← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صَاحب نجد ثمَّ تزلزلت الديار اليمنية بذلك وَاسْتولى أَصْحَابه على بعض ديار تهَامَة وَجَرت أُمُور يطول شرحها وَهِي الْآن في سريان وَقد أفردت مَا بلغنَا من ذَلِك في مُصَنف مُسْتَقل لِأَن هَذِه الْحَادِثَة قد عَمت وطمت وارتجفت لَهَا أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية بل وَسَائِر الديار لَا سِيمَا بعد دُخُول أَصْحَاب النجدي مَكَّة المشرفة وطرد أَشْرَافهَا عَنْهَا وَللَّه أَمر هُوَ بالغه ثمَّ في سنة ١٢٢٢ وصل إِلَيْنَا جمَاعَة من صَاحب نجد سعود بن عبد الْعَزِيز لبَعْضهِم معرفَة في الْعلم وَمَعَهُمْ مكاتيب من سعود إِلَى الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه رَحمَه الله تَعَالَى وَإِلَى أَيْضا ثمَّ وصل جمَاعَة آخَرُونَ كَذَلِك فِي سنة ١٢٢٧ ثمَّ وصل جمَاعَة آخَرُونَ كَذَلِك في سنة ١٢٢٨ وَدَار مَعَ هَؤُلَاءِ الواردين وَمَعَ غَيرهم من الْمُكَاتبَة مَالا يَتَّسِع الْمقَام لبسطه ثمَّ بعد هَذَا في سنة ١٢٢٩ خرج باشة مصر الباشا مُحَمَّد علي بِجُنُود السُّلْطَان وَوصل إِلَى مَكَّة وَأسر الشريف غَالب وجهزه إِلَى الروم ثمَّ بلغ مَوته هُنَالك وَهَذَا عَارض من القَوْل فلنرجع إِلَى تَرْجَمَة الشريف غَالب فَنَقُول وَمِمَّا ينبغي ذكره هَهُنَا أَنه وصل من الشريف الْمَذْكُور في عَام تَحْرِير هَذَا الأحرف وَهُوَ سنة ١٢١٣ في شهر رَجَب مِنْهَا كتاب إِلَى مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله يتَضَمَّن الْإِخْبَار بالرزية الْعُظْمَى والمصيبة الْكُبْرَى والبلية الَّتِى تبكي لَهَا عُيُون الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وهي اسْتِيلَاء طَائِفَة من الفرنج يُقَال لَهُم الفرنسيس على الديار المصرية جَمِيعهَا ووصولهم إِلَى الْقَاهِرَة وحكمهم على من بِتِلْكَ الديار من الْمُسلمين وَهَذَا خطب لم يصب الْإِسْلَام بِمثلِهِ فان مصر مَا زَالَت بأيدى

стр. 527

الْمُسلمين مُنْذُ فتحت فِي زمن عمر بن الْخطاب ﵁ إِلَى الْآن وَلم نجد فِي شئ من الْكتب التاريخية مَا يدل على أَنه قد دخل مَدِينَة مصر دولة كفرية والإفرنج الَّذين وصلوا إِلَيْهَا فى أَيَّام العاضد ووزيره شاوور وَكَذَلِكَ الَّذين وصلوا إِلَيْهَا فِي دولة بنى أَيُّوب لم يدخلُوا مَدِينَة مصر بل غَايَة مَا بلغُوا إِلَيْهِ دمياط وَنَحْوهَا وَمَا زَالَت تِلْكَ الْمَدِينَة وَسَائِر بلادها محروسة عَن الدول الكفرية فَإِن التتار دوخوا جَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام وَلم يسلطهم الله على مصر بل عَادوا عَنْهَا خائبين مقهورين مهزومين وَكَذَلِكَ تيمورلنك مَعَ تدويخه لسَائِر الممالك لم يُسَلط عَلَيْهِم وَالله ينصر الْإِسْلَام وَأَهله وَأرْسل الشريف في طي كِتَابه بِكِتَاب من سُلْطَان الروم ثمَّ بعد ذَلِك وصل من الشريف كتاب فِيهِ التبشير باستيلاء الْمُسلمين على من بِالْقَاهِرَةِ فضلاً عَن الَّذين مِنْهُم بِسَائِر الأقطار المصرية وبالإسكندرية وَسَنذكر هَهُنَا كتاب السُّلْطَان ثمَّ كتاب الشريف الأول ثمَّ كِتَابه الثاني ثمَّ الْجَواب من مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله تكميلاً للفائدة وتبييناً للقضية فَإِنَّهَا من الْحَوَادِث الْعَظِيمَة الَّتِى ينبغي التَّعْرِيف بهَا والإعلام بشأنها فَلفظ كتاب السُّلْطَان ملك الروم إِلَى شرِيف مَكَّة غَالب بن مساعد هَكَذَا وَبعد فَهَذَا مرسومنا المبجل الشريف وخطابنا الْمُعظم المنيف لَا زَالَ نَافِذا بعون الله في سَائِر الأرجاء والأقطار مَا دَامَ الْفلك الدوار أصدرناه مَبْنِيا على نظيم فرائد التَّحِيَّة وَالتَّسْلِيم ومنصوباً على قلائد التبجيل والتكريم محتوياً على قَوَاعِد صِيَانة الدَّين مؤكداً لمعاقد حماية سنَن سيد الْمُرْسلين ﷺ وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ أصدرنا إِلَى عالي جناب الْأَمِير الأمجد المبجّل الْأَجَل الأوحد

стр. 528

المقتفي آثَار أسلافه الْأَشْرَاف من آبَائِهِ الغرّ صَنَادِيد آل عبد منَاف وأجداده السعيدي السير الجميلي الْأَوْصَاف فرع الشَّجَرَة الزكية النَّبَوِيَّة طراز الْعِصَابَة العلوية المصطفوية قُرَّة عين الزهراء البتول المحفوف بصنوف عواطف الْملك الْمَاجِد حَالا شرِيف مَكَّة المشرفة الشريف غَالب بن مساعد لَا زَالَت الْعِنَايَة الربانية لَهُ مُلَاحظَة والكلاية الصمدانية عَلَيْهِ حافظة وإلى قدوة الْعلمَاء وعمدة الْفُضَلَاء نَائِب مَكَّة المشرفة وكافة السادات الْأَشْرَاف الأجلاء الميامين ومفاتي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة المحترمين ووجوه كَافَّة الْمُسلمين من ساكني بلد الله الْأمين من حَاضر وباد وفقهم الله إِلَى سَبِيل الرشاد يحيطون علماً أَن طَائِفَة كفار الفرانسة جعل الله دِيَارهمْ دارسة وأعلامهم ناكسة قد نقضوا العهود وخانوا مواثيق المعبود وَخَرجُوا من أطور الْحُدُود وهجموا على بدوان مصر وسكانها على حِين غَفلَة من أَهلهَا فملكوا الْبِلَاد وأفشوا الْكفْر وَالْفساد وخاضوا بَحر الضلال والطغيان وتحشدوا تَحت راية الشَّيْطَان وَتمكن البغي في أحشائهم وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لَا حَاكم يردعهم وَلَا دين واعتقاد يجمعهُمْ يعدون النهب غنيمَة والنميمة أكمل شِيمَة قد اتفقت آراؤهم وارتبطت أشوارهم على الهجوم على سَائِر بلدان الْمُسلمين وأقطار عباد الله الْمُوَحِّدين بِأَن أهل الْإِسْلَام قويين وَلَهُم مزِيد الصلابة في الدَّين فَإِذا وصلنا أقطارهم وحللنا دِيَارهمْ فالضعيف مِنْهُم نباشره بِالْحَرْبِ وَالضَّرْب وَالْقَتْل والنهب والقوى مِنْهُم ننصب لَهُ شرائك الْمَكْر والحيل حَتَّى تطمئِن

стр. 529

خواطرهم وتأمن ضمائرهم إِلَى أَن يقعوا فِي أشراكنا ونعمل فيهم مَا شِئْنَا من مقاصدنا ونلقي بَين سَائِر الْمُسلمين المكايد الْخفية بِالْفَسَادِ لإيقاع الْعَدَاوَة المباينة للاتحاد فِي أَحْوَالهم وأديانهم وَلم يعلمُوا لعنهم الله أَن الْإِسْلَام مغروس فِي قُلُوبنَا وَالْإِيمَان ممزوج بلحمنا ودمنا أكفر بعد إِيمَان أضلال بعد هدى كلا وَرب الأَرْض وَالسَّمَاء رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وخصوصاً فِي طوائف الْعَرَب لنبلغ فيهم أقْصَى مرام وأعزّ مطلب ونبذل الْجهد فِي تَخْرِيج الرعايا من الْإِسْلَام عَن طَاعَة من ولي عَلَيْهِم من الْحُكَّام حَتَّى يكون لنا الصولة الْعُظْمَى ويصيرون الْجَمِيع لنا مغنماً فَيَنْقَطِع بذلك سلك نظامهم وينفصم عقد انتظامهم فنملك حِينَئِذٍ رقابهم وَأَمْوَالهمْ فَإِن الْعَرَب أسْرع مَا يستولي على دِيَارهمْ لتفرقهم فِي أَوْدِيَتهمْ من أقطارهم وغفلتهم عَن حزم أَحْوَالهم فَإِن أعظم مَا يشتت جموع الْإِسْلَام ويفل حد سنانهم عَن الانتظام هدم قبلتهم وَحرق مَسَاجِدهمْ فَإِذا ظفرنا بأقطارهم وهدمت كعبتهم وَمَسْجِد نَبِيّهم وَبَيت مقدس عزهم انْقَطع أملهم وتفرق شملهم وملكنا دِيَارهمْ فَإِن الْأُمُور لَا يُدْرِكهَا إِلَّا اتِّفَاق الْجُمْهُور فنقتل جَمِيع رِجَالهمْ وَمن يعقل من صبيانهم فَحِينَئِذٍ نقتسم دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ وأملاكهم ونحول بَقِيَّة النَّاس إِلَى أصولنا وقواعدنا ولساننا وَدِيننَا فبه يمحى الْإِسْلَام وقواعده وشرائعه ويندرس رسومه وآثاره من وَجه الأَرْض من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها وعربها وعجمها فَهَذَا مَا اتّفق رأى الفرنسيس اللعين من سوء الْمَقَاصِد في الْمُسلمين جعل الله دَائِرَة السوء عَلَيْهِم فَلَا يَسْتَطِيعُونَ صرفاً وَلَا نصرا وَنَرْجُو الله

стр. 530

أَن يعاملهم بعدله فِي قَوْله وَلَا يَحِيق الْمَكْر السَّيئ إِلَّا بأَهْله فَهَذَا حَال الفرانسة فِي إلحادهم وجدالهم وعنادهم وَمَا اقْتَضَاهُ فَاسد اجتهادهم يُرِيدُونَ ليطفؤا نور الله بأفواههم وَالله متم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ فَكيف لَا يكون فرضاً على كل أحد من مُسلم موحد أَن يشمر عَن ساعد الْجد ويبذل نَفسه وَمَاله في مرضاة الْوَاحِد الْفَرد ويمتثل قَول أصدق الْقَائِلين سارعوا إلى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين وَيكون رابحاً فِي بَيْعه عَن الخسران مُسْتَبْشِرًا ببذل نَفسه في سَبِيل الرَّحْمَن لقَوْله إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فى سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الْبَينَات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المروية عَن الثِّقَات مِمَّا يحث على نصْرَة الدَّين ويلم شعث الْمُوَحِّدين فَالْآن يَا شرِيف مَكَّة وَيَا سَادَات الْأَشْرَاف وقادات الْعَرَب وحماة الدَّين وكماة الْمُسلمين وغزاة الْمُوَحِّدين وأبطال الحروب الماحين بصوارم عزمهم عَن الدَّين ظلام الكروب يَا رجال الغارات وَيَا أَرْكَان الشَّرِيعَة والعبادات وَيَا حفظَة الدَّين والأمانات وَيَا باذلين النُّفُوس عِنْد انتهاك الحرمات وَيَا كَافَّة إِخْوَاننَا في الدَّين وَالَّذين هم لشريعة رَبهم ناصرين البدار البدار إِلَى طَاعَة الْملك الْغفار لمحافظة قبلتكم ومحتد نَبِيكُم منشأ الْإِسْلَام وَمَسْجِد نَبِيكُم ﷺ ومواطن مضاعفة عبادتكم من ساحة بَيت الله الْحَرَام فالغيرة الْغيرَة وَالْحمية الحمية من صولة أَعدَاء الدَّين الَّذين هم عَن كل مِلَّة فارقين ولكتب رسل الله مكذبين فشدوا عزائمكم للقائهم

стр. 531

واحفظوا جهاتكم وسواحلكم ومنافذ بلدانكم وسارعوا إِلَى الرِّبَاط إِلَى حُدُود الْكَفَرَة اللئام ببندر جدة وينبع وَمَا والا هما مِمَّا فِيهِ صِيَانة الْمُسلمين وَحفظ أَعْرَاض الْمُوَحِّدين وَكُونُوا عباد الله إخْوَانًا وَلَا تنازعو فتفشلوا وَفِي سَبِيل الله أَنْفقُوا وتجملوا وَكُونُوا كلمتكم وَاحِدَة وَأَيْدِيكُمْ متناصرة ولتكن سُيُوفكُمْ بارقة وسهامكم راشقة وأسنتكم في الطعْن متلاحقة ومدافعكم صَاعِقَة ونبالكم إِلَى أفئدتهم متسابقة ولتقصدوا بذلك إعلاء كلمة الدَّين والذب عَن بَيت الله وَمَسْجِد رَسُول الله وَنَرْجُو الله أَنكُمْ مؤيدون بنصر الله محفوظون بروحانية رَسُول الله وَلَا يكون لكم تخلف عَن ذَلِك وَلَا تراخ في حفظ تِلْكَ المسالك وَنحن في طرف السلطنة السّنيَّة ننشر رايتنا الْعلية فبحول الله وقوته وباهر عَظمته تملكهم عساكرنا المنصورة وتقطعهم سُيُوفنَا الْمَشْهُورَة وَقد سيّرنا عَلَيْهِم شجعاناً لَا يبالون بِالْمَوْتِ لإعلاء كلمة الدَّين وغزاة يقتحمون على النَّار محبَّة فِي دين الله فنتعقب بقدرة الله أدبارهم لَعَلَّ الله يرزقنا هلاكهم ودمارهم فنجعلهم إِن شَاءَ الله هباءً منثوراً كَأَن لم يَكُونُوا شَيْئا مَذْكُورا فبادروا أَيهَا الْمُسلمُونَ إِلَى الرِّبَاط بجدة وينبع وَمن تخلّف فقد عصى الله وَخَالف أمرنَا فَإِن ذَلِك أمرنَا إِلَيْكُم وحتمنا عَلَيْكُم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون واستجلبوا صَالح الدَّعْوَات من عجازكم وصالحيكم وأفاضلكم عِنْد الْبَيْت الْحَرَام وَقد قَالَ تَعَالَى انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ وَقَالَ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كالبنيان يشد بَعضهم بَعْضًا وَهَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا فريقاً من الَّذين أُوتُوا الْكتاب

стр. 532

يردوكم بعد إيمَانكُمْ كَافِرين وَكَيف تكفرون وَأَنْتُم تتلى عَلَيْكُم آيَات الله وَفِيكُمْ رَسُوله وَمن يعتصم بِاللَّه فقد هدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تهتدون ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تسود وُجُوه وتبيض وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم ففي رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلماً للْعَالمين وَللَّه مَا في السَّمَوَات وَمَا فى الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه وَلَو آمن أهل الْكتاب لَكَانَ خيراً لَهُم مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرهم الْفَاسِقُونَ لن يضروكم إِلَّا أَذَى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يولوكم الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْنَمَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباءوا بغضب من الله ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون فالبدار البدار إِلَى مَا أمرناكم من الرِّبَاط والحذار والحذار من خلاف ذَلِك هَذَا مَا انْتهى أمرنَا إِلَيْكُم لَا زلتم موفقين بعون الْملك الْمعِين وَصلى الله على

стр. 533

سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم انتهى كتاب السُّلْطَان لَا برح فِي حماية الْملك الديَّان وَهَذِه صُورَة كتاب مَوْلَانَا شرِيف مَكَّة غَالب بن مساعد إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله وفي طيه كتاب السُّلْطَان السَّابِق ذكره وَلَفظ كتاب الشريف الْحَمد لله الذي كل يَوْم هُوَ في شَأْن وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد ولد عدنان وعَلى آله الطاهرين وَصَحبه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدَّين ثمَّ نهدي مزِيد سَلام نَشأ من خَالص الْفُؤَاد وأعرب عَن صدق الْمحبَّة والاتحاد مَعَ تحيّات طَابَ نشرها من المآثر الْعِظَام وَبَيت الله الْحَرَام وزمزم وَالْمقَام إِلَى الحضرة الباهرة المنصورية والعقوة الزاهرة الهاشمية والسدة الْعلية العلوية ساحة الْخلَافَة اليمنية وَاسِطَة نظام السَّادة الحسنية الجناب العالي الْكَرِيم والمآب الغالي الوسيم أخينا الأكرم وعالي الهمم الإِمَام ابْن الإِمَام حَضْرَة الإِمَام الْمَنْصُور وَفقه الله لصلاح الْجُمْهُور وَلَا زَالَت الْعِنَايَة الربانية لَهُ مُلَاحظَة والكلاية الصمدانية عَلَيْهِ حافظة آمين بجاه سيد الْمُرْسلين وَبعد إهداء شرِيف السَّلَام وإسداء وَاجِب التَّحِيَّة وَالْإِكْرَام فالسؤال عَن حالكم كثير لموجب مالكم عندنَا من جميل الوداد الوافر وَإِن سَأَلْتُم عَنَّا فنحمده سُبْحَانَهُ على جزيل فَضله وعظيم أمتنانه طيبين بِخَير وعافية ونعمة من الْمولى وافية والذي نبديه إِلَى مسامعكم الْعلية وأفهامكم الزكية من الْأُمُور الْحَادِثَة فِي الْوُجُود وجزيل أَحْكَام الْملك المعبود لموجب احْتِيَاج أهل الْإِسْلَام إِلَى الترفهات عَن نهج المهام وَترك حزم الْأُمُور وغفلتهم عَن حفظ الثغور حَتَّى صَار

стр. 534

مَا صَار من شرذمة أهل البغي وَالْإِنْكَار من التهجم على بِلَاد أسكندرية ومصر الْقَاهِرَة بِجُنُود من الْبَحْر على سفاين متواترة وهم طَائِفَة من جُمْهُور الفرانسة وَالْملَّة الباغية الَّتِى بِفضل الله أعلامهم ناكسة لمشاهدتهم فى أَحْوَال الْمُسلمين ترك الثغور عَن التحصين فَهَجَمُوا على تِلْكَ الْبِلَاد فَلم يَجدوا لجامحهم مدافع وَلَا راد فافسدوا كَافَّة من بجوارها من العربان بأنواع السياسة الموهمة بِأَنَّهُم من طَائِفَة السُّلْطَان وأبرزوا للبوادي كتبا مزورة بِأَلْفَاظ عَرَبِيَّة بتعظيم الله وَرَسُوله مصدرة حَتَّى انقادوا لَهُ بِالطَّاعَةِ ظناً مِنْهُم بِأَنَّهُم من جنود الدولة المطاعة وَلَيْسَ يخفى عَلَيْكُم حَال البوادي الطغام الَّذين لَا يعْقلُونَ إِن هم إِلَّا كالأنعام فسلكو بهم الطَّرِيق وصاروا للْمُشْرِكين أعظم مساعد وأعز رَفِيق فَجرى قدر رَبنَا سُبْحَانَهُ باستدراج جند الشَّيْطَان أَرْبَاب الْخِيَانَة بتملكهم للقاهرة ودخولهم إِلَى مصر بِحِكْمَتِهِ الباهرة فلاراد لقضائه وَلَا محيص عَمَّا ارْتَضَاهُ فَهُوَ الْملك الْمُخْتَار وَله المشية فِيمَا يخْتَار فَحِينَئِذٍ بلغ ذَلِك الْخَبَر حَضْرَة سُلْطَان الْإِسْلَام أدحض الله بصوارم سطوته جنود اللئام فَجهز عَلَيْهِم من أبطال الأجناد مَا يعجز عَن حصره جموع الْأَعْدَاد وسير عَلَيْهِم من جيوش الْإِسْلَام ووزرائه الْعِظَام وَجعل مقدمهم الْوَزير الشهير الجزار أَحْمد باشا بلغه الله من الْخَيْر ماشا فاجتمعت عَلَيْهِ طوائف العربان وتحشدت تَحت رايته كَافَّة أهل الْإِيمَان وهرع إِلَى جهادهم الْمُسلمُونَ من كل مَكَان حَتَّى أقطارنا الحرمية ظَهرت منا للْجِهَاد سَبْعَة آلَاف يردون في طَاعَة الله موارد الْمَوْت والإتلاف وَنَرْجُو الْعَظِيم من فَضله العميم أَن يُؤَيّد بالنصر أجناد الْمُوَحِّدين ويبدد بالقهر شَمل الْكَفَرَة الْمُلْحِدِينَ

стр. 535

وَالْحَمْد الله قد وَردت إِلَيْنَا الْأَخْبَار بتضايق حَال الْمُشْركين من الْحصار لتزاحف جنود أهل الْإِسْلَام وإحاطتهم بِجَمِيعِ المنافذ المصرية والمسام فانتظم أَمر التَّجْهِيز وانتدب لنصرة الْإِسْلَام كل ذليل وعزيز ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عَزِيز وفى هَذَا الأوان ورد الينا هَذَا الفرمان الصَّادِر إليكم مِنْهُ صُورَتَانِ الْمُعْلن بدواعي الْفَلاح والمحرض لكافة الْمُسلمين على مَا يُرْجَى مِنْهُ النجاح من استعداد الْقُوَّة للمصادمة والكفاح كَمَا هُوَ متحتم على أهل الْإِسْلَام خُصُوصا فى مثل هَذِه الْأَيَّام وَمن أعظم الشيم والمروءة امْتِثَال قَول الله تَعَالَى وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة فبذل غَايَة المجهود لمحافظة الثغور وتحصين الْحُدُود والمرابطة في بلدان السواحل والذبّ على الْأَدْيَان بِسَهْم المرامي وبيض الصواهل أَمر محتوم على كَافَّة مُلُوك الْإِسْلَام وَسَائِر الْقَبَائِل فوصلكم صُورَة الْأَمر الشريف وَالْخطاب المنيف وَمَا الْقَصْد من إرساله إِلَّا تنبيهكم لحفظ الْبِلَاد والتحذير من ارباب الْكفْر والعناد كَمَا هُوَ مُصَرح فِي الفرمان السلطاني من ذكر مكايد الْكَفَرَة فى جَمِيع المغانى وَلَا يعزب عَن فهمكم الثاقب أَن مُلُوك الروم أحس بِمَا يبْنى الْكَفَرَة أُمُورهم من المعاطب فحثوا على المرابطة جَمِيع الْمُسلمين وقووا ثغور بلدانكم بالتحصن الرصين من الْبُنيان وتشييد بروج المناتق بدوى الْبَأْس من الفتيان فإن بَحر الْهِنْد تجري فِيهِ سفاينهم وَقد ظَهرت فِيهِ بِأحد المواسم ضرايرهم فَيجب بن عَزِيز جنابكم كَمَال التحري لدفع مفاسدهم والاستعانة بِاللَّه تَعَالَى في إدحاض مكايدهم وَمن آكد اللوازم نشر هذَيْن الفرمانين في كَافَّة أقطار أوامركم وأقصى مَا يحادد بلدانكم ومحاكمكم هَذَا مَا عَن

стр. 536

لنا بِهِ الْأَخْبَار لَا زلتم فِي كلاية الْملك الستار وَإِن شَاءَ الله عَن قريب نفيدكم بمسرة نصْرَة الْإِسْلَام فالمرجو من جنابكم عدم إخراجنا من الضَّمِير الْمُنِير بأسنى صِحَة اخباركم لَا سِيمَا تفيدوا بِمَا تجدد وَحدث وبلغكم من الْإِعْلَام وَالْأَخْبَار ودمتم سَالِمين وبعين عناية الله ملحوظين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم انْتهى كتاب الشريف عافاه الله وَهَذِه صُورَة كتاب آخر وصل من الشريف غَالب بن مساعد حماه الله بعد وُصُول الْكتاب الأول وَلَفظه نهدي سَلاما أعبق الْكَوْن شذاه وأخجل الْبَدْر بِحسن طلعته ورياه وتحيات مَكِّيَّة الأرج مَدَنِيَّة المدد تحمل النَّصْر والفرج إِلَى جناب مَعْدن الْخلَافَة العلوية ومنبع الكمالات الحسنية وطراز عِصَابَة الهواشم وصفوة القادة الفواطم من دَانَتْ لَهُ رِقَاب الفراعنة فى أفطاره وخضعت لَهُ رُؤْس الأكابر في جَمِيع أمصاره ذي الْأَخْلَاق الرضية وَالشَّمَائِل المرضية المنظور بِعَين عناية الله الْمُبين والمنصور بسلطانه في كل حِين أخينا وعزيزنا الإِمَام ابْن الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين أدام الله لَهُ الإقبال وبلغه بجاه جده الآمال وَبعد فباعث تحريره وَمُوجب تنميقه وتصديره حمد الله سُبْحَانَهُ على نعمه وآلائه ومننه ونعمائه وَالسُّؤَال عَن جنابكم والتفحص عَن أخباركم بإعلان الدُّعَاء وتبيان صدق الْوَفَاء وَثَانِيا غير خافي جنابكم أَنه قبل هَذَا صدر منا إليكم كتاب بإخبار حوادث الْمُشْركين بِمصْر وَصُورَة جَمِيع مَا ورد الينا من الْخطاب الْمُعْلن بنصح مضمونه نهج الصَّوَاب وَله الْحَمد سُبْحَانَهُ على جزيل فَضله وعظيم امتنانه الذي أعَان على الْحق أعوانه بنصر عباده

стр. 537

الْمُسلمين وَتَمام إحسانه والذي نبديه إِلَى مسامعكم الزكية أَنه ورد الينا يَوْم تَارِيخه نجاب من جَانب مصر ببشاير النَّصْر وأهنأ الْخطاب وَذَلِكَ أَن أَمِير الْجُمْهُور الفرنساوي اللعين جمع كَافَّة أَعْيَان رعايا مصر الْمُسلمين وَضبط عَلَيْهِم جَمِيع الْبيُوت والحارات وَحط على كل بَيت من الْمُسلمين شَيْئا من المبالغ والبليصات بِحَيْثُ لَا طَاقَة لأهل الْإِسْلَام على تَسْلِيم مَا فرض عَلَيْهِم من الْجور الْعَام وَقد حدد عَلَيْهِم جمع تِلْكَ الْأَمْوَال فِي نهارين وواعد من لم ينجز وعده بِالْهَلَاكِ والشين فَخرج من عِنْده الْمُسلمُونَ فِي حيرة واجتمعو في أماكنهم لأجل التشاور والبصيرة فألهم الله قُلُوبهم الإسلامية ووفق حميد آرائهم الإيمانية بالهجوم من كل جَانب على الْمُشْركين وبذلوا نُفُوسهم لمرضاة رب الْعَالمين فَخرجت كَافَّة رعايا الْمُسلمين من منازلها وهجمت على الْمُشْركين في أماكنها وَصَارَ الْجِهَاد خلال بُيُوتهم والقتال في مجامع الْمُشْركين ودورهم وابتهجت مصابيح وُجُوه الْإِسْلَام وسطعت صوارم سيوفهم فِي أَعْنَاق الْكَفَرَة اللئام وأيد الله جنود الرعايا الْمُسلمين بعظمته الباهرة وَأهْلك بسيوفهم كَافَّة الْمُشْركين بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ ذَلِك يَوْم حادي عشر جُمَادَى الأولى وَله الْحَمد في الْآخِرَة وَالْأولَى فَأرْسلت الرعايا المنصورين نجاجيب الرّعية لأمراء مصر المخدمين وَكَانَ أقربهم بمسيرة يَوْم عَن الجلاد محبنا الْأَمِير مُرَاد فَفَزعَ بكافة من حوله من العشائر والأجناد وَدخل بِلَاد مصر يَوْم ثانى عشر شهر جماد ظفر بقتل من بقي من الْكفَّار وانتظم شَمل الْمُسلمين بصفاء الدَّار فَللَّه مزِيد الْحَمد وَالثنَاء على تِلْكَ المسرة والهناء فلقصد مسرتكم على الْفَوْر حررنا هَذَا الرقيم لحُصُول الْخَبَر على نصر الْمُسلمين

стр. 538

القويم هَذَا مَا عَن لنا بِهِ اخباركم لَا زلتم في حفظ مولاكم ودمتم سَالِمين وَمهما تجدد عرّفناكم وَمَا حدث تعرّفونا بِهِ وَتَكون الْأَخْبَار بَيْننَا غير مُنْقَطِعَة هَذَا ﷺ مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم قَالَ حرر في خَامِس شهرنا جماد سنة ١٢١٣ ثمَّ قَالَ عقيب هَذَا مالفظه وَلَا يخفاكم من حَال داواتنا المتعودة بالوفود إِلَى مراسي بنادركم لَا تزَال دَائِما مُتَأَخِّرَة في شحنتها إِلَى بندر جدة وَنَرْجُو الله بهمتكم يسْتَدرك الآمال وينتظم مراجينا في كل حَال فالمرجو من حميد توجهات هممكم الْعَالِيَة بروز أَمركُم لكافة من كَانَ بالبنادر البحرية من أمارائكم بِأَن تكون داواتنا مُقَدّمَة في التشحين قبل كل داو وغراب وَيكون جَارِيَة تِلْكَ الْقَاعِدَة بهمتكم في جَمِيع مراسيكم كَمَا هُوَ المأمول من جنابكم والمسئول من مزايا أخلاقكم وَنَرْجُو الله أَن رجانا غير مَرْدُود وَفضل الله غير مَحْدُود هَذَا مَا عَن لنا التماسه دمتم بِالْخَيرِ انْتهى هَذَا الْكتاب والذي قبله منقولان من الْخط الذي عَلَيْهِ عَلامَة الشريف غَالب بن مساعد دَامَت معاليه وَهَذَا جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَهُوَ جَوَاب عَن مَجْمُوع كتابي الشريف والمنشئ لَهُ على لِسَان مَوْلَانَا الإِمَام هُوَ الحقير مؤلف هَذِه التراجم الَّتِى اشْتَمَل عَلَيْهَا هَذَا الْكتاب عَن أَمر مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَهُوَ على نمط مَا قبله من كتابي الشريف فِي عدم انتخاب أَعلَى طَبَقَات بلاغات الْكتاب إِذْ الْمقَام مقَام مكالمة في رزية فِي الدَّين ومصيبة عَمت الْمُسلمين فمعظم المُرَاد وَغَايَة الْقَصْد هُوَ الإفهام بِلِسَان الأقلام لَا التأنق في تَحْرِير الْكَلَام على أتم نظام وَلَفظ جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام لَا برح فِي حماية الْملك العلام

стр. 539

كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي إن الله قوي عَزِيز سَلام تتضمخ أردان الْأَمْصَار بنوافح نشره وتتعطر أكوان الْأَعْصَار بروائح بشره وتتضاحك ثغور الأزهار لشميم شذاه وتتمايل قدود الْأَبْكَار لنسيم رياه وتطلع أنوار بدوره في سَمَاء الْمعَاهد الشَّرِيفَة المعظمة وتسطع وتسطع أشعة شموسه في فلك الْمشَاهد المنيفة المفخمة يخص حَضْرَة جناب سليل الهواشم وَيحل بِسَاحَة نبيل الدوحة المطهرة من أَبنَاء الفواطم مُقيم شعار الْجِهَاد هَادِم أَرْكَان الْفساد والعناد أخينا الأكرم حبيبنا الطَّاهِر الشيم أَمِير الشرفاء شرِيف الْأُمَرَاء كَبِير العظماء عَظِيم الكبراء الشريف الأوحد غَالب بن مساعد أدام الله إسعاده وَثَبت من ملكه اطنابه وأوتاده وَكثر أعداده وأجناده وأباد حساده وأضداده وَتَوَلَّى بعون عنايته إصداره وإيراده وَبعد حمد وَاجِب الْوُجُود وشكر مفيض الْكَرم والجود وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على حَامِل لِوَاء شرايع الْإِسْلَام القايم بأعباء الرسَالَة أنهض قيام وعَلى آله الناشرين لأعلام الدَّين القامعين بسطواتهم رُءُوس المعاندين وعَلى أَصْحَابه القاصمين حبائل الكفران الفاصمين عقد الشرك والطغيان فَإِنَّهُ وصل من جنابكم الْعَظِيم ومقامكم الفخيم كتاب كريم يحْكى مَا صنعت أيدى الْكفْر بِمصْر صانها الله عَن كل نكر فياله من حَادث يبلبل الْأَلْبَاب ويجلب من الأحزان مَا لم يكن في حِسَاب فَلَقَد أبكى وأنكى وروع وأوجع وَأقَام وأقعد وشتت شَمل كل أنس وبدد وواهاله من خطب يصك مسامع الْإِسْلَام ويخدد الخدود بفيض مدامع الْأَنَام لَا سِيمَا وَتلك ديار مطهرة عَن أدناس الكفران مُقَدَّسَة عَن أرجاس الطغيان معمورة بِالْإِيمَان وَعبادَة الْملك الديَّان على مُرُور الْأَزْمَان

стр. 540

مُنْذُ افتتحتها سيوف حزب الله ومحت أردان كفرانها صوارم أَصْحَاب رَسُول الله فَلَقَد أظلم الْخطب وادلهم الكرب وَضَاقَتْ الصُّدُور وغلت من الأحزان قدور وَرغب إِلَى النفير إِلَى سَبِيل الله الصَّغِير وَالْكَبِير وَتَشَوُّقِ إِلَى جِهَاد أَعدَاء الله كل جليل وخطير وَكَيف لَا وَهَذِه نازلة قد نزلت بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين وفادحة قد عَمت الْمُؤمنِينَ أَجْمَعِينَ لِأَنَّهَا في الدَّين وَمن بَعدت عَنهُ ديارها فقد أحرقت قلبه وقالبه نيارها وَلَقَد كُنَّا على عزم شن الْغَارة وإرسال طَائِفَة من جنودنا المختارة ليكونوا من الفائزين بجهاد الْكَافرين والظافرين بِثَوَاب هَذِه الطَّاعَة الَّتِى هي سَنَام الدَّين كَمَا صَحَّ ذَلِك عَن سيد الْمُرْسلين وَأما الثغور في جهاتنا فهي بِحَمْد الله مَحْفُوظَة وبعين الْعِنَايَة الربانية إن شَاءَ الله ملحوظة فقد وكلنَا بحفظها من الأجناد من يقوم بهم الْكِفَايَة فِي الإصدار والإيراد وَعند ذَلِك الْعَزْم المتين وافى كتابكُمْ الآخر المشير بِالْفَتْح الْمُبين الحاكي لاستئصال شأفة الْكَافرين أَجْمَعِينَ فأنشدنا لِسَان حَال السرُور وحدى بِنَا حادي الحبور الذي عَم الْجُمْهُور (هناء محيّ ذَاك العزا المتقدما ... فَمَا عبس المحزون حَتَّى تبسّما) فَلَقَد انجابت ظلمات الهموم وتقشعت غيوم الغموم وابتلجت الخواطر وقرت النواظر وَعند بُلُوغ تِلْكَ الْأَخْبَار اشعرنا هَذِه المسار الْكِبَار بِمَا شاع في جَمِيع الأقطار وذاع بَين البوادى والحضار فيالها من مسرات شدت من عضد الدَّين وفتت سواعد الْمُلْحِدِينَ وقصمت ظُهُور الْكَافرين وقلقلت معاهد المعاندين واللهم إِنَّا نحمدك حمداً لَا يُحِيط بِهِ الْحصْر ونشكرك على مَا منحت أمة نبيك من هَذَا الْفَتْح والنصر وَمَا

стр. 541

لمحت إِلَيْهِ أَيهَا الجناب الْعَظِيم وَالْأَخ الفخيم الْكَرِيم من أَمر الداوات فَمَا زَالَت أوامرنا إِلَى نوابنا في الْجِهَات بِرَفْع الظلامات والأعمال بِالنِّيَّاتِ وَغير خَافَ على ذهنكم السَّلِيم وفكركم الرَّاجِح القويم أَن من الْعدْل الذي قَامَت بِهِ الأَرْض وَالسَّمَوَات أَن يستوى القوى والضعيف والوضيع والشريف في أَنْوَاع المكاسب والتجارات كَمَا حكم بذلك باري البريات وَلَا زلتم في حفظ الله محوطين بِعَين كلايته ورعايته وحمايته وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم حرر يَوْم تَاسِع عشر من شهر رَجَب سنة ١٢١٣ انْتهى جَوَاب مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَقد وصلت من الشريف فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقَضِيَّة كتب كَثِيرَة بعد هَذَا إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَأَنْشَأَ رَاقِم الأحرف جواباتها عَن أَمر مَوْلَانَا الإِمَام وَالْمقَام لَا يَتَّسِع لبسطها وَبعد الْإِرْسَال بِهَذَا الْجَواب من حَضْرَة الْخلَافَة إِلَى حَضْرَة الشريف جَاءَت الْأَخْبَار من أهل بنادر الْيمن بِأَن الإفرنج أقماهم الله باقون بِمصْر والإسكندرية وَسَائِر تِلْكَ الْأَعْمَال وَقد صَارَت الدولة دولتهم هُنَالك فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه العلي الْعَظِيم وَلم يبلغ مَا فعله المقدمون من جِهَة السلطنة إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف فِي خَوَاتِم شهر شَوَّال سنة ١٢١٣ وَلَعَلَّ وَرَاء الْغَيْب أمراً يسرنَا اللَّهُمَّ انصر الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين يَا مُجيب الداعين وسيأتي في تَرْجَمَة يُوسُف باشا ذكر بعض مَا جرى وَمَا دَار من الْمُكَاتبَة ويأتي أيضاً هُنَالك أَنه كَانَ خُرُوج الفرنج من مصر سنة ١٢١٦ فَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَأما الشريف غَالب فَلَمَّا استولى صَاحب نجد على مَكَّة وَالْمَدينَة تَابعه وَدخل تَحت أمره وَنَهْيه وَاسْتمرّ نايباً لَهُ مُنْذُ دُخُول جيوشه مَكَّة وَكَانَ

стр. 542

القادم بالجيوش سعود بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن سعود ثمَّ مَاتَ عبد الْعَزِيز وَصَارَ الْأَمر بعده إِلَى وَلَده سعود وَمَا زَالَ يأتي لِلْحَجِّ في كل عَام إِلَى سنة ١٢١٨ فَخرج باشة مصر الباشا مُحَمَّد علي بِجُنُود متكاثرة وَاسْتولى على مَكَّة وَالْمَدينَة عَن مواطأة بَينه وَبَين الشريف غَالب ثمَّ لما اسْتَقر بِمَكَّة قبض على الشريف غَالب وَاسْتولى على جَمِيع أملاكه وذخائره وهي كَثِيرَة جداً وأرسله في سفينة هُوَ وخواص أَهله إِلَى الروم وَالله أعلم مَا كَانَ آخر أمره فَإِنَّهُ لم يبغلنا لى الْآن خبر صَحِيح مِمَّا كَانَ من أمره بعد إخراجه من مَكَّة وإدخاله إِلَى تِلْكَ الديار والباشا مُحَمَّد علي مُسْتَقر في مَكَّة وَجدّة إِلَى الْآن وهي سنة ١٢٢٩ وَالْحَرب بَينه وَبَين أهل نجد مستمرة وَمَات فِي هَذَا الْعَام أمير الْعَرَب صَاحب نجد وَهُوَ سعود بن عبد الْعَزِيز وَقَامَ مقَامه وَلَده عبد الله بن سعود وَمَا زَالَ يُجهز الْجند إِلَى مَكَّة وَمن بهَا وَالْحَرب بَينهم سِجَال حرف الْفَاء الشَّرِيفَة فَاطِمَة بنت الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره هي مَشْهُورَة بِالْعلمِ وَلها مَعَ والدها مراجعات فى مسَائِل كمسئلة الخضاب بالعصفر فإنه قَالَ إن فَاطِمَة ترجع إِلَى نَفسهَا في استنباط الْأَحْكَام وَهَذِه الْمقَالة تدل على أَنَّهَا كَانَت مبرزة في الْعلم فَإِن الإِمَام لَا يَقُول مثل هَذِه الْمقَالة إِلَّا لمن هُوَ حقيق بهَا وَكَانَ زَوجهَا الإِمَام المطهر يرجع إِلَيْهَا فِيمَا يشكل عَلَيْهِ من مسَائِل وَإِذا ضايقه التلامذة فِي بحث دخل إِلَيْهَا فتفيده الصَّوَاب فَيخرج بذلك إِلَيْهِم فَيَقُولُونَ لَيْسَ هَذَا مِنْك هُوَ

стр. 543

من خلف الْحجاب وَمَاتَتْ قبل والدها ﵀ وَقد تقدم تَارِيخ مَوته فَاطِمَة بنت القاضي كَمَال الدَّين مَحْمُود بن شيريز الحنفي المدعوة ستيتة ولدت سادس الْمحرم سنة ٨٥٥ خمس وَخمسين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ ونشأت فتعلمت الْكِتَابَة وَتَزَوَّجت النَّاصِر مُحَمَّد بن الطنبنا واستولدها أَوْلَادًا ثمَّ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوجهَا علي بن مُحَمَّد بن بيبرس حفيد ابْن أخت الظَّاهِر برقوق فاستولدها وَلها نظم وَحسن فهم وحجت مرَارًا وجاورت وَمن نظمها قصيدة كتبتها إِلَى السخاوي مطْلعهَا (قفا واسمعا مني حَدِيث أحبتي ... فأوصاف معناهم عَن الْحسن جلت) كتبت إِلَى قاضي مَكَّة بقصيدة مطْلعهَا (يَا بدر تمّ أزال الشَّك عَن راي ... انْعمْ بِقرب حبيب فِيك عَن راي) وَلها مكاتبات إِلَى جمَاعَة من الأدباء والأعيان والأكابر وَمن ذَلِك أَن الشهَاب المنصوري كتب إِلَى الزين سَالم ببيتين هما (أيا سيداً قد أحسن الْخَالِق اسْمه ... وجمّله وَالله بالخلق عَالم) (أعن بيد فِيهَا أياد لسائل ... وَلَا تخش حسّاداً فَإنَّك سَالم) فَقَالَت صَاحِبَة التَّرْجَمَة في هَذَا الْمَعْنى ارتجالاً (أيا سيد أعمّ الْخَلَائق برّه ... وإحسانه فرض تضَاعف لَازم) (أعن سَائِلًا يَأْتِيك والدمع سَائل ... وَلَا تخش من سوء فَإنَّك سَالم) وَكَانَ ذَلِك بِحَضْرَة جمَاعَة من الأدباء ففضلوا مَا قالته على مَا قَالَ الشهَاب واعترف الشهَاب بذلك واستمرت على نظم الْأَدَب ومدح

стр. 544

أَرْبَاب الرتب حَتَّى مَاتَت في سنة ٩٤١ إِحْدَى وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة بِالْقَاهِرَةِ ودفنت بالقرافة فرج بن برقوق الجركسى الملقب النَّاصِر ولد سنة ٧٩١ إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة في أَيَّام الْفِتْنَة الَّتِى وَقعت لوالده حَسْبَمَا تقدم فِي تَرْجَمته فَسَماهُ فرج اسْتَقر فِي السلطنة بِعَهْد من أَبِيه إليه بعد مَوته فِي شهر شَوَّال سنة ٨٠١ وسنه دون عشر سِنِين وَاخْتلف مماليك أَبِيه عَلَيْهِ وَجَرت لَهُ حروب مَعَ الْمُؤَيد شيخ فَانْهَزَمَ هَذَا وفرّ على الهجن إِلَى دمشق فَدَخلَهَا وتحصّن بقلعتها فَتَبِعَهُ شيخ وَمن مَعَه فحاصروه إِلَى أَن نزل إِلَيْهِم بالأمان فاعتقل وَذَلِكَ فِي صفر سنة ٨١٥ واستفتوا الْعلمَاء فأفتوا بِوُجُوب قَتله لما كَانَ يرتكبه من الْمُحرمَات والمظالم والفتك الْعَظِيم فَقتل في لَيْلَة السبت سَابِع عشر شهر صفر الْمَذْكُور وَكَانَ سُلْطَانا مهيباً فَارِسًا كَرِيمًا فتاكاً ظَالِما جباراً منهمكاً على الْخمر وَاللَّذَّات طامعاً في أَمْوَال النَّاس وَقد كَانَ خلع فِي سنة ٨٠٨ بأَخيه الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز نَحْو شَهْرَيْن ثمَّ أُعِيد فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَأمْسك أخاه فحبسه ثمَّ قَتله وَالْعجب أَن هَذَا السُّلْطَان الْمُشْتَمل على هَذِه الْأَوْصَاف هُوَ الْمُحدث للمقامات في بَيت الله الْحَرَام الَّتِى كَانَت سَببا لتفريق الْجَمَاعَات وَاخْتِلَاف الْقُلُوب والتباين الْكُلِّي في أشرف بقاع الأَرْض فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَلَيْسَ الْعجب من صَاحب التَّرْجَمَة فَإِنَّهَا إِحْدَى مساويه وجهالاته وَلَكِن الْعجب من تَقْرِير من بعده لذَلِك وسكوت الْعلمَاء إِلَى الْآن وَقد ذكر قطب الدَّين الحنفي في الْأَعْلَام مَا يدل على أَنه أنكر هَذِه المقامات عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر فَقَالَ في تَرْجَمَة السُّلْطَان سليم خَان سُلْطَان الروم

стр. 545

مَا لَفظه إِن تعدد المقامات في مَسْجِد وَاحِد لاستقلال كل مَذْهَب بِإِمَام مَا أجَازه كثير من الْعلمَاء وأنكروه غَايَة الْإِنْكَار فِي ذَلِك الْعَهْد وَلَهُم في ذَلِك الْعَصْر رسالات مُتعَدِّدَة بأيدي النَّاس إِلَى الْآن وَأَن عُلَمَاء مصر افتوا بِعَدَمِ جوازم ذَلِك وخطأوا من قَالَ بِجَوَاز ذَلِك انْتهى فضل الله بن عبد الله بن عبد الرَّزَّاق بن إِبْرَاهِيم بن مكانس الْمجد ابْن الْفَخر المصري القبطي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن مكانس ولد في شعْبَان سنة ٧٦٩ تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ في عزّ ونعمة في كنف أَبِيه فَتخرج وتأدب وَمهر ونظم الشّعْر وَهُوَ صَغِير جداً فَإِن أَبَاهُ كَانَ صحب الْبَدْر البشتكي فانتدبه لتأديبه فخرّجه في أسْرع مُدَّة فنظم الشّعْر الْفَائِق وباشر في حَيَاة أبيه توقيع الدست بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ وزيراً هُنَالك ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ ساءت حَاله ثمَّ خدم في ديوَان الْإِنْشَاء وتنقلت رتبته فِيهِ إِلَى أَن جَاءَت الدولة المؤيدية فامتدح الْمُؤَيد بقصائد فَأحْسن القَاضِي ابْن البارزي السفارة لَهُ عِنْده بِحَيْثُ أثابه ثَوابًا حسناً وشعره في الذرْوَة الْعليا وَهُوَ اُحْدُ المجيدين من الْمُتَأَخِّرين مَعَ قلَّة بضاعته في الْعَرَبيَّة وَلذَلِك يَقع لَهُ اللحن نَادرا وَقد جمع ديوَان أَبِيه ورتبه ولأبيه فِيهِ مورياً باسمه (أرى وَلَدي قد زَاده الله بهجة ... وكمّله فِي الْخلق والخلق مذنشا) (سأشكر ربي حِين أُوتيت مثله ... وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يشا) وَمن نظم صَاحب التَّرْجَمَة مهنياً لِأَبِيهِ بعوده من سفر (هنيتَ يَا أبتي بعودك سالماً ... وَبقيت مَا طرد الظلام نَهَار) (ملئت بطُون الْكتب فِيك مدايحاً ... حَقًا لقد عظمت بك الْأَسْفَار)

стр. 546

وَمن مقطعاته العذبة (بِحَق الله دع ظلم الْمَعْنى ... ومتعه كَمَا يهوى بأنسك) (وكف الصديا مولَايَ عَمَّن ... بيومك رحت تهجره وَأمْسك) وَمِنْهَا (قَالَت وَقد عشقتهم ... قاماتهم والأعينا) (إن رمت تلقانا فلج ... بَين السيوف والقنا) (وَمِنْهَا (ربّ خُذ بِالْعَدْلِ قوماً ... أهل ظلم متوالي) (كلّفوني بيع خيلي ... برخيص وبغالي وشعره كثير وَكله غرر وَمَات بالطاعون فِي يَوْم الْأَحَد خَامِس وَعشْرين ربيع الآخر سنة ٨٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فضل الله بن غالي الْهَمدَانِي الْوَزير الملقب رشيد الدولة كَانَ أَبوهُ عطاراً يَهُودِيّا فَأسلم ابْنه هَذَا واتصل بغازان سُلْطَان التتار الْمُتَقَدّم فخدمه وَتقدم عِنْده بالطب إِلَى أَن استوزره وَكَانَ يناصح الْمُسلمين ويذب عَنْهُم وَيسْعَى في حقن دِمَائِهِمْ وَله في تبريز آثَار عَظِيمَة من الْبر وَكَانَ شَدِيدا على من يعاديه أَو ينتقصه لَا يزَال يسْعَى في هَلَاكه حَتَّى يهلكه وَكَانَ متواضعاً سخياً كثير الْبَذْل للْعُلَمَاء والصلحاء وَله تَفْسِير لِلْقُرْآنِ فسره على طَريقَة الفلاسفة فنسب إِلَى الإلحاد وَقد احترقت تواليفه بعد قَتله واتفقت لَهُ محنة كَانَ فِيهَا هَلَاكه وَذَلِكَ أَنه لما مَاتَ خربيدا ملك التتار طلبه السُّلْطَان جوابان على الْبَرِيد فَقَالَ لَهُ أَنْت قتلت الخان فَقَالَ معَاذ الله أَنا كنت رجلاً عطاراً ضَعِيفا بَين النَّاس فصرت

стр. 547

فِي أَيَّامه وَأَيَّام أَخِيه متصرفاً في الممالك فَكيف أَقتلهُ فأحضروا الطَّبِيب ابْن الحران اليهودي طَبِيب خربيدا فَسَأَلُوهُ عَن سَبَب موت خربيدا فَقَالَ أَصَابَته عِلّة فَوَقع لَهُ إسهال بِسَبَبِهَا نَحْو ثَلَاث مائَة مجْلِس فطلبني بِحُضُور رشيد الدولة وَطلب الْأَطِبَّاء فاتفقنا على أَن نُعْطِيه ادوية قابضة حابسة فَقَالَ رشيد الدولة هُوَ الْآن يحْتَاج إِلَى الاستفراغ فسقيناه مسهلاً فَوَقع لَهُ من ذَلِك نَحْو سبعين مَجْلِسا فَسَقَطت قوته فَمَاتَ وَصدقه رشيد الدولة على ذَلِك فَقَالَ جوابان لرشيد الدولة فَأَنت قتلته وَأمر بقتْله فَقتل وفصلوا اعضاه وبعثوا إِلَى كل بلد بعضو وَيُقَال أنه وجد لَهُ بعد قَتله ألف ألف مِثْقَال وَكَانَ قَتله فى سنة ٧١٦ سِتّ عشر وَسَبْعمائة وعمره فَوق ثَمَانِينَ سنة قَالَ الذَّهَبِيّ كَانَ لَهُ رَأْي ودهاء ومروءة وَكَانَ الشَّيْخ تَاج الدَّين الْأَفْضَل يذمه ويرميه بدين الْأَوَائِل حرف الْقَاف السَّيِّد الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن يُوسُف ابْن المهدي مُحَمَّد بن المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد بعد أَخِيه إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْمُتَقَدّم تَارِيخ وِلَادَته في تَرْجَمته وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من علمائها وَمِنْهُم شَيخنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْحرَازِي الْمُتَقَدّم ذكره والقاضي علي بن أَحْمد الْحكمِي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ على فى شرح غَايَة السول وفي شرحي على الْمُنْتَقى وفي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وفي البخاري وأمالي الإِمَام أَحْمد بن عِيسَى وَهُوَ من فضلاء آل الإِمَام علما وَعَملا وَحسن اخلاق وَله نظم حسن فَمِنْهُ

стр. 548

مَا كتبه إِلَى أَيَّام قرائته علي (إِلَيْك وَإِلَّا لَا يساق ركاب ... وعنك وَإِلَّا لايجاز كتاب) (عَلَيْك وَإِلَّا من عَلَيْهِ معول ... ولولاك مَا للمشكلات جَوَاب) (وفيك وَإِلَّا لَيْسَ في الشّعْر حِكْمَة ... ومنك وَإِلَّا فالشراب سراب) (وَأَنت وَإِلَّا الشَّمْس فى الأَرْض مشرق ... يداك وَإِلَّا للسخاء سَحَاب) (برزت وَإِلَّا فالتشخص للعلا ... محَال وأنّى للعزيز طلاب) (وَمن ذَا الذي قرّت وَطَابَتْ وطولت ... عُيُون وأنفاس بِهِ ورقاب) (سوى الْعلم البدرالذي صَار منصفاً ... لَهُ فِي كَمَال المكرمات مآب) (هُوَ ابْن علي من لَهُ الْآن شَوْكَة ... يعزبها دين الْهدى ويهاب) (فَلَا زَالَ مَرْفُوعا بِنصب جوازم ... من الْأَمر فِيهَا حِكْمَة وصواب) (وَلَا زَالَ شمساً للعلوم بأسرها ... وعمدة هَذَا انتقاه كتاب) (لمجموع أَحْكَام الْفُنُون ملخص ... وَمُنْتَخب غيثاً حواه عباب) (سَلام عَلَيْهِ يحْكى الرَّوْض عرفه ... وَقد باكرته نسمَة وسحاب) وَهُوَ الْآن حَيّ يسْعَى في تَحْصِيل الْعُلُوم ويجهد في طَاعَة الحى القيوم مستمرا على الْقِرَاءَة عليّ بلغه الله الأمل السَّيِّد الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم الظّفري ولد فِي شعْبَان سنة ١١٧٩ تسع وَسبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ عَن جمَاعَة من علمائها كشيخنا الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن علي وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر وَلَعَلَّ لَهُ قِرَاءَة على شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد والقاضى

стр. 549

الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن واستقاد في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَله فهم قوي وذهن سوي وَحفظ الْأَدَب وَحسن المحاضرة وَقُوَّة عارضة فِي المذاكرة وعزم من صنعاء إِلَى ذي جبلة مُتَوَلِّيًا على أوقاف تِلْكَ الْجِهَة وَهُوَ الْآن هُنَالك وَلَو تفرّغ للاشتغال وَسلم عَن عوارض الإشغال لنال بفهمه السَّلِيم وفكره الْكَرِيم أَعلَى مَرَاتِب الْكَمَال وَولى ولايات وَجَرت لَهُ قصَص وحروب وَمَات في شهر رَجَب سنة ١٢٢٧ سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف السَّيِّد الْقَاسِم بن أَحْمد بن عبد الله بن الْقَاسِم بن أَحْمد بن لُقْمَان ابْن أَحْمد بن شمس الدَّين ابْن الإِمَام المهدي أَحْمد بن يحيى وَتَمام نسبه قد تقدم في تَرْجَمَة الإِمَام المهدي ولد فِي سنة ١١٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف بِموضع يُقَال لَهُ صَنْعَة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة ثمَّ مُهْملَة وهي قَرْيَة بِقرب مَدِينَة ذمّار فِيهَا جمَاعَة من السادات آل لُقْمَان ثمَّ انْتقل صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى مَدِينَة ذمار فَقَرَأَ على جمَاعَة من مَشَايِخ الْفِقْه كالسيد الْعَلامَة أَحْمد بن علي بن سُلَيْمَان والفقيه الْعَلامَة محسن ابْن حسن الشويطر وَغَيرهمَا وبرع في علم الْفُرُوع وَقَرَأَ هُنَالك في علم النَّحْو ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء لسَبَب اقْتضى ذَلِك فوصل إِلَيْهَا في سنة ١١٩٣ وَقَرَأَ في الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول على جمَاعَة وَأخذ عَنى في الْعَرَبيَّة وَحضر فِي دروسي الحديثية وَهُوَ مفرط الذكاء سريع الْفَهم قوي الْإِدْرَاك اسْتَفَادَ بدرايته أَكثر مِمَّا اسْتَفَادَ بروايته ونظم الشّعْر الْفَائِق وطارح بِشعرِهِ جمَاعَة من الأدباء وَاسْتقر بِصَنْعَاء وَتزَوج بهَا وأضرب عَن الْعود إِلَى وَطنه وَله همة عليه وشهامة علوِيَّة وَنَفس أَبِيه وسيادة هاشمية لَا يخضع فِي مطلب من

стр. 550

مطَالب الدِّينَا وَلَا يدنو لأربابها بل يكْتَفى مِنْهَا بِمَا يصل إِلَيْهِ من أَمْوَال لَهُ ورثهَا عَن أَبِيه وَقد يَنُوب في الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة إِذا عوّل عَلَيْهِ من يألف بِهِ من الْقُضَاة فيفصلها على أحسن أسلوب مَعَ عفة ونزاهة وَهُوَ أجل من كثير من قُضَاة الْعَصْر بل يصغر عَن عَظِيم قدره الْقَضَاء وتحريراته في القضايا الشَّرْعِيَّة مَقْبُولَة عِنْد الْخَاص وَالْعَام مرضية عِنْد الصَّغِير وَالْكَبِير يقنع بهَا الْمَحْكُوم عَلَيْهِ كَمَا يقنع بهَا الْمَحْكُوم لَهُ وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة قَوِيَّة وَهُوَ لَا يمل جليسه وَلَا يستوحش أنيسه لما جبل عَلَيْهِ من لطف الطَّبْع وَكَمَال الظّرْف وَقد اسْتمرّ الِاتِّصَال بيني وَبَينه زِيَادَة على خمس عشرَة سنة قلّ أَن يمضي يَوْم من الْأَيَّام لَا نَجْتَمِع فِيهِ ويجري بَيْننَا مطارحات أدبية فِي كثير من الْأَوْقَات ومراجعات علمية فى عدَّة مسَائِل مِنْهَا مَا هُوَ منظوم وَمِنْهَا مَا هُوَ منثور فَمن ذَلِك هَذَا السُّؤَال الذي اشْتَمَل على نظم ونثر يَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب كتبه إِلَى في أَيَّام سَابِقَة وَلَفظه حرس الله سَمَاء المفاخر بجماية بدرها الزاهى الزَّاهِر وأتحف روضها النَّاظر بكلاية غيثها الهامي الهامر وَأهْدى إِلَيْهِ تَحِيَّة عطرة وبركة خضرَة نَضرة مَا مسحت أَقْلَام الكتبة مفارق المحابر ورتعت أنظار الطّلبَة في حدائق الدفاتر صدرت هَذِه الأبيات في غَايَة الْقُصُور أقيلوا عثارها إن كَانَ لكم عَلَيْهَا عثور تستمنح مِنْكُم الفرائد وتستمد مِنْكُم الْفَوَائِد أوجب تحريرها أَنه ذكر عِنْد بعض الأماثل جمَاعَة المتصوفة فَأثْنى عَلَيْهِم وَأَطْنَبَ وأطرى وأطرب واستشهدني فَقلت بِمُوجب قَوْله مستثنياً مِنْهُم الحلاج وَابْن عَرَبِيّ وَمن يساويهما فأصر واستكبر وأبدا قولاً يستنكر فَجرى بَيْننَا خلاف مفرط فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَلَا تشطط

стр. 551

(أعن العذول يُطيق يكتم مابه ... والجفن يغرق فِي خليج سحابه) (جَازَت ركايبه الْحمى فتعلقت ... أحشاؤه بشعابه وهضابه) (نفد الزَّمَان وَمَا نفدن مسائلي ... في الْحبّ والتنفير عَن أربابه) (فركضت في ميدانه وكرعت من ... غدرانه وركعت في محرابه) (وَسَأَلت عَن تَحْقِيقه وبحثت عَن ... تَدْقِيقه وكشفت عَن أَسبَابه) (فَوجدت أَخْبَار الغرام كواذباً ... فِي أَكثر الفتيان من طلابه) (فيميت من شهواته لِحَيَاتِهِ ... وَيرد فضل ذَهَابه لإيابه) (ولقلّ مَا يلقى امْرَءًا متصوفاً ... ينحو طَرِيق الْحبّ من أبوابه) (يجد الْخَطِيئَة كالقذاة لعَينه ... فَرمى بهَا في الدمع عَن تسكابه) (أَخذ الطَّرِيقَة بِالْحَقِيقَةِ سالكاً ... نهج النبيّ قد اقْتدى بصوابه) (تمضي بِهِ اللحظات وَهُوَ محاسب ... للنَّفس قبل وُقُوفه لحسابه) (هذي الطَّرِيقَة للمريد مبلغ ... مخ التصوّف وَهِي لبّ لبابه) (وَجَمَاعَة رقصوا على أوتارهم ... يتجاذبون الْخمر عَن أكوابه) (يتواجدون لكلّ أحوى أحور ... يتعلّلون من الْهوى برضابه) (الوحدة جعلُوا المثاني مونساً ... واللّحن عِنْد الذكر من إعرابه) (أَصْحَاب أَحْوَال تعدّوا طورهم ... فتنكروا فِي الْحَال عَن أحزابه) (زجروا مطاياهم إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ... نكص الغرام بهم على أعقابه) (دعواك معرفَة الْعُيُون سفاهة ... وَالشَّرْع قَاض والنهي بكذابه) (فَمن الْمحَال ترى المهامه تنطوي ... لمشعبذ من دون وخد ركابه) (وخرافة بشر يرى متشكلاً ... مُتَمَكنًا من لبس غير إهابه) (رجحت نهاي فَلَا اصدق مَا سوى ... رسل المليك وترجمان كِتَابه)

стр. 552

(فدع التّصوف واثقاً بِحَقِيقَة ... واحرص وَلَا يغررك لمع سرابه) (للْقَوْم تَعْبِير بِهِ يسبي النّهى ... طَربا ويثني الصبّ عَن أحبابه) (فيرون حقّ الْغَيْر غير محرم ... بل يَزْعمُونَ بِأَنَّهُم أولى بِهِ) (لبسو المدارع واستراحوا جرْأَة ... عَن أَمر باريهم وَعَن إِيجَابه) (خَرجُوا عَن الْإِسْلَام ثمَّ تمسكوا ... بتصوّف فتستروا بحجابه) (فَأُولَئِك الْقَوْم الَّذين جهادهم ... فرض فَلَا يعدوك نيل ثَوَابه) (وَإِذا أَرَابَك مَا أَقُول فسل بِهِ ... من عِنْده فى الحكم فصل خطابه) (عَلامَة الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول من ... حكمت لَهُ الْعليا على أترابه) (فذ الزَّمَان وتوأم الْمجد الذي ... سَاد الأكابر فِي أَوَان شباب) (بدر الْهدى النّظار سَله مُقبلا ... كفّيه ملتمساً لرد جَوَابه) (فمحمد بن على ابْن مُحَمَّد ... منى ومنك مُحَقّق ادرى بِهِ) (سَله زَكَاة الِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ ... إن صَحَّ فقرك مُحرز لنصابه) فأجبت عَن هَذَا السُّؤَال برسالة في كراريس سميتها الصوارم الْحداد القاطعة لعلائق مقالات أَرْبَاب الِاتِّحَاد وسأذكر هَهُنَا مَا أجبْت بِهِ عَن النظم فَقَط وَهُوَ (هَذَا العقيق فقف على أبوابه ... متمايلاً طَربا لوصل غرابه) (يَا طالما قد جبت كلّ تنوفةٍ ... مغبرة ترجو لقا أربابه) (وَقطعت أنساع الرَّوَاحِل مُعْلنا ... في كلّ حيّ جِئْته بطلابه) (حَتَّى غَدَتْ غُدْرَان دمعك فيضاً ... بالسّفح في ذَا السّفح من تسكابه) (والعمر وَهُوَ أجلّ مَا خولته ... أنفقته فِي الدور في أدرابه) (وعصيت فِيهِ قَول كل مُفند ... وسددت سمعاً عَن سَماع خطابه)

стр. 553

(بشراي بعد الْيَأْس وَهُوَ خَطِيبه ... بتبدّلي سهل الْهوى بصعابه) (قد أنجح الله الذي أملته ... وكدحت فِيهِ لنيل لبّ لبابه) (وهجرت فِيهِ ملاعبى وَلَقِيت فِيهِ ... متاعبي ومنيت من أوصابه) (وشربت كاسات الْفِرَاق وَقد غَدَتْ ... ممزوجة بزعافه وبصابه) (وبذلت للهادي إِلَيْهِ نفائسي ... ومنحته مني بملء وطابه) (فحططت رحلي بَين سكان الْحمى ... وأنخته في مخصبات شعابه) (وشفيت نفسي بعد طول عنائها ... في قطع حزن فلاته وهضابه) (وَوضعت عَن عنقي عصى الترحال لَا ... أخْشَى العذول وَلَا قَبِيح عتابه) (فَأَنا وَلَا فَخر الْخَبِير بأرضه ... وَأَنا العروف بشامخات عِقَابه) (وَأَنا الْعَلِيم بِكُل مافى شَرحه ... وَأَنا المترجم عَن خفيّ جَوَابه) (يَا ابْن الرَّسُول وعالم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول ... أَنْت بِمثل ذَا أدرى بِهِ) (لَا تسألنّ عَن العقيق فَإِنَّهَا ... قد ذللت لَك جامحات ركابه) (وكرعت فِي تِلْكَ المناهل بُرْهَة ... وشربت صفو الْورْد من أربابه) (وَقَعَدت فِي عرصاته متمايلاً ... مُتَبَسِّمًا نشوان من إطرابه) (واسلم وَدم أَنْت الْمعد لمعضل ... أعنا الورى يَوْمًا بكشف نقابه) (وَخذ الْجَواب فَمَا بِهِ خطل وَلَا ... عصبية قدحت بِعَين صَوَابه) (سكانه صنفان صنف قد غَدا ... متجرداً للحبّ بَين صحابه) (قد طلق الدُّنْيَا فَلَيْسَ بضارع ... يَوْمًا لنيل طَعَامه وَشَرَابه) (يمشي على سنَن الرَّسُول مفوضاً ... لِلْأَمْرِ لَا يلوى للمع سرابه) (يرضى بميسور من الدُّنْيَا وَلَا ... يغتمّ عِنْد نفارها عَن بَابه ٠ - متقللاً مِنْهَا تقلل موقن ... بدروس رونقها وَقرب ذَهَابه)

стр. 554

(متزهداً فِيمَا يَزُول مزايلاً ... إدراك مَا يبْقى عَظِيم ثَوَابه) (جعل الشعار لَهُ محبَّة ربّه ... وثنى عنان الْحبّ عَن أحبابه) (أكْرم بِهَذَا الصِّنْف من سكانه ... أحبب بِهَذَا الْجِنْس من أحزابه) (فهم الَّذين أَصَابُوا الْغَرَض الذي ... هُوَ لامرا فِي الدَّين لبّ لبابه) (وَلكم مَشى هذي الطَّرِيقَة صَاحب ... لمُحَمد فَمَشَوْا على أعقابه) (فِيهَا الغفاري قد أَنَاخَ مَطِيَّة ... وَمَشى بهَا القرني بسبق ركابه) (وَبهَا فُضَيْل والجنيد تجاذبا ... كأس الْهوى وتعلّلا برضابه) (وكذاك بشر وَابْن أدهم أَسْرعَا ... مشياً بِهِ والكينعي مَشى بِهِ) (أمّا الَّذين غدوا على أوتارهم ... يتجاذبون الْخمر في أكوابه) (ولوحدة جعلُوا المثاني مونساً ... واللّحن عِنْد الذكر من إعرابه) (ويرون حقّ الْغَيْر غير محرّم ... بل يَزْعمُونَ بِأَنَّهُم أولى بِهِ) (فهم الَّذين تلاعبوا بَين الورى ... بِالدّينِ وانتدبوا لقصد خرابه) (قد نهج الحلاج طرق ضلالهم ... وكذاك محيي الدَّين لاحيا بِهِ) (وكذاك فارضهم بتائياته ... فرض الضلال عَلَيْهِم ودعا بِهِ) (وَكَذَا ابْن سبعين المهين فقد عدا ... متطورا فى جَهله ولعابه) (رام النبؤة لالعا لعثوره ... روم الذُّبَاب مصيره كعقابه) (وَكَذَلِكَ الجيلي أجال جَوَاده ... فِي ذَلِك الميدان ثمَّ سعى بِهِ) (إنسانه إِنْسَان عين الْكفْر لَا ... يرتاب فِيهِ سابح بعبابه) (والتلمسانى قَالَ قد حلت لَهُ ... كلّ الْفروج فَخذ بذا وَكفى بِهِ) (نهقوا بوحدتهم على روس الملا ... وَمن الْمقَال أَتَوا بِعَين كَذَا بِهِ) (إن صَحَّ مَا نقل الْأَئِمَّة عَنْهُم ... فالكفر ضَرْبَة لازب لصحابه)

стр. 555

(لاكفر في الدُّنْيَا على كلّ الورى ... إن كَانَ هَذَا القَوْل دون نصابه) (قد ألزمونا أن ندين بكفرهم ... وَالْكفْر شَرّ الْخلق من يرضى بِهِ) (فدع التعسف في التأول لَا تكن ... كفتى يُغطي جيفة بثيابه) (قد صَرَّحُوا أَن الذي يبغونه ... هُوَ ظَاهر الْأَمر الَّذِي قُلْنَا بِهِ) (هذي فتوحات الشؤم شَوَاهِد ... أَن المُرَاد لَهُ نُصُوص كِتَابه) (وَقد أوضحت في تِلْكَ الرسَالَة حَال كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ وأوردت نُصُوص كتبهمْ وبينت أَقْوَال الْعلمَاء في شَأْنهمْ وَكَانَ تَحْرِير هَذَا الْجَواب فِي عنفوان الشَّبَاب وَأَنا الْآن أتوقف في حَال هَؤُلَاءِ وأتبرأ من كل مَا كَانَ من أَقْوَالهم وأفعالهم مُخَالفا لهَذِهِ الشَّرِيعَة الْبَيْضَاء الْوَاضِحَة الَّتِى لَيْلهَا كنهارها وَلم يتعبدني الله بتكفير من صَار في ظَاهر أمره من أهل الْإِسْلَام وهب أَن المُرَاد بِمَا في كتبهمْ وَمَا نقل عَنْهُم من الْكَلِمَات المستنكرة الْمَعْنى الظَّاهِر والمدلول العربي وَأَنه قَاض على قَائِله بالْكفْر البواح والضلال الصراح فَمن أَيْن لنا أَن قَائِله لم يتب عَنهُ وَنحن لَو كُنَّا فِي عصره بل فِي مصره بل في منزله الذي يعالج فِيهِ سَكَرَات الْمَوْت لم يكن لنا إِلَى الْقطع بِعَدَمِ التَّوْبَة سَبِيل لِأَنَّهَا تقع من العَبْد بِمُجَرَّد عقد الْقلب مالم يُغَرْغر بِالْمَوْتِ فَكيف وبيننا وَبينهمْ من السنين عدَّة مئين وَلَا يَصح الِاعْتِرَاض على هَذَا بالكفار فَيُقَال هَذَا التجويز مُمكن في الْكفَّار على اخْتِلَاف أنواعهم لأَنا نقُول فرق بَين من أَصله الْإِسْلَام وَمن أَصله الْكفْر فَإِن الْحمل على الأَصْل مَعَ اللّبْس هُوَ الْوَاجِب لاسيما وَالْخُرُوج من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام لَا يكون إِلَّا بأقوال وأفعال لَا بِمُجَرَّد عقد الْقلب والتوجه بِالنِّيَّةِ المشتملين على النَّدَم والعزم على عدم المعاودة فَإِن ذَلِك يكفي في التَّوْبَة وَلَا يكفي في مصير

стр. 556

الْكَافِر مُسلما وَأَيْضًا فرق بَين كفر التَّأْوِيل وَكفر التَّصْرِيح على أَنى لَا أثبت كفر التَّأْوِيل كَمَا حققته في غير هَذَا الموطن وَفِي هَذِه الْإِشَارَة كِفَايَة لمن لَهُ هِدَايَة وفي ذنوبنا الَّتِى قد اثقلت ظُهُورنَا لقلوبنا أعظم شغلة وطوبى لمن شغلته عيوبه وَمن حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَالا يعنيه فالراحلة الَّتِى قد حملت مَالا تكَاد تنوء بِهِ إِذا وضع عَلَيْهَا زِيَادَة عَلَيْهِ انْقَطع ظهرهَا وَقَعَدت على الطَّرِيق قبل وُصُول الْمنزل وَبلا شك أَن التوئب على ثلب أَعْرَاض الْمَشْكُوك فِي إسلامهم فضلاً عَن الْمَقْطُوع بِإِسْلَامِهِمْ جَرَاءَة غير محمودة فَرُبمَا كذب الظَّن وَبَطل الحَدِيث وتقشعت سحائب الشكوك وتجلت ظلمات الظنون وطاحت الدقائق وحقت الْحَقَائِق وَأَن يَوْمًا يفرّ الْمَرْء من أَبِيه ويشح بِمَا مَعَه من الْحَسَنَات على أحبابه وَذَوِيهِ لحقيق بِأَن يحافظ فِيهِ على الْحَسَنَات وَلَا يَدعهَا يَوْم الْقِيَامَة نهباً بَين قوم قد صَارُوا تَحت أطباق الثرى قبل أَن يخرج إِلَى هَذَا الْعَالم بدهور وَهُوَ غير مَحْمُود على ذَلِك وَلَا مأجور فَهَذَا مَالا يَفْعَله بِنَفسِهِ الْعَاقِل وَأَشد من ذَلِك أَن ينثر جراب طاعاته وينثل كنَانَة حَسَنَاته على أعدائه غير مشكور بل مقهور وَهَكَذَا يفعل عِنْد الْحُضُور لِلْحسابِ بَين يدي الْجَبَّار بالمغتابين والنمامين والهمازين واللمازين فَإِنَّهُ قد علم بِالضَّرُورَةِ الدِّينِيَّة أَن مظْلمَة الْعرض كمظلمة المَال وَالدَّم وَمُجَرَّد التَّفَاوُت فِي مِقْدَار الْمظْلمَة لَا يُوجب عدم انصاف ذَلِك الشئ المتفاوت أَو بعضه بِكَوْنِهِ مظْلمَة فَكل وَاحِدَة من هَذِه الثَّلَاث مظْلمَة لآدمي وكل مظْلمَة لآدمى لَا تسْقط الا بعفوه ومالم يعف عَنهُ بَاقٍ على فَاعله يوافي عرصات الْقِيَامَة فَقل لي كَيفَ يَرْجُو من ظلم مَيتا بثلب عرضه أَن يعْفُو عَنهُ وَمن ذَاك الذي يعْفُو فِي هَذَا الْموقف وَهُوَ أحْوج

стр. 557

مَا كَانَ إِلَى مَا يَقِيه عَن النَّار وَإِذا الْتبس عَلَيْك هَذَا فَانْظُر مَا تَجدهُ من الطباع البشرية في هَذِه الدَّار فَإِنَّهُ لَو ألْقى الْوَاحِد من هَذَا النَّوْع الإنساني إِلَى نَار من نيار هَذِه الدُّنْيَا وَأمكنهُ أَن يتّقيها بِأَبِيهِ أَو بِأمة أَو بِابْنِهِ أَو بحبيبه لفعل فَكيف بِنَار الْآخِرَة الَّتِى لَيست نَار هَذِه الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا شَيْئا وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ بعض من نظر بِعَين الْحَقِيقَة لَو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أَبى وأمي لِأَنَّهُمَا أَحَق بحسناتي الَّتِى تُؤْخَذ مني قسراً وَمَا أحسن هَذَا الْكَلَام وَلَا ريب أَن أَشد أَنْوَاع الْغَيْبَة وأضرّها وأشرّها وأكثرها بلَاء وعقاباً مَا بلغ مِنْهَا إِلَى حد التَّكْفِير واللعن فَإِنَّهُ قد صَحَّ أَن تَكْفِير الْمُؤمن كفر ولعنه رَاجع على فَاعله وسبابه فسق وَهَذِه عُقُوبَة من جِهَة الله سُبْحَانَهُ وَأما من وَقع لَهُ التَّكْفِير واللعن والسب فمظلمة بَاقِيَة على ظهر الْمُكَفّر واللاّعن والسباب فَانْظُر كَيفَ صَار الْمُكَفّر كَافِرًا واللاعن ملعوناً والسباب فَاسِقًا وَلم يكن ذَلِك حد عُقُوبَته بل غَرِيمه ينْتَظر بعرصات الْمَحْشَر ليَأْخُذ من حَسَنَاته أَو يضع عَلَيْهِ من سيئاته بِمِقْدَار تِلْكَ الْمظْلمَة وَمَعَ ذَلِك فَلَا بُد من شئ غير ذَلِك وَهُوَ الْعقُوبَة على مُخَالفَة النهي لِأَن الله قد نهى فِي كِتَابه وعَلى لِسَان وَرَسُوله عَن الْغَيْبَة بِجَمِيعِ أقسامها ومخالف النَّهْي فَاعل محرم وفاعل الْمحرم معاقب عَلَيْهِ وَهَذَا عَارض من القَوْل جرى بِهِ الْقَلَم ثمَّ أحجم عَن الْكَلَام سَائِلًا من الله حسن الختام رَاجعا إِلَى كَمَال تَرْجَمَة ذَلِك السَّيِّد الْهمام فَنَقُول صَاحب التَّرْجَمَة حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف مُسْتَمر على تِلْكَ الْخِصَال الجميلة والمناقب الجليلة قَانِع بميسور من الْعَيْش مُؤثر للخمول الذي هُوَ الرَّاحَة وَالنعْمَة المجهولة زَاده الله من أفضاله وأنجح لَهُ مَا يرجوه من آماله وَتوفى رَحمَه الله

стр. 558

في سنة ... الْقَاسِم ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله أَحْمد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور بِاللَّه علي ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المهدي الْعَبَّاس ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور حُسَيْن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل الْقَاسِم ابْن حُسَيْن بن أَحْمد بن أحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة ١٢١١ إحدى عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف وَنَشَأ فِي حجر الْخلَافَة نشواً طَاهِرا فَلَمَّا قَارب سن الْبلُوغ قَرَأَ بُلُوغ المرام على الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد عَابِد السندي عِنْد وفوده إِلَى حَضْرَة أَبِيه ثمَّ حفظه من أَوله إِلَى آخِره عَن ظهر قلب وَوصل إِلَى وأسمعه عليّ من حفظه من أَوله إِلَى آخِره وَالْكتاب بيدي فسبحان الفاتح المانح وَهُوَ الْآن يسمع عليّ صَحِيح البخارى وَمُسلم يفد إِلَى في بعض أَيَّام الْأُسْبُوع ويواظب على ذَلِك مواظبة عَظِيمَة وَيفهم فهماً جيداً ويحفظ حفظاً صَالحا مَعَ اشْتِغَاله بِقِرَاءَة علم الْآلَة وإكبابه على مطالعة الْكتب الحديثية وَله بِالسنةِ المطهرة شغف عَظِيم ومحبة زَائِدَة وَيعْمل بِكُل مَا صَحَّ مِنْهَا وَلَا يبالي أطار لوم من يلومه أم وَقع وَلَا يلْتَفت إِلَى من يُرِيد صده عَن ذَلِك لِأَنَّهُ قد عرف أَن هَذَا هُوَ الْحق الذي بعث الله بِهِ رَسُوله وَأنزل بِهِ كِتَابه ووالده مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله يرغبه في ذَلِك ويقوي عزمه عَلَيْهِ وَيُعْجِبهُ مَا يرى مِنْهُ وَالْحَمْد لله الذي أخرج من هَذَا الْبَيْت الشّريف مثل هَذَا الْفَاضِل زَاده الله علماً وكمالاً وَعَملا بِالْحَقِّ وانقياداً لَهُ

стр. 559

وَجعله من أنصار السنة المطهّرة وعمره عِنْد تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة نَحْو سبع عشرَة سنة السَّيِّد الْقَاسِم بن الْحسن بن مطّهر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الجرموزي الصّنعاني منشأ ووفاة ولد ببندر المخافي أَيَّام ولَايَة وَالِده لَهَا ثمَّ انْتقل إِلَى صنعاء وَطلب الْعلم على جمَاعَة من الْعلمَاء وَقد ذكر جَمِيع مسموعاته ومشايخه في تَرْجَمته لنَفسِهِ فِي مُصَنفه الَّذِي سَمَّاهُ صفوة العاصر في آدَاب المعاصر وَهُوَ كتاب حسن ذكره فِيهِ جمَاعَة من أهل عصره وَمن قرَابَته وخصص الشُّعَرَاء وَذكر من أشعارهم وَمَا دَار بَينه وَبينهمْ وَمَا يتَعَلَّق بذلك وولاّه المهدي صَاحب الْمَوَاهِب أعمالاً ثمَّ ولاّه آخراً الْقَضَاء بِصَنْعَاء فباشره مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وديانة وَله مؤلف سَمَّاهُ نزهة الفطن في من ملك الْيمن وَله شعر حسن فَمِنْهُ فِي تَشْبِيه الْبَرْق (كَأَنَّمَا الْبَرْق إِذا مَا اختفى ... فلاح في الْعَارِض غبّ الْقصار) (وجنة عذرى رابّها مبصر ... فاستترت من خَوفه بالخمار) وَله قصائد منسجمة وأبيات قَليلَة التَّكَلُّف كَقَوْلِه (أغار عَلَيْك من نَظَرِي ... وَإِن بلغتني وطري) (وأحسد خاطري من أَن ... تمرّ عَلَيْهِ فِي فكري) (بنفسي أَنْت من قمر ... علا عَن بهجة الْقَمَر) (وَمَا قد حزت من هيف ... وَقد كلقنا النَّضر) (وطرف من لطافته ... استعارت نسمَة السحر)

стр. 560

وَمن ذَلِك قَوْله (لم لَا ترقوا سادتي ... وترحموا صبابتي) (وتذكروا هجري الذي ... ذَابَتْ لَهُ حشاشتي) (وترحموا لي حَالَة ... قد رق مِنْهَا شامتي) (ويلاه من بدر دجّى ... ضلت بِهِ هدايتي) وشعره غالبه على هَذَا الأسلوب وَمَات في سنة ١١٤٦ سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف الإِمَام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن بن أَحْمد ابْن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة ... وَنَشَأ منشأ آبَائِهِ الْأَمْثَال ومارس كثيراً من معارك الْقِتَال وَصَارَ مَعَ عَمه الإِمَام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب من أعظم الرؤساء وَكَانَ يَبْعَثهُ في الْمُهِمَّات فيدفعها وَيقوم بحلّها وَتارَة كَانَ يعتقله لما يرى من ميل النَّاس إِلَيْهِ وعلو همته وترشيحه للخلافة وَاتفقَ فِي أَيَّام اعتقاله أَنه عرض للمهدي مُهِمّ عَظِيم لَا يقوم بِهِ إلا صَاحب التَّرْجَمَة فَأخْرجهُ من الْحَبْس وأرسله فى طَائِفَة من الجيوش ثمَّ نَدم على ذَلِك وَعرف أَنه قد أَخطَأ فَبعث إِلَيْهِ ليعود فَمَا أسعد وَمضى لذَلِك المهم فقضاه ثمَّ بعد ذَلِك رغب النَّاس إِلَيْهِ وَأَرَادُوا أَن يبايعوه فَامْتنعَ معتذراً بِأَنَّهُ لم يكن في الْعلم مُسْتَوْفيا للِاجْتِهَاد محيطاً بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ في الإصدار والإيراد بل أَمرهم بِأَن يبايعوا الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد صَاحب شهارة وَكَانَ من مشاهير الْعلمَاء وَبَايَعَهُ صَاحب التَّرْجَمَة وتلقب بالمنصور بِاللَّه والحل وَالْعقد بيد صَاحب التَّرْجَمَة وَلَيْسَ للحسين إلا الاسم ثمَّ شرع في مناجزة المهدي فقاد إِلَيْهِ الجيوش وحاصره في الْمَوَاهِب

стр. 561

وَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك فى سنة ١١٢٦ ثمَّ ان المهدي خلع نَفسه وَبَايع الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد وَكَانَ ذَلِك بعد محاصرة عَظِيمَة وحروب شَدِيدَة ثمَّ كثر الِاضْطِرَاب من الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فخلعه صَاحب التَّرْجَمَة وَمَال النَّاس إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ في سنة ١١٢٨ فَامْتنعَ المهدي عَن ذَلِك متعللاً بِأَنَّهُ إنما خلع نَفسه بِشَرْط أَن يكون الْخَلِيفَة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم لاصاحب التَّرْجَمَة فَأَعَادَ صَاحب التَّرْجَمَة الْحصار لَهُ وقاد إِلَيْهِ الجيوش فأذعن وَبَايع فِي سنة ١١٢٩ وَلم يخْتَلف بعد ذَلِك على المترجم لَهُ أحد من النَّاس وصفت لَهُ الْيمن وَثبتت قدمه وَكَانَ يسْتَقرّ غَالب الْأَيَّام بِصَنْعَاء وَيخرج فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى حِدة فيستقر فِيهَا وَله بهَا دَار عَظِيمَة عمّرها ومسجداً بجنبها وَقد صَار الْجَمِيع حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف خراباً وَكَانَ لَهُ من الشجَاعَة مالم يكن لغيره فَإِنَّهَا اتفقت مِنْهُ قضايا تدل على أَنه فِي قُوَّة الْقلب وثبات الْجنان بِمحل يقصر عَنهُ غَالب نوع الْإِنْسَان وَلَو لم يكن من ذَلِك الا ماوقع مِنْهُ من الْقَتْل لرئيس حاشد وبكيل الْمَعْرُوف بِابْن حُبَيْش فَإِنَّهُ قَتله فِي بَيته وَبَين قبيلته وَلَيْسَ مَعَه من يقوم بِحَرب بعض الْبَعْض من اتِّبَاع ابْن حُبَيْش ثمَّ تم ذَلِك الْأَمر وَسلمهُ الله وَصَارَت هَذِه الْقَضِيَّة تضرب بهَا الْأَمْثَال وَلَا سِيمَا فِي عصره وَمَا يقرب من عصره لاستعظامهم لمقدار ابْن حُبَيْش ولكثرة اتِّبَاعه وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من الْمحبَّة للْفُقَرَاء والإحسان إِلَيْهِم وإنفاق بيُوت الْأَمْوَال عَلَيْهِم مَالا يُمكن الْقيام بوصفه وَمَعَ هَذَا فَلهُ إِلَى آل الإِمَام من الْبر والبذل أَمر عَظِيم وَلم يرعوا لَهُ ذَلِك بل خَرجُوا عَلَيْهِ وفرّوا إِلَى بِلَاد الْقبْلَة وَاجْتمعَ مِنْهُم جمع كثير وَمن أعيانهم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد محسن بن

стр. 562

الْمُؤَيد وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن رجلاً يُقَال لَهُ الشجني كَانَ يلي بعض أَعمال صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقع مِنْهُ إِلَى جناب جمَاعَة من أَعْيَان السَّادة مالم تجر لَهُم بِهِ عَادَة من التَّسْوِيَة بَين أَمْوَالهم وأموال سَائِر الرعايا وَمَعَ ذَلِك فَمَا فازوا بشئ وَلَا نالوا خيراً وَمَات السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا هاوم وَهُوَ كَانَ كَبِيرهمْ الذي يرشحونه للخلافة فَتَفَرَّقُوا بعد ذَلِك وَكَانَ جَمِيع ذَلِك فِي سنة ١١٣٦ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من المحاسن والحروب والفتكات مَالا يَتَّسِع لَهُ إلا سيرة مُسْتَقلَّة وَقد جمع لَهُ سيرة السَّيِّد محسن بن حسن بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة فِي ثاني شهر رَمَضَان سنة ١١٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَولى بعده وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم حَسْبَمَا تقدّم فِي تَرْجَمته الْفَقِيه قَاسم بن سعد بن لطف الله الجبلى ولد تَقْرِيبًا فِي سنة الثَّمَانِينَ من الْمِائَة الثَّانِيَة عشر أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَقَرَأَ فى الْآلَات وَفقه الشَّافِعِيَّة ورحل إِلَى زبيد فَقَرَأَ على مشايخها وَقَرَأَ في علم الطِّبّ فَصَارَ طَبِيبا ماهراً وَقَرَأَ على فى أَوَائِل الْأُمَّهَات السِّت وأوائل المسندات وَمَا يلْتَحق بهَا وَقَرَأَ على فى شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَكَانَت قِرَاءَته عليّ فِي مَدِينَة ذي جبلة عِنْد قدومي إِلَيْهَا مَعَ مَوْلَانَا الإِمَام المتَوَكل على الله ولازمني مُلَازمَة تَامَّة وَهُوَ فايق الذكاء جيد الْفَهم حسن الْإِدْرَاك حسن المحاضرة لَهُ في الْأَدَب يَد حَسَنَة وَكَانَ سَمَاعه منى فِي سنة ١٢٢٦ في ذي جبلة وفي ذِي السفال وأجزت لَهُ جَمِيع مروياتي ثمَّ سمع مني في صنعاء فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَصَارَ الْآن في صنعاء في الحضرة الإمامية وَهُوَ طَبِيب الْخلَافَة وَله معرفَة

стр. 563

تَامَّة بالفقه وَالْعلم والْحَدِيث وَعلم الْآلَة السَّيِّد الْقَاسِم بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني ولد فِي ذي الْحجَّة سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ألف بكوكبان وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره وعَلى غَيره من أهل تِلْكَ الْجِهَة وتعانى النظم فجَاء مِنْهُ بِمَا هُوَ فِي الْغَايَة القصوى بِحَيْثُ سَارَتْ قصائده واشتهر نظمه وطارحه الأدباء من كثير من الْجِهَات وفَاق فِي هَذَا الشَّأْن وَقد ترْجم لَهُ ابْن عَمه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن عِيسَى بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في الحدائق تَرْجَمَة حافلة وَمِمَّا أوردهُ لَهُ قَوْله في القَوْل بِالْمُوجبِ مَعَ التورية وأجاد (أفدي الذي قد قَالَ لي مرة ... وعاذلي يسمع من قرب) (مَا القَوْل بِالْمُوجبِ يَا سيدي ... قلت مناجاتك بِالْقَلْبِ) وَهُوَ الْآن بدر طالع بكوكبان قد حمل خافقة لِوَاء الْأَدَب وَسلم لَهُ السَّبق أَبنَاء هَذَا الشَّأْن فَلم يخْتَلف في تَقْدِيمه على أهل بَلَده اثْنَان وَله في الْعلم بَاعَ وساع واطلاع أى اطلَاع ثمَّ مَاتَ ﵀ فَجْأَة في شهر محرم سنة ١٢١٦ سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف قَاسم بن قطلوبغا زين الدَّين السودني الْمَعْرُوف بقاسم الحنفي ولد في الْمحرم سنة ٨٠٢ اثْنَتَيْنِ وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ يَتِيما وَحفظ الْقُرْآن وكتباً عرض بَعْضهَا على الْعِزّ بن جمَاعَة ثمَّ أقبل على الاشتعال على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره كالعلاء البخاري والشرف السبكي وَابْن الْهمام وَقَرَأَ فِي غَالب الْفُنُون وتصدر للتدريس والإفتاء قَدِيما وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء فِي فنون

стр. 564

كَثِيرَة وَصَارَ الْمشَار إِلَيْهِ في الْحَنَفِيَّة وَلم يخلف بعده مثله وَله مؤلفات مِنْهَا شرح منظومة ابْن الْجَزرِي في مجلدين وحاشية شرح الألفية للعراقي وَشرح النخبة لِابْنِ حجر وَخرج أَحَادِيث عوارف المعارف للسهروردى وَأَحَادِيث الاختيارشرح الْمُخْتَار فِي مجلدين وَكَذَلِكَ خرج أَحَادِيث البزدوي في أصُول الْفِقْه وَتَفْسِير أَبى اللَّيْث ومنهاج العابدين وَالْأَرْبَعِينَ فِي أصُول الدَّين وجواهر الْقُرْآن وبداية الْهِدَايَة والشفاء وإتحاف الْأَحْيَاء بِمَا فَاتَ من تَخْرِيج احاديث الْأَحْيَاء ومنية الألمعى بِمَا فَاتَ الزَّيْلَعِيّ وبغية الرائد فى تَخْرِيج أَحَادِيث شرح العقائد ونزهة الرايض في أَدِلَّة الْفَرَائِض ورتب مُسْند أَبى حنيفَة لِابْنِ المقري وَبَوَّبَ مُسْند أَبى حنيفَة أَيْضا للحارثي والأمالي على مُسْند أبي حنيفَة فِي مجلدين والموطأ بِرِوَايَة مُحَمَّد بن الْحسن ومسند عقبَة بن عَامر الصحابي وعوالي كل من أَبى اللَّيْث والطحاوي وَتَعْلِيق مُسْند الفردوس وأسئلة الْحَاكِم للدارقطنى وَمن روى عَن أَبِيه عَن جده في مُجَلد والاهتمام الكلي بإصلاح ثِقَات العجلي في مُجَلد وزوائد رجال كل من الْمُوَطَّأ ومسند الشافعى وَسنَن الدارقطنى على السِّتَّة والثقات مِمَّن لم يَقع فِي الْكتب السِّتَّة في أَربع مجلدات وتقويم اللِّسَان فِي الضُّعَفَاء فِي مجلدين وفضول اللِّسَان وحاشية على كل من المشتبه والتقريب لِابْنِ حجر والأجوبة على اعْتِرَاض ابْن أَبى شيبَة عَليّ أَبى حنيفَة في الحَدِيث وتبصرة النَّاقِد فى كبت الْحَاسِد في الدفع عَن أَبى حنيفَة وترصيع الْجَوْهَر النقي كتب مِنْهُ إِلَى أثْنَاء التَّيَمُّم وتلخيص سيرة مغلطاي وتلخيص دولة التّرْك وَكتاب ترْجم فِيهِ لمن صنف من الْحَنَفِيَّة وَسَماهُ تَاج التراجم وَكتاب ترْجم فِيهِ مَشَايِخ مشايخه ومشايخ

стр. 565

شُيُوخ الْعَصْر ومعجم شُيُوخه وَشرح كتباً من كتب فقه الْحَنَفِيَّة كالقدوري والنقاية ومختصر الْمنَار ودرر الْبحار في الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وأجوبة على اعتراضات الْعِزّ بن جمَاعَة على أصُول الْحَنَفِيَّة وتعليقة على الأندلسية في الْعرُوض ومختصر تَلْخِيص الْمِفْتَاح وَشرح منار النّظر فى الْمنطق لِابْنِ سيناء وَله مصنفات غير هَذِه وَقد برع في عدَّة فنون وَلم ينل مَا يَلِيق بجلاله من المناصب حَتَّى التدريس في الْأَمْكِنَة الَّتِى صَار يدرس بهَا من هُوَ دونه في جَمِيع الْأَوْصَاف وَله نظم كنظم الْعلمَاء فَمِنْهُ رادا على من قَالَ (إن كنت كَاذِبَة الذي حدثتني ... فَعَلَيْك إثم أَبى حنيفَة أَو زفر) (الواثبين على الْقيَاس تمرداً ... والراغبين عَن التَّمَسُّك بالأثر) فَقَالَ (كذب الذي نسب المآثم للذي ... قَاس الْمسَائِل بِالْكتاب وبالأثر) (إنّ الْكتاب وَسنة الْمُخْتَار قد ... دلا عَلَيْهِ فدع مقَالَة من فشر) وَتوفى في لَيْلَة الْخَمِيس رَابِع ربيع الآخر سنة ٨٧٩ تسع وَسبعين وثمان مائَة ٣٧٠ - الإِمَام الْأَعْظَم الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن على ابْن مُحَمَّد بن الرشيد قد تقدّم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده الْحسن ولد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثاني عشر شهر صفر سنة ٩٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ اشْتغل بِطَلَب الْعلم على شُيُوخ ذَلِك الْعَصْر فبرع فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة ومشايخه مَشْهُورُونَ مذكورون وأعيانهم قد اشْتَمَل على تراجمهم هَذَا الْكتاب وَله مصنفات
следующие страницы →