← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَالْحكمَة والجبر والمقابلة والطب والهيئة والهندسة والحساب وَصَارَ فريد عصره ويروى عَنهُ أَنه قَالَ أعرف نَحْو عشْرين علما مَا سُئِلت عَن مسئلة مِنْهَا وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ شَدِيد الْفَاقَة رُبمَا مَضَت الْأَيَّام والليالي وَلَا يجد درهما بِحَيْثُ يضْطَر إِلَى بيع بعض نفائس كتبه ثمَّ تحرّك لَهُ الْحَظ فَأولى مَا ولي تدريس الشيخونية فِي سنة ٨٠٥ ثمَّ ولي بعد ذَلِك التدريس فِي أَمَاكِن ثمَّ قَضَاء الْمَالِكِيَّة بالديار المصرية فِي سنة ٨٢٣ وسافر مَعَ السُّلْطَان مرة بعد أُخْرَى وَحج وجاور بِمَكَّة سنة كَانَ فِي الْمُجَاورَة على قدم عَظِيم من الْعِبَادَة وَكَثْرَة التِّلَاوَة وَنشر الْعلم وَقد تفرد فِي عصره بِكَثْرَة الْفُنُون وتزاحم الطّلبَة بل الْعلمَاء بل الْأَئِمَّة فِي الْأَخْذ عَنهُ من جَمِيع الطوائف وَله تصانيف مِنْهَا المغني فِي الْفِقْه وَلم يكمل وشفاء الغليل على مُخْتَصر الشَّيْخ الْجَلِيل وَلم يكمل أَيْضا وحاشية على المطول للتفتازاني وعَلى شرح الطوالع للقطب وعَلى المواقف للعضد وَله نكت على الطوالع للبيضاوي ومقدمة مُشْتَمِلَة على مَقَاصِد الشَّامِل فِي الْكَلَام وَأُخْرَى فِي الْعَرَبيَّة وَله نظم فَمِنْهُ (وَلم أنس ذَاك الْإِنْس وَالْقَوْم هجع ... وَنحن ضيوف والقراء منوع) (وعشاق ليلى بَين باك وصارخ ... وَآخر مِنْهُم بالوصال ممتع) (وَآخر فِي السّتْر الإلهي متيم ... تغوص بِهِ الأمواج حينا وترفع) (وَآخر قرت حَاله فتميزت ... معارفه فِيمَا يروم وَيدْفَع) (وَآخر أفنى الْكل عَن كل ذَاته ... فَكل الذي فِي الْكَوْن مرأى ومسمع) (وَآخر لَا كَون لَدَيْهِ ولاله ... رَقِيب يلاحظه يثنى وَيجمع) وَلم يزل على ارْتِفَاع مَكَانَهُ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَالدّين حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث عشر رَمَضَان سنة ٨٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ

стр. 632

مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن أَبى عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن عبد الْملك التقى الفاسي المكي المالكي شيخ الْحرم ولد فِي ربيع الأول سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وبالمدينة وَطلب بِنَفسِهِ فَسمع من ابْن صديق والنويري وَغَيرهمَا وَدخل الْقَاهِرَة غير مرّة فَقَرَأَ على البليقنى وَابْن الملقن والعراقى والهيتمى وَغَيرهم وَكَذَا دخل دمشق مرَارًا وَقَرَأَ على مشايخها وسافر إِلَى غَزَّة والرملة ونابلس والإسكندرية وَدخل الْيمن مرَارًا وَسمع مشايخها وَبَلغت عدَّة شُيُوخه بِالسَّمَاعِ وَالْإِجَازَة نَحْو خمس مائَة وعني بِعلم الحَدِيث أتم عناية وَكتب الْكثير وَأفَاد وانتفع النَّاس بِهِ وَأخذُوا عَنهُ ودرس وَأفْتى وَحدث بالحرمين والقاهرة ودمشق واليمن وَكَانَ ذَا يَد طولى فِي التَّارِيخ والْحَدِيث وَاسع الْحِفْظ واعتنى بأخبار بَلَده فأحيا معالمها وأوضح مجاهلها وحدد مآثرها وَترْجم أعيانها فَكتب لَهُ تَارِيخا حافلا سَمَّاهُ شِفَاء الغرام بأخبار الْبَلَد الْحَرَام فِي مجلدين جمع فِيهِ مَا فِي الأزرقي وَزَاد عَلَيْهِ مَا تجدد بعده وَعمل العقد الثمين فِي تَارِيخ الْبَلَد الْأمين فِي أَربع مجلدات وصنف ذيلا على سيرة النبلاء للذهبى وَعمل على التَّقْيِيد لِابْنِ نقطة وَفِي الْأَذْكَار والدعوات والمناسك على مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَاخْتصرَ حَيَاة الْحَيَوَان للدميري وَخرج الْأَرْبَعين المتباينات لنَفسِهِ وتصانيفه كَثِيرَة وَولى قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمَكَّة فِي شَوَّال سنة ٨٠٧ سبع وثمان مائَة وعزل مرَارًا وَمَات وَهُوَ مَعْزُول بِمَكَّة فِي شَوَّال ٨٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَقد ترْجم نَفسه فِي تَارِيخ

стр. 633

مَكَّة بِزِيَادَة على كراس مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن هَاشم الْجلَال أَبُو عبد الله الْمحلى الأَصْل نِسْبَة إِلَى المحلة الْكُبْرَى بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة من الْقَاهِرَة الشافعي وَيعرف بالجلال الْمحلى ولد فِي مستهل شَوَّال سنة ٧١٩ إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا واشتغل فِي فنون فَأخذ الْفِقْه وأصوله والعربية عَن الشَّمْس البرماوي وَعَن الْجلَال البلقيني والولي العراقي والعز بن جمَاعَة والمنطق والجدل والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض عَن الْبَدْر الأقصرائي ولازم البساطي فِي التَّفْسِير وأصول الدَّين وَغَيرهمَا والْعَلَاء بن البخاري وَقَرَأَ على غير هَؤُلَاءِ وَأخذ عُلُوم الحَدِيث عَن الولي العراقي والحافظ بن حجر وَمهر وَتقدم على غَالب أقرانه وتفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وتصدى للتصنيف والتدريس فشرح جمع الْجَوَامِع والورقات والمنهاج الفرعي والبردة شروحا متقنة مختصرة وَعمل لنَفسِهِ منسكا وتفسيرا لم يكمل وَرغب الْأَئِمَّة فِي تَحْصِيل تصانيفه وقراءتها وإقرائها وَقَرَأَ عَلَيْهِ من لَا يُحْصى كَثْرَة وارتحل الْفُضَلَاء للأخذ عَنهُ وَهُوَ حاد المزاج لَا سِيمَا فِي الْحر وَإِذا ظهر لَهُ الصَّوَاب على يَد من كَانَ رَجَعَ إِلَيْهِ وَقد ولي التدريس بمواضع وَكَانَ مفرط الذكاء صَحِيح الذِّهْن لَا يقبل ذهنه الْغَلَط قوي المباحثة مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة مَشْهُور الذكر بعيد الصيت مَقْصُودا بالفتاوى من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة قَالَ السخاوي وترجمته تحْتَمل كراريس وَقد حج مرار وَمَات بعد أَن تعلل بالإسهال فِي يَوْم السبت مستهل سنة ٨٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وثمان مائَة وتأسف النَّاس على

стр. 634

فَقده وَلم يخلف بعده فِي مَجْمُوعه مثله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جَار الله مشحم الصعدي الأَصْل الصنعاني المولد والمنشأ ولد سنة ١١٦٨ سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ الْفِقْه على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمى والفقيه الْعَلامَة سعيد بن إِسْمَاعِيل الرشيدي وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي وَقَرَأَ فِي سَائِر الْعُلُوم على عَمه الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر وَشَيخنَا الْعَلامَة عبد الله بن إِسْمَاعِيل النهمي وَقَرَأَ على فِي الْفَرَائِض وَشرح الرضى للكافية ومغني اللبيب وَفِي الترمذي وَسنَن أَبى دَاوُد وَغير ذَلِك وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالْفِقْه والْحَدِيث وشارك فِي سَائِر الْفُنُون وَله ذهن قويم وَفهم جيد وذكاء متوقد وَحسن تصور باهر وَقُوَّة إدراك مفرط بِحَيْثُ يرتقى بِأَدْنَى اشْتِغَال إِلَى مَالا يرتقى إِلَيْهِ من هُوَ أَكثر مِنْهُ اشتغالاً وَهُوَ مِمَّن لَا يعول على التَّقْلِيد بل يعْمل بِمَا يرجحه من الْأَدِلَّة وولاه مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله الْقَضَاء الصَّنْعَانِيّ بِصَنْعَاء من جملَة قضاتها فَكَانَ يقْضى بَين النَّاس بمَكَان وَالِده وَأثْنى النَّاس عَلَيْهِ وَرَغبُوا فِيهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من الصلابة فِي الدَّين وَسُرْعَة الْفَصْل للقضايا المشكلة وَلَعَلَّ توليه للْقَضَاء كَانَ فِي سنة ١٢١٠ ثمَّ حجر فِي سنة ١٢١١ ثمَّ ولاه مَوْلَانَا الإِمَام قَضَاء بِلَاد ريمة فِي سنة ١٢١٢ ثمَّ نَقله إِلَى قَضَاء الحديدة وَهُوَ الْآن هُنَالك مُسْتَمر على الْقَضَاء متأسف على فِرَاق صنعاء متلهب على مَا فَاتَهُ من الطلب للعلوم على مشايخها وَكَانَ قبل ارتحاله من صنعاء

стр. 635

إِلَى تِلْكَ الْجِهَة يكثر الِاتِّصَال بَيْننَا ويجري من المباحث العلمية فِي أَنْوَاع الْعلم أَشْيَاء كَثِيرَة وبيني وَبَينه مَوَدَّة أكيدة ومحبة زَائِدَة وَمَا زَالَت كتبه تصل من هُنَالك تَارَة بمسائل علمية وَتارَة بمطارحة أدبية وَمِمَّا كتبه إِلَى من هُنَالك هَذِه القصيدة الَّتِى هي ذَات قافيتين (صب يورقه النسيم إِذا سرى ... من نَحْو صنعا ... حَامِلا طيب الرسائل) (ويثير لوعته الْحمام إِذا علت ... فِي الدوح فرعا ... والزهور لَهُ غلائل) (وغدت تردد فِي الغصون هديرها ... وتميد سجعا ... تدعى شجو البلابل) (اذ كَيْت ياورق الغرام وَأَنت لم ... تدنيه قطعا ... والغرام لَهُ دَلَائِل) (طوقت جيدك وَالْخطاب أجدته ... فِي الْكَفّ وضعا ... لم يكن عَنْهَا بفاصل) (ووقفت بَين أرايك قد دبجت ... زهرا وزرعا ... وارتقصت على الخمائل) (وجمعت شملك بالأليف مُوَافقا ... جِنْسا ونوعا ... مشبها لَك فِي الشَّمَائِل) (لَا در دَرك يافراق قطعت حَبل ... الْوَصْل قطعا ... ثمَّ بددت الْوَسَائِل) (وتركتني أرعى السهى وأذيل فِي ... الْخَدين دمعا ... يخجل السحب الهواطل) (وتذود عَن عيني الْكرَى وَأَيْنَ ... أَيْن النوم يسْعَى ... فِي الْعُيُون وهي هوامل) (ياليت شعري هَل يكون لنا من ... الْأَيَّام رجعاً ... بَين هاتيك الْمنَازل) (وَأرى الْفِرَاق مصفدا متصدعاً ... بالوصل صدعا ... لَا تروعنا النَّوَازِل) (وزمام دهري فِي يدي أجيله ... فِي كل مسعى ... لايني وَلَا يخاذل) (فِي ذَلِك الربع الممنع يَا سقَاهُ الله ربعا ... فِي الغدوة والأصائل) (كم غازلتنى فِيهِ من تركت لَهَا ... العشاق صرعى ... لَا تجيب وَلَا تسائل) (هيفا بعامل قدها رفعت مَنَام ... الْعين رفعا ... لَيْسَ من عمل العوامل) (وَلَكِن صبوت وَكم هززت من العلى ... وَالْمجد جذعا ... جانيا ثَمَر الْفَضَائِل)

стр. 636

(حَتَّى أتيح لي النَّوَى فَغَدَوْت فِي ... الْمَقْدُور اسعى ... عَن ديارى ثمَّ راحل) (فتبدلت عرر اللَّيَالِي بالدواهي والليا لي ... حلن جزعا ... مثل حَال الصب حَائِل) (يَا دهر عد بالوصل أَو ناصقت ... حظي مِنْك شرعا ... عِنْد حاكمنا الحلاحل) (قاضي الْقَضَاء مُحَمَّد الْبَدْر الذى دَانَتْ لَهُ ... الْعليا طَوْعًا ... زِينَة الفضلا الأماثل) (حاوي المعارف كلهَا ومحامد ... الْأَوْصَاف جمعا ... نخبة النخب الأفاضل) فأجبت بقولى (قلب تقلب فِي فنون من جُنُون ... الْعِشْق طبعا ... فِي ربى تِلْكَ الْمنَازل) (يذري دموع عيونه محمرة ... وترا وشفعا ... من هوى ظبي الخمائل) (سل عَنهُ هَل طابت لَهُ ياريم رامت ... ارْض صنعا ... فِي ضحاها والأصائل) (مَا الْعَيْش إلا فِي ذرى الأحباب ... والأتراب قطعا ... كم على هَذَا دلايل) (يَا عز دين الله لَا تجزع لبين ... شت جمعي ... الصَّبْر شِيمَة كل فَاضل) (لَا تجز عَن من الْفِرَاق فَلَيْسَ ذَاك ... الْبعد بدعا ... مالازم الأوطان كَامِل) (صبرا على الزَّمن الذي مَا زَالَ بالمكروه ... يسْعَى ... وَبِكُل مانهواه باخل) (وَأعلم بأنك تَحت تَدْبِير القضا ... نصبا ورفعا ... يالقاك فِيهِ كل عَامل) (مَا أَنْت مضطهد وَلَا تَحت امتنان ... لِابْنِ لكعا ... يَا ابْن الأكارم والأماثل) (بل نَافِذ الْأَقْوَال تصدع إن تشا ... بِالْحَقِّ صدعا ... وتكف صولة كل صائل) (وتخفف الأثقال عَن مستضعف ... دفعا ونفعا ... وتحط عَنهُ كل بَاطِل) (وتصول صولة فاتك أن ينتهك ... فِي النَّاس شرعا ... فدم من الإعتام جَاهِل) (كم بَين من يقْضِي بِمَا قَامَ الدَّلِيل ... عَلَيْهِ قطعا ... وفتى على التَّحْقِيق عاطل) (يرْوى من الرأي الْمُجَرّد كل ... فاقرة وشنعا ... مَقْصُودَة قد قَالَ قَائِل)

стр. 637

(كم بَين ذَاك وَبَين ذَا من غَايَة ... رفعا ووضعا ... ايْنَ العقال من المعاقل) (إياك يَا بدر الأفاضل ان ... تطِيق بِذَاكَ ذرعا ... الصَّبْر من دأب الأفاضل) (قل لى رعاك الله مَا وَجه التشوق ... نَحْو صنعا ... تنظر إِلَى طالع ونازل) (إن قلت مربع من هويت ويارعاه ... الله ربعا ... كم فِيهِ من شخص مشاكل) (فالتبر يَا مولاي فِي أوطانه ... كالترب نفعا ... وأسأل لهَذَا كل عَاقل) (والبدر لَو لزم السّكُون لَكَانَ ... طول الدَّهْر بدعا ... بَين الْأَنَام هِلَال ناحل) (وَاللَّيْث لَوْلَا سَعْيه فِي كل قفر ... مَاتَ جوعا ... اسْمَع هديت وَلَا تجَادل) وَهَذَا الْجَواب أَكْثَره لَا يعجبني فإني كتبته إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة حَال تَحْرِير جَوَاب كِتَابه بِدُونِ تدبر وَلَا تفكر بل قَالَ رَسُوله أنه عازم فِي تِلْكَ السَّاعَة فكتبته وَهُوَ قَائِم على الْبَاب والمترجم لَهُ عافاه الله مُسْتَمر على حَاله الْحسن صرف الله عَنهُ جَمِيع المحن ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة رغب عَن الْقَضَاء لأجل مَا حصل من الْفِتَن بتهامة وَوصل إِلَى صنعاء وَأخذ عَنى فِي فنون الحَدِيث ثمَّ مرض مَرضا طَويلا وانتقل إِلَى ﵀ فِي شهر رَجَب سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن بكر بن مُحَمَّد ابْن مَرْزُوق بن عبد الله العجيسي التلمساني المالكي الْمَعْرُوف بِابْن مَرْزُوق ولد فِي ثَالِث عشر ربيع الأول سنة ٧٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل ببلاده على جمَاعَة من أَهلهَا وَحج وَسمع من الْبَهَاء الدماميني بالإسكندرية والنويري بِمَكَّة وَدخل الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على البلقيني وَابْن الملقن والعراقي وَغَيرهم ولازم الْمُحب بن هِشَام فِي الْعَرَبيَّة وَحج مرة أُخْرَى ولقي جمَاعَة من الْأَعْيَان وَأخذ عَنهُ ابْن حجر

стр. 638

وَهُوَ أَخذ عَنهُ قِطْعَة من شرح البخاري وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْقَاهِرَة وَله تصانيف مِنْهَا المتجر الربيح والمسعى الرجيح والمرحب الفسيح فِي شرح الْجَامِع الصَّحِيح وَلم يكمل وأنواع الدرارى فِي مكررات البُخَارِيّ واظهار الْمَوَدَّة فِي شرح الْبردَة وَاخْتَصَرَهُ أَيْضا فِي مُخْتَصر سَمَّاهُ الِاسْتِيعَاب وَشرح التسهيل والألفية ومختصر ابْن الْحَاجِب والتهذيب والجمل للجوينى ومصنفاته كَثِيرَة منظومة ومنثورة وَمَات بتلمسان فِي عَشِيَّة الْخَمِيس رَابِع شهر شعْبَان سنة ٨٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثمان مائَة مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عمر بن يُوسُف بن علي بن إِسْمَاعِيل الْبَهَاء الصاغاني الأَصْل المكي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن الضياء ولد فِي لَيْلَة تَاسِع الْمحرم سنة ٧٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على أعيانها كالنويري والمراغي وارتحل غير مرة إِلَى الْقَاهِرَة فَأخذ عَن علمائها كَابْن حجر وطبقته وَأَجَازَ لَهُ آخَرُونَ كالبلقيني وَابْن الملقن والعراقى وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وصنف التصانيف مِنْهَا المسرع فِي شرح الْمجمع فِي أَربع مجلدات وَالْبَحْر العميق فِي مَنَاسِك حج بَيت الله الْعَتِيق وتنزيه الْمَسْجِد الْحَرَام عَن بدع جهلة الْعَوام فِي مُجَلد وَشرح الوافي مطول ومختصر وَشرح مُقَدّمَة الغزنوي فِي الْعِبَادَات فِي مجلدين وَشرح الْبَزْدَوِيّ وَلم يكمل قَالَ السخاوي وَكَانَ إماما عَلامَة مُتَقَدما فِي الْفِقْه والأصلين والعربية مشاركا فِي فنون حسن الكتابة وَالتَّقْيِيد عَظِيم الرَّغْبَة فِي المطالعة والانتقاد وَله تَفْسِير سَمَّاهُ المتدارك على المدارك والشافى فِي مُخْتَصر الكافي وَقد رَحل وطوف الْبِلَاد وَلم يفته الْحَج فِي سنة من السنين مُنْذُ احْتَلَمَ إِلَى أَن مَاتَ فِي ذِي

стр. 639

الْقعدَة سنة ٨٥٤ أَربع وَخمسين وثمان مائَة مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن روزبة الكازروني الأَصْل المدني الشَّافِعِي ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر ذي الْقعدَة سنة ٧٥٧ سبع وَخمسين وَسَبْعمائة بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَسمع من أَهلهَا والقادمين إِلَيْهَا كالعز بن جمَاعَة والنويري وَابْن صديق والعراقي والمراغي وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من الأكابر وارتحل إِلَى الديار المصرية وَالشَّام وَغَيرهمَا وَأخذ عَن الْبَهَاء السبكي والسراج البلقيني وتصدر للْقِرَاءَة والإفتاء والتحديث بِالْمَدِينَةِ المنورة وَصَارَ عالمها وصنف مصنفات مِنْهَا مُخْتَصر المغني للبارزي وَشرح مُخْتَصر التَّنْبِيه فِي ثَلَاثَة أسفار وَلم يبيضه وَكتب شرحا على شرح التَّنْبِيه وشرحا على فروع ابْن الْحداد فِي مُجَلد وَكتب تَفْسِيرا اعْتمد فِيهِ على تَفْسِير القرطبي وَولى قَضَاء الْمَدِينَة فِي سنة ٨١٢ وانفصل عَنهُ واشتغل بِالْعبَادَة حَتَّى مَاتَ فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الثاني وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ٨٤٣ ثَلَاث وَأَرْبَعين وثمان مائَة مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد مرغم الزيدي اليماني ولد سنة ٨٣٦ سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَأخذ الْعلم عَن أَعْيَان مَدِينَة صنعاء وَغَيرهَا وبرع لاسيما فِي الْفِقْه وَصَارَ أحد الْعلمَاء المرجوع إِلَيْهِم فِي زَمَانه وَكَانَ ملازما للْإِمَام النَّاصِر الْحسن بن عز الدَّين بن الْحسن وَكَانَ السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب لما افْتتح صنعاء وَمَا يَليهَا من الْبِلَاد يجله وَيقبل شَفَاعَته لأجل اتِّصَاله بِالْإِمَامِ الْمَذْكُور رِعَايَة لما كَانَ بَين السُّلْطَان عَامر وَبَين الْحسن من الْمَوَدَّة وَلما صلى السُّلْطَان عَامر بِجَامِع صنعاء أول

стр. 640

جُمُعَة فَأَرَادَ الْمُؤَذّن أَن يسْقط من الْأَذَان حي على خير الْعَمَل فَمَنعه صَاحب التَّرْجَمَة فَأذن الْمُؤَذّن حَتَّى بلغ حي على خير الْعَمَل فَالْتَفت إِلَيْهِ جَمِيع من فِي الْمَسْجِد من جند السُّلْطَان وهم ألوف مؤلفة وعد ذَلِك من تصلبه فِي مذْهبه وَكَانَ لَهُ تلامذة يقرأون عَلَيْهِ وَمِنْهُم عبد الهادي السودي الْمُتَقَدّم ذكره وَلما كثرت إقامة المترجم لَهُ بالأبناء مَحل قريب صنعاء وَترك الْإِقَامَة بِصَنْعَاء وَكَانَ فِي عزم عبد الهادي الْمَذْكُور أَنه يقْرَأ عَلَيْهِ الْكَشَّاف فَكتب إِلَيْهِ (حاشاك أَن تبقى معنى دايما ... مَا بَين حراث وسان سَاق) (يملى عَلَيْك حدابها يمه الَّتِى ... تملي الدلاء بِمَائِهَا الدفاق) فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة (كلم أَتَت من طيب الأعراق ... صافي الوداد مهذب الْأَخْلَاق) وَمن جملَة ذَلِك (أهلي وأولادي ومالي دَائِما ... قد أوثقوني فِي أَشد وثاق) وَمَات فجر يَوْم السبت الثَّالِث من رَجَب سنة ٩٣١ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَدفن بمشهده بالأبناء من جِهَات السِّرّ رثاه تِلْمِيذه ابْن عقبَة بِأَبْيَات مِنْهَا (امام عُلُوم الِاجْتِهَاد سميدع ... الْفَرِيقَيْنِ من عرب وعجم لِسَان) (مُحَمَّد القاضي ابْن مرغم الذى ... اقمت زَمَانا عِنْده فحبانى) (أصولى ذوي عقل وفقها ومنطقا ... ونحوا وتصريفا وفن وَبَيَان) (وَتَفْسِير كشاف وجامع سنة ... وَمَا قد روي فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ) (وَأَحْكَام تَقْوِيم الْحساب لراصد ... بروجا وافلا كامع الدوران)

стр. 641

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي ابْن شَيخنَا الْمُتَقَدّمَة تَرْجَمته ولد سنة ١١٩٤ أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف بِصَنْعَاء وَقَرَأَ فِي علم الْفِقْه على مَشَايِخ الْفُرُوع واستفاد فِي ذَلِك وَقَرَأَ علي فِي كتب الحَدِيث وَفِي النَّحْو وَالتَّفْسِير وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق كريم الأعراق كثير الْخَيْر جيد الْإِدْرَاك قوي الْعقل وَلما توفي وَالِده ﵀ خضت مَعَ الإِمَام المتَوَكل ﵀ أَن يقيمه مقَامه فِي جَمِيع مَا كَانَ إِلَيْهِ من الْقَضَاء والتوسط على بيُوت من بيُوت آل الإِمَام فَثَبت فِي ذَلِك أحسن ثُبُوت وَأقَام بِهِ أتم قيام وَفِي سنة ١٢٣٤ لما وصلت التّرْك إِلَى تهَامَة واستولوا على مَا كَانَ بيد الْأَشْرَاف وَوصل من باشة الْجَيْش الرومي وَهُوَ الباشا خَلِيل أَنه يصل إِلَيْهِ رجل مركون من حَضْرَة الْخَلِيفَة ليعرفه بِمَا لَدَيْهِ فَوَقَعت الْمُفَاوضَة بيني وَبَين مَوْلَانَا الإِمَام المهدي حفظه الله على نُفُوذ صَاحب التَّرْجَمَة فنفذ مَعَ الرُّسُل الواصلين من جِهَة الباشا وَنفذ مَعَه جمَاعَة وَوصل إِلَى الباشا خَلِيل إِلَى أَبى عَرِيش وَعَاد وَمَعَهُ جمَاعَة من الأتراك إِلَى صنعاء ثمَّ رَجَعَ مرة أُخْرَى ثمَّ فصل الْخَوْض بَين مَوْلَانَا الإِمَام وَبَين الباشا على إرجاع الْبِلَاد وَقد أوضحت ذَلِك فِي تَرْجَمَة الآغا يُوسُف الَّتِى ستأتي ان شَاءَ الله وأشرت إِلَى شئ من ذَلِك فِي تَرْجَمَة وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة وَالْحَاصِل إن صَاحب التَّرْجَمَة يقل نَظِيره فِي مَجْمُوعه وَقد ظهر كَمَاله وَحسن رَأْيه وجودة تَدْبيره فِي هَذِه المراسلة الْمَذْكُورَة

стр. 642

مُحَمَّد بن أَحْمد بن مظفر تَرْجمهُ صَاحب مطلع البدور وَلم يذكر مولده وَلَا وَفَاته وَلَا شُيُوخه وَهُوَ مؤلف الْبُسْتَان شرح كتاب الْبَيَان لجده وَهُوَ شرح مُفِيد عول فِيهِ على النَّقْل من الِانْتِصَار للْإِمَام يحيى بن حَمْزَة وَألف أَيْضا الترجمان وَفِيه فَوَائِد وصف فِيهِ متفقة وَقعت لَهُ عِنْد وُصُول السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب إِلَى صنعاء وَخُرُوج أجناده إِلَى جِهَة السِّرّ لِأَن الْمَذْكُور كَانَ سَاكِنا هُنَالك وفيهَا امتحان زَائِد وَقد أخبر عَنهُ بعض معاصريه أَنه لم يكن محققا للعلوم الَّتِى يحْتَاج إِلَيْهَا من يؤلف وَيدل على ذَلِك كَلَامه إِذا تكلم من قبل نَفسه وَلم ينْقل عَن غَيره ككلامه فِي شرح المتفقة لَهُ الْمشَار إِلَيْهَا فَإِنَّهُ سَاقهَا بِأَلْفَاظ فِي الترجمان يعرف بهَا مِقْدَاره فِي الْعلم وَهُوَ من المعاصرين للْإِمَام شرف الدَّين فَهُوَ من أهل الْقرن الْعَاشِر مُحَمَّد بن أَحْمد بن خَلِيل الهمداني ثمَّ الصنعاني ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَكَانَ واليا على الْبِلَاد

стр. 643

الهمدانية اتَّصل بمولانا الإِمَام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه قبل أَن يلي الْخلَافَة وجالسه وَتردد إِلَيْهِ فَلَمَّا ولي الْخلَافَة قربه ثمَّ جعله اُحْدُ وزرائه فِي سنة ١١٩٤ أَو فِي الَّتِى بعْدهَا وَاسْتمرّ وزيره إِلَيْهِ بعض الْبِلَاد الأمامية والأجناد من حاشد وبكيل وَغَيرهم وَهُوَ إنسان كَامِل كثير المطالعة عَارِف بالأدب حسن الْخط وَاسْتمرّ قايما بوظيفة الوزارة حَتَّى نكبه مَوْلَانَا الإِمَام فِي شهر شعْبَان سنة ١٢١١ واستأصل غَالب أملاكه وَلزِمَ بَيته إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلم يتَرَدَّد إِلَى الأكابر كَمَا يَفْعَله كثير من أَرْبَاب الدولة بعد زَوَال دولتهم بل لَا يُوجد فِي غير بَيته وَله نظم فَمِنْهُ مَا كتبه إِلَى فِي أَيَّام وزارته وَهُوَ (حجَّة الْعَصْر أبلغ النَّاس بِالْإِجْمَاع ... مِنْهُم معارفا وخطابه) (خير من شرف الْإِلَه معاليه ... وزكى بَين الورى أنسابه) (رجل اِدَّرَكَ الْكَمَال كَمَا ... أدْرك فِي الِاجْتِهَاد حَقًا نصابه) وَكتب مَعَ هَذِه الأبيات أبياتا أُخْرَى وهي (شغفت بِهِ لما تيقنت فَضله ... وفى حبه بِالرّقِّ أصحبت سيدا) (فيا ماجدا أربى على الطود مجده ... فَأصْبح للوفاد كهفا ومقصدا) (مُحَرر أَحْكَام القضايا وَمن غَدا ... لما حازه بِالِاجْتِهَادِ مُقَلدًا) (مُحَمَّد الْبر التقي أَخُو الْعلَا ... غَدا سالما من كل شين مسودا) فأجبت عَن الأبيات الأولى وَالْأُخْرَى بِهَذِهِ الأبيات (وَاحِد الْعَصْر فِي الكمالات ... والآداب من فاق سؤددا ونجابه) (الرئيس النفيس والفارس السباق ... والخضرم الشهي خطابه) (يَا قريع الأوان يَا فايق الأقران ... حلما وَحِكْمَة ومهابه)

стр. 644

(دمت تحيى مآثر الْعِزّ ... مادامت معاليك للعلى وهابة) (قد جمعت الذي تفرق فِي ... النَّاس فدم سالما لفن الْكِتَابَة) وَهُوَ حسن الشكالة جدا وَكَانَ متأنقا فِي جَمِيع أَحْوَاله ضخم الرياسة كثير الحشم والأتباع وَكَانَت لَهُ أَيَّام وزارته دَار بالروضة وَدَار بوادي ظهر وَدَار ببئر العزب وَدَار بِصَنْعَاء فَأخذت دوره جَمِيعًا فِي نكبه وَلم يبْق مَعَه إلا الَّتِى بِصَنْعَاء وَهُوَ الْآن حي لطف الله بِهِ وَتوفى سنة ١٢٢٠ عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف السَّيِّد مُحَمَّد بن إدريس بن النَّاصِر علي بن عبد الله بن الْحسن بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان تَرْجمهُ صَاحب مطلع البدور فَلم يذكر لَهُ مولدا وَلَا وَفَاة وَلَا بَلَدا وَلَا شُيُوخًا وَلَا تلامذة بل قَالَ إنه صنف فِي التَّفْسِير كتبا أَحدهَا التَّيْسِير وَالْآخر الإكسير الا بريز فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْعَزِيز وَله الحسام المرهف تَفْسِير غَرِيب الْمُصحف وَله الدرة المضية فِي الْآيَات المنسوخة الفقهية وَله فِي الْفِقْه شِفَاء غلَّة الصادى فِي فقه الهادى والنور المحصور فِي فقه الْمَنْصُور والذخيرة الذاخرة فِي مَنَاقِب العترة الطاهرة وَشرح على اللمع والنهج القويم فِي تَفْسِير الْقُرْآن الْكَرِيم هَذَا غَايَة مَا ذكر لَهُ من المصنفات وَقَالَ إنه تَرْجمهُ السَّيِّد صارم الدَّين بن مُحَمَّد تَرْجَمَة غير مبسوطة انْتهى وَذكر بعض المؤرخين أَنه أَخذ عَن الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كيوسف الْأَكْوَع صَاحب الحفيظ وَآخَرُونَ وَقَالَ ابْن أَبى مخرمَة فِي ذكر وَالِد المترجم لَهُ وَكَانَ وَلَده مُحَمَّد بن إِدْرِيس فَقِيها عَارِفًا بارعا متقنا عَارِفًا بالأصول وَالْفُرُوع

стр. 645

وَله شعر حسن ومصنفات كَثِيرَة انْتهى وأرخ مَوته بَعضهم فِي عشر الثَّلَاثِينَ وَسَبْعمائة السَّيِّد مُحَمَّد بن إسحاق بن الإِمَام المهدي أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد نَهَار الْأَرْبَعَاء لخمس عشرَة لَيْلَة مَضَت من ذي الْحجَّة سنة ١٠٩٠ تسعين وَألف بالغراس فِي حَضْرَة جده الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن الْحسن وَقَرَأَ بِصَنْعَاء على جمَاعَة من أَعْيَان علمائها كالسيد الْعَلامَة هَاشم بن يحيى الشامي والقاضي إِبْرَاهِيم بن أَبى الرِّجَال والقاضي مُحَمَّد الحيمي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وترشح للخلافة وَجرى بَينه وَبَين الإِمَام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن مَا جرى وَآل الْأَمر إِلَى اعتقال صَاحب التَّرْجَمَة مُدَّة ثمَّ أفرج عَنهُ وَلما مَاتَ الإِمَام المتَوَكل دَعَا إِلَى نَفسه وتكنى بالناصر وَبَايَعَهُ جَمِيع أهل الْيمن ونفذت أوامره فِي غَالب الْقطر الْيُمْنَى وعارضه فِي الابتداء الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن المتَوَكل على الله وَجَرت خطوب وتعقبها الصُّلْح على أَن يكون للمنصور بِاللَّه صنعاء ومواضع سَمَّاهَا فَوَقع ذَلِك وَتمّ الْأَمر وَبَايع الْمَنْصُور بِاللَّه لصَاحب التَّرْجَمَة وخطب لَهُ بِصَنْعَاء وَغَيرهَا من الأقطار اليمنية ثمَّ بعد أَيَّام انْتقض ذَلِك الصُّلْح ورام قرَابَة المترجم لَهُ الحطاط على الْمَنْصُور بِاللَّه بِصَنْعَاء ومحاصرته ونزعها مِنْهُ فأقبلوا من الْجِهَات اليمنية وَمَعَهُمْ من الْجَيْش عدد كثير وَمَعَهُمْ السَّيِّد عبد الله بن طَالب بن الْمهْدي فَخرج الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه بجيشه من صنعاء وَكَانَت الدائرة لَهُ فَأسر السَّيِّد يحيى بن إسحاق بن المهدي وَمَعَهُ جَيش كثير وَأسر السَّيِّد عبد الله الْمُقدم ذكره ثمَّ بعد ذَلِك أسر السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن اسحاق

стр. 646

ابْن المهدى وَالسَّيِّد الْعَلامَة إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وسجنهم جَمِيعًا بقصر صنعاء ثمَّ انتقضت الْبِلَاد اليمنية جَمِيعهَا على صَاحب التَّرْجَمَة وَدخلت فِي طَاعَة الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَآخر الْأَمر أَن صَاحب التَّرْجَمَة بَايع الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَسكن بِصَنْعَاء محييا للْعلم وَالْعِبَادَة فِي رياسة كَبِيرَة مَعَ حشمة وافرة وَكَثْرَة اتِّبَاع وإفضال عَام وشفقة على الضُّعَفَاء ومزيد إبرار بهم وَكَثْرَة تواضع وَكَانَ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه يجله ويكرمه ويعظمه وَهُوَ حقيق بذلك فَإِنَّهُ من أَئِمَّة الْعلم الْمجمع على جلالتهم ونبالتهم وإحاطتهم بعلوم الِاجْتِهَاد وَله فِي الْآدَاب يَد طولى وَله نظم كثير غالبه الْجَوْدَة والسلاسة وَقد تَرْجمهُ صَاحب طيب السمر تَرْجَمَة طَوِيلَة جدا وَذكر غررا من قصائده ومقطعاته وَقد جمع وَلَده الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد أشعاره على تَرْتِيب الْحُرُوف فِي مُجَلد لطيف وَمن نظمه البيتان المشهوران فِي الزِّمَام الذي تَجْعَلهُ الجواري فِي آنافها وَهُوَ حَلقَة فضَّة أَو ذهب وَقد يكون فِيهَا شئ من الْجَوَاهِر وهما (رَأَيْت الزِّمَام فَقلت المرام ... تأنى سينقاد هَذَا الأبي) (فَقَالَت بِهِ أَنْت تنقاد لي ... وَتمّ الْكَلَام وَلم تكذبي) وَقد قرض جمَاعَة من شعراء الْعَصْر بعد موت صَاحب التَّرْجَمَة بِمدَّة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بِأَبْيَات كَثِيرَة بل صنف شَيخنَا الْعَلامَة السَّيِّد عبد الْقَادِر ابْن أَحْمد رِسَالَة ذكر فِيهَا مَا فِي الْبَيْتَيْنِ من النكات البيانية والبديعية وَقد جمع جَمِيع ذَلِك ولد صَاحب التَّرْجَمَة الْعَلامَة إِبْرَاهِيم فِي رِسَالَة وَمن نظمه إِلَى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير ﵀ (أتبلغ نفسي من سعاد مناها ... سقى الله ماضى عهدها وسقاها)

стр. 647

. فَمَا لذلى شئ سوى عهدها وَلَا ... تملك قلبي المستهام سواهَا ... نأت عَن عيوني دارها فَمَتَى مَتى ... أرى بعيونى دارها وأراها ... فَمَا لليالي لَا استنارت نجومها ... وَلَا أضحكت شمس الظهيرة فاها ... وهي قصيدة رائقة منسجمة وجميعها مَوْجُودَة فِي ديوانه وَمن محاسنه هَذِه الأبيات الَّتِى ضمن فِيهَا بَيت الحاجري ... لَا كَانَ هَذَا الطَّبِيب من رجل ... أَهْوى لقلع الثَّنية الحسنة ... صيرها فِي يَدَيْهِ مُفْردَة ... كمستهام مفارق وَطنه ... ينشدان لَاحَ برق مبسمها ... وهي لَدَى كلبتيه مرتهنة ... يابارقا يذكي الحشا سناه ... منزلنا بالعقيق من سكنه ... وَمِنْه وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن ... تفاءلت لما أَطَالَ المطال ... فبشرني الفال بالاتصال ... فَقَالُوا وَقد زارني هَل وفا ... فَقلت وفالي وفالي وفال وَمِنْه وَهُوَ فِي السجْن ... سرى طيفها لَيْلًا إِلَى السجْن مشفقا ... وَقد كَانَ قدما لَا يقر بإشفاق ... فَمَا راعه إِلَّا الْقُيُود الَّتِى أرى ... علي وَقد قامن لحربي على سَاق ... فَقلت لَهُ هون علي فَأَنَّهَا ... خلاخل مجد لاسلاسل فساق ... وقف لي قَلِيلا دمت يَا طيف طايفا ... بِأَحْسَن من فك الْقُيُود وإطلاق ... وَله وَهُوَ فِي السجْن أَيْضا ... حبست عَن أهلي وصحبى وَعَن ... فَوَائِد الْعلم الَّتِى تجتنى ... وَصَارَ دمعي سَائِلًا مُطلقًا ... يَا ليتني دمعي ودمعي أَنا وَمَات ﵀ ببيته فِي النزهة الْمَعْرُوفَة ببيرالعزب آخر نَهَار ١٣٠ الْخَمِيس رَابِع شهر شَوَّال سنة ١١٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَله أَوْلَاد نجباء وهم كَثِيرُونَ وَقد تقدمت تَرْجَمَة بَعضهم وَبَعض أحفاده وَبَعض أَوْلَاد أحفاده مُحَمَّد بن أسعد الملقب جلال الدَّين الدواني نِسْبَة إِلَى دوان وعى قَرْيَة من قرى كازرون الشافعي عَالم الْعَجم بأرض فَارس وإمام المعقولات وَصَاحب المصنفات أَخذ الْعلم علن المحيوي والبقال وفَاق فِي جَمِيع الْعُلُوم لاسيما الْعَقْلِيَّة وَأخذ عَنهُ أهل تِلْكَ النواحي وارتحل إِلَيْهِ أهل الرّوم وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَله شهرة كَبِيرَة وصيت عَظِيم وتكاثر تلامذته وَكَانَ من أدبهم أَنه إِذا تكلم نكسوا رُؤْسهمْ تأدبا وَلم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم بشئ وولاه سُلْطَان تِلْكَ الديار الْقَضَاء بهَا وَله مصنفات كَثِيرَة مَقْبُولَة مِنْهَا شرح التَّجْرِيد للطوسي وَشرح التَّهْذِيب وحاشية على الْعَضُد وَله فصاحة زَائِدَة وبلاغة وتواضع وَمَات سنة ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة قَالَ السخاوي إنه فِي سنة ٨٩٧ كَانَ حَيا وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك بضع وَسبعين ثمَّ أرخ غَيره مَوته فِي التَّارِيخ الذي قدمنَا ذكره فَيكون على هَذَا قد عَاشَ نَحْو تسعين سنة السَّيِّد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن حسن الشامي من بطن من السَّادة الساكنين فِي مسور خولان يُقَال لَهُم بني الشامي ولد سنة ١١٩٤ أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسيد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله الحوثي وَهُوَ أَكثر من أَخذ عَنهُ ولازمه وَأخذ آخرين وَأخذ علي فِي علم السنة واستفاد

стр. 648

الْخَمِيس رَابِع شهر شَوَّال سنة ١١٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَله أَوْلَاد نجباء وهم كَثِيرُونَ وَقد تقدمت تَرْجَمَة بَعضهم وَبَعض أحفاده وَبَعض أَوْلَاد أحفاده مُحَمَّد بن أسعد الملقب جلال الدَّين الدواني نِسْبَة إِلَى دوان وَهِي قَرْيَة من قرى كازرون الشافعي عَالم الْعَجم بِأَرْض فَارس وَإِمَام المعقولات وَصَاحب المصنفات أَخذ الْعلم عَن المحيوي والبقال وفَاق فِي جَمِيع الْعُلُوم لاسيما الْعَقْلِيَّة وَأخذ عَنهُ أهل تِلْكَ النواحي وارتحل إِلَيْهِ أهل الرّوم وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر وَله شهرة كَبِيرَة وصيت عَظِيم وتكاثر تلامذته وَكَانَ من أدبهم أَنه إِذا تكلم نكسوا رُؤْسهمْ تأدبا وَلم يتَكَلَّم أحد مِنْهُم بشئ وولاه سُلْطَان تِلْكَ الديار الْقَضَاء بهَا وَله مصنفات كَثِيرَة مَقْبُولَة مِنْهَا شرح التَّجْرِيد للطوسي وَشرح التَّهْذِيب وحاشية على الْعَضُد وَله فصاحة زَائِدَة وبلاغة وتواضع وَمَات سنة ٩١٨ ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة قَالَ السخاوي إنه فِي سنة ٨٩٧ كَانَ حَيا وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك بضع وَسبعين ثمَّ أرخ غَيره مَوته فِي التَّارِيخ الذي قدمنَا ذكره فَيكون على هَذَا قد عَاشَ نَحْو تسعين سنة السَّيِّد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن حسن الشامي من بطن من السَّادة الساكنين فِي مسور خولان يُقَال لَهُم بني الشامي ولد سنة ١١٩٤ أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة كالسيد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن عبد الله الحوثي وَهُوَ أَكثر من أَخذ عَنهُ ولازمه وَأخذ عَن آخَرين وَأخذ علي فِي علم السنة واستفاد

стр. 649

فِي الْآلَات ونظم الشّعْر الرَّائِق المطبوع المنسجم وَله إِلَى قصيدة رائقة فائقة مطْلعهَا (يَا دَار علوة بالكثيب النائي ... حياك كل مهمر بكاء)

стр. 650

وفيهَا كل معنى حسن وهي نَحْو ثَلَاثِينَ بَيْتا وأجبت عَلَيْهِ بِثَلَاثَة أبيات هي (لله دَرك يَا ابْن إِسْمَاعِيل بل ... لله دَرك فَهُوَ عقد بهاء) (يَا جوهري النظم بل يَا جَوْهَر ... الفتيان فِي علم وفرط ذكاء) (يَا معشر الفتيان هَذَا معجز ... لمُحَمد ينبيكم بنباء) وَصَاحب التَّرْجَمَة من محَاسِن الفتيان جمع الله لَهُ بَين حسن الْخلق والخلق واللطافة وسيلان الذِّهْن وَقُوَّة الْفَهم والتحبب إِلَى النَّاس وَولى النِّيَابَة على أوقاف صنعاء وَغَيرهَا وَاسْتمرّ أَيَّامًا وَمَات شبَابًا فِي يَوْم الْخَمِيس لَعَلَّه سَابِع وَعِشْرُونَ شهر ربيع الأول سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ

стр. 651

وَألف ووالده من فضلاء الزَّمن وأعيانه وَأهل الْفضل وَقد كَانَ كَفاهُ أَمر دُنْيَاهُ وَولى عهدته الَّتِى كَانَ فِيهَا تَخْفِيفًا عَنهُ وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا حيي فِي نَحْو سبعين سنة وَهُوَ من أَفْرَاد الزَّمن عصم الله قلبه بِالصبرِ على مِثَال هَذَا الشَّاب الظريف ورحمنا جَمِيعًا برحمته الواسعة وَقد تقدمت لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة فِي حرفه السَّيِّد مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن علي بن حفظ الدَّين بن شرف الدَّين بن صَلَاح بن الْحسن بن المهدي بن مُحَمَّد بن ادريس بن على ابْن مُحَمَّد بن احْمَد بن يحيى بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب ﵃ الكحلاني ثمَّ الصنعاني الْمَعْرُوف بالأمير الإِمَام الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق صَاحب التصانيف ولد لَيْلَة الْجُمُعَة نصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٠٩٩ تسع وَتِسْعين وَألف بكحلان ثمَّ انْتقل مَعَ وَالِده إِلَى مَدِينَة صنعاء سنة ١١٠٧ وَأخذ عَن علمائها كالسيد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن وَالسَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن الْحُسَيْن الاخفش وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن علي الْوَزير والقاضي الْعَلامَة عَليّ بن مُحَمَّد العنسي ورحل إِلَى مَكَّة وَقَرَأَ الحَدِيث على أكَابِر علمائها وعلماء الْمَدِينَة وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران وَتفرد برئاسة الْعلم فِي صنعاء وَتظهر بِالِاجْتِهَادِ وَعمل بالأدلة وَنَفر عَن التَّقْلِيد وزيف مَالا دَلِيل عَلَيْهِ من الآراء الْفِقْهِيَّة وَجَرت لَهُ مَعَ أهل عصره خطوب ومحن مِنْهَا فِي أَيَّام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن ثمَّ فِي أَيَّام وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ثمَّ فِي أَيَّام وَلَده الإِمَام المهدى

стр. 652

الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَتجمع الْعَوام لقَتله مرة بعد أُخْرَى وَحفظه الله من كيدهم ومكرهم وَكَفاهُ شرهم وولاه الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الخطابة بِجَامِع صنعاء فاستمر كَذَلِك إِلَى أَيَّام وَلَده الإِمَام المهدي وَاتفقَ فِي بعض الْجمع أنه لم يذكر الْأَئِمَّة الَّذين جرت الْعَادة بذكرهم فِي الْخطْبَة الْأُخْرَى فثار عَلَيْهِ جمَاعَة من آل الإِمَام الَّذين لَا أنسة لَهُم بِالْعلمِ وعضدهم جمَاعَة من الْعَوام وتواعدوا فِيمَا بَينهم على قَتله فِي الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة الْمُقبلَة وَكَانَ من أعظم المحشدين لذَلِك السَّيِّد يُوسُف العجمى الإمامى القادم فِي أَيَّام الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه والمدرس بِحَضْرَتِهِ فَبلغ الإِمَام المهدي مَا قد وَقع التواطأ عَلَيْهِ فَأرْسل لجَماعَة من أكابر آل الإِمَام وسجنهم وَأرْسل لصَاحب التَّرْجَمَة أَيْضا وسجنه وَأمر من يطرد السَّيِّد يُوسُف الْمَذْكُور حَتَّى يُخرجهُ من الديار اليمنية فَكنت عِنْد ذَلِك الْفِتْنَة وبقي صَاحب التَّرْجَمَة نَحْو شَهْرَيْن ثمَّ خرج من السجْن وَولى الخطابة غَيره وَاسْتمرّ ناشرا للْعلم تدريسا وإفتاء وتصنيفا وَمَا زَالَ فِي محن من أهل عصره وَكَانَت الْعَامَّة ترميه بِالنّصب مستدلين على ذَلِك بِكَوْنِهِ عاكفا على الْأُمَّهَات وَسَائِر كتب الحَدِيث عَاملا بِمَا فِيهَا وَمن صنع هَذَا الصنع رمته الْعَامَّة بذلك لَا سِيمَا إِذا تظهر بِفعل شئ من سنَن الصَّلَاة كرفع الْيَدَيْنِ وضمهما وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُم ينفرون عَنهُ ويعادونه وَلَا يُقِيمُونَ لَهُ وزنا مَعَ أَنهم فِي جَمِيع هَذِه الديار منتسبون إِلَى الإِمَام زيد بن علي وَهُوَ من الْقَائِلين بمشروعية الرّفْع وَالضَّم وَكَذَلِكَ مَا زَالَ الْأَئِمَّة من الزيدية يقرأون كتب الحَدِيث الْأُمَّهَات وَغَيرهَا مُنْذُ خرجت إِلَى الْيمن ونقلوها فِي مصنفاتهم الأولى فَالْأول لَا يُنكره إِلَّا جَاهِل أَو متجاهل وَلَيْسَ الذَّنب فِي معاداة من كَانَ كَذَلِك

стр. 653

للعامة الَّذين لَا تعلق لَهُم بشئ من المعارف العلمية فَإِنَّهُم اتِّبَاع كل ناعق إِذا قَالَ لَهُم من لَهُ هَيْئَة أهل الْعلم إن هَذَا الْأَمر حق قَالُوا حق وَإِن قَالَ بَاطِل قَالُوا بَاطِل إِنَّمَا الذَّنب لجَماعَة قرأوا شَيْئا من كتب الْفِقْه وَلم يمعنوا فِيهَا وَلَا عرفُوا غَيرهَا فظنوا لقصورهم أَن الْمُخَالفَة لشئ مِنْهَا مُخَالفَة للشريعة بل الْقطعِي من قطعياتها مَعَ أَنهم يقرأون فِي تِلْكَ الْكتب مُخَالفَة أكَابِر الْأَئِمَّة وأصاغرهم لما هُوَ مُخْتَار لمصنفها وَلَكِن لَا يعْقلُونَ حَقِيقَة وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى طَريقَة بل إِذا بلغ بعض معاصريهم إِلَى رُتْبَة الاجتهاد وَخَالف شَيْئا بِاجْتِهَادِهِ جَعَلُوهُ خَارِجا عَن الدَّين وَالْغَالِب عَلَيْهِم أن ذَلِك لَيْسَ لمقاصد دينية بل لمنافع دنيوية تظهر لمن تأملها وهي أَن يشيع فِي النَّاس أَن من أنكر على أكَابِر الْعلمَاء مَا خَالف الْمَذْهَب من اجتهاداتهم كَانَ من خلص الشِّيعَة الذابين عَن مَذْهَب الْآل وَتَكون تِلْكَ الشُّهْرَة مفيدة فِي الْغَالِب لشئ من مَنَافِع الدُّنْيَا وفوائدها فَلَا يزالون قَائِمين وثائرين فِي تخطئة أكَابِر الْعلمَاء ورميهم بِالنّصب وَمُخَالفَة أهل الْبَيْت فَتسمع ذَلِك الْعَامَّة فتظنه حَقًا وتعظم ذَلِك الْمُنكر لِأَنَّهُ قد نفق على عقولها صدق قَوْله وظنوه من المحامين عَن مَذْهَب الْأَئِمَّة وَلَو كشفوا عَن الْحَقِيقَة لوجدوا ذَلِك الْمُنكر هُوَ الْمُخَالف لمَذْهَب الْأَئِمَّة من أهل الْبَيْت بل الْخَارِج عَن إجماعهم لأَنهم جَمِيعًا حرمُوا التَّقْلِيد على من بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وأوجبوا عَلَيْهِ أَن يجْتَهد رأي نَفسه وَلم يخصوا ذَلِك بمسئلة دون مسئلة وَلَكِن المتعصب أعمى والمقصر لَا يهتدي إِلَى صَوَاب وَلَا يخرج عَن معتقده إِلَّا إِذا كَانَ من ذوى الْأَلْبَاب مَعَ أَن مسئلة تَحْرِيم التَّقْلِيد على الْمُجْتَهد هِيَ محررة فِي الْكتب الَّتِى هى مدارس صغَار الطّلبَة فضلا عَن كبارهم بل هي فِي أول بحث من

стр. 654

مباحثها يتلقنها الصبيان وهم فِي الْمكتب وَمن جملَة مَا اتفق لصَاحب التَّرْجَمَة من الامتحانات أَنه لما شاع فِي الْعَامَّة ماشاع عَنهُ بلغ ذَلِك أهل جبل برط من ذوي مُحَمَّد وذوي حُسَيْن وهم إِذْ ذَاك جَمْرَة الْيمن الَّذين لَا يقوم لَهُم قَائِم فَاجْتمع أكابرهم وَمن أعظم رُؤَسَائِهِمْ حسن بن مُحَمَّد العنسي البرطي وَخَرجُوا على الإِمَام المهدي فِي جيوش عَظِيمَة ووصلت مِنْهُم الْكتب أَنهم خارجون لنصرة الْمَذْهَب وَأَن صَاحب التَّرْجَمَة قد كَاد يهدمه وَأَن الإِمَام مساعد لَهُ على ذَلِك فترسل عَلَيْهِم الْعلمَاء الَّذين لَهُم خبْرَة بِالْحَقِّ وَأَهله ورتبة فِي الْعلم فَمَا أَفَادَ ذَلِك وَآخر الْأَمر جعل لَهُم الإِمَام زِيَادَة فِي مقرراتهم قيل أَنَّهَا نَحْو عشْرين ألف قِرْش فِي كل عَام فعادوا إِلَى دِيَارهمْ وَتركُوا الْخُرُوج لِأَنَّهُ لَا مطمع لَهُم فِي غير الدُّنْيَا وَلَا يعْرفُونَ من الدَّين إِلَّا رسوما بل يخالفون مَا هُوَ من القطعيات كَقطع مِيرَاث النِّسَاء والتحاكم إِلَى الطاغوت وَاسْتِحْلَال الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَلَيْسوا من الدَّين فِي ورد وَلَا صدر وَمن محن الدُّنْيَا أَن هَؤُلَاءِ الأشرار يدْخلُونَ صنعاء لمقررات لَهُم فِي كل سنة ويجتمع مِنْهُم ألوف مؤلفة فَإِذا رَأَوْا من يعْمل بِاجْتِهَادِهِ فِي الصَّلَاة كَأَن يرفع يَدَيْهِ أَو يضمها إِلَى صَدره أَو يتورك أَنْكَرُوا ذَلِك عَلَيْهِ وَقد تحدث بِسَبَب ذَلِك فتْنَة ويتجمعون ويذهبون إِلَى الْمَسَاجِد الَّتِى تقْرَأ فِيهَا كتب الحَدِيث على عَالم من الْعلمَاء فيثيرون الْفِتَن وكل ذَلِك بِسَبَب شياطين الْفُقَهَاء الَّذين قدمنَا ذكرهم وَأما هَؤُلَاءِ الْأَعْرَاب الجفاة فأكثرهم لَا يصلي وَلَا يَصُوم وَلَا يقوم من فروض الْإِسْلَام سوى الشَّهَادَتَيْنِ على مَا فِي لَفظه بهما من عوج

стр. 655

وَاتفقَ فِي شهر الذي حررت فِيهِ التَّرْجَمَة أَنه دخل جمَاعَة مِنْهُم وَفِيهِمْ عجب وتيه واستخفاف بِأَهْل صنعاء على عَادَتهم وَقد كَانُوا نهبوا فِي الطرقات فوصلوا إِلَى بَاب مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله فَرَأى رجل بقرة لَهُ مَعَهم فرام أَخذهَا فسل من هِيَ مَعَه من أهل بكيل السِّلَاح على ذَلِك الذي رام أَخذ بقرته فثار عَلَيْهِم أهل صنعاء الَّذين كَانُوا مُجْتَمعين فِي بَاب الْخَلِيفَة وهم جمَاعَة قَلِيلُونَ من الْعَوام وَهَؤُلَاء نَحْو أربعمائة فَوَقع الرَّجْم لهَؤُلَاء من الْعَامَّة ثمَّ بعد ذَلِك أخذُوا مَا مَعَهم من الْجمال الَّتِى يملكونها وَكَذَلِكَ سَائِر دوابهم فضلا عَن الدَّوَابّ الَّتِى نهبوها على الْمُسلمين وَأكْثر بنادقهم وَسَائِر سِلَاحهمْ وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو أَرْبَعَة أنفار أَو زِيَادَة وجنوا على جمَاعَة مِنْهُم وَمَا وسعهم إلا الْفِرَار إِلَى الْمَسَاجِد وَإِلَى محلات قَضَاء الْحَاجة وَلَوْلَا أَن الْخَلِيفَة بَادر بزجر الْعَامَّة عِنْد ثوران الْفِتْنَة لما تركُوا مِنْهُم أحد فصاروا الْآن فِي ذلة عَظِيمَة زادهم الله ذلة وقلل عَددهمْ وَقد كَانَ كثر اتِّبَاع صَاحب التَّرْجَمَة من الْخَاصَّة والعامة وعملو بِاجْتِهَادِهِ وتظهروا بذلك وقرأوا عَلَيْهِ كتب الحَدِيث وَفهم جمَاعَة من الأجناد بل كَانَ الإِمَام المهدي يُعجبهُ التظهر بذلك وَكَذَلِكَ وزيره الْكَبِير الْفَقِيه أَحْمد بن علي النهمي وأميره الْكَبِير الماس المهدي وَمَا زَالَ ناشرا لذَلِك فِي الْخَاصَّة والعامة غير مبال بِمَا يتوعده بِهِ المخالفون لَهُ وَوَقعت فِي أثناء ذَلِك فتن كبار وَقَاه الله شَرها وَله مصنفات جليلة حافلة مِنْهَا سبل السَّلَام اخْتَصَرَهُ من الْبَدْر التَّمام للمغربي وَمِنْهَا منحة الْغفار جعلهَا حَاشِيَة على ضوء النَّهَار للجلال وَمِنْهَا الْعدة جعلهَا حَاشِيَة على شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَمِنْهَا شرح الْجَامِع الصَّغِير للأسيوطي فِي أَرْبَعَة

стр. 656

مجلدات شَرحه قبل أَن يقف على شرح المناوي وَمِنْهَا شرح التَّنْقِيح فِي عُلُوم الحَدِيث للسَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير وَسَماهُ التَّوْضِيح وَمِنْهَا منظومة الكافل لِابْنِ مهْرَان فِي الْأُصُول وَشَرحهَا شرحا مُفِيدا وَله مصنفات غير هَذِه وَقد أفرد كثيرا من الْمسَائِل بالتصنيف بِمَا يكون جَمِيعه فِي مجلدات وَله شعر فصيح منسجم جمعه وَلَده الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد فِي مُجَلد وغالبه فِي المباحث العلمية والتوجع من أَبنَاء عصره والردود عَلَيْهِم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الْأَئِمَّة المجددين لمعالم الدَّين وَقد رَأَيْته فِي الْمَنَام فِي سنة ١٢٠٦ وَهُوَ يمشي رَاجِلا وَأَنا رَاكب فِي جمَاعَة معي فَلَمَّا رَأَيْته نزلت وسلمت عَلَيْهِ فدار بيني وَبَينه كَلَام حفظت مِنْهُ أَنه قَالَ دقق الْإِسْنَاد وتأنق فِي تَفْسِير كَلَام رَسُول الله ﷺ فخطر ببالي عِنْد ذَلِك أَنه يُشِير إِلَى مَا أصنعه فِي قِرَاءَة البخاري فِي الْجَامِع وَكَانَ يحضر تِلْكَ الْقِرَاءَة جمَاعَة من الْعلمَاء ويجتمع من الْعَوام عَالم لَا يُحصونَ فَكنت فِي بعض الْأَوْقَات أفسر الْأَلْفَاظ الحديثية بِمَا يفهم أُولَئِكَ الْعَوام الْحَاضِرُونَ فَأَرَدْت أَن أَقُول لَهُ إِنَّه يحضر جمَاعَة لَا يفهمون بعض الْأَلْفَاظ الْعَرَبيَّة فبادر وَقَالَ قبل أَن أَتكَلّم قد علمت أَنه يقْرَأ عَلَيْك جمَاعَة وَفِيهِمْ عَامَّة وَلَكِن دقق الْإِسْنَاد وتأنق فِي تَفْسِير كَلَام رَسُول الله ﷺ ثمَّ سَأَلته عِنْد ذَلِك عَن أهل الحَدِيث مَا حَالهم فِي الْآخِرَة فَقَالَ بلغُوا بِحَدِيثِهِمْ الْجنَّة أَو بلغُوا بِحَدِيثِهِمْ بَين يدي الرَّحْمَن الشَّك مني ثمَّ بَكَى بكاء عَالِيا وضمني إِلَيْهِ وفارقني فقصصت ذَلِك على بعض من لَهُ يَد فِي التَّعْبِير وَسَأَلته عَن تَأْوِيل الْبكاء وللضم فَقَالَ لَا بُد أَن يجري لَك شَيْء مِمَّا جرى لَهُ من الامتحان فَوَقع من ذَلِك بعد تِلْكَ الرُّؤْيَا عجائب وغرائب كفى الله

стр. 657

شَرها وَتُوفِّي ﵀ سنة ١١٨٢ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث شهر شعْبَان مِنْهَا ونظم بَعضهم تَارِيخه فَكَانَ هَكَذَا مُحَمَّد فِي جنان الْخلد قد وصلا ورثاه شعراء الْعَصْر وتأسفوا عَلَيْهِ وَله تلامذة نبلاء عُلَمَاء مجتهدون مِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن والقاضي الْعَلامَة احْمَد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن إسحاق بن المهدي وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي وَقد تقدمت تراجمهم وَغَيرهم مِمَّا لَا يُحِيط بهم الْحصْر ووالده كَانَ من الْفُضَلَاء الزاهدين فِي الدُّنْيَا الراغبين فِي الْعَمَل وَله عرفان تَامّ وَشعر جيد وَمَات فِي ثَالِث شهر ذي الْحجَّة سنة ١١٤٢ اثنتين وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَكَانَ وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة إِذْ ذَاك بشهارة الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ابْن الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة ١٠٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَألف تَقْرِيبًا وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره فِي أَنْوَاع من الْعلم حَتَّى فاق فِي كثير من المعارف العلمية ثمَّ لما مَاتَ الإِمَام المهدي أَحْمد بن الْحسن فِي سنة ١٠٩٢ بُويِعَ هَذَا بالخلافة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ رُؤَسَاء الْيمن إِذْ ذَاك وهم السَّيِّد على بن المتَوَكل وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد الذي صَارَت إِلَيْهِ الْخلَافَة بعد صَاحب التَّرْجَمَة وَالسَّيِّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن الإِمَام الْقَاسِم وَالسَّيِّد الْقَاسِم بن الْمُؤَيد وَالسَّيِّد علي بن المتَوَكل صنو صَاحب التَّرْجَمَة وَلَكِن كَانَت الْبِلَاد الإمامية مقسمة بَين هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين وَلم يكن لصَاحب التَّرْجَمَة إِلَّا الاسم وَالْخطْبَة وَكَانَ من أَوْلِيَاء الله وَمن أعدل الْخُلَفَاء لم يسمع عَنهُ الْجور فِي شئ من أُمُوره وَكَانَ كثير الْعِبَادَة كثير

стр. 658

الْبكاء دَائِم الخشية لله لَا يَأْكُل إِلَّا من نذور تصل إِلَيْهِ بعد أَن يعلم أَنَّهَا من جِهَة تحل لَهُ وَلَا يتَنَاوَل شَيْئا من بيُوت الْأَمْوَال ومجلسه معمور بالعلماء وَالصَّالِحِينَ وَقِرَاءَة الْعلم وتلاوة الْقُرْآن لَا يزَال رطب اللِّسَان بِذكر الله على جَمِيع حَالَته وَقد صَار عدله فِي الرعية مثلا مَضْرُوبا وَكَانَ أهل عصره يكنونه فَيَقُولُونَ أَبُو عَافِيَة لِأَنَّهُ لَا يضر أحدا مِنْهُم فِي مَال وَلَا بدن بل قد يحْتَاج فِي بعض الْأَوْقَات لنائبه من نوائبه فَيسْأَل أهل الثروة من التُّجَّار وَأَمْوَالهمْ متوفرة أَن يقرضوه فَلَا يَفْعَلُونَ لأَنهم لَا يخَافُونَ فِي الْحَال وَلَا فِي الْمُسْتَقْبل واستوطن هِجْرَة معبر الْمَشْهُورَة وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٠٩٧ سبع وَتِسْعين وَألف وَصَارَت الْخلَافَة بعده إِلَى مُحَمَّد بن أَحْمد المهدي صَاحب الْمَوَاهِب كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي تَرْجَمته السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان الْحسنى أَمِير مَكَّة وَابْن أمرائها ولد فِي رَمَضَان سنة ٨٤٠ أَرْبَعِينَ وثمان مائَة بِمَكَّة وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة من الْأَعْيَان وَنَشَأ فِي كنف أَبِيه ثمَّ سَأَلَ الْأَب إشراك وَلَده مَعَه فِي الْأَمر فَفعل السُّلْطَان ذَلِك فوصل المرسوم إِلَى مَكَّة بذلك ودعي لَهُ على زَمْزَم كعادتهم وَكَانَ غايبا بِالْيمن وَلما وصل إِلَيْهِ الْخَبَر بذلك عَاد إِلَى مَكَّة وحمدت سيرته وَتوجه إِلَى بِلَاد الشرق غير مرة وَأكْثر من زِيَارَة الْقَبْر النبوي على صَاحبه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَعَ زيارته يحسن إِلَى أهل الْمَدِينَة وَكَانَ كثير التفقد لأهل مَكَّة لَا سِيمَا الْفُقَرَاء والغرباء وَأمن النَّاس فِي أَيَّامه وَكَثُرت أَمْوَاله وَأَتْبَاعه وفَاق أسلافه وَمَا زَالَ أمره فِي نمو

стр. 659

وأضيفت إِلَيْهِ سَائِر بِلَاد الْحجاز ليستنيب من يختاره ودعي لَهُ على مِنْبَر مَكَّة وَالْمَدينَة وَكَانَ يغزوا إِلَى ديار من يُخَالِفهُ فيحيط بِهِ وَكَذَا أطاعه صَاحب جازان وَقد أثنى عَلَيْهِ السخاوي كثيرا لِأَنَّهُ كَانَ معاصرا لَهُ وَوَصفه بِالْعقلِ والفهم والتواضع وَحسن الشكالة والمداومة على الْجَمَاعَات والسكون وكف الأتباع عَن الرعية وَعدم الطمع فِي أَمْوَالهم بمالم يسمع بِمثلِهِ فِي دولة من قبله وَاسْتمرّ على ولَايَته حَتَّى مَاتَ فِي الحادي وَالْعِشْرين من محرم سنة ٩٠٣ ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَخلف من الْأَوْلَاد ذُكُورا وإناثا نَحْو الْأَرْبَعين السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ين بايزيد بن مرداخان بن أورخان الْغَازِي ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها ولد سنة ٧٧٧ سبع وَسبعين وَسَبْعمائة وَصَارَت إِلَيْهِ السلطنة بعد موت أَبِيه فِي سنة ٨١٦ وَكَانَ شجاعاً مقداماً مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله افْتتح فِي دولته عدَّة مَوَاضِع من بِلَاد الإفرنح وَعمر فِي بِلَاد الرّوم عماير كَثِيرَة مدارس ومساجد وَهُوَ أول من عمل الصرة لأهل الْحَرَمَيْنِ من آل عُثْمَان فَصَارَ ذَلِك مستمرا وَهَذِه منقبة عَظِيمَة وَكَانَ مُعظما للْعُلَمَاء عَارِفًا بدرجاتهم منعما عَلَيْهِم بالمقررات الواسعة مُرَتبا لَهُم فِي مدارس الروم مبالغا فِي استجلاب خواطرهم حَتَّى كَأَنَّهُ أحدهم وَإِذا سمع بعالم فِي جِهَة من الْجِهَات كَاتبه ورغبه فِي الْقدوم عَلَيْهِ وأجرى لَهُ من النَّفَقَات مَا يَكْفِيهِ بعضه وَكَانَ يقْرَأ على أكَابِر الْعلمَاء وَيَأْخُذ عَن كل عَالم فِي علمه ويتناظرون بَين يَدَيْهِ وَقد حكى صَاحب الشقائق النعمانية من أفضاله على الْعلمَاء وتعظيمه لَهُم مَا يتعجب النَّاظر فِيهِ وَمَات فِي سنة ٨٢٥ خمس وَعشْرين وثمان مائَة

стр. 660

مُحَمَّد بن أَبى البركات بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن عمر الجبرتي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن سعد الدَّين سُلْطَان الْمُسلمين بِالْحَبَشَةِ أصلهم فِيمَا قيل من قُرَيْش فَرَحل بعض سلفهم من الْحجاز حَتَّى نزل بِأَرْض جبرت فسكنها إِلَى أَن ملك ملك الْحَبَشَة بَعضهم مَدِينَة أقات وأعمالها فَعظم وقويت شوكته وحمدت سيرته وتداولها ذُريَّته حَتَّى انْتَهَت إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ٨٢٨ فَملك كثيرا من تِلْكَ الْبِلَاد وامتلأت الأقطار من الرَّقِيق الَّذين سباهم ودام على ذَلِك حَتَّى مَاتَ شَهِيدا فِي بعض غَزَوَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة قَالَ السخاوي وَكَانَ دينا عَاقِلا عادلا خيرا وقورا مهابا ذَا سطوة على الْحَبَشَة أعز الله الْإِسْلَام فِي أَيَّامه وَملك بعده أَخُوهُ فاقتفى أَثَره فِي غزاوته وشدته قَالَ ابْن حجر فِي أنبائه وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة شجاعا بطلا مديما للْجِهَاد عِنْده أَمِير يُقَال لَهُ حَرْب لَا يُطَاق فِي الْقِتَال كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم وَحسن إسلامه فَهزمَ الْكفَّار من الْحَبَشَة مرَارًا وغزاهم السُّلْطَان مرة وَهُوَ مَعَه فغنم غَنَائِم عَظِيمَة بِحَيْثُ بيع الرَّأْس من الرَّقِيق بربطة ورقة أَوْقَات وَكَانَ من خير الْمُلُوك دينا وَمَعْرِفَة يصحب الْفُقَهَاء والصلحاء وينشر الْعدْل فِي أَعماله حَتَّى فِي وَلَده وَأَهله وَأسلم على يَدَيْهِ خلائق من الْحَبَشَة حَتَّى ثار عَلَيْهِ بنوعمه فَقَتَلُوهُ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم مُحَمَّد بن أَبى بكر بن آيد غدى بن عبد الله الشَّمْس القاهري الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن الجندى ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن جمَاعَة من مشاهير علمائها فِي أَنْوَاع من الْعلم وبرع فِي الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه

стр. 661

وَالْأُصُول والفرائض والحساب والمعاني وَالْبَيَان مَعَ الْخِبْرَة بأنواع الفروسية والدربة فِي لعب الشطرنج وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء وَاخْتصرَ المغني لِابْنِ هِشَام اختصارا حسنا متحريا فِيهِ إبدال الْعبارَة المنتقدة وصنف مُقَدّمَة فِي الْعَرَبيَّة سَمَّاهَا مشتهى السمع وَشَرحهَا بشرح سَمَّاهُ مُنْتَهى الْجمع وَله الزبدة والقطرة ومقدمة فِي الْفَرَائِض ومختصر فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشرح كل مِنْهُمَا وَشرح الْمجمع فِي مجلدين وَمَات فِي يَوْم الْخَمِيس مستهل الْمحرم سنة ٨٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَيُّوب بن سعد بن جرير الزرعي الدمشقي شمس الدَّين ابْن قيم الجوزية الحنبلي الْعَلامَة الْكَبِير الْمُجْتَهد الْمُطلق المُصَنّف الْمَشْهُور ولد سنة ٦٩١ إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة وَسمع من ابْن تَيْمِية ودرس بالصدرية وَأم بالجوزية وَأخذ الْفَرَائِض عَن أَبِيه وَأخذ الْأُصُول عَن الصفي الهندي وَابْن تَيْمِية وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران واشتهر فِي الْآفَاق وبتحر فِي معرفَة مَذَاهِب السلف وَغلب عَلَيْهِ حب ابْن تَيْمِية حَتَّى كَانَ لَا يخرج عَن شئ من أَقْوَاله بل ينتصر لَهُ فِي جَمِيع ذَلِك وَهُوَ الذي نشر علمه بِمَا صنفه من التصانيف الْحَسَنَة المقبولة واعتقل مَعَ ابْن تَيْمِية وأهين وطيف بِهِ على جمل مَضْرُوبا بِالدرةِ فَلَمَّا مَاتَ ابْن تَيْمِية أفرج عَنهُ وامتحن محنة أُخْرَى بِسَبَب فَتَاوَى ابْن تَيْمِية وَكَانَ ينَال من عُلَمَاء عصره وينالون مِنْهُ قَالَ الذهبي فِي الْمُخْتَصر جلس مُدَّة لإنكار شدّ الرحل لزيارة قبر الْخَلِيل ثمَّ تصدر للاشتغال وَنشر الْعلم وَلكنه معجب بِرَأْيهِ جرئ على أُمُور انْتهى قلت بل كَانَ متقيدا بالأدلة الصَّحِيحَة معجبا بِالْعَمَلِ بهَا غير معول على الرَّأْي صادعا

стр. 662

بِالْحَقِّ لَا يحابي فِيهِ أحداً ونعمت الجرأة وَقَالَ ابْن كثير كَانَ ملازما للاشتغال لَيْلًا وَنَهَارًا كثير الصَّلَاة والتلاوة حسن الْخلق كثير التودد لَا يحْسد وَلَا يحقد إِلَى أَن قَالَ لَا أعرف فِي زَمَاننَا من أهل الْعلم أَكثر عبَادَة مِنْهُ وَكَانَ يُطِيل الصَّلَاة جدا ويمد ركوعها وسجودها وَكَانَ يقْصد للإفتاء بمسئلة الطَّلَاق وَكَانَ إِذا صلي الصُّبْح جلس مَكَانَهُ يذكر الله تَعَالَى حَتَّى يتعالى النَّهَار وَيَقُول هَذِه غذوتي لَو لم أَفعَلهَا سَقَطت قواي وَكَانَ يَقُول بِالصبرِ والتيسير تنَال الْإِمَامَة فِي الدَّين وَكَانَ يَقُول لَا بُد للسالك من همة تسيره وترقيه وَعلم يبصره ويهديه وَكَانَ مغرى بِجمع الْكتب فَحصل مِنْهَا مَا لَا تحصر حَتَّى كَانَ أَوْلَاده يبيعون مِنْهَا بعد مَوته دهرا طَويلا سوى مَا اصطفوه لأَنْفُسِهِمْ مِنْهَا وَله من التصانيف الْهَدْي وأعلام الموقعين وبدائع الْفَوَائِد وطرق السعادتين وَشرح منَازِل السائرين وَالْقَضَاء وَالْقدر وجلاء الأفهام فِي الصَّلَاة وَالسَّلَام على خير الْأَنَام ومصايد الشَّيْطَان ومفاتيح دَار السَّعَادَة وَالروح وحادي الْأَرْوَاح وَرفع الْيَدَيْنِ وَالصَّوَاعِق الْمُرْسلَة على الْجَهْمِية والمعطلة والداء والدواء ومولد النبي ﷺ وَالْجَوَاب الشافي لمن سَأَلَهُ عَن ثَمَرَة الدُّعَاء إِذا كَانَ مَا قد قدر وَاقع وَغير ذَلِك وكل تصانيفه مَرْغُوب فِيهَا بَين الطوائف قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر قَالَ وَهُوَ طَوِيل النَّفس فِيهَا يتعانى الْإِيضَاح جهده فيسهب جدا ومعظمها من كَلَام شَيْخه متصرف فِي ذَلِك وَله ملكة قَوِيَّة وَلَا يزَال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لَهَا انْتهى وَله من حسن التَّصَرُّف مَعَ العذوبة الزَّائِدَة وَحسن السِّيَاق مَالا يقدر عَلَيْهِ غَالب المصنفين بِحَيْثُ تعشق الإفهام كَلَامه وتميل إِلَيْهِ الأذهان وتحبه الْقُلُوب وَلَيْسَ لَهُ على غير

стр. 663

الدَّلِيل معول فِي الْغَالِب وَقد يمِيل نَادرا إِلَى مَذْهَب الَّذِي نَشأ عَلَيْهِ وَلكنه لَا يتجاسر على الدّفع فِي وُجُوه الْأَدِلَّة بالمحامل الْبَارِدَة كَمَا يَفْعَله غَيره من المتهذبين بل لَا بدله من مُسْتَند فِي ذَلِك وغالب أبحاثه الْإِنْصَاف والميل مَعَ الدَّلِيل حَيْثُ مَال وَعدم التعويل على القيل والقال وَإِذا استوعب الْكَلَام فِي بحث وَطول ذيوله أُتِي بمالم يَأْتِ بِهِ غَيره وسَاق مَا ينشرح لَهُ صُدُور الراغبين فِي أَخذ مذاهبهم عَن الدَّلِيل وأظنها سرت إِلَيْهِ بركَة ملازمته لشيخه ابْن تَيْمِية فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْقِيَام مَعَه فِي محنه ومؤاساته بِنَفسِهِ وَطول تردده إِلَيْهِ فَإِنَّهُ مَا زَالَ ملازما لَهُ من سنة ٧١٢ إِلَى تَارِيخ وَفَاته الْمُتَقَدّم فِي تَرْجَمته وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أحد من قَامَ بنشر السنة وَجعلهَا بَينه وَبَين الآراء المحدثة أعظم جنَّة فرحمه الله وجزاه عَن الْمُسلمين خيرا وَحكى عَنهُ قبل مَوته بِمدَّة أَنه رأى شَيْخه ابْن تَيْمِية فِي الْمَنَام وَأَنه سَأَلَهُ عَن مَنْزِلَته أي منزلَة الشَّيْخ فَقَالَ إنه أنزل فَوق فلَان وسمى بعض الأكابر وَقَالَ لَهُ وَأَنت كدت تلْحق بِهِ وَلَكِن أَنْت فِي طبقَة ابْن خُزَيْمَة وَمَات فِي ثَالِث شهر رَجَب سنة ٧٥١ إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة وَأورد لَهُ ابْن حجر أبياتا وهي (بني أَبى بكر كثير ذنُوبه ... فَلَيْسَ على من نَالَ من عرضه إثم) (بني أَبى بكر غَدا متصدرا ... تعلم علما وَهُوَ لَيْسَ لَهُ علم) (بني أَبى بكر جهول بِنَفسِهِ ... جهول بِأَمْر الله أنى لَهُ الْعلم) (بني أَبى بكر يروم ترقيا ... إِلَى جنَّة المأوى وَلَيْسَ لَهُ عزم) (بني أَبى بكر لقد خَابَ سَعْيه ... إِذا لم يكن فِي الصَّالِحَات لَهُ سهم) (بني أَبى بكر كَمَا قَالَ ربه ... هلوع كنُود وَصفه الْجَهْل وَالظُّلم)

стр. 664

(بني أَبى بكر وَأَمْثَاله غَدَتْ ... بفتواهم هَذِه الخليقة تأتم) (وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعلم بَاعَ وَلَا التقى ... وَلَا الزّهْد وَالدُّنْيَا لديهم هي الْهم) (بني أَبى بكر غَدا متمنيا ... وصال المعالي والذنُوب لَهُ هم) مُحَمَّد بن أَبى بكر الأشخر بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْضا ثمَّ رَاء مُهْملَة الزبيدي أَخذ الْعلم عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن زِيَادَة والفقيه عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن مطهر وَقَرَأَ بِمَكَّة على ابْن حجر الهيتمى وَله تصانيف مِنْهَا نظم الْإِرْشَاد ومنظمومة فِي أصُول الْفِقْه وحاشية على الْبَهْجَة للعامري وَشرح على شذور الذَّهَب وَغير ذَلِك وَمَات سنة ٩٨٩ وَبَنُو الأشخر بَيت علم وَصَلَاح يسكنون قَرْيَة قريب بَيت الشَّيْخ قَرِيبا من الضُّحَى وَبهَا قبر صَاحب التَّرْجَمَة مُحَمَّد بن أَبى بكر بن الْحُسَيْن بن عمر بن مُحَمَّد بن يُونُس ابْن أَبى الْفَخر عبد الرَّحْمَن القرشي العثماني المراغي القاهري الأَصْل المدني ولد فِي أَوَاخِر سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة بِالْمَدِينَةِ وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على البلقيني وَابْن الملقن فِي الْقَاهِرَة عِنْد رحلته مَعَ بنه وَسمع على عُلَمَاء الْمَدِينَة والقادمين إِلَيْهَا وَمن مشايخه الزين العراقى والهيتمى والنويرى وتكرر دُخُوله الْقَاهِرَة وسماعه على من بهَا وَدخل الْيمن مرَارًا فَسمع من جمَاعَة من أعيانها كأحمد بن أَبى بكر الرداد وَالْمجد الشيرازي والنفيس العلوي وتفقه بالدميري والبلقيني أَيْضا وَآخَرين وَأخذ الْأُصُول عَن الولي العراقي والنحو عَن وَالِده والمحب بن هِشَام وَبِالْجُمْلَةِ فَسمع على جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء فِي جِهَات وَأخذ سَائِر الْعُلُوم عَن

стр. 665

آخَرين وَأَجَازَ لَهُ أكَابِر من محلات مُخْتَلفَة وبرع فِي الْفِقْه وأصوله والنحو والتصوف وأتقن جملَة من الحَدِيث وغريب الرِّوَايَة وصنف شرح الْمِنْهَاج الفرعي فِي أَربع مجلدات وَسَماهُ المشرع الروي فِي شرح منهاج النووي وَاخْتصرَ فتح الْبَارِي لِابْنِ حجر فِي نَحْو أَربع مجلدات وَسَماهُ تَلْخِيص أَبى الْفَتْح لمقاصد الْفَتْح ودرس فِي الْيمن بمواضع وَفِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وبمكة وَحدث بالأمهات وَغَيرهَا حَتَّى مَاتَ بِمَكَّة لَيْلَة الْأَحَد سادس عشر الْمحرم سنة ٨٥٩ تسع وَخمسين وثمان مائَة وَله أَخ اسْمه مُحَمَّد كاسمه برع فِي الْفُنُون وَصَارَ شيخ الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَكَانَ مولده سنة ٧٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وقتلته اللُّصُوص لما سَافر إِلَى الشَّام سنة ٨١٩ تسع عشرَة وثمان مائَة وَقتلُوا مَعَه ولديه مُحَمَّد وَالْحُسَيْن وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَخ ثَالِث اسْمه أَيْضا مُحَمَّد ولد فِي سنة ٨٠٦ سِتّ وثمان مائَة وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وَصَارَ مُسْند الْمَدِينَة ومدرسها وَمَات سنة ٨٨٠ ثَمَانِينَ وثمان مائَة مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعد الله بن جمَاعَة ابْن حَازِم بن صَخْر بن عبد الله الْعِزّ بن الشرف بن الْعِزّ الحموي الأَصْل المصري الشَّافِعِي وَيعرف كسلفه بِابْن جمَاعَة ولد سنة ٧٤٦ سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَسمع فِي صغره من جمَاعَة من الأكابر وَأَجَازَ لَهُ آخَرُونَ ثمَّ مَال إِلَى عُلُوم الْعقل فَقَرَأَ على الْعلمَاء السيرامي والعز الرازى وَابْن خلدون وتفقه بالبلقيني وَنظر فِي كل فن حَتَّى فِي الْأَشْيَاء الصناعية كلعب الرمْح وَرمى النشاب وَضرب السَّيْف والنفط حَتَّى الشعوذة وَعلم الْحَرْف والرمل والنجوم والزيج وفنون الطِّبّ وَكَانَ يقْضى بِمَعْرِِفَة جَمِيع الْعُلُوم وَصَارَ

стр. 666

الطَّهَارَة فَلَا يحدث حَدثا إِلَّا تَوَضَّأ مَعَ مَا فِيهِ من محبَّة الفكاهة والمزاح واستحسان النادرة ومشيه بَين الْعَوام وَالْوُقُوف على من يلْعَب فِي نوع من أَنْوَاع اللعب لينْظر إِلَيْهِم وَلم يتَزَوَّج وَكَانَ يعاب بالتزيي بزي الْعَجم من طول الشَّارِب وَعدم السِّوَاك وَقد تَرْجمهُ الْحَافِظ ابْن حجر فِي أنبائه وَذكر حَاصِل مَا تقدم وَقَالَ انه لَازمه من سنة ٧٩٠ إِلَى أَن مَاتَ وَأَنه كَانَ يُسمى صَاحب التَّرْجَمَة إمام الْأَئِمَّة قَالَ المقريزي وَقد تخرج بِهِ فِي الْأُصُول والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْحكمَة خلائق من المصريين والغرباء وطار اسْمه وانتشر ذكره فِي الأقطار وقصده النَّاس من الشرق والغرب وَلم يخلق فِي فنونه بعده مثله وَمَات فِي الْعشْرين من ربيع الآخر سنة ٨١٩ تسع عشرَة وثمان مائَة مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علي بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَهَاء المشهدي القاهري الأزهري ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثاني عشر صفر سنة ٨١١ إِحْدَى عشرَة وثمان مائَة بِالْقربِ من الْأَزْهَر وَأخذ عَن جمَاعَة كالولى العراقى والجلال البلقيني وَابْن الجزيري وأبي الْفضل المغربي والكافياجي وَابْن حجر ودرس بمواضع وصنف شرحا لمختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي وشرحا لجامع المختصرات وعلق على الْمِنْهَاج الفرعي فَوَائِد وَعمل جُزْءا فِي التسلية عَن موت الْأَوْلَاد وشرحا على البخاري متلقطا من الشُّرُوح فِي مجلدين وَمَات فِي يَوْم السبت عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة

стр. 667

مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن جَعْفَر بن يحيى بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر ابْن يُوسُف ابْن علي بن صَالح بن إِبْرَاهِيم الْبَدْر المخزومي السكندري المالكي وَيعرف بِابْن الدماميني ولد سنة ٧٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بإسكندرية وَسمع بهَا من الْبَهَاء بن الدماميني وَآخَرين وبالقاهرة من السراج بن الملقن وَغَيره وبمكة من النويري واشتغل بِبَلَدِهِ على علمائها فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وشارك فِي الْفِقْه ودرس فِي الْإسْكَنْدَريَّة بعدة مدارس وناب فِي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ وبالقاهرة وتصدر بالجامع الْأَزْهَر لإقراء النَّحْو وَدخل دمشق وَعين فِي أَيَّام الْمُؤَيد لقَضَاء الْمَالِكِيَّة فَرمى بقوادح وَدخل بِلَاد الْيمن فدرس بِجَامِع زبيد بَحر سنة وَلم يرج لَهُ بهَا أَمر فَركب الْبَحْر إِلَى الْهِنْد فَأقبل عَلَيْهِ أَهلهَا كثيرا وَأخذُوا عَنهُ وعظموه وَحصل دنيا عريضة فَلم يلبث أن مَاتَ وَكَانَ أحد الكملة فِي فنون الْأَدَب أقر لَهُ الأدباء بالتقدم فِيهِ وبإجادة النظم والنثر وَله مصنفات مِنْهَا نزُول الْغَيْث انتقد فِيهِ على الصفدي فِي أَمَاكِن من شرح الْغَيْث على لامية الْعَجم وَمَا أحسن مِنْهَا هَذِه التَّسْمِيَة وأجود مَا فِيهَا من التورية وصنف حَاشِيَة على المغني سَمَّاهَا تحفة الْغَرِيب وصنف حَاشِيَة أُخْرَى على المغنى إحد الحاشيتين هندية وَالْأُخْرَى يمنية وَقد تعقب الشمني فِي ذَلِك عقبا كثيرا وَشرح البخاري فِي مُجَلد غالبه فِي إعراب الْأَلْفَاظ وَله شرح على التسهيل والخزرحية وَله جَوَاهِر النحور فِي الْعرُوض وَشَرحه والفواكه البدرية من نظمه ومختصر حَيَاة الْحَيَوَان للدميري وَغير ذَلِك وَمَات فِي شعْبَان سنة ٨٢٧ سبع وَعشْرين وثمان

стр. 668

مائَة بِالْهِنْدِ وَله نظم جيد سَائِر مَشْهُور فَمِنْهُ (قلت لَهُ والدجى مول ... وَنحن بالأنس فِي التلاقي) (قد عطس الصُّبْح يَا حَبِيبِي ... فَلَا تشمتنه بالفراق) وَمن نظمه (يَا عذولي فِي مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا) (كم يهز الْعَطف مِنْهُ طَربا ... عِنْدَمَا يسمع مِنْهُ وترا) وَمن شعره (لاما عذاريك هما أوقعا ... قلب الْمُحب الصب فِي الْحِين) (فجدله بالوصل واسمح بِهِ ... ففيك قد هام بلامين) وَمِنْه (الله أكبر يَا محراب طرته ... كم ذَا تصلي بِنَار الْحبّ من صابي) (وَكم أَقمت بأحشائي حروب هوى ... فمنك قلبي مفتون بمحراب) مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَبى الْقَاسِم الهمداني ثمَّ الدمشقي الْمَعْرُوف بالسكاكيني ولد سنة ٦٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَطلب الحَدِيث وتأدب وَسمع وَهُوَ شَاب من جمَاعَة وَقعد فِي صناعَة السكاكين عِنْد شيخ رَافِضِي فأفسد عقيدته فَأخذ عَن جمَاعَة من الإمامية وَله نظم وفضائل ورد على الْعَفِيف التلمساني فِي الاتحاد وَأقَام بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة عِنْد أميرها وَلم يحفظ عَنهُ سب للصحابة بل لَهُ نظم فِي فضائلهم إلا أَنه كَانَ كَمَا قَالَ ابْن حجر يناظر على الْقدر وينكر الْجَبْر وَعِنْده تعبد وسعة رزق قَالَ ابْن تَيْمِية هُوَ مِمَّن يتسنن بِهِ الشيعي ويتشيع بِهِ السني وَقَالَ الذهبي كَانَ حُلْو المجالسة

стр. 669

ذكيا عَالما فِيهِ اعتزال وينطوي على دين وإسلام وَتعبد سمعنَا مِنْهُ وَيُقَال أنه رَجَعَ فِي آخر عمره وَنسخ صَحِيح البخاري قَالَ ابْن حجر وَوجد بعد مَوته بِمدَّة بِخَط يشبه خطه كتاب سَمَّاهُ الطرائف فِي معرفَة الطوائف يتَضَمَّن الطعْن على دين الْإِسْلَام وَأورد فِيهِ أحاديث مشكلة وَتكلم على متونها بِكَلَام عَارِف بِمَا يَقُول إِلَّا أَن وضع الْكتاب يدل على زندقة مِنْهُ وَقَالَ فِي آخِره وَكتبه مُصَنفه عبد الحميد بن دَاوُد المصري وَهَذَا الاسم لَا وجود لَهُ وَشهد جمَاعَة من أهل دمشق أَنه خطه وَأَخذه تقي الدَّين السبكي عِنْده وقطعه فِي اللَّيْل وغسله بِالْمَاءِ وَنسب إِلَيْهِ عماد الدَّين بن كَبِير الأبيات ( ... أيا معشر الْإِسْلَام ذمِّي دينكُمْ) وَقد أجَاب عَلَيْهَا ابْن تَيْمِية كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَمَات فِي صفر سنة ٨٢١ إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة قلت وَمُجَرَّد كَون الْخط يشبه خطه فِي ذَلِك الْكتاب لَا يحل الْجَزْم بِأَنَّهُ مُصَنفه لاحْتِمَال أن الْخط غير خطه وعَلى فرض أنه خطه فقد يكون الْوَاضِع لَهُ غَيره وَكتبه بِخَطِّهِ وَلَا ريب أَن لكثير من غلاة الرافضة أَشْيَاء من هَذَا الْجِنْس وَمن ذَلِك كتاب النُّصْرَة المنسوبة إِلَى رجل يَهُودِيّ ذكر فِي أوائلها أَنه أَرَادَ أَن يسلم فَرَأى اخْتِلَاف أهل الْإِسْلَام فِي التَّشَيُّع والتسنن فتوقف عَن الْإِسْلَام وَأخذ كتبا من كتب الحَدِيث فَنظر فِيهَا ثمَّ أظهر فِي مبادئ أمره الانتصار للشيعة ومطمح نظره غير ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ ينْقل الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَوْجُودَة فِي الامهات الَّتِى فِيهَا تعَارض فِي الظَّاهِر فيوسع دَائِرَة الْإِشْكَال ويأتي بمسالك عَارِف بمدارك الاستدلال ويتغاضى عَن الْجمع والتأويل وَيُصَرح بِمَا يُفِيد الطعْن فِي الشَّرِيعَة موهما لجهلة الشِّيعَة أَنه بصدد نصرتهم

стр. 670

والطعن فِي كتب خصومهم فَمن نظر إِلَيْهِ بِعَين التَّحْقِيق وجده طَعنا على الشَّرِيعَة وثلبا لِلْإِسْلَامِ وتشكيكا فِي الدَّين وواضعه لَا شك أَنه بعض متزندقة الرافضة وَمن الْغَرِيب أَنه صَار يتداوله جمَاعَة من جهلة الشِّيعَة فِي هَذِه الْأَزْمِنَة فإنالله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الحيمي الكوكباني القاضي الأديب كَانَ قَاضِيا بكوكبان وَله نظم منسجم فَمِنْهُ القصيدة الَّتِى مطْلعهَا (نعم هَذِه أنفاس عرف الصِّبَا النجدي ... سرت فطوت من أرضها شقة الْبعد) وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا (نسمَة اهدت لقلبى نفسا ... حِين زارتني وَمَرَّتْ غلسا) وَله شعر كثير وَقد ترْجم لَهُ صَاحب نسمَة السحر وَحكى عَنهُ أَنه أخبرهُ فِي شَوَّال سنة ١١١١ أَنه كَانَ بشبام رجل يتظاهر بعشق أمْرَأَة وَهُوَ مَشْهُور بالشطارة والإقدام وَكَانَ لَا يزَال يجْتَمع بهَا وَلَا تقدر أن تمْتَنع مِنْهُ لشدَّة بطشه مَتى أرادها وَاتفقَ أَنه كَانَ فِي أَيَّام الْحَصاد يحرس زرعا لَهُ فِي بَيت لَهُ لطيف بِظَاهِر شبام وَقد خلا بِتِلْكَ الْمَرْأَة بِاللَّيْلِ وَهُوَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان الْمَشْهُورَة بِالْبركَةِ فَلَمَّا هدأت الْعُيُون سمع أهل شبام صَوتا يشبه صَوت الصاعقة قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة وَأَنا مِنْهُم فَفَزعَ النَّاس وخافوا خوفا شَدِيدا وصعدوا السطوح وَإِذا الحرس يتبادرون إِلَى بَيت ذَلِك الرجل وهم يَقُولُونَ إنه انقض كَوْكَب عَظِيم وَله صَوت عَظِيم ماسمع بِمثلِهِ إِلَى بَيته فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ وجدوا الْبَيْت قد صَار كوم تُرَاب وَالرجل فِيهِ وهم لَا يعلمُونَ بمبيت الْمَرْأَة مَعَه قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فأرسلوا إِلَيّ لأحضر على الْحفر عَنهُ وَكنت قَاضِيا فَحَفَرُوا عَنهُ إِلَى الصَّباح حَتَّى ظهر لَهُم وَهُوَ
следующие страницы →