Полный текст (892 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وَمَوْت صَاحب التَّرْجَمَة في أَيَّام الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَلَا يحضرني تَعْيِينه
السَّيِّد محسن بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي احْمَد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد سنة ١١٩١ إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ نشأة لم يكن لغيره من أَبنَاء عصره فَإِنَّهُ قَالَ الشّعْر الْحسن وَهُوَ في الْمكتب وَلم يكن إِذْ ذَاك قد اشْتغل بِالطَّلَبِ ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء الْعَصْر مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر
والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن أَحْمد السياغي وَغَيرهمَا وَقَرَأَ علي فِي شرح الرضي على الكافية وفي مغنى اللبيب وفي الْكَشَّاف وحواشيه وَله ذهن شرِيف وطبع ظريف وَفهم فائق وعقل تَامّ وأدب غض وَله قصائد قد طارح بهَا أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الأدباء وَهُوَ إِذْ ذَاك في سن الْبلُوغ وَهُوَ الْآن في سن الشَّبَاب وَقد صَار معدودا في الْعلمَاء ومذكورا بَين أَعْيَان الشُّعَرَاء من أهل صنعاء وَلم يكن لَدَى الْآن من شعره مَا أكتبه هَهُنَا وَبلغ أَنه صَار ينظم مغني اللبيب نظما حسنا ويشرح ذَلِك النظم شرحا مُفِيدا وَلم أَقف على ذَلِك وَاتفقَ فِي سِنِين قديمَة أني خرجت أَنا وَجَمَاعَة من شيوخي مِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَجَمَاعَة من عُلَمَاء الزَّمن وأعيان صنعاء الْيمن وَفِيهِمْ وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَعَمه وفي الْجَمَاعَة صبيان في نَحْو الْعشْر السنين وَأَقل وَأكْثر وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة فَكَانَ الصبيان يَلْعَبُونَ ويشتغلون بِمَا يشْتَغل بِهِ أمثالهم وَالْمَذْكُور يصغي إِلَى مَا يَدُور بَين أُولَئِكَ الْأَعْلَام من المراجعات العلمية والمطارحات الأدبية
стр. 597
وَلَا يلْتَفت على شئ مِمَّا الصغار فِيهِ فعجبت من حَاله وأشرت إِلَى جمَاعَة من الْعلمَاء ينظرُونَ إِلَيْهِ فَأخْبرنَا وَالِده إِذْ ذَاك بِأَن صَاحب التَّرْجَمَة قد صَار لَهُ شعر فى تِلْكَ السن كثير من الملحون الذي يُسَمِّيه أهل الْيمن الحميني وروى لَهُ شعرا من غَيره فَعجب من ذَلِك جَمِيع أُولَئِكَ الْأَعْلَام وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وامتدت أَعْنَاقهم إِلَيْهِ فَلم تمر إلا أَيَّام قَلَائِل بعد ذَلِك حَتَّى ظهر لَهُ النظم الْجيد الْفَائِق ومازال يَنْمُو نمو الْهلَال حَتَّى بلغ أَعلَى مَرَاتِب الْكَمَال
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن ساعد السنجاري الأَصْل المصري الْمَعْرُوف بِابْن الأكفاني
ولد بسنجار وَطلب الْعلم ففاق الأقران في عدَّة فنون وأتقن الرياضي وَالْحكمَة وصنف فيهمَا التصانيف الْكَثِيرَة وَكَانَ يحل إقليدس بِلَا كلفة كَأَنَّهُ ممثل بَين عَيْنَيْهِ وَيقدم إِلَى معرفَة الطِّبّ فَكَانَ يُصِيب حَتَّى يتعجب الحذاق في الْفَنّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يأتي بالدواء إِلَى الْمَرِيض فبمجرد مَا يتَنَاوَلهُ يبرأ وَكَانَ مستحضراً للتاريخ وأخبار النَّاس حَافِظًا للأشعار عَارِفًا بفنون الْأَدَب وَله فِيهِ تصانيف
قَالَ ابْن سيد النَّاس مَا رَأَيْت من يعبر عَمَّا فِي ضَمِيره بأوجز من عِبَارَته وَلم أر أمتع مِنْهُ وَلَا أفكه من محاضراته وَكَانَ يحفظ من الرقى والعزائم شَيْئا كثيراً لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَله الْيَد الطُّولى فِي الروحانيات وَمهر أَيْضا فِي معرفَة الْجَوَاهِر والعقاقير حَتَّى ألزم السُّلْطَان النَّاظر لَا يشتري أحد شَيْئا إلا بعد عرضه عَلَيْهِ وَمن تصانيفه إرشاد القاصد إِلَى أَسْنَى الْمَقَاصِد عِنْد غيبَة الطَّبِيب وَكَانَ كثيرالتجمل فى ملبسه
стр. 598
ومركبه وَمَات في الطَّاعُون الْعَام سنة ٧٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَهُوَ الْقَائِل
(وَلَقَد عجبت لعاكس للكيميا ... فِي حكمه قد جَاءَ بالشنعاء)
(يلقى على الْعين النحاس يحيلها ... في لمحة كالفضة الْبَيْضَاء)
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن على بن مُحَمَّد ابْن أَبى السُّعُود مُحَمَّد بن حُسَيْن بن علي بن أَحْمد بن عَطِيَّة بن ظهيرة
ولد لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن وَعشْرين ذي الْحجَّة سنة ٨٥٩ تسع وَخمسين وثمان مائَة وَحفظ الْأَرْبَعين النووية والمنهاج وألفية الحَدِيث وألفية النَّحْو ومختصر ابْن الْحَاجِب وَالتَّلْخِيص والطوالع وَبَعض الشاطبية وَعرض في سنة ٨٧٢ على عُلَمَاء بَلَده وَقَرَأَ على وَالِده كتبا كَثِيرَة فِي فنون مُتعَدِّدَة وعَلى عَمه كَذَلِك وعَلى جمَاعَة آخَرين وَأَجَازَ لَهُ أكَابِر عُلَمَاء عصره من الأقطار الْبَعِيدَة وبرع فِي فنون كَثِيرَة وفَاق في خِصَال حميدة وَتَوَلَّى قَضَاء مَكَّة المشرفة بعد أَبِيه ومدحه شعراء عصره وَكَانَ كثير الأفضال على من يَقْصِدهُ وعَلى الْمُسْتَحقّين وَقد تَرْجمهُ السخاوي تَرْجَمَة جَيِّدَة وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء طائلاً وَاسْتمرّ مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء بِمَكَّة حَتَّى قبض عَلَيْهِ شرِيف مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات ابْن مُحَمَّد الْحسنى لتخيله مِنْهُ أَنه السَّبَب فِي الْفِتْنَة بَينه وَبَين إخوانه وَاسْتولى على بعض أَمْوَاله وجهزه بحرا مَعَ أَوْلَاده فوصلوا إِلَى جَزِيرَة القنفذة ثمَّ أَمر الشريف بتغريقه فغرق بجانبها في يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر ذي الْحجَّة سنة ٩٠٧ سبع وَتِسْعمِائَة
стр. 599
السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن علي بن المرتضى بن الْمفضل بن الْمَنْصُور
ابْن مُحَمَّد بن الْعَفِيف بن مفضل بن الْحجَّاج بن على بن يحيى بن الْقَاسِم ابْن الإِمَام الداعي يُوسُف ابْن الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه يحيى بن النَّاصِر احْمَد بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب ﵃ جَمِيعًا
وَقد سردت نسبة هَهُنَا وإن كَانَ قد تقدم في تَرْجمهُ السَّيِّد عبد الله بن علي الْوَزير لكنني رَأَيْت السخاوي تَرْجَمَة فغلط في نسبة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن علي بن المرتضى بن الهادي بن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وَذكر النّسَب إِلَى علي كرم الله وَجهه فَجعل المرتضى بن الهادي وَجعل الهادي بن يحيى بن الْحُسَيْن وَهَذَا غلط بَين وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الإِمَام الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق الْمَعْرُوف بِابْن الْوَزير ولد فِي شهر رَجَب سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بهجر الظهراوين من شطب وَقَالَ السخاوي إنه ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٦٥ وَهَذَا التَّقْرِيب بعيد وَالصَّوَاب الأول قَرَأَ فِي الْعَرَبيَّة على أَخِيه الْعَلامَة الهادي ابْن إِبْرَاهِيم وعَلى القاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مظفر وَقَرَأَ علم الْكَلَام على القاضي الْعَلامَة علي بن عبد الله بن أَبى الْخَيْر كشرح الْأُصُول وَالْخُلَاصَة والغياصة وَتَذْكِرَة ابْن متويه وَقَرَأَ علم أصُول الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا علم التَّفْسِير وَقَرَأَ الْفُرُوع على القاضي الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن الدواري وَغَيره من مَشَايِخ صعدة وَمن مشايخه السَّيِّد الْعَلامَة النَّاصِر بن احْمَد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المطهر وَقَرَأَ الحَدِيث بِمَكَّة على مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة وفي غَيرهَا على نَفِيس الدَّين العلوي وعَلى جمَاعَة عدَّة
وَالْحَاصِل أَنه قَرَأَ على أكَابِر مَشَايِخ
стр. 600
صنعاء وصعدة وَسَائِر المداين اليمنية وَمَكَّة وتبحر فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران واشتهر صيته وَبعد ذكره وطار علمه فِي الأقطار
قَالَ صَاحب مطلع البدور وَقد ترْجم لَهُ الطوائف وَأقر لَهُ المؤالف والمخالف ترْجم لَهُ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي الدُّرَر الكامنة وَترْجم لَهُ مُصَنف سيرة العراقي عَلامَة وقته بِمَكَّة انْتهى وَمَا ذكره من أَن ابْن حجر ترْجم لَهُ فى الدُّرَر فَلَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ لم يترجم لَهُ فِيهَا أصلاً بل هي مُخْتَصَّة بِمن مَاتَ فِي الْقرن الثَّامِن وَلم يترجم لمن تَأَخّر مَوته إِلَى الْقرن التَّاسِع حَتَّى أكَابِر مشايخه كالعراقي والبلقيني وَابْن الملقن مَعَ أَنهم مَاتُوا فِي أول الْقرن التَّاسِع كَمَا تقدم ذَلِك وَأما صَاحب التَّرْجَمَة فَهُوَ تَأَخّر مَوته إِلَى سنة ٨٤٠ أَرْبَعِينَ وثمان مائَة فَكيف يترجم لَهُ بل ترْجم لَهُ الْحَافِظ ابْن حجر العسقلاني فِي أنبائه وَترْجم لَهُ السخاوي كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَترْجم لَهُ التقي ابْن فَهد فِي مُعْجَمه فَقَالَ السخاوي إنه تعاني النظم فبرع فِيهِ وصنف فِي الرَّد على الزيدية العواصم والقواصم فِي الذب عَن سنة أَبى الْقَاسِم وَاخْتَصَرَهُ فِي الرَّوْض الباسم وَرُوِيَ عَن التقي بن فَهد أَنه أنْشد لصَاحب التَّرْجَمَة فِي مُعْجَمه قَوْله
(الْعلم مِيرَاث النبي كَذَا أَتَى ... فِي النَّص وَالْعُلَمَاء هم ورَّاثه)
(فَإِذا أردْت حَقِيقَة تدري لمن ... وّراثه وَعرفت مَا مِيرَاثه)
(مَا ورث الْمُخْتَار غير حَدِيثه ... فِينَا فَذَاك مَتَاعه وأثاثه)
(فلنا الحَدِيث وراثة نبوية ... وَلكُل مُحدث بِدعَة أحداثه)
وَإِنَّمَا اقْتصر على رِوَايَة هَذَا الشّعْر مَعَ أَن فِي شعر صَاحب التَّرْجَمَة مَا هُوَ أرفع مِنْهُ بدرجات لِأَن لِقَائِه لَهُ كَانَ فِي سنة ٨١٦ وَقد نظم بعد ذَلِك نظما كثيرا جدا وَارْتَفَعت طبقته فِي الْعلم وَهَكَذَا ابْن حجر فَإِنَّهُ ذكره فِي
стр. 601
أنبائه في تَرْجَمَة أَخِيه الهادي لِأَن صَاحب التَّرْجَمَة إذ ذَاك كَانَ صَغِيرا فَقَالَ وَله أَخ يُقَال لَهُ مُحَمَّد مقبل على الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ شَدِيد الْميل إِلَى السنة بِخِلَاف أهل بَيته انْتهى
وَلَو لقِيه الْحَافِظ ابْن حجر بعد أَن تبحر فِي الْعُلُوم لأطال عنان قلمه فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يثني على من هُوَ دونه بمراحل ولعلها لم تبلغ أخباره إِلَيْهِ وَإِلَّا فَابْن حجر قد عَاشَ بعد صَاحب التَّرْجَمَة زِيَادَة على اثني عشر سنة كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته
وَكَذَلِكَ السخاوي لَو وقف على العواصم والقواصم لرَأى فِيهَا مَا يمْلَأ عَيْنَيْهِ وَقَلبه ولطال عنان قلمه فِي تَرْجَمته وَلَكِن لَعَلَّه بلغه الاسم دون الْمُسَمّى
وَلَا ريب أن عُلَمَاء الطوائف لَا يكثرون الْعِنَايَة بِأَهْل هَذِه الديار لاعتقادهم فِي الزيدية مَالا مُقْتَضى لَهُ إلا مُجَرّد التَّقْلِيد لمن لم يطلع على الْأَحْوَال فَإِن فِي ديار الزيدية من أَئِمَّة الْكتاب وَالسّنة عددا يُجَاوز الْوَصْف يتقيدون بِالْعَمَلِ بنصوص الْأَدِلَّة ويعتمدون على مَا صَحَّ فِي الْأُمَّهَات الحديثية وَمَا يلْتَحق بهَا من دواوين الْإِسْلَام الْمُشْتَملَة على سنة سيد الْأَنَام وَلَا يرفعون إِلَى التَّقْلِيد رَأْسا لَا يشوبون دينهم بشئ من الْبدع الَّتِى لَا يَخْلُو أهل مَذْهَب من الْمذَاهب من شَيْء مِنْهَا بل هم على نمط السلف الصَّالح فِي الْعَمَل بِمَا يدل عَلَيْهِ كتاب الله وَمَا صَحَّ من سنة رَسُول الله مَعَ كَثْرَة اشتغالهم بالعلوم الَّتِى هِيَ آلَات علم الْكتاب وَالسّنة من نَحْو وَصرف وَبَيَان وأصول ولغة وَعدم إخلالهم بِمَا عدا ذَلِك من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَلَو لم يكن لَهُم من المزية إلا التقيد بنصوص الْكتاب وَالسّنة وَطرح التَّقْلِيد فَإِن هَذِه خصيصة خص الله بهَا أهل هَذِه الديار فِي هَذِه الْأَزْمِنَة الْأَخِيرَة وَلَا تُوجد فِي غَيرهم إلا نَادرا
وَلَا ريب أَن فِي سَائِر الديار المصرية والشامية من الْعلمَاء الْكِبَار من لَا يبلغ غَالب أهل دِيَارنَا هَذِه إِلَى رتبته
стр. 602
وَلَكنهُمْ لَا يفارقون التَّقْلِيد الذي هُوَ دأب من لَا يعقل حجج الله وَرَسُوله وَمن لم يُفَارق التَّقْلِيد لم يكن لعلمه كثير فَائِدَة وَإِن وجد مِنْهُم من يعْمل بالأدلة ويدع التعويل على التَّقْلِيد فَهُوَ الْقَلِيل النَّادِر كَابْن تَيْمِية وَأَمْثَاله وإني لأكْثر التَّعَجُّب من جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين الْمَوْجُودين فِي الْقرن الرَّابِع وَمَا بعده كَيفَ يقفون على تَقْلِيد عَالم من الْعلمَاء ويقدمونه على كتاب الله وَسنة رَسُوله مَعَ كَونهم قد عرفُوا من علم اللِّسَان مَا يكفي فِي فهم الْكتاب وَالسّنة بعضه فَإِن الرجل إِذا عرف من لُغَة الْعَرَب مَا يكون بِهِ فاهما لما يسمعهُ مِنْهَا صَار كَأحد الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا فِي زَمَنه ﷺ وَآله وَسلم وَمن صَار كَذَلِك وَجب عَلَيْهِ التَّمَسُّك بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله ﷺ وَآله وَسلم وَترك التعويل على مَحْض الآراء فَكيف بِمن وقف على دقائق اللُّغَة وجلايلها إفرادا وتركيبا وإعرابا وَبِنَاء وَصَارَ فِي الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية والحقائق الْأُصُولِيَّة بمقام لَا يخفى عَلَيْهِ من لِسَان الْعَرَب خافية وَلَا يشذ عَنهُ مِنْهَا شَاذَّة وَلَا فاذة وَصَارَ عَارِفًا بِمَا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وَآله وَسلم فِي تَفْسِير كتاب الله وَمَا صَحَّ عَن عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ إِلَى زَمَنه وأتعب نَفسه فِي سَماع دوادين السنة الَّتِى صنفتها أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن فِي قديم الْأَزْمَان وَفِيمَا بعده فَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة كَيفَ يسوغ لَهُ أَن يعدل عَن آيَة صَرِيحَة أَو حَدِيث صَحِيح إِلَى رأي رَآهُ اُحْدُ الْمُجْتَهدين حَتَّى كَأَنَّهُ أحد الْعَوام الأعتام الَّذين لَا يعْرفُونَ من رسوم الشَّرِيعَة رسما فيالله الْعجب إِذا كَانَت نِهَايَة الْعَالم كبدايته وَآخر أمره كأوله فَقل لي أَي فَائِدَة لتضييع الْأَوْقَات فِي المعارف العلمية فَإِن قَول امامه الذي يقلده هُوَ كَانَ يفهمهُ قبل أَن يشْتَغل
стр. 603
بشئ من الْعُلُوم سواهُ كَمَا نشاهده فِي المقتصرين على علم الْفِقْه فَإِنَّهُم يفهمونه بل يصيرون فِيهِ من التَّحْقِيق إِلَى غَايَة لَا يخفي عَلَيْهِم مِنْهُ شئ ويدرسون فِيهِ ويفتون بِهِ وهم لَا يعْرفُونَ سواهُ بل لَا يميزون بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول
والذى أدين الله بِهِ أَنه لَا رخصَة لمن علم من لُغَة الْعَرَب مَا يفهم بِهِ كتاب الله بعد أَن يُقيم لِسَانه بشئ من علم النَّحْو وَالصرْف وَشطر من مهمات كليات أصُول الْفِقْه فِي ترك الْعَمَل بِمَا يفهمهُ من آيَات الْكتاب الْعَزِيز ثمَّ إِذا انْضَمَّ إِلَى ذَلِك الِاطِّلَاع على كتب السنة المطهرة الَّتِى جمعهَا الْأَئِمَّة المعتبرون وَعمل بهَا المتقدمون والمتأخرون كالصحيحين وَمَا يلْتَحق بهما مِمَّا الْتزم فِيهِ مصنفوه الصِّحَّة أَو جمعُوا فِيهِ بَين الصَّحِيح وَغَيره مَعَ الْبَيَان لما هُوَ صَحِيح وَلما هُوَ حسن وَلما هُوَ ضَعِيف وَجب الْعَمَل بِمَا كَانَ كَذَلِك من السنة وَلَا يحل التَّمَسُّك بِمَا يُخَالِفهُ من الرأي سَوَاء كَانَ قايله وَاحِدًا أَو جمَاعَة أَو الْجُمْهُور فَلم يَأْتِ فِي هَذِه الشَّرِيعَة الغراء مَا يدل على وجوب التَّمَسُّك بالآراء المتجردة عَن مُعَارضَة الْكتاب أَو السنة فَكيف بِمَا كَانَ مِنْهَا كَذَلِك بل الذي جَاءَنَا فِي كتاب الله على لِسَان رَسُول الله ﷺ مَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا قل إن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة إلى غير ذَلِك وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ كل أَمر لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد فَالْحَاصِل أَن من بلغ فِي الْعلم إِلَى رُتْبَة يفهم بهَا تراكيب كتاب الله ويرجح بهَا بَين مَا ورد مُخْتَلفا من تَفْسِير السّلف الصَّالح ويهتدى بِهِ إِلَى كتب السّنة الَّتِى يعرف بهَا مَا هُوَ صَحِيح وَمَا لَيْسَ بِصَحِيح فَهُوَ مُجْتَهد لَا يحل لَهُ أَن يُقَلّد غَيره كَائِنا من كَانَ فِي مسئلة من مسَائِل الدَّين بل
стр. 604
يستروي النُّصُوص من أهل الرِّوَايَة ويتمرن فِي علم الدِّرَايَة بِأَهْل الدِّرَايَة ويقتصر من كل فن على مِقْدَار الْحَاجة
والمقدار الْكَافِي من تِلْكَ الْفُنُون هُوَ مَا يتَّصل بِهِ إِلَى الْفَهم والتمييز وَلَا شك أَن التبحر فِي المعارف وَتَطْوِيل الباع فِي أَنْوَاعهَا هُوَ خير كُله لَا سِيمَا الاستكثار من علم السنة وَحفظ الْمُتُون وَمَعْرِفَة أَحْوَال رجال الْإِسْنَاد والكشف عَن كَلَام الْأَئِمَّة فِي هَذَا الشَّأْن فَإِن ذَلِك مِمَّا يُوجب تفَاوت الْمَرَاتِب بَين الْمُجْتَهدين لَا أنه يتَوَقَّف الِاجْتِهَاد عَلَيْهِ فَإِن قلت رُبمَا يقف على هَذَا الْكَلَام من هومتهئ لطلب الْعلم فَلَا يدري بِمَا ذَاك يشْتَغل وَلَا يعرف مَا هُوَ الَّذِي إِذا اقْتصر عَلَيْهِ فِي كل فن بلغ إِلَى رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَالَّذِي يجب عَلَيْهِ عِنْده الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة قلت لَا يخفي عَلَيْك أن القرايح مُخْتَلفَة والفطن متفاوتة والأفهام متباينة فَمن النَّاس من يرْتَفع بِالْقَلِيلِ إِلَى رُتْبَة علية وَمن النَّاس من لَا يرْتَفع من حضيض التَّقْصِير بالكثير وَهَذَا مَعْلُوم بالوجدان ولكني هَهُنَا أذكر مَا يكفي بِهِ من كَانَ متوسطاً بَين الغايتين
فَأَقُول يَكْفِيهِ من علم مُفْرَدَات اللُّغَة مثل الْقَامُوس وَلَيْسَ المُرَاد إحاطته بِهِ حفظاً بل المُرَاد الممارسة لمثل هَذَا الْكتاب أَو مَا يشابهه على وَجه يَهْتَدِي بِهِ إِلَى وجدان مَا يَطْلُبهُ مِنْهُ عِنْد الْحَاجة ويكفيه فِي النَّحْو مثل الكافية لِابْنِ الْحَاجِب والألفية وَشرح مُخْتَصر من شروحها وَفِي الصّرْف مثل الشافية وَشرح من شروحها المختصرة مَعَ ان فِيهَا مَالا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة وَفِي أصُول الْفِقْه مثل جمع الْجَوَامِع والتنقيح لِابْنِ صدر الشَّرِيعَة والمنار للنسفي أَو مُخْتَصر الْمُنْتَهى لِابْنِ الْحَاجِب أَو غَايَة السول لِابْنِ الإِمَام وَشرح من شُرُوح هَذِه المختصرات الْمَذْكُورَة مَعَ أَن فِيهَا جميعهامالا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَة بل غالبها كَذَلِك وَلَا سِيمَا تِلْكَ التدقيقات
стр. 605
الَّتِى فِي شروحها وحواشيها فَإِنَّهَا عَن علم الْكتاب وَالسّنة بمعزل وَلكنه جَاءَ فِي الْمُتَأَخِّرين من اشْتغل بعلوم أُخْرَى خَارِجَة عَن الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ثمَّ استعملها فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فجَاء من بعده فَظن أنها من عُلُوم الشَّرِيعَة فبعدت عَلَيْهِ الْمسَافَة وطالت عَلَيْهِ الطرق فَرُبمَا بَات دون الْمنزل وَلم يبلغ إِلَى مقْصده فَإِن وصل بذهن كليل وَفهم عليل لِأَنَّهُ قد استفرغ قوته فِي مقدماته وَهَذَا مشَاهد مَعْلُوم فَإِن غَالب طلبة عُلُوم الِاجْتِهَاد تنقضي أعمارهم فِي تَحْقِيق الْآلَات وتدقيقها وَمِنْهُم من لَا يفتح كتابا من كتب السنة وَلَا سفرا من أسفار التَّفْسِير فحال هَذَا كَحال من حصل الكاغد والحبر وبرى أقلامه ولاك دواته وَلم يكْتب حرفا فَلم يفعل الْمَقْصُود
إِذْ لَا ريب أَن الْمَقْصُود من هَذِه الْآلَات هُوَ الْكِتَابَة
كَذَلِك حَال من قبله وَمن عرف مَا ذَكرْنَاهُ سَابِقًا لم يحْتَج إِلَى قِرَاءَة كتب التَّفْسِير على الشُّيُوخ لِأَنَّهُ قد حصل مَا يفهم بِهِ الْكتاب الْعَزِيز وَإِذا أشكل عَلَيْهِ شئ من مُفْرَدَات الْقُرْآن رَجَعَ إِلَى مَا قدمنَا من أَنه يَكْفِيهِ من علم اللُّغَة وَإِذا أشكل عَلَيْهِ إعراب فَعنده من علم النَّحْو مايكفيه وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْإِشْكَال يرجع إِلَى علم الصّرْف وَإِذا وجد اخْتِلَافا فِي تفاسير السلف الَّتِى يقف عَلَيْهَا مطالعة فالقرآن عربي والمرجع لُغَة الْعَرَب فَمَا كَانَ أقرب إِلَيْهَا فَهُوَ أَحَق مِمَّا كَانَ أبعد وَمَا كَانَ من تفاسير الرَّسُول ﷺ فَهُوَ مَعَ كَونه شَيْئا يَسِيرا مَوْجُود فِي كتب السنة ثمَّ هَذَا الْمِقْدَار الذي قدمنَا يكفي فِي معرفَة معاني متون الحَدِيث
وَأما مَا يَكْفِيهِ فِي معرفَة كَون الحَدِيث صَحِيحا أَو غير صَحِيح فقد قدمنَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك ونزيده ايضاحا فَنَقُول إِذا قَالَ امام من أَئِمَّة الحَدِيث الْمَشْهُورين بِالْحِفْظِ وَالْعَدَالَة وَحسن
стр. 606
الْمعرفَة أَنه لم يذكر فِي كِتَابه الاما كَانَ صَحِيحا وَكَانَ مِمَّن مارس هَذَا الشَّأْن ممارسة كُلية كصاحبى الصَّحِيحَيْنِ وبعدهما صَحِيح ابْن حبَان وصحيح ابْن خُزَيْمَة وَنَحْوهمَا فَهَذَا القَوْل مسوغ للْعَمَل بِمَا وجد فِي تِلْكَ الْكتب وَمُوجب لتقديمه على التَّقْلِيد وَلَيْسَ هَذَا من التَّقْلِيد لِأَنَّهُ عمل بِرِوَايَة الثِّقَة والتقليد عمل بِرَأْيهِ وَهَذَا الْفرق أوضح من الشَّمْس وَإِن الْتبس على كثير من النَّاس
وَأما مَا يدندن حوله أَرْبَاب علم الْمعَانى وَالْبَيَان من اشْتِرَاط ذَلِك وَعدم الْوُقُوف على حَقِيقَة مَعَاني الْكتاب وَالسّنة بِدُونِهِ فَأَقُول لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لِأَن مَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ فِي معرفَة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة قد أغْنى عَنهُ مَا قدمنَا ذكره من اللُّغَة والنحو الصّرْف وَالْأُصُول والزايد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ من دقايق الْعَرَبيَّة وأسرارها ومماله مزِيد تَأْثِير فِي معرفَة بلاغة الْكتاب الْعَزِيز لَكِن ذَلِك أَمر وَرَاء مانحن بصدده وَرُبمَا يَقُول قايل بِأَن هَذِه الْمقَالة مقَالَة من لم يعرف ذَلِك الْفَنّ حق مَعْرفَته وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا يَقُول فإنى قد شغلت بُرْهَة من الْعُمر فِي هَذَا الْفَنّ فَمِنْهُ مَا قعدت فِيهِ بَين أيدي الشُّيُوخ كشرح التَّلْخِيص الْمُخْتَصر وحواشيه وَشَرحه المطول وحواشيه وَشَرحه الأطول وَمِنْه مَا طالعته مطالعة متعقب وَهُوَ ماعدا مَا قَدمته وَقد كنت أَظن فِي مبادئ طلب هَذَا الْفَنّ مَا يَظُنّهُ هَذَا الْقَائِل ثمَّ قلت مَا قلت عَن خبْرَة وممارسة وتجريب والزمخشري وَأَمْثَاله وَإِن رَغِبُوا فِي هَذَا الْفَنّ فَذَلِك من حَيْثُ كَون لَهُ مدخلاً فِي معرفَة البلاغة كَمَا قدمنَا وَهَذَا الْجَواب الذي ذكرته هَهُنَا هُوَ الْجَواب عَن الْمُعْتَرض فِي سَائِر مَا أهملته مِمَّا يظن أَنه مُعْتَبر فِي الِاجْتِهَاد وَمَعَ ذَلِك كُله فلسنا إلا بصدد بَيَان الْقدر الذي يجب عِنْده الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة وَإِلَّا فَنحْن مِمَّن يرغب الطّلبَة فِي الأستكثار
стр. 607
من المعارف العلمية على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَمن رام الْوُقُوف على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ طَالب الْعلم من الْعُلُوم على التَّفْصِيل وَالتَّحْقِيق فَليرْجع إِلَى الْكتاب الذي جمعته فِي هَذَا وسميته أدب الطلب ومنتهى الأرب فَهُوَ كتاب لَا يسْتَغْنى عَنهُ طَالب الْحق
على أَنِّي أَقُول بعد هَذَا أَن من كَانَ عاطلا عَن الْعُلُوم الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يسْأَل من يَثِق بِدِينِهِ وَعلمه عَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فِي الْأُمُور الَّتِى تجب عَلَيْهِ من عبَادَة أَو مُعَاملَة وَسَائِر مَا يحدث لَهُ فَيَقُول لمن يسْأَله علمني أصح مَا ثَبت فِي ذَلِك من الْأَدِلَّة حَتَّى أعمل بِهِ وَلَيْسَ هَذَا من التَّقْلِيد فِي شئ لِأَنَّهُ لم يسْأَله عَن رَأْيه بل عَن رِوَايَته وَلكنه لما كَانَ لجهله لَا يفْطن ألفاظ الْكتاب وَالسّنة وَجب عَلَيْهِ أَن يسْأَل من يفْطن ذَلِك فَهُوَ عَامل بِالْكتاب وَالسّنة بِوَاسِطَة المسؤل وَمن أحرز مَا قدمنَا من الْعُلُوم عمل بهَا بِلَا وَاسِطَة فِي التفهيم وَهَذَا يُقَال لَهُ مُجْتَهد والعامي الْمُعْتَمد على السُّؤَال لَيْسَ بمقلد وَلَا مُجْتَهد بل عَامل بِدَلِيل بِوَاسِطَة مُجْتَهد يفهمهُ مَعَانِيه وَقد كَانَ غَالب السلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم الَّذين هم خير الْقُرُون من هَذِه الطَّبَقَة وَلَا ريب أَن الْعلمَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى غير الْعلمَاء أقل قَلِيل
فَمن قَالَ أنه لَا وَاسِطَة بَين الْمُقَلّد والمجتهد قُلْنَا لَهُ قد كَانَ غَالب السلف الصَّالح لَيْسُوا بمقلدين وَلَا مجتهدين أما كَونهم لَيْسُوا بمقلدين فَلِأَنَّهُ لم يسمع عَن أحد من مقصري الصَّحَابَة أَنه قلد عَالما من عُلَمَاء الصَّحَابَة الْمَشَاهِير بل كَانَ جَمِيع الْمُقَصِّرِينَ مِنْهُم يستروون عُلَمَائهمْ نُصُوص الْأَدِلَّة ويعملون بهَا وَكَذَلِكَ من بعدهمْ من التَّابِعين وتابعيهم وَمن قَالَ إن جَمِيع الصَّحَابَة مجتهدون وَجَمِيع التَّابِعين وتابعيهم فقد أعظم الْفِرْيَة وَجَاء بِمَا لَا يقبله عَارِف
стр. 608
وَهَذِه الْمذَاهب والتقليدات الَّتِى مَعْنَاهَا قبُول قَول الْغَيْر دون حجَّة لم تحدث إلا بعد انْقِرَاض خير الْقُرُون ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ
(وَخير الْأُمُور السالفات على الْهدى ... وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع) وَإِذا لم يسع غير الْعَالم فِي عصور الْخلف مَا وَسعه فِي عصور السلف فَلَا وسع الله عَلَيْهِ
وَهَذَا عَارض من القَوْل اقْتَضَاهُ مَا قدمْنَاهُ فلنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من تَرْجَمَة هَذَا السَّيِّد الإِمَام فَنَقُول وَهُوَ شَاهد على مَا قدمنَا ذكره إن صَاحب التَّرْجَمَة لما ارتحل إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ علم الحَدِيث على شَيْخه ابْن ظهيرة قَالَ للسَّيِّد مَا أحسن يَا مَوْلَانَا لَو انتسبت إِلَى إمام الشافعي أَو أَبى حنيفَة فَغَضب وَقَالَ لَو احتجت إِلَى هَذَا النّسَب والتقليدات مَا اخْتَرْت غير الإِمَام الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم أَو حفيده الهادي
وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن يقصر الْقَلَم عَن التَّعْرِيف بِحَالهِ وَكَيف يُمكن شرح حَال من يزاحم أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين فِي اجتهاداتهم ويضايق أَئِمَّة الأشعرية والمعتزلة فِي مقالاتهم وَيتَكَلَّم فِي الحَدِيث بِكَلَام أئمته المعتبرين مَعَ إحاطته بِحِفْظ غَالب الْمُتُون وَمَعْرِفَة رجال الْأَسَانِيد شخصا وَحَالا وزمانا ومكانا وتبحره فِي جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية على حد يقصر عَنهُ الْوَصْف
وَمن رام أن يعرف حَاله وَمِقْدَار علمه فَعَلَيهِ بمطالعة مصنفاته فَإِنَّهَا شَاهد عدل على علو طبقته فَإِنَّهُ يسْرد فِي المسئلة الْوَاحِدَة من الْوُجُوه مَا يبهر لب مطالعه ويعرفه بقصر بَاعه بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم هَذَا الإِمَام كَمَا يَفْعَله فِي العواصم والقواصم فَإِنَّهُ يُورد كَلَام شَيْخه السَّيِّد الْعَلامَة علي بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم فِي رسَالَته الَّتِى اعْترض بهَا عَلَيْهِ ثمَّ ينسفه نسفا بإيراد
стр. 609
مَا يزيفه بِهِ من الْحجَج الْكَثِيرَة الَّتِى لَا يجد الْعَالم الْكَبِير فِي قوته اسْتِخْرَاج الْبَعْض مِنْهَا وَهُوَ فِي أَرْبَعَة مجلدات يشْتَمل على فَوَائِد فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم لَا تُوجد فِي شَيْء من الْكتب وَلَو خرج هَذَا الْكتاب إِلَى غير الديار اليمنية لَكَانَ من مفاخر الْيمن وَأَهله وَلَكِن أَبى ذَلِك لَهُم مَا جبلوا عَلَيْهِ من غمط محَاسِن بَعضهم لبَعض وَدفن مَنَاقِب أفاضلهم
وَمن مصنفاته تَرْجِيح أساليب الْقُرْآن على أساليب اليونان وَهُوَ كتاب فِي غَايَة الإفادة والإجادة على أسلوب مخترع لَا يقدر على مثله إلا مثله وَمِنْهَا كتاب الرَّوْض الباسم فِي مُجَلد اخْتَصَرَهُ من العواصم وَكتاب إيثار الْحق على الْخلق
وَهُوَ غَرِيب الأسلوب مُفِيد فِي بَابه وَله كتاب جمعه فِي التَّفْسِير النبوي
وَمِنْهَا مؤلف فِي مدح الْعزبَة وَالْعُزْلَة
ومؤلف فِي الرَّد على المعري سَمَّاهُ نصر الْأَعْيَان على شَرّ العميان وَله كتاب الْبُرْهَان الْقَاطِع فِي معرفَة الصَّانِع وَله كتاب التَّنْقِيح فِي عُلُوم الحَدِيث وَله مؤلفات غير هَذِه ومسائل أفردها بالتصنيف وَهُوَ إِذا تكلم فِي مسئلة لَا يحْتَاج النَّاظر بعده إِلَى النظر فِي غَيره من أي علم كَانَت وَقد وقفت من مسَائِله الَّتِى أفردها بالتصنيف على عدد كثير تكون فِي مُجَلد وَمَا لم أَقف عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا وقفت عَلَيْهِ وَكَلَامه لَا يشبه كَلَام أهل عصره وَلَا كَلَام من بعده بل هُوَ من نمط كَلَام ابْن حزم وَابْن تَيْمِية وَقد يأتي فِي كثير من المباحث بفوائد لم يَأْتِ بهَا غَيره كايناً من كَانَ وديوان شعره مُجَلد وشعره غالبه فِي التوسلات وَالرَّقَائِق وَتَقْيِيد الشوارد العلمية والمجاوبة لمن امتحن بِهِ من أهل عصره فإن لَهُ مَعَهم قلاقل وزلازل وَكَانُوا يثورون عَلَيْهِ ثورة بعد ثورة وينظمون فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ القصائد وأفضى ذَلِك إِلَى أَن اعْترض عَلَيْهِ شَيْخه
стр. 610
الْمُتَقَدّم ذكره برسالة مستلقة فأجابها بِمَا تقدم وَكَانَ يجاوبهم ويصاولهم ويجاولهم فيقهرهم بِالْحجَّةِ وَلم يكن فِي زَمَنه من يقوم لَهُ لكَونه فِي طبقَة لَيْسَ فِيهَا أحد من شُيُوخه فضلا عَن معارضيه والذي يغلب على الظَّن أَن شُيُوخه لَو جمعُوا جَمِيعًا فِي ذَات وَاحِدَة لم يبلغ علمهمْ إِلَى مِقْدَار علمه وناهيك بِهَذَا
ثمَّ بعد هَذَا انجمع وَأَقْبل على الْعِبَادَة وتمشيخ وتوحش فِي الفلوات وَانْقطع عَن النَّاس وَلم يبْق لَهُ شغله بِغَيْر ذَلِك وتأسف على مَا مضى من عمره فِي تِلْكَ المعارك الَّتِى جرت بَينه وَبَين معاصريه مَعَ أَنه فِي جَمِيعهَا مَشْغُول بالتصنيف والتدريس والذب عَن السنة وَالرَّفْع عَن إعراض أكَابِر الْعلمَاء وأفاضل الْأمة والمناضلة لأهل الْبدع وَنشر علم الحَدِيث وَسَائِر الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فِي أَرض لم يألف أَهلهَا ذَلِك لَا سِيمَا فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَلهُ أجر الْعلمَاء العاملين وَأجر الْمُجَاهدين الْمُجْتَهدين وَلكنه ذاق حلاوة الْعِبَادَة وَطعم لَذَّة الِانْقِطَاع إِلَى جناب الْحق فصغر فِي عَيْنَيْهِ مَا سوى ذَلِك
وَقد تَرْجمهُ بعض بني الْوَزير فِي كراريس وَاسْتوْفى أَحْوَاله وَلَو تَرْجمهُ فِي مُجَلد لم يكن وافيا بِحقِّهِ وترجمه أَيْضا جمَاعَة من عُلَمَاء الزيدية وَمن غَيرهم من قدمنَا ذكره كالوجيه العطاب اليمني والشريف الفاسي المالكي فِي كِتَابه العقد الثمين الذي جعله تَارِيخا لمَكَّة والبريهي ومدحه غير وَاحِد من أَعْيَان الْعلمَاء وَالْحَاصِل أَنه رجل عرفه الأكابر وجهله الأصاغر وَلَيْسَ ذَلِك مُخْتَصًّا بعصره بل هُوَ كاين فِيمَا بعده من العصور إِلَى عصرنا هَذَا
وَلَو قلت أن الْيمن لم ينجب مثله لم أبعد عَن الصَّوَاب وَفِي هَذَا الْوَصْف مَالا يحْتَاج مَعَه إِلَى غَيره وَمَا أحسن قَوْله فِي معاتبة شَيْخه الْمُتَقَدّم ذكره
стр. 611
(عرفت قدري ثمَّ أنكرته ... فَمَا عدا بِاللَّه ممابدا)
(وكل يَوْم لَك بي موقف ... أسرفت فِي القَوْل بِسوء البدا)
(أمس الثنا وَالْيَوْم سوء الْأَذَى ... ياليت شعري كَيفَ نضحي غَدا)
(يَا شيبَة العترة فِي وقته ... ومنصب التَّعْلِيم والاهتدا)
(قد خلع الْعلم رِدَاء الْهدى ... عَلَيْك والشيب رِدَاء الردى)
(فصن ردائيك وطهرهما ... عَن دنس الْإِسْرَاف والاعتدا)
وَكَانَت وَفَاته تغمده الله بغفرانه فِي سَابِع وَعشْرين شهر محرم سنة ٨٤٠ أَرْبَعِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَدْر أَبُو الْبَقَاء الأنصاري المصري الأَصْل الْمَعْرُوف بالبدر البشتكي
الشَّاعِر الْمَشْهُور ولد فِي أحد الربيعين سنة ٧٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بجوار جَامع بشتك الناصري فَقَرَأَ الْقُرْآن وَحفظ الْكتاب فِي فقه الْحَنَفِيَّة ثمَّ تحول شافعيا وَصَحب الْبَهَاء مُحَمَّد بن عبد الله الكازروني وَكَانَ عجبا فِي جذب النَّاس إِلَى الْإِقَامَة عِنْده بِحَيْثُ يهجروا أَهَالِيهمْ خُصُوصا المردان فَاجْتمع بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ كَذَلِك مَعَ كَونه من أجمل أهل عصره فلازمه وَلم يُفَارِقهُ وأمعن النظر فِي كتب ابْن حزم فغلب عَلَيْهِ حبه وتزيا بِكُل زي وسلك كل طَرِيق واشتغل فِي فنون كَثِيرَة وَلكنه لم يتقن شَيْئا مِنْهَا وَأخذ الْأَدَب عَن ابْن نَبَاته وَقَالَ الشّعْر الْحسن فكاد يحكيه فِي الرقة والانسجام وَجمع كتابا حافلا فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَجمع ديوَان شَيْخه ابْن نَبَاته وَفَاته كثير مِنْهُ فاستدارك عَلَيْهِ ابْن حجر مِمَّا فَاتَهُ من شعر ابْن نَبَاته نَحْو مُجَلد وَلم يجمع هُوَ نظم نَفسه مَعَ كثرته فَجَمعه الشهَاب
стр. 612
الحجازي وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة قدرَة على النسيخ بِحَيْثُ يكْتب فِي الْيَوْم خمس كراريس فَأكْثر وَرُبمَا تَعب فيضطجع على جنبه فَيكْتب
وَكتب لنَفسِهِ وَلغيره مَالا يدْخل تَحت الْحصْر وَكَانَ لأجل مَا يَكْتُبهُ موسعا عَلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ وَلَا يتقلد لأحد مِنْهُ حَتَّى إن بعض الأكابر أرسل إِلَيْهِ بِعشْرَة دَنَانِير فشتم الرَّسُول وَقَالَ لَا حَاجَة لي فِي ذَلِك فَأخذ جرابه فنثر مَا فِيهِ من ذهب وَفِضة وفلوس بِحَضْرَتِهِ وَكَانَ يسخر بِجَمَاعَة من الْأَعْيَان وَمن ذَلِك أَنه قَالَ للكمال الدميري لما بلغه أَنه شرح سنَن ابْن مَاجَه سَمَّاهُ بَعرَة الدَّجَاجَة وَلما سمى البلقيني مؤلفاته الْفَوَائِد المنتهضة على الرافعي وَالرَّوْضَة كَانَ المترجم لَهُ يَقُول الرَّوْضَة بِفَتْح الْوَاو يُشِير إِلَى أن السجعة غير متناسب فَغير البلقيني التَّسْمِيَة إِلَى الْفَوَائِد الْمَحْضَة
وَكتب إِلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر
(أَلَيْسَ عجيبا بِأَنا نَصُوم ... وَلَا نشتكي من أَذَى الصَّوْم غما)
(ونسغب وَالله فِي نسكنا ... إِذا نَحن لم نرو نثرا ونظما)
فَأجَاب المترجم لَهُ
(ألا يَا شهابا رقى فِي العلى ... فأمطرنا نوه العذب قطرا)
(إِلَى فقر مِنْك يَا فقرنا ... ونستغن إن قلت نظما ونثرا)
وشعره سَائِر وَقد ذكر مِنْهُ المصنفون فِي الْأَدَب من الْمُتَأَخِّرين شَيْئا كثيرا وَمَات يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث وَعشْرين جُمَادَى الأولى سنة ٨٣٠ ثَلَاثِينَ وثمان مائَة
стр. 613
السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمفضل بن إِبْرَاهِيم بن علي ابْن الإِمَام شرف الدَّين الشبامى الْيُمْنَى
ولد سنة ١٠٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَقَرَأَ على الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الحيمي وعَلى السَّيِّد عز الدَّين بن دريب وعَلى غَيرهمَا من مَشَايِخ صنعاء وشبام وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق أهل عصره وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَفِي تلامذته جمَاعَة هم أَئِمَّة مصنفون كالعلامة صَالح ابْن مهدي المقبلي وَغَيره وَلم يشْتَغل مَعَ جلالة قدره وتبحره فِي الْعُلُوم بالتصنيف بل كَانَ يُجيب فِي مسَائِل ترد عَلَيْهِ أجوبة مفيدة وَله سيرة حَسَنَة جمعهَا لجده الإِمَام شرف الدَّين وَكَانَ كثير الصمت قَلِيل المباهاة والمماراة ومحبة الظُّهُور
وَمن غرائب مَا وَقع لَهُ مِمَّا يدل على مزِيد عقله وسكونه وَحسن سمته أَنه حضر مجْلِس الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل وَهُوَ غاص بأعيان الْعلمَاء فدار الْكَلَام فِي مسئلة نحوية فَتكلم كل وَاحِد من الْحَاضِرين بمالديه وَصَاحب التَّرْجَمَة سَاكِت لم يتَكَلَّم بِكَلِمَة مَعَ كَونه أَكثر أهل ذَلِك الْمجْلس علما وَلما طَال الْكَلَام فِي تِلْكَ المسئلة الْتفت اليه من فِي ذَلِك الْمجْلس وَمِنْهُم الإِمَام وعولوا جَمِيعًا فِي ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ هَذِه المسئلة ذكرهَا صَاحب المغنى فجاؤا بِالْكتاب فَأَخذه وَفتح فَقلب ورقة أَرَاهُم تِلْكَ المسئلة بلفظها فعجبوا من تَحْقِيقه أَولا وَمن سُكُوته مَعَ علمه بالمسئلة لاسيما وَقد كثر الْكَلَام فِيهَا وَطَالَ وَعرض خُصُوصا فِي مثل ذَلِك الْمجْلس الَّذِي لَا يمسك نَفسه فِيهِ إلا من كَانَ جبلا من جبال التَّقْوَى وَكَانَ حسن الشكل مليح الْهَيْئَة حَتَّى قَالَ بعض الْفُضَلَاء إنه لَو اجْتمع أهل الْمَحْشَر وَخرج صَاحب التَّرْجَمَة علم كل وَاحِد أَنه عَالم وَكَانَ متواضعا متوددا
стр. 614
ملاطفا وَهُوَ مِمَّن اتفق أهل عصره على تَعْظِيمه وخضعوا لعلمه واعترفوا بتفرده وأقروا لَهُ بِالْجمعِ بَين علم الْعقل وَالنَّقْل وَالْبُلُوغ فِي التَّحْقِيق إِلَى أَعلَى الطَّبَقَات وَمَات فِي نَهَار الِاثْنَيْنِ غرَّة شهر رَجَب سنة ١٠٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وَألف بمنزله بشبام وتأسف النَّاس على فَقده ورثاه الشُّعَرَاء كمحمد ابْن الْحُسَيْن الحيمي وَالشَّيْخ إبراهيم الهندي والقاضي أَحْمد بن صَالح بن أبي الرِّجَال صَاحب مطلع البدور والقاضي علي بن صَالح بن أَبى الرِّجَال
مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن يحيى بن مُحَمَّد بن صَلَاح الشجرى السحولى ثمَّ الصنعاني
أحد الْعلمَاء المبرزين والأدباء المجيدين أَخذ الْعلم عَن وَالِده وَغَيره وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِع صنعاء ثمَّ صَار خَطِيبًا برداع وَفِي آخر مدَّته ولاه المهدي صَاحب الْمَوَاهِب الخطابة بالخضراء الَّتِى اختطها وَكَانَ مبرزا فِي الْعُلُوم الآلية وَالْأَدب وَله شعر منسجم جيد فَمِنْهُ قَوْله فِي مدح شرخ الرضى على الكافية
(عَلَيْك بِالنَّجْمِ إِذا مَا دجت ... ظلمَة نَحْو إن أردْت المضي)
(من شَاءَ يدعي السَّيِّد المرتضى ... فِي قومه كَانَ أَخا للرضى)
وَمن نظمه
(كم قَالَت الورقا لَا غصاننا ... هَذَا الْمصلى فاسجدي واركعي)
(وَأَنت يَا وَرْقَاء بَان اللوى ... غن على العيدان ثمَّ اسجعي)
وَمن نظمه القصيدة الَّتِى رَاجع بهَا السَّيِّد الْحسن الجرموزي ومطلعها
(بَين المعاجر والمحاجر ... فتن الأصاغر والأكابر)
وَله نظم كثير وَقد ترْجم لَهُ صَاحب ترويح المشوق وَصَاحب نسمَة
стр. 615
السحر وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَمِائَة وَألف
ووالد صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ أحد أكَابِر عُلَمَاء صنعاء المفيدين لَا سِيمَا فِي علم الْفُرُوع وَله مصنفات مِنْهَا حَاشِيَة شرح الأزهار الْمَشْهُورَة وَمِنْهَا شرح على الثَّلَاثِينَ المسئلة وَقد تخرج بِهِ غَالب أهل عصره فِي علم الْفِقْه وَمن مشايخه وَالِده والعلامة مُحَمَّد بن عز الدَّين الْمُفْتى والقاضي أَحْمد بن معوضة الجربي والفقيه إِبْرَاهِيم بن يحيى حميد والفقيه أَحْمد الضمدي وَالسَّيِّد حسن بن شمس الدَّين جحاف وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الحيمي وَعبد الهادي ابْن أَحْمد الحسوسة
ومولده لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث وَعشْرين جُمَادَى الأولى سنة ٩٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِمَدِينَة ذمار وَتُوفِّي يَوْم السبت لعشرين خلت من جُمَادَى الأولى سنة ١٠٦٠ سِتِّينَ وَألف بِصَنْعَاء وَقد تَرْجمهُ صَاحب مطالع البدور تَرْجَمَة وافية
الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد فِي سنة ١٠٤٧ سبع وَأَرْبَعين وَألف فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَكَانَ بعد موت وَالِده أحد الرؤساء الأكابر فِي الديار اليمنية وَولى الْخلَافَة بعد موت الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بعد نزاع شَدِيد وحروب طَوِيلَة وَاجْتمعَ لحربه جَمِيع أكَابِر سَادَات الْيمن من أَقَاربه وَغَيرهم وحصروه وكادوا يحيطون بِهِ وبمن مَعَه فَخرج إِلَيْهِم بِمن مَعَه من الأجناد وهم الْيَسِير فَهَزَمَهُمْ وَأسر جمَاعَة من أكابرهم وشرد آخَرين ودانت الْيمن وَصفا لَهُ الْوَقْت وَلم يبْق لَهُ مُخَالف إلا قهره ونازعه بعد ذَلِك جمَاعَة فَغَلَبَهُمْ وسجنهم كالسيد يُوسُف بن المتَوَكل وكالسيد حُسَيْن بن
стр. 616
الْحسن بن الإِمَام وَهُوَ عَمه وَغير هَؤُلَاءِ وَالْحَاصِل أَنه ملك من أكابر الْمُلُوك كَانَ يَأْخُذ المَال من الرعايا بِلَا تَقْدِير وينفقه بِلَا تَقْدِير وَكَانَت الْيمن من بعد خُرُوج الأتراك مِنْهَا إِلَى أَن ملكهَا صَاحب التَّرْجَمَة مصونة عَن الْجور والجبانات وَأخذ مَالا يسوغه الشَّرْع فَلَمَّا قَامَ هَذَا أَخذ المَال من حله وَغير حله فعظمت دولته وجلت هيبته وتمكنت سطوته وتكاثرت أجناده وَصَارَ بالملوك أشبه مِنْهُ بالخلفاء وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يتزهد فِي ملبوسه فَإِنَّهُ كَانَ لَا يلبس الْحَرِير وَلَا رفيع الثِّيَاب وَكَانَ يُسمى صَاحب السَّجْدَة لِأَنَّهُ كَانَ إِذا خرج من موكبه وَرَأى مَا بَين يَدَيْهِ من الأجناد الْمَالِيَّة للْقَضَاء ترجل عَن جَوَاده وَسجد شكرا لله وتواضعا ومرغ وَجهه بِالْأَرْضِ وَكَانَ سفاكا للدماء بِمُجَرَّد الظنون والشكوك وَقد قتل عَالما بذلك السَّبَب وشاع على الألسن أَنه كَانَ يَأْتِيهِ فِي اللَّيْل من يخاطبه بِأَنَّهُ يقتل فلَانا وينهب مَال فلَان وَيُعْطى فلَانا وَيمْنَع فلَانا فَإِذا كَانَ النَّهَار عمل بِجَمِيعِ ذَلِك وَلَعَلَّ هَذَا الْمُخَاطب لَهُ من مَرَدَة الْجِنّ وَكَانَ يمِيل إِلَى أهل الْعلم ويجالسهم ويتشبه بهم وَرُبمَا قرأوا عَلَيْهِ وَلم يكن عَالما وَلَكِن كَانَ يحب التظهر بِالْعلمِ فيساعده على ذَلِك عُلَمَاء حَضرته رغبا ورهبا وَله تصنيف سَمَّاهُ الشَّمْس المنيرة فِي مُجَلد لطيف وقفت عَلَيْهِ وَفِيه نقل مسَائِل من مؤلفات جد ابيه الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد وَلكنهَا غير مرتبَة وَلَا منقولة على أسلوب بل لَا يدري المطلع على ذَلِك الْكتاب مَا مَوْضُوعه وَلَا مَا غَرَض مُؤَلفه وَسبب ذَلِك كَون مُؤَلفه لَيْسَ من الْعلمَاء وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يقرأه عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء وَلَيْسَ فِي موسعهم نصحه وتعريفه بِالْحَقِيقَةِ لما جبل عَلَيْهِ من الطيش وتعجيل الْعقُوبَة
وَمن علو همته أَنه إِذا أراد الْإِيقَاع بوزير من وزرائه أَو
стр. 617
أَمِير من أمرائه أَمر بالجند بانتهاب مَاله وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَقد يكون مَالا جَلِيلًا وَكَانَ تملكه لليمن واستيلاؤه عَلَيْهَا بعد موت الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ابْن المتَوَكل على الله كَمَا تقدم وَذَلِكَ فِي سنة ١٠٩٧ وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى سنة ١١٢٦ وَشرع المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن فِي معارضته وَإِخْرَاج الْبِلَاد عَن مَمْلَكَته حَتَّى خلع نَفسه فِي سنة ١١٢٩ فَكَانَ ملكه الديار اليمنية بأسرها زِيَادَة على ثَلَاثِينَ سنة فسبحان الفعال لما يُرِيد
وَمن أعظم الْحَوَادِث فِي أَيَّامه حَادِثَة السَّيِّد إِبْرَاهِيم المحطورى الشرفى الذى يُسَمِّيه النَّاس الْيَوْم المحدورى بِالدَّال الْمُهْملَة مَكَان الطَّاء الْمُهْملَة وَكَانَ بارعا فِي علم الطلسمات والشعوذة وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من أعظم السَّحَرَة وَظُهُور أمره فِي سنة ١١١١ وَله أَتبَاع مجاذيب ينطقون بِلَفْظ الْجَلالَة فسفك الدِّمَاء وَنهب الْأَمْوَال وَكَانَ لَا تُؤثر الرصاص فِي أَصْحَابه وَلَا يقطع أجسامهم السِّلَاح فَكَانَت الرصاصة إِذا بلغت إِلَى أَصْحَابه أمْسكهَا بِيَدِهِ وأرجعها إِلَى صَاحبهَا وارتجت الديار اليمنية لهَذِهِ الْحَادِثَة بل وَسَائِر الديار حَتَّى قيل ان سُلْطَان الرّوم كتب إِلَى نَائِبه بِمصْر يسْأَله عَن هَذَا القايم بِالْيمن الذي لَا يعْمل فِي أَصْحَابه السِّلَاح وَلَا الرصاص
وَوَقعت لَهُ ملاحم دمر فِيهَا عَالما لَا يُحصونَ فَأرْسل إِلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة جَيْشًا بعد جَيش وَهُوَ يهزمهم وَيقتل أَكْثَرهم وامتد أصحابه فِي مَوَاضِع من الْيمن وَلم يكن عِنْده من الْعلم شئ فَكَانَ إِذا سُئِلَ عَن وَجه مَا يسفك من الدِّمَاء ويهتك من الْحرم وينهب من الْأَمْوَال قَالَ إن سَيْفه هُوَ الذي يَأْمُرهُ بذلك ويحكى أَن سَيْفه الْمَذْكُور كَانَ يسمع لَهُ صليل وَهُوَ فِي غمده وَلَعَلَّ ذَلِك من جملَة أثر سحره وَكَانَ تَارَة يَقُول أنه لَا يخرج إلا لأجل شرب النَّاس للتنباك وتقريرهم للبانيات على الْبَقَاء
стр. 618
فِي أَرض الْيمن وكل هَذَا من أعظم المشعرات بمزيد جَهله وَكَانَ أَصْحَابه إِذا توجهوا إِلَى حصن من الْحُصُون فتحوه فِي أسْرع وَقت وَإِن كَانَ من غَايَة الحصانة لأَنهم يرمونهم فَلَا يُؤثر ذَلِك ويضربونهم بِالسِّلَاحِ فَلَا يُؤثر ذَلِك فَإِذا لم يستسلموا ويفتحوا لَهُم الْأَبْوَاب تسوروا من الجدارات ودخلوا فاتفق فِي فتحهم لحصن ثلا إن أمْرَأَة أرْسلت على أحدهم حجرا فهشمته فَلَمَّا رَأَوْا أهل الْمحل ذَلِك أخذُوا الْأَحْجَار ورموهم بهَا فشدخوهم وَقتلُوا جمَاعَة مِنْهُم وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة يُجهز جَيْشًا بعد جَيش حَتَّى جهز فِي آخر الْأَمر أَوْلَاده فِي جَيش ضخم فَكَانَ الْفَتْح وتقهقر امْر هَذَا الناجم وتفرق أَصْحَابه بعد أَن فعلوا الأفاعيل وهزموا الجيوش وفتحوا الْحُصُون ثمَّ نجا بِنَفسِهِ إِلَى جِهَات صعدة وَشرع فِي إفساد أَهلهَا وكادت الْفِتْنَة أن تعود فتلطف أَمِير صعدة إذ ذَاك وَهُوَ السَّيِّد علي بن أَحْمد بن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد حَتَّى وصل إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن سَبَب سفكه للدماء ونهبه للأموال وتحليله للمحرمات فَأَجَابَهُ بِمثل مَا أعتذر بِهِ سَابِقًا مِمَّا يُؤذن بإفراط جَهله فسجنه ثمَّ ضرب عُنُقه وَأرْسل إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة يُخبرهُ بذلك
وَقد اتفق مثل هَذِه الْفِتْنَة فِي أَوَائِل أَيَّام الإِمَام الْمهْدي الْعَبَّاس ابْن الْحُسَيْن وَالِد مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله وَذَلِكَ أن رجلا من السودَان يُقَال لَهُ أَبُو عَلامَة ظهر من الْمحل الذي ظهر مِنْهُ المحطوري وَهُوَ بِلَاد الشرق وَصَارَ لَهُ اتِّبَاع كثير مجاذيب لَا يعْمل فيهم سلَاح وَلَا رصاص وَاجْتمعَ مِنْهُم ألوف مؤلفة وفتحوا غَالب حصون بِلَاد حاشد وبكيل ثمَّ بعد ذَلِك استفتحوا مَوَاضِع من الْبِلَاد الإمامية
стр. 619
وانتهوا إِلَى تهَامَة وَقتلُوا من النَّاس من لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر ورجفت الْيمن لذَلِك وتضعضعت أركان المملكة وَصَارَ النَّاس لَا يجْرِي فِي حَدِيثهمْ غَيره وَصَارَ النِّسَاء وَمن يشابههن من الْعَوام إِذا سقط صبي لَهُم نادوا باسم هَذَا الناجم وعظمت فتنته واشتملت الأَرْض بِهِ وَمَا زَالَ الإِمَام المهدي يُرْسل إِلَيْهِ بالجيوش ويدافع بهَا عَن بِلَاده الَّتِى قد انْتَشَر فِيهَا أَصْحَاب أَبى عَلامَة الْمَذْكُور وَآخر الْأَمر عملت فيهم الأسلحة وأثرت فيهم الرصاص وَلَكنهُمْ قد صَارُوا جيوشا متكاثرة فَتَارَة تكون الدائرة لَهُم وَتارَة عَلَيْهِم وغالبهم من السودَان
ثمَّ اتفق أَن أَبَا عَلامَة أرسل إِلَى الشَّام صعدة أَنهم يمدونه بِجَيْش فَخَرجُوا فِي جَيش كثير فوصلوا إِلَيْهِ وَقد أدبر أمره فَقتله جمَاعَة مِنْهُم وحملوا رَأسه إِلَى الإِمَام المهدي الْعَبَّاس وَقد أخبرني بأخبار هَذَا الناجم شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد الْمُتَقَدّم ذكره وَكَذَلِكَ أخبرني بأخباره الْفَقِيه علي بن الْقَاسِم حَنش الْمُتَقَدّم ذكره وَكَانَا قد وصلا إِلَيْهِ اما شَيخنَا فأرسله الإِمَام المهدي وَأما الْفَقِيه عَليّ فَأرْسلهُ أَمِير كوكبان وأخبرني شَيخنَا أَنه سَأَلَ عَن سَبَب مَا هُوَ فِيهِ فَقَالَ أنه دخل صنعاء فِي أَيَّام سَابِقَة وَكَانَ المؤذنون يسبحون من المنارات فِي آخر اللَّيْل ثَلَاث تسبيحات ثمَّ دخل مرّة اخرى فَوَجَدَهُمْ قد تساهلوا بذلك فَمنهمْ من يسبح تسبيحتين وَمِنْهُم من يسبح تَسْبِيحَة وَاحِدَة وَمِنْهُم من لَا يسبح فَانْظُر إِلَى هَذَا الْجَهْل العجيب الذي اسْتحلَّ بِهِ هَذَا الطاغية سفك الدِّمَاء وهتك الْحرم وَكَانَ ظُهُوره فِي سنة ١١٦٤ أَو فِي الَّتِى بعْدهَا فانتقم الله مِنْهُ وأهلكه وَكَانَ موت الْمهْدي صَاحبه الْمَوَاهِب المترجم لَهُ فِي سنة ١١٣٠ ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف
стр. 620
مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي ثمَّ الصنعاني
لَهُ شُيُوخ مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة احْمَد بن عبد الرَّحْمَن الشامي وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من أهل الْحَرَمَيْنِ كالشيخ مُحَمَّد حبوه السندي وَكَانَ لَهُ اطلَاع على عدَّة عُلُوم مَعَ بلاغة فائقة وَعبارَة رائقة وَله مؤلفات مَجْمُوعَة فِي مجلدة وفيهَا رسائل نفيسة وَكَانَ خَطِيبًا للْإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ثمَّ ولاه الْقَضَاء بمحلات من الْمَدَائِن اليمنية وَفِيه كرم مفرط وَله شعر متوسط وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الْقُضَاة وَكَذَلِكَ ولاه الإِمَام المهدي الْقَضَاء بمواضع من مَدَائِن الْيمن وَله قصائد فِي مدحه فَمِنْهَا هَذِه القصيدة
(زارت وَقد جن دامس الْغَلَس ... وَلم تخف أعينا من الحرس)
(تخطر فِي تيهها فنم بهَا ... طيب شذاها ومنطق الجرس)
(فيالها خلسة ألذ بهَا ... ألذ وصل الحبيب فِي الخلس)
(عقيلة حجبت بسمر قنى ... وبيض هِنْد وأسهم وقسي)
(ترمي بِسَهْم الرنا فكم قتلت ... من دارع فِي الْهوى ومترس)
وهي طَوِيلَة وَلَعَلَّ مَجْمُوع أشعاره مَوْجُودَة عِنْد وَلَده القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره وَمَوته فِي أيام الْمهْدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن سنة ١١٨١ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وسيأتي ذكر حفيده إن شَاءَ الله
مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الرملي المصري الْعَالم الْمَشْهُور
ولد سنة ٩١٩ تسع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَمَوته سنة ١٠٠٤ ارْبَعْ وَألف وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة مبسوطة لكنه قَالَ العصامي فِي وَصفه إمام الْحَرَمَيْنِ وَشَيخ المصريين من كَانَت الْعلمَاء تكْتب عَنهُ مَا يملي مَوْلَانَا شمس الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الرملي فاتح أقفال مشكلات الْعُلُوم ومحيي مَا اندرس
стр. 621
مِنْهَا من الْآثَار والرسوم أستاذ الأستاذين وَأحد عُلَمَاء الدَّين عَلامَة الْمُحَقِّقين على الإطلاق وفهامة المدققين بالِاتِّفَاقِ انْتهى
مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعد السودي
ثمَّ الصنعاني المولد والمنشأ وَالدَّار ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة مستهل جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٧٨ ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ لازمني مُنْذُ ابْتِدَاء طلبه إِلَى انتهائه فَقَرَأَ علي فِي النَّحْو الملحة وَشَرحهَا لبحرق وَشَرحهَا للفاكهى وَالْقَوَاعِد وَشَرحهَا والكافية وَشَرحهَا للسَّيِّد الْمُفْتى ثمَّ شرحها للخبيصي ثمَّ شرحها للجامي ثمَّ شرحها للرضي ثمَّ مغني اللبيب وَقَرَأَ علي فِي الْمنطق ايساغوجي وَشَرحه للقاضي زَكَرِيَّا ثمَّ التَّهْذِيب للسعد وَشَرحه للشيرازى وَشَرحه لليزدى ثمَّ قَرَأَ علي الشافية وَشَرحهَا للشَّيْخ لطف الله الْمُسَمّى بالمناهل الصافية ثمَّ قَرَأَ على من كتب الْمعَانى وَالْبَيَان التَّلْخِيص للقزوينى وَشَرحه الْمُخْتَصر للسعد وحاشيته للطف الله وَشَرحه المطول للسعد أَيْضا وحاشيته للشريف وحاشيته للشلبي وَقَرَأَ علي من كتب الْأُصُول الكافل لِابْنِ بهران وَشَرحه لِابْنِ لُقْمَان وَغَايَة السؤل لِابْنِ الإِمَام وَشَرحهَا لَهُ وحاشيتها لسيلان ومختصر الْمُنْتَهى وَشَرحه للعضد وحاشيته للسعد والكشاف وحاشيته للسعد والنخبة وَشَرحهَا لِابْنِ حجر وآداب الْبَحْث ورسالة الْوَضع والبخاري وَمُسلم وَسنَن أَبى دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْهَدْي لِابْنِ الْقيم وجامع الْأُصُول والشفاء للأمير الْحُسَيْن وَالْأَحْكَام للهادي والموطأ لمَالِك وغالب هَذِه الْكتب أكملها وَبَعضهَا بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَلَعَلَّ الله يعين على تَمامهَا وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي فِي شرحي للمنتقى وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وَغير
стр. 622
ذَلِك من مؤلفاتي فَهَذَا جملَة مَا قَرَأَهُ صَاحب التَّرْجَمَة على وَلَعَلَّه قَرَأَ على غير ذَلِك مِمَّا لَا يحضرني حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على الْفَقِيه الْعَارِف مُحَمَّد بن حُسَيْن الويناني فِي الأزهار وَشَرحه وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن الحرازي فِي بَيَان ابْن مظفر وَقد برع فِي جَمِيع الْفُنُون الْمُتَقَدّم سردها وفَاق الأقران ودرس الطّلبَة بالجامع الْمُقَدّس وَهُوَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء صنعاء وَمن أعظم المفيدين للطلبة وَله ذهن وقاد وَفهم إِلَى تصور الدقائق منقاد وفكرة صَحِيحَة وَإِدْرَاك تَامّ وعقل حسن وَعمل بِمَا يرجحه من الْأَدِلَّة وَطرح التَّقْلِيد ومحبة للحق وانقياد للصَّوَاب وفصاحة ورجاحة وَقُوَّة عارضة وملكة تَامَّة وقدرة على المناظرة وَسُرْعَة استحضار وَحسن تطبيق للأدلة على الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة مَعَ علو همة وشهامة نفس وتعفف وقنوع وانجماع لَا سِيمَا عَن بني الدُّنْيَا وَله فِي الْأَدَب يَد قَوِيَّة واطلاع تَامّ وَله نظم جيد فَمِنْهُ مَا كتبه إِلَى فِي أَيَّام قديمَة وَهُوَ
(كَفاك سموا زِينَة الدَّهْر واحده ... وتاج العلى وَالْمجد من عز وافده)
(رَئِيس المعالي الْفَخر مَحْمُود عصره ... كَمَال كَمَال الدَّين والنجم شَاهده)
(فَتى سَاد بِالْعلمِ الشريف شريفه ... وجلى فخار السَّبق والسعد قاصده)
(بِهِ جرت الْأَيَّام أرادان زهوها ... وطالت يَمِين الْعِزّ وَاشْتَدَّ ساعده)
(وجادت سَحَاب الْجُود من درمزنها ... بِمَا عَم فِي الأقطار وهي محامده)
(وأثمر دوح الْعلم من بعد ماذوى ... وراقت مَعَانِيه وَطَابَتْ موارده)
(وَلما تجلى الْبَدْر تما تصدعت ... دجى الْجَهْل واهتانت لدينا حواسده)
(فَخذهَا وَأَنت الحبر منى عقيلة ... اغار سناها الشَّمْس والصدع عاقده)
(أكافيه أَنى فِي الورى حَامِد لَهُ ... بمدحي وَقد كافى على الْعرف حامده)
стр. 623
(كسانى من الْإِحْسَان مَالا أَقَله ... وإني بِهِ فَوق السماكين صاعده)
فأجبت بقولي
(نظام من الدر الثمين فرائده ... تزين بِهِ جيد الزَّمَان قلائده)
(لمن ذهنه سيف إِذا عَن معضل ... ونار اشتعال إن أنارت مشاهده)
(وَمن حَظه فِي كل علم موفر ... وأشياخه برهانه وشواهده)
(اعز المعالى أَنْت للدهر زِينَة ... وَأَنت على رغم الحواسد ماجده)
(وَإِن كنت محسودا على مَا حويته ... فمثلك مغبوط كثير حواسده)
(فشمر على اسْم الله فِي نشر سنة ... لخير الورى واصبر على مَا تكابده)
(فَإنَّك فِي دهر بِهِ قد تنكرت ... من الدَّين فَاعْلَم يَا ابْن ودى معاهده)
(إِذا قلت قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... يَقُولُونَ هَذَا مورد ضل وارده)
(وَإِن قلت هَذَا قَرّرته مَشَايِخ ... يَقُولُونَ هَذَا عَالم الْعَصْر واحده)
(فَلَا قدس الرَّحْمَن عصرا ترى بِهِ ... جهولا يعادي الْحق ثمَّ يعانده)
(الا نَاصِر للدّين مُحَمَّد ... الاعاضد يَا للرِّجَال تعاضده)
(الاغاضب يَوْمًا لسنة أَحْمد ... فَمن كَانَ منشودا فإنى ناشده)
(أيا معشر الْأَعْلَام هَل من حمية ... أتهجر من قَول الرَّسُول موائده)
(أينكر مَعْرُوف وَيعرف مُنكر ... وَيقبل فِي الدَّين المطهر جاحده)
(لتبك عُيُون الْعلم فهي جديرة ... بفيض دموع مترعات موارده)
(لتبك عُيُون الْأُمَّهَات فَإِنَّهَا ... غَدَتْ فِي عقوق من بنيها تكابده)
(ألا يَا رَسُول الله قوم تلاعبت ... بهديك وَهُوَ العذب فِينَا موارده)
(ونصرك مرجو على كل حَالَة ... لقد عز من خير الْخَلَائق عاضده)
(وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أشعار فائقة وَلكنه مَشْغُول عَن الاستكثار مِنْهَا
стр. 624
بتقييد الشوارد العلمية وتهذيب طلب عُلُوم الِاجْتِهَاد لَا برح مُسَددًا فِي كل إصدار وإيراد وَقد صَار الْآن قَاضِيا من قُضَاة مَدِينَة صنعاء وَلِلنَّاسِ إِلَيْهِ رغوب وَله قدرَة تَامَّة على فصل الْخُصُومَات وإيضاح الْمُهِمَّات
مُحَمَّد بن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن يَعْقُوب بن علي بن سَلامَة بن عَسَاكِر بن حُسَيْن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الْجلَال أَبُو المعاطي الدمشقي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن خطيب داريا
ولد بليلة الْأَرْبَعَاء ثَالِث ربيع الأول سنة ٧٤٥ خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة واشتغل بالفقه والعربية واللغة وَسَائِر فنون الْأَدَب وشارك فِي العقليات وَكثر استحضاره للغة واشتهر بوفور الذكاء حَتَّى كَانَ يقتدر على تَصْوِير الْبَاطِل حَقًا وَالْحق بَاطِلا وَكَانَ يتلاعب بالأكابر بِاسْتِعْمَال نوع من الْكَلَام منسجم تفهم مفرداته وَأما تراكيبه فمهملة يتحير سامعه لِخُرُوجِهِ من علم إِلَى علم بِحَيْثُ يظن أَنه سرد جَمِيع الْعُلُوم
وَمن جملَة مَا وَقع مِنْهُ أَنه أَرَادَ يتلاعب بالقاضي برهَان الدَّين بن جمَاعَة فحرر رقما فِي بيع جَانب من مَسْجِد بني أُميَّة يعرف بالغزالية وَتصرف فِي الْكَلَام على قَاعِدَته وَذكر الْحُدُود وَكتب لفظ الغزالية العرابية ليتَمَكَّن من إصلاحها بعد ذَلِك ويبلغ مُرَاده من التشنيع على القاضي فِي كَونه أذن فِي بيع قِطْعَة من الْجَامِع الأموي فَفطن القاضي لصنعه ورام الْإِيقَاع بِهِ ففر إِلَى الْقَاهِرَة
وَبِالْجُمْلَةِ فالغالب عَلَيْهِ المجون والهزل مَعَ تقدمه فِي فنون الْأَدَب حَتَّى صَار شَاعِر الشَّام فِي وقته بِدُونِ مدافع وسلك آخر مدَّته طَريقَة مثلى فِي التصوف وَالتَّعَفُّف وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا الامتاع بالإتباع ورتبه على الْحُرُوف والإمداد
стр. 625
فِي الأضداد ومحبوب الْقُلُوب وملاذ الشواذ ذكر فِيهِ شواذ الْقُرْآن وطرف اللِّسَان بظرف الزَّمَان ذكر فِيهِ أَسمَاء الْأَيَّام والشهور الْوَاقِعَة فِي اللُّغَة وَكتاب فِي اللُّغَة رتبه على الْحُرُوف وخاتمة فِي النَّوَادِر والنكت وأرجوزة نَحْو ثَلَاث مائَة بَيت ذكر فِيهَا من روى عَن النبي ﷺ من الصحابة وَعدد كل مَا وجد روى من الحَدِيث وَتَحْصِيل الأدوات بتفصيل الوفيات فِي بَيَان من علم مَحل مَوته من الصَّحَابَة ومطالب المطالب فِي معرفَة تَعْلِيم الْعُلُوم وَمَعْرِفَة من هُوَ أهل لذَلِك وَنَهْيه الأمنيات فِي الْكَلَام على حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَشرح الفيه بن مَالك شرحا سَمَّاهُ طرح الْخَصَاصَة شرح الْخُلَاصَة وَكَانَ قد صاهر الْمجد اللغوي فلازمه وَسمع مَعَه على جمَاعَة ومدح الأكابر وَهُوَ الْقَائِل
(يَا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره)
(فَلَقَد حظيت من الزَّمَان بطائل ... إن لم تربه فَهَذِهِ آثاره)
وَمِنْه
(إذ الْمَرْء أبدى فِيك فرط محبَّة ... وَبَالغ فِي بذل الوداد وأكثرا)
(فإياك أَن تغتر من بذل وده ... وَلَو مد مَا بَين الثريا إِلَى الثرا)
(فَمَا حبه للذات فِيك وَإِنَّمَا ... لأمر إِذا مَا زَالَ عَنْك تغيرا)
وَمِنْه
(اقبل نصيحة واعظ ... وَلَو أَنه فِيهَا مرائي)
(فلربما نفع الطَّبِيب ... وَكَانَ أحْوج للدواء)
وَمِنْه
(لعمرك مَا فِي الأَرْض من تَسْتَحي لَهُ ... وَلَا من تداري أَو تخَاف لَهُ عتبا)
стр. 626
(فعش ملقيا عَنْك التَّكَلُّف جانبا ... وَلَا ترض بَين النَّاس من اُحْدُ قربا)
وَأقَام فِي آخر مدَّته بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى مَاتَ فِي ربيع الأول سنة ٨١١ إحدى عشرَة وثمان مائَة
مُحَمَّد بن احْمَد بن عبد الهادي ابْن عبد الصَّمد بن عبد الهادى ابْن يُوسُف بن مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الحنبلي شمس الدَّين
ولد فِي رَجَب سنة ٧٠٥ خمس وَسَبْعمائة وَسمع من التقي سُلَيْمَان وَابْن سعد وطبقتهم وتفقه بِابْن مُسلم وَتردد إِلَى ابْن تَيْمِية وَمهر فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا
قَالَ الصفدي لَو عَاشَ لَكَانَ آيَة كنب إِذا لَقيته سَأَلته عَن مسَائِل أدبية وفوائد عَرَبِيَّة فينحدر كالسيل وَكنت أرَاهُ يرد على المزي فِي أَسمَاء الرِّجَال فَيقبل مِنْهُ وَقَالَ الذهبي فِي مُعْجَمه الْمُخْتَصر الْفَقِيه البارع المقري المجود الْمُحدث الْحَافِظ النحوي الحاذق ذُو الْفُنُون كتب علي واستفدت مِنْهُ
وَقَالَ ابْن كثير كَانَ حَافِظًا عَلامَة ناقدا حصل من الْعُلُوم مَالا يبلغهُ الشُّيُوخ الْكِبَار وبرع فِي الْفُنُون وَكَانَ جبلا فِي الْعِلَل والطرق وَالرِّجَال حسن الْفَهم جدا صَحِيح الذِّهْن وَمن الغرائب أَنه حدث الذهبي عَن المزي عَن السروجي عَنهُ
وَقَالَ المزي مَا التقيت بِهِ إِلَّا واستفدت مِنْهُ وَله كتاب الْأَحْكَام فِي ثَمَان مجلدات وَالرَّدّ على السبكي فِي رده على ابْن تَيْمِية وَالْمُحَرر فِي الحَدِيث اخْتَصَرَهُ من الْإِلْمَام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد فجوده جدا وَاخْتصرَ التَّعْلِيق لِابْنِ الجوزي وَزَاد عَلَيْهِ وحرره وَشرح التسهيل فِي مجلدين وَله منافسات لِابْنِ حَيَّان فِيمَا اعْترض بِهِ على ابْن مَالك فِي الألفية وَغير ذَلِك وَله الْكَلَام على أَحَادِيث مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرع فِي كتاب الْعِلَل على تَرْتِيب كتاب الْفِقْه وَجمع التَّفْسِير الْمسند وَلم يكمل قَالَ
стр. 627
الذهبي مَا اجْتمعت بِهِ قط إلا واستفدت مِنْهُ وَمَات فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة ٧٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَكَانَ عمره دون أَرْبَعِينَ سنة وتأسف النَّاس عَلَيْهِ
مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن إِبْرَاهِيم بن عَدْلَانِ بن مَحْمُود بن لَاحق بن دَاوُد الْمصْرِيّ الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن عَدْلَانِ
ولد فِي سنة ٦٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَسمع من الدمياطي وَابْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة وتفقه على آخَرين وبرع فِي الْفِقْه ودرس وَأفْتى وناب فِي الحكم عَن ابْن دَقِيق الْعِيد وَتوجه رَسُولا إِلَى الْيمن فِي سلطنة بيبرس الجاشنكير فَمَا عَاد إلا وَقد قتل السُّلْطَان وَعَاد الْملك النَّاصِر إِلَى السلطنة فَلم يرفع لَهُ رَأْسا وَلَا ولاه شَيْئا فِي حَيَاته ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر بعد موت السُّلْطَان وَكَانَ قد شرع فِي شرح مُخْتَصر المزني شرحا مطولا فَلم يكمله وَكَانَ من أفقه النَّاس فِي زَمَنه من الشَّافِعِيَّة ودارت عَلَيْهِ الْفتيا
قَالَ الأسنوي كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه يضْرب بِهِ الْمثل مَعَ معرفَة بالأصلين والعربية وَالْقِرَاءَة وَكَانَ ذكيا نظارا فصيحا يعبر عَن الْأُمُور الجلية بالعبارات الوجيزة مَعَ السرعة والديانة والمروءة وسلامة الصَّدْر ودرس بالناصرية وَكَانَت الْعَادة أَن يقْرَأ الْقَارئ آيَة فيتكلم عَلَيْهَا ابْن عَدْلَانِ كلَاما وَاسِعًا بِحَيْثُ يظن من سَمعه أَنه طالع التَّفْسِير وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الْقَارئ لِلْآيَةِ كَانَ إِذْ ذَاك من قوم بَينه وَبينهمْ مُنَافَسَة وَمَات فِي ذي الْقعدَة سنة ٧٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
стр. 628
مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأَصْل الفارقي ثمَّ الدمشقي أَبُو عبد الله شمس الدَّين الذهبي الْحَافِظ الْكَبِير
المؤرخ صَاحب التصانيف السائرة فِي الأقطار ولد ثَالِث شهر ربيع الآخر سنة ٧٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة وَأَجَازَ لَهُ فِي سنة مولده جمَاعَة بعناية أَخِيه من الرَّضَاع وَطلب بِنَفسِهِ بعد سنة ٦٩٠ فَأكْثر عَن ابْن عَسَاكِر وطبقته ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الدمياطي وَابْن الصَّواف وَغَيرهمَا وَخرج لنَفسِهِ ثَلَاثِينَ بَلَدا وَمهر فِي فن الحَدِيث وَجمع فِيهِ المجاميع المفيدة الْكَثِيرَة
قَالَ ابْن حجر حَتَّى كَانَ أَكثر أهل عصره تصنيفا وَجمع تَارِيخ الْإِسْلَام فأربى فِيهِ على من تقدمه بتحرير أَخْبَار الْمُحدثين خُصُوصا انْتهى
أي لَا بِاعْتِبَار تَحْرِير أَخْبَار غَيرهم فَإِن غَيره ابْسُطْ مِنْهُ وَاخْتصرَ مِنْهُ مختصرات كَثِيرَة مِنْهَا النبلاء والعبر وتلخيص التَّارِيخ وطبقات الْحفاظ وطبقات الْقُرَّاء وَلَعَلَّ تَارِيخ الْإِسْلَام فِي زِيَادَة على عشْرين مجلدا وقفت مِنْهُ على أَجزَاء
والنبلاء فِي نَحْو الْعشْرين مجلدا وقفت مِنْهُ على أَجزَاء وَهُوَ مُخْتَصر من تَارِيخ الْإِسْلَام بِاعْتِبَار أَن الأَصْل لمن نبل وَلمن لم ينبل فِي الْغَالِب
والنبلاء لَيْسَ إلا لمن نبل لكنه أَطَالَ تراجم النبلاء فِيهِ بمالم يكن فِي تَارِيخ الْإِسْلَام وَمن مصنفاته الْمِيزَان فِي نقد الرِّجَال جعله مُخْتَصًّا بالضعفاء الَّذين قد تكلم فيهم مُتَكَلم وَهُوَ كتاب مُفِيد فِي ثَلَاثَة مجلدات كبار
وَله كتاب الكاشف الْمَعْرُوف ومختصر سنَن البيهقي الْكُبْرَى
ومختصر تَهْذِيب الْكَمَال لشيخه المزي وَخرج لنَفسِهِ المعجم الصَّغِير وَالْكَبِير
والمختص بالمحدثين فَذكر فِيهِ غَالب الطّلبَة من أهل ذَلِك الْعَصْر وعاش الْكثير مِنْهُم بعده إِلَى نَحْو أربعين سنة وَخرج لغيره
стр. 629
من شُيُوخه وأقرانه وتلامذته
وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبا لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس فِي التَّارِيخ من أهل عصره فَمن بعدهمْ عِيَال عَلَيْهِ وَلم يجمع أحد فِي هَذَا الْفَنّ كجمعه وَلَا حَرَّره كتحريره
قَالَ الْبَدْر النابلسي فِي مشيخته كَانَ عَلامَة زَمَانه فِي الرِّجَال وأحوالهم جيد الْفَهم ثاقب الذِّهْن وشهرته تغني عَن الإطناب فِيهِ وَقد أَكثر التشنيع عَلَيْهِ تِلْمِيذه السبكي وَذكر فِي مَوَاضِع من طبقاته للشَّافِعِيَّة وَلم يَأْتِ بطائل بل غَايَة مَا قَالَه إنه كَانَ إِذا ترْجم الظَّاهِرِيَّة والحنابلة أَطَالَ فِي تقريظهم وَإِذا ترْجم غَيرهم من شافعي أَو حنفي لم يسْتَوْف مايستحقه وعندي أَن هَذَا كَمَا قَالَ الأول
(وَتلك شكاة ظَاهر عَنْك عارها)
فَإِن الرجل قد ملئ حبا للْحَدِيث وَغلب عَلَيْهِ فَصَارَ النَّاس عِنْده هم أَهله وَأكْثر محققيهم وأكابرهم هم من كَانَ يُطِيل الثَّنَاء عَلَيْهِ إلا من غلب عَلَيْهِ التَّقْلِيد وَقطع عمره فِي اشْتِغَال بِمَا لَا يُفِيد
وَمن جملَة مَا قَالَه السبكي فِي صَاحب التَّرْجَمَة أَنه كَانَ إِذا أَخذ الْقَلَم غضب حَتَّى لَا يدرى مايقول وَهَذَا بَاطِل فمصنفاته تشهد بِخِلَاف هَذِه الْمقَالة وغالبها الْإِنْصَاف والذب عَن الأفاضل وَإِذا جرى قلمه بالوقيعة فِي أحد لم يكن من معاصريه فَهُوَ إنما روى ذَلِك عَن غَيره وَإِن كَانَ من معاصريه فالغالب أَنه لَا يفعل ذَلِك إلا مَعَ من يسْتَحقّهُ وَإِن وَقع مَا يُخَالف ذَلِك نَادرا فَهَذَا شَأْن الْبشر وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إلا الْمَعْصُوم والأهوية تخْتَلف والمقاصد تتباين
стр. 630
وَرَبك يحكم بَينهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وَقد تصدر للتدريس بمواضع من دمشق وَكَانَ قد أضر قبل مَوته بسنوات وَكَانَ يغْضب إِذا قيل لَهُ يقْدَح عَيْنَيْهِ وَيَقُول مَا زلت أعرف بصري ينقص قَلِيلا قَلِيلا إِلَى أَن تَكَامل عَدمه
قَالَ الصَّفَدِي لم يكن عِنْده جمود الْمُحدثين بل كَانَ فَقِيه النَّفس لَهُ دراية بأقوال النَّاس وَهُوَ الْقَائِل مضمنا
(إِذا قَرَأَ الحَدِيث علي شخص ... وأخلى موضعا لوفاة مثلى)
(فَمَا جازى بِإِحْسَان لأني ... أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلَى)
قَالَ الصَّفَدِي فَأَنْشَدته لنفسى
(خليك مَاله فِي ذَا مُرَاد ... فدم كَالشَّمْسِ فِي أعلى مَحل)
(وحظي أَن تعيس مدى الليالي ... وَأَنَّك لَا تمل وَأَنت تملي)
قَالَ الصفدي فأعجبه قولي خليك لِأَن فِيهِ إشارة إِلَى بَقِيَّة الْبَيْت الذي ضمنه هُوَ مَعَ الاتفاق فِي اسْم خَلِيل وَمَات فِي لَيْلَة الثَّالِث من ذي الْقعدَة سنة ٧٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن نعيم بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين ابْن مقدم بِكَسْر الدَّال الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة بن مُحَمَّد بن حسن بن غَانِم بن مُحَمَّد بن عليم
بِضَم الْعين الْمُهْملَة شمس الدَّين البسطي ثمَّ القاهري المالكي ولد فِي سنة ٧٦٠ سِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل بِالْعلمِ فَأخذ عَن مَشَايِخ عصره وارتحل إِلَى الْقَاهِرَة وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ المغربي المالكي ولازمه نَحْو عشر سِنِين والعز بن جمَاعَة وَابْن خلدون وعَلى سَائِر عُلَمَاء الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول فِي ذَلِك الْعَصْر وبرع فِي الْفِقْه والأصلين والعربية واللغة والمعاني وَالْبَيَان والمنطق
стр. 631
وَالْحكمَة والجبر والمقابلة والطب والهيئة والهندسة والحساب وَصَارَ فريد عصره
ويروى عَنهُ أَنه قَالَ أعرف نَحْو عشْرين علما مَا سُئِلت عَن مسئلة مِنْهَا وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ شَدِيد الْفَاقَة رُبمَا مَضَت الْأَيَّام والليالي وَلَا يجد درهما بِحَيْثُ يضْطَر إِلَى بيع بعض نفائس كتبه ثمَّ تحرّك لَهُ الْحَظ فَأولى مَا ولي تدريس الشيخونية فِي سنة ٨٠٥ ثمَّ ولي بعد ذَلِك التدريس فِي أَمَاكِن ثمَّ قَضَاء الْمَالِكِيَّة بالديار المصرية فِي سنة ٨٢٣ وسافر مَعَ السُّلْطَان مرة بعد أُخْرَى وَحج وجاور بِمَكَّة سنة كَانَ فِي الْمُجَاورَة على قدم عَظِيم من الْعِبَادَة وَكَثْرَة التِّلَاوَة وَنشر الْعلم وَقد تفرد فِي عصره بِكَثْرَة الْفُنُون وتزاحم الطّلبَة بل الْعلمَاء بل الْأَئِمَّة فِي الْأَخْذ عَنهُ من جَمِيع الطوائف وَله تصانيف مِنْهَا المغني فِي الْفِقْه وَلم يكمل وشفاء الغليل على مُخْتَصر الشَّيْخ الْجَلِيل وَلم يكمل أَيْضا وحاشية على المطول للتفتازاني وعَلى شرح الطوالع للقطب وعَلى المواقف للعضد وَله نكت على الطوالع للبيضاوي ومقدمة مُشْتَمِلَة على مَقَاصِد الشَّامِل فِي الْكَلَام وَأُخْرَى فِي الْعَرَبيَّة وَله نظم فَمِنْهُ
(وَلم أنس ذَاك الْإِنْس وَالْقَوْم هجع ... وَنحن ضيوف والقراء منوع)
(وعشاق ليلى بَين باك وصارخ ... وَآخر مِنْهُم بالوصال ممتع)
(وَآخر فِي السّتْر الإلهي متيم ... تغوص بِهِ الأمواج حينا وترفع)
(وَآخر قرت حَاله فتميزت ... معارفه فِيمَا يروم وَيدْفَع)
(وَآخر أفنى الْكل عَن كل ذَاته ... فَكل الذي فِي الْكَوْن مرأى ومسمع)
(وَآخر لَا كَون لَدَيْهِ ولاله ... رَقِيب يلاحظه يثنى وَيجمع)
وَلم يزل على ارْتِفَاع مَكَانَهُ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَالدّين حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث عشر رَمَضَان سنة ٨٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ
стр. 632
مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن عبد الْملك
التقى الفاسي المكي المالكي شيخ الْحرم ولد فِي ربيع الأول سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وبالمدينة وَطلب بِنَفسِهِ فَسمع من ابْن صديق والنويري وَغَيرهمَا وَدخل الْقَاهِرَة غير مرّة فَقَرَأَ على البليقنى وَابْن الملقن والعراقى والهيتمى وَغَيرهم وَكَذَا دخل دمشق مرَارًا وَقَرَأَ على مشايخها وسافر إِلَى غَزَّة والرملة ونابلس والإسكندرية وَدخل الْيمن مرَارًا وَسمع مشايخها وَبَلغت عدَّة شُيُوخه بِالسَّمَاعِ وَالْإِجَازَة نَحْو خمس مائَة وعني بِعلم الحَدِيث أتم عناية وَكتب الْكثير وَأفَاد وانتفع النَّاس بِهِ وَأخذُوا عَنهُ ودرس وَأفْتى وَحدث بالحرمين والقاهرة ودمشق واليمن وَكَانَ ذَا يَد طولى فِي التَّارِيخ والْحَدِيث وَاسع الْحِفْظ واعتنى بأخبار بَلَده فأحيا معالمها وأوضح مجاهلها وحدد مآثرها وَترْجم أعيانها فَكتب لَهُ تَارِيخا حافلا سَمَّاهُ شِفَاء الغرام بأخبار الْبَلَد الْحَرَام فِي مجلدين جمع فِيهِ مَا فِي الأزرقي وَزَاد عَلَيْهِ مَا تجدد بعده وَعمل العقد الثمين فِي تَارِيخ الْبَلَد الْأمين فِي أَربع مجلدات
وصنف ذيلا على سيرة النبلاء للذهبى
وَعمل على التَّقْيِيد لِابْنِ نقطة
وَفِي الْأَذْكَار والدعوات والمناسك
على مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَاخْتصرَ حَيَاة الْحَيَوَان للدميري
وَخرج الْأَرْبَعين المتباينات لنَفسِهِ
وتصانيفه كَثِيرَة وَولى قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمَكَّة فِي شَوَّال سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة وعزل مرَارًا وَمَات وَهُوَ مَعْزُول بِمَكَّة فِي شَوَّال ٨٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَقد ترْجم نَفسه فِي تَارِيخ
стр. 633
مَكَّة بِزِيَادَة على كراس
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن هَاشم الْجلَال أَبُو عبد الله الْمحلى الأَصْل نِسْبَة إِلَى المحلة الْكُبْرَى بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة
من الْقَاهِرَة الشافعي وَيعرف بالجلال الْمحلى ولد فِي مستهل شَوَّال سنة ٧١٩ إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا واشتغل فِي فنون فَأخذ الْفِقْه وأصوله والعربية عَن الشَّمْس البرماوي وَعَن الْجلَال البلقيني والولي العراقي والعز بن جمَاعَة
والمنطق والجدل والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض عَن الْبَدْر الأقصرائي ولازم البساطي فِي التَّفْسِير وأصول الدَّين وَغَيرهمَا والْعَلَاء بن البخاري وَقَرَأَ على غير هَؤُلَاءِ وَأخذ عُلُوم الحَدِيث عَن الولي العراقي والحافظ بن حجر وَمهر وَتقدم على غَالب أقرانه وتفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وتصدى للتصنيف والتدريس فشرح جمع الْجَوَامِع والورقات والمنهاج الفرعي والبردة شروحا متقنة مختصرة وَعمل لنَفسِهِ منسكا وتفسيرا لم يكمل وَرغب الْأَئِمَّة فِي تَحْصِيل تصانيفه وقراءتها وإقرائها وَقَرَأَ عَلَيْهِ من لَا يُحْصى كَثْرَة وارتحل الْفُضَلَاء للأخذ عَنهُ وَهُوَ حاد المزاج لَا سِيمَا فِي الْحر وَإِذا ظهر لَهُ الصَّوَاب على يَد من كَانَ رَجَعَ إِلَيْهِ وَقد ولي التدريس بمواضع وَكَانَ مفرط الذكاء صَحِيح الذِّهْن لَا يقبل ذهنه الْغَلَط قوي المباحثة مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة مَشْهُور الذكر بعيد الصيت مَقْصُودا بالفتاوى من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة
قَالَ السخاوي وترجمته تحْتَمل كراريس وَقد حج مرار وَمَات بعد أَن تعلل بالإسهال فِي يَوْم السبت مستهل سنة ٨٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وثمان مائَة وتأسف النَّاس على
стр. 634
فَقده وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعه مثله
مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي الأَصْل الصنعاني المولد والمنشأ
ولد سنة ١١٦٨ سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمى والفقيه الْعَلامَة سعيد بن إِسْمَاعِيل الرشيدي وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَقَرَأَ فِي سَائِر الْعُلُوم على عَمه الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر وَشَيخنَا الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي وَقَرَأَ على فِي الْفَرَائِض وَشرح الرضى للكافية ومغني اللبيب وَفِي الترمذي وَسنَن أَبى دَاوُد وَغير ذَلِك وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالْفِقْه والْحَدِيث وشارك فِي سَائِر الْفُنُون وَله ذهن قويم وَفهم جيد وذكاء متوقد وَحسن تصور باهر وَقُوَّة إدراك مفرط بِحَيْثُ يرتقى بِأَدْنَى اشْتِغَال إِلَى مَالا يرتقى إِلَيْهِ من هُوَ أَكثر مِنْهُ اشتغالاً وَهُوَ مِمَّن لَا يعول على التَّقْلِيد بل يعْمل بِمَا يرجحه من الْأَدِلَّة وولاه مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله الْقَضَاء الصَّنْعَانِيّ بِصَنْعَاء من جملَة قضاتها فَكَانَ يقْضى بَين النَّاس بمَكَان وَالِده وَأثْنى النَّاس عَلَيْهِ وَرَغبُوا فِيهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من الصلابة فِي الدَّين وَسُرْعَة الْفَصْل للقضايا المشكلة وَلَعَلَّ توليه للْقَضَاء كَانَ فِي سنة ١٢١٠ ثمَّ حجر فِي سنة ١٢١١ ثمَّ ولاه مَوْلَانَا الإِمَام قَضَاء بِلَاد ريمة فِي سنة ١٢١٢ ثمَّ نَقله إِلَى قَضَاء الحديدة وَهُوَ الْآن هُنَالك مُسْتَمر على الْقَضَاء متأسف على فِرَاق صنعاء متلهب على مَا فَاتَهُ من الطلب للعلوم على مشايخها وَكَانَ قبل ارتحاله من صنعاء
стр. 635
إِلَى تِلْكَ الْجِهَة يكثر الِاتِّصَال بَيْننَا ويجري من المباحث العلمية فِي أَنْوَاع الْعلم أَشْيَاء كَثِيرَة وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة زَائِدَة وَمَا زَالَت كتبه تصل من هُنَالك تَارَة بمسائل علمية وَتارَة بمطارحة أدبية وَمِمَّا كتبه إِلَى من هُنَالك هَذِه القصيدة الَّتِى هي ذَات قافيتين
(صب يورقه النسيم إِذا سرى ... من نَحْو صنعا ... حَامِلا طيب الرسائل)
(ويثير لوعته الْحمام إِذا علت ... فِي الدوح فرعا ... والزهور لَهُ غلائل)
(وغدت تردد فِي الغصون هديرها ... وتميد سجعا ... تدعى شجو البلابل)
(اذ كَيْت ياورق الغرام وَأَنت لم ... تدنيه قطعا ... والغرام لَهُ دَلَائِل)
(طوقت جيدك وَالْخطاب أجدته ... فِي الْكَفّ وضعا ... لم يكن عَنْهَا بفاصل)
(ووقفت بَين أرايك قد دبجت ... زهرا وزرعا ... وارتقصت على الخمائل)
(وجمعت شملك بالأليف مُوَافقا ... جِنْسا ونوعا ... مشبها لَك فِي الشَّمَائِل)
(لَا در دَرك يافراق قطعت حَبل ... الْوَصْل قطعا ... ثمَّ بددت الْوَسَائِل)
(وتركتني أرعى السهى وأذيل فِي ... الْخَدين دمعا ... يخجل السحب الهواطل)
(وتذود عَن عيني الْكرَى وَأَيْنَ ... أَيْن النوم يسْعَى ... فِي الْعُيُون وهي هوامل)
(ياليت شعري هَل يكون لنا من ... الْأَيَّام رجعاً ... بَين هاتيك الْمنَازل)
(وَأرى الْفِرَاق مصفدا متصدعاً ... بالوصل صدعا ... لَا تروعنا النَّوَازِل)
(وزمام دهري فِي يدي أجيله ... فِي كل مسعى ... لايني وَلَا يخاذل)
(فِي ذَلِك الربع الممنع يَا سقَاهُ الله ربعا ... فِي الغدوة والأصائل)
(كم غازلتنى فِيهِ من تركت لَهَا ... العشاق صرعى ... لَا تجيب وَلَا تسائل)
(هيفا بعامل قدها رفعت مَنَام ... الْعين رفعا ... لَيْسَ من عمل العوامل)
(وَلَكِن صبوت وَكم هززت من العلى ... وَالْمجد جذعا ... جانيا ثَمَر الْفَضَائِل)
следующие страницы →