Полный текст (892 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك فى سنة ١١٢٦ ثمَّ ان المهدي خلع نَفسه وَبَايع الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد وَكَانَ ذَلِك بعد محاصرة عَظِيمَة وحروب شَدِيدَة ثمَّ كثر الِاضْطِرَاب من الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فخلعه صَاحب التَّرْجَمَة وَمَال النَّاس إِلَيْهِ فَبَايعُوهُ في سنة ١١٢٨ فَامْتنعَ المهدي عَن ذَلِك متعللاً بِأَنَّهُ إنما خلع نَفسه بِشَرْط أَن يكون الْخَلِيفَة الْحُسَيْن بن الْقَاسِم لاصاحب التَّرْجَمَة فَأَعَادَ صَاحب التَّرْجَمَة الْحصار لَهُ وقاد إِلَيْهِ الجيوش فأذعن وَبَايع فِي سنة ١١٢٩ وَلم يخْتَلف بعد ذَلِك على المترجم لَهُ أحد من النَّاس وصفت لَهُ الْيمن وَثبتت قدمه وَكَانَ يسْتَقرّ غَالب الْأَيَّام بِصَنْعَاء وَيخرج فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى حِدة فيستقر فِيهَا وَله بهَا دَار عَظِيمَة عمّرها ومسجداً بجنبها وَقد صَار الْجَمِيع حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف خراباً
وَكَانَ لَهُ من الشجَاعَة مالم يكن لغيره فَإِنَّهَا اتفقت مِنْهُ قضايا تدل على أَنه فِي قُوَّة الْقلب وثبات الْجنان بِمحل يقصر عَنهُ غَالب نوع الْإِنْسَان وَلَو لم يكن من ذَلِك الا ماوقع مِنْهُ من الْقَتْل لرئيس حاشد وبكيل الْمَعْرُوف بِابْن حُبَيْش فَإِنَّهُ قَتله فِي بَيته وَبَين قبيلته وَلَيْسَ مَعَه من يقوم بِحَرب بعض الْبَعْض من اتِّبَاع ابْن حُبَيْش ثمَّ تم ذَلِك الْأَمر وَسلمهُ الله
وَصَارَت هَذِه الْقَضِيَّة تضرب بهَا الْأَمْثَال وَلَا سِيمَا فِي عصره وَمَا يقرب من عصره لاستعظامهم لمقدار ابْن حُبَيْش ولكثرة اتِّبَاعه
وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من الْمحبَّة للْفُقَرَاء والإحسان إِلَيْهِم وإنفاق بيُوت الْأَمْوَال عَلَيْهِم مَالا يُمكن الْقيام بوصفه وَمَعَ هَذَا فَلهُ إِلَى آل الإِمَام من الْبر والبذل أَمر عَظِيم وَلم يرعوا لَهُ ذَلِك بل خَرجُوا عَلَيْهِ وفرّوا إِلَى بِلَاد الْقبْلَة وَاجْتمعَ مِنْهُم جمع كثير وَمن أعيانهم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد محسن بن
стр. 562
الْمُؤَيد وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن رجلاً يُقَال لَهُ الشجني كَانَ يلي بعض أَعمال صَاحب التَّرْجَمَة فَوَقع مِنْهُ إِلَى جناب جمَاعَة من أَعْيَان السَّادة مالم تجر لَهُم بِهِ عَادَة من التَّسْوِيَة بَين أَمْوَالهم وأموال سَائِر الرعايا وَمَعَ ذَلِك فَمَا فازوا بشئ وَلَا نالوا خيراً وَمَات السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا هاوم وَهُوَ كَانَ كَبِيرهمْ الذي يرشحونه للخلافة فَتَفَرَّقُوا بعد ذَلِك وَكَانَ جَمِيع ذَلِك فِي سنة ١١٣٦ وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة من المحاسن والحروب والفتكات مَالا يَتَّسِع لَهُ إلا سيرة مُسْتَقلَّة وَقد جمع لَهُ سيرة السَّيِّد محسن بن حسن بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة فِي ثاني شهر رَمَضَان سنة ١١٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَولى بعده وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم حَسْبَمَا تقدّم فِي تَرْجَمته
الْفَقِيه قَاسم بن سعد بن لطف الله الجبلى
ولد تَقْرِيبًا فِي سنة الثَّمَانِينَ من الْمِائَة الثَّانِيَة عشر أَو قبلهَا بِقَلِيل أَو بعْدهَا بِقَلِيل وَقَرَأَ فى الْآلَات وَفقه الشَّافِعِيَّة ورحل إِلَى زبيد فَقَرَأَ على مشايخها وَقَرَأَ في علم الطِّبّ فَصَارَ طَبِيبا ماهراً وَقَرَأَ على فى أَوَائِل الْأُمَّهَات السِّت وأوائل المسندات وَمَا يلْتَحق بهَا وَقَرَأَ على فى شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَكَانَت قِرَاءَته عليّ فِي مَدِينَة ذي جبلة عِنْد قدومي إِلَيْهَا مَعَ مَوْلَانَا الإِمَام المتَوَكل على الله ولازمني مُلَازمَة تَامَّة وَهُوَ فايق الذكاء جيد الْفَهم حسن الْإِدْرَاك حسن المحاضرة لَهُ في الْأَدَب يَد حَسَنَة وَكَانَ سَمَاعه منى فِي سنة ١٢٢٦ في ذي جبلة وفي ذِي السفال وأجزت لَهُ جَمِيع مروياتي ثمَّ سمع مني في صنعاء فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَصَارَ الْآن في صنعاء في الحضرة الإمامية وَهُوَ طَبِيب الْخلَافَة وَله معرفَة
стр. 563
تَامَّة بالفقه وَالْعلم والْحَدِيث وَعلم الْآلَة
السَّيِّد الْقَاسِم بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الكوكباني
ولد فِي ذي الْحجَّة سنة ١١٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة ألف بكوكبان وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره وعَلى غَيره من أهل تِلْكَ الْجِهَة وتعانى النظم فجَاء مِنْهُ بِمَا هُوَ فِي الْغَايَة القصوى بِحَيْثُ سَارَتْ قصائده واشتهر نظمه وطارحه الأدباء من كثير من الْجِهَات وفَاق فِي هَذَا الشَّأْن
وَقد ترْجم لَهُ ابْن عَمه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن عِيسَى بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره في الحدائق تَرْجَمَة حافلة وَمِمَّا أوردهُ لَهُ قَوْله في القَوْل بِالْمُوجبِ مَعَ التورية وأجاد
(أفدي الذي قد قَالَ لي مرة ... وعاذلي يسمع من قرب)
(مَا القَوْل بِالْمُوجبِ يَا سيدي ... قلت مناجاتك بِالْقَلْبِ)
وَهُوَ الْآن بدر طالع بكوكبان قد حمل خافقة لِوَاء الْأَدَب وَسلم لَهُ السَّبق أَبنَاء هَذَا الشَّأْن فَلم يخْتَلف في تَقْدِيمه على أهل بَلَده اثْنَان وَله في الْعلم بَاعَ وساع واطلاع أى اطلَاع ثمَّ مَاتَ ﵀ فَجْأَة في شهر محرم سنة ١٢١٦ سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف
قَاسم بن قطلوبغا زين الدَّين السودني
الْمَعْرُوف بقاسم الحنفي
ولد في الْمحرم سنة ٨٠٢ اثْنَتَيْنِ وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ يَتِيما وَحفظ الْقُرْآن وكتباً عرض بَعْضهَا على الْعِزّ بن جمَاعَة ثمَّ أقبل على الاشتعال على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره كالعلاء البخاري والشرف السبكي وَابْن الْهمام وَقَرَأَ فِي غَالب الْفُنُون وتصدر للتدريس والإفتاء قَدِيما وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء فِي فنون
стр. 564
كَثِيرَة وَصَارَ الْمشَار إِلَيْهِ في الْحَنَفِيَّة وَلم يخلف بعده مثله وَله مؤلفات مِنْهَا شرح منظومة ابْن الْجَزرِي في مجلدين
وحاشية شرح الألفية للعراقي
وَشرح النخبة لِابْنِ حجر وَخرج أَحَادِيث عوارف المعارف للسهروردى
وَأَحَادِيث الاختيارشرح الْمُخْتَار فِي مجلدين وَكَذَلِكَ خرج أَحَادِيث البزدوي في أصُول الْفِقْه
وَتَفْسِير أَبى اللَّيْث ومنهاج العابدين وَالْأَرْبَعِينَ فِي أصُول الدَّين وجواهر الْقُرْآن وبداية الْهِدَايَة والشفاء وإتحاف الْأَحْيَاء بِمَا فَاتَ من تَخْرِيج احاديث الْأَحْيَاء ومنية الألمعى بِمَا فَاتَ الزَّيْلَعِيّ وبغية الرائد فى تَخْرِيج أَحَادِيث شرح العقائد ونزهة الرايض في أَدِلَّة الْفَرَائِض ورتب مُسْند أَبى حنيفَة لِابْنِ المقري وَبَوَّبَ مُسْند أَبى حنيفَة أَيْضا للحارثي والأمالي على مُسْند أبي حنيفَة فِي مجلدين والموطأ بِرِوَايَة مُحَمَّد بن الْحسن ومسند عقبَة بن عَامر الصحابي وعوالي كل من أَبى اللَّيْث والطحاوي وَتَعْلِيق مُسْند الفردوس وأسئلة الْحَاكِم للدارقطنى وَمن روى عَن أَبِيه عَن جده في مُجَلد والاهتمام الكلي بإصلاح ثِقَات العجلي في مُجَلد وزوائد رجال كل من الْمُوَطَّأ ومسند الشافعى وَسنَن الدارقطنى على السِّتَّة والثقات مِمَّن لم يَقع فِي الْكتب السِّتَّة في أَربع مجلدات وتقويم اللِّسَان فِي الضُّعَفَاء فِي مجلدين وفضول اللِّسَان وحاشية على كل من المشتبه والتقريب لِابْنِ حجر والأجوبة على اعْتِرَاض ابْن أَبى شيبَة عَليّ أَبى حنيفَة في الحَدِيث وتبصرة النَّاقِد فى كبت الْحَاسِد في الدفع عَن أَبى حنيفَة وترصيع الْجَوْهَر النقي كتب مِنْهُ إِلَى أثْنَاء التَّيَمُّم وتلخيص سيرة مغلطاي وتلخيص دولة التّرْك وَكتاب ترْجم فِيهِ لمن صنف من الْحَنَفِيَّة وَسَماهُ تَاج التراجم وَكتاب ترْجم فِيهِ مَشَايِخ مشايخه ومشايخ
стр. 565
شُيُوخ الْعَصْر ومعجم شُيُوخه وَشرح كتباً من كتب فقه الْحَنَفِيَّة كالقدوري والنقاية ومختصر الْمنَار ودرر الْبحار في الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وأجوبة على اعتراضات الْعِزّ بن جمَاعَة على أصُول الْحَنَفِيَّة وتعليقة على الأندلسية في الْعرُوض ومختصر تَلْخِيص الْمِفْتَاح وَشرح منار النّظر فى الْمنطق لِابْنِ سيناء وَله مصنفات غير هَذِه وَقد برع في عدَّة فنون وَلم ينل مَا يَلِيق بجلاله من المناصب حَتَّى التدريس في الْأَمْكِنَة الَّتِى صَار يدرس بهَا من هُوَ دونه في جَمِيع الْأَوْصَاف وَله نظم كنظم الْعلمَاء فَمِنْهُ رادا على من قَالَ
(إن كنت كَاذِبَة الذي حدثتني ... فَعَلَيْك إثم أَبى حنيفَة أَو زفر)
(الواثبين على الْقيَاس تمرداً ... والراغبين عَن التَّمَسُّك بالأثر)
فَقَالَ
(كذب الذي نسب المآثم للذي ... قَاس الْمسَائِل بِالْكتاب وبالأثر)
(إنّ الْكتاب وَسنة الْمُخْتَار قد ... دلا عَلَيْهِ فدع مقَالَة من فشر)
وَتوفى في لَيْلَة الْخَمِيس رَابِع ربيع الآخر سنة ٨٧٩ تسع وَسبعين وثمان مائَة
٣٧٠
- الإِمَام الْأَعْظَم الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن على ابْن مُحَمَّد بن الرشيد
قد تقدّم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده الْحسن ولد لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثاني عشر شهر صفر سنة ٩٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة
ثمَّ اشْتغل بِطَلَب الْعلم على شُيُوخ ذَلِك الْعَصْر فبرع فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة ومشايخه مَشْهُورُونَ مذكورون وأعيانهم قد اشْتَمَل على تراجمهم هَذَا الْكتاب وَله مصنفات
стр. 566
جليلة نبيلة مِنْهَا في الحَدِيث كتاب الِاعْتِصَام جمع فِيهِ بَين كتب أَئِمَّة الْآل وَكتب الْمُحدثين من الْأُمَّهَات وَغَيرهَا وَرجح فى كل مسئلة مَا يَقْتَضِيهِ وَلكنهَا اخترمته الْمنية قبل تَمَامه فَإِنَّهُ لم يبلغ إِلَّا إِلَى كتاب الصيام وَكَانَ ذَلِك الْمِقْدَار في مُجَلد ضخم وَمِنْهَا فِي أصُول الدَّين الأساس في مُجَلد وَقد شَرحه جمَاعَة وَاعْتَرضهُ الكردي صَاحب الْحَرَمَيْنِ بِكِتَاب سَمَّاهُ النبراس وَأجَاب عَلَيْهِ العبدي بِكِتَاب سَمَّاهُ الاحتراس كَمَا تقدم في تَرْجَمته وَكَذَلِكَ أجَاب عَلَيْهِ السَّيِّد زيد بن مُحَمَّد بِكِتَاب وَلم يكمل حَسْبَمَا تقدم في تَرْجَمته وَله كتاب الإرشاد في كراريس ذكر فِيهِ فصولاً مفيدة نفيسة جَيِّدَة وَله رسائل ومسائل مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وَلما فاق في الْعُلُوم وحقق منطوقها وَالْمَفْهُوم وَكَانَت الْيمن إِذْ ذَاك تشتعل من الدولة التركية اشتعالا لما جبلوا عَلَيْهِ من الْجور وَالْفساد الذي لَا تحتمله طباع أهل هَذِه الْبِلَاد دَعَا هَذَا الإِمَام النَّاس إِلَى مبايعته وَكَانَ ذَلِك في شهر محرم سنة ١٠٠٦ سِتّ وَألف في جبل قارة بِالْقَافِ وَالرَّاء الْمُهْملَة فَلَمَّا ظَهرت دَعوته اشْتَدَّ طلب الأتراك لَهُ في كل مَكَان فَصَارَ يتنقل من مَكَان إِلَى مَكَان وَالْحَاصِل أَنَّهَا جرت لَهُ خطوب وحروب وكروب قد اشْتَمَل عَلَيْهَا كتاب سيرته وَكَانَ تَارَة ينتصر فَيفتح بعض الْبِلَاد اليمنية وَتارَة تتكاثر عَلَيْهِ جيوش الأتراك
стр. 567
فيخرجونه عَنْهَا فَيذْهب هُوَ وَجَمَاعَة من خلص أَصْحَابه الَّذين يَأْخُذُونَ عَنهُ الْعلم إِلَى فلاة من الأرض بِحَيْثُ تَنْقَطِع أخبارهم عَن النَّاس وَلَا يَدْرُونَ أَيْن هم فتمضي أَيَّام على ذَلِك فَلَا يشْعر الأتراك إلا وَهُوَ فِي الْبِلَاد اليمنية قد استولى على مَوَاضِع وَمَا زَالَ هَكَذَا مَعَ إقدام وشجاعة وصبر لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره حَتَّى أنه كَانَ في بعض الْأَوْقَات قد لَا يجد هُوَ وَمن مَعَه مَا يَأْكُلُون عِنْد اختفائهم فَيَأْكُلُونَ من نَبَات الأَرْض وَقد يكابد من الشدائد مَا يظن كل اُحْدُ أَنه لَا يعود بعد ذَلِك إِلَى مناجزرة الأتراك فبينماهم على يأس من رُجُوعه إذ هُوَ قد وثب على بعض الأقطار وَكَانَ آخر الْأَمر أَنه وَقع الصُّلْح بَينه وَبَين الأتراك على أَن تثبت يَده على مَا قد استولى عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَهُوَ غَالب الْجبَال وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك حَتَّى مَاتَ ﵀ فَأخْرج الأتراك من جَمِيع الأقطار اليمنية أَوْلَاده وصفت لَهُم الديار اليمنية وَلم يبْق لَهُم فِيهَا مُنَازع وَصَارَت الدولة القاسمية في الديار اليمنية ثَابِتَة الأساس إِلَى عصرنا هَذَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَلِهَذَا الإِمَام كرامات قد اشْتَمَلت عَلَيْهَا المطولات وجهادات لَا يَتَّسِع لَهَا إلا مجلدات وإقدامات يحجم عَنْهَا الْأَبْطَال وَله في إنكار الْمُنْكَرَات قبل دَعوته يَد طولى
فَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ صَاحب نسمَة السحر قَالَ أخبرني شَيْخي الزَّاهِد الصُّوفِي الْحسن بن الْحُسَيْن حفيد صَاحب التَّرْجَمَة أنّ صوفياً بِصَنْعَاء كَانَ شَدِيد الخلاعة وَكَانَ يَأْكُل الْحَشِيش أكل الْحمار ويستبيح الْمُحرمَات عَامَّة فكمن لَهُ الإِمَام الْقَاسِم فِي بعض الْأَزِقَّة كمون الأفعوان حَتَّى إِذا مر ضربه بعمود فَأخْرج دماغه من بَين الآذان ثمَّ خرج من الْمَدِينَة خايفاً يترقب انْتهى
وَكَانَ لَهُ قُوَّة عَظِيمَة وَهُوَ ربعَة معتدل الْقَامَة إِلَى السمن أقرب
وَاسع الْجَبْهَة عَظِيم
стр. 568
الْعنين أشم الْأنف طَوِيل اللِّحْيَة عظيمها عبل الذراعين أشعرهما فصيح الْعبارَة سريع الاستحضار للأدلة كثير الْحلم يصبر على المكاره ويتحمل العظائم وَلَا تفزعه القعاقع وَلَا تحركه إلا هول العظايم كَانَ يقدم على الجيوش الَّتِى هي أُلُوف مؤلفة وَهُوَ في نفر يسير وَلِهَذَا كَانَت لَهُ الْعَاقِبَة وقهر الْأَعْدَاء وأزال ملك الدولة الْعَظِيمَة ومهد لعقبة هَذِه الدولة الجليلة الَّتِى صَارَت من غرر الدهور ومحاسن العصور وَفِيهِمْ من هُوَ من أَئِمَّة الْعلم المصنفين وَمن أَئِمَّة الْجِهَاد المثاغرين وَمن الشُّعَرَاء المجيدين وَمن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن الفرسان المعتبرين وَمن الشجعان الفائقين
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْكتاب على تراجم جمَاعَة من أعيانهم هم طراز هَذِه التراجم وتاجها وَله نظم في المواعظ والعلوم والزجر والتهديد فَمن ذَلِك
(يَاذَا المريد لنَفسِهِ تثبيتاً ... ولدينه عِنْد الْإِلَه ثبوتا)
(أسلك طَريقَة آل أَحْمد واسألن ... سفن النجا إن يسْأَلُوا ياقوتا)
(لَا تعدلن بآل أَحْمد غَيرهم ... وَهل الْحَصَى يشاكل الياقوتا)
وَله قصيدة يرد بهَا على السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الإِمَام شرف الدَّين مَشْهُورَة وَله إِلَى السَّيِّد عبد الله بن علي المؤيدي وَقت أن دَعَا إِلَى نَفسه ورام معارضته
(إن كنت تبغي هدم دين مُحَمَّد ... فَأَنا المريد أقيمه بداعايم)
(أَو كنت تخبط في غيابه بَاطِل ... فَأَنا المزيل ظلامها بعزائم)
(لَوْلَا اشتغالي بالحروب وَأَهْلهَا ... لوجدت نَفسك لقْمَة للاقم)
وَكَانَ وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثانى عشر من ربيع الأول سنة ١٠٢٩ تسع وَعشْرين وَألف بشهارة بعلة البرسام وَتَوَلَّى بعده الْخلَافَة وَلَده الإِمَام
стр. 569
الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم وسيأتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى
الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن يُوسُف البرزالي علم الدَّين بن بهاء الدَّين الدمشقي الْحَافِظ
ولد في جُمَادَى الأولى سنة ٦٦٥ خمس وَسِتِّينَ وست مائَة وَأَجَازَ لَهُ ابْن عبد الدَّائِم وَابْن عَلان وَغَيرهمَا ثمَّ أمعن فِي الطلب وَدَار على الشُّيُوخ ورحل إِلَى حلب وبعلبك ومصر والحرمين وَغَيرهمَا وَأخذ عَن حفاظ هَذِه الْجِهَات وَخرج لنَفسِهِ أَرْبَعِينَ بلدية وَكَانَ ابْن تَيْمِية يَقُول نقد البرزالي نقرفى حجر
وَولى تدريس الحَدِيث بمواضع وَألف تَارِيخا بَدَأَ فِيهِ من عَام مولده وهي السنة الَّتِى مَاتَ فِيهَا أبوشامة فَجعله ذيلاً على تَارِيخ أَبى شامة وَجمع لنَفسِهِ ثبتاً في بضع وَعشْرين مجلداً
قَالَ الذهبي إنه كَانَ رَأْسا في صدق اللهجة وَالْأَمَانَة صَاحب سنة وَاتِّبَاع وَلُزُوم للفرائض وَأثْنى عَلَيْهِ كثيراً حَتَّى قَالَ وَهُوَ الذي حبّب إِلَى طلب الحَدِيث فَإِنَّهُ رأى خطي فَقَالَ خطك يشبه خط الْمُحدثين فاثّر قَوْله فيّ وَسمعت مِنْهُ وتخرجت بِهِ
قَالَ الصفدي كَانَ يصحب الْخَصْمَيْنِ وكل مِنْهُمَا رَاض لصحبته واثق بِهِ حَتَّى كَانَ كل وَاحِد من ابْن تَيْمِية وَابْن الزملكاني يذيع سره في الآخر إِلَيْهِ وثوقاً بِهِ وسعى في صَلَاح ذَات بَينهمَا ومدحه الذهبي فَقَالَ
(إن رمت تفتيش الخزائن كلهَا ... وَظُهُور أَجزَاء بَدَت وعوالي)
(وتفوق أَشْيَاخ الْوُجُود ومارووا ... طالع أَو اسْمَع مُعْجم البرزالي)
وَتوفى ذَاهِبًا إِلَى مَكَّة غَرِيبا في رَابِع ذي الْحجَّة سنة ٧٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
стр. 570
السَّيِّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الله الكبسنى
ولد سنة ١١٢١ إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة وَألف ثمَّ طلب الْعلم فَقَرَأَ على مَشَايِخ مَدِينَة صنعاء وبرع في الْعُلُوم ولاسيما علم الحَدِيث فَإِنَّهُ صَار فِيهِ إماماً كَبِيرا وَأخذ عَنهُ النَّاس في صنعاء طبقَة بعد طبقَة وانتفعوا بِهِ وَكَانَ يتَوَلَّى في بعض الْأَوْقَات فَتَوَلّى وقف ثلا وبقى هُنَالك أَيَّامًا وَعَاد إِلَى صنعاء وَاسْتمرّ على نشر الْعلم وَطَالَ عمره وَضعف عَن الْحَرَكَة في آخر عمره وَهُوَ شيخ شُيُوخنَا وَلَو سَمِعت مِنْهُ لَكَانَ ذَلِك مُمكنا وَله رسائل وأجوبة مفيدة مَوْجُودَة وَمَات سنة ١٢٠١ إحدى وَمِائَتَيْنِ وَألف
السَّيِّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن صَلَاح الْمَعْرُوف بالأمير
ابْن الْعَلامَة الْكَبِير الْبَدْر الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى مولده سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعد الْمِائَة وَالْألف في سادس وَعشْرين شهر ربيع الأول مِنْهَا بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا فَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من الْعلمَاء كأخيه السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد والعلامة لطف الباري بن أَحْمد الْورْد
والعلامة علي بن هادي عرهب ولازم الثَّالِث وَأخذ عَنهُ في فنون عدَّة وانتفع بِهِ انتفاعاً تَاما وَهُوَ الْآن مكب على الْأَخْذ عَنهُ وَقد اسْتَقر هُوَ وَشَيْخه الْمَذْكُور فِي الرَّوْضَة وَله ذهن دَقِيق وفكر عميق وَفهم صَحِيح وفطنة زَائِدَة وَقد برع فى عُلُوم الِاجْتِهَاد وَعمل بالأدلة وَله صَلَاح تَامّ وهدي حسن وَعبادَة وزهادة واشتغال بِخَاصَّة النَّفس ومحبة للخمول واستكثار من الطَّاعَة وَالْحَاصِل أَنه من حَسَنَات الزَّمن في جَمِيع خصاله وَهُوَ الْآن حي مكب
стр. 571
على الِاشْتِغَال لَا برح فى حماية ذي الْجلَال
الْقَاسِم بن يحيى الخولاني
ثمَّ الصنعاني شَيخنَا الْعَلامَة الْأَكْبَر ولد في شهر رَمَضَان سنة ١١٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر علمائها مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَشَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي والخطيب الْعَلامَة لطف الباري بن أَحْمد الْورْد وَغير هَؤُلَاءِ وبرع في جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وانتفع بِهِ الطّلبَة في جَمِيع الْفُنُون وَأخذت عَنهُ في أَوَائِل الطلب ولازمته وانتفعت بِهِ فَقَرَأت عَلَيْهِ الكافية فِي النَّحْو وَشَرحهَا للسَّيِّد الْمُفْتى جَمِيعًا وَشَرحهَا للخبيصي جَمِيعًا وحواشيها وَشرح الرضى إِلَّا شيأ يَسِيرا من أواخره والشافية في الصّرْف وَشَرحهَا للشَّيْخ لطف الله جَمِيعًا والتهذيب للسعد فِي الْمنطق وَشَرحه للشيرازي جَمِيعًا وَشَرحه للبزدى جَمِيعًا وتلخيص الْمِفْتَاح وحاشيته للطف الله جَمِيعًا وفي الْأُصُول غَايَة السؤل وَشَرحهَا وحاشيتها إِلَّا فوتا يَسِيرا والرسالة العضدية فى آدَاب الْبَحْث وَشَرحهَا لملا حنفى وَمَا عَلَيْهَا من الحواشى وفى علم الِاصْطِلَاح النخبة لِابْنِ حجر وَشَرحهَا لَهُ جَمِيعًا وفي شُرُوح الحَدِيث بعض شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد ولعلى سَمِعت مِنْهُ غير مَا تقدم وَكَانَ ﵀ يطارحني فِي الْبَحْث مطارحة المستفيد تواضعاً مِنْهُ ثمَّ ترافقنا في الطلب على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وعَلى شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَجَرت بيني وَبَينه مباحثات في مسَائِل
стр. 572
يشْتَمل عَلَيْهَا رسائل وَلم تَرَ عَيْنَايَ مثله فِي التَّوَاضُع وَعدم التلفت إِلَى مناصب الدُّنْيَا مَعَ قلَّة ذَات يَده وَكَثْرَة مكارمه وَله فِي الزّهْد طَريقَة لَا يلْحقهُ فِيهَا غَيره بِحَيْثُ كَانَ يكْتَفى بِمَا يحصل لَهُ من أُجْرَة تِلَاوَة الْقُرْآن وَمَا يحصل لَهُ من أُجْرَة مَا ينسخه بِخَطِّهِ الْحسن وَله من قُوَّة الْفَهم وَسُرْعَة الْإِدْرَاك وَحل الدقائق مَا يبهر من عرفه وَلَو طَال عمره وَأَقْبل عليّ التصنيف لجاء بالعجاب وَمَات ﵀ فِي الْيَوْم الثاني من شهر شَوَّال سنة ١٢٠٩ تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف
السُّلْطَان قانصوه سُلْطَان مصر
كَانَ فى أَوَائِل الْأَمر أحد مماليك السُّلْطَان قايتباي وَكَانَ أميالا يعرف شيأ لِأَنَّهُ جلب من بِلَاده وَهُوَ كَبِير قد شرع فِيهِ الشيب وَصَارَ السُّلْطَان
стр. 573
قايتباي يرقيه لكَونه أَخا لزوجته وهي الَّتِى بذلت الْأَمْوَال للجند ومكنته من الخزائن حَتَّى ملكوه بعد السُّلْطَان قايتباي فاستمر سُلْطَانا سنة وَسَبْعَة أشهر ثمَّ خلعوه وَكَانَ قد تلقب بالأشرف وأخرجوه من المملكة سنة ٩٠٥ وَولى بعده أميران وَلم يثبت قدمهما في السلطنة ثمَّ أجمع الأجناد على تَوْلِيَة السُّلْطَان قانصوه الغوري وَهُوَ غير الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَ من أَصْغَر الْأُمَرَاء وأحقرهم وَلَكِن الْأُمَرَاء الْكِبَار تحاموا الْأَقْدَام على السلطنة خوفًا من بَعضهم الْبَعْض فَوَلوا هَذَا فَقبل بعد أَن شَرط عَلَيْهِم أَنهم لَا يقتلونه إِذا أَرَادوا خلعه فقبلوا مِنْهُ ذَلِك فولي السلطنة في سنة ٩٠٦ وَكَانَ عَظِيم الدهاء قوي التَّدْبِير فَثَبت قدمه في السلطنة ثباتاً عَظِيما وَمَا زَالَ يقتل أكَابِر الْأُمَرَاء حَتَّى أفناهم وصفت لَهُ المملكة وَلم يبْق لَهُ فِيهَا مُنَازع وَلكنه مَال إِلَى الظُّلم والعسف وانتهب أَمْوَال النَّاس وانقطعت بِسَبَبِهِ الْمَوَارِيث فَضَجَّ أهل مصر وَمن تَحت طَاعَته من أَخذه لأموالهم فَسلط الله عَلَيْهِ السُّلْطَان سليم سُلْطَان الروم فَإِنَّهُ غزاه إِلَى دياره وَوَقع بَينهمَا مصَاف فَقتل صَاحب التَّرْجَمَة تَحت سنابك الْخَيل وَاسْتولى السُّلْطَان سليم على مملكة مصر وَالشَّام وَصَارَت إِلَى أَوْلَاده من بعده إِلَى الْآن وَكَانَ ذَلِك في سنة ٩٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة
السُّلْطَان قايتباي الجركسي المحمودي الأشرفي ثمَّ الظَّاهِرِيّ ملك الديار المصرية
ولد تَقْرِيبًا في بضع وَعشْرين وثمان مائَة وَقدم بِهِ تَاجر يُقَال لَهُ مَحْمُود إِلَى ديار مصر في سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف برسباى ثمَّ ملكه الظَّاهِر جقمق ثمَّ ترقى في الخدم حَتَّى صَار أَمِير عشرَة
стр. 574
ثمَّ أَمِير طبلخانة ثمَّ صَار أتابكاً ثمَّ صَار سُلْطَانا فى يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث رَجَب سنة ٨٧٢ وَثَبت قدمه فِي السلطنة وتمكنت هيبته وَصَارَ مُقبلا على أَفعَال الْخَيْر مقربا للْعُلَمَاء والصلحاء محبا للْفُقَرَاء كثير الْعدْل كثير الْعِبَادَة مائلاً إِلَى الْعلم كُلية الْميل عفيفاً عَن شهوات الْمُلُوك حَسَنَة من حَسَنَات الدَّهْر لم يكن لَهُ نَظِير في مُلُوك الجراكسة وَلَا فِيمَن قبلهم من مُلُوك الأتراك وَحج في أَيَّام سلطنته وَفعل من المحاسن مَا لم يَفْعَله غَيره وَأحسن إِلَى الْخَاص وَالْعَام
وَله عمارات في كثير من أَنْوَاع القربات وَقد طول السخاوي تَرْجَمته في الضَّوْء اللامع وَذكر كثيراً من محاسنه الَّتِى لَا يهتدى إِلَيْهَا غَيره من الْمُلُوك وَلكنه كدر صفوها فَجعل التَّرْجَمَة من أَولهَا إِلَى آخرهَا سجعاً بَارِدًا جداً وَلم يفعل ذَلِك في تَرْجَمَة غَيره وَالسَّبَب أَنه كَانَ معاصراً لَهُ وَقد تَرْجمهُ قطب الدَّين الحنفي فِي الْأَعْلَام تَرْجَمَة جَيِّدَة وفى سنة ٩٠١ أَرَادَ أَن يعْزل جمَاعَة من الْأُمَرَاء ويولى آخَرين وَكَانَ مَرِيضا إِذْ ذَاك وَأنْفق بِهَذَا السَّبَب نَحْو سِتّمائَة ألف دِينَار وَاسْتمرّ تَارَة يزِيد وعكه وَتارَة ينقص وَلكنه يظْهر الْجلد إِلَى أَن عجز وَزَاد توعكه بِحَيْثُ حجب النَّاس عَنهُ وَالْخلاف بَين سَائِر عساكره متزايد وَأعظم أمرائه قانصوه أَخُوهُ زَوجته وَهُوَ الذي صَار سُلْطَانا بعده كَمَا تقدم وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر ذي الْقعدَة سنة ٩٠١ وَاحِدَة وَتِسْعمِائَة
قرأ يُوسُف بن مُحَمَّد التركماني
كَانَ في أول أمره من التركمان الرحالة فتنقلت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى أن استولى بعد تيمورلنك على عراق الْعَرَب والعجم ثمَّ ملك تبريز وبغداد وماردين وأذربيجان ودياربكر وَمَا والاها واتسعت مَمْلَكَته حَتَّى كَانَ
стр. 575
يركب في أَرْبَعِينَ ألف نفس ثمَّ ملك الْموصل سنة ٧٩١ ثمَّ وَقع بَينه وَبَين مرز بن بكر بن مرز بن تيمور حَرْب فَقتله صَاحب التَّرْجَمَة في سنة ٨١٣ واستمد بِملك الْعرَاق وسلطن ابْنه مُحَمَّد شاه بِبَغْدَاد وَله وقايع مَعَ جمَاعَة من الْمُلُوك مِنْهُم شاه رخ بن تيمور وَكَانَ شَدِيد الظُّلم قاسي الْقلب لَا يتَمَسَّك بدين واشتهر عَنهُ أَنه كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَة وَكَانَ شجاعاً سفاكاً للدماء حَتَّى أنه غزا إِلَى بعض الْبلدَانِ فدمر أَهلهَا قتلاً وسبياً وَبيع الصبى بِدِرْهَمَيْنِ وَمَات فِي ذى الْقعدَة سنة ٨٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وثمان مائَة
قطب الدَّين بن عَلَاء الدَّين النهرواني ثمَّ المكي الحنفي
الْعَالم الْكَبِير أحد المدرسين بِالْحرم الشريف في الْفِقْه وَالتَّفْسِير والأصلين وَسَائِر الْعُلُوم وَكَانَ يكْتب الْإِنْشَاء لأشراف مَكَّة وَله فصاحة عَظِيمَة يعرف ذَلِك من اطلع على مُؤَلفه الَّذِي سَمَّاهُ الْبَرْق اليماني فى الْفَتْح العثمانى
وَهُوَ مؤلف الْإِعْلَام في أَخْبَار بَيت الله الْحَرَام وَكَانَ عَظِيم الجاه عِنْد الأتراك لَا يحج أحد من كبرائهم إلا وَهُوَ الذي يطوف بِهِ وَلَا يرتضون بِغَيْرِهِ وَكَانُوا يعطونه الْعَطاء الْوَاسِع وَكَانَ يشترى بِمَا يحصله مِنْهُم نفائس الْكتب ويبذلها لمن يحتاجها وَاجْتمعَ عِنْده مِنْهَا مالم يجْتَمع عِنْد غَيره وَكَانَ كثير التنزهات فِي الْبَسَاتِين وَكَثِيرًا مَا يخرج إِلَى الطَّائِف ويستصحب مَعَه جمَاعَة من الْعلمَاء والأدباء وَيقوم بكفاية الْجَمِيع وَمَات سنة ٩٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة هَكَذَا أرخ مَوته الضمدي في ذيل الغربال وَقَالَ العصامي في تَارِيخه أنه توفي في يَوْم السبت السَّادِس وَالْعِشْرين
стр. 576
من ربيع الثاني سنة ٩٩٠ تِسْعمائَة وَتِسْعين قَالَ وأرخ بَعضهم مَوته فَقَالَ قد مَاتَ قطب الدَّين أجل عُلَمَاء مَكَّة ثمَّ قَالَ وَهُوَ يزِيد على تَارِيخ مَوته بِوَاحِد
حرف الْكَاف
كتبغا المغلي المنصوري
أسر من عَسْكَر هلاكو ملك التتار سنة ٦٥٨ وَكَانَ أسمر قَصِيرا صَغِير الْوَجْه وتنقلت بِهِ الْأَحْوَال وَعظم في دولة الْملك الْمَنْصُور ثمَّ ازْدَادَ فى دولة الْأَشْرَف ثمَّ ولي النِّيَابَة فِي أَيَّام النَّاصِر وَغلب على أُمُور المملكة ثمَّ اسْتَقل بالسلطنة ولقب الْعَادِل وَذَلِكَ في حادي عشر الْمحرم سنة ٦٩٤ وَتوجه إِلَى حمص ثمَّ توجه إِلَى مصر فَوَثَبَ عَلَيْهِ جمَاعَة من أمرائه وأسروه وسجنوه بقلعة صرخد ثمَّ لما عَاد النَّاصِر إِلَى السلطنة جعله نَائِبا بحماء وَكَانَ قَلِيل الشَّرّ يُؤثر أُمُور الدّيانَة شجاعاً مقداماً سليم الْبَاطِن عادلاً فِي الرعية وَوَقع في سلطنته غلاء عَظِيم بِمصْر إِلَى أَن بلغ سعر الأردب مائَة وَتِسْعين درهماً ثمَّ وَقع بِالْقَاهِرَةِ وباء عَظِيم حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم وَاحِد مِمَّن ضبط ميراثهم في ديوَان بَيت المَال سَبْعَة آلَاف نفس فضلاً عَن غَيرهم فَفرق صَاحب التَّرْجَمَة الْفُقَرَاء على الْأُمَرَاء وَلَوْلَا أَنه فعل كَذَلِك مَاتُوا جَمِيعًا وَمَات فى يَوْم النَّحْر سنة ٧٠٢ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة
стр. 577
حرف اللَّام
لطف الْبَارِي بن أَحْمد بن عبد الْقَادِر الْورْد الثلائى
ثمَّ الصنعاني خطيب صنعاء وَاحِد مشاهير علمائها نَشأ بثلا وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَهلهَا ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء وَأخذ عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وَأكْثر من مُلَازمَة السَّيِّد الْعَلامَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد الكبسي وَبِه انْتفع وَأخذ عَن القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وبرع في جَمِيع الْعُلُوم لَا سِيمَا علم الحَدِيث وَالتَّفْسِير فإنه فيهمَا من المبرزين وَبعد ارتحاله إِلَى صنعاء جعله الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحسن خَطِيبًا بِجَامِع صنعاء فاستمر على ذَلِك حَتَّى مَاتَ الإِمَام المهدي ثمَّ اسْتمرّ فِي خلَافَة الإِمَام مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه خفظه الله إِلَى أَن مَاتَ في يَوْم السبت سادس شعْبَان سنة ١٢١١ إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف فأقام مَوْلَانَا في الخطابة ابْن صَاحب التَّرْجَمَة الْعَلامَة الْخَطِيب المصقع أَحْمد بن لطف الْبَارِي كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة متفرداً فِي أُمُور مِنْهَا الْوَرع الشحيح والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس والإقبال على الْعِبَادَة والاستكثار من الطَّاعَة وَحسن الْخلق والتواضع والبشاش والانجماع عَن النَّاس إِلَّا فِيمَا لَا بُد مِنْهُ وَحفظ اللِّسَان عَن الهفوات والكبوات لاسيما بِمَا فِيهِ تبعه كالغيبة والنميمة فَإِنَّهُ لَا يحفظ عَنهُ فى ذَلِك شئ بل لَا ينْطق لِسَانه إلا بِذكر الله والتذكير أَو بإملاء تَفْسِير كتاب الله وَأَحَادِيث رَسُول الله وَلَيْسَ لَهُ الْتِفَات إِلَى شَيْء من أَحْوَال بني الدُّنْيَا وَلم يكن لَهُ شغل بسوى أَعمال الْآخِرَة ولوعظه في الْقُلُوب وَقع ولكلامه في النُّفُوس تَأْثِير مَعَ فصاحة زايدة وَحسن سمت ورجاحة عقل وجمال هَيْئَة وَنور شيبَة وملاحة
стр. 578
شكل وَكَمَال خلقَة وَالْحَاصِل أَنه من محَاسِن الدَّهْر وَلم يخلف بعده مثله في مَجْمُوعه وَله أتم عناية وأكمل رَغْبَة بِالْعَمَلِ بِمَا جَاءَت بِهِ السنة والمشي على نمط السلف الصَّالح وَعدم التَّقْلِيد بالرأي وَله في حسن التَّعْلِيم مَسْلَك حسن لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كشيخنا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَولده الْعَلامَة أَحْمد بن لطف الباري وَغير هَؤُلَاءِ من عُلَمَاء الْعَصْر وَأَنا سَمِعت مجَالِس تَفْسِيره الْقُرْآن ومواقف املائه للْحَدِيث وَلَكِن كَانَ ذَلِك حضوراً فَقَط وَكَانَ يبْذل نَفسه في قَضَاء حوائج من يَسْتَعِين بِهِ ويبالغ فِي ذَلِك وَلم يتْرك طَرِيقا من طرق الْخَيْر إلا سلكها وفَاق فِيهَا
ووالد صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ من أكَابِر الْعلمَاء أَخذ عَن جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم الْمُحدث الْكَبِير عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي الْمُتَقَدّم ذكره والمحقق الْعَلامَة صَالح بن مهدي المقبلي وَكَانَ يحيى اللَّيْل بدرس كتاب الله وَإِذا غَلبه النوم نَام مُتكئا قَلِيلا ثمَّ يعود للتلاوة وَحصل بِخَطِّهِ كتبا فِي عدَّة فنون وَكَانَ يخْطب بِمَدِينَة ثلا وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى
لطف الله بن أَحْمد بن لطف الله بن أَحْمد بن لطف الله بن أَحْمد جحاف
الصنعاني المولد وَالدَّار والمنشأ
ولد نصف شعْبَان سنة ١١٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد علي بن إِبْرَاهِيم بن عَامر وَالسَّيِّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وَشَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم ابْن عبد الْقَادِر وَغير هَؤُلَاءِ من أَعْيَان الْعلمَاء ولازمني دهرا طَويلا فَقَرَأَ
стр. 579
علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وبرع في هَذِه المعارف كلهَا وَصَارَ من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر وَهُوَ في سن الشَّبَاب ودرس في فنون وصنف رسائل أفرد فِيهَا مسَائِل ونظم الشّعْر الْحسن وغالبه في أَعلَى طَبَقَات البلاغة وباحث كثيرا من عُلَمَاء الْعَصْر بمباحث مفيدة يكْتب فِيهَا مَا ظهر لَهُ ثمَّ يعرضهَا على مشايخه أَو بَعضهم ويعترض مَا فِيهِ اعْتِرَاض من الْأَجْوِبَة وَقد كتب إِلَى من ذَلِك بِكَثِير بِحَيْثُ لَو جمع هُوَ وَمَا أكتبه عَلَيْهِ من الجوابات لَكَانَ مجلدا وَلَعَلَّ غَالب ذَلِك مَحْفُوظ لَدَيْهِ وعندي مِنْهُ الْقَلِيل
وَهُوَ قوي الْإِدْرَاك جيد الْفَهم حسن الْحِفْظ مليح الْعبارَة فصيح اللَّفْظ بليغ النظم والنثر ينظم القصيدة الطَّوِيلَة فِي أسْرع وَقت بِلَا تَعب وَيكْتب النثر الْحسن والسجع الْفَائِق بِلَا تروي وَلَا تفكر وَهُوَ طَوِيل النَّفس ممتع الحَدِيث كثير المحفوظات الأدبية لَا يتلعثم وَلَا يتَرَدَّد فِيمَا يسرده من الْقَصَص الحسان وَلَا يَنْقَطِع كَلَامه بل يخرج من الشئ إِلَى مَا يُشبههُ ثمَّ كَذَلِك حَتَّى ينقضي الْمجْلس وَإِن طَال وَله ملكة في المباحث الدقيقة مَعَ سَعَة صدر إِذا رام من يباحثه أَن يقطعهُ فِي بحث لم يَنْقَطِع بل يخرج من فن إِلَى فن وَإِذا لَاحَ لَهُ الصَّوَاب انْقَادَ لَهُ وَفِيه سَلامَة صدر زايدة بِحَيْثُ لَا يكَاد يحقد على من أغضبهُ وَلَا يتأثر لما يتأثر غَيره بِدُونِهِ وَهُوَ الْآن من محَاسِن الْعَصْر وَله إقبال على الطَّاعَة وتلاوة الْقُرْآن بِصَوْتِهِ المطرب وَفِيه محبَّة للحق لَا يبالي بِمَا كَانَ دَلِيله ضَعِيفا وَإِن قَالَ بِهِ من قَالَ ويتقيد بِالدَّلِيلِ الصَّحِيح وَإِن خَالفه من خَالف وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي في صَحِيح البخاري وفي شرحي للمنتقى وَقد سمع مني غير هَذَا من مؤلفاتي وَغَيرهَا وَقد اخْتصَّ بالوزير الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش وَصَارَ
стр. 580
لَدَيْهِ بِمَنْزِلَة وَلَده لَا يُفَارِقهُ في غَالب الْأَوْقَات وتستمر المباحثة بَينهمَا في عدَّة فنون وَإِذا طَال بَينهمَا الْخلاف أشركاني فِي الْبَحْث وأرسلا إِلَى بِمَا تحصل من ذَلِك فَاكْتُبْ مَا يظْهر وأرجعه إِلَيْهِمَا وَلم يكن في طلبة الْعلم الْآن من لَهُ في الرَّغْبَة فى المذاكرة على الِاسْتِمْرَار مالصاحب التَّرْجَمَة وَقد طارحني بقصايد فرايد كتبتها فِي مَجْمُوع شعري وَمِمَّا لم أكتبه هُنَالك مَا كتبه إِلَى في الْأُسْبُوع الذي حررت فِيهِ هَذِه التراجم وَهُوَ قصيدتان القصيدة الأولى هَذِه
(إِلَى مُنْتَهى السؤل الذي بحياته ... يقوم على سَاق المناضلة الْمجد)
(إِلَى دولة الْعلم الذى حام حولهَا التقى ... وانثنى عَن سوحها الْكفْر والجحد)
(إِلَى حَيْثُمَا قَامَ الفخار وحيثما استقام الْعلَا ... حَيْثُ انْتهى حَيْثُمَا يَبْدُو)
(إِلَى حَيْثُمَا النَّقْع اسْتَدَارَ وحيثما البواتر ... حَيْثُ اشتدت الضمر الجرد)
(إِلَى حَيْثُمَا خط العلافى صحايف ... المحاسن آثارا بهَا يزدْ هى العَبْد)
(إِلَى مُنْتَهى أُمْنِية حَيْثُ تبتدى المنايا ... الَّتِى إن قَامَ ذُو غيلَة تعدو)
(إِلَى رَوْضَة غنا إِلَى ربوة بهَا ... معِين بِهِ تربو الفوايد والرفد)
(إِلَى بَحر علم عَن نداه تدفقت ... جداول تَحْقِيق بهَا استعذب الْورْد)
(فَتى ماربى إِلَّا بِحجر التقى وَلَا ... نشا فَاضلا إلا وسيمته الزّهْد)
(جرى في ميادين الْفَضَائِل ساحبا ... ذيول الرضى لمادهى غَيره الحقد)
(وأرضعه ثدى الفصاحة من لبانه ... فَرَأى حَقًا على الْكبر المهد)
(إِذا اقتطفت أثمار تَحْقِيق علمه ... أنامل فكري أسعف الْحل وَالْعقد)
(وَإِن غردت في رَوْضَة الحكم نشوة ... بلابله هزت معاطفها الملد)
(وَبَين يَدَيْهِ الشّعْر مد بصائغ القوافى ... وَمَا فِي طيها ربطة جرد)
(وحاك لَهُ المنثور مَا بطرازه ... تبختر بشار وَقَالَ أَبى برد)
стр. 581
(وَمَا اتجرت أقلامه غير معجز ... ينمق فى تَحْقِيقه الْجَوْهَر الْفَرد)
(وَلما نشا فى النَّاس فذ أَتَيْته ... فصافح إذ وافيته بَيْننَا الود)
(وشاهدت إنساناً بِخلق مُحَمَّد ... تخلق فاستيقنته أَنه الرشد)
(وَحين استمالتني الليالي بحكمها ... رجعت وَقَامَ الشوق من طرب يعدو)
(وناديت أى نفسى انتباها فَإِنَّمَا ... الليالى بِعُذْر للمنعم تَعْتَد)
(وفى شَيخنَا الْبَدْر الْمُنِير مُحَمَّد ... لرفعة قدري أُسْوَة دونهَا الْقَصْد)
(هُوَ الْبر وَالْبَحْر الذي علم صَدره ... يفِيض على الطلاب إن جزر الْمَدّ)
(ومعتقدي في النَّاس أن وداده ... من الْقرب اللاتي ينَال بهَا الْحَمد)
(إليك نظاما وجهته قريحة ... بمرهفها الْبيض السلاهب تنقد)
فأجبت بِهَذِهِ الأبيات
(أَتَى مِنْك يَا فَخر الأوان وزينة الزَّمَان ... نظام دونه الْجَوْهَر الْفَرد)
(كَمَا الدر لَا بل كالدراري بل غَدا ... كبدر السما لَا بل هُوَ الشَّمْس إذ تبدو)
(وماذا عَسى من لم يكن رب نصفةٍ ... يَقُول وَهل في مثل ذَا يحسن الْجحْد)
(وَهل ضر شمس الْأُفق وهي منيرة ... إِذا ضعفت عَن نورها الْأَعْين الرمد)
(وماذا على الْبَحْر الخضم لَدَى الورى ... إِذا بَال في إحدى جوانبه القرد)
(وماعيب بَيْضَاء الترائب في الدنى ... إِذا عافها ذُو عفة مَاله جهد)
(وَمن قَالَ هَذَا الشهد مر فَقل لَهُ ... مرَارَة فِيك المرمر بهَا الشهد)
(وَإِن قَالَ هَذَا السَّيْف لَيْسَ بقاطع ... فَقل حَده مَا بَيْننَا الْفَصْل وَالْحَد)
(مَنَاقِب لطف الله جلت فَمن غَدا ... يُرَدِّدهَا جهلا بهَا بَطل الرَّد)
(فَتى قد رقى فِي مدرج الْعِزّ وارتدى ... بِثَوْب الْهدى وانقاد طَوْعًا لَهُ الْمجد)
(وسؤدده في كل بَاب من العلى ... برغم أعاديه هوالسؤدد الْعد)
стр. 582
وَهَذِه القصيدة الثَّانِيَة الْمشَار إِلَيْهَا سَابِقًا وَقد أَشَارَ فِي الْأَرْبَعَة الأبيات الَّتِى في آخرهَا إِلَى الْوَزير الْمُتَقَدّم ذكره وَكتب قبلهَا نثراً من نثره الذي يعرف بِهِ صدق مَا أسلفناه فَقَالَ
الْحَمد لله بِرَفْع الْقَلَم إِلَى مسامع عَاقد ألوية الهمم سُلْطَان عُلَمَاء الْإِسْلَام من الْعَرَب والعجم
كعبة الْفضل المرتفعة الْمقَام حَافظ الْعَصْر بالإطباق من أهل الْحل والإبرام
من تَضَمَّنت بطُون الدفاتر محامده فَللَّه ذَلِك التضمن والالتزام
وَجرى قلمه بروايع البدايع فأعيا من لَهُ بالنظم إلمام المحيي من ربوع الْمدَارِس كل مهند داثر دارس
السَّابِق في حلبة ميدان الْفَضَائِل المرتدي برد التبجيل وشملة محَاسِن الشَّمَائِل رَيْحَانَة فضلاء الْيمن سلوة المتحلي بِعقد الْفَرَائِض وَالسّنَن
سَلاما يعبق بِطيبَة نسمَة الصِّبَا وَيُعِيد لَفظه إِلَى الأجسان نشاط زمن الصِّبَا
ثمَّ ذكر بعد هَذَا التصدير القصيدة وهي
(لأغالبن الشوق فِيمَا أبرما ... ولاطفين من الجوى مَا أضرما)
(ولأ شغلن الْقلب عِنْد تذكر الْبيض ... الحسان وَإِن أَبى وتأثما)
(فَلَقَد سقاني اللَّهْو من خمر الْهوى ... قدحا وعدت إِلَى الْهدى مستعصما)
(من بعد أَن قد كنت أنهى عَن مجانية ... السلاف وَلَا أطيع اللوما)
(وأحرض الصاحي فَلَا اثم وَلَا ... جنف وأزجر بالخنا من حرما)
(ثمَّ انثنيت وَقد قضيت مآربا ... ورجوت رَبًّا بِالرِّضَا أَن يختما)
(وَإِلَى مقَام الْعِزّ قدت نجيبة ... فِي الدو دون هواي تحْتَمل الظما)
(تجرى فتتبعها ريَاح ذَات اعصار ... فَلَا يلفى براكبه السما)
(لم تدر مَا تسْعَى إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ... رجل تخولها الرِّضَا والأنعما)
стр. 583
(حَتَّى أظل الرحل مِنْهَا مقصد ... تجب الْحُقُوق بِهِ فتنسى المغرما)
(ومليحة كشفت خمارا تَحْتَهُ ... قمر تقود بِهِ السوَاد الأعظما)
(وأحالت اللبات عَن كافورتي ... نهد يشاكل في الْبيَاض المعصما)
(ولوت على ذي عفة كلف بهَا ... جيدا تزان بِمثلِهِ الْبيض الدما)
(ونأت مزارا واستطابت موردا ... من دونه الْورْد الدلهمس حمحما)
(مرموزة بَيْضَاء يمْنَعهَا الحيا ... بكليم ذي شغف بهَا قد أكلما)
(تدعى بسافرة الجبين نتيجة الْفِتَن ... المثيرة في الْمَكْر المقتما)
(لَيست لمن بذل النفيسة كَفه ... بمجيبة حَتَّى يَذُوق العلقما)
(لَو نازلت باللحظ أَشْرَس فتية ... لثنى الركاب أَصمّ سمع أبكما)
(وعدت بوصل عميدها وَتَخَلَّفت ... فأذاع في الْمَلأ الْهوى متظلما)
(وَأَبَان معذرة وَجَاء محجة ... وَإِلَى الَّتِى وعدته آب مكلما)
(لَو كَانَ برد الْوَصْل أثر حرارة ... الْأَعْرَاض كَانَ علي أَن تتكتما)
(وَيَقُول مثلي يضْرب الْأَمْثَال فِي ... أَمر يعود إِلَى الْمُعتقَة اللما)
(لَا يَحسبن أَخا الْهوى يسلو وَإِن ... أصغى إِلَى عذاله متندما)
(فالصب يستمع العذول وَقَلبه ... لمقال ذي عذل أبى أَن يفهما)
(والمرء لَيْسَ لمن إِلَيْهِ أتى سوى ... الْأُذُنَيْنِ يلقف بِالْقبُولِ المؤلما)
(ولرب ملفوظ يُقَال وَلَا مساغ ... لَهُ وقائله بحنث أقسما)
(وَلَقَد أَقُول لَهَا وقلبي خافق ... وَجل بِهِ مَا يذهل المتوسما)
(يامى هَل نفذت بجسم مثل بارقة ... الْعُيُون ظبا تشق الأعظما)
(فَأجَاب ناظرها سَأَلت عَن الذي ... فِي الجو يسفع بازه والقشعما)
(ويعفر الْأسد الهصور ويصفد السَّبع ... الغيور ويسترق الأعصما)
стр. 584
(وَعَن الَّذِي بالكف ينبو مرة ... وبضربة أُخْرَى يعود مِثْلَمَا)
(فَالْفرق مثل الْحَد بَينهمَا يُمَيّز ... بَين مشتبهين فِيمَا أبهما)
(فَوَقَعت بعد الْعلم هَذَا جَاهِلا ... لَا تعلمن من الْيَمين الاشأما)
(فثنت بحاجبها الْخطاب وَقد قضى ... بنباله لحشاي فِيمَا أسهما)
(قَالَت أَبَا لصبر اتزرت فَقلت من ... شيمي التصبر مَا حييت مُسلما)
(قَالَت فَفِيمَ ومم يجْرِي طافح ... من ماق جفنيك إِذا تدفق عِنْدَمَا)
(فأجبت فِيك ومنك حِين نأيت عَن ... وَطن بك استدعى السلو فخيما)
(قَالَت فَهَلا كنت مطرحا لما ... ألهاك عَن سنَن الْهِدَايَة مهرما)
(قلت الغرام لَهُ يَد لَوْلَا مجاهرتي ... بِهِ بك مَا دعيت المغرما)
(قَالَت فقد فرطت فاسمع طَائِعا ... إِن كنت ذارشد حَنِيفا مُسلما)
(ماقد مضى فبحكم لولم تذنبوا ... فَارْجِع هديت إِلَى الرشاد ميمما)
وازمم مطايا الاستفادة واقطع ... لأمتى مجدا جيلها والديلما)
(وأرحل إِلَى من لَاحَ في عنق الْعلَا ... بَدْرًا وأغنى المستميح المعدما)
(وَأنزل باعلاً ذرْوَة المنن الَّتِى ... فِيهَا معِين الْفضل يبري الأغتما)
(تلقى ابْن بجدتها الْكَرِيم الْعَالم ... المفضال خير فَتى إِلَى الْعليا سما)
(عز الْأَنَام الْمَاجِد الْبَدْر الذي ... تبع الأولى شهماً فَكَانَ الأقدما)
(وَحمى حمى الشَّرْع الشريف وخاض في ... مالم يخضه الأقدمون فتمما)
(حفظ الدقائق وَهُوَ يعلم أَنَّهَا ... لسواه من أقرانه لن تفهما)
(وَلَو أنها اتضحت لذي رشد لما ... عرف الصَّوَاب بهَا وَلَا كشف العما)
(أَتَرَى النسا ولدت نجيبياً مثله ... إن قلت قد ولدت كفرت المنعما)
(وَركبت متن الذَّنب لَا متخوفا ... من شُؤْم فاقرة تضاهي المأثما)
стр. 585
(وجنيت من شجر الأساند مَا وَمن ... حَيْثُ انبعاث الْكفْر حَيْثُ جهنما)
(وَعدلت عَن سنَن الْهدى وكتبت في ... صحف الْكِرَام بِلَا ارتياب مجرما)
(فَهُوَ الذي ظَفرت يَدَاهُ بطائل ... وأشاد ربعا قبل كَانَ تهدما)
(وَهدى إِلَى سنَن التقى وَأفَاد واستقصى ... المباحث واستفاد وعلما)
(وجلا ظلام دجى الجلاد بهيبة ... تدلى الرؤس على الصُّدُور ليحكما)
(فيدين شرعا كل أصيد أغلب ... وينغص الْأسد الهصور المطعما)
(ويجازم الإصدار رجح كِتَابه ... يجري على الْقدر النزيل من السما)
(قلم بأبكار المعارف مولع ... وَبِمَا يحج الْخصم أضحى مغرما)
(وَإِذا استمد لما يسوء ويتقي ... كسر القنى الخطى وفل المخذما)
(وبيوم بَأْس لَو تنَاول كَفه ... سَيْفا لأمر مَا لخاض بِهِ الدما)
(وبلفظ بدر لقبوه لِبَأْسِهِ ... بَدْرًا يجلي الْخطب إِن مَا أظلما)
(فَهُوَ الذي لم تلق إلا دافعا ... يَوْم الكتيبة بِالْكتاب الصيلما)
(وَلكُل منشٍ زلَّة ظَفرت بهَا ... الأعدا سواهُ وَلَا أحاشى أعلما)
(خرس إِذا كتبُوا أثاروا فتْنَة ... وَإِذا كتبت جعلت طرسك طلسما)
(وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ إِلَّا أَنه ... يأتي اتِّفَاقهم ولادَة آدما)
(وَالْفرق فى الآرا فَمن عان وَمن ... ذكر بِحسن الرأي أطفى المضرما)
(سلابٌ من ناواه أسهم حربه ... غلاب من ماراه فِيمَا أبرما)
(يجري على حق وَرب مفوقٍ ... جهلا لمهجته أراش الأسهما
(وَالْحق أن يخفيه قَول مكذب ... فالسمت عَن سر الْفَتى قد ترجما)
(وَلَعَلَّ ذَا حمق يَقُول مباهتا ... أغرقت في حسن الثنا متجشما)
(وَكَأن مَا نظمت يداك تمجه ... الأسماع فامدح إن أردْت الأكرما)
стр. 586
(فأجبت من يدعي بأكرم ضَاحِك ... وَمن الَّذِي يهدي بِهِ رب العما)
(وَمن الذي الْأَعْلَام بَين يَدَيْهِ في ... أَمر كَبِيرهمْ جثى متعلما)
(فَأجَاب بدر الدَّين لَكِن عاقه ... من بعد إنكار فسَاء اللوما)
(فتكلفوا للحق حَتَّى قَالَ ... أرشدهم أرى مَا قلت دينا قيما)
(وَلَو أَن في الدُّنْيَا أَخا رشد لما ... جهل الصَّوَاب وَقد انار مؤمما)
(لاغال قدرك صرف دهر واهتدى ... لمرادك الزَّمن العصي فالزما)
(وعَلى محياك التَّحِيَّات الَّتِى ... وَجَبت بلطف الله من باني السما)
(وَلها مشفعة تَحِيَّة جهبذ ... مِمَّن إِلَيْهِ الْفضل فِي الْخلق أنتما)
(حسن الفعال مَعَ اسْمه أزكى بني ... حَنش وَأهْدى من مَشى متلثما)
(الْعَالم الْبر الْكَرِيم الْمَاجِد ... النّدب الْمُصدق في الورى إن كلما)
(وَهُوَ الذي في راحتيه وَاصل بن ... عَطاء ادخر المحامد مغنما)
(لَا زلتما بدري سَمَاء إفادة ... وعليكما صلى الْإِلَه وسلما)
وَمن سهولة النظم عَلَيْهِ إني لما سَأَلته عَن مولده كتب إِلَى هَذَا الْبَيْت مُشْتَمِلًا على تَارِيخ السنة مَعَ ذكر الشَّهْر وَذكر اسْمه وَقَبله بَيت وهما
(قد قلت للبدر الذي ... غذى الورى إفادته)
(أرخ لطف الله في ... شعبانهم وِلَادَته) سنة ١١٨٩
وَله إِلَى قصائد فرائد مُشْتَمِلَة على فَوَائِد وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل مكب على المعارف العلمية ووالده من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَالدّين المتين والاشتغال بِالْعبَادَة والإقبال على الْعَمَل بالأدلة مَعَ اطِّلَاعه على الْأَخْبَار والأشعار وَحسن محاضرته وجودة بادرته
стр. 587
وفصاحة لِسَانه وَحسن فهمه وعقله وَحفظه الْكثير من الْأَحَادِيث ومذاكرته بهَا وَهُوَ يلازم مجَالِس تدريسي وَيقْرَأ علي في مثل البخاري وَغَيره ويحضر في غير ذَلِك حضورا وَيفهم ويتدبر ويستخرج بفكرته الصافية مَالا يَسْتَخْرِجهُ من هُوَ فَوْقه في الْعرْفَان وَله في علم الْمَوَاقِيت يَد طولى وَكَذَلِكَ فِي علم التَّارِيخ ويزاحم فِي حفظ أَحَادِيث الْأَحْكَام أكَابِر الْعلمَاء بل قد يحفظ مَالا يحفظون وَيفهم مَالا يفهمون وَهُوَ رجل سَاكن فَاضل منجمع يقتفي آثَار السلف ويهتدي بهديهم ويمشي على طريقتهم وَمَات ﵀ في سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
وَولده صَاحب التَّرْجَمَة صَار الْآن مُتَّصِلا بمولانا المتَوَكل على الله احْمَد بن الْمَنْصُور وَله عِنْده حَظّ وافر وَلكنهَا لَا تزَال تقع مِنْهُ سعايات إِلَيْهِ بأخبار النَّاس وَمَا يَقُولُونَهُ وَاسْتعْمل ذَلِك حَتَّى في أصدقائه وَأكْثر السّعَايَة إِلَيْهِ بِمن هُوَ أَكثر النَّاس إحسانا إِلَيْهِ وَهُوَ الْعَلامَة الْحسن بن علي حَنش وقرابته ونالتهم بِسَبَبِهِ مصائب عَظِيمَة حَتَّى أخرجُوا من بُيُوتهم وَهَكَذَا أَكثر السّعَايَة بغيرهم مِمَّن لَهُ عَلَيْهِ جميل وإحسان وَأظْهر الترفع والتعاظم على من كَانَ فِي حكم خَادِم من خُدَّامه يتشرف بالوصول إِلَيْهِ والمجالسة لَهُ وكشف قناع الْحيَاء وَكَاشف بالمكروه من يقدر على مكاشفته وَأكْثر التحرش والسعاية في السِّرّ بِمن لَا يقدر على مكاشفته وَكَانَ يثب على الْوَصَايَا والأوقاف فَيَأْخُذ أَكْثَرهَا لنَفسِهِ وَيحرم الضُّعَفَاء من مصارفها ويصول عَلَيْهِم باتصاله بِالْإِمَامِ فَصَارَ اتِّصَاله بِهِ من أعظم مَا يعده النَّاس من مثالب الإِمَام المتَوَكل ﵀ على كَثْرَة محاسنه ثمَّ صَار يتَكَلَّم في مسَائِل ويأتي فِيهَا بِمَا يضْحك مِنْهُ وَلَا مقصد لَهُ إلا بَان يُقَال أنه جَاءَ بِمَا لم يسْبق إِلَيْهِ مَعَ أَنه
стр. 588
يعلم بِحَقِيقَة الْحَال كَمَا قدمنَا لَك في صدر هَذِه التَّرْجَمَة من عنايته بِالطَّلَبِ وَحسن فهمه وَصَارَ ذَلِك مِنْهُ سَببا للاستهزاء بِهِ والتضاحك مِنْهُ وَهُوَ مصمم على ذَلِك كَقَوْلِه ان المشمس نجس يغسل مِنْهُ مَا وَقع فِي الثَّوْب وَالْبدن وخرافات كَثِيرَة يطول بسطها وَكنت أنصحه فَلَا ينتصح وَرُبمَا يخْطر ببالي أَنه قد أُصِيب في عقله ولكني أنظر إِلَى شدَّة مكره وعظيم سعاياته في النَّاس ومحبة إنزاله للمكروه بالمحسنين إِلَيْهِ على مسالك دقيقة لَا يهتدي إِلَيْهَا إلا من عظم فكره وخبث خداعه مَعَ مكالبته على أَمْوَال الْوَصَايَا والأوقاف واحتجانه لما ظفر بِهِ مِنْهَا على أَي صفة كَانَ فَأَقُول لَيْسَ هَذَا صَنِيع من في عقله خلل بل صَنِيع من يحب أَن يتحدث النَّاس عَنهُ وَلَو مَا فِيهِ عَلَيْهِ مزِيد شناعة دع عَنْك هَذَا فالشأن كل الشَّأْن أَن الرجل صَار يتَكَلَّم فِي مَوَاقِف الإِمَام بمسائل فِيهَا الترخيص فِيمَا حرمه الله تحببا وتقربا بِحَيْثُ إن السَّامع إِذا سَمعه اقشعر جلده وَكَانَ يتَجَنَّب ذَلِك في حضوري كثيرا ويفعله إِذا غبت وَبِالْجُمْلَةِ فقد انمحى عَنهُ نور الْعلم وَلم يبْق عَلَيْهِ شئ من بهجته وَصَارَ يتَّصل بالظلمة من الوزراء وَيحسن لَهُم مَا هم فِيهِ وهم يحاسنونه لعلمهم بِمَا هُوَ فِيهِ من التَّجَسُّس للْأَخْبَار ورفعها إِلَى الإِمَام
ثمَّ لما مَاتَ الإِمَام المتَوَكل ﵀ اتَّصل بولده مَوْلَانَا الإِمَام المهدي وَلَكِن دون اتِّصَاله بِأَبِيهِ فَصَارَ يتَّصل بِمن هُوَ مَشْهُور بِالشَّرِّ من وزرائه فيمشي مَعَهم على طَرِيقَته ترخيصا وترويجا مَعَ عدم احتفالهم بِهِ واحتقارهم لَهُ لكنه إِذا جَاءَ بِمَا يُطَابق مَا هم فِيهِ من الظُّلم والنهب للأموال قَالُوا للْإِمَام وَغَيره قَالَ سيدنَا فلَان كَذَا فيجعلون ذَلِك ذَرِيعَة لما هُوَ فِي التَّحْرِيم من قطعيات الشَّرِيعَة
وَمن فواقره أَنه فِي مواقفه يكثر الثَّنَاء على الْحجَّاج
стр. 589
ابْن يُوسُف الثقفي الذي صَار أشهر أهل الْملَّة الإسلامية بالظلم ويصفه بالأوصاف المادحة المرغبة للسلوك في مسلكه وناهيك بِهَذَا وَكفى لَهُ وَلَا يستنكر المطلع على هَذِه التَّرْجَمَة مناقضة أَولهَا لآخرها فَإِن الرجل انْسَلَخَ عَمَّا كَانَ فِيهِ بالمرّة وتخلق بأخلاق يتحاشى عَن التخلق بهَا أهل الْجَهْل والسفه والوقاحة وَمَا ذكرت هَهُنَا إلا حَقًا كَمَا أَنى مَا ذكرت في أول التَّرْجَمَة إِلَّا حَقًا وَلَكِن اخْتلفت الْأَحْوَال فَاخْتلف الْمقَال وَبعد مضي قريب سنتَيْن من خلَافَة مَوْلَانَا الإِمَام المهدي أودعهُ الْحَبْس وتشفعت لَهُ فأطلق وأبعده من حَضرته فَالله يُصْلِحنَا ويصلحه
لطف الله بن مُحَمَّد الغياث بن الشجاع بن الْكَمَال ابْن دَاوُد الظفيري اليماني
الْعَلامَة الشهير الْمُحَقق الْكَبِير تَرْجمهُ صَاحب مطلع البدور وَلم يذكر لَهُ شُيُوخًا وَلَا مولدا وَلم أَقف أَنا على ذَلِك وَلَعَلَّه اسْتَفَادَ تِلْكَ المعارف المحققة فِي رحلته إِلَى مَكَّة واستقراره هُنَالك فَإِنَّهُ لم يكن بِالْيمن إذ ذَاك من يبلغ في
стр. 590
تَحْقِيق علم الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْأُصُول والنحو الصّرْف إِلَى دَرَجَته فضلا عَن أَن يكون شَيخا لَهُ وَقد تبحر في جَمِيع المعارف العلمية وصنف التصانيف المقبولة كشرح الشافية لِابْنِ الْحَاجِب فى الصّرْف فانه شرحها شرحا مُخْتَصرا نفيسا اشْتغل بِهِ الطّلبَة من عصره إِلَى الْآن وَقد لخص فِيهِ شرح الرضي على الشافية وَاعْتمد كثيرا على شرح الجاربردي
وَمن مصنفاته المقبولة حَاشِيَته لشرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر للسعد فإنها حَاشِيَة مفيدة لخصها من حواشى الْمُخْتَصر كحاشية الخطائى والسمرقندى وَمن حواشى المطول كحاشية الشريف والشلبي والسمرقندي أَيْضا وَكَانَ يحرر مَا يحررونه من الاعتراضات على ألفاظ الشرحين ويجيب عَنْهَا بِمَا يجيبون ويبالغ في الِاخْتِصَار وَلَا يأتي بِكَلَام من لَدَيْهِ إلا فِي أندر الْحَالَات وأقلها
وَله كتاب الإيجاز فِي الْمعَانى وَالْبَيَان لخصه من التَّلْخِيص للقزويني وَلكنه حذف مَا وَقع عَلَيْهِ الِاعْتِرَاض من شراحه وَأهل الحواشي وأبدله بِعِبَارَة لَا يرد عَلَيْهَا مَا أوردوه وَبَالغ في الِاخْتِصَار من دون إهمال لما تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة مِمَّا في الأَصْل وَقد شَرحه وَلم أَقف على الشَّرْح ثمَّ وقفت عَلَيْهِ بعد أَيَّام وَهُوَ شرح مُخْتَصر مُفِيد ثمَّ شَرحه السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم كَمَا تقدم في تَرْجَمته شرحا نفيسا جدا وَاعْتمد فِيهِ على حَاشِيَة صَاحب التَّرْجَمَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا وَله شرح على الْفُصُول اللؤلؤية لِابْنِ الْوَزير وَلم يكمل وَله مُخْتَصر فِي الْفِقْه لخص فِيهِ مَا في الأزهار للْإِمَام المهدي وَحذف بعضه وَزَاد فِيهِ قيودا مفيدة وَله في الطِّبّ يَد قَوِيَّة وَكَذَلِكَ في مثل علم الجفر والزيجات
ويروى أَن صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ كثير الْإِنْكَار على مَا يَسْتَعْمِلهُ أهل مَكَّة من اللَّهْو فَوَقع مَعَه مرض من نوع السكتة
стр. 591
أثر مَعَه تغيرا فِي حواسه فَقَالَ بعض الْأَطِبَّاء إن السماع من أدويته فعرفوه بِأَن صَاحب التَّرْجَمَة يكره ذَلِك وينكره فَقَالَ لَا بُد من ذَلِك فَفَعَلُوا فَتحَرك لذَلِك وَصَحَّ من مَرضه وَرجع إِلَيْهِ حواسه فَأمر من صَار يعْمل السماع عِنْده بِالسُّكُوتِ وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم الْمُحَقق الْكَبِير الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم وَتوفى ﵀ في وَطنه ظفير حجَّة في رَجَب سنة ١٠٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد التمس مِنْهُ الشريف جَعْفَر صَاحب مَكَّة أن يصنف كتابا في الْفِقْه والفرايض وَكتب إِلَيْهِ فى ذَلِك نظما فَقَالَ
(أياشيخ لطف الله أَنى لقَائِل ... بِلَا شك من سماك فَهُوَ مُصِيب)
(وإني رَأَيْت اللطف مِنْك سجية ... وَللَّه في كل الْأُمُور حبيب)
(سَأَلتك سفرا نستعين بِهِ على ... عبَادَة ربي لَا بَرحت تجيب)
(فتوضح لي يَا شَيخنَا مَا أقوله ... فَأَنت لداء الْجَاهِلين طَبِيب)
(وَأَنت لنا في الدَّين عون وقدوة ... بقيت على مر الزَّمَان تصيب)
فنظم لَهُ الشَّيْخ أرجوزة في الْفَرَائِض وَجمع لَهُ مُخْتَصرا في الْفِقْه يخْتَص بالعبادات وَأجَاب على النّظم بقوله
(أمولاي يامن فاق مجدا وسؤددا ... ومان ان لَهُ في الْخَافِقين ضريب)
(أتاني عقد يخجل الدر نظمه ... ويعجز عَنهُ أَحْمد وحبِيب)
(معَان وألفاظ زكتْ وتناسقت ... فَكل لكل في الْبَيَان نسيب)
(وَمَا كَانَ قدري يَقْتَضِي أَن أُجِيبهُ ... ومثلي لذاك السمط لَيْسَ يُجيب)
(وقلتم بِأَن اسمي يُشِير بِأَن لي ... نَصِيبا وكلا لَيْسَ فِيهِ نصيب)
(أتحسب مَا أعطيت من لطف سيمة ... تقصر عَنْهَا شمال وجنوب)
(تعدى إِلَى مثلي وأني وَكَيف ذَا ... وإني عَن أدنى الْكَمَال سليب)
стр. 592
(وَلَكِن حويت اللطف أَنْت جَمِيعه ... فَقلت على ذَا الْبَأْس أَنْت عَجِيب)
(وأمركم مَاض وحظى قبولكم ... وإني على قدر الْقُصُور مُجيب)
حرف الْمِيم
السَّيِّد محسن ابْن المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١٠٧٠ سبعين وَألف أَو في السنة الَّتِى بعْدهَا وَكَانَ مولده بالسودة وَبهَا نَشأ وَكَانَ مَعَ أَخِيه يُوسُف أَيَّام خُرُوجه على المهدي صَاحب الْمَوَاهِب ودعوته إِلَى نَفسه وظفر بِهِ المهدي فسجنه ثمَّ أفرج عَنهُ فَعَاد إِلَى السودة وكابد فِي تِلْكَ الْمدَّة شدَّة ثمَّ عطف عَلَيْهِ المهدي فولاه أوقاف صنعاء وَكَانَ مَشْهُورا بالفروسية والشجاعة وعلو الهمة وَمَعْرِفَة الْأَدَب وَالْبُلُوغ إِلَى أعالي الرتب فَمن نظمه
(شرى الْبَرْق فَوق اللوا واستطارا ... وأورى بقلبي الْمَعْنى أوارا)
(وساجلني بِلِسَان الوميض ... فأبكى سرارا ويبكي جهارا)
(وباتت جفوني تريه البكا ... وَبَات سناه يريني افترارا)
(فيا برق لَا تسق إلا العقيق ... وَذَاكَ الجناب وَتلك الديارا)
(وتوج ذراها بذر الْغَمَام ... وكلل بِهِ رشدها والبهارا)
(وَبلغ تَحِيَّة عانى الْفُؤَاد ... لَا يعرف النّوم الإغرارا)
(وَعرض بذكرى وَقل مغرم ... سرى في سَبِيل الْهوى ثمَّ حارا)
وَمن شعره فِي المديح
(مَا زلت أضْرب آباط الْمطِي إِلَى ... ملك أعز يزين التَّاج مفرقه)
стр. 593
(من معشر كرموا فرعا وأوشجة ... أكرم بِهِ أصل فرع طَابَ معرقه)
(تهتز من ذكرهم أَعْوَاد منبرهم ... كَمَا ترنح تَحت الطير مورقه)
(إِذا ترسل اهدى الطير مَنْطِقه ... اوارسل الْجَيْش سد الْأُفق فيلقه)
(حكى الصَّفَا قلبه بَأْسا غداه حكى ... مِنْهُ قُلُوب الكماة الصَّيْد سنجقه)
(كالبرق حاشاه من نَار الوميض لقد ... ضاهى جدي كَفه لَوْلَا تألقه)
وَمِنْه
(يرديد الجاني إِلَى فِيهِ منطقي ... وأحلم عَنهُ تَارَة لَا أُجِيبهُ)
(أَبى قادها شعث النواصي وذادها ... عَن السرج سرج الْملك لَا تستريبه)
(وماالشعر هَذَا من شعاري وَإِنَّمَا ... أجرب فكري كَيفَ يجري نجيبه)
(فانظم في جيد الزَّمَان قلائداً ... من اللُّؤْلُؤ الْمكنون في رطيبه)
(تقلده الْبيض الغواني مخانقا ... ويصبو شباب الحي مِنْهُ وشيبه)
وَمن نظمه الْفَائِق
(ورشيقه الأعطاف مَا سمحت ... يَوْمًا بِغَيْر رواشق النبل)
(هيفا بأرقم شعرهَا رقمت ... فى الرمل مَا املالها نملى)
وَله فى التَّشْبِيه
(كَأَن الزنبق المخضل ... فِي افنانه المخضر)
(أنامل غادة حملت ... بهَا كأسا من الْخمر)
(ونرجسنا الأنيق حكى ... عَشِيَّة بل بالقطر)
(صحافا من لجين ... وَسطهَا لمع من التبر)
(وَأما الْورْد فى تشبيهه ... قد حرت في أمري)
(فَأكْثر مَا أمثله ... بخد الكاعب الْبكر)
стр. 594
وَمَات بِصَنْعَاء سنة ١١٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَألف أَو في الَّتِى بعْدهَا وَهُوَ أَصْغَر أَوْلَاد الإِمَام المتَوَكل على الله ﵀
السَّيِّد محسن بن إِسْمَاعِيل الشامي
أحد عُلَمَاء صنعاء الْمَشَاهِير وَشَيخ مَشَايِخنَا قَرَأَ على السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن إسحاق بن إِبْرَاهِيم
وعَلى القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وعَلى غَيرهمَا من عُلَمَاء عصره وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وشارك فِيمَا عدا ذَلِك وَكَانَ مَشْهُورا بِقُوَّة الْفَهم وَسُرْعَة الْإِدْرَاك حَتَّى قَالَ شَيْخه القاضي أَحْمد الْمَذْكُور أنه لَيْسَ لَهُ نَظِير في الْفَهم والغوص على الْمعَانى الدقيقة
واتصل بِالْإِمَامِ المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بعد موت وزيره الْفَقِيه أَحْمد بن علي النهمي فَأَرَادَ ترشيحه للوزارة وَلكنه لم يتم ذَلِك وَقد اتَّصل بِهِ كاتصال الوزراء أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ صرفه لأسباب اقْتَضَت ذَلِك وَمن جملَة تلامذته شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَمَات في يَوْم الْجُمُعَة أحد أَيَّام شهر شعْبَان سنة ١١٩٤ أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف
السَّيِّد محسن بن الْحسن بن الْقَاسِم بن أَحْمد ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث من ذي الْحجَّة سنة ١١٠٣ ثَلَاث وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بالروضة وَصَنْعَاء وَقَرَأَ فِي عُلُوم الْأَدَب قَلِيلا ثمَّ قَالَ الشّعْر ومدح الأكابر واتصل بالوزير الْكَبِير علي بن أَحْمد رَاجِح وَزِير الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم
وبأخيه الْوَزير محسن بن أَحْمد رَاجِح ومدحهما وَبَالغ فِي ذَلِك وصنف لَهما مصنفات يطرزها بمدحهما واستكثر من ذَلِك
стр. 595
وَبعد مَوْتهمَا اتَّصل بالفقيه إِسْمَاعِيل النهمي وَكَانَ مُتَوَلِّيًا لصنعاء وَعند إن تولى بندر المخا عزم مَعَه إِلَى هُنَالك وَكَانَ لَهُ مَعَه قصَص يطول حَدِيثهَا مُشْتَمِلَة على مجون ومزح وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة متطلعاً على أَحْوَال أهل عصره وأخبارهم وَبَينه وَبَين جمَاعَة من أكابرهم مشاعرات وَجمع كتابا سَمَّاهُ ذوب الذَّهَب بمحاسن من بعصره من أهل الْأَدَب وَجمع سيرة للْإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وهي فِي الْحَقِيقَة سيرة للوزيرين السَّابِقين وَلَهُمَا جمعهَا وَله مؤلفات مسجوعة وَكَانَ فِيهِ بلاغة في الْجُمْلَة وَلكنه لم يكن ماهرا في الْعُلُوم الأدبية فَكَانَ يأتي في اسجاعه تَارَة ملحون وَتارَة يأتي باللغة العامية وشعره فِيهِ مَا هُوَ جيد وَقد اشْتَمَلت مصنفاته على كثير مِنْهُ
وَمِنْه مَا قَالَ فى الْوَزير على رَاجِح مقتديا بِمَا قَالَه الْقَائِل فِي ابْن عباد
(ورثت الوزارة كَابِرًا عَن كَابر ... مَوْصُولَة الْإِسْنَاد بِالْإِسْنَادِ)
(يرْوى عَن الْعَبَّاس عباد وزارته ... وَإِسْمَاعِيل عَن عباد)
فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة
(لقد ورث الوزارة عَن سعيد ... علي بعد أَحْمد خير مانح)
(بتلقين وَإسْنَاد صَحِيح ... تسلسل عَن سعيد ثمَّ رَاجِح)
وَمن شعره في مدحه
(مالى وللبين أصلي مهجتي لهبا ... وزادني مَعَ هيامي في الْهوى وصبا)
(وهيج الشوق برق الْغَوْر حِين شرى ... فَبَاعَ جفني الْكرَى مسترخصا وصبا)
وَمِنْهَا
(قلب يذوب وأكباد مفتة ... وأعين دمعها مازال منسكبا)
(كَأَنَّهُ وابل جاد الْوَزير بِهِ ... من أنمل للعطايا تمطر الذهبا)
стр. 596
وَمَوْت صَاحب التَّرْجَمَة في أَيَّام الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَلَا يحضرني تَعْيِينه
السَّيِّد محسن بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي احْمَد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١١٩١ إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ نشأة لم يكن لغيره من أَبنَاء عصره فَإِنَّهُ قَالَ الشّعْر الْحسن وَهُوَ في الْمكتب وَلم يكن إِذْ ذَاك قد اشْتغل بِالطَّلَبِ ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر
والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن أَحْمد السياغي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ علي فِي شرح الرضي على الكافية وفي مغنى اللبيب وفي الْكَشَّاف وحواشيه وَله ذهن شرِيف وطبع ظريف وَفهم فائق وعقل تَامّ وأدب غض وَله قصائد قد طارح بهَا أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الأدباء وَهُوَ إِذْ ذَاك في سن الْبلُوغ وَهُوَ الْآن في سن الشَّبَاب وَقد صَار معدودا في الْعلمَاء ومذكورا بَين أَعْيَان الشُّعَرَاء من أهل صنعاء وَلم يكن لَدَى الْآن من شعره مَا أكتبه هَهُنَا وَبلغ أَنه صَار ينظم مغني اللبيب نظما حسنا ويشرح ذَلِك النظم شرحا مُفِيدا وَلم أَقف على ذَلِك وَاتفقَ فِي سِنِين قديمَة أني خرجت أَنا وَجَمَاعَة من شيوخي مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الزَّمن وأعيان صنعاء الْيمن وَفِيهِمْ وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَعَمه وفي الْجَمَاعَة صبيان في نَحْو الْعشْر السنين وَأَقل وَأكْثر وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فَكَانَ الصبيان يَلْعَبُونَ ويشتغلون بِمَا يشْتَغل بِهِ أمثالهم وَالْمَذْكُور يصغي إِلَى مَا يَدُور بَين أُولَئِكَ الْأَعْلَام من المراجعات العلمية والمطارحات الأدبية
стр. 597
وَلَا يلْتَفت على شئ مِمَّا الصغار فِيهِ فعجبت من حَاله وأشرت إِلَى جمَاعَة من الْعلمَاء ينظرُونَ إِلَيْهِ فَأخْبرنَا وَالِده إِذْ ذَاك بِأَن صَاحب التَّرْجَمَة قد صَار لَهُ شعر فى تِلْكَ السن كثير من الملحون الذي يُسَمِّيه أهل الْيمن الحميني وروى لَهُ شعرا من غَيره فَعجب من ذَلِك جَمِيع أُولَئِكَ الْأَعْلَام وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وامتدت أَعْنَاقهم إِلَيْهِ فَلم تمر إلا أَيَّام قَلَائِل بعد ذَلِك حَتَّى ظهر لَهُ النظم الْجيد الْفَائِق ومازال يَنْمُو نمو الْهلَال حَتَّى بلغ أَعلَى مَرَاتِب الْكَمَال
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن ساعد السنجاري الأَصْل المصري الْمَعْرُوف بِابْن الأكفاني
ولد بسنجار وَطلب الْعلم ففاق الأقران في عدَّة فنون وأتقن الرياضي وَالْحكمَة وصنف فيهمَا التصانيف الْكَثِيرَة وَكَانَ يحل إقليدس بِلَا كلفة كَأَنَّهُ ممثل بَين عَيْنَيْهِ وَيقدم إِلَى معرفَة الطِّبّ فَكَانَ يُصِيب حَتَّى يتعجب الحذاق في الْفَنّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يأتي بالدواء إِلَى الْمَرِيض فبمجرد مَا يتَنَاوَلهُ يبرأ وَكَانَ مستحضراً للتاريخ وأخبار النَّاس حَافِظًا للأشعار عَارِفًا بفنون الْأَدَب وَله فِيهِ تصانيف
قَالَ ابْن سيد النَّاس مَا رَأَيْت من يعبر عَمَّا فِي ضَمِيره بأوجز من عِبَارَته وَلم أر أمتع مِنْهُ وَلَا أفكه من محاضراته وَكَانَ يحفظ من الرقى والعزائم شَيْئا كثيراً لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَله الْيَد الطُّولى فِي الروحانيات وَمهر أَيْضا فِي معرفَة الْجَوَاهِر والعقاقير حَتَّى ألزم السُّلْطَان النَّاظر لَا يشتري أحد شَيْئا إلا بعد عرضه عَلَيْهِ وَمن تصانيفه إرشاد القاصد إِلَى أَسْنَى الْمَقَاصِد عِنْد غيبَة الطَّبِيب وَكَانَ كثيرالتجمل فى ملبسه
стр. 598
ومركبه وَمَات في الطَّاعُون الْعَام سنة ٧٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَهُوَ الْقَائِل
(وَلَقَد عجبت لعاكس للكيميا ... فِي حكمه قد جَاءَ بالشنعاء)
(يلقى على الْعين النحاس يحيلها ... في لمحة كالفضة الْبَيْضَاء)
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن على بن مُحَمَّد ابْن أَبى السُّعُود مُحَمَّد بن حُسَيْن بن علي بن أَحْمد بن عَطِيَّة بن ظهيرة
ولد لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة ٨٥٩ تسع وَخمسين وثمان مائَة وَحفظ الْأَرْبَعين النووية والمنهاج وألفية الحَدِيث وألفية النَّحْو ومختصر ابْن الْحَاجِب وَالتَّلْخِيص والطوالع وَبَعض الشاطبية وَعرض في سنة ٨٧٢ على عُلَمَاء بَلَده وَقَرَأَ على وَالِده كتبا كَثِيرَة فِي فنون مُتعَدِّدَة وعَلى عَمه كَذَلِك وعَلى جمَاعَة آخَرين وَأَجَازَ لَهُ أكَابِر عُلَمَاء عصره من الأقطار الْبَعِيدَة وبرع فِي فنون كَثِيرَة وفَاق في خِصَال حميدة وَتَوَلَّى قَضَاء مَكَّة المشرفة بعد أَبِيه ومدحه شعراء عصره وَكَانَ كثير الأفضال على من يَقْصِدهُ وعَلى الْمُسْتَحقّين وَقد تَرْجمهُ السخاوي تَرْجَمَة جَيِّدَة وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء طائلاً وَاسْتمرّ مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء بِمَكَّة حَتَّى قبض عَلَيْهِ شرِيف مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات ابْن مُحَمَّد الْحسنى لتخيله مِنْهُ أَنه السَّبَب فِي الْفِتْنَة بَينه وَبَين إخوانه وَاسْتولى على بعض أَمْوَاله وجهزه بحرا مَعَ أَوْلَاده فوصلوا إِلَى جَزِيرَة القنفذة ثمَّ أَمر الشريف بتغريقه فغرق بجانبها في يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر ذي الْحجَّة سنة ٩٠٧ سبع وَتِسْعمِائَة
стр. 599
السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن علي بن المرتضى بن الْمفضل بن الْمَنْصُور
ابْن مُحَمَّد بن الْعَفِيف بن مفضل بن الْحجَّاج بن على بن يحيى بن الْقَاسِم ابْن الإِمَام الداعي يُوسُف ابْن الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه يحيى بن النَّاصِر احْمَد بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب ﵃ جَمِيعًا
وَقد سردت نسبة هَهُنَا وإن كَانَ قد تقدم في تَرْجمهُ السَّيِّد عبد الله بن علي الْوَزير لكنني رَأَيْت السخاوي تَرْجَمَة فغلط في نسبة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن علي بن المرتضى بن الهادي بن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَذكر النّسَب إِلَى علي كرم الله وَجهه فَجعل المرتضى بن الهادي وَجعل الهادي بن يحيى بن الْحُسَيْن وَهَذَا غلط بَين وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الإِمَام الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق الْمَعْرُوف بِابْن الْوَزير ولد فِي شهر رَجَب سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بهجر الظهراوين من شطب وَقَالَ السخاوي إنه ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٦٥ وَهَذَا التَّقْرِيب بعيد وَالصَّوَاب الأول قَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة على أَخِيه الْعَلامَة الهادي ابْن إِبْرَاهِيم وعَلى القاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مظفر وَقَرَأَ علم الْكَلَام على القاضي الْعَلامَة علي بن عبد الله بن أَبى الْخَيْر كشرح الْأُصُول وَالْخُلَاصَة والغياصة وَتَذْكِرَة ابْن متويه وَقَرَأَ علم أصُول الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا علم التَّفْسِير وَقَرَأَ الْفُرُوع على القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري وَغَيره من مَشَايِخ صعدة وَمن مشايخه السَّيِّد الْعَلامَة النَّاصِر بن احْمَد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المطهر وَقَرَأَ الحَدِيث بِمَكَّة على مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة وفي غَيرهَا على نَفِيس الدَّين العلوي وعَلى جمَاعَة عدَّة
وَالْحَاصِل أَنه قَرَأَ على أكَابِر مَشَايِخ
стр. 600
صنعاء وصعدة وَسَائِر المداين اليمنية وَمَكَّة وتبحر فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران واشتهر صيته وَبعد ذكره وطار علمه فِي الأقطار
قَالَ صَاحب مطلع البدور وَقد ترْجم لَهُ الطوائف وَأقر لَهُ المؤالف والمخالف ترْجم لَهُ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي الدُّرَر الكامنة وَترْجم لَهُ مُصَنف سيرة العراقي عَلامَة وقته بِمَكَّة انْتهى وَمَا ذكره من أَن ابْن حجر ترْجم لَهُ فى الدُّرَر فَلَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ لم يترجم لَهُ فِيهَا أصلاً بل هي مُخْتَصَّة بِمن مَاتَ فِي الْقرن الثَّامِن وَلم يترجم لمن تَأَخّر مَوته إِلَى الْقرن التَّاسِع حَتَّى أكَابِر مشايخه كالعراقي والبلقيني وَابْن الملقن مَعَ أَنهم مَاتُوا فِي أول الْقرن التَّاسِع كَمَا تقدم ذَلِك وَأما صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ تَأَخّر مَوته إِلَى سنة ٨٤٠ أَرْبَعِينَ وثمان مائَة فَكيف يترجم لَهُ بل ترْجم لَهُ الْحَافِظ ابْن حجر العسقلاني فِي أنبائه وَترْجم لَهُ السخاوي كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَترْجم لَهُ التقي ابْن فَهد فِي مُعْجَمه فَقَالَ السخاوي إنه تعاني النظم فبرع فِيهِ وصنف فِي الرَّد على الزيدية العواصم والقواصم فِي الذب عَن سنة أَبى الْقَاسِم وَاخْتَصَرَهُ فِي الرَّوْض الباسم وَرُوِيَ عَن التقي بن فَهد أَنه أنْشد لصَاحب التَّرْجَمَة فِي مُعْجَمه قَوْله
(الْعلم مِيرَاث النبي كَذَا أَتَى ... فِي النَّص وَالْعُلَمَاء هم ورَّاثه)
(فَإِذا أردْت حَقِيقَة تدري لمن ... وّراثه وَعرفت مَا مِيرَاثه)
(مَا ورث الْمُخْتَار غير حَدِيثه ... فِينَا فَذَاك مَتَاعه وأثاثه)
(فلنا الحَدِيث وراثة نبوية ... وَلكُل مُحدث بِدعَة أحداثه)
وَإِنَّمَا اقْتصر على رِوَايَة هَذَا الشّعْر مَعَ أَن فِي شعر صَاحب التَّرْجَمَة مَا هُوَ أرفع مِنْهُ بدرجات لِأَن لِقَائِه لَهُ كَانَ فِي سنة ٨١٦ وَقد نظم بعد ذَلِك نظما كثيرا جدا وَارْتَفَعت طبقته فِي الْعلم وَهَكَذَا ابْن حجر فَإِنَّهُ ذكره فِي
следующие страницы →