِّجَال والقاضى مُحَمَّد بن ابراهيم السحولى والامام المتَوَكل على الله اسمعيل وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وَأَخُوهُ الْعَلامَة الْحسن بن

стр. 501

مُحَمَّد وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير ولازمه مُلَازمَة طَوِيلَة نَحْو اثنتي عشرَة سنة وَغَيرهم وَكَانَ يكثر مِنْهُ التَّخَلُّف عَن الدَّرْس ويتضجر لذَلِك الطّلبَة وَسبب ذَلِك شدَّة عنايته بمطالعة مَا يدرس فِيهِ الطّلبَة وَكَانَ لَهُ بتصحيح النسخ عناية عَظِيمَة بِحَيْثُ لَا يلْحق فِي ذَلِك وَرَأَيْت فَتَاوِيهِ مَجْمُوعَة فِي مُجَلد وَجمع تِلْمِيذه السَّيِّد عبد الله بن علي الْوَزير تَرْجَمته فِي مُصَنف سَمَّاهُ نشر العبير وَمَات فِي سنة ١١١٩ تسع عشرَة وَمِائَة وَألف فِي ثاني وَعشْرين من شهر صفر مِنْهَا وَقيل سنة ١١١٥ خمس عشرَة وَمِائَة وَألف ٢٥٠ - السَّيِّد علي بن يحيى أَبُو طَالب ولد سنة ١١٥٩ تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف أَو فِي الَّتِى قبلهَا أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْمَشَايِخ الْمُتَقَدِّمين كالقاضى الْعَلامَة أَحْمد ابْن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة اسمعيل الْمُفْتى وَغَيرهمَا مِمَّن هم مَشَايِخ مَشَايِخنَا واستفاد فِي الْعُلُوم والآلية والحديثية وَسَائِر الْفُنُون ودرس للطلبة فِي كتب الْآلَة وَغَيرهَا وَقَرَأَ عليّ أخيراً فِي التَّفْسِير للزمخشرى وَفِي تفسيريّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وَهُوَ الْآن من محَاسِن الزَّمن وَمن بَقِيَّة شُيُوخ العترة المطهرة فتح الله لَهُ فِي مدَّته ٢٥١ - علي بن يَعْقُوب بن جِبْرِيل البكري نور الدَّين المصري الشافعي ولد سنة ٦٧٣ ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة واشتغل بالفقه والأصول وَقَرَأَ بِنَفسِهِ على سِتّ الوزراء وَجَرت لَهُ محنة بِسَبَب القبط وهي أَنه لما كَانَ فِي النّصْف من محرم سنة ٧١٤ بلغه أَن النَّصَارَى قد استعاروا من قناديل جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر شَيْئا وعلقوه بكنيسة فاخذ مَعَه

стр. 502

طَائِفَة كَثِيرَة من النَّاس وهجم الْكَنِيسَة وَنكل النَّصَارَى وَبلغ مِنْهُم مبلغاً عَظِيما وَعَاد إلى الْجَامِع وأهان من فعل ذَلِك وَكثر من الوقيعة فِي خَطِيبه فَبلغ السُّلْطَان فأمر بإحضار الْقُضَاة وَفِيهِمْ ابْن الْوَكِيل وأحضر صَاحب التَّرْجَمَة فَتكلم وَوعظ وَذكر آيَات من الْقُرْآن وَأَحَادِيث وَاتفقَ أَنه أغْلظ فِي عبارَة السُّلْطَان ثمَّ قَالَ أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جاير فَاشْتَدَّ غضب السُّلْطَان وَقَالَ لَهُ أَنا جاير قَالَ نعم أَنْت سلطت الأقباط على الْمُسلمين وقوّيت أَمرهم فَلم يَتَمَالَك السُّلْطَان أَن أَخذ السَّيْف وهمّ بِالْقيامِ ليضربه فبادر بعض الْأُمَرَاء وَأمْسك يَده فَالْتَفت إلى قاضي الْمَالِكِيَّة وَقَالَ يَا قاضى تجرأ على هَذَا مَا الذي يجب عَلَيْهِ فَقَالَ القاضي لم يقل شَيْئا يُوجب عُقُوبَة فصاح السُّلْطَان بِصَاحِب التَّرْجَمَة وَقَالَ اخْرُج عَنى فَقَامَ وَخرج فَقَالَ ابْن جمَاعَة قد تجرأ وَمَا بقي إلا أَن يزاحم السُّلْطَان فانزعج السُّلْطَان وَقَالَ اقْطَعُوا لِسَانه فبادر الْأُمَرَاء ليفعلوا بِهِ ذَلِك وأحضروا صَاحب التَّرْجَمَة فارتعد وَصَاح واستغاث بالأمراء فرقوا لَهُ وألحو على السُّلْطَان فِي الشَّفَاعَة وَدخل ابْن الْوَكِيل وَهُوَ ينتحب ويبكي فَظن السُّلْطَان أَنه أَصَابَهُ شئ فَقَالَ لَهُ خير خير فَقَالَ هَذَا رجل عَالم صَالح لكنه ناشف الدِّمَاغ قَالَ صدقت وَسكن غَضَبه فَانْظُر مَا فعله ابْن جمَاعَة بكلمته الحمقاء وَمَا فعله صدر الدَّين بن الْوَكِيل ﵀ من التَّوَصُّل إلى سَلامَة هَذَا الْمِسْكِين وَهَكَذَا ينبغي لمن كَانَ لَهُ قبُول عِنْد السلاطين أَن يتحيل عَلَيْهِم فِي مَنَافِع الْمُسلمين وحقن دِمَائِهِمْ بِمَا أمكنه فإن صَاحب التَّرْجَمَة لم يكن ناشف الدِّمَاغ وَلكنه كَانَ فِي هَذِه الْوَسِيلَة سَلَامَته من تِلْكَ البلية وَمَات فِي شهر ربيع الآخر سنة ٧٢٤ أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة

стр. 503

٢٥٢ - علي بن يُوسُف بن شمس الدَّين الفناري الرومي ارتحل من الروم إلى بِلَاد الْعَجم فَقَرَأَ على مَشَايِخ هراة وسمرقند وبخارى وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم ودرس هُنَالك ثمَّ عَاد الى الرّوم فِي سلطنة مُحَمَّد خَان فأمره السُّلْطَان أَن يدرس بمدرسة بروسة وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهماً ثمَّ نقل إلى مدرسة أُخْرَى وَعين لَهُ سِتِّينَ درهماً ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة بروسة ثمَّ جعله قَاضِيا بالعسكر وَمكث فِيهِ عشر سِنِين وَارْتَفَعت بِسَبَب ولَايَته منزلَة الْعلمَاء والقضاة ثمَّ عَزله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهماً ولأولاده تسعين درهماً فِي كل يَوْم وَعين لَهُ فِي كل سنة عشرَة آلاف درهماً فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد وَقَامَ وَلَده بايزيد مقَامه أَعَادَهُ على قَضَاء الْعَسْكَر وَمكث فِيهِ مِقْدَار ثَمَان سِنِين ثمَّ عزل عَنهُ ثمَّ عين لَهُ كل يَوْم سبعين درهماً وَعشرَة آلاف دِرْهَم فِي كل سنة وَصَارَ مشتغلاً بِالْعلمِ فِي جَمِيع أوقاته لشدَّة شغفة بِالْعلمِ لَا ينَام على فرَاش وإذا غلب عَلَيْهِ النوم اسْتندَ إلى الْجِدَار والكتب بَين يَدَيْهِ فإذا اسْتَيْقَظَ نظر فِيهَا وَله شرح على الكافية نَفِيس وَكَانَ فِيهِ كرم مفرط وَرُبمَا ضَاقَتْ يَده فِي بعض الأحوال فَلَا يجد مَا يُرِيد فَقيل لَهُ إنك قد توليت قَضَاء الْعَسْكَر وَهُوَ منصب عَظِيم فَكيف لم تحفظ مَا يحصل لَك إذ ذَاك قَالَ كنت رجلا سَكرَان فَلم احفظ شَيْئا فَقيل لَهُ اذاعاد إليك المنصب فَعَلَيْك بِحِفْظ المَال فَقَالَ إذا عَاد المنصب عَاد السكر مَعَه وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الصمت إلا إذا سَأَلَهُ أحد عَن خدمته للسلاطين سرد من ذَلِك حكايات عَجِيبَة وَمن ذَلِك أَنه سَأَلَهُ بعض النَّاس عَن أعظم لَذَّة وجدهَا فِي أَيَّام اتِّصَاله بالسلطان فَقَالَ سَافر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي أَيَّام الشتَاء وَكَانَ ينزل ويبسط لَهُ بِسَاط صَغِيرَة

стр. 504

يجلس عَلَيْهِ إلى أَن تضرب الْخَيْمَة وإذا أَرَادَ الْجُلُوس على الْبسَاط يخرج وَاحِد من غلمانه الْخُف عَن رجلَيْهِ وَعند ذَلِك يسْتَند الى شخص معِين وَكَانَت تِلْكَ عَادَته فاتفق فِي بعض الْأَيَّام أَنه لم يحضر ذَلِك الرجل فاستند إليّ وَهَذَا أعظم لَذَّة وَجدتهَا فِي صُحْبَة السلاطين وَحكى عَنهُ بعض تلامذته أَنه قَرَأَ عَلَيْهِ فِي المطول فَكَانُوا يقرأون عَلَيْهِ كل يَوْم مِقْدَار سطر أَو سطرين من ضحوة النَّهَار إلى وَقت الْعَصْر وَلما مَضَت على ذَلِك سِتَّة أشهر قَالَ إنّ الذي قرأتموه عليّ إلى الْآن يُقَال لَهُ قِرَاءَة كتاب وَبعد هَذَا اقرأوا قِرَاءَة الْفَنّ فقرأنا بعد ذَلِك كل يَوْم ورقتين وأتممنا بَقِيَّة الْكتاب فِي سِتَّة أشهر وَاسْتمرّ يُفِيد الطّلبَة حَتَّى مَاتَ فِي سنة ٩٠٣ ثَلَاث وَتِسْعمِائَة ٢٥٣ - عمر بن إسحاق بن أَحْمد الغزنوي الْعَلامَة الحنفي سراج الدَّين الهندي صَاحب التصانيف قدم الْقَاهِرَة قبل الأربعين وَسَبْعمائة وَسمع من بعض أَصْحَاب النجيب وَكَانَ عَلامَة فِي الأصول والمنطق وَالْفُرُوع تخرج فِي ذَلِك بالشمس الأصبهاني وَابْن التركماني وَمن مصنفاته شرح المغني وأصول الْفِقْه وَشرح البديع لِابْنِ الساعاتي وَشرح الْهِدَايَة وَهُوَ مطول لم يكمل وَكَانَ دمث الأخلاق طلق الْعبارَة ولي قَضَاء الْعَسْكَر ثمَّ ولى الْقَضَاء اسْتِقْلَالا فِي شعْبَان سنة ٧٦٩ وَمَات رَابِع شهر رَجَب سنة ٧٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة

стр. 505

٢٥٤ - عمر بن رسْلَان بن بَصِير بن صَالح بن شهَاب بن عبد الْخَالِق ابْن عبد الْحق السراج البلقيني ثمَّ القاهري الشافعي ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة ببلقينة فحفظ بهَا الْقرَان وَهُوَ ابْن سبع والشاطبية وَالْمُحَرر والكافية والشافية والمختصر الأصلي ثمَّ أقدمه أَبوهُ الْقَاهِرَة وَهُوَ ابْن اثنتي عشرَة سنة فَعرض محافيظه على جمَاعَة كالتقي السبكي والجلال القزويني وفَاق بذكائه وَكَثْرَة محفوظاته وَسُرْعَة فهمه ثمَّ رَجَعَ بِهِ أَبوهُ ثمَّ عَاد مَعَه وَقد ناهز الِاحْتِلَام فاستوطن الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على أَعْيَان الْعلمَاء فِي الْفُنُون كالشيخين الْمُتَقَدِّمين والعز بن جمَاعَة وَابْن عَدْلَانِ وَسمع من خلق وَأَجَازَ لَهُ الأكابر وَمِمَّا يحْكى من حفظه أَنه أول مَا دخل الكاملية طلب من ناظرها بَيْتا فَامْتنعَ وَاتفقَ مجئ شَاعِر النَّاصِر بقصيدة وأنشده اياها بِحَضْرَة صَاحب التَّرْجَمَة فَقَالَ للنَّاظِر قد حَفظتهَا فَقَالَ لَهُ النَّاظر ان كَانَ كَذَلِك أَعطيتك بَيْتا فأملاها لَهُ من حفظه جَمِيعهَا فاعطاه الْبَيْت وَمَا زَالَ يطْلب الْعلم على عُلَمَاء الْقَاهِرَة حَتَّى برع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الاقران وَتفرد بِكَثِير من المعارف وَقَالَ لَهُ ابْن كثير أذكرتنا ابْن تَيْمِية وَكَذَلِكَ قَالَ لَهُ ابْن شيخ الْجَبَل مَا رَأَيْت بعد ابْن تَيْمِية أحفظ مِنْك وَدخل حلب فِي سنة ٧٩٣ صُحْبَة الظَّاهِر برقوق وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة وَعين لقَضَاء مصر غير مرة وَلم يتم مَعَ كَونه فِي ذَلِك يترفع عَنهُ وَيجْلس فَوق كبار الْقُضَاة بل ولى ابْنه فِي حَيَاته وشاع ذكره فِي الممالك وعظمته الأكابر فَمن دونهم وَأثْنى عَلَيْهِ أكَابِر شُيُوخه قَالَ ابْن حجي كَانَ أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشافعي واشتهر بذلك وشيوخه موجودون قدم علينا دمشق قَاضِيا وَهُوَ كهل

стр. 506

فبهر النَّاس بحفظه وَحسن عِبَارَته وجودة مَعْرفَته وخضع لَهُ الشُّيُوخ فِي ذَلِك الْوَقْت واعترفوا بفضله ثمَّ بعد ذَلِك تصدر للفتيا والتدريس فكثرت طلبته وصاروا شُيُوخًا فِي حَيَاته وَله تصانيف كَثِيرَة لم تتم لِأَنَّهُ يَبْتَدِئ كتاباً فيصنّف مِنْهُ قِطْعَة ثمَّ يتْركهُ قَالَ الْبُرْهَان الحلبي رَأَيْته رجلاً فريد دهره لم تَرَ عيناي أحفظ مِنْهُ للفقه وَأَحَادِيث الأحكام وَقد حضرت دروسه مرَارًا وَهُوَ يقرئ فِي مُخْتَصر مُسلم للقرطبي يقرأه عَلَيْهِ شخص مالكي ويحضر عِنْده فُقَهَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فيتكلم على الحَدِيث الْوَاجِد من بكرَة إلى قريب الظّهْر وَرُبمَا أذن الظّهْر وَلم يفرغ من الحَدِيث انْتهى وَهَذَا تبحر عَظِيم وَتوسع باهر فان استغراق هَذَا الْوَقْت الطَّوِيل فِي الْكَلَام على حَدِيث وَاحِد يتَحَصَّل مِنْهُ كراريس وَقد كَانَ وَقع الِاتِّفَاق على أَنه أحفظ أهل عصره وأوسعهم معارفاً وَأَكْثَرهم علوماً وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يتعانى نظم الشّعْر فيأتى يما يستحي مِنْهُ بل قد لَا يُقيم وَزنه والكمال لله قَالَ ابْن حجر وَكَانَت آلات الِاجْتِهَاد فِيهِ كَامِلَة قَالَ وَلم يكمل من مصنفاته إلا الْقَلِيل لأنه كَانَ يشرع فِي الشئ فلسعة علمه يطول عَلَيْهِ الأمر حَتَّى أنه كتب من شرح البخاري على نَحْو عشْرين حَدِيثا مجلدين وعَلى الرَّوْضَة عدَّة مجلدات تعقبات وعَلى الْبَدْر للزركشي مجلداً ضخماً قَالَ الْبَدْر البشبكي أنّ الشَّيْطَان وجد طرقه عَن البلقيني مسدودة فَحسن لَهُ نظم الشّعْر وَله مصنفات كَثِيرَة قد سردها وَلَده الْجلَال فِي تَرْجَمته وَلم يزل متفرداً فِي جَمِيع الأنواع العلمية حفظاً وسرداً لَهَا كَمَا هي حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشْرين الْقعدَة سنة ٨٠٥ خمس وثمان مائَة

стр. 507

٢٥٥ - عمر بن علي بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله السراج الأنصاري الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الملقن ولد فِي ربيع الأول سنة ٧٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ أصل أَبِيه من الأندلس فتحول مِنْهَا إلى التكرور ثمَّ قدم الْقَاهِرَة ثمَّ مَاتَ بعد أَن ولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بِسنة فأوصى بِهِ إلى الشَّيْخ عِيسَى المغربي وَكَانَ يلقن الْقُرْآن فنسب اليه وَكَانَ يغْضب من ذَلِك وَلم يَكْتُبهُ بِخَطِّهِ إنما كَانَ يكْتب ابْن النحوي وَبهَا استهر فِي بعض الْبِلَاد كاليمن وَنَشَأ فِي كَفَالَة زوج أمه ووصيه وتفقه بالتقي السبكي والعز بن جمَاعَة وَغَيرهمَا وَأخذ فِي العرببية عَن أَبى حَيَّان وَالْجمال ابْن هِشَام وَغَيرهمَا وَفِي القرآت عَن الْبُرْهَان الرشيدي قَالَ الْبُرْهَان الحلبي أنه اشْتغل فِي كل فن حَتَّى قَرَأَ فِي كل مَذْهَب كتاباً وَسمع على الْحفاظ كَابْن سيد النَّاس والقطب الحلبي وَغَيرهمَا وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة كالمزي ورحل إلى الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس وَله مصنفات كَثِيرَة مِنْهَا تَخْرِيج أَحَادِيث الرافعي سبع مجلدات ومختصر الْخُلَاصَة فِي مُجَلد ومختصره للمنتقى فِي جُزْء وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط للغزالى الْمُسَمّى بتذكرة الاحبار بِمَا فِي الْوَسِيط من الاخبار فِي مُجَلد وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب المسمى بالمحرر الْمَذْهَب فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب فِي مجلدين وَتَخْرِيج أَحَادِيث الْمِنْهَاج الأصلي فِي جُزْء وَتَخْرِيج أَحَادِيث مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب فِي جُزْء وَشرح الْعُمْدَة الْمُسَمّى بالأعلام فِي ثَلَاث مجلدات وَأَسْمَاء رجالها فِي مُجَلد وَقطعَة من شرح الْمُنْتَقى فِي الأحكام للمجد ابْن تَيْمِية وَلكنه قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ أنه إنما كتب شَيْئا من ذَلِك على هوامش نسخته كالتخريج لأحاديث الْمُنْتَقى ثمَّ

стр. 508

رغب من يأتي بعده فِي شرح هَذَا الْكتاب حَسْبَمَا نقلته من كَلَامه فِي أوائل شرحي للمنتقى وَمن مصنفاته طَبَقَات الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وطبقات الْمُحدثين وَفِي الْفِقْه شرح الْمِنْهَاج سِتّ مجلدات وَآخر صَغِير فِي مجلدين ولغاته فِي مُجَلد والتحفة فِي الحَدِيث على أبوابه كَذَلِك وَالْبُلغَة على أبوابه فِي جُزْء لطيف والاعتراضات عَلَيْهِ فِي مُجَلد وَشرح التَّنْبِيه فِي أَربع مجلدات وَآخر لطيف سَمَّاهُ هادي النبيه إلى تدريس النتبيه وَالْخُلَاصَة على أبوابه فِي الحَدِيث فِي مجلدو أُمْنِية النبيه فِيمَا يرد على النووى فِي التَّصْحِيح والتنبيه فِي مُجَلد ولخصه فِي جُزْء وَشرح الحاوى الصَّغِير فِي مجلدين صخمين وَآخر فِي مُجَلد وَشرح التبريزي فِي مُجَلد وَشرع فِي كتاب جمع فِيهِ بَين كتب الْفِقْه الْمُعْتَمدَة فِي عصره للشَّافِعِيَّة وَنبهَ على مَا أهملوه وَسَماهُ جمع الْجَوَامِع وَله فِي علم الحَدِيث الْمقنع فِي مُجَلد قَالَ ابْن حجران صَاحب التَّرْجَمَة شرح الْمِنْهَاج عدَّة شُرُوح أكبرها فِي ثَمَانِيَة مجلدات وأصغرها فِي مُجَلد والتبينه كَذَلِك والبخاري فِي عشْرين مجلداً وَشرح زَوَائِد مُسلم على البخاري فِي أَرْبَعَة أَجزَاء وزوائد أبي دَاوُد على الصَّحِيحَيْنِ فِي مجلدين وزوائد التِّرْمِذِيّ على الثَّلَاثَة كتب مِنْهُ قِطْعَة وزوائد النسائي على الْأَرْبَعَة كتب مِنْهُ جُزْءا وزوائد ابْن مَاجَه على الْخَمْسَة فِي ثَلَاث مجلدات وإكمال تَهْذِيب الْكَمَال قَالَ ابْن حجر إنه لم يقف عَلَيْهِ وَقَالَ السخاوي إنه وقف مِنْهُ على مُجَلد وَله مصنفات غير هَذِه كشرح ألفية ابْن مَالك وَشرح الْمِنْهَاج الأصلى وَشرح مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الحاحب وَقد رزق الإكثار من التصنيف وانتفع النَّاس بغالب ذَلِك وَلكنه قَالَ الْحَافِظ بن حجر إنه كَانَ يكْتب فِي كل فن سَوَاء أتقنه أولم يتقنه قَالَ وَلم يكن فِي الحَدِيث بالمتقن وَلَا لَهُ ذوق

стр. 509

أهل الْفَنّ وَقَالَ ان الَّذين قرأوا عَلَيْهِ قَالُوا انه لم يكن ماهرا فِي الْفَتْوَى وَلَا التدريس وإنما كَانَت تقْرَأ عَلَيْهِ مصنفاته فِي الْغَالِب فيقررما فِيهَا وَقَالَ ابْن حجر كَانَ لَا يستحضر شَيْئا وَلَا يُحَقّق علماً وغالب تصانيفه كالسرقة من كتب النَّاس وَفِي هَذَا الْكَلَام من التحامل مَالا يخفى على منصف فَكَتبهُ شاهدة بِخِلَاف ذَلِك منادية بأنه من الْأَئِمَّة فِي جَمِيع الْعُلُوم وَقد اشْتهر صيته وطار ذكره وسارت مؤلفاته فِي الدُّنْيَا وَحكى السخاوي أَنه طلب الِاسْتِقْلَال بِالْقضَاءِ وخدعه بعض النَّاس حَتَّى كتب بِخَطِّهِ بِمَال على ذَلِك فَغَضب برقوق عَلَيْهِ لمزيد اخْتِصَاصه بِهِ وَكَونه لم يُعلمهُ بذلك وَلَو أعلمهُ لَكَانَ يَأْخُذهُ لَهُ بلابذل وَأَرَادَ الإيقاع بِهِ فسلمه الله من ذَلِك ثمَّ اسْتَقر فِي التدريس بأماكن وَقد تَرْجمهُ جمَاعَة من أقرانه الَّذين مَاتُوا قبله كالعثماني قاضي صفد فإنه قَالَ فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء انه اُحْدُ مَشَايِخ الاسلام صَاحب التصانيف الَّتِى مافتح على غَيره بِمِثْلِهَا فِي هَذِه الْأَوْقَات وَقَالَ الْبُرْهَان الحلبى كَانَ فريد وقته فِي كَثْرَة التصنيف وَعبارَته فِيهَا جلية جَيِّدَة وغرايبه كَثِيرَة وَقَالَ ابْن حجر فِي أنبائه أنه كَانَ موسعاً عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مَشْهُورا بِكَثْرَة التصانيف حَتَّى كَانَ يُقَال إنها بلغت ثلثمِائة مجلدة مَا بَين كَبِير وصغير وَعِنْده من الْكتب مَالا يدْخل تَحت الْحصْر مِنْهَا مَا هُوَ ملكه وَمِنْهَا ماهو من أوقاف الْمدَارِس ثمَّ إنها احترقت مَعَ أَكثر مسوداته فِي آخر عمره ففقد أَكْثَرهَا وَتغَير حَاله بعْدهَا فحجبه وَلَده إلى أَن مَاتَ قَالَ رَاوِيا عَن بعض من حكى لَهُ أَنه دخل على صَاحب التَّرْجَمَة يَوْمًا وَهُوَ يكْتب فَدفع إليه الْكتاب الَّذِي يكْتب مِنْهُ وَقَالَ لَهُ أمْلى عليّ قَالَ فأمليت عَلَيْهِ وَهُوَ يكْتب إلى أَن فرغ فَقلت لَهُ يَا سيدى أتنسخ هَذَا الْكتاب فَقَالَ بل أَخْتَصِرهُ

стр. 510

قَالَ ابْن حجران العراقي والبلقيني وَصَاحب التَّرْجَمَة كَانُوا أعجوبة ذَلِك الْعَصْر الأول فِي معرفَة الحَدِيث وفنونه وَالثَّانِي فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي وَالثَّالِث فِي كَثْرَة التصانيف وَلَك وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الآخر بِسنة وَمَات قبله بِسنة فأولهم ابْن الملقن ثمَّ البلقيني ثمَّ العراقي وَمَات فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَاس عشر ربيع الأول سنة ٨٠٤ أَربع وثمان مائَة ٢٥٦ - عمر بن مُحَمَّد بن عمر ابْن أَحْمد بن هبة الله بن أَحْمد بن أَبى جَرَادَة العقيلى والحنفى الحلبي نجم الدَّين بن جمال الدَّين بن صَاحب كَمَال الدَّين العديم ولد سنة ٦٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة سمع الحَدِيث وتفقه وَولى عدَّة تداريس ثمَّ ولي الْقَضَاء وَكَانَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ لم يسمع مِنْهُ سب أحد وَله نظم جيد فَمِنْهُ (كَأَن وَجه النَّهر اذحفت بِهِ ... أشجاره فصافحته الأغصن) (مرْآة غيد قد وقفن حولهَا ... ينظرن فِيهَا أيّهن أحسن) وَهَذَا غَايَة فِي بَابه وَقد كنت نظمت قبل الْوُقُوف عَلَيْهِ بأعوام بَيْتَيْنِ فِي الْمَعْنى هما (كَأَنَّمَا الأغصان إذ أحدقت ... بالنهر من بعد بكاء الْغَمَام) (غيد على مرْآة حسن تنا ... فسنّ فأذرين دموع الْخِصَام) فَلَمَّا وقفت على بيتي صَاحب التَّرْجَمَة هَمَمْت بَان اضْرِب على هذَيْن لكنى رأيتهما قد اشتملا على مالم يشْتَمل عَلَيْهِ بَيْتا المترجم لَهُ وَذَلِكَ زِيَادَة بكاء الْغَمَام فِي الْمُشبه ومقابلتهما ببكاء الغواني فِي الْمُشبه بِهِ مَعَ ذكر التنافس وَالْخِصَام وَرَأَيْت بعد نظم الْبَيْتَيْنِ أَن مَا يقرب من مَعْنَاهُمَا فِي طيب السمر للحيمي وَلَا أحفظه حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلَا أحفظ

стр. 511

قائلة وَلكنه لم يشْتَمل على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ البيتان الْمَذْكُورَان وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي صفر سنة ٧٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ورثاه ابْن الوردي بقوله (قد كَانَ نجم الدَّين شمسا أشرقث ... بحماة للدانى بهَا والقاصى) (عدمت ضِيَاء بن العديم فأنشدت ... مَاتَ الْمُطِيع فيا هَلَاك العاصي) وَمَا أحسن من التورية فِي قَوْله فِي هَلَاك العاصى لِأَن بحماة نَهرا يُقَال لَهُ العاصى ٢٥٧ - عمر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي الْخَيْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن فَهد النَّجْم القرشي الْهَاشِمِي المكي الشافعي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن فَهد ولد لَيْلَة الْجُمُعَة سلخ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨١٢ اثنتي عشرَة وثمان مائَة ونشأبها فحفظ الْقُرْآن وكتاباً فِي الحَدِيث أَلفه لَهُ وَالِده وَشرع فِي قِرَاءَة فقه الإمام احْمَد فحوله أَبوهُ شافعياً وَحفظ النّصْف الأول من الْمِنْهَاج وَبَعض الألفية لِابْنِ مَالك وَبَعض ألفية العراقى وَسمع فِي صغره بِمَكَّة على مشايخها والقادمين اليها كالمراغي وَالْجمال بن ظهيرة والولي العراقي وَابْن الجزرى والنجم بن حجي والكازرونى وأجازله جمَاعَة من جِهَات شَتَّى وَأَقْبل على الطلب بِنَفسِهِ وَتخرج بوالده ورحل إلى الْقَاهِرَة فَسمع من أَهلهَا ولازم الْحَافِظ ابْن حجر وَدخل الشَّام فَسمع على علمائها ولازم الْحَافِظ بن نَاصِر وسافر إلى الْقُدس والخليل وَسمع مِمَّن هُنَالك وَطَاف الْبلدَانِ وَطول الرحلة وَتردد فِي جَمِيع مداين مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ وَسمع العالي والنازل وَمهر فِي الحَدِيث وصنّف فِيهِ مصنفات وَخرج لنَفسِهِ معجماً وَعمل مسلسلا وذيل على تَارِيخ مَكَّة للتقى النَّاس وَله كتاب المدلسين ثمَّ

стр. 512

المخضرمين ثمَّ المغير اسمهم ثمَّ المواخا بَينهم ثمَّ اللّبَاب فِي الألقاب ثمَّ بذل الْجهد فِي من سمي بفهد وَابْن فَهد والمشارق المنيرة فِي ذكر بني ظهيرة وَله فِي كل بَيت من بيُوت مَكَّة الْمَشْهُورَة بِالْعلمِ مُصَنف وَله غير ذَلِك من المصنّفات وَمَات يَوْم الْجُمُعَة سَابِع شهر رَمَضَان سنة ٨٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة ٣٤٩ - عمر بن مجد السّراج أبوحفص اليماني الزبيدي الشافعي وَيعرف بالفتى من الفتوة وَهُوَ لقب أَبِيه ولد سنة ٨٠١ وَاحِدَة وثمان مائو بزبيد وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على الْفَقِيه مُحَمَّد بن صَالح والشرف بن المقرى ولازمه أتم دهرا مُلَازمَة طَويلا ثمَّ انْتقل إلى بِلَاد أصَاب فَمَكثَ بِبَعْض قراها وارتحل إليه الطّلبَة واشتغل بالتدريس والتصنيف وقصده الطّلبَة من الأماكن الْبَعِيدَة كل ذَلِك فِي حَيَاة شَيْخه وَلما استولى علي بن طَاهِر على الْيمن أكْرم صَاحب التَّرْجَمَة ورتب لَهُ من الْوَقْف مَا يَكْفِيهِ ثمَّ قَلّدهُ أَمر الأوقاف وصرفها لمستحقها والإذن فِي النِّيَابَة لمن لَا يحسن الْمُبَاشرَة وَله تصانيف مِنْهَا مهمات الْمُهِمَّات اختصر فِيهَا مهمات الأسنوي والابريز فِي تَصْحِيح الْوَجِيز والالهمام لما فِي الرَّوْض من الأوهام مُصَنف شَيْخه ابْن الْمقري وأفرد زَوَائِد الأنوار على الرَّوْضَة وَسَماهُ أنوار الأنوار وَكَذَا فعل فِي جَوَاهِر القمولى وَشرح الْمِنْهَاج لِابْنِ الملقن وَقد انْتفع بِهِ فِي الْفِقْه أهل الْيمن طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار غالبهم من تلامذته وَمَات فِي صفر سنة ٨٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة وارتجت النواحي لمَوْته

стр. 513

٣٥٠ - عمر بن مظفر بن عمر بن مُحَمَّد بن أَبى الفوارس زين الدَّين ابْن الوردي الْفَقِيه الشافعي الحلبي نَشأ بحلب وتفقّه بهَا ففاق الأقران وَأخذ من شرف الدَّين ابْن الْبَارِزِيّ وَغَيره ونظم الْبَهْجَة الوردية فِي خَمْسَة آلاف بَيت وَثَلَاثَة وَسِتِّينَ بَيْتا أَتَى على الحاوي الصَّغِير بغالب أَلْفَاظه قَالَ ابْن حجر وَأقسم بِاللَّه مَا نظم أحد بعده الْفِقْه إلا وَقصر دونه وَله ضوء الدرة على ألفية ابْن معطي وَشرح الألفية لِابْنِ مَالك وَله مقامات ومنطق الطير نظم ونثر وَله فِي الْكَلَام على مائَة غُلَام مائَة مَقْطُوع لَطِيفَة والدراري السارية فِي مائَة جَارِيَة مائَة مَقْطُوع كَذَلِك وَضمن كثيراً من الملحة للحريري فِي أرجوزة غزل وَاخْتصرَ الألفية لِابْنِ مَالك فِي مائَة وَخمسين بَيْتا وَشَرحهَا وَكَانَ يَنُوب فِي الحكم بحلب وَولى قَضَاء منبج ثمَّ اعْرِض عَن ذَلِك وَمَات فِي الطَّاعُون آخر سنة ٧٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وديوان شعره فِي مُجَلد لطيف وَذكر الصفدي فِي أَعْيَان النَّصْر أَنه اختلس مَعَاني شعره وأنشده من ذَلِك شَيْئا كثيراً وَلم يَأْتِ بِدَلِيل على أَن ابْن الوردي هُوَ المختلس قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر بل الْمُتَبَادر الْعَكْس وَاسْتشْهدَ الصفدي على صِحَة دَعْوَاهُ بقول صَاحب التَّرْجَمَة (وأسرق مَا اردت من الْمعَانى ... فإن فقت الْقَدِيم حمدت سيري) (وإن ساويته نظماً فحسبي ... مُسَاوَاة الْقَدِيم وَذَا لخيري) (وإن كَانَ الْقَدِيم أتم معنى ... فَهَذَا مبلغيى ومطار طيري) (وإن الدِّرْهَم الْمَضْرُوب عندي ... أحبّ الى من دِينَار غيري) وَمن جملَة مَا أورده الصفدى لصَاحب التَّرْجَمَة

стр. 514

(سل الله رَبك من فَضله ... إذا عرضت حَاجَة مقلقة) (وَلَا تقصد التّرْك فِي حَاجَة ... فأعينهم أعين ضيقة) قَالَ الصفدي وهما مأخوذان من قولي (أترك هوى الأتراك إن رمت أن ... لَا تبتلي فيهم بهم وضير) (وَلَا ترجّ الْجُود من وصلهم ... مَا ضَاقَتْ الأعين فيهم لخير) وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة (قيل لي تبذل الذَّهَب ... بتولي قضا حلب) (قلت هم يحرقونني ... وَأَنا أشتري الْحَطب) وَمِنْه أَخذ ابْن عشاير (قيل برطل على القضا ... ترغم الْحَسَد العدى) (قلت هم يذبحونني ... وَأَنا أشحذ المدى) وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة (إني تركت عقودهم وفسوخهم ... وفروضهم وَالْحكم بَين اثْنَيْنِ) (ولزمت بيتى قانعا ومطالعا ... كتب الْعُلُوم وَذَاكَ زين الدَّين) ٣٥١ - عِيسَى بن عُثْمَان بن عِيسَى الغزيّ شرف الدَّين الشَّافِعِي ولد قبل الأربعين وَسَبْعمائة وَقدم دمشق فأخذ عَن علمائها ولازم تَاج الدَّين السبكي ودرس بالجامع الأموي وَأفْتى وصنف فَمن مصنفاته شرح الْمِنْهَاج الشَّرْح الْكَبِير والمتوسط وَالصَّغِير وَاخْتصرَ الرَّوْضَة مَعَ زيادات وَاخْتصرَ مهمات الأسنوي وَله كتاب فِي آدَاب الْقَضَاء ولخص زيادات الْكِفَايَة على الرافعي فِي مجلدين مَاتَ فِي شهر رَمَضَان سنة ٧٩٩ تسع وَتِسْعين وَسَبْعمائة

стр. 515

٣٥٢ - السَّيِّد عِيسَى بن لطف الله بن المطهر ابْن الإمام شرف الدَّين اليماني الكوكباني الشَّاعِر المنجّم المؤرّخ لَهُ تَارِيخ سَمَّاهُ روح الروح صنف واختص بالوزير مُحَمَّد باشا فصنف هَذَا التَّارِيخ بعنايته وَذكر فِيهِ مَا كَانَ بعد الْمِائَة التَّاسِعَة من الْفتُوح وصنّف لَهُ النفحة اليمنية فِي الدولة المحمدية وَمن نظمه (لَا تلمني فِي حب أهيف كالغص ... ن بِغَيْر الشموس فِي الاشراق) (لدغتنى فِي حَبَّة الوج ... هـ فَمَا غير وَصله من راق) وَكَانَ يهوى غُلَاما جميلاً فَقتله الأتراك فِي بعض الحروب فَقَالَ فِي ذَلِك قصيدة مِنْهَا (قد كنت أَهْوى بَان تأوي إلى نظري ... فَالْآن من لي بِجعْل الْقلب تابوتا) (عذبتنى بالجفا وَقت الْحَيَاة وفي ... مماتك الْيَوْم قد أحرمتني القوتا) (قتلت مِنْك غَدَاة الْحَالَتَيْنِ مَعًا ... حَيا وَمَيتًا فيا طول الجو هيتا) (يازهرة قطفت من بَعْدَمَا بسمت ... وزهرة غربت مذ وافت الحوتا) (لهفى على المقلة الكحلا الى قصرت ... عَن سحر نفثتها أسحار هاروتا) وَله قصيدة كتبهَا إلى الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ينتصل فِيهَا عَمَّا ينْسب إليه من تفضيله للدولة التركية على الدولة القاسمية ومطلعها (مَا شاقني سجع الحمامة ... سحراً وَلَا برق الغمامة) وَكَانَ مَوته فِي دولة الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم فِي سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ يفد اليه ويكرمه

стр. 516

٣٥٣ - السَّيِّد عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني قد تقدم تَمام نسبه ومولده على التَّقْرِيب بعد سنة ١١٣٠ وَله يَد فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد قَوِيَّة وَكَانَ مكباً طول عمره على المعارف العلمية وأفاده الطّلبَة حَتَّى شاخ وعلت سنة فَصَارَ عِنْد ذَلِك أَمِيرا لكوكبان وبلادها من غير سعي مِنْهُ فِي ذَلِك بل قَصده أَقَاربه بالإمارة وَذَلِكَ أنه اتفق أَن السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد أَمِير كوكبان وَهُوَ أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة مَاتَ فَصَارَت الإمارة بعده إلى وَلَده الأكبر الْعَبَّاس بن إبراهيم فنافسه على ذَلِك أخوه يحيى بن إبراهيم ومازال يترقب لَهُ الفرص حَتَّى صَادف مِنْهُ غرَّة وهم فِي دَار وَاحِدَة فَدخل عَلَيْهِ هُوَ وَجَمَاعَة مَعَه وضربوه ضرباً مبرحاً ثمَّ كتفوه وأخرجوه من دَاره على رُءُوس الأشهاد بعد أَن قيّدوه فَخرج مُقَيّدا مكتوفاً وَالنَّاس ينظرونه وسجنوه فِي دَار هُنَالك معدة لمثل ذَلِك ثمَّ إن أَخَاهُ يحيى الْمَذْكُور علم أَن أهل كوكبان لَا يفوضون الإمارة إليه وَفِيهِمْ صَاحب التَّرْجَمَة لعلو سنه فقصده وَعرض عَلَيْهِ الإمارة فقبلها وَكَانَت الأمور فِي أيام إمارته منوطة بالسيّد شرف الدَّين بن احْمَد الذي صَار بعد صَاحب التَّرْجَمَة أَمِيرا ثمَّ إن السادات وَسَائِر الأعيان أجمع أَمرهم على اعتقال السَّيِّد يحيى بن إبراهيم فِي الْيَوْم الثاني من اعتقاله لأخيه فعقدوا مَجْلِسا وَأَرْسلُوا للمذكور فجَاء وَبَين يَدَيْهِ الْجند وَعَلِيهِ أبهة الإمارة فكتفوه وقيدوه وأخرجوه كَمَا أخرجُوا أَخَاهُ وأدخلوه الدَّار الَّتِى أَدخل أَخَاهُ فِيهَا وَكَانَ ذَلِك من أعظم العبر وفي أثْنَاء هَذِه الأمور قتل السَّيِّد عبد الله بن إبراهيم وَكَانَ عِنْد اعتقال أَخِيه يحيى لاخيه عَبَّاس بشبام فَلَمَّا بلغه ذَلِك جمع جمَاعَة من أهل شبام وطلع بهم إلى كوكبان قَاصِدا لنصر أَخِيه عَبَّاس فلقي

стр. 517

فِي الطَّرِيق عَبَّاس بن مُحَمَّد بن يحيى وَهُوَ مِمَّن أعَان السَّيِّد يحيى بن إبراهيم على اعتقال أَخِيه بل لولاه ماتم ذَلِك فَلَمَّا رأى السَّيِّد عبد الله الْمَذْكُور السَّيِّد عَبَّاس بن مُحَمَّد فِي عقبَة كوكبان سلّ سَيْفه وَحمل عَلَيْهِ على دهش وطيش فوصل إليه وضربه بِالسَّيْفِ ضربة غير طائلة فاخذ السَّيِّد عَبَّاس ابْن مُحَمَّد الجنبية وطعنه بهَا طعنة كَانَ بهَا مَوته وَلم ينفع السَّيِّد عبد الله من مَعَه من الْجَيْش ثمَّ إن السَّيِّد عَبَّاس بن مُحَمَّد سجن بقصر صنعاء نَحْو سبع سِنِين وَصَحَّ عندي أَنه مدافع فأطلقه مَوْلَانَا الإمام حفظه الله وَأما صَاحب التَّرْجَمَة فاستمر على امارته حَتَّى مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال سنة ١٢٠٧ سبع وَمِائَتَيْنِ وألف ثمَّ صَارَت الإمارة بعده إلى السَّيِّد شرف الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء المتوسعين فِي عدَّة فنون وَولده الْعَلامَة عبد الله قد سبقت تَرْجَمته

стр. 518

٣٥٤ - عِيسَى بن مَسْعُود بن مَنْصُور بن يحيى بن يُونُس الزواوي المالكي

стр. 519

ولد سنة ٦٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بزواوة وتفقّه على أَبى يُوسُف الزواوي ثمَّ قدم الإسكندرية فتفقه بهَا ثمَّ رَجَعَ إلى قابس وَولى الْقَضَاء بهَا ثمَّ رَجَعَ إلى الإسكندرية ثمَّ دخل مصر فَقَرَأَ عَلَيْهِ النَّاس بالجامع الْأَزْهَر وَسمع من جمَاعَة مِنْهُم الدمياطي وَكَانَ يذكر أَنه حفظ مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي سِتَّة أشهر وَأَنه حفظ الْمُوَطَّأ ثمَّ دخل أَيْضا دمشق وناب عَن حاكمهما المالكي وَرجع إلى مصر وناب أَيْضا عَن حاكمها المالكي ثمَّ أعرض عَن ذَلِك وَأَقْبل على التصنيف فصنّف شرحاً لمُسلم فِي اثني عشر مجلداً جمع فِيهِ بَين الْمعلم وإكماله وَشرح النووي عَلَيْهِ وَسَماهُ إكمال الإكمال وَزَاد فِيهِ فَوَائِد ومسائل من كَلَام الْبَاجِيّ وَابْن عبد الْبر وَأبْدى فِيهِ سُؤَالَات مفيدة وَأجَاب عَنْهَا وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الفرعي فوصل إلى الصَّيْد فِي سَبْعَة أسفار وَشرح مُخْتَصر ابْن يُوسُف فِي سِتَّة أسفار وَله كتاب فِي الْمَنَاسِك ورد على ابْن تَيْمِية فِي مسئلة الطَّلَاق وَشرع فِي جمع تَارِيخ كتب مِنْهُ عشرَة أسفار وَمَات فِي مستهل رَجَب سنة ٧٤٣ ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تمّ بِحَمْد الله وفضله

стр. 520

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة غازان بن آرغون بن أبغابن هلا كو بن تولى بن جنكز خَان السُّلْطَان معز الدَّين سُلْطَان التتار كَانَ جُلُوسه على تخت الْملك سنة ٦٩٣ وَحسن لَهُ نايبه نوروز الْإِسْلَام فَأسلم في سنة ٦٩٤ ونثر الذَّهَب وَالْفِضَّة واللؤلؤ على رُؤْس النَّاس وَفَشَا الْإِسْلَام فِي التتار وَكَانَ ملك خُرَاسَان بأسرها وَالْعراق وَفَارِس وَالروم وأذربيجان والجزيرة وَكَانَ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ وَيفهم أَكثر اللِّسَان العربي وَلما ملك أَخذ نَفسه بطرِيق جده الْأَعْلَى جنكزخان الطاغية الذي أهلك الْعباد والبلاد وَصرف همته إِلَى توفير الْعَسْكَر وسد الثغور وَعمارَة الْبِلَاد والكف عَن سفك الدِّمَاء وَلما أسلم قيل لَهُ إِن دين الْإِسْلَام يحرم نِكَاح نسَاء الْآبَاء وَقد كَانَ استضاف نسَاء أَبِيه إِلَى نِسَائِهِ وَكَانَ أحبهنَّ إِلَيْهِ خاتون وهي أكبر نسَاء أَبِيه فهم أَن يرْتَد عَن الْإِسْلَام فَقَالَ لَهُ بعض خواصه إِن أَبَاك كَانَ كَافِرًا وَلم تكن خاتون مَعَه في عقد صَحِيح إِنَّمَا كَانَ مسافحاً بهَا فاعقد أَنْت عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تحل لَك فَفعل

стр. 521

وَلَوْلَا ذَلِك لارتد عَن الْإِسْلَام وَاسْتحْسن ذَلِك من الذي أفتاه بِهِ لهَذِهِ الْمصلحَة بل هُوَ حسن وَلَو كَانَ تَحْتَهُ ألف امْرَأَة على سفاح فَإِن مثل هَذَا السُّلْطَان المتولي على أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام في إِسْلَامه من الْمصلحَة مَا يسوغ مَا هُوَ أكبر من ذَلِك حَيْثُ يُؤدى التحريج عَلَيْهِ والمشي مَعَه على أَمر الْحق إِلَى ردته فرحم الله ذَلِك الْمُفْتى وَكَانَ وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَمن قبله من الْمُلُوك يعدون أنفسهم نواباً لملك السراى فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ قدم غازان في الْملك تسمى بالخان وَقطع مَا كَانَ يحملهُ إِلَيْهِم من إتاوة وأفرد نَفسه بِالذكر وَالْخطْبَة وَضرب السِّكَّة باسمه وطرد نائبهم من بِلَاد الروم وَقَالَ أَنا أخذت الْبِلَاد بسيفي لَا بغيري وَكَانَ إِذا غضب خرج إِلَى الفضاء وَيَقُول إِن الْغَضَب إِذا خزنته زَاد فَإِن كَانَ جائعاً أكل أَو بعيد عهد بِالْجِمَاعِ جَامع وَيَقُول آفَة الْعقل الْغَضَب وَلَا يصلح للْملك من يتعاطى مَا يضر عقله وَأول مَا وَقع لَهُ الْقِتَال مَعَ نوروز بن أرغون الذي كَانَ حسن لَهُ الْإِسْلَام فَإِن نوروز خرج عَلَيْهِ فحاربه ثمَّ لجاء نوروز إِلَى قلعة خُرَاسَان ثمَّ إِن غازان قتل الأكراد الَّذين قَامُوا مَعَ نوروز وَكَانَ جملَة من قتل مِنْهُم في المعركة خمسين ألفاً وَأسر مِنْهُم أسراً كثيراً حَتَّى بيع الصبي الْجَمِيل الْمُرَاهق وَمن هُوَ أكبر مِنْهُ باثني عشر درهماً ثمَّ إِن غازان طرق الْبِلَاد الشامية في سنة ٦٩٩ وَكَانَت ملحمة عَظِيمَة ظفر فِيهَا غازان وَدخل دمشق وخطب لَهُ بهَا واستمرت لَهُ الْخطْبَة أَيَّامًا وَحصل في تِلْكَ الْأَيَّام لأهل الشَّام من الْقَتْل وَسبي الْحَرِيم والذرية والتعذيب مَالا يُوصف بِسَبَب ماصودروا بِهِ من الْأَمْوَال وَهلك خلائق من الْعَذَاب والجوع ثمَّ رَجَعَ ثمَّ عَاد مرة أُخْرَى سنة ٧٠٠ فأوقع بِبِلَاد حلب ثمَّ أرسل بعض أمرائه بالعساكر

стр. 522

إِلَى مصر فَوَقَعت على عسكرة كسرة عَظِيمَة وَقتل مِنْهُم من لَا يُحْصى وَكَانَ ذَلِك في سنة ٧٠٣ وَلما بلغ ذَلِك غازان حصل لَهُ غم شَدِيد كَانَ سَبَب مَوته كَمَا قَالَ ابْن حجر فَمَاتَ في شهر شَوَّال سنة ٧٠٣ ثَلَاث وَسَبْعمائة قَالَ الذهبي كَانَ شَابًّا عَاقِلا شجاعاً مهيباً مليح الشكل مَاتَ وَلم يتكهل واشتهر أَنه سم في منديل يمسح بِهِ بعد الْجِمَاع فتعلل وَهلك انْتهى وَقد امتحن أهل الشَّام بِهَذَا على رَأس الْقرن السَّابِع كَمَا امتحنوا هم وغالب بِلَاد الإسلام بجده الْأَعْلَى على رَأس الْقرن السَّادِس وكما امتحنوا بتيمورلنك على رَأس الْقرن الثَّامِن وَكلهمْ من التتار وَالْحكم لله الْقَادِر الْمُخْتَار السَّيِّد غَالب بن مساعد شرِيف مَكَّة وأميرها عِنْد تَحْرِير هَذِه الأحرف ولي الْإِمَارَة بعد أَبِيه مساعد أَخُوهُ سرُور ابْن مساعد الذي طَار صيته في الْآفَاق وَبلغ من الْمجد والسعي في أَعمال الْخَيْر وتأمين السبل مَا لم يبلغ إِلَيْهِ أحد من آبَائِهِ وَلَقَد كَانَت أَحَادِيث الوافدين لِلْحَجِّ إِلَى بَيت الله الْحَرَام تخبر عَنهُ بأخبار تسر الْقُلُوب وتشنف الأسماع وَتَروح الطباع وَكَانَ عَظِيم السطوة شَدِيد الصولة قامعاً للْفَسَاد رَاعيا لمصَالح الْعباد كثير الْغَزْو لمردة الْأَعْرَاب الَّذين يتخفطون النَّاس في الطرقات ثمَّ مَاتَ في شهر رَجَب سنة ١٢٠٢ اثْنَتَيْنِ ومايتين وَألف وَقَامَ مقَامه أَخُوهُ عبد الْمعِين ثمَّ رغب عَن الْأَمر لصَاحب التَّرْجَمَة بعد أَيَّام يسيرَة من ولَايَته فَقَامَ بِهِ هَذَا أتم قيام وَهُوَ الْآن فِي سن الشَّبَاب حَسْبَمَا نَسْمَعهُ من الْحجَّاج وَله شغلة عَظِيمَة بِصَاحِب نجد عبد الْعَزِيز بن سعود المستولي الْآن على الْبِلَاد النجدية وَغَيرهَا مِمَّا هُوَ مجاور لَهَا وَكَثِيرًا مَا يجمع صَاحب التَّرْجَمَة

стр. 523

الجيوش ثمَّ يَغْزُو أَرض نجد فيصل أطرافها فيبلغنا أَنه يقوم لحربه طايفة يسيرَة من أَطْرَاف الْبِلَاد فيهزمونه وَيعود إِلَى مَكَّة وَآخر مَا وَقع مِنْهُ ذَلِك سنة ١٢١٢ فَإِنَّهُ جمع جَيْشًا كثيراً وغزا نجداً وأوقع بِبَعْض الْبِلَاد الراجعة إِلَى سُلْطَان نجد الْمَذْكُور فَلم يشْعر إِلَّا وَقد دهمه جَيش لَا طَاقَة لَهُ بِهِ أرْسلهُ صَاحب نجد فَهَزَمَهُ وَاسْتولى على غَالب جَيْشه قتلاً وأسرا بل جائت الْأَخْبَار بِأَنَّهُ لم يسلم من جَيش صَاحب التَّرْجَمَة إِلَّا طَائِفَة يسيرَة وَقتل جمَاعَة من أَشْرَاف مَكَّة في المعركة وتمت الْهَزِيمَة إِلَى مَكَّة وَلَو ترك ذَلِك واشتغل بِغَيْرِهِ لَكَانَ أولى لَهُ فَإِن من حَارب من لَا يقوى لحربه جرّ إِلَيْهِ الْبلوى فَإِن صَاحب نجد تبلغ عَنهُ قُوَّة عَظِيمَة لَا يقوم لمثلهَا صَاحب التَّرْجَمَة فقد سمعنَا أَنه قد استولى على بِلَاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر وغالب بِلَاد الْحجاز وَمن دخل تَحت حوزته أَقَامَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَسَائِر شَعَائِر الْإِسْلَام وَدخل في طَاعَته من عرب الشَّام الساكنين مَا بَين الْحجاز وصعدة غالبهم إِمَّا رَغْبَة وَإِمَّا رهبة وصاروا مقيمين لفرائض الدَّين بعد أَن كَانُوا لَا يعْرفُونَ من الْإِسْلَام شَيْئا وَلَا يقومُونَ بشئ من واجباته إِلَّا مُجَرّد التَّكَلُّم بِلَفْظ الشَّهَادَتَيْنِ على مافى لَفظهمْ بهَا من عوج وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانُوا جَاهِلِيَّة جهلاء كَمَا تَوَاتَرَتْ بذلك الْأَخْبَار إِلَيْنَا ثمَّ صَارُوا الْآن يصلونَ الصَّلَوَات لأوقاتها ويأتون بِسَائِر الْأَركان الإسلامية على أبلغ صفاتها وَلَكنهُمْ يرَوْنَ أَن من لم يكن دَاخِلا تَحت دولة صَاحب نجد وممتثلاً لأوامره خَارج عَن الْإِسْلَام وَلَقَد أخبرني أَمِير حجاج الْيمن السَّيِّد مُحَمَّد بن حُسَيْن المراجل الكبسي أَن جمَاعَة مِنْهُم خاطبوه هُوَ وَمن مَعَه من حجاج الْيمن بِأَنَّهُم كفار وَأَنَّهُمْ غير معذورين عَن الْوُصُول إِلَى

стр. 524

صَاحب نجد لينْظر فِي إسْلَامهمْ فَمَا تخلصوا مِنْهُ إِلَّا بِجهْد جهيد وَقد صَارَت جيوش صَاحب نجد في بِلَاد يام وفي بِلَاد السراة المجاورين لبلاد أبي عَرِيش وَمن تبعه من هَذِه الْأَجْنَاس اغتبط بمتابعته وَقَاتل من يجاوره من الخارجين عَن طَاعَته فَبِهَذَا السَّبَب صَار مُعظم تِلْكَ الْبِلَاد رَاجعا إِلَيْهِ وتبلغنا عَنهُ أَخْبَار الله أعلم بِصِحَّتِهَا من ذَلِك أَنه يسْتَحل دم من اسْتَغَاثَ بِغَيْر الله من نبي أَو ولي وَغير ذَلِك وَلَا ريب أَن ذَلِك إِذا كَانَ عَن اعْتِقَاد تَأْثِير المستغاث كتأثير الله كفر يصير بِهِ صَاحبه مُرْتَدا كَمَا يَقع فى كثير من هَؤُلَاءِ المعتقدين للأموات الَّذين يَسْأَلُونَهُمْ قَضَاء حوائجهم ويعولون عَلَيْهِ زِيَادَة على تعويلهم على الله سُبْحَانَهُ وَلَا ينادون الله جل وَعلا إِلَّا مقترناً بِأَسْمَائِهِمْ ويخصونهم بالنداء منفردين عَن الرب فَهَذَا أَمر الْكفْر الذى لَا شكّ فِيهِ وَلَا شُبْهَة وَصَاحبه إِذا لم يتب كَانَ حَلَال الدَّم وَالْمَال كَسَائِر الْمُرْتَدين وَمن جملَة مَا يبلغنَا عَن صَاحب نجد أَنه يسْتَحل سفك دم من لم يحضر الصَّلَاة في جمَاعَة وَهَذَا إِن صَحَّ غير مُنَاسِب لقانون الشَّرْع نعم من ترك صَلَاة فَلم يَفْعَلهَا مُنْفَردا وَلَا في جمَاعَة فقد دلت أَدِلَّة صَحِيحَة على كفره وعورضت بِأُخْرَى فَلَا حرج على من ذهب إِلَى القَوْل بالْكفْر إِنَّمَا الشَّأْن في استحلال دم من ترك الْجَمَاعَة وَلم يَتْرُكهَا مُنْفَردا وتبلغ أُمُور غير هَذِه الله أعلم بِصِحَّتِهَا وَبَعض النَّاس يزْعم أَنه يعْتَقد اعْتِقَاد الْخَوَارِج وَمَا أَظن ذَلِك صَحِيحا فَإِن صَاحب نجد وَجَمِيع أَتْبَاعه يعْملُونَ بِمَا تعلموه من مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَكَانَ حنبليا ثمَّ طلب الحَدِيث بِالْمَدِينَةِ المشرفة فَعَاد إِلَى نجد وَصَارَ يعْمل باجتهادات جمَاعَة من متأخرى الْحَنَابِلَة كَابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وأضرابهما وهما من أَشد النَّاس على معتقدى الْأَمْوَات وَقد رَأَيْت كتابا من صَاحب

стр. 525

نجد الذى هُوَ الْآن صَاحب تِلْكَ الْجِهَات أجَاب بِهِ على بعض أهل الْعلم وَقد كَاتبه وَسَأَلَهُ بَيَان مَا يَعْتَقِدهُ فَرَأَيْت جَوَابه مُشْتَمِلًا على اعْتِقَاد حسن مُوَافق للْكتاب وَالسّنة فَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال وَأما أهل مَكَّة فصاروا يكفرونه ويطلقون عَلَيْهِ اسْم الْكَافِر وبلغنا أَنه وصل إِلَى مَكَّة بعض عُلَمَاء نجد لقصد المناظرة فناظر عُلَمَاء مَكَّة بِحَضْرَة الشريف في مسَائِل تدل على ثبات قدمه وَقدم صَاحبه فِي الدَّين وفي سنة ١٢١٥ وصل من صَاحب نجد الْمَذْكُور مجلدان لطيفان أرسل بهما إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله أَحدهمَا يشْتَمل على رسائل لمُحَمد بن عبد الْوَهَّاب كلهَا في الْإِرْشَاد إِلَى إخلاص التَّوْحِيد والتنفير من الشرك الذي يَفْعَله المعتقدون فِي الْقُبُور وهي رسائل جَيِّدَة مشحونة بأدلة الْكتاب وَالسّنة والمجلد الآخر يتَضَمَّن الرَّد على جمَاعَة من الْمُقَصِّرِينَ من فُقَهَاء صنعاء وصعدة ذاكروه في مسَائِل مُتَعَلقَة بأصول الدَّين وبجماعة من الصَّحَابَة فَأجَاب عَلَيْهِم جوابات محررة مقررة مُحَققَة تدل على أَن الْمُجيب من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين العارفين بِالْكتاب وَالسّنة وَقد هدم عَلَيْهِم جَمِيع مَا بنوه وأبطل جَمِيع مَا دونوه لأَنهم مقصرون متعصبون فَصَارَ مَا فَعَلُوهُ خزياً عَلَيْهِم وعَلى أهل صنعاء وصعدة وَهَكَذَا من تصدر وَلم يعرف مِقْدَار نَفسه وَأرْسل صَاحب نجد مَعَ الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين بمكاتبة مِنْهُ إِلَى سيدي الْمولى الإِمَام فَدفع حفظه الله جَمِيع ذَلِك إِلَى فأجبت عَن كِتَابه الذي كتب إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله على لِسَانه بِمَا مَعْنَاهُ أَن الْجَمَاعَة الَّذين أرْسلُوا إِلَيْهِ بالمذاكرة لَا ندري من هم وَكَلَامهم يدل على أَنهم جهال وَالْأَصْل وَالْجَوَاب مَوْجُود ان في مجموعي وَفِي سنة ١٢١٧ دخلت بِلَاد أَبى عَرِيش وأشرافها في طَاعَة

стр. 526

صَاحب نجد ثمَّ تزلزلت الديار اليمنية بذلك وَاسْتولى أَصْحَابه على بعض ديار تهَامَة وَجَرت أُمُور يطول شرحها وَهِي الْآن في سريان وَقد أفردت مَا بلغنَا من ذَلِك في مُصَنف مُسْتَقل لِأَن هَذِه الْحَادِثَة قد عَمت وطمت وارتجفت لَهَا أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية بل وَسَائِر الديار لَا سِيمَا بعد دُخُول أَصْحَاب النجدي مَكَّة المشرفة وطرد أَشْرَافهَا عَنْهَا وَللَّه أَمر هُوَ بالغه ثمَّ في سنة ١٢٢٢ وصل إِلَيْنَا جمَاعَة من صَاحب نجد سعود بن عبد الْعَزِيز لبَعْضهِم معرفَة في الْعلم وَمَعَهُمْ مكاتيب من سعود إِلَى الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه رَحمَه الله تَعَالَى وَإِلَى أَيْضا ثمَّ وصل جمَاعَة آخَرُونَ كَذَلِك فِي سنة ١٢٢٧ ثمَّ وصل جمَاعَة آخَرُونَ كَذَلِك في سنة ١٢٢٨ وَدَار مَعَ هَؤُلَاءِ الواردين وَمَعَ غَيرهم من الْمُكَاتبَة مَالا يَتَّسِع الْمقَام لبسطه ثمَّ بعد هَذَا في سنة ١٢٢٩ خرج باشة مصر الباشا مُحَمَّد علي بِجُنُود السُّلْطَان وَوصل إِلَى مَكَّة وَأسر الشريف غَالب وجهزه إِلَى الروم ثمَّ بلغ مَوته هُنَالك وَهَذَا عَارض من القَوْل فلنرجع إِلَى تَرْجَمَة الشريف غَالب فَنَقُول وَمِمَّا ينبغي ذكره هَهُنَا أَنه وصل من الشريف الْمَذْكُور في عَام تَحْرِير هَذَا الأحرف وَهُوَ سنة ١٢١٣ في شهر رَجَب مِنْهَا كتاب إِلَى مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله يتَضَمَّن الْإِخْبَار بالرزية الْعُظْمَى والمصيبة الْكُبْرَى والبلية الَّتِى تبكي لَهَا عُيُون الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وهي اسْتِيلَاء طَائِفَة من الفرنج يُقَال لَهُم الفرنسيس على الديار المصرية جَمِيعهَا ووصولهم إِلَى الْقَاهِرَة وحكمهم على من بِتِلْكَ الديار من الْمُسلمين وَهَذَا خطب لم يصب الْإِسْلَام بِمثلِهِ فان مصر مَا زَالَت بأيدى

стр. 527

الْمُسلمين مُنْذُ فتحت فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى الْآن وَلم نجد فِي شئ من الْكتب التاريخية مَا يدل على أَنه قد دخل مَدِينَة مصر دولة كفرية والإفرنج الَّذين وصلوا إِلَيْهَا فى أَيَّام العاضد ووزيره شاوور وَكَذَلِكَ الَّذين وصلوا إِلَيْهَا فِي دولة بنى أَيُّوب لم يدخلُوا مَدِينَة مصر بل غَايَة مَا بلغُوا إِلَيْهِ دمياط وَنَحْوهَا وَمَا زَالَت تِلْكَ الْمَدِينَة وَسَائِر بلادها محروسة عَن الدول الكفرية فَإِن التتار دوخوا جَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام وَلم يسلطهم الله على مصر بل عَادوا عَنْهَا خائبين مقهورين مهزومين وَكَذَلِكَ تيمورلنك مَعَ تدويخه لسَائِر الممالك لم يُسَلط عَلَيْهِم وَالله ينصر الْإِسْلَام وَأَهله وَأرْسل الشريف في طي كِتَابه بِكِتَاب من سُلْطَان الروم ثمَّ بعد ذَلِك وصل من الشريف كتاب فِيهِ التبشير باستيلاء الْمُسلمين على من بِالْقَاهِرَةِ فضلاً عَن الَّذين مِنْهُم بِسَائِر الأقطار المصرية وبالإسكندرية وَسَنذكر هَهُنَا كتاب السُّلْطَان ثمَّ كتاب الشريف الأول ثمَّ كِتَابه الثاني ثمَّ الْجَواب من مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله تكميلاً للفائدة وتبييناً للقضية فَإِنَّهَا من الْحَوَادِث الْعَظِيمَة الَّتِى ينبغي التَّعْرِيف بهَا والإعلام بشأنها فَلفظ كتاب السُّلْطَان ملك الروم إِلَى شرِيف مَكَّة غَالب بن مساعد هَكَذَا وَبعد فَهَذَا مرسومنا المبجل الشريف وخطابنا الْمُعظم المنيف لَا زَالَ نَافِذا بعون الله في سَائِر الأرجاء والأقطار مَا دَامَ الْفلك الدوار أصدرناه مَبْنِيا على نظيم فرائد التَّحِيَّة وَالتَّسْلِيم ومنصوباً على قلائد التبجيل والتكريم محتوياً على قَوَاعِد صِيَانة الدَّين مؤكداً لمعاقد حماية سنَن سيد الْمُرْسلين ﷺ وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ أصدرنا إِلَى عالي جناب الْأَمِير الأمجد المبجّل الْأَجَل الأوحد

стр. 528

المقتفي آثَار أسلافه الْأَشْرَاف من آبَائِهِ الغرّ صَنَادِيد آل عبد منَاف وأجداده السعيدي السير الجميلي الْأَوْصَاف فرع الشَّجَرَة الزكية النَّبَوِيَّة طراز الْعِصَابَة العلوية المصطفوية قُرَّة عين الزهراء البتول المحفوف بصنوف عواطف الْملك الْمَاجِد حَالا شرِيف مَكَّة المشرفة الشريف غَالب بن مساعد لَا زَالَت الْعِنَايَة الربانية لَهُ مُلَاحظَة والكلاية الصمدانية عَلَيْهِ حافظة وإلى قدوة الْعلمَاء وعمدة الْفُضَلَاء نَائِب مَكَّة المشرفة وكافة السادات الْأَشْرَاف الأجلاء الميامين ومفاتي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة المحترمين ووجوه كَافَّة الْمُسلمين من ساكني بلد الله الْأمين من حَاضر وباد وفقهم الله إِلَى سَبِيل الرشاد يحيطون علماً أَن طَائِفَة كفار الفرانسة جعل الله دِيَارهمْ دارسة وأعلامهم ناكسة قد نقضوا العهود وخانوا مواثيق المعبود وَخَرجُوا من أطور الْحُدُود وهجموا على بدوان مصر وسكانها على حِين غَفلَة من أَهلهَا فملكوا الْبِلَاد وأفشوا الْكفْر وَالْفساد وخاضوا بَحر الضلال والطغيان وتحشدوا تَحت راية الشَّيْطَان وَتمكن البغي في أحشائهم وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لَا حَاكم يردعهم وَلَا دين واعتقاد يجمعهُمْ يعدون النهب غنيمَة والنميمة أكمل شِيمَة قد اتفقت آراؤهم وارتبطت أشوارهم على الهجوم على سَائِر بلدان الْمُسلمين وأقطار عباد الله الْمُوَحِّدين بِأَن أهل الْإِسْلَام قويين وَلَهُم مزِيد الصلابة في الدَّين فَإِذا وصلنا أقطارهم وحللنا دِيَارهمْ فالضعيف مِنْهُم نباشره بِالْحَرْبِ وَالضَّرْب وَالْقَتْل والنهب والقوى مِنْهُم ننصب لَهُ شرائك الْمَكْر والحيل حَتَّى تطمئِن

стр. 529

خواطرهم وتأمن ضمائرهم إِلَى أَن يقعوا فِي أشراكنا ونعمل فيهم مَا شِئْنَا من مقاصدنا ونلقي بَين سَائِر الْمُسلمين المكايد الْخفية بِالْفَسَادِ لإيقاع الْعَدَاوَة المباينة للاتحاد فِي أَحْوَالهم وأديانهم وَلم يعلمُوا لعنهم الله أَن الْإِسْلَام مغروس فِي قُلُوبنَا وَالْإِيمَان ممزوج بلحمنا ودمنا أكفر بعد إِيمَان أضلال بعد هدى كلا وَرب الأَرْض وَالسَّمَاء رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وخصوصاً فِي طوائف الْعَرَب لنبلغ فيهم أقْصَى مرام وأعزّ مطلب ونبذل الْجهد فِي تَخْرِيج الرعايا من الْإِسْلَام عَن طَاعَة من ولي عَلَيْهِم من الْحُكَّام حَتَّى يكون لنا الصولة الْعُظْمَى ويصيرون الْجَمِيع لنا مغنماً فَيَنْقَطِع بذلك سلك نظامهم وينفصم عقد انتظامهم فنملك حِينَئِذٍ رقابهم وَأَمْوَالهمْ فَإِن الْعَرَب أسْرع مَا يستولي على دِيَارهمْ لتفرقهم فِي أَوْدِيَتهمْ من أقطارهم وغفلتهم عَن حزم أَحْوَالهم فَإِن أعظم مَا يشتت جموع الْإِسْلَام ويفل حد سنانهم عَن الانتظام هدم قبلتهم وَحرق مَسَاجِدهمْ فَإِذا ظفرنا بأقطارهم وهدمت كعبتهم وَمَسْجِد نَبِيّهم وَبَيت مقدس عزهم انْقَطع أملهم وتفرق شملهم وملكنا دِيَارهمْ فَإِن الْأُمُور لَا يُدْرِكهَا إِلَّا اتِّفَاق الْجُمْهُور فنقتل جَمِيع رِجَالهمْ وَمن يعقل من صبيانهم فَحِينَئِذٍ نقتسم دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ وأملاكهم ونحول بَقِيَّة النَّاس إِلَى أصولنا وقواعدنا ولساننا وَدِيننَا فبه يمحى الْإِسْلَام وقواعده وشرائعه ويندرس رسومه وآثاره من وَجه الأَرْض من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها وعربها وعجمها فَهَذَا مَا اتّفق رأى الفرنسيس اللعين من سوء الْمَقَاصِد في الْمُسلمين جعل الله دَائِرَة السوء عَلَيْهِم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ صرفاً وَلَا نصرا وَنَرْجُو الله

стр. 530

أَن يعاملهم بعدله فِي قَوْله وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله فَهَذَا حَال الفرانسة فِي إلحادهم وجدالهم وعنادهم وَمَا اقْتَضَاهُ فَاسد اجتهادهم يُرِيدُونَ ليطفؤا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ فَكيف لَا يكون فرضاً على كل أحد من مُسلم موحد أَن يشمر عَن ساعد الْجد ويبذل نَفسه وَمَاله في مرضاة الْوَاحِد الْفَرد ويمتثل قَول أصدق الْقَائِلين سارعوا إلى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين وَيكون رابحاً فِي بَيْعه عَن الخسران مُسْتَبْشِرًا ببذل نَفسه في سَبِيل الرَّحْمَن لقَوْله إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فى سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الْبَينَات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المروية عَن الثِّقَات مِمَّا يحث على نصْرَة الدَّين ويلم شعث الْمُوَحِّدين فَالْآن يَا شرِيف مَكَّة وَيَا سَادَات الْأَشْرَاف وقادات الْعَرَب وحماة الدَّين وكماة الْمُسلمين وغزاة الْمُوَحِّدين وأبطال الحروب الماحين بصوارم عزمهم عَن الدَّين ظلام الكروب يَا رجال الغارات وَيَا أَرْكَان الشَّرِيعَة والعبادات وَيَا حفظَة الدَّين والأمانات وَيَا باذلين النُّفُوس عِنْد انتهاك الحرمات وَيَا كَافَّة إِخْوَاننَا في الدَّين وَالَّذين هم لشريعة رَبهم ناصرين البدار البدار إِلَى طَاعَة الْملك الْغفار لمحافظة قبلتكم ومحتد نَبِيكُم منشأ الْإِسْلَام وَمَسْجِد نَبِيكُم ﷺ ومواطن مضاعفة عبادتكم من ساحة بَيت الله الْحَرَام فالغيرة الْغيرَة وَالْحمية الحمية من صولة أَعدَاء الدَّين الَّذين هم عَن كل مِلَّة فارقين ولكتب رسل الله مكذبين فشدوا عزائمكم للقائهم
следующие страницы →