Полный текст (892 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
الطَّهَارَة فَلَا يحدث حَدثا إِلَّا تَوَضَّأ مَعَ مَا فِيهِ من محبَّة الفكاهة والمزاح واستحسان النادرة ومشيه بَين الْعَوام وَالْوُقُوف على من يلْعَب فِي نوع من أَنْوَاع اللعب لينْظر إِلَيْهِم وَلم يتَزَوَّج وَكَانَ يعاب بالتزيي بزي الْعَجم من طول الشَّارِب وَعدم السِّوَاك وَقد تَرْجمهُ الْحَافِظ ابْن حجر فِي أنبائه وَذكر حَاصِل مَا تقدم وَقَالَ انه لَازمه من سنة ٧٩٠ إِلَى أَن مَاتَ وَأَنه كَانَ يُسمى صَاحب التَّرْجَمَة إمام الْأَئِمَّة قَالَ المقريزي وَقد تخرج بِهِ فِي الْأُصُول والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْحكمَة خلائق من المصريين والغرباء وطار اسْمه وانتشر ذكره فِي الأقطار وقصده النَّاس من الشرق والغرب وَلم يخلق فِي فنونه بعده مثله وَمَات فِي الْعشْرين من ربيع الآخر سنة ٨١٩ تسع عشرَة وثمان مائَة
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علي بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَهَاء المشهدي القاهري الأزهري
ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثاني عشر صفر سنة ٨١١ إِحْدَى عشرَة وثمان مائَة بِالْقربِ من الْأَزْهَر وَأخذ عَن جمَاعَة كالولى العراقى والجلال البلقيني وَابْن الجزيري وأبي الْفضل المغربي والكافياجي وَابْن حجر ودرس بمواضع وصنف شرحا لمختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي وشرحا لجامع المختصرات وعلق على الْمِنْهَاج الفرعي فَوَائِد وَعمل جُزْءا فِي التسلية عَن موت الْأَوْلَاد وشرحا على البخاري متلقطا من الشُّرُوح فِي مجلدين وَمَات فِي يَوْم السبت عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
стр. 667
مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن جَعْفَر بن يحيى بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر ابْن يُوسُف ابْن علي بن صَالح بن إِبْرَاهِيم الْبَدْر
المخزومي السكندري المالكي وَيعرف بِابْن الدماميني ولد سنة ٧٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بإسكندرية وَسمع بهَا من الْبَهَاء بن الدماميني وَآخَرين وبالقاهرة من السراج بن الملقن وَغَيره وبمكة من النويري واشتغل بِبَلَدِهِ على علمائها فمهر فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وشارك فِي الْفِقْه ودرس فِي الْإسْكَنْدَريَّة بعدة مدارس وناب فِي الْقَضَاء بِبَلَدِهِ وبالقاهرة وتصدر بالجامع الْأَزْهَر لإقراء النَّحْو وَدخل دمشق وَعين فِي أَيَّام الْمُؤَيد لقَضَاء الْمَالِكِيَّة فَرمى بقوادح وَدخل بِلَاد الْيمن فدرس بِجَامِع زبيد بَحر سنة وَلم يرج لَهُ بهَا أَمر فَركب الْبَحْر إِلَى الْهِنْد فَأقبل عَلَيْهِ أَهلهَا كثيرا وَأخذُوا عَنهُ وعظموه وَحصل دنيا عريضة فَلم يلبث أن مَاتَ
وَكَانَ أحد الكملة فِي فنون الْأَدَب أقر لَهُ الأدباء بالتقدم فِيهِ وبإجادة النظم والنثر وَله مصنفات مِنْهَا نزُول الْغَيْث انتقد فِيهِ على الصفدي فِي أَمَاكِن من شرح الْغَيْث على لامية الْعَجم وَمَا أحسن مِنْهَا هَذِه التَّسْمِيَة وأجود مَا فِيهَا من التورية وصنف حَاشِيَة على المغني سَمَّاهَا تحفة الْغَرِيب وصنف حَاشِيَة أُخْرَى على المغنى
إحد الحاشيتين هندية وَالْأُخْرَى يمنية وَقد تعقب الشمني فِي ذَلِك عقبا كثيرا وَشرح البخاري فِي مُجَلد غالبه فِي إعراب الْأَلْفَاظ
وَله شرح على التسهيل والخزرحية
وَله جَوَاهِر النحور فِي الْعرُوض وَشَرحه والفواكه البدرية من نظمه ومختصر حَيَاة الْحَيَوَان للدميري وَغير ذَلِك وَمَات فِي شعْبَان سنة ٨٢٧ سبع وَعشْرين وثمان
стр. 668
مائَة بِالْهِنْدِ وَله نظم جيد سَائِر مَشْهُور فَمِنْهُ
(قلت لَهُ والدجى مول ... وَنحن بالأنس فِي التلاقي)
(قد عطس الصُّبْح يَا حَبِيبِي ... فَلَا تشمتنه بالفراق)
وَمن نظمه
(يَا عذولي فِي مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا)
(كم يهز الْعَطف مِنْهُ طَربا ... عِنْدَمَا يسمع مِنْهُ وترا)
وَمن شعره
(لاما عذاريك هما أوقعا ... قلب الْمُحب الصب فِي الْحِين)
(فجدله بالوصل واسمح بِهِ ... ففيك قد هام بلامين)
وَمِنْه
(الله أكبر يَا محراب طرته ... كم ذَا تصلي بِنَار الْحبّ من صابي)
(وَكم أَقمت بأحشائي حروب هوى ... فمنك قلبي مفتون بمحراب)
مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَبى الْقَاسِم الهمداني ثمَّ الدمشقي الْمَعْرُوف بالسكاكيني
ولد سنة ٦٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَطلب الحَدِيث وتأدب وَسمع وَهُوَ شَاب من جمَاعَة وَقعد فِي صناعَة السكاكين عِنْد شيخ رَافِضِي فأفسد عقيدته فَأخذ عَن جمَاعَة من الإمامية وَله نظم وفضائل ورد على الْعَفِيف التلمساني فِي الاتحاد وَأقَام بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة عِنْد أميرها وَلم يحفظ عَنهُ سب للصحابة بل لَهُ نظم فِي فضائلهم إلا أَنه كَانَ كَمَا قَالَ ابْن حجر يناظر على الْقدر وينكر الْجَبْر وَعِنْده تعبد وسعة رزق قَالَ ابْن تَيْمِية هُوَ مِمَّن يتسنن بِهِ الشيعي ويتشيع بِهِ السني وَقَالَ الذهبي كَانَ حُلْو المجالسة
стр. 669
ذكيا عَالما فِيهِ اعتزال وينطوي على دين وإسلام وَتعبد سمعنَا مِنْهُ وَيُقَال أنه رَجَعَ فِي آخر عمره وَنسخ صَحِيح البخاري قَالَ ابْن حجر وَوجد بعد مَوته بِمدَّة بِخَط يشبه خطه كتاب سَمَّاهُ الطرائف فِي معرفَة الطوائف يتَضَمَّن الطعْن على دين الْإِسْلَام وَأورد فِيهِ أحاديث مشكلة وَتكلم على متونها بِكَلَام عَارِف بِمَا يَقُول إِلَّا أَن وضع الْكتاب يدل على زندقة مِنْهُ وَقَالَ فِي آخِره وَكتبه مُصَنفه عبد الحميد بن دَاوُد المصري وَهَذَا الاسم لَا وجود لَهُ وَشهد جمَاعَة من أهل دمشق أَنه خطه وَأَخذه تقي الدَّين السبكي عِنْده وقطعه فِي اللَّيْل وغسله بِالْمَاءِ وَنسب إِلَيْهِ عماد الدَّين بن كَبِير الأبيات
( ... أيا معشر الْإِسْلَام ذمِّي دينكُمْ)
وَقد أجَاب عَلَيْهَا ابْن تَيْمِية كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَمَات فِي صفر سنة ٨٢١ إِحْدَى وَعشْرين وثمان مائَة
قلت وَمُجَرَّد كَون الْخط يشبه خطه فِي ذَلِك الْكتاب لَا يحل الْجَزْم بِأَنَّهُ مُصَنفه لاحْتِمَال أن الْخط غير خطه وعَلى فرض أنه خطه فقد يكون الْوَاضِع لَهُ غَيره وَكتبه بِخَطِّهِ وَلَا ريب أَن لكثير من غلاة الرافضة أَشْيَاء من هَذَا الْجِنْس
وَمن ذَلِك كتاب النُّصْرَة المنسوبة إِلَى رجل يَهُودِيّ ذكر فِي أوائلها أَنه أَرَادَ أَن يسلم فَرَأى اخْتِلَاف أهل الْإِسْلَام فِي التَّشَيُّع والتسنن فتوقف عَن الْإِسْلَام وَأخذ كتبا من كتب الحَدِيث فَنظر فِيهَا ثمَّ أظهر فِي مبادئ أمره الانتصار للشيعة ومطمح نظره غير ذَلِك فَإِنَّهُ كَانَ ينْقل الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَوْجُودَة فِي الامهات الَّتِى فِيهَا تعَارض فِي الظَّاهِر فيوسع دَائِرَة الْإِشْكَال ويأتي بمسالك عَارِف بمدارك الاستدلال ويتغاضى عَن الْجمع والتأويل وَيُصَرح بِمَا يُفِيد الطعْن فِي الشَّرِيعَة موهما لجهلة الشِّيعَة أَنه بصدد نصرتهم
стр. 670
والطعن فِي كتب خصومهم فَمن نظر إِلَيْهِ بِعَين التَّحْقِيق وجده طَعنا على الشَّرِيعَة وثلبا لِلْإِسْلَامِ وتشكيكا فِي الدَّين وواضعه لَا شك أَنه بعض متزندقة الرافضة
وَمن الْغَرِيب أَنه صَار يتداوله جمَاعَة من جهلة الشِّيعَة فِي هَذِه الْأَزْمِنَة فإنالله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الحيمي الكوكباني القاضي الأديب
كَانَ قَاضِيا بكوكبان وَله نظم منسجم فَمِنْهُ القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(نعم هَذِه أنفاس عرف الصِّبَا النجدي ... سرت فطوت من أرضها شقة الْبعد)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(نسمَة اهدت لقلبى نفسا ... حِين زارتني وَمَرَّتْ غلسا)
وَله شعر كثير وَقد ترْجم لَهُ صَاحب نسمَة السحر
وَحكى عَنهُ أَنه أخبرهُ فِي شَوَّال سنة ١١١١ أَنه كَانَ بشبام رجل يتظاهر بعشق أمْرَأَة وَهُوَ مَشْهُور بالشطارة والإقدام وَكَانَ لَا يزَال يجْتَمع بهَا وَلَا تقدر أن تمْتَنع مِنْهُ لشدَّة بطشه مَتى أرادها وَاتفقَ أَنه كَانَ فِي أَيَّام الْحَصاد يحرس زرعا لَهُ فِي بَيت لَهُ لطيف بِظَاهِر شبام وَقد خلا بِتِلْكَ الْمَرْأَة بِاللَّيْلِ وَهُوَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان الْمَشْهُورَة بِالْبركَةِ فَلَمَّا هدأت الْعُيُون سمع أهل شبام صَوتا يشبه صَوت الصاعقة قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة وَأَنا مِنْهُم فَفَزعَ النَّاس وخافوا خوفا شَدِيدا وصعدوا السطوح وَإِذا الحرس يتبادرون إِلَى بَيت ذَلِك الرجل وهم يَقُولُونَ إنه انقض كَوْكَب عَظِيم وَله صَوت عَظِيم ماسمع بِمثلِهِ إِلَى بَيته فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ وجدوا الْبَيْت قد صَار كوم تُرَاب وَالرجل فِيهِ وهم لَا يعلمُونَ بمبيت الْمَرْأَة مَعَه قَالَ صَاحب التَّرْجَمَة فأرسلوا إِلَيّ لأحضر على الْحفر عَنهُ وَكنت قَاضِيا فَحَفَرُوا عَنهُ إِلَى الصَّباح حَتَّى ظهر لَهُم وَهُوَ
стр. 671
على تِلْكَ الْمَرْأَة فِي الْفَاحِشَة وَقد صَارا حممة فأخرجا ودفنا وَكَانَ عِبْرَة
قَالَ صَاحب نسمَة السحر أَيْضا انه حَدثهُ المترجم لَهُ أَن رجلا اسْمه احْمَد بن صَلَاح الغفاري الْفَقِيه من سكان قلعة شهارة مرض وأغمى عَلَيْهِ وأيس مِنْهُ أَهله ووجهوه إِلَى الْقبْلَة وَقعد ويقرأون الْقُرْآن حوله وَاتفقَ أَن مِسْكينا جَاءَ إِلَى بَابه فأعطته زَوجته حبا فِي طبق ثمَّ بعد مَا مضى السَّائِل أفاق ذَلِك الْمَرِيض وَطلب مَأْكُولا وكلمهم وَقَالَ بَيْنَمَا أنا فِي شدَّة لَا أعقل إذ دخل عَلَيْهِ من الْبَاب شخص كالجزار مشمر عَن سَاقيه وذراعيه وَبِيَدِهِ سكين عَظِيمَة فَأخْرج من نطاقه مسنا وَجعل يسن السكين ثمَّ يقدم إِلَى لذبحي وَقعد فَوق صدري وَأَنا شاخص إِلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِك اذ انْفَلق السّقف وَنزل من شخصان أبيضان فِي غَايَة الوسامة وَطيب الرَّائِحَة وبيد أَحدهمَا طبق فِيهِ حب فكفاه عَن قَتْلَى وساراه بشئ وأشارا إِلَى الطَّبَق وفهمت مِنْهُمَا أن الله زَاد فِي عمرى بركَة الصَّدَقَة فَرد السكين وَقَالا اذْهَبْ إِلَى فلَان جَار لي ثمَّ صعد إِلَى السقف الذي تدلى مِنْهُ وَخرج ذَلِك الشَّخْص فَسمع الصُّرَاخ فِي دَار جَاره انْتهى وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ١١١٥ خمس عشرَة وَإِحْدَى عشر مائَة
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله الظفري ثمَّ الصنعاني
ولد بعد سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف فَأخذ عَن أَبِيه وَعَن شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَعَن السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَعَن آخرين وبرع فِي الْعُلُوم الإلهية وشارك فِي غَيرهَا وَله فهم جيد وَإِدْرَاك قوي وسمت حسن وعقل رصين وَبعد موت وَالِده اشْتغل بِالسَّفرِ كل عَام إِلَى بَلْدَة أصاب والبقاء هُنَالك بعض
стр. 672
السنة لتَحْصِيل غلات أَمْوَال
وَهُوَ مِمَّن يعْمل بِاجْتِهَادِهِ ويتقيد بنصوص الْأَدِلَّة وَلَا يعول على غير ذَلِك
وَأَخُوهُ السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن كَانَ أحد أَعْيَان الطّلبَة أَخذ عَنى فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَكَانَ فِي غَايَة السّكُون وَنِهَايَة الْعقل مَعَ فهم مُسْتَقِيم وإقبال على الطلب وَلكنهَا اخترمته الْمنية فِي سن الشَّبَاب فَمَاتَ فِي سنة ١٢١٢ اثنتي عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف
ووالد المترجم لَهُ من أكَابِر الْعلمَاء المبرزين فِي عدَّة فنون وَقد درس للطلبة بِصَنْعَاء فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وانتفع بِهِ كثير مِنْهُم
ثمَّ بعد ذَلِك ولاه الإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بِلَاد ذي جبلة فَشرط لنَفسِهِ أَن تكون مُبَاشَرَته على قانون الشَّرْع بِدُونِ جري على الْأَعْرَاف فساعده الإِمَام فباشر ذَلِك مُبَاشرَة حَسَنَة على القانون الشَّرْعِيّ بِحَيْثُ لم يسمع فِي الْأَعْصَار الْأَخِيرَة بِمثل هَذِه الْولَايَة وَكَانَ يعْتَرض على القاضي فِي ذي جبلة لكَونه أعلم مِنْهُ بدرجات وَهُوَ كَانَ يسْتَحق إفراده بترجمة ولكني اكتفيت بِذكرِهِ هَهُنَا وَتوفى فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٢٠٣ ألف وَمِائَتَيْنِ وَثَلَاث
مُحَمَّد بن حسن السماوي
ولد بعد سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف بسماة من بِلَاد عتمة وارتحل إِلَى ذمار لطلب الْعلم فَقَرَأَ هُنَالك علم الْفِقْه واستفاد فِيهِ ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء فَقَرَأَ على جمَاعَة من علمائها مِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إِبْرَاهِيم بن عَامر فِي الصّرْف والنحو وَشَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد فِي الْفُرُوع وَقَرَأَ علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالْفِقْه
стр. 673
واستفاد فِي غَالب هَذِه الْفُنُون ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد خبان لتدريس طلبة الْعلم بهَا وَهُوَ الْآن هُنَالك ثمَّ صارأحد القصاة بخبان
مُحَمَّد بن حسن بن علي بن عُثْمَان الشَّمْس النواجى
نِسْبَة إِلَى نواجى بِضَم النُّون ثمَّ الْجِيم ثمَّ القاهري الشافعي الشَّاعِر الْمَشْهُور ولد بِالْقَاهِرَةِ بعد سنة ٧٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَأخذ عَن البرماوي والعز بن جمَاعَة والْحَدِيث عَن الولي العراقي وَابْن حجر وَدخل دمياط والإسكندرية وأمعن النظر فِي عُلُوم الْأَدَب حَتَّى فاق أهل عصره وَكتب حَاشِيَة على التَّوْضِيح فِي مجلدة وَبَعض حَاشِيَة على الجاربردي وشرحا للخزرجية فِي الْعرُوض وكتابا يشْتَمل على قصائد مطولات كلهَا غزل والشفاء فِي بديع الِاكْتِفَاء وخلع العذار فِي وصف العذار
وروضة المجالسة فِي بديع المجانسة ومراتع الغزلان فِي وصف الحسان من الغلمان وحلبة الْكُمَيْت فِي وصف الْخمر
وحصلت لَهُ محنة بِسَبَب ذَلِك وعقود اللآل فِي الموحشات والأزجال
وَالْأُصُول الجامعة لحكم حُرُوف المضارعة والمطالع البهية فِي المدائح النَّبَوِيَّة
وصنف كتابا سَمَّاهُ الْحجَّة فِي سرقات ابْن حجَّة
تكلف فِيهِ غَايَة التَّكَلُّف وَتعرض لنظمه ونثره ونال مِنْهُ فَوق مَا ينبغي وَلذَلِك جوزي بِمَا صنعه بعض أهل الْأَدَب مَعَه فَإِنَّهُ صنف كتابا سَمَّاهُ قبح الأهاجى فِي النواجى وأوصله إِلَيْهِ بطرق طريفة فَإِنَّهُ أَمر بِدَفْعِهِ إِلَى دلال بسوق الْكتب وَهُوَ جَالس على عَادَته عِنْد بعض التُّجَّار فدار بِهِ الدَّلال على أَرْبَاب الحوانيت حَتَّى وصل إِلَى النواجي فَأَخذه وتأمله وَعلم مضمونه ثمَّ أعاده إِلَى الدَّلال فاسترجعه صَاحبه من الدَّلال فكاد النواجي يهْلك وَقد اشْتهر ذكر
стр. 674
صَاحب التَّرْجَمَة وَبعد صيته وَقَالَ الشّعْر الْفَائِق وَلَوْلَا كَثْرَة تلونه لَكَانَ فَضله كلمة إجماع وَمَات فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة ٨٥٩ تسع وَخمسين وثمان مائَة وَمن نظمه فِي الْحَافِظ ابْن حجر
(أيا قاضى الْقُضَاة وَمن نداه ... يُؤثر بالأحاديث الصِّحَاح)
(وحقك مَا قصدت حماك إلا ... لآخذ عَنْك أَخْبَار السماح)
(فأروي عَن يَديك حَدِيث وهب ... وَأسْندَ عَن عطا بن أَبى رَبَاح)
وَمن نظمه
(يَا من حَدِيث غرامي فِي محبتهم ... مسلسل وفؤادي مِنْهُ مَعْلُول)
(رَوَت جفونكم اني قتلت بهَا ... فياله خَبرا يرويهِ مَكْحُول)
وَمِنْه
(إِذا شهِدت محاسنه بأنى ... سلوت وَذَاكَ شئ لَا يكون)
(أَقُول حَدِيث جفنك فِيهِ ضعف ... يرويهِ وعطفك فِيهِ لين)
مُحَمَّد بن الْحسن بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُسلم كمحمد بن محيي
بِضَم الْمِيم وَفتح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن العليف بِضَم الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا المالكي الشافعي وَيعرف بِابْن العليف ولد سنة ٧٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بِبِلَاد حاي بن يَعْقُوب وَتردد إِلَى مَكَّة غير مرة سمع بهَا فِي بعض قدماته على الْعِزّ بن جمَاعَة وَقَالَ الشّعْر فمهر فِيهِ ونظم الْكثير وَانْقطع لى الشريف حسن بن عجلَان ومدحه بقصائد كَثِيرَة وَقدم إِلَى الإِمَام النَّاصِر صَلَاح الدَّين مُحَمَّد بن علي إِلَى الْيمن فمدحه بقصائد
مِنْهَا القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى يَقُول فِيهَا
(جادك الْغَيْث من طلول بوالي ... كبروج من النُّجُوم خوالي)
стр. 675
(فقدت بيض أُنْسُهَا فتساوى ... بيض أَيَّامهَا وسود الليلى)
وَمِنْهَا فِي الْمَدْح
(وَترى الأَرْض أذيهم بمغزى ... هى فِي رعدة وفى زلزالي)
قَالَ السخاوي يحْكى أنه لما فرغ مِنْهَا قَالَ لَهُ الإِمَام أحسنت لَا كَمَا قَالَ الْفَاسِق أَبُو نواس
(صدح الديك الصدوح ... فاسقني طَابَ الصبوح)
فَقَالَ للْإِمَام مَا يقنعني هَذَا إنما أُرِيد مِنْك أَن يحكم لي بأني أشعر من المتنبي فَقَالَ الإِمَام لَيْسَ هَذَا إِلَى هَذَا إِلَى السَّيِّد مطهر صَاحب الفص فَإِنَّهُ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي عُلُوم الْأَدَب ومعرفتها فَقَامَ إِلَيْهِ وَعرض عَلَيْهِ ذَلِك بِإِشَارَة الإِمَام فَقَالَ لَهُ هَذَا المتنبي يَقُول فِي صباه
(أبلى الْهوى أسفا يَوْم النَّوَى بدني)
ثمَّ قَالَ لَهُ يَا هَذَا إن للمتنبي ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ مثلا يتَمَثَّل بهَا الْخَلِيفَة فَمن دونه وَأَمْثَاله لَا اعْتِرَاض فِيهَا لأحد فائتنا أَنْت بِثَلَاثَة أَمْثَال لم يسْبق إِلَيْهَا فَقَامَ من عِنْده وَرجع إِلَى الإِمَام وَقَالَ لَهُ إن السَّيِّد لَهُ إلمام بالأدب ولي بِهِ إلمام فحسدني وَلم يقْض لى بشئ فَقَالَ لَهُ الإِمَام لَا يفضلك أحد على المتنبي بعده وَلَكِن أَقُول لَك يَا مُحَمَّد لَو نطقت فِي أذن حمَار لصهل
وَكَانَ معجبا بِشعرِهِ متغالياً فِي استحسانه بِحَيْثُ يفضله على شعر المتنبي فيستهجن لذَلِك وَمن مدحه فِي الإِمَام الْمَذْكُور
(يَا وَجه آل مُحَمَّد فِي وقته ... لم يبْق بعْدك مِنْهُ إلا قفا)
(لَو كَانَت الْأَبْرَار آل مُحَمَّد ... كتب الْعُلُوم لَكُنْت مِنْهَا مُصحفا)
(أَو كَانَت الأسباط آل مُحَمَّد ... يَا ابْن الرَّسُول لَكُنْت مِنْهُم يوسفا)
стр. 676
وَتوفى لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع رَجَب سنة ٨١٥ خمس عشرَة وثمان مائَة بِمَكَّة
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٠١٠ عشر وَألف وَهُوَ الرئيس الْكَبِير والأمير الخطير ربي فِي حجر الْخلَافَة وترقى فِي الكمالات حَتَّى بلغ مِنْهَا الْغَايَة وَقَرَأَ على جمَاعَة كالقاضي أَحْمد بن يحيى حَابِس والقاضي صديق بن رسام وَلما مَاتَ وَالِده فِي تَارِيخ مَوته الْمُتَقَدّم فِي تَرْجَمته وَبلغ الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم أمره بالنفوذ إِلَى بِلَاد ضوران وَمَا زَالَ مترددا فِي الديار اليمنية وَسكن فِي آخر مدَّته مدينتي أَب وذي جبلة وَكثر جَيْشه وعظمت ولَايَته وَصَارَ غَالب الْجِهَات اليمنية تَحت ولَايَته لَا ينفذ فِيهَا أَمر لغيره وَهُوَ يمتثل أَمر الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه تدينا وانقيادا
لَا قهرا وَلما مَاتَ الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه دَعَا صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الرضي من آل مُحَمَّد فَلَمَّا بلغته دَعْوَة عَمه المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم انْقَادَ وأطاع وَبَايع وولاه الإِمَام المتَوَكل على الله جَمِيع الْيمن الْأَسْفَل وَهُوَ مُشْتَمل على مدن كَثِيرَة ومواد المملكة فِي الْغَالِب مِنْهُ وَمَا زَالَ أمره فِي ازدياد وسعادته فِي ظُهُور وَأمره فِي نمو إِلَى أن مَاتَ وَكَانَ يَجْعَل شطر إقامته بِالْيمن والشطر الآخر بِصَنْعَاء وَالرَّوْضَة وَقَرَأَ فِي هَذِه الْمدَّة تذكرة النحوي على مُحَمَّد بن صَلَاح السلامي والفقيه أَحْمد بن سعيد الهبل وَقَرَأَ الْفُصُول اللؤلؤية على القاضي إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي وَفِي سنة ١٠٧٩ طلع من الْيمن إِلَى صنعاء وَاجْتمعَ بِالْإِمَامِ المتَوَكل على الله ثمَّ بدأ بِهِ الْمَرَض قيل وَهُوَ ذَات الْجنب فَمَاتَ بدرب السلاطين من الرَّوْضَة فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثامن شهر ربيع الأول سنة ١٠٧٩ تسع وَسبعين وَألف وَأقر الإِمَام ولَايَة الْبِلَاد الَّتِى
стр. 677
كَانَت تَحت يَده بيد ولديه السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد فَمَاتَ يحيى عقب موت وَالِده فبقى بيد إِسْمَاعِيل جِهَة العدين فَتوجه إِلَيْهَا فَمَرض عِنْد وُصُوله إِلَيْهَا وَمَات بهَا وَقد رثى صَاحب التَّرْجَمَة جمَاعَة من شعراء عصره وَمن جملَة من رثاه وَلَده إِسْمَاعِيل بقصيدة مطْلعهَا
(هَل أقَال الْمَوْت ذَا حذره ... سَاعَة عِنْد انْتِهَاء عمره) ورثاه الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الهندي بقصيدة مطْلعهَا
(قضى الفخار فَلَا عين وَلَا أثر ... واحلولك الْخطب لَا شمس وَلَا قمر) وَله مؤلف سَمَّاهُ سَبِيل الرشاد إِلَى معرفَة رب الْعباد فِي علم الْكَلَام وَشرح الْمرقاة تأليف جده الإِمَام الْقَاسِم وَله جَوَاب مَبْسُوط فِي حَدِيث سَتَفْتَرِقُ أمتي
على شيخ أَحْمد بن مطير كَذَا قَالَ فِي مطلع البدور
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحسن الْمَعْرُوف بالمحتسب
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِقَلِيل وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء ولازم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالبنوس واستفاد فِي الْعُلُوم الآلية وشارك فِي علم السنة مُشَاركَة قَوِيَّة وَعمل بالأدلة وَلم يُقَلّد أحدا وَهُوَ بمَكَان عَظِيم من حسن الْخلق والتودد واطراح الدَّعَاوَى الَّتِى يتَعَلَّق بهَا كثير من أهل الْعلم وَله اتِّصَال بمولانا الإِمَام المتَوَكل وبأولاده وَهُوَ صَالح سَاكن متواضع صَادِق اللهجة قوي الدَّين وَله قِرَاءَة علي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
стр. 678
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الحوثي ثمَّ الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير وَالْقَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَغَيرهمَا وَصَارَ أحد عُلَمَاء صنعاء المفيدين ودرس فِي فنون وَكَانَ مائلا إِلَى الْعَمَل بالأدلة مطرحا للتقليد حسن الْأَخْلَاق متواضعا متعففا ممتع المحاضرة وَله مبَاحث علمية جَيِّدَة ونظم كنظم الْعلمَاء كتب إِلَى قصيدة مُشْتَمِلَة على مدح لَا اسْتَحَقَّه مطْلعهَا
(يثير الشوق تذكار المغاني ... ويذكي ناره الْبَرْق اليماني)
فأجبت بقصيدة مطْلعهَا
(عُقُود مانظمت من الجمان ... أم الصَّهْبَاء أرقت من الدنان)
(أم الرَّوْض الأريض أم ابتسام ... لثغر الزهر أم زهر الْمعَانى)
والقصيدتان موجودتان فِي مجموعي وَمن أحسن مَا يحْكى عَنهُ أَنى لما ابْتليت بِالْقضَاءِ كتب الشُّعَرَاء إِلَى تهانئ وَهُوَ كتب إِلَى بتعزية فِي أَبْيَات حَسَنَة وَذكر فِيهَا عجائب فَوَقع لذَلِك عندي موقع عَظِيم وَلَعَلَّ مَوته ﵀ كَانَ فِي سنة ١٢١١ إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف
مُحَمَّد بن حُسَيْن دلامة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة الذماري ثمَّ الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بذمار فَقَرَأَ فِيهَا علم الْفُرُوع واشتغل بالأدب فَقَالَ الشّعْر الْحسن ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء وَاسْتمرّ بهَا وَكَانَ يمدح أكابرها الْخَلِيفَة فَمن دونه وشعره كثير سَائِر وتأتي لَهُ فِيهِ معاني بديعة وَكَانَ حسن المحاضرة رَقِيق الْحَاشِيَة وَكثير الْميل إِلَى الصُّور الحسان مَعَ عفة ونزاهة بِحَيْثُ أَنه قد ناهز السِّتين وَهُوَ كالشباب
стр. 679
فِي الغرام وكابن الثَّمَانِينَ فِي الْهَرم وَضعف البنية ويغلب على الظَّن أَنه مَاتَ عشقا فَإِنَّهُ كَانَ قبل مَوته يهيم بِبَعْض الملاح ثمَّ أخبرنَا من كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ فِي مرض مَوته بأوصاف لذَلِك الْمَرَض يقوي مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم
وَكَانَ قَلِيل ذَات الْيَد ضيق الْعَيْش صَابِرًا على مكابدة الْحَاجة وَكنت أتعجب من تسلط الغرام عَلَيْهِ مَعَ ضعف الْبدن وَكَثْرَة الْأَمْرَاض ومزيد الْفقر وعلو السن وَهُوَ لَا يكره نِسْبَة مَا ذكرته إِلَيْهِ فإني كنت أمازحه قبل تَحْرِير هَذِه التراجم بِزِيَادَة على خمس سِنِين أَنى سأكتب لَهُ تَرْجَمَة أذكر فِيهَا ماصار فِيهِ من مكابدة غرام بعد غرام وهيام عقب هيام فَكَانَ يَأْذَن بذلك وَلَو علمت أَنه يكرههُ مَا ذكرته لأني صنت هَذَا الْكتاب عَن ذكر المعايب وطهرته عَن نشر المثالب لَا كَمَا يَفْعَله كثير من المترجمين من الاستكثار من ذَلِك فَإِن الْغَيْبَة قبيحة إِذا كَانَت بفلتات اللِّسَان الَّتِى لَا تحفظ وَلَا يبْقى أَثَرهَا بل تنسى فِي ساعتها فَكيف بهَا إِذا حررت بالأقلام وَبقيت أعواما وَلَا سِيمَا إِذا لم يتَعَلَّق بهَا غَرَض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَإِنَّهَا من حصايد الْأَلْسِنَة الَّتِى تكب صَاحبهَا على منخره فِي نَار جَهَنَّم نسْأَل الله السَّلامَة
وَمن نظمه ﵀ مَا كتبه إِلَى خَليفَة الْعَصْر حفظه الله عِنْد إن ولانى الْقَضَاء وهى هَذِه الأبيات وَذكر آخرهَا تَارِيخ ذَلِك
(قل للْإِمَام أدام الله دولته ... مَا دَار نجم على الْآفَاق أَو أَفلا)
(لقد رميت فَمَا أَخْطَأت منتقدا ... عين الْإِصَابَة فِي الْأَعْلَام والنبلا)
(لما رَأَيْت وُلَاة الحكم قد قصرت ... عين الْكَمَال الذي يرضى بِهِ الكملا)
(اخْتَرْت عز المعالى للعلا علما ... هَذَا لعمري هُوَ الرأي المنيف علا)
(طوقت جيد زمَان أنت مَالِكه ... طوقا من الدر استحلى بِهِ فحلا)
стр. 680
(لله مَوْلَاهُ مَا أولاه من حلل ... وحلة الْعلم وَالتَّقوى أجل حلا)
(أقسمت مَا فِي الورى شخص يماثله ... من ذَا يماثل بدر التم إذ كملا)
(إن خَاضَ بَحر عُلُوم خَاضَ مُنْفَردا ... فِي لج بَحر رست فِي لجة النبلا)
(أوخاض فِي لجة الْآدَاب فَهُوَ لَهَا ... مَا الأصمعي وَمَا المرداس وَابْن جلا)
(لَا يصدر الحكم إلا عَن مشورة ... كَيْمَا يكون غَدا فِي حزب من عدلا)
(فَمن توليه فاستوليه متكلا ... بِهِ على الله وأعزل كل من عزلا)
(فقد أراك إله الْعَرْش خير فَتى ... فاسمع لما قَالَ وانجز كل مَا فعلا)
(فَذَاك آكِد من ترجو النجَاة بِهِ ... مِمَّن يقلده لَا تختشى الزللا)
(وَعَامة النَّاس لَا يرضون من كملت ... فِيهِ الصِّفَات فَلَا تعبأ بِمن جهلا)
(فاسمح بِعَين ترى التَّارِيخ مُشْتَمِلًا ... مُحَمَّد بن عَليّ أكمل الكملا)
١٢٠٩
- وَمَات ﵀ فِي سنة ١٢٠٩ عَام إنشائه لهَذَا النظم وَله ولد من أَعْيَان عُلَمَاء الْفُرُوع المشاركين فِي غَيرهَا وَهُوَ حُسَيْن بن مُحَمَّد نَشأ بذمار وَقَرَأَ الْفُرُوع على أَهلهَا كالقاضي سعيد بن حسن العنسي وَغَيره ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء وَقَرَأَ على جمَاعَة من علمائها وَقَرَأَ علي فِي سنَن أبي دَاوُد وَهُوَ الْآن بَاقٍ فِي صنعاء وَله همة علية وَنَفس شريفة وطباع ظريفة ومناقب
стр. 681
منيفة وَلَعَلَّ مولده فِي سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير
مُحَمَّد بن حُسَيْن المرهبي الشرفي ثمَّ الجبلي
بِكَسْر الْجِيم وَسُكُون الْبَاء نِسْبَة إِلَى ذي جبلة من مَدَائِن الْيمن الاسفل الشَّاعِر البليغ وَالْكَاتِب الْمجِيد كَانَ كَاتبا للسَّيِّد الْأَمِير علي بن المتَوَكل وَله فِيهِ غرر المدائح وَمن محَاسِن شعره قَوْله
(ذَات الْحَلَاوَة حلوة الثغر ... هجرت وَمَا طبعت على الهجر)
(بَيْضَاء لَو أهدت ذؤابتها ... لِليْل فل صَفَائِح الْفجْر)
(هيفاء تَحت نطاقها كفل ... ملْء الْإِزَار كَأَنَّهُ وزري)
وهي قصيدة كلهَا غرر وَمن قصائده الطنانة القصيدة الَّتِى مدح بهَا مخدومه الْأَمِير الْمُتَقَدّم ومطلعها
(أما آن أَن ترقى الدُّمُوع السواجم ... وتهدأ هاتيك الْقُلُوب الحوائم)
وَمن رسائله الدَّالَّة على اطِّلَاعه على الْعُلُوم مَا كتبه إِلَى السَّيِّد الْحسن ابْن مطهر الجرموزى فَقَالَ
مَوْلَانَا السَّيِّد الإِمَام أبقاه الله مرشدا إِلَى الْأَقْوَال الشارحة مُعَرفا للحجة الْوَاضِحَة مجددا للأوضاع الْحكمِيَّة مقررا للقوانين النظرية باحثا فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية نَاظرا فِي أوضاعها التصورية والتصديقية ملزوما للإسعاد معروضا للعناية والإزدياد قَابلا للألطاف الإلهية قبُول الْجِسْم للأبعاد ثمَّ أَطَالَ الْخطاب موجها بأنواع من الْفُنُون وملمحا إِلَى وقائع مَشْهُورَة على نمط رِسَالَة ابْن زيدون الجدية قَالَ صَاحب نسمَة السحر انه سمع السَّيِّد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن حسن الْمُتَقَدّم ذكره يَقُول إن
стр. 682
صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ قل أَن يسلم لأحد فضلا وَلما مَاتَ مخدومه الْمُتَقَدّم تعكست أَحْوَاله وَكَثُرت شكايته ثمَّ توجه إِلَى الْحَج سنة ١١١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَألف فَمَاتَ فِي الطرق بِبَعْض نواحي تهَامَة وشعره مَشْهُور عِنْد أهل الْيمن
السَّيِّد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد بِصَنْعَاء فِي صفر سنة ١٠٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان عُلَمَاء عصره وَمن الواردين إِلَى الْيمن كالشيخ صَالح النجراني الطَّبِيب وأتقن عَلَيْهِ علم الطِّبّ وَمن مشايخه مُحَمَّد بن صَالح الْحَكِيم الآتي
стр. 683
ذكره وَله مؤلفات مِنْهَا الرسَالَة الكلامية وشعره حسن فَمِنْهُ الأبيات الَّتِى مطْلعهَا
(غُصْن نقا فِي الْقُلُوب يَنْعَطِف ... يُثمر بَدْرًا بقله هيف)
وَله قصيدة أُخْرَى مطْلعهَا
(نعم نفحة من حاجر نفحة الْمسك ... وأوصل مكوي الحشا شادن التّرْك)
وَله شعر كثير وَلَيْسَ بالشهير وَقد تَرْجمهُ صَاحب نسمَة السحر وَلم يذكر تَارِيخ وَفَاته لِأَنَّهُ من معاصريه
مُحَمَّد بن حَمْزَة الدمشقي ثمَّ الرومي الْمَعْرُوف بِابْن شمس الدَّين
الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه ولد بِدِمَشْق ثمَّ ارتحل مَعَ وَالِده إِلَى الروم وَقَرَأَ على علمائها حَتَّى صَار مدرسا بِبَعْض مدارسها ثمَّ مَال إِلَى التصوف فخدم الْحَاج بيرام ثمَّ خدم الشَّيْخ زين الدَّين الخافي رَحل إِلَيْهِ إِلَى حلب ثمَّ عَاد إِلَى خدمَة الشَّيْخ الأول فَحصل عِنْده الطَّرِيقَة وَصَارَ مَعَ كَونه طَبِيبا للقلوب طَبِيبا للأبدان فَإِنَّهُ اشْتهر أَن الشجر كَانَت تناديه وَتقول أَنا شِفَاء من الْمَرَض الفلاني ثمَّ اشتهرت بركته وَظهر فَضله حَتَّى إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان سُلْطَان الروم لما أَرَادَ فتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة دَعَاهُ للْجِهَاد فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة للسُّلْطَان سيدخل الْمُسلمُونَ القلعة فِي يَوْم كَذَا فجَاء ذَلِك الْوَقْت الَّذِي عينه لفتح القلعة فَحصل مَعَ بعض أَصْحَابه فزع شَدِيد من السُّلْطَان على الشَّيْخ إِذا لم يَصح الْخَبَر فَذهب إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال فَوَجَدَهُ فِي خيمته سَاجِدا على التُّرَاب مَكْشُوف الرَّأْس وَهُوَ يتَضَرَّع ويبكي فَرفع رَأسه وَقَامَ على
стр. 684
رجلَيْهِ وَكبر وَقَالَ الْحَمد لله منحنا فتح القلعة قَالَ الراوي فَنَظَرت إِلَى القلعة فَإِذا الْعَسْكَر قد دخلُوا بأجمعهم ففرح السُّلْطَان بذلك وَقَالَ لَيْسَ فرحي لفتح القلعة إنما فرحي بِوُجُود مثل هَذَا الرجل فِي زمني
ثمَّ بعد يَوْم جَاءَ السُّلْطَان إِلَى خيمة صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ مُضْطَجع فَلم يقم لَهُ فَقبل السُّلْطَان يَده وَقَالَ لَهُ جئْتُك لحَاجَة قَالَ وَمَا هي قَالَ أن أدخل الْخلْوَة عنْدك فَأبى فأبرم عَلَيْهِ السُّلْطَان مرَارًا وَهُوَ يَقُول لَا فَغَضب السُّلْطَان وَقَالَ إنه يَأْتِي إليك وَاحِد من الأتراك فتدخله الْخلْوَة بِكَلِمَة وَاحِدَة وَأَنا تأبى علي فَقَالَ الشَّيْخ إِنَّك إِذا دخلت الْخلْوَة تَجِد لَذَّة تسْقط عِنْدهَا السلطنة من عَيْنَيْك فتختل أمورها فيمقت الله علينا ذَلِك وَالْغَرَض من الْخلْوَة تَحْصِيل الْعَدَالَة فَعَلَيْك أَن تفعل كَذَا وَكَذَا وَذكر لَهُ شَيْئا من النصائح ثمَّ أرسل إِلَيْهِ ألف دِينَار فَلم يقبل وَلما خرج السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ لبَعض من مَعَه مَا قَامَ الشَّيْخ لي فَقَالَ لَهُ لَعَلَّه شَاهد فِيك من الزهو بِسَبَب هَذَا الْفَتْح الَّذِي لم يَتَيَسَّر مثله للسلاطين الْعِظَام فَأَرَادَ بذلك أَن يدْفع عَنْك بعض الزهو ثمَّ إن السُّلْطَان دَعَا صَاحب التَّرْجَمَة فِي الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل فخاف عَلَيْهِ أَصْحَابه فَذهب إِلَيْهِ فَلَمَّا وصل تبادر الْأُمَرَاء يقبلُونَ يَده وَجَاء السُّلْطَان يلقاه وَاللَّيْل مظلم فعانقه بِالْقَلْبِ لَا بالبصر فعانقه الشَّيْخ وضمه إِلَيْهِ ضما شَدِيدا حَتَّى ارتعد وَكَاد يسْقط من الهيبة وتحدث السُّلْطَان بعد ذَلِك أَنه كَانَ فِي قلبه شئ فِي حق الشَّيْخ فَلَمَّا ضمه زَالَ ذَلِك ثمَّ إن الشَّيْخ جلس مَعَ السُّلْطَان فِي خيمته إِلَى أَن صلى بِهِ الْفجْر وَالسُّلْطَان جَالس أَمَامه على ركبته يسمع الأوراد فَلَمَّا أتمهَا التمس مِنْهُ السُّلْطَان أن يعين قبر أَبى أَيُّوب لِأَنَّهُ كَانَ يرى فِي التواريخ أَن قَبره قريب سور قسطنطينية فَذهب الشَّيْخ
стр. 685
إِلَى هُنَالك وَقَالَ لعلي أَجِدهُ فَعَاد وَقَالَ التقيت أَنا وروح أَبى أَيُّوب وهنأني بِالْفَتْح وَقَالَ شكر الله سعيكم حَيْثُ خلصتموني من ظلمَة الْكفْر فَقَالَ السُّلْطَان إني أصدقك وَلَكِن ألتمس مِنْك أَن تعين عَلامَة أراها بعيني ويطمئن قلبي فَقَالَ الشَّيْخ احفروا هَذَا الْموضع وستجدون بعد أَن تحفروا ذراعين رخاما عَلَيْهِ خط فَلَمَّا حفروا مِقْدَار ذراعين ظهر الرخام عَلَيْهِ خطّ فقرأه من يعرفهُ فَإِذا هُوَ قبر أَبى أَيُّوب فتحير السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَغلب الْحَال عَلَيْهِ حَتَّى كَاد يسْقط لَوْلَا أَن أَخَذُوهُ ثمَّ أَمر بِبِنَاء قبَّة على الْقَبْر وَلما عَاد لقي رجلا من أجلاف بِلَاد الروم وَتَحْته فرس نَفِيس يمِيل إِلَيْهِ كل قلب وَذهب الرجل وَلم يلْتَفت إِلَى الشَّيْخ وَلم يسلم عَلَيْهِ فَلم يذهب إِلَّا قَلِيلا حَتَّى رَجَعَ وَنزل عَن فرسه وَدفعه إِلَى الرجل وَركب فرس الرجل فَسَأَلَ الشَّيْخ بعض أَصْحَابه عَن ذَلِك فَقَالَ لوكان لرجل عبد وَكَانَ فِي طَاعَته واستدعى مِنْهُ يَوْمًا شَيْئا حَقِيرًا هَل يمعنه فَقَالُوا لَا فَقَالَ وَأَنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة لم أخرج عَن طَاعَة الله فَلَمَّا مَال قلبي إِلَى هَذَا الْفرس الْهم الله ذَلِك الرجل حَتَّى وهبه لي
وَله ﵀ مصنفات مِنْهَا رِسَالَة فِي التصويف ورسالة أُخْرَى فِي دفع مطاعن الصُّوفِيَّة ورسالة فِي علم الطِّبّ وَكَانَ لَهُ ابْن صَغِير ولد مجذوبا فأنفق أنه دخل عِنْد وَالِده أَمِير يُقَال لَهُ ابْن قطار وَكَانَ أطلس لَا شعر بِوَجْهِهِ فَقَالَ ابْن الشَّيْخ لمارآه مَا هَذَا رجل هَذِه امْرَأَة فَغَضب عَلَيْهِ وَالِده فَقَالَ الْأَمِير للشَّيْخ أَنه يَدعه وَلَا يزجره عَن الْكَلَام وتضرع إِلَى الشَّيْخ ثمَّ قَالَ الْأَمِير للْوَلَد الْمَذْكُور ادْع لي أَن ينْبت لحيتي فَأخذ المجذوب من فَمه بصاقا كثيرا وَمسح بِيَدِهِ وَجه الْأَمِير فطلعت لحيته فَلَمَّا دخل الْأَمِير
стр. 686
على السُّلْطَان قَالَ للوزراء اسألوه من أَيْن حصلت لَهُ هَذِه اللِّحْيَة فَحكى لَهُ مَا جرى فَوقف على ذَلِك الصَّغِير أوقافا وَصَاحب التَّرْجَمَة كَمَا عرفت فِي زمن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقد ذكرنَا تَارِيخ دولته
مُحَمَّد بن خلفه
بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام وَبعدهَا فَاء الأبي بِضَم الْهمزَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من تونس التونسي قَرَأَ على ابْن عَرَفَة وَغَيره وَكَانَ عَالما محققا أَخذ عَنهُ جمَاعَة وَوَصفه ابْن حجر بِأَنَّهُ عَالم الْمغرب بالمعقول وَأَنه سكن تونس وَله شرح مُسلم الذي سَمَّاهُ إكمال إكمال الْمعلم فِي شرح مُسلم الذي جمع فِيهِ بَين المازري وعياض والقرطبي وَالنَّوَوِيّ مَعَ زيادات من كَلَام شَيْخه ابْن عَرَفَة فِي ثَلَاث مجلدات ويحكى عَنهُ من سَلامَة الْفطْرَة مَا يُخرجهُ إِلَى حد الْغَفْلَة مَعَ مزِيد تقدمه فِي الْعُلُوم وَمَات سنة ٨٢٧ سبع وَعشْرين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن خَلِيل بن يُوسُف بن علي بن أَحْمد بن عبد الله الْمُحب أَبُو حَامِد الرملي المقدسي الشافعي
نزيل الْقَاهِرَة وَهُوَ بكنيته أشهر وَرُبمَا قيل لَهُ ابْن الموقت لِأَن أَبَاهُ كَانَ مولد ولد فِي آخر رَمَضَان سنة ٨١٩ تسع عشر وثمان وَمِائَة وَقيل سنة ٨١٧ بالرملة وَحفظ كثيرا من المختصرات وَأخذ عَن الشهَاب ابْن رسْلَان ولازمه وتدرب بِهِ وَأخذ عَنهُ الْكثير من مصنفاته وَغَيرهَا وَعَن الْعِزّ عبد السَّلَام القدسي والنويري وَغَيرهم ثمَّ ارتحل إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ عَن الْحَافِظ بن حجر والمناوي وَجَمَاعَة كالشمني والزركشي والزين رضوَان وَحج فَأخذ عَن مشائخ الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَمَكَّة ودرس بمواطن وناب فِي
стр. 687
الْقَضَاء عَن جمَاعَة وصنف شرحا للمنهاج والبهجة وَجمع الْجَوَامِع وَغير ذَلِك وانتقصه السخاوي وَبَالغ فِي ذَلِك على عَادَته المألوفة فِي أكَابِر أقرانه وَمَات فِي شهر صفر سنة ٨٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وثمان مائَة
مُحَمَّد بن الدمدمكي
قَالَ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع هُوَ شخص عَابِد فِي مغارة بجبل قريب من إقليم شرْوَان وَعَلِيهِ مَا يستره من الثِّيَاب وَفَوق رَأسه قلنسوة تغطي عَيْنَيْهِ وَالنَّاس يدْخلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا لرُؤْيَته فَإِذا قربوا مِنْهُ وصلوا على رَسُول الله ﷺ حرك رَأسه
وَيَزْعُم من يرد علينا من هُنَالك أن خَبره لشهرته قَطْعِيّ وَأَنه مَاتَ فِي حُدُود سنة ٨٣٦ وَأَنه بَاقٍ إِلَى تَارِيخ سنة ٨٣٤ على مَا وَصفنَا
ذكره المقريزي فِي عقوده هَكَذَا بل نقل عَن بَعضهم أَنه مَاتَ من مُدَّة تزيد على أربعمائة سنة وَهُوَ جَالس على كَيْفيَّة التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة مُسْتَقْبل الْقبْلَة فِي مغارة إِلَى آخر مَا قيل
وَأَن السَّبَب فِي هَذَا أَن شَيْخه أعلمهُ بِدُخُول الْوَقْت ليؤذن فَقَالَ لَهُ بل أصبر سَاعَة فكرر عَلَيْهِ أمره وَهُوَ يُعِيد مَا قَالَه فَقَالَ لَهُ شَيْخه مَا أنت إلا دمدمكي أَي ساعاتي فَقَالَ لَهُ فضع رجلك على قدمي الْيُمْنَى وَانْظُر نَحْو السَّمَاء فَفعل فَرَأى بَابا مَفْتُوحًا إِلَيْهَا وَرَأى ديكا قد فرش أجنحته وَهُوَ يُؤذن فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة فإني لَا أؤذن فِي الْأَوْقَات الْخَمْسَة إلا بعد هَذَا الديك فَقَالَ لَهُ شَيْخه مرزا أَي لَا ابلاك الله أَو لاتبلى فاستجيب دَعَاهُ فَلِذَا لم يبل
وَهَذِه الْحِكَايَة تؤذن بِأَن الدمدكي وَصفه لَا وصف أَبِيه
وَمن جملَة مَا قيل أَن تيمورلنك دَفنه فِي التُّرَاب فَأرْسل عَلَيْهِ مطر عَظِيم وَبرد أهلك من عسكره خلقا بِحَيْثُ صَار يتمرغ بِالْأَرْضِ وَيَقُول التَّوْبَة يَا شيخ مُحَمَّد وَالله أعلم انْتهى
стр. 688
مَا ذكره السخاوى
مُحَمَّد بن ذانيال بن يُوسُف الموصلي الْحَكِيم شمس الدَّين الكحال
الْفَاضِل الأديب الشَّاعِر الْمَشْهُور السالك طَريقَة ابْن حجاج لَهُ أشياء مخترعة وَله تصانيف مِنْهَا الْكتاب الْمُسَمّى طيف الخيال وَله أرجوزة سَمَّاهَا عُقُود النظام فِيمَن ولي مصر من الْحُكَّام وَله نَوَادِر مضحكة مِنْهَا أَن خَصيا من خدم الْأَمِير خرج إِلَى نزهة مَعَ شخص من اتِّبَاع الْأَمِير يُقَال الحليق فبحث الْأَمِير عَنْهُمَا إِلَى ان وجدهما فأحضرهما وَأَرَادَ معاقبتهما فَنَهَضَ بن ذانيال فَقَالَ للأمير احْلق ذقن هَذَا القواد وَأَشَارَ للحليق وأخص هَذَا الْخَادِم وَأَشَارَ إِلَى الخصى فَضَحِك الْأَمِير وَسكن غَضَبه
وَمن ذَلِك أَنه أعطاه الْأَشْرَف فرسا يركبه إِذا طلع القلعة للْخدمَة فَرَآهُ على حمَار أعرج فاستدعاه وَسَأَلَهُ فَقَالَ يَا خوند بِعْت الْفرس وزدت عَلَيْهِ واشتريت هَذَا الْحمار فَضَحِك مِنْهُ
وَمن نظمه السائر قَوْله
(قد عقلنا وَالْعقل أي وثاق ... وصبرنا وَالصَّبْر مر المذاق)
(كل من كَانَ فَاضلا كَانَ مثلى ... فَاضلا عِنْد قسْمَة الأرزاق)
وَمن نظمه
(يَا سائلي عَن ضيعتي فِي الورى ... وصنعتي فيهم وإفلاس)
(مَا حَال من دِرْهَم إنفاقه ... يَأْخُذهُ من أعين النَّاس) وَمَات فِي ثاني عشر جُمَادَى الآخر سنة ٧١٠ عشر وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن سعيد بن مَسْعُود الرومي الحنفي
ولد فِي سنة ٧٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة كَمَا قَالَ الأسيوطي وَأخذ عَن الخافي وآخرين وَأكْثر من قِرَاءَة الكافية لِابْنِ الْحَاجِب وأقرائها حَتَّى
стр. 689
نسب إِلَيْهَا بِزِيَادَة جِيم كماهى قَاعِدَة التّرْك فِي النّسَب وَدخل إِلَى بِلَاد الْعَجم والتتر وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ ابْن فرشته الْمُتَقَدّم ذكره دخل الْقُدس ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها وَظَهَرت كمالاته وَأَقْبل عَلَيْهِ الْفُضَلَاء ودرس وَأفْتى وصنف وخضعت لَهُ الرِّجَال وذلت لَهُ الْأَعْنَاق وَصَارَ إِلَى صيت عَظِيم وجلالة وشاع ذكره وانتشر تلامذته وَأخذ عَنهُ النَّاس طبقَة بعد طبقَة وَتَقَدَّمت طلبته فِي حَيَاته وصاروا أَعْيَان الْوَقْت وتزاحموا عِنْده
قَالَ السخاوي وزادت تصانيفه على الْمِائَة وغالبها صَغِير وَمن محاسنها شرح الْقَوَاعِد الْكُبْرَى لِابْنِ هِشَام وَقَالَ وَله شرح كلمتي الشَّهَادَة والأسماء الْحسنى
ومختصر فِي علم الْأَثر
والمختصر الْمُفِيد فِي علم التَّارِيخ
وَشرح فِي محاكمات بَين الْمُتَكَلِّمين على الْكَشَّاف
وَله حَاشِيَة عَلَيْهِ مُسْتَقلَّة وحاشية على شرح الْهِدَايَة
وتلخيص الْجَامِع الْكَبِير وَالْجمع وَكَذَا كتب على تَفْسِير البيضاوى والمطول والمواقف وَشرح الجغميني فِي الْهَيْئَة قَالَ الأسيوطي وَكَانَ إماماً كَبِيرا فِي المعقولات كلهَا الْكَلَام وَالْأُصُول والنحو والتصريف والمعاني وَالْبَيَان والجدل والفلسفة والهيئة بِحَيْثُ لَا يشق غباره فِي شئ من هَذِه الْعُلُوم
وَله الْيَد الْحَسَنَة فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَالنَّظَر فِي عُلُوم الحَدِيث
وَأما تصانيفه فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَلَا تحصى بِحَيْثُ إني سَأَلته أن يُسمى لي جَمِيعهَا لأكتبها فِي تَرْجَمته فَقَالَ لي لَا أقدر على ذَلِك قَالَ ولى مؤلفات كَثِيرَة نسيتهَا فَلَا أعرف الْآن اسمائها انْتهى وَقد عظمه الْمُلُوك خُصُوصا ملك الروم ابْن عُثْمَان فَإِنَّهُ لَا يزَال يكاتبه ويهدي إِلَيْهِ الْهَدَايَا السّنيَّة وَمَات يَوْم الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٩٩ تسع وَتِسْعين وثمان مائَة بِمصْر
قَالَ السيوطي أَنه لَازمه أَربع عشرَة سنة وَمَا جَاءَهُ مرة
стр. 690
إِلَّا وَسمع من التحقيقات والعجائب مالم يسمع قبل ذَلِك قَالَ قَالَ لي يَوْمًا مَا إعراب زيد قَائِم فَقلت قد صرنا مقَام الصغار نسئل عَن هَذَا فَقَالَ لَهُ فِي زيد قَائِم مائَة وَثَلَاثَة عشر بحثا فَقلت لَا أقوم من هَذَا الْمجْلس حَتَّى استفيدها فَأخْرج لى تذكرتها فكتبتها مِنْهُ
مُحَمَّد بن شهَاب بن مَحْمُود بن يُوسُف بن الْحسن العجمعى الخافي
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالْفَاء الحنفي نزيل سَمَرْقَنْد ولد فِي ربيع الأول سنة ٧٧٧ سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بِمَدِينَة سلومد بِفَتْح الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَكسر الْمِيم وَآخره مُهْملَة وهي كرسي خواف وَقَرَأَ بهَا على عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد البخاري والسراج البرهاني وَأخذ عَن آخَرين فِي أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة وَمِنْهُم السَّيِّد الشريف الجرجاني وَسمع مِنْهُ من تصانيفه شَرحه للمفتاح والمواقف ولتذكرة الطوسي وحاشيته على شرح الْمطَالع وَبَعض الْكَشَّاف والبيضاوي وَغير ذَلِك وَمن شُيُوخه ركن الدَّين الطوسي وَسمع الحَدِيث على ابْن الجزري وَله مصنفات مِنْهَا فِي الْعَرَبيَّة نَحْو ثَلَاثَة كراريس عمله فِي لَيْلَة وَاحِدَة لم يُرَاجع فِيهَا كتاباً وَآخر مثله فِي الْمنطق عمله فِي يَوْم أَو أقل وحاشية لشرح الْمِفْتَاح للتفتازاني وحاشية للعضد وحاشية للمنهاج الأصلى وللطوالع وغالبها لم يتم وَقد حج واستدعاه الظَّاهِر جقمق وَكَانَ عَالما متقنا محققا بحرا فِي جَمِيع الْعُلُوم يكَاد يستحضر الْكَشَّاف وَكَذَا غَيره من المعقولات
أجمع الْأَعَاجِم على أنهم لم يرَوا احفظ مِنْهُ مَعَ حسن التَّصَرُّف والفصاحة وجودة الذِّهْن وَقُوَّة الْفَهم
ويحكى أَنه اضافه النَّاصِر بن الظَّاهِر وَجمع الْعلمَاء فَمَا تكلم مَعَ أحد مِنْهُم إلا فِي الْفَنّ الذي يذكر بِهِ وَلم يبد سؤالا إنما كَانَ يسئل فيتكلم فعد ذَلِك من انصافه قيل انه مَاتَ فِي سنة ٨٥٢ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة
стр. 691
مُحَمَّد بن صَالح الجيلاني الفارسي ثمَّ الْيُمْنَى
نَشأ بِبِلَاد الْعَجم وَأخذ علم الطِّبّ عَن أَهلهَا ثمَّ ارتحل إِلَى الْهِنْد فِي أَيَّام السُّلْطَان أبي الْحسن قطب شاه ملك الدكن فنال هُنَالك دنيا عريضة وطار ذكره ثمَّ توجه لِلْحَجِّ فَركب الْبَحْر وَمَعَهُ ذخائر وَكتب نفيسة فانكسر الْمركب وَلم يخرج إلا بِنَفسِهِ وَأقَام بِمَكَّة زَمَانا ثمَّ ركب الْبَحْر أَيْضا يُرِيد بِلَاد الْهِنْد فاجتاز بِالْيمن والخليفة فِيهَا الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الْقَاسِم فَلَمَّا تحقق فَضله فِي الطِّبّ استدعاه إِلَى حَضرته وَأحسن إِلَيْهِ ورغبه فِي السّكُون بِالْيمن فَرغب وأجرى لَهُ النَّفَقَات الواسعة ونال من آل الإِمَام الْقَاسِم الرغائب وانتفع بِهِ النَّاس وطار صيته واشتهر ذكره وَلم يدْخل الْيمن فِيمَا أظن أعرف مِنْهُ بالطب وَلم يزل ذكره مَشْهُورا فِي النَّاس إِلَى الْآن يحكون عَنهُ غرائب فِي الطِّبّ تتحير لَهَا الأذهان وتطرب لسماعها الآذان
وَمِمَّا يحْكى عَنهُ مَا ذكره صَاحب نسمَة السحر فِي تَرْجَمته قَالَ سَمِعت أَن بعض نسَاء الْأَغْنِيَاء كَانَت حَامِلا فَلَمَّا أثقلت أصبحت فِي بعض الْأَيَّام ميتَة لَا حراك بهَا وَلم يكن ظهر بهَا مرض فاستدعى أَهلهَا جمَاعَة من الْأَطِبَّاء فقضوا بموتها فَجْأَة فَلم تطب نفس أَهلهَا دون أن ينظر إِلَيْهَا صَاحب التَّرْجَمَة فَلَمَّا رَآهَا قَالَ لوالدها إن أعطيتني مائَة قِرْش رَأَيْتهَا السَّاعَة فِي عَافِيَة فالتزم لَهُ بذلك فجس فؤادها ثمَّ اخْرُج إبرة مَعَه فَجعل ينقش بهَا على فواءدها بِرِفْق فَقَامَتْ فِي عَافِيَة فسر بذلك أهلها ثمَّ سَأَلُوهُ عَن سَبَب الْعلَّة فَقَالَ إن الْجَنِين قبض بِيَدِهِ على الشريان الذي ينفذ فِيهِ النَّفس من الرئة فَلَمَّا أحس بالإبرة ارسل يَده فَذهب الْمَانِع
لكني رَأَيْت هَذِه الْوَاقِعَة بِعَينهَا فِي
стр. 692
كتاب الشقائق النعمانية وَذكر مُؤَلفه انها اتّفقت للحكيم يَعْقُوب الإسرائيلي مَعَ بعض نسَاء الروم وَيجوز وُقُوعهَا لَهما جَمِيعًا
قَالَ صَاحب النَّسمَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ والدى فِي الطِّبّ وَكَانَ رسمه ان يجِئ إِلَيْهِ فَيَأْخُذ مِنْهُ أُجْرَة الْمَشْي كل يَوْم ربع قِرْش لِئَلَّا ينْفق حركاته فِي غير نفع على رأي الْحُكَمَاء
وَسَأَلَهُ القاضي مُحَمَّد بن الْحسن الحيمي أن يفِيدهُ الطِّبّ فَقَالَ أَنا آخذ من مَوْلَانَا يحيى بن الْحُسَيْن كل يَوْم ربع قِرْش وأروح إِلَيْهِ وَأَنت تجئ إِلَى وآخذ مِنْك كل يَوْم ثمن قِرْش
إلا أنه لم يكن يعالج الْفُقَرَاء احتسابا كَسنة بقراط فِي الْأَوَائِل وَابْن زهرَة وَصَاحب الحاوي وَغَيرهم فِي الْمُتَأَخِّرين ويحتج بِأَن الْمَوْت خير للْفُقَرَاء
وَكَانَ لَهُ معرفَة بأنواع من الْعلم كالمنطق والرياضي وَالصرْف والنحو وَالْأَدب وَله شعر أورد لَهُ صَاحب نسمَة السحر بَيْتَيْنِ فِي هجو علي أفندي كَاتب السَّيِّد علي بن الْمُؤَيد صَاحب صنعاء وهما
(على عَليّ أفندي ... لَا تأسفن وَلَا تَئِنُّ)
(الْعَن من أخبث من ... أنجس من أكذب من)
وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع بَيْتَيْنِ منسوبين إِلَيْهِ فَإِن صحت النِّسْبَة فَلَو لم يكن لَهُ إلا هما لَكَانَ من أشعر النَّاس وهما
(وَمَا الطِّبّ إلا علم ظن وشبهة ... وَلَيْسَ لأحكام الظنون ثُبُوت)
(إِذا كَانَ علم الطِّبّ يُنجى من الردى ... وَيحيى فَمَا بَال الطَّبِيب يَمُوت)
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن صَحَّ عَنهُ مِمَّا يتواصفه النَّاس من علاجاته فَهُوَ متفرد بِهَذَا الْفَنّ مُطلقًا فَإِنَّهُم يحكون من الغرائب مالم يحك مثله عَن القدماء وَصَارَ مثلا يضْرب فِي هَذَا الْفَنّ وَقد رَأَيْت مجموعا فِي الطِّبّ ذكر مُؤَلفه
стр. 693
أَنه جمع فِيهِ مجريات صَاحب التَّرْجَمَة
وَمن جملَة مَا ذكره فِيهِ أن أحسن الْأَدْوِيَة لأهل الْيمن مُطلقًا الأطر يقل الْأَصْغَر وَأَنه مُوَافق للْأَرْض وَالله اعْلَم وَمَات سنة ١٠٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف وَلما مرض طلب بطيخا وَكَانَ يَقُول إن جَاءَ الْبِطِّيخ عَاشَ مُحَمَّد صَالح سنة فَمَا جَاءَ إِلَّا بعد مَوته
مُحَمَّد بن صَالح بن مُحَمَّد بن احْمَد بن صَالح بن أبي الرِّجَال
قد تقدم تَمام نسبة فِي تَرْجَمَة جد أبيه وَهُوَ أحد أَعْيَان الْعَصْر وأوحد أدبائه ولد سنة ١١٤٦ سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان ذَلِك الْعَصْر وَمِنْهُم أَخُوهُ الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح الْمُتَقَدّم ذكره وَمهر فِي الْأَدَب فنظم الشّعْر الْفَائِق وَله يَد طولى فِي حفظ الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار والظرائف واللطائف والماجريات لَا يسمع شخصا يحْكى حِكَايَة من أي نوع كَانَت إلا وَجَاء بأمثالها
ومجالسته نزهة الْقُلُوب وروح الْأَرْوَاح وَفَاكِهَة الأذهان وَله فهم للنكت والدقائق فِي غَايَة الْجَوْدَة إِذا سُئِلَ عَن مُشكل من مشكلات الْأَدَب أفاد فِيهِ بِدُونِ كلفة
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ يتوقد ذكاء وفطنة وَحسن عشرَة وَمَكَارِم أَخْلَاق وعفة وصيانة وديانة وعلو همة ورياسة واطلاع تَامّ على علم اللُّغَة
وَكَثِيرًا مَا يَدعُوهُ مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر حفظه الله ويرغب إِلَى مُجَالَسَته ومحادثته وَقد سَمِعت من فَوَائده فِي مقَام مَوْلَانَا الإِمَام كثيرا ويجري بَيْننَا هُنَالك مذاكرات أدبية ومحاضرات تاريخية وَمن محاسنه أنه إِذا رأى مُنْكرا استشاط غيظا واضطرب والتهب مزاجه فإني فِي بعض الْأَيَّام رَأَيْته فِي موكب الْخَلِيفَة وَقد رأى رجلا يشتكي ويستغيث والخدم يطردونه ويكفونه عَن ذَلِك قبل أَن يسمع الْخَلِيفَة
стр. 694
شكايته فَغَضب صَاحب التَّرْجَمَة غَضبا زَائِدا وارتفع صَوته واضطرب حَتَّى كَاد يسْقط من ظهر مركوبه
وَمن رائق نظمه قَوْله
(كَأَنَّك حِين تغشى كل نكر ... وتخشى فِي ابْنة الْكَرم الجناحا)
(زُهَيْر حِين مر بِجمع قوم ... بهم هرم فَقَالَ عموا صباحا)
فِيهِ تلميح إِلَى الْقِصَّة الْمَشْهُورَة وهي أن زُهَيْر بن أبي سلمى كَانَ يمدح هرم بن سِنَان وَكَانَ قد حلف هرم أن لَا يمدحه زُهَيْر أَو يسلم عَلَيْهِ إِلَّا أعطاه وَلما كثر مِنْهُ ذَلِك احتشم زُهَيْر مِنْهُ وخجل من كَثْرَة عطائه فَكَانَ إِذا لقِيه لَا يسلم عَلَيْهِ وَإِذا مر بِقوم هُوَ فيهم حياهم بِتَحِيَّة الْعَرَب واستثناه فَيَقُول عموا صباحا عدا هرما وخيركم تركت
وَلما رأى صَاحب التَّرْجَمَة شخصا يعانى حفرغيل بجبل نقم المجاور لصنعاء من جِهَة الْمشرق يُرِيد زِيَادَة مائَة فَلم يزدْ على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْحفر فَقَالَ
(سَأَلُوا من جبل صلد الصَّفَا ... نَهرا يجري عَلَيْهِم فنهر)
(وتراءت عينه غامضة ... فقفوا فِي طلب الْعين الْأَثر
(نحتوا أحجارهم فأعجب لَهُم ... يشتهون المَاء من عين الْحجر)
أَشَارَ بِالْبَيْتِ الآخر إِلَى مثل يضْربهُ النَّاس إِذا رَأَوْا من يطْلب أمرا مستحيلا أوشاقا فَيَقُولُونَ يُرِيد كَذَا من عين الْحجر وَخرج مَوْلَانَا الإِمَام إِلَى الرَّوْضَة فِي بعض السنين فَلحقه صَاحب التَّرْجَمَة فَلم يسلم عَلَيْهِ إلا بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَكتب إِلَيْهِ
(مولاي رقك إن تَأَخّر ... فَهُوَ تالي من تقدم)
(إن فَازَ من جلى ... بصحبتكم بتكم فقد صلى وَسلم)
стр. 695
وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة حي نفع الله بِهِ ثمَّ مَاتَ ﵀ ثَالِث عشر رَمَضَان سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف
مُحَمَّد بن صَالح النهمي ثمَّ الصنعاني الْمَعْرُوف بالجرادي
بِالْجِيم وَالرَّاء وَالدَّال الْمُهْملَة ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَكَانَ وَالِده شيخ مَشَايِخ القرآات السَّبع بِصَنْعَاء اسْتَفَادَ بِهِ طلبة هَذَا الشَّأْن ثمَّ تَلا وَلَده هَذَا عَلَيْهِ وعَلى الْفَقِيه القاري علي اليدومي بالسبع وأتقنها وتلا عَلَيْهِ جمَاعَة وَقَرَأَ فِي الْآلَات على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء فاستفاد فِيهَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من الطّلبَة وَقَرَأَ الْفِقْه أَيْضا على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن قَاسم المداني الْمُتَقَدّم ذكره وَغَيره وَقَرَأَ علي فِي الْبَحْر الزخار مَعَ جمَاعَة من الطّلبَة وَحصل بِخَطِّهِ الْحسن نُسْخَة مِنْهُ فِي غَايَة الْحسن وَهُوَ الْآن مشتغل ينفع من يَقْصِدهُ للتلاوة عَلَيْهِ والاستفادة نفع الله بِهِ
مُحَمَّد بن صَالح العصامي الصنعاني
ولد فِي سنة ١١٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف
ثمَّ أَخذ عَن جمَاعَة من أهل الْعلم وَقَرَأَ علي فِي الحَدِيث وَالْأُصُول وَله ذهن وقاد وفكر منقاد وحافظة باهرة وفاهمة فِي الدقائق ماهرة واطلاع على التَّارِيخ فائق وَحفظ للأشعار رائق وَله يَد فِي الترسل قَوِيَّة وقريحة فِي النظم لَو ذعية وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مَعْدُود فِي الْعلمَاء والأدباء وَهُوَ من لَا يمل جليسه وَلَا يسمح بمفارقته أنيسه وَله إِلَى مطارحة نظمية ونثرية لَا يقدر عَلَيْهَا سواهُ من أَمْثَاله وَلَا من فَوْقهم وهي مودوعة فِي مَجْمُوع أشعاري ومكاتباتي وَمَعَ هَذَا فَهُوَ فِي
стр. 696
عنفوان الشَّبَاب وَأَيَّام الحداثة وَقد تدرب حَتَّى قوي إدراكه فِي علم الْآلَات وَالْكَلَام بِحَيْثُ ينبهر مِنْهُ عِنْد المذاكرة كثير من أكَابِر الْعلمَاء جمل الله بِوُجُودِهِ وَكثر فِي النَّاس من أَمْثَاله
وَمن جملَة مَا كتبه إِلَى فِي طي رِسَالَة فائقة قَوْله
(فَلَا عدمت مِنْك المعالي جمَالهَا ... فروض رباها فِي بقائك مونق)
(وَلَا فقدت مِنْك الليالي ثمالها ... فغيث نداك الجم فِيهِنَّ مغدق)
(وَلَا فقد الْمِحْرَاب مِنْك أنيسه ... فلأ لاؤه من نور وَجهك مشرق)
(وَلَا فقدت مِنْك المنابر زينها ... فأعوادها من وطئ رجلك تورق)
(وَلَا فقدت صنعاء مِنْك عميدها ... الذى جاهه سور عَلَيْهَا وَخَنْدَق)
(مفرج غماها وَكَاشف كربها ... إِذا الْقَوْم من صم الْحَوَادِث أطرقوا)
(ترى الْعين مِنْهُ وَاحِدًا وَهُوَ وَاحِد ... كمالا وَلَكِن بَين جَنْبَيْهِ فيلق)
(فَلم يران أعيى المفوه سَاكِت الْجَواب ... وَلَا الثرثارة المتفيهق)
(مَكَارِم يعيى مصقع عَن أقلهَا ... ويحصر منطيق ويفحم مغلق)
(هُوَ الشَّمْس إشراقا أيجهل مغرب ... بموضعه مِنْهُ وَيجْعَل مشرق)
وَهَذَا مِمَّا يستعظم من أكَابِر الشُّعَرَاء الْمُتَقَدّمَة عصورهم فَكيف مِنْهُ وَمِمَّا كتبه إِلَى قَوْله
(يَا أَيهَا الْبَدْر الْمُنِير ... وأيها الصَّدْر الْكَبِير)
(يَا خير من فخرت ... بطلعته المنابر والسرير)
(من لَا يضاهى حلمه ... الجبلان ثَوْر أَو ثبير)
стр. 697
(من لَا يساوي جوده ... بَحر وَلَا سحب غزير)
(من لَا يداني علمه ... أحد قديم اَوْ أخير) مُحَمَّد بن طقلقشاه الْهِنْدِيّ ملك الْهِنْد
أَخذ المملكة عَن أَبِيه وَكَانَ أَبوهُ تركيا من مماليك صَاحب الْهِنْد فتنقل إِلَى أن ولي السلطنة واتسعت مَمْلَكَته جدا فَكَانَ مِنْهَا السَّنَد وَسَائِر أقطار الْهِنْد وَفتح فتوحات كَبِيرَة حَتَّى يُقَال إن جملَة مَا فتح تِسْعَة آلَاف قَرْيَة وَكَانَ جوادا متواضعا عَالما بِفقه الْحَنَفِيَّة مشاركا فِي الْحِكْمَة وَمن محبته للْعلم أَنه أهْدى لَهُ شخص عجمي الشِّفَاء لِابْنِ سيناء بِخَط ياقوت الحموي فِي مُجَلد وَاحِد فَأَجَازَهُ بِمَال عَظِيم يُقَال بِأَن قدره مِائَتَا ألف مِثْقَال اَوْ أَكثر
وَورد كِتَابه على النَّاصِر صَاحب مصر فِي مقلمة ذهب زنتها ألفا مِثْقَال مرصعة بجوهر قوم بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار
وجهز إِلَيْهِ مرة مركبا قد أمْلى من التفاصيل الْهِنْدِيَّة الفاخرة الفائقة وَأَرْبَعَة عشر حَقًا قد ملئت من فصوص الماس وَغير ذَلِك فاتفق أَن رسله اخْتلفُوا فَقتل بضعهم بَعْضًا فنمى ذَلِك إِلَى صَاحب الْيمن فَقتل البَاقِينَ بِمن قتلوا وَاسْتولى على الْهَدِيَّة فَبلغ النَّاصِر فَغَضب وَكَاتب صَاحب الْيمن فِي معنى ذَلِك وَجرى مَا يطول شَرحه وَكَانَ مَعَ سَعَة مَمْلَكَته عنينا لِأَنَّهُ كوي على صلبه وَهُوَ حدث لعِلَّة حصلت لَهُ وَيُقَال أن عساكره بلغت سِتّمائَة ألف وَأَنه كَانَ لَهُ ألف وَسَبْعمائة فيل وَفِي خدمته من الْأَطِبَّاء والحكماء وَالْعُلَمَاء والندماء عدد كثير لم يجْتَمع لغيره وَكَانَ يخْطب لَهُ على مَنَابِر بِلَاده سُلْطَان الْعَالم اسكندر الزَّمَان خَليفَة الله فِي أرضه وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود سنة ٧٥٢ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسَبْعمائة
стр. 698
مُحَمَّد بن عبد الدايم بن مُوسَى بن عبد الدايم بن فَارس ابْن مُحَمَّد بن رَحْمَة بن إبراهيم الشَّمْس أَبُو عبد الله النعيمي الْعَسْقَلَانِي الأَصْل الْبرمَاوِيّ
ثمَّ القاهري الشافعي ولد فِي منتصف الْقعدَة سنة ٧٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة واشتغل وَهُوَ شَاب وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة مِنْهُم الْبُرْهَان ابْن جمَاعَة ولازم الْبَدْر الزركشي وَحضر درس البلقيني وَابْن الملقن والعراقي ثمَّ توجه إِلَى دمشق وأقرأ الطّلبَة هُنَالك ودرس فِي مدارس ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وتصدى للإفتاء والتدريس والتصنيف وانتفع بِهِ النَّاس وطار صيته وَصَارَ طلبته رُؤَسَاء فِي حَيَاته ثمَّ حج وجاور وَنشر الْعلم هُنَالك وَتوجه إِلَى الْقُدس فدرس فِي بعض مدارسها
وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه وأصوله والعربية وَغير ذَلِك وَله تصانيف مِنْهَا شرح البخارى فِي أَربع مجلدات وَشرح الْعُمْدَة وَله ألفية فِي أصُول الْفِقْه وَشَرحهَا ومنظومة فِي الْفَرَائِض وَشرح لامية الْأَفْعَال لِابْنِ مَالك والبهجة الوردية وزوائد الشذور وَعمل مُخْتَصرا فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة ولخص الْمُهِمَّات للأسنوي وَلم يزل قَائِما بنشر الْعلم تصنيفا وتدريسا حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْخَمِيس ثاني عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٣١ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَقد انْتَشَر تلامذته فِي الْآفَاق وَمِنْهُم الْمحلى والمناوي والعبادي وطبقتهم ثمَّ طبقَة تليهم
السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن زيد بن المتَوَكل بن الْقَاسِم
ولد تَقْرِيبًا بَين السّبْعين والثمانين بعد الْمِائَة وَالْألف ثمَّ قَرَأَ على جمَاعَة من أهل الْعلم وَأكْثر قِرَاءَته على السَّيِّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال فاستفاد فِي الْعُلُوم الآلية كلهَا فَائِدَة جليلة وَقَرَأَ أَيْضا فِي علم التَّفْسِير
стр. 699
وَالْفِقْه والْحَدِيث وَصَارَ الْآن من مَشَايِخ الْعلم بِصَنْعَاء وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطّلبَة وَأخذُوا عَنهُ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم واستفادوا بِهِ
وَهُوَ سَاكن متواضع قَانِع من الدُّنْيَا باليسير حسن الْأَخْلَاق قَلِيل الْخَوْض فِيمَا لَا يعنيه غير متعرض للمجادلة والمناظرة وَالْحَاصِل أنه فِي مَجْمُوعه قَلِيل النظير وَقد ترك مَا عَلَيْهِ آل الإِمَام وبقي فِي منزله فِي مَسْجِد حجر والطلبة يقصدونه إِلَى مَكَانَهُ وَإِلَى الْمَسْجِد الْمَذْكُور وكل أوقاته مستغرقة للتدريس للطلبة كثر الله فِي أهل هَذَا الْبَيْت الشريف من أَمْثَاله
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن احْمَد بن مُحَمَّد بن احْمَد بن مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن عوض بن عبد الْخَالِق بن عبد الْمُنعم بن يحيى ابْن مُوسَى بن الْحسن بن عِيسَى بن شعْبَان
ابْن دَاوُد بن مُحَمَّد بن نوح بن طَلْحَة بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصديق ﵁ الْجلَال أَبُو القباء البكري ثمَّ المصري ثمَّ القاهري الشافعي الْمَعْرُوف بالجلال البكري
ولد فِي ثاني صفر سنة ٨٠٧ سبع وثمان وَمِائَة وَقَرَأَ على التقي بن عبد الباري وَالشَّمْس سبط ابْن اللبان والبرماوى والجلال البلقينى والحافظ بن حجر وبرع فِي الْفِقْه وشارك فِي الْأُصُول والعربية وَشرح الْمِنْهَاج الفرعي ومختصر التبريزي وَبَعض التدريب للبلقيني وَالرَّوْض لِابْنِ المقري وتنقيح اللّبَاب وَشرع فِي شرح البخاري وَتفرد فِي عصره بِحِفْظ فقه الشَّافِعِيَّة وَكَانَ يترفع على أهل عصره فِي هَذَا الْفَنّ لعدم وجود من يقارنه فِيهِ وَكَانَ يشافه جمَاعَة من الأكابر الدَّين يتقدمون عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة على الْجَنَائِز بِبُطْلَان صلَاتهم لظَنّه بِأَنَّهُ
стр. 700
أَحَق بذلك ودافع العبادي عَن الْجُلُوس فَوْقه فَترك الْعَبَّادِيّ جِهَته وَجلسَ فِي جهة أُخْرَى كَمَا أَن العبادي دَافع التقى الحصني فحبذه التقي وَجلسَ مَكَانَهُ فأعجب لمثل هَذِه الْأَفْعَال من أهل الْعلم وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة يَوْم الْخَمِيس منتصف ربيع الآخر سنة ٨٩١ إِحْدَى وَتِسْعين وثمان مائَة
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن احْمَد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْحسن بن علي بن إِبْرَاهِيم بن على بن احْمَد ابْن دلف ابْن أَبى دلف العجلي القزويني
جلال الدَّين مؤلف تَلْخِيص الْمِفْتَاح الذي شَرحه السعد بالمختصر والمطول وَشَرحه جمَاعَة من الْعلمَاء ولد سنة ٦٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَسكن الروم مَعَ وَالِده وأخيه واشتغل وتفقه حَتَّى ولي الْقَضَاء بالروم وَهُوَ دون الْعشْرين ثمَّ قدم دمشق وَسمع من جمَاعَة من أَهلهَا واشتغل فِي الْفُنُون وأتقن الْأُصُول والعربية والمعاني وَالْبَيَان وَكَانَ فهما ذكيا فصيحا مفوها حسن الْإِيرَاد جميل المعاشرة وَلما ولي أَخُوهُ قَضَاء دمشق نَاب عَنهُ ثمَّ عَن ابْن صصري ثمَّ طلبه النَّاصِر وشافهه بِقَضَاء الشَّام فِي سنة ٧٢٤ وَكَانَ قدومه على النَّاصِر فِي يَوْم الْجُمُعَة فاتفق أَنه اجْتمع بالناصر سَاعَة وُصُوله فَأمره أَن يخْطب بِجَامِع القلعة فَفعل ثمَّ لما فرغ فَقبل يَد السُّلْطَان وَاعْتذر بِأَنَّهُ على أثر السفر وَلم يكن يظنّ أَن السُّلْطَان يَأْمُرهُ بالخطابة فشكره السُّلْطَان وَسَأَلَهُ كم عَلَيْهِ من الدَّين فَقَالَ ثَلَاثُونَ ألفا فَأمر بوفائها عَنهُ فاستقر فِي قَضَاء الشَّام حَتَّى استدعي فِي سنة ٧٢٧ وَولى قَضَاء الديار المصرية وَكَانَ جوادا ممدحا كثير الْبر وَالْإِحْسَان وَعظم قدره فِي ولَايَته بالديار المصرية فَكَانَ السُّلْطَان لَا يرد لَهُ شَفَاعَة وَكَانَ أَوْلَاده يسرفون فِي الرِّشْوَة ومعاشرة
стр. 701
الْأَحْدَاث فَكَانَ ذَلِك سَبَب صرفه عَن قَضَاء الديار المصرية وَعَاد إِلَى قَضَاء الديار الشامية وَرفعت عَلَيْهِ قصَّة إِلَى السُّلْطَان وفيهَا أَنه يشرب الْخمر وَيفْعل وَيفْعل فاتهم السُّلْطَان بكتابتها جمَاعَة ثمَّ تأملها كَاتب السِّرّ فَوجدَ فِيهَا عَلَاء الدَّين الكونوي بِالْكَاف مَكَان الْقَاف فَعلم أَن كاتبها هندي ثمَّ فحصوا عَنهُ فوجدوه فَكَانَ سَاكِنا بِدِمَشْق وَوَقع بَينه وَبَين القَاضِي كَلَام فزور تِلْكَ الْقِصَّة كذبا فَأمر بتعزيره وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة منتصف جُمَادَى الأول سنة ٧٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد شمس الدَّين السخاوي الأَصْل القاهرى الشافعى
ولد فِي ربيع الأول سنة ٨٣١ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَحفظ كثيرا من المختصرات وَقَرَأَ على ابْن حضر وَالْجمال ابْن هِشَام الحنبلي وَصَالح البلقيني والشرف المناوي والشمني وَابْن الْهمام وَابْن حجر ولازمه وانتفع بِهِ وَتخرج بِهِ فِي الحَدِيث وَأَقْبل على هَذَا الشَّأْن بكليته وتدرب فِيهِ وَسمع العالي والنازل وَأخذ عَن مَشَايِخ عصره بِمصْر ونواحيها حَتَّى بلغُوا أَرْبَعمِائَة شيخ ثمَّ حج وَأخذ عَن مَشَايِخ مَكَّة وَالْمَدينَة ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه وارتحل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة والقدس والخليل ودمياط ودمشق وَسَائِر جِهَات الشَّام ومصر وبرع فِي هَذَا الشَّأْن وفَاق الأقران وَحفظ من الحَدِيث ماصار بِهِ متفردا عَن أهل عصره ثمَّ حج فِي سنة ٨٧٠ هُوَ وَأَهله وَأَوْلَاده وجاور وانتفع بِهِ أهل الْحَرَمَيْنِ ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وأملى الحَدِيث على مَا كَانَ عَلَيْهِ أكَابِر مشايخه ومشايخهم وانتفع النَّاس بِهِ ثمَّ حج مَرَّات وجاور مجاورات وَخرج لجَماعَة من شُيُوخه أَحَادِيث وَجمع كتابا فِي تراجم
стр. 702
شُيُوخه فِي ثَلَاث مجلدات
كَذَلِك والتذكرة فِي مجلدات وَتَخْرِيج أربعين النَّوَوِيّ فِي مُجَلد لطيف وتكملة تَخْرِيج ابْن حجر للأذكار وَتَخْرِيج أَحَادِيث العالين لأبى نعيم وَفتح المغيت بشرح ألفية الحَدِيث فِي مُجَلد ضخم وَشرح التَّقْرِيب للنووي فِي مُجَلد
وبلوغ الأمل فِي تَلْخِيص كتاب الدارقطنى فِي الْعِلَل وَشرح الشَّمَائِل للترمذي فِي مُجَلد وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي إيضاح شرح الْعُمْدَة لِابْنِ دَقِيق الْعِيد
كتب مِنْهُ الْيَسِير من أَوله وَله ذيل على تَارِيخ المقريزى فِي الحواداث من سنة خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة إِلَى رَأس الْقرن التَّاسِع فِي ارْبَعْ مجلدات والضوء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع فِي ارْبَعْ مجلدات
والذيل على تَارِيخ ابْن حجر لقضاة مصر فِي مُجَلد
والذيل على طَبَقَات الْقُرَّاء لِابْنِ الجزرى
والذيل على دوَل الْإِسْلَام للذهبى والوفيات لأهل الْقرن الثَّامِن وَالتَّاسِع فِي مجلدات سَمَّاهُ الشافي من الْأَلَم فِي وفيات الْأُمَم ومصنف فِي تَرْجَمَة النَّوَوِيّ
وَآخر فِي تَرْجَمَة ابْن هِشَام وَآخر فِي تَرْجَمَة الْعَضُد
وَآخر فِي تَرْجَمَة الْحَافِظ بن حجر
وَآخر فِي تَرْجَمَة ابْن الْهمام
وَآخر فِي تَرْجَمَة نَفسه والتاريخ الْمُحِيط فِي عدَّة مجلدات وَالْقَوْل المنبي فِي ذم ابْن عَرَبِيّ فِي مُجَلد
وَقد أفرد عدَّة مسَائِل بالتصنيف وَقد ترْجم لنَفسِهِ تَرْجَمَة مُطَوَّلَة وَفِي مُصَنفه الضَّوْء اللامع وَعدد شُيُوخه مقرواته ومصنفاته وَمَا مدحه بِهِ جمَاعَة من شُيُوخه
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الْأَئِمَّة الأكابر حَتَّى قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ جَار الله بن فَهد فِيمَا كتبه عقب تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة لنَفسِهِ فِي الضَّوْء اللامع مانصه قَالَ تِلْمِيذه الشَّيْخ جَار الله بن فَهد المكي إن شَيخنَا صَاحب التَّرْجَمَة حقيق بِمَا ذكره لنَفسِهِ من الْأَوْصَاف الْحَسَنَة وَلَقَد وَالله الْعَظِيم لم أر فِي الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين مثله
стр. 703
وَيعلم ذَلِك كل من اطلع على مؤلفاته أَو شَاهده وَهُوَ عَارِف بفنه منصف فِي تراجمه ورحم الله جدي حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمته إنه انْفَرد بفنه وطار اسْمه فِي الآفاق بِهِ وَكَثُرت مصنفاته فِيهِ وَفِي غَيره وَكثير مِنْهَا طَار شرقا وغربا شاما ويمنا وَلَا أعلم الْآن من يعرف عُلُوم الحَدِيث مثله وَلَا أَكثر تصنيفا وَلَا أحسن وَكَذَلِكَ أَخذهَا عَنهُ عُلَمَاء الْآفَاق من الْمَشَايِخ والطلبة والرفاق وَله الْيَد الطُّولى فِي الْمعرفَة بأسماء الرِّجَال وأحوال الروَاة وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِلَيْهِ يشار فِي ذَلِك وَلَقَد قَالَ بعض الْعلمَاء لم يَأْتِ بعد الْحَافِظ الذهبى مثله سلك هَذَا الْمسك وَبعده مَاتَ فن الحَدِيث وأسف النَّاس على فَقده وَلم يخلف بعده مثله
وَكَانَت وَفَاته فِي مجاورته الْأَخِيرَة بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فِي عصر يَوْم الْأَحَد سادس عشر شعْبَان سنة ٩٠٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة انْتهى مَا ذكره ابْن فَهد وَلَو لم يكن لصَاحب التَّرْجَمَة من التصانيف إلا الضَّوْء اللامع لَكَانَ أعظم دَلِيل على إمامته فَإِنَّهُ ترْجم فِيهِ أهل الديار الإسلامية وسرد فِي تَرْجَمَة كل أحد محفوظاته ومقرواته وشيوخه ومصنفاته وأحواله ومولده ووفاته على نمط حسن وأسلوب لطيف ينبهر لَهُ من لَدَيْهِ معرفَة بِهَذَا الشَّأْن ويتعجب من احاطته بذلك وسعة دائرته فِي الِاطِّلَاع على أَحْوَال النَّاس فَإِنَّهُ قد لَا يعرف الرجل لَا سِيمَا فِي دِيَارنَا اليمنية جَمِيع مسموعات ابْنه أَو أَبِيه أَو أَخِيه فضلا عَن غير ذَلِك وَمن قرن هَذَا الْكتاب الذي جعله صَاحب التَّرْجَمَة لأهل الْقرن التَّاسِع بالدرر الكامنة لشيخه ابْن حجر فِي أهل الْمِائَة الثَّامِنَة عرف فضل مُصَنف صَاحب التَّرْجَمَة على مُصَنف شَيْخه بل وجد بَينهمَا من التَّفَاوُت مَا بَين الثرى والثريا وَلَعَلَّ الْعذر لِابْنِ
стр. 704
حجر فِي تَقْصِيره عَن تِلْمِيذه فِي هَذَا أَنه لم يَعش فِي الْمِائَة الثَّامِنَة الا سبع وَعشْرين سنة بِخِلَاف صَاحب التَّرْجَمَة فَإِنَّهُ عَاشَ فِي الْمِائَة التَّاسِعَة تسع وَسِتِّينَ سنة فَهُوَ مشَاهد لغالب أَهله وَابْن حجر لم يُشَاهد غَالب أهل الْقرن الثَّامِن ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة لم يتَقَيَّد فِي كِتَابه بِمن مَاتَ فِي الْقرن التَّاسِع بل ترْجم لجَمِيع من وجد فِيهِ مِمَّن عَاشَ إِلَى الْقرن الْعَاشِر وَابْن حجر لم يترجم فِي الدُّرَر إلا لمن مَاتَ فِي الْقرن الثَّامِن وليت أن صَاحب التَّرْجَمَة صان ذَلِك الْكتاب الْفَائِق عَن الوقيعة فِي أكَابِر الْعلمَاء من أقرانه وَلَكِن رُبمَا كَانَ لَهُ مقصد صَالح وَقد غلبت عَلَيْهِ محبَّة شَيْخه الْحَافِظ ابْن حجر فَصَارَ لَا يخرج عَن غَالب أقواله كَمَا غلبت على ابْن الْقيم محبَّة شَيْخه ابْن تَيْمِية وعَلى الهيثمي محبَّة شَيْخه العراقي
مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد صفي الدَّين الهندي الْفَقِيه الشافعي الأصولي
ولد بِالْهِنْدِ فِي ربيع الآخر سنة ٦٤٤ ارْبَعْ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَأخذ عَن جده لأمه وَخرج عَن بَلَده فِي رَجَب سنة ٦٦٧ وَقدم الْيمن فَأكْرمه المظفر وَأَعْطَاهُ تِسْعمائَة دِينَار ثمَّ حج فَأَقَامَ بِمَكَّة ثَلَاثَة أشهر وَرَأى بهَا ابْن سبعين وَسمع كَلَامه ثمَّ دخل الْقَاهِرَة فِي سنة ٦٧١ وَدخل الْبِلَاد الرومية وَخرج مِنْهَا سنة ٦٨٥ وَقدم دمشق فاستوطنها وَسمع من الْفَخر بن البخاري وَقعد فِي الْجَامِع ودرس بمدارس وَكتب على الْفَتَاوَى مَعَ الْخَيْر وَالدّين وَالْبر للْفُقَرَاء وصنف فِي أصُول الدَّين الْفَائِق وَفِي أصُول الْفِقْه النِّهَايَة وَلما عقد بعض الْمجَالِس لِابْنِ تَيْمِية عين صَاحب التَّرْجَمَة لمناظرته فَقَالَ لِابْنِ تَيْمِية فِي أثْنَاء الْبَحْث أَنْت مثل العصفور تزط من هُنَا إِلَى هُنَا إِلَى هُنَا
стр. 705
وَلَعَلَّه قَالَ ذَلِك لما رأى من كَثْرَة فنون ابْن تَيْمِية وسعة دائرته فِي الْعُلُوم الإسلامية وَالرجل لَيْسَ بكفوء لمناظرة ذَلِك الإِمَام إلا فِي فنونه الَّتِى يعرفهَا وَقد كَانَ عريا عَن سواهَا وَلِهَذَا قيل أنه مَا كَانَ يحفظ من الْقُرْآن إِلَّا ربعه حَتَّى نقل عَنهُ أنه قَرَأَ المص بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الصَّاد وتوفى فِي آخر صفر سنة ٧١٥ خمس عشرَة وَسَبْعمائة
مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم المرشدى
ولد بعد سنة ٦٧٠ سبعين وسِتمِائَة وَقَرَأَ فِي الْفِقْه على الضياء بن عبد الرَّحِيم وتلا بالسبع على التقي الصَّائِغ وتفقه ثمَّ انْقَطع فِي زاويته الْمَشْهُورَة بمنية بني مرشد وَكَانَت لَهُ أَحْوَال وهمة فِي خدمَة النَّاس وضيافتهم بِحَيْثُ يطعم كل من مر بِهِ من كَبِير وصغير وَقَلِيل وَكثير وَيقدم لكل اُحْدُ مَا يَقع فِي خاطره فاشتهر بِهَذَا وذاع وَمَعَ ذَلِك لم يكن يقبل لأحد شَيْئا حَتَّى إن السُّلْطَان بعث إِلَيْهِ بِذَهَب مَعَ بعض أمرائه فَلم يقبله وَحج فِي هَيْئَة كَبِيرَة وتلامذة فَكَانَ ينْفق فِي كل يَوْم زِيَادَة على ألف دِينَار وَأنْفق فِي خمس لَيَال مَا قِيمَته نَحْو خَمْسَة وَعشْرين دِينَارا وَكَانَ كل من يُنكر عَلَيْهِ إِذا اجْتمع بِهِ زَالَ ذَلِك مِنْهُم ابْن سيد النَّاس وَغَيره وَمن جملَة مَا أنكروا عَلَيْهِ أَن فِي زاويته منبرا للخطيب فيصلي النَّاس الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَلَا يصلي مَعَهم قَالَ الذهبي كَانَ صَاحب أَحْوَال وَاخْتلفت الْأَقَاوِيل فِيهِ ويحكى عَنهُ عجائب فِي إحضار الْأَطْعِمَة وَكَانَ يخْدم الواردين فِي نَفسه وَلَا يقبل لأحد شَيْئا وَيتَكَلَّم على الخواطر وَكَانَ قَلِيل الدَّعْوَى عديم السَّطْح حسن المعتقد وَكَانَ يخرج للحاضرين الْأَطْعِمَة الفاخرة من خلوته وَلَا يدخلهَا غَيره قَالَ والذي يظْهر لي أَنه كَانَ مخدوما وَعظم شَأْنه فِي الدولة جدا
следующие страницы →