← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الاطلاق فِيمَا اعْتقد وَلَا سِيمَا فِي الغزليات مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حسن بن علي بن سُلَيْمَان بن عمر ابْن مُحَمَّد شمس الحلبي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن أَمِير حَاج وبابن الموقت ولد فِي ثامن عشر ربيع الأول سنة ٨٢٥ خمس وَعشْرين وثمان مائَة بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن الزين عبد الرَّزَّاق وَغَيره وارتحل إِلَى حما فَسمع بهَا عَن ابْن الأسفر ثمَّ إِلَى الْقَاهِرَة فَسمع بهَا على الْحَافِظ بن حجر ولازم ابْن الْهمام وبرع فِي فنون وتصدى للإقراء والإفتاء وَشرح منية الْمصلى وتحرير شَيْخه ابْن الْهمام والعوامل وَغير ذَلِك وَاعْترض على شَيْخه ابْن الْهمام باعتراضات على شَرحه للهداية وأرسلها إِلَيْهِ فَأجَاب عَلَيْهِ بِمَا يقتضي عدم الرضاء بذلك وَعدم الْإِصَابَة وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة ٨٧٩ تسع وَسبعين وثمان مائَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْخضر بن سمري الشَّمْس الزبيري العبزري الغزي الشافعي سرد ابْن حجر نسبة إِلَى الزبير بن الْعَوام وَهُوَ مَعْرُوف بالعبزري ولد بالقدس فِي ربيع الآخر سنة ٧٢٤ أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَنَشَأ بِالْقَاهِرَةِ وتفقه على الشَّمْس بن عَدْلَانِ والتقى الْعَطَّار ومحى الدَّين ابْن شَارِح التَّنْبِيه وَقَرَأَ الْقرَاءَات على الْبُرْهَان الجكري ثمَّ فَارق الْقَاهِرَة وَسكن غَزَّة ثمَّ دخل دمشق فَأخذ بهَا عَن ابْن كثير والتقي السبكي وَابْن الْقيم وَغَيرهم وصنف كثيرا فَمن ذَلِك تَعْلِيق على الرافعي فِي أَربع مجلدات ومختصر الْقُوت للْأَذْرَعِيّ وأوضح المسالك فِي الْمَنَاسِك وأسنى الْمَقَاصِد فِي تَحْرِير الْقَوَاعِد وَشرح على الألفية وتوضيح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الأصلي وَشرح

стр. 772

على جمع الْجَوَامِع سَمَّاهُ تشنيف المسامع فِي شرح جمع الْجَوَامِع وَله على الْمَتْن مناقشات سَمَّاهَا البروق اللوامع فِيمَا أورد على جمع الْجَوَامِع فَأَجَابَهُ مُصَنفه عَنْهَا فِي شَرحه الَّذِي سَمَّاهُ منع الْمَوَانِع ونظم فِي الْعَرَبيَّة أرجوزة وأفرد لنَفسِهِ تَرْجَمَة فِي جُزْء وَله سلَاح الِاحْتِجَاج فِي الذب عَن الْمِنْهَاج والغياث فِي تَفْصِيل الْمِيرَاث وآداب الْفَتْوَى والانتظام فِي أَحْوَال الْأَيْتَام وغرائب السّير ورغائب الْفِكر فِي علم الحَدِيث وتهذيب الْأَخْلَاق بِذكر مسَائِل الْخلاف والاتفاق ورسائل الْإِنْصَاف فِي علم الْخلاف وتحبير الظَّوَاهِر فِي تَحْرِير الْجَوَاهِر وأخلاق الأخيار فِي فهم الْأَذْكَار والكوكب الْمشرق فِي الْمنطق ومصباح الزَّمَان فِي الْمعَانى وَالْبَيَان وَشَرحه وسلسال الغرب فِي كَلَام الْعَرَب ودقائق الْآثَار فِي مُخْتَصر مَشَارِق الانوار والمناهل الصافية فِي حل الكافية لِابْنِ الْحَاجِب ومصنفاته كَثِيرَة جدا وَله نظم حسن فَمِنْهُ (عَدوك إما معلن أَو مكاتم ... وكل بِأَن تخشاه أَو تتقي قمن) (وزد حذرا مِمَّن تَجدهُ مكاتما ... فَلَيْسَ الَّذِي يرميك جَهرا كمن كمن) وَمَات فِي منتصف ذِي الْحجَّة سنة ٨٠٨ ثَمَان وثمان مائَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَرَفَة أَبُو عبد الله الورغمي بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة إِلَى ورغمة قَرْيَة من أفريقية التونسي المالكي عَالم الْمغرب الْمَعْرُوف بِابْن عَرَفَة ولد سنة ٧١٦ سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة وتفقه ببلاده على أبي عبد الله بن عبد السَّلَام الهواري شَارِح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الفرعي وَعنهُ أَخذ الْأُصُول وَقَرَأَ الْقرَاءَات على ابْن سَلامَة الْأنْصَارِيّ وَسمع على جمَاعَة هُنَاكَ وَمهر

стр. 773

فِي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَصَارَ المرجوع إِلَيْهِ بالمغرب وتصدى لنشر الْعلم مَعَ الْجَلالَة عِنْد السُّلْطَان فَمن دونه وَالدّين المتين والتوسع فِي الدُّنْيَا والتظاهر بِالنعْمَةِ فِي مأكله وملبسه وَكَثْرَة الصَّدَقَة وَالْإِحْسَان إِلَى الطّلبَة مَعَ إخفائه لذَلِك وَقدم لِلْحَجِّ فِي سنة ٧٩٦ وَأَجَازَ لِابْنِ حجر وصنف مجموعا فِي الْفِقْه سَمَّاهُ الْمَبْسُوط فِي سَبْعَة أسفار وَاخْتصرَ الجوفي فِي الْفَرَائِض وعلق عَنهُ بعض أهل الْعلم كلَاما فِي التَّفْسِير فِي مجلدين كَانَ يلتقطه حَال الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وصنف فِي كل من الْأَصْلَيْنِ مُخْتَصرا وَكَذَا فِي الْمنطق وَمَات فِي رَابِع وَعشْرين جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٠٣ ثَلَاث وثمان مائَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْخَالِق الْمُحب أَبُو الْقَاسِم النويري الْمَيْمُونِيّ القاهري الْمَالِكِي الْمَعْرُوف بِأبي الْقَاسِم النويري نِسْبَة إِلَى نُوَيْرَة قَرْيَة من قرى الصَّعِيد ولد فِي رَجَب سنة ٨٠١ إحدى وثمان مائَة بالميمون وَهُوَ أَيْضا قَرْيَة من قرى مصر وَقدم الْقَاهِرَة فحفظ الْقُرْآن وعدة مختصرات وتلا بالعشر على غير وَاحِد مِنْهُم ابْن الجزري لقِيه بِمَكَّة ولازم الْبِسَاطِيّ وَأخذ عَن الهروي وَابْن حجر والزين الزركشي وَأخذ عَن غَيرهم وبرع فِي الْفِقْه والأصلين والنحو وَالصرْف وَالْعرُوض والقوافي والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والحساب والفلك والقراءات وَغَيرهَا وصنف فِي أَكثر هَذِه الْفُنُون فَمن ذَلِك تَكْمِيل شرح الْمُخْتَصر الفرعي وَشرح أَيْضا كلا مختصري ابْن الْحَاجِب الأصلي والفرعي وَشرح التَّنْقِيح للقرافي فِي مُجَلد ونظم أرجوزة فِي النَّحْو وَالصرْف وَالْعرُوض والقوافي فِي خمس مائَة بَيت وَخَمْسَة وَأَرْبَعين بَيْتا وَشَرحهَا وَله مُقَدّمَة فِي النَّحْو ومنظومة فِي الْقرَاءَات الثَّلَاث الزايدة

стр. 774

على السَّبع وَشَرحهَا ونظم نزهة ابْن الهايم وَشَرحهَا وَله قصيدة فِي علم الْفلك وَشَرحهَا وَشرح طيبَة النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر لشيخه ابْن الجزري فِي مجلدين وَله القَوْل الجاز من قَرَأَ بالشاذ وَحج وجاور وَأقَام بغزة والقدس ودمشق وَغَيرهَا من الْبِلَاد وانتفع بِهِ النَّاس فِي هَذِه النواحي قَالَ السخاوي وَكَانَ إماما عَلامَة متفننا فصيحا مفوها بحاثاً ذكياً آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر صَحِيح العقيدة شهما مترفعا على بني الدُّنْيَا مغلظا لَهُم فِي القَوْل متواضعا للطلبة والفقراء وَرُبمَا يفرط ذَا كرم بِالْمَالِ وَالْإِطْعَام يتكسب بِالتِّجَارَة بِنَفسِهِ وَبِغَيْرِهِ مستغنيا عَن وظائف الْفُقَهَاء عرض عَلَيْهِ التدريس بمدارس وَالْقَضَاء فَأبى مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع جُمَادَى الأولى سنة ٨٩٧ سبع وَتِسْعين وثمان مائَة بِمَكَّة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن علي بن يُوسُف الدمشقي ثمَّ الشيرازي المقري الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن الجزري نِسْبَة إِلَى جَزِيرَة ابْن عمر قرب الْموصل كَانَ أَبوهُ تَاجِرًا فَمَكثَ أَرْبَعِينَ سنة لَا يُولد لَهُ ولد ثمَّ حج فَشرب مَاء زَمْزَم بنية أَن يرزقه الله ولدا عَالما فولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة فِي لَيْلَة السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة ٧٥١ إحدى وَخمسين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق فَنَشَأَ بهَا فَأخذ الْقرَاءَات عَن جمَاعَة ثمَّ رَحل إِلَى الْقَاهِرَة فَسمع من جمَاعَة كأصحاب الْفَخر بن البخاري وَأَصْحَاب الدمياطي ورحل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَقَرَأَ على أَهلهَا كَابْن الدماميني وجد فِي طلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَكتب الطباق وَأخذ الْفِقْه عَن الأسنوي والبلقيني والبهاء السبكي وَأخذ الْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان عَن الضياء القرمي والْحَدِيث عَن الْعِمَاد بن كثير والعراقي وَاشْتَدَّ شغفه بالقراءات حَتَّى جمع

стр. 775

الْعشْر ثمَّ الثَّلَاث عشرَة وتصدى للإقراء بِجَامِع بني أُميَّة ثمَّ دخل بِلَاد الروم سنة ٧٩٨ واتصل بالسلطان بايزيد خَان فَأكْرمه وعظمه فنشر هُنَالك علم الْقرَاءَات والْحَدِيث وانتفعوا بِهِ فَلَمَّا دخل تيمورلنك بِلَاد الروم أَخذه مَعَه إِلَى سَمَرْقَنْد فَأَقَامَ بهَا ناشرا للْعلم وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا سنة ٨٠٥ وَلما مَاتَ تيمور فِي شعْبَان سنة ٨٠٧ خرج من سَمَرْقَنْد إِلَى خُرَاسَان وَدخل هراة ثمَّ دخل مَدِينَة يزدْ ثمَّ أصبهان ثمَّ شيراز وانتفع بِهِ النَّاس فِي جَمِيع هَذِه الْجِهَات لَا سِيمَا فِي الْقرَاءَات وألزمه سُلْطَان شيراز أَن يلي قضاءها فَأجَاب مكْرها ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة ثمَّ جاور بِمَكَّة وَالْمَدينَة سنة ٨٢٣ ثمَّ قدم دمشق سنة ٨٢٧ ثمَّ الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بالسلطان الْأَشْرَف فَعَظمهُ وأكرمه وتصدى للإقراء والتحديث ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة وَدخل الْيمن فَعَظمهُ صَاحبهَا وأكرمه وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من عُلَمَاء الْيمن وَعَاد إِلَى مَكَّة ثمَّ إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ إِلَى الشيراز وَله تصانيف كَثِيرَة نافعة مِنْهَا النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر فِي مجلدين والتمهيد فِي التجويد واتحاف المهرة فِي تَتِمَّة الْعشْرَة وإعانة المهرة فِي الزِّيَادَة على الْعشْرَة ونظم طيبَة النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر فِي ألف بَيت ونظم الْمُقدمَة فِيمَا على قاريه أَن يُعلمهُ والتوضيح فِي شرح المصابيح والبداية فِي عُلُوم الرِّوَايَة وَالْهِدَايَة فِي فنون الحَدِيث وطبقات الْقُرَّاء فِي مُجَلد ضخم وغايات النهايات فِي أَسمَاء رجال القراآت والحصن الْحصين من كَلَام سيد الْمُرْسلين وعدة الْحصن الْحصين وجنة الْحصن الْحصين والتعريف بالمولد الشريف وَعقد اللئالى فِي الْأَحَادِيث المسلسلة الغوالى والمسند الأحمد فِيمَا يتَعَلَّق بِمُسْنَد أَحْمد وَالْقَصْد الأحمد فِي رجال

стр. 776

مُسْند أَحْمد والمقصد الأحمد فِي ختم مُسْند أَحْمد وأسنى المناقب فِي فضل علي بن أبي طَالب والجوهرة فِي النَّحْو وَغير ذَلِك وَكَانَ تصنيفه لهَذِهِ المصنفات فِي الْجِهَات الَّتِى تقدم ذكرهَا وَقد تفرد بِعلم القراآت فِي جَمِيع الدُّنْيَا ونشره فِي كثير من الْبِلَاد وَكَانَ أعظم فنونه وَأجل مَا عِنْده وَمَات بشيراز يَوْم الْجُمُعَة خَامِس ربيع الأول سنة ٨٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَحكى صَاحب الشقائق النعمانية فِي عُلَمَاء الدولة العثمانية أَن صَاحب التَّرْجَمَة لما وصل هُوَ وتيمور إِلَى سَمَرْقَنْد عمل تيمور هُنَالك وَلِيمَة عَظِيمَة وَجعل على يسَاره أكَابِر الْأُمَرَاء وعَلى يَمِينه الْعلمَاء فَقدم صَاحب التَّرْجَمَة على السَّيِّد شرِيف الجرجانى الْمُقدم ذكره فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ فَكيف لَا أقدم رجلا عَارِفًا بِالْكتاب وَالسّنة السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن فَهد التقي الهاشمي العلوي الأصفوني ثمَّ المكي الشافعي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن فَهد ولد فِي عَشِيَّة الثُّلَاثَاء خَامِس ربيع الثاني سنة ٧٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بأصفون من صَعِيد مصر ثمَّ انْتقل بِهِ أَبوهُ إِلَى مَكَّة فحفظ بهَا مختصرات وَسمع الْكثير على مَشَايِخ بَلَده والقادمين إِلَيْهَا وَكتب عَمَّن دب ودرج وَكَانَ من جملَة من أَخذ عَنهُ المراغي وَأَبُو الْيمن الطبري وَسمع بِالْمَدِينَةِ عَن أَهلهَا وَدخل الْيمن فلقي أكابرها كالمجد صَاحب الْقَامُوس وَسمع مِنْهُ وَمن غَيره وبرع فِي الحَدِيث وفَاق أقرانه وَصَارَ الْمعول عَلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْن بِبِلَاد الْحجاز قاطبة وانتفع بِهِ النَّاس وَألف مؤلفات مِنْهَا الباهر الساطع من سيرة ذي الْبُرْهَان الْقَاطِع وَفِي سيرة الْخُلَفَاء والملوك فِي مجلدين وَكَذَا فِي أذكار

стр. 777

الْكتاب وَالسّنة والمطالب السّنيَّة العوالي بِمَا لقريش من المفاخر والمعالي وبهجة الدماثة بِمَا ورد فِي فضل الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة وطرق الْإِصَابَة بِمَا جَاءَ فِي فَضَائِل الصَّحَابَة وتحفة الْعلمَاء الأتقياء بِمَا جَاءَ فِي قصَص الْأَنْبِيَاء وتأميل نِهَايَة التَّقْرِيب وتكميل التَّهْذِيب جمع فِيهِ بَين تَهْذِيب الْكَمَال ومختصريه للذهبي وَابْن حجر والأشراف على جَمِيع النكت الظراف وتحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِِفَة الْأَطْرَاف فِي ثَلَاث مجلدات وذيل على طَبَقَات الْحفاظ وَمَات يَوْم السبت سَابِع ربيع الأول سنة ٨٧١ إحدى وَسبعين وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَمن نظمه (قَالَت حَبِيبَة قلبي عِنْدَمَا نظرت ... دموع عيني على الْخَدين تستبق) (فِيمَا الْبكاء وَقد نلْت المنى زَمنا ... فَقلت خوف الْفِرَاق الدمع يندفق) مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْعَلَاء البخاري العجمي الحنفي ولد سنة ٧٧٩ تسع وَسبعين وَسَبْعمائة بِبِلَاد الْعَجم وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن أَبِيه وَعَن السعد التفتازاني وَآخَرين وارتحل فِي شبيبته إِلَى الأقطار لطلب الْعلم إِلَى أَن تقدم فِي الْفِقْه والأصلين والعربية واللغة والمنطق والجدل والمعاني وَالْبَيَان والبديع وَغير ذَلِك من المعقولات والمنقولات وترقى فِي التصوف وَمهر فِي الأدبيات وَتوجه إِلَى بِلَاد الْهِنْد وَنشر الْعلم هُنَالك وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ ملكهَا ثمَّ قدم مَكَّة فجاور بهَا ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَأَقَامَ بهَا سِنِين وانثال عَلَيْهِ الطّلبَة من كل مَذْهَب وعظمه الأكابر وَغَيرهم بِحَيْثُ كَانَ إِذا اجْتمع عِنْده الْقُضَاة يكونُونَ عَن يَمِينه وَعَن يسَاره كالسلطان وَإِذا حضر عِنْده أَعْيَان الدولة بَالغ فِي وعظهم والإغلاظ

стр. 778

عَلَيْهِم وتراسل السُّلْطَان مَعَهم بِمَا هُوَ أَشد فِي الإغلاظ مَعَ كَونه لَا يحضر مَجْلِسه وَهُوَ مَعَ هَذَا لَا يزْدَاد إلا جلالا ورفعة ومهابة فِي الْقُلُوب وَاتفقَ فِي بعض الْمجَالِس عِنْده جرى ذكر ابْن عربي وَكَانَ يكفره ويقبحه وكل من يَقُول بمقالته فشرع الْعَلَاء فِي تَقْرِير ذَلِك وَوَافَقَهُ أَكثر من حضر إِلَّا الْبِسَاطِيّ فَقَالَ إِنَّمَا يُنكر النَّاس عَلَيْهِ ظَاهر الْأَلْفَاظ الَّتِى يَقُولهَا وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي كَلَامه مَا يُنكر إِذا حمل لَفظه على معنى صَحِيح بِضَرْب من التَّأْوِيل وَمن جملَة مَا دَار فِي ذَلِك إنكار الْوحدَة وَقرر الْعَلَاء إنكار ذَلِك فَقَالَ لَهُ البساطي أَنْتُم مَا تعرفُون الْوحدَة الْمُطلقَة فَلَمَّا سمع ذَلِك استشاط غَضبا وَصَاح بِأَعْلَى صَوته أَنْت مَعْزُول وَلَو لم يعزلك السُّلْطَان يعْنى لتضمن ذَلِك كفره عِنْده وَاسْتمرّ يَصِيح وَأقسم بِاللَّه إِن السُّلْطَان إِن لم يعزله من الْقَضَاء ليخرجن من مصر فأشير على البساطي بمفارقة الْمجْلس إخمادا للفتنة وَبلغ السُّلْطَان ذَلِك فَأمر بإحضار الْقُضَاة عِنْده فَحَضَرُوا فَسَأَلَهُمْ عَن مجْلِس الْعَلَاء فقصه كَاتب السِّرّ وَهُوَ مِمَّن حضر الْمجْلس فَسَأَلَ السُّلْطَان الْحَافِظ بن حجر عَن تَكْفِير الْعَلَاء للبساطي وماذا يستحسن هَل الْعَزْل أَو التَّعْزِير فَقَالَ ابْن حجر لَا يجب عَلَيْهِ شئ بعد اعترافه وَكَانَ البساطي قد اعْترف بِكفْر ابْن عربي فِي مجْلِس السُّلْطَان وَأرْسل السُّلْطَان إلى الْعَلَاء يترضاه فَأبى ورحل عَن مصر وَكَانَ قد أرسل إِلَيْهِ قبل رحلته عَن مصر سُلْطَان الْهِنْد بِثَلَاثَة آلَاف شاش ففرقها على الطّلبَة الملازمين لَهُ وَبعد ارتحاله سكن دمشق وصنف رِسَالَة سَمَّاهَا فاضحة الْمُلْحِدِينَ زيف فِيهَا ابْن عربي وَأَتْبَاعه واتفقت لَهُ حوادث بِدِمَشْق مِنْهَا أَنه كَانَ يسئل عَن مقالات ابْن

стр. 779

تَيْمِية الَّتِى انْفَرد بهَا فيجيب بِمَا يظْهر لَهُ من الْخَطَأ وينفر عَنهُ قلبه إِلَى أَن استحكم ذَلِك عَلَيْهِ فَصرحَ بتبديعه ثمَّ تكفيره ثمَّ صَار يُصَرح فِي مَجْلِسه أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام فَهُوَ بِهَذَا الإطلاق كَافِر فَانْتدبَ للرَّدّ عَلَيْهِ الْحَافِظ بن نَاصِر وصنف كتابا سَمَّاهُ الرَّد الوافر على من زعم أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام كَافِر جمع فِيهِ كَلَام من أطلق عَلَيْهِ ذَلِك من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل عصره من جَمِيع أهل الْمذَاهب سوى الْحَنَابِلَة وَضَمنَهُ الْكثير من تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية وَذكر مناقبه وَأرْسل بنسخة مِنْهُ إِلَى الْقَاهِرَة فقرظه جمَاعَة من أعيانها كَابْن حجر وَالْعلم البلقيني والعيني والبساطي وَكتب الْعَلَاء كتابا إِلَى السُّلْطَان يغريه بمصنف الرسَالَة وبالحنابلة فَلم يلْتَفت السُّلْطَان إِلَى ذَلِك وَمَا كَانَ أغْنى صَاحب التَّرْجَمَة ذَلِك وَلَكِن الشَّيْطَان لَهُ دقايق لَا سِيمَا فِي مثل من هُوَ فِي هَذِه الطَّبَقَة من الزّهْد وَالْعلم قَالَ السخاوي وَيُقَال أن جنية كَانَت تَابِعَة للعلاء وَكَانَت تَأتيه فِي شكل حسن وَتارَة فِي شكل قَبِيح فتتراءى لَهُ من بعيد وَهُوَ مَعَ النَّاس فيغمض عَيْنَيْهِ وَيقْرَأ ويغيب عَن النَّاس فيظن أَنه خشوع وتلاوة وَكَانَ شَدِيد النفرة مِمَّن يلي الْقَضَاء وَنَحْوه من جماعته وَلَكِن لما ولي الْكَمَال بن البراري قَضَاء الشَّام أظهر السرُور وَقَالَ الْآن أَمن النَّاس على دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ كثير الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَمَات يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة ٨١٤ إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة بالمرة وَدفن بسطحها وَقَالَ المقري فِي عقوده كَانَ يسْلك طَرِيقا من الْوَرع فيسمح فِي أَشْيَاء يحملهُ عَلَيْهَا بعده عَن معرفَة السّنَن والْآثَار وانحرافه عَن الحَدِيث وَأَهله بِحَيْثُ كَانَ ينْهَى

стр. 780

عَن النظر فِي كَلَام النووي وَيَقُول هُوَ ظَاهر ويحض على كتب الغزالى انْتهى ومن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ فِي ابْن تَيْمِية مَا قَالَ وَلَيْسَ فِي علم إنسان خير إِذا كَانَ لَا يعرف علم الحَدِيث وَإِن بلغ فِي التَّحْقِيق إِلَى مَا ينَال مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود بن الشهَاب غازى بن ايوب ابْن حسام الدَّين مَحْمُود شحنة حلب الْمُحب أَبُو الْفضل الحلبي الحنفي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن الشّحْنَة ولد فِي رَجَب سنة ٨٠٤ أَربع وثمان مائَة بحلب وَنَشَأ بهَا فَأخذ عَن جمَاعَة من أعيانها كالبدر بن سَلامَة وَابْن خطيب الناصرية ورحل إِلَى دمشق والقاهرة فَأخذ عَن أعيانهما وَكَانَ يتوقد ذكاء وفطنة حَتَّى أنه سَأَلَهُ عَمه وَهُوَ ابْن اثنتي عشر سنة أنه يُعَارض قَول الشَّاعِر (أمط اللثام عَن العذار السايل ... ليقوم عذري فِيك بَين عواذلي) فَقَالَ بديهة (اكشف لثامك عَن عذارك قاتلي ... لتَمُوت غبنا ان رأتك عواذلى) وَولى قَضَاء حلب وَكَثِيرًا من أمورها حَتَّى صَار الْمرجع إِلَيْهِ فِي غَالب الْأَشْيَاء بهَا ثمَّ ولي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِمصْر وَكِتَابَة سرها وَجَرت لَهُ أُمُور يطول شرحها حَسْبَمَا بَسطه السخاوى فِي الضَّوْء اللامع وَله تصانيف مِنْهَا شرح الْهِدَايَة كتب مِنْهُ إِلَى آخر الْغسْل فِي خَمْسَة مجلدات واختصار الْمنَار واختصار النشر وَشرح العقائد وَالْكَلَام على التَّلْخِيص وترتيب مبهمات ابْن بشكوال وطبقات الْحَنَفِيَّة فِي مجلدات وَكَانَ فصيحا مفوها ذَا رياسة وحشمة وافرة وجلالة عِنْد السلاطين فَمن دونهم وأبهة زَائِدَة وميل إلى المناصب وقدرة على تَحْصِيلهَا ودراية فِي كل ذَلِك وَمَات يَوْم

стр. 781

الْأَرْبَعَاء سادس عشر الْمحرم سنة ٨٩٠ تسعين وثمان مائَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود الحلبي الحنفي الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة الْكَبِير وَالِد الْمَذْكُور قبله ولد سنة ٧٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بحلب وَنَشَأ بهَا وَأخذ عَن شُيُوخ بَلَده والقادمين إِلَيْهَا وارتحل إِلَى دمشق والقاهرة فَأخذ عَن أعيانها وَأذن لَهُ شَيْخه فِي الْإِفْتَاء والتدريس قبل أَن يلتحي واشتهرت فضايله وَولى قَضَاء بَلَده وَولى قَضَاء مصر ودمشق وَلما فتح تيمورلنك حلب وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة بهَا فَاسْتَحْضرهُ هُوَ وَطَائِفَة من الْعلمَاء وسألهم عَن الْقَتْلَى من الطَّائِفَتَيْنِ من أَصْحَابه وَمن أهل حلب من فِي الْجنَّة مِنْهُم وَمن فِي النَّار فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة هَذَا سُؤال قد سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ فاستنكر تيمورذلك فَقَالَ لَهُ إن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الرجل يُقَاتل شجاعة وَالرجل يُقَاتل حمية كَمَا فِي الحَدِيث فَقَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله فَاسْتحْسن تيمور كَلَامه وَللَّه دره فَلَقَد لقن الصَّوَاب وَجَاء بِمَا لم يكن فِي حِسَاب وَلم يكن لتيمور مقصد بالسؤال الْمَذْكُور إِلَّا التَّوَصُّل إِلَى سفك دَمه وَدم من مَعَه من الْعلمَاء كَمَا جرت بذلك عاداته فَإِنَّهُم إن قَالُوا إن المحقين أَصْحَابهم لم يأمنوا شَره وَإِن قَالُوا إن المحقين أَصْحَابه أقرُّوا على أنفسهم بالغي ويجد بذلك السَّبِيل إِلَى سفك دِمَائِهِمْ وَله مؤلف فِي التَّفْسِير وحاشية على الْكَشَّاف وَلم يكمل ومختصر فِي الْفِقْه وَاخْتصرَ منظومة النسفي فِي ألف بَيت مَعَ زِيَادَة مَذْهَب أَحْمد ونظم ألف بَيت فِي عشرَة عُلُوم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أَفْرَاد الدَّهْر علماً وفصاحة وعقلاً ورياسة

стр. 782

وانْتهى أمره إِلَى أَن ترك التَّقْلِيد واجتهد وناهيك بذلك من مثله فِي عصره ومصره فَإِن هَذَا بَاب قد سد مُنْذُ دهر وَله تَارِيخ مُخْتَصر وقفت عَلَيْهِ جعله مُخْتَصرا من تَارِيخ الْمُؤَيد صَاحب حماه وَزَاد عَلَيْهِ إِلَى زَمَانه وَشرح فِيهِ واقعته مَعَ تيمور حَسْبَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَله سيرة نبوية ورحلة وَمن نظمه (كنت بخفض الْعَيْش فِي رفْعَة ... منتصب الْقَامَة ظلي ظَلِيل) (فاحدودب الظّهْر وَهَا أضلعي ... تعد والأعين مني تسيل) وَمَات يَوْم الْجُمُعَة ثاني ربيع الآخر سنة ٨١٥ خمس عشرَة وثمان مائَة السَّيِّد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشَّامي نِسْبَة إِلَى جمَاعَة من السَّادة الواصلين إِلَى الْيمن من الشَّام يسكنون بِبِلَاد خولان الصَّنْعَانِيّ سَيَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة جده ولد سنة ١١٧٨ ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ فِي أَنْوَاع من الْعلم على جمَاعَة من أعيانها وَقَرَأَ علي فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَهُوَ من خِيَار السَّادة ونبلاء الْفُضَلَاء القادة لَهُ من محَاسِن الْأَخْلَاق وَمَكَارِم الصِّفَات ماليس لغيره مَعَ عقل رصين وَدين متين واشتغال بِخَاصَّة النَّفس وتفويض للأمور وعفاف وَعزة نفس وَهُوَ من بَيت معمور بالآدب والعلوم وَسَيَأْتِي ذكر أبيه وجده إن شَاءَ الله وَهُوَ الْآن فِي الْحَيَاة عَامله الله بألطافه وَله نظم قد كتب إلي مِنْهُ كثيرا وَلم يحضر حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة شَيْء مِنْهُ وَهُوَ الْآن يقْرَأ علي فِي شرحي للمنتقى ويحصله بِخَطِّهِ وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه المسمى بالدراري

стр. 783

وَغير ذَلِك من مؤلفاتي وَغَيرهَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن وَقيل مُحَمَّد بن حَمْزَة الفنادي وَيُقَال الفناري بالراء مَكَان الدَّال الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى قَرْيَة مُسَمَّاة كفساد كَمَا قَالَ الأسيوطي حاكيا لذَلِك عَن جد صَاحب التَّرْجَمَة ولد فِي صفر سنة ٧٥١ إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن عَلَاء الدَّين الْأسود وشارح المغني والوقاية وَعَن مُحَمَّد الأقسرائي ببلاده وارتحل إِلَى مصر وَأخذ عَن الشَّيْخ أكمل الدَّين وَغَيره ثمَّ رَجَعَ إِلَى الروم فولي قَضَاء بروسا وارتفع قدره عِنْد ابْن عُثْمَان جدا وَحل عِنْده الْمحل الْأَعْلَى فَصَارَ فِي معنى الْوَزير واشتهر ذكره وشاع فَضله قَالَ ابْن حجر كَانَ عَارِفًا بِعلم الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان والقراآت كثير الْمُشَاركَة فِي الْفُنُون وَكَانَ حسن السمت كثير الْفضل والإفضال وَلما دخل الْقَاهِرَة يُرِيد الْحَج اجْتمع بِهِ فضلاء الْعَصْر وذاكروه وباحثوا وشهدوا لَهُ بالفضيلة ثمَّ رَجَعَ وَكَانَ قد أثرى إِلَى الْغَايَة حَتَّى يُقَال إن عِنْده من النَّقْد خَاصَّة مائَة وَخمسين ألف دِينَار وَحج سنة ٨٢٣ فَلَمَّا رَجَعَ طلبه الْمُؤَيد فَدخل الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بفضلائها ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقُدس فزار ثمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَاده ثمَّ حج فِي سنة ٨٣٣ وَرجع إِلَى بِلَاده وَمَات بِشَهْر رَجَب من هَذِه السّنة وَقيل فِي الَّتِي بعْدهَا وَهُوَ مُصَنف فُصُول الْبَدَائِع فِي أصُول الشَّرَائِع جمع فِيهِ الْمنَار والبزدوى ومحصول الإِمَام الرازى ومختصر ابْن الحاحب وَغير ذَلِك وَأقَام فِي عمله ثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ من أجل الْكتب الْأُصُولِيَّة وأنفعها وأكثرها فَوَائِد وَله تَفْسِير للفاتحة ورسالة أَتَى فِيهَا بمسائل من مائَة فن وَتكلم فِيهَا على مسَائِل مشكلة

стр. 784

وسماها نموذج الْعُلُوم وَله منظومة فِي عشْرين فَنًّا أَتَى فِي كل فن بمسئلة وَغير أَسمَاء تِلْكَ الْفُنُون بطرق الألغاز امتحانا لفضلاء دهره وَلم يقدروا على تعْيين فنونها فضلا عَن حل مسائلها مَعَ إنه قَالَ إنه عمل ذَلِك فِي يَوْم وَقد حلهَا ابْنه مُحَمَّد وَكتب منظومة يتَضَمَّن الْجَواب على منظومة وَالِده وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة شرح على الرسَالَة الأثيرية فِي الْمنطق وَذكر أنه عمل ذَلِك فِي يَوْم وَشرح الفرايض السِّرَاجِيَّة وَله تعليقة على شرح المواقف للسَّيِّد شرِيف الجرجاني وَأَخذه مؤاخذات لَطِيفَة وَقد انْتفع بِعِلْمِهِ الطّلبَة فِي بِلَاد الروم مَعَ اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ وَكَانَ لَهُ جلالة وأبهة بِحَيْثُ ان عبيده لَا يكَاد يُحصونَ مِنْهُم اثْنَا عشر مُلْبسُونَ الثِّيَاب الفاخرة النفيسة وَله جوَار عدَّة مِنْهُنَّ أربعون تلبس القلانس الذهبية وَمَعَ ذَلِك كَانَ متزهدا فِي ملبوسه على زي الصُّوفِيَّة وَكَانَ يَقُول إِذا عوتب فِي ذَلِك إن ثيابي وطعامي من كسب يدي وَلَا يفي كسبي بِأَحْسَن من ذَلِك وَخلف ثروة عَظِيمَة فِيهَا من الْكتب نَحْو عشرَة آلَاف وَمن تصلبه فِي الدَّين وتثبته فِي الْقَضَاء أَنه رد شَهَادَة سُلْطَان الروم فِي قَضِيَّة فَسَأَلَهُ السُّلْطَان عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ إنك تَارِك للْجَمَاعَة فَبنى السُّلْطَان قُدَّام قصره جَامعا وَعين لنَفسِهِ فِيهِ موضعا وَلم يتْرك الْجَمَاعَة بعد ذَلِك فَللَّه در هَذَا الْعَالم الصادع بِالْحَقِّ مَعَ مَا هُوَ فِيهِ من التقلب فِي نعْمَة سُلْطَانه الَّتِى سَمِعت بعض وصفهَا وَرب عَالم لَا يقدر على الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي الْحق لمن لَهُ عَلَيْهِ أدنى نعْمَة مَخَافَة من زَوَالهَا بل رب عَالم يمنعهُ رَجَاء الْعَطِيَّة ونيل الرُّتْبَة السّنيَّة عَن التَّكَلُّم بِالْحَقِّ وَلم يكن بِيَدِهِ إلا مُجَرّد الأماني الأشعبية ورحم الله هَذَا السُّلْطَان الذي سمع الْحق فَاتبع وَلم تصده سُورَة الْملك وَمَا هُوَ فِيهِ من سُلْطَان الذي كَاد

стр. 785

يطبق الأَرْض عَن قبُول ذَلِك وَهَذَا السُّلْطَان المرحوم هُوَ السُّلْطَان بايزيد ابْن مُرَاد الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ إنه جرى بَين صَاحب التَّرْجَمَة وَبَين السُّلْطَان الْمَذْكُور بعض الْمُخَالفَة فارتحل إِلَى بِلَاد قرمان وَترك مناصبه قَالَ صَاحب الشقايق النعمانية وَعين لَهُ صَاحب قرمان فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم ولطلبته كل يَوْم خَمْسمِائَة دِرْهَم ثمَّ إن السُّلْطَان الْمَذْكُور نَدم على مَا فعل فِي حق صَاحب التَّرْجَمَة فَأرْسل إِلَى صَاحب قرمان يستدعيه مِنْهُ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقد كَانَ ضعف بَصَره ثمَّ شفي فحج شكرا لله الْحجَّة الْآخِرَة الْمُتَقَدّم ذكرهَا ويروي أَن وَزِير السُّلْطَان قَالَ فِي بعض الْأَيَّام أَرْجُو الله أَن أصلي على هَذَا الشَّيْخ الْأَعْمَى يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة فَسَمعهُ فَقَالَ إنه جَاهِل لَا يحسن الصَّلَاة على الْمَيِّت وَأَرْجُو الله أَن يشفيني ويعميه واصلي عَلَيْهِ فشفاه الله وكحل السُّلْطَان الْوَزير بحديدة محماة فَعمى ثمَّ مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة ويروي فِي سَبَب عمى المترجم لَهُ انه لما سمع أَن الأَرْض لَا تَأْكُل لُحُوم الْعلمَاء العاملين نبش قبر أستاذه عَلَاء الدَّين الْأسود ليتَحَقَّق ذَلِك فَوَجَدَهُ كَمَا وضع مَعَ أَنه قد مر عَلَيْهِ زمَان طَوِيل فَسمع عِنْد ذَلِك صَوتا يَقُول هَل صدقت أعمى الله بَصرك وَقد تَرْجمهُ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع تَرْجَمَة مختصرة فَقَالَ مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مُحَمَّد العثماني الشهير بِابْن الفناري كتب على استدعاء فِي ثاني عشر ذي الْحجَّة سنة ٨٢٢ حِين حج بِمَكَّة ومولده فِي منتصف سنة ٧٥١ وَلَقَد لقِيت بعض أَصْحَابه فَكتبت عَنهُ من نظم صَاحب التَّرْجَمَة انْتهى وَكَانَ يسْتَحق التَّطْوِيل فَإِن

стр. 786

السخاوي يُطِيل تراجم من لَا يبلغ إِلَى بعض رتبته وَلَعَلَّ عذره فِي ذَلِك بعد الديار مُحَمَّد خَان بن مُرَاد خَان بن مُحَمَّد خَان بن بايزيد خَان بن أورخان ابْن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها ولد سنة ٨٣٦ سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة وَهُوَ الَّذِي أسس ملك بني عُثْمَان وَقرر قَوَاعِده ومهد قوانينه وَهُوَ الَّذِي افْتتح القسطنطينة الْكُبْرَى وسَاق إِلَيْهَا السفن برا وبحرا وَكَانَ فتحهَا فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٥٧ وَاسْتقر بهَا هُوَ وَمن بعده من السلاطين وَبنى بهَا الْمدَارِس الثمان الْمَشْهُورَة وَكَانَ مائلا إِلَى الْعلمَاء مقربا لَهُم يخلطهم بِنَفسِهِ وَيَأْخُذ عَنْهُم فِي كل علم وَيحسن إِلَيْهِم ويستجلبهم من الأقطار النائية ويراسلهم ويفرح إِذا دخل إِلَى مَمْلَكَته وَاحِد مِنْهُم وَله مَعَهم أَخْبَار مبسوطة فِي الشقائق النعمانية عِنْد ذكر عُلَمَاء دولته وَتُوفِّي سنة ٨٨٦ سِتّ وَثَمَانِينَ وثمان مائَة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم بن سُلَيْمَان جلس على سَرِير السلطنة سنة ١٠٠٣ وَمَات سنة ١٠١٢ السُّلْطَان مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَذْكُور قبله ولد سنة ١٠٤٩ وَجلسَ على تخت السلطنة سنة ١٠٥٨ وَله فتوحات عَظِيمَة ومناقب جمة وَمَات سنة ١٠٩٩ مُحَمَّد بن مصلح الدَّين القوجوي الرومي الحنفي محيي الدَّين الْمَعْرُوف بشيخ زَاده قَرَأَ على عُلَمَاء عصره الروميين ولازم ابْن فضل الدَّين وبرع فِي

стр. 787

الْعُلُوم ودرس بمدارس الروم ثمَّ رغب عَن ذَلِك ولازم بَيته وَعين لَهُ السطان بعد ترك التدريس كل يَوْم خَمْسَة عشرَة درهما وَكَانَ يَقُول أنه يَكْفِيهِ عشرَة دَرَاهِم وَهُوَ مؤلف حَاشِيَة تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ فِي سِتَّة مجلدات بعبارات وَاضِحَة جلية ينْتَفع بهَا الْمُبْتَدِئ وَله شرح على الْوِقَايَة فِي الْفِقْه وَشرح للفرائض السِّرَاجِيَّة وَشرح لمفتاح الْعُلُوم للسكاكي وَشرح للبردة ويحكى عَنهُ أَنه قَالَ إِذا أشكلت عَلَيْهِ آيَة من آيَات كتاب الله تَعَالَى توجه إِلَى الله تَعَالَى فيتسع صَدره حَتَّى يكون قدر الدُّنْيَا فَيطلع فِيهِ قمران لَا يدري أي شَيْء هما ثمَّ يظْهر نور فَيكون دَلِيلا إِلَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ فيستخرج مِنْهُ معنى الْآيَة حكى ذَلِك عَنهُ صَاحب الشقائق النعمانية وَحكى عَنهُ أَنه قَالَ إِذا عملت الْيَوْم بالعزيمة لَا أُرِيد الْيَوْم إِلَّا وَأَنا فِي الْجنَّة وَإِذا عملت بِالرُّخْصَةِ لَا يحصل لي هَذَا الْحَال وَحكى عَنهُ صَاحب الشقائق أَيْضا أَنه تولى الْقَضَاء وَكَانَ يرى رَسُول الله ﷺ فِي كل أُسْبُوع مرة فَترك الْقَضَاء طَمَعا فِي كَثْرَة رُؤْيَته فِي الْمَنَام لرَسُول الله ﷺ فَلم يره بعد تَركه للْقَضَاء فَدخل فِي الْقَضَاء ثَانِيًا قرآه فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله انى تركت الْقَضَاء ليزِيد قربى مِنْكُم فَلم يَقع كَمَا رَجَوْت فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِن الْمُنَاسبَة بيني وَبَيْنك عِنْد الْقَضَاء أَزِيد من الْمُنَاسبَة عِنْد التّرْك لِأَنَّك عِنْد الْقَضَاء تشتغل بإصلاح نَفسك وَإِصْلَاح أمتي وَعند التّرْك لَا تشتغل إلا بإصلاح نَفسك وَمَتى زِدْت فِي الْإِصْلَاح زِدْت تقربا منى وَمَات فِي سنة ٩٥١ إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة

стр. 788

الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن الْقَاسِم بن المطهر بن علي بن النَّاصِر بن الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بُويِعَ بالخلافة عِنْد موت وَالِده سنة ٦٩٠ وافتتح مَوَاضِع مِنْهَا عدن أبين وَله علم وَاسع يدل على ذَلِك مُصَنفه الذي سَمَّاهُ الْمِنْهَاج الجلي فِي فقه زيد بن على وَمن مصنفاته عُقُود العقيان فِي النَّاسِخ والمنسوخ من الْقُرْآن والسراج الْوَهَّاج فِي حصر مسَائِل الْمِنْهَاج وَالْكَوَاكِب الدرية شرح الأبيات البدرية قَالَ صَاحب الإفادة فِي سيرة الْأَئِمَّة السَّادة وَلم يقل بإمامته أَكثر شيعَة زَمَانه قَالَ فِي كاشف الْغُمَّة وَاعْلَم وفقك الله أَن عُلَمَاء الظَّاهِر تحاملوا عَلَيْهِ وأنكروا فَضله حَتَّى إن بعض أفاضلهم كَانَ يَقُول لَا فرق بَينه وَبَين صَاحب ظفار مَعْنَاهُ فِي الظُّلم وَأَن مقْعدا ركب دَابَّة وَجِيء بِهِ إِلَيْهِ فَمسح عَلَيْهِ فشفاه الله تَعَالَى من فوره فَبلغ ذَلِك أهل الظَّاهِر فَقَالُوا هَذِه عِلّة تَزُول بالهزهزة فَلَمَّا ركب الدَّابَّة زَالَت الْعلَّة وَكَانَت بَينه وَبَين سلاطين الْيمن بني رَسُول وقعات كَثِيرَة وَملك آخر الْأَمر صنعاء وَكَانَ وَفَاته فِي حصن ذي مرمر وَنقل إِلَى صنعاء ومشهده فِي جَامعهَا قريب من قبر السَّيِّد يحيى صَاحب الياقوتة والجوهرة وَمَوته بعد السَّابِعَة فَلهَذَا ذكرته ثمَّ وقفت على تَارِيخ مَوته فِي طَبَقَات السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم ابْن الْمُؤَيد قَالَ إنه مَاتَ فِي ذي مرمر لثمان بَقينَ من ذى الْحجَّة سنة ٧٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة قَالَ وَكَانَت دَعوته سنة ٧٠١ وَهَذَا يُخَالف مَا تقدم وأرخ مَوته يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فِي أنباء الزَّمن سنة ٧٢٩ وَذكر لَهُ وقائع كَثِيرَة وافتتاح حصون عديدة من جُمْلَتهَا ذي مرمر وافتتاح مدن من جُمْلَتهَا صنعاء

стр. 789

مُحَمَّد بن مُوسَى بن عِيسَى بن علي الْكَمَال أَبُو الْبَقَاء الدميري الأَصْل القاهري الشافعي ولد فِي أَوَائِل سنة ٧٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا كَمَا كتب ذَلِك بِخَطِّهِ وَنَشَأ بِالْقَاهِرَةِ فتكسب بالخياطة ثمَّ أقبل على الْعلم فَقَرَأَ على التقي السبكي وأبي الْفضل النويري وَالْجمال الأسنوى وَابْن الملقن والبلقينى وَأخذ الْأَدَب عَن القيراطي والعربية وَغَيرهَا عَن الْبَهَاء بن عقيل وَسمع من جمَاعَة وبرع فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وأصوله والعربية وَالْأَدب وَغير ذَلِك وتصدى للإقراء والإفتاء وصنف مصنفات جَيِّدَة مِنْهَا شرح سنَن ابْن مَاجَه فِي نَحْو خمس مجلدات سَمَّاهُ الديباجة مَاتَ قبل تبييضه وَشرح الْمِنْهَاج فِي أَربع مجلدات سَمَّاهُ النَّجْم الْوَهَّاج لخصه من شرح السبكي والأسنوي وَغَيرهمَا وَزَاد على ذَلِك زَوَائِد نفيسة ونظم فِي الْفِقْه أرجوزة مفيدة وَله تذكرة حَسَنَة وَمن مصنفاته حَيَاة الْحَيَوَان الْكتاب الْمَشْهُور الْكثير الْفَوَائِد مَعَ كَثْرَة مافيه من الْمَنَاكِير وَاخْتصرَ شرح الصفدي للأمية الْعَجم وَأفْتى بِمَكَّة ودرس بهَا فِي أَيَّام مجاورته قَالَ ابْن حجر اشْتهر عَنهُ كرامات وأخبار بِأُمُور مغيبات يسندها إِلَى المنامات تَارَة وَإِلَى بعض الشُّيُوخ أخرى وغالب النَّاس يعْتَقد أَنه يقْصد بذلك السّتْر وَمَات فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سنة ٨٠٨ ثَمَان وثمان مائَة وَمن نظمه (بمكارم الْأَخْلَاق كن متخلقا ... ليفوح ند ثنائك الْعطر الشذي) (وأصدق صديقك إن صدقت صداقة ... وادفع عَدوك بالتي فَإِذا الَّذِي) السَّيِّد مُحَمَّد بن هَاشم بن يحيى الشامي ثمَّ الصنعاني سيأتي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده وَهُوَ الأديب البارع الْفَائِق ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَأخذ عَن

стр. 790

جمَاعَة من أَهلهَا وَمِنْهُم وَالِده الْعَلامَة وَكَانَ زاهدا متعففا متقللا من الدُّنْيَا لَا يبالي بِمَا ظفر مِنْهَا وَلَا بِمَا فَاتَهُ مَعَ كَونه كَانَ نديما للوزير الْكَبِير الْفَقِيه أَحْمد ابْن علي النهمي بل كَانَ يتَّصل بِالْإِمَامِ المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن كثيرا وَعرضت عَلَيْهِ الْأَعْمَال فأباها تزهدا وتدينا ونظمه كُله فِي الذرْوَة الْعليا بِحَيْثُ يفضل على كثير من الْمُتَقَدِّمين وَمِنْه من قصيدة (يَا بارقا أوهمني تكراره ... إذ لَاحَ من أَرض بهَا فؤادي) (فلست أدري هَل حكى خفوقه ... خفوقه حول حمى سعاد) (أم اكتسى من لاعجي صقيلة ... فانعكست أشعة الترداد) (ايه أحاديثك يابرق الْحمى ... إن كنت عَمَّن فيهم تنادي) (هَات عَن الأينق أَيْن عرست ... وَلَا أَقُول هَات عَن مرادي) (أَيْن اسْتَقَلت بالفريق إنما ... عهدي بهَا حِين حداها الحادي) (وَحين شيعت فؤادي مَعَهم ... بأدمع تملأ كل وادي) (إِذْ قوضوا تِلْكَ الْخيام والنقا ... يرعد من قعقعة الأغماد) (بانوا فَلَا كاس المدام بعدهمْ ... كاسي وَلَا يطرب كل شادي) (واغدودف اللَّيْل فكاد فجره ... لَو لَاحَ أَن ينظم فِي السوَاد) (وَجَاء نجم بعدهمْ كَانَ بهم ... أمضى من الضمر فِي الطراد) (يسبل للمقلة من شعاعه ... حمايلا مسبلة الْحداد) (يَا روع الله النَّوَى ترويعه ... لمهجة مَمْلُوكَة القياد) (وَأَنت يَا عهد اللقا حييت من ... دمع وَمن منهلة الغوادي) (هَل عودة يرتقص الْأُفق بهَا ... ويرتوي مِنْهَا ظما الأكباد) (وَيرجع الْقلب بهَا مقره ... ويطبق الجفن على السوَاد)

стр. 791

وَمن محَاسِن نظمه مَا وصف بِهِ غُبَار موكب الْخَلِيفَة وأجاد إِلَى الْغَايَة (سلاهب الْمجد نَهرا سَالَ منحدرا ... من السوابغ تَحت الْبيض واليلب) (فِي ظلمَة اللَّيْل يحْكى فِي تعطفه ... وللأسنة فِيهِ زَاهِر الشهب) (ملاعب المَاء فِي جَوف الدجنة ... يجرى الشمع فِيهِ بألواح من الْخشب) (مَاء هُوَ النَّار فِي الهيجاء يتْرك ... أَرْوَاح الأعادى فراشا عِنْد ملتهب) وَمن غَرِيب صنعه وبديع اختراعه هَذَانِ البيتان فِيمَا لَا يَسْتَحِيل بالانعكاس وهما يَفُوقَانِ على مَا نظمه من قبله فِي ذَلِك (أما لسلامكم قرب ورقم ... أمقرو برقمكم السلاما) (أمالك لَا ترد صداه أنا ... فَإنَّا هاد صدرت الكلاما) ودعاني ﵀ إِلَى منزله فِي بعض الْأَيَّام فاحتفل فِي ذَلِك احتفالاً زَائِدا وَكَانَ معى صديق لى من أَعْيَان أهل الْعلم فَكتب صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى وَإِلَى صاحبي بعد ذَلِك الْمجْلس بأيام هَذِه الأبيات (يانيرى فلك العلياء دَامَ لنا ... من نور علمكما مَا يكْشف الظلما) (وَلَا تكدر هَذَا النُّور إِن حجبت ... نور الزواهر سحب تمطر الديما) (مَاذَا تقولان فِيمَا قد تقرر ... بالاجماع حقق هَذَا من بِهِ حكما) (وَمَا علمنَا خلافًا فِيهِ قط لمن ... مضى وَخَبره فِي الشّعْر أَو نظما) (قَالُوا بِأَن شَهَادَات الْقُلُوب إِذا ... قَامَت بِصدق وداد صَار مُلْتَزما) (وَمن أحب امْرأ صَحَّ الْقيَاس لَهُ ... قطعا بانهما فِي السلك قد نظما) (وَقد تضمن تَصْدِيقًا تصَوره ... بِنِسْبَة لتساوى الود بَينهَا) (وَإِنَّمَا الشوق من قسم المشكك هَل ... فِي اعْتِرَاض قِيَاس فِي استوائهما) فأجبت عَن هَذَا السُّؤَال بقولى

стр. 792

(وَقد تردد فِي أشكاله فَاء ... فيدوا مغرما صَار مشتاقا لَو صلكما) (يَا ابْن البهاليل والأطواد من مُضر ... والمنعمين بسيب يخجل الديما) (قد دل نظمك للدر الثمين بِلَا ... شك بأنك بَحر للعلوم طما) (ورمت إبداء عتب فِي ملاطفة ... وَقد أَسَأْت ببعدي فَاحْتمل كرما) (فالشوق بالشوق منقاس ومعتبر ... قضى بذلك خير الرُّسُل والحكما) (وَلَا تشكك بالتشكيك فَهُوَ على ... تواطؤ باتحاد الْجِنْس قد نظما) (وموجبات ودادى فِيك مِمَّا سلبت ... وَلَا غَدا عقد ود عَنْك منفصما) (وَلَا انفصلت لمنع الْجمع مذ دلهت ... نفسي بِمَنْع خلو صَار مُلْتَزما) (محصلات ودادي مَا رضيت لَهَا ... عَنْك الْعُدُول وَلَا وليتها العدما) (وَقد تألف شكلانا على نمط ... لَهُ نتائج ود يمْنَع العقما) وشعره فِي كل فن جيد وَمن رام الْوُقُوف على مَا حكيته فَلْينْظر فِي قصيدته الحائية الَّتِى قَابل فِيهَا بَين الأضداد وَضرب فِيهَا الْأَمْثَال وَجَاء بمالا يقدر عَلَيْهِ غَيره فَمِنْهَا (وكل محسب الْأَشْيَاء مِمَّا ... يعانيه كئيبا أَو مراحا) (إِذا صدح الْحمام يَقُول غنى الْمُنعم ... والشجى يَقُول ناحا) (وَإِن برق أنار يَقُول هَذَا ... افترار ان يقل ذَاك اقتداحا) (وقطر المزن شبههه دموعا ... حَلِيف شجى ومنتجع سماحا) (وَقَالَ الشهب حايرة إناس ... وَقَالَ الْآخرُونَ مَضَت جماحا) (وَجمع الفرقدين يَقُول وصل ... كَمَا قد قيل للشكوى استراحا) (وَقَالَ الْفجْر قَاطع لَذَّة من ... لهى ومسهد فرج ألاحا) (وَقيل الْغُصْن لما مَال قد ... ثنى أَن يُقَال حلى النياحا)

стр. 793

(وَقضى الصُّبْح وَالْآصَال نوحا ... فَتى وفتى غبوقاً واصطباحا) (وميزان الزَّمَان بكفتيه ... ترى جد الْعَجَائِب والمزاحا) (يقرب هازلا ويزيح جدا ... وَكم عكس المقرب والمزاحا) (وَكم يأسوا بِوَزْن رَاجِح كي ... يُوفى من يزين لَهُ جراحا) (وَكم دَار الزَّمَان فراح يسقي ... بكاسيه الورى صابا وراحا) (وَكم أعطى فَتى من بعد سلب ... وَكم سلب الْعَطِيَّة إِذْ أتاحا) (وَكم سهم يريش وَرب طير ... لَهُ قد بَات يسلبه الجناحا) وَكم رقى إِلَى العلياء ندبا ... وَآخر من شواهقها أطاحا) (وَكم قد أخرس المنطيق يَوْمًا ... وَأعْطى الخرس أَلْسِنَة فصاحا) (وَكم من حِكْمَة خفيت علينا ... وَأُخْرَى وَجههَا الوضاح لاحا) (وَكم أَمر نشاهده فَسَادًا ... وَذَاكَ فَسَاده كَانَ الصلاحا) (وَكم ضَاقَ الْفَتى بالخطب ذرعا ... وطى مضيقعه لقى الفساحا) فَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا هَذِه القصيدة بل لَو لم يكن لَهُ إِلَّا بعض أبياتها لَكَانَ ذَلِك مُوجبا لعلو طبقته وَكَانَ مَوته رَابِع شهر محرم سنة ١٢٠٧ سبع وَمِائَتَيْنِ وَألف مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن دغرة بن زهرَة الشَّمْس الدمشقي الطرابلسي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن زهرَة بِضَم الزاى ولد سنة ٧٥٨ ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة وَنَشَأ بطرابلس فحفظ مختصرات وتفقه بِابْن قاضي شُهْبَة والشرف الغزي وَدخل الْقَاهِرَة فلقي البلقيني وَأخذ الْأُصُول عَن الشهَاب الزهري وَغَيره وَسمع من جمَاعَة كَابْن صديق والكمال بن النحاس وتصدر بالجامع

стр. 794

الأموي ثمَّ انْتقل إِلَى طرابلس وَصَارَ شيخها وعالمها وتصدى لنشر الْعلم وانتفع النَّاس بِهِ طبقَة بعد طبقَة وصنف شرحا للتّنْبِيه فِي ارْبَعْ مجلدات احْتَرَقَ فِي الْفِتْنَة وشرحا للتبريزي فِي ثَلَاث مجلدات وتفسيرا فِي نَحْو عشر مجلدات سَمَّاهُ فتح المنان فِي تَفْسِير الْقُرْآن وتعليقا على الشَّرْح وَالرَّوْضَة فِي ثَمَان مجلدات وَله تعليقة فِي مُجَلد كَبِير كالتذكرة يشْتَمل على مسَائِل وَهُوَ الَّذِي قَامَ على السراج الْحِمصِي بِسَبَب نظمه للقصيدة الَّتِى نظمها فِي الِانْتِصَار لِابْنِ تَيْمِية وتكفير من كفره فتعصب عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة وكفره وَتَبعهُ أهل بَلَده حبا فِيهِ وتعصبا مَعَه فَلم يسع الحمصي إِلَّا الْفِرَار مَاتَ لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة ٨٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وثمان مائَة مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن حَنش اليماني الزيدي ولد بعد سنة ٦٥٠ خمسين وسِتمِائَة وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره حَتَّى برع فِي فنون عدَّة وَبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كَالْإِمَامِ مُحَمَّد بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وَله مصنفات مِنْهَا التَّمْهِيد وَالتَّفْسِير لفوائد التَّحْرِير فِي الْفِقْه والغياصة فِي أصُول الدَّين جعله شرحا للخلاصة للشَّيْخ أَحْمد الرصاص وَله تعليقات على اللمع فِي الْفِقْه وَشرح للتقرير للأمير الْحُسَيْن والقاطعة فِي الرَّد على الباطنية فِي مجلدين وَكَانَ زاهدا عابدا مائلا إِلَى الخمول فصيح الْعبارَة سريع الْجَواب مستحضرا للفنون محققا فِي جَمِيع مباحثه وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء الْخَامِس من ذي الْقعدَة سنة ٧١٩ تسع عشر وَسَبْعمائة وقبر بظفار

стр. 795

السَّيِّد مُحَمَّد بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقَاسِم الحمزي الكبسي ثمَّ الصَّنْعَانِيّ ولد شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٥٤ أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف ورحل من وَطنه إِلَى صنعاء وَأخذ عَن جمَاعَة من أَعْيَان علمائها كشيخنا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة الْقَاسِم بن مُحَمَّد الكبسي والقاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وَآخَرين وبرع فِي النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَصَارَ من أكَابِر عُلَمَاء الْعَصْر وَلما مَاتَ وَالِده ولي الْقَضَاء مَكَانَهُ فِي الْجِهَات الخولانية وَاسْتقر فِي غَالب أَيَّامه بوطنه هِجْرَة الكبس وَفِي بعض أَيَّامه يسْتَقرّ بِصَنْعَاء ويفد إِلَيْهِ النَّاس لفصل الْخُصُومَات وَهُوَ من أعظم قُضَاة الزَّمن وَأَكْثَرهم معارفا وورعا وعفة وَله اطلَاع على علم التَّارِيخ وأحوال من تقدم خُصُوصا رجال الحَدِيث فَإِنَّهُ ماهر فِي ذَلِك مَعَ حفظه لكثير من متون الْأَحَادِيث وَعلل الْأَسَانِيد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الدَّهْر وَلَوْلَا اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ لَكَانَ لَهُ فِي نشر الْعلم بالتدريس والتأليف يَد طولى وَهُوَ الْآن حي نفع الله بِهِ ثمَّ مَاتَ ﵀ فِي شهر ربيع الأول سنة ١٢١٩ تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِي هِجْرَة الكبس وَتَوَلَّى مَا كَانَ إِلَيْهِ أَخُوهُ الْعَلامَة الْحسن حَسْبَمَا تقدم فِي تَرْجَمته مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن أَحْمد ابْن يُونُس بن حسن بن حجاج بن حسن بن إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم بن حميدان بن قمران بن مَالك ابْن عمر بن رازح بن اسعد بن يحيى بن ربيعَة بن كَعْب بن سعد بن

стр. 796

زيد مناة بن تَمِيم بن مر اليماني الصعدي الْمَعْرُوف ببهران الزيدي أحد عُلَمَاء الْيمن الْمَشَاهِير كَانَ فِي أَوَائِل عمره يتنقل فِي الْمَدَائِن اليمنية للتِّجَارَة وَدخل إِلَى جِهَة الْحَبَشَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يطْلب الْعلم فِي كل مَحل يتجر فِيهِ وَمن مشاهير مشايخه السَّيِّد المرتضى بن قَاسم وبرع فِي جَمِيع الْفُنُون وفَاق أقرانه وَتفرد برياسة الْعلم فِي عصره وصنف التصانيف الحافلة مِنْهَا فِي الْفِقْه شرح الأثمار للْإِمَام شرف الدَّين فِي أَربع مجلدات وَفِي الْعَرَبيَّة التُّحْفَة وَفِي الْأُصُول الكافل وَله مُصَنف فِي الْمعَانى وَالْبَيَان ومصنف فِي الْعرُوض والقوافي سَمَّاهُ الشافي وَله تَخْرِيج الْبَحْر الزخار للْإِمَام المهدى وَالْمُعْتَمد جمع فِيهِ الْأُمَّهَات السِّت ورتبه على أَبْوَاب الْفِقْه وَله حَاشِيَة على الْكَشَّاف اختصرها من حَاشِيَة العلوي وَله التَّفْسِير الْكَبِير جمع فِيهِ بَين تَفْسِير الزمخشري وَتَفْسِير ابْن كثير وَقد عَم النَّفْع بشرحه للأثمار الْمُتَقَدّم ذكره فَإِنَّهُ ذكر فِيهِ من دقائق الْفِقْه وحقائقه مالم يُوجد فِي غَيره وَذكر الْأَدِلَّة على مسَائِله ونقحه أحسن تَنْقِيح ويروى أَنه لما وصل إِلَى الإِمَام شرف الدَّين مُصَنف الْمَتْن أَمر بزفافه بالطبولخانة وطافوا بِهِ فِي الْمشَاهد والمدارس وَمَعَهُ أَعْيَان الْعلمَاء والمتعلمين وَقيل أنه فعل ذَلِك فِي التَّفْسِير الْمَذْكُور وَله نظم مَشْهُور مِنْهُ القصيدة الَّتِى سلك فِيهَا مَسْلَك الطغرائي فِي لامية الْعَجم ومطلعها (الْجد فِي الْجد والحرمان فِي الكسل ... فانصب تصب عَن قريب غَايَة الأمل) (وهي قصيدة فائقة مُشْتَمِلَة على حكم نافعة وَمن نظمه الأبيات الَّتِى مِنْهَا

стр. 797

(سرى وجلى عَن مقلة النَّائِم الغمض ... عَشِيَّة حن الرَّعْد وابتسم الومض) (وأسبل جفن الْغَيْم واكف دمعه ... على صحن خد الْأُفق فاهتزت الأَرْض) (ولاعبت الأغصان وهنايد الصِّبَا ... فَأصْبح يحْكى السندس الْوَرق الغض) وَمَات بصعدة سنة ٩٥٧ سبع وَخمسين وَتِسْعمِائَة مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عمر بن أَبى بكر بن أَحْمد ابْن مَحْمُود بن ادريس بن فضل الله ابْن الشَّيْخ أَبى اسحاق إِبْرَاهِيم ابْن علي بن يُوسُف بن عبد الله الْمجد أَبُو طَاهِر الفيروزباذى الشيرازى اللغوي الشافعي الإِمَام الْكَبِير الماهر فِي اللُّغَة وَغَيرهَا من الْفُنُون ولد سنة ٧٢٩ تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة بكازرون من أَعمال شيراز فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَحفظ كتابا من اللُّغَة وانتقل إِلَى الشيراز وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين وَأخذ عَن وَالِده وَعَن القوام عبد الله ابْن النَّجْم وَغَيرهمَا من عُلَمَاء شيراز وَسمع على مُحَمَّد بن يُوسُف الْأنْصَارِيّ وارتحل إِلَى الْعرَاق وَدخل وَاسِط وَقَرَأَ بهَا القراآت الْعشْر ثمَّ دخل بَغْدَاد فَأخذ عَن التَّاج بن السباك والسراج عمر بن علي القزويني وَغَيرهمَا ثمَّ ارتحل إِلَى دمشق فَدَخلَهَا سنة ٧٥٥ فَسمع من التقي السبكي وَجَمَاعَة زِيَادَة على مائَة كَابْن الْقيم وطبقته وَدخل بعلبك وحماه وحلب والقدس وَسمع من جمَاعَة من أهل هَذِه الْجِهَات وَاسْتقر بالقدس نَحْو عشر سِنِين ودرس وتصدر وَظَهَرت فضائله وَكثر الْأَخْذ عَنهُ وتتلمذ لَهُ جمَاعَة من الأكابر كالصلاح الصفدي ثمَّ دخل الْقَاهِرَة فلقي بهَا جمَاعَة كالعز بن جمَاعَة والأسنوي وَابْن هِشَام والبهاء بن عقيل وَحج فَسمع بِمَكَّة من اليافعي وَغَيره وجال فِي الْبِلَاد الشمالية والمشرقية وَدخل الروم والهند ولقي جمعا من الْفُضَلَاء

стр. 798

وَحمل عَنْهُم شَيْئا كثيرا ثمَّ دخل الْيمن فوصل إِلَى زبيد فِي سنة ٧٩٦ بعد وَفَاة قاضي الْأَقْضِيَة بِالْيمن كُله الْجمال الريمي شَارِح التَّنْبِيه فَتَلقاهُ الْملك الْأَشْرَف إِسْمَاعِيل بِالْقبُولِ وَبَالغ فِي إكرامه وَصرف لَهُ ألف دِينَار سوى ألف كَانَ أَمر نَاظر عدن يجهزه بهَا وَاسْتمرّ مُقيما لَدَيْهِ ينشر الْعلم فَكثر الِانْتِفَاع بِهِ وَبعد مضي نَحْو سنة أضاف إِلَيْهِ قَضَاء الْيمن كُله بعد ابْن عجيل فقصده الطّلبَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه فِي الحَدِيث وَاسْتقر قدمه بزبيد إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ السُّلْطَان الْأَشْرَف قد تزوج ابْنَته لمزيد جمَالهَا ونال مِنْهُ برا ورفعة بِحَيْثُ صنف لَهُ كتابا وأهداه على أطباق فملأها لَهُ دَرَاهِم وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة قدم مَكَّة مرَارًا فجاور بهَا وبالمدينة وطائف وَعمل مآثر حَسَنَة وَكَانَ زَائِد الْحَظ مَقْبُولًا عِنْد السلاطين فَلم يدْخل بَلَدا إِلَّا وأكرمه صَاحبهَا مَعَ كَثْرَة دُخُوله إِلَى الممالك وَمن جملَة الْمُكرمين لَهُ تيمورلنك وسلطان الروم ابْن عُثْمَان وشاه مَنْصُور صَاحب تبريز وَأحمد ابْن أويس صَاحب بَغْدَاد والأشرف صَاحب الْيمن وَغَيرهم وَوصل إِلَيْهِ من عطاياهم شَيْء كثير فاقتنى من ذَلِك كتبا نفيسة حَتَّى قَالَ إنه اشْترى مِنْهَا بِخَمْسِينَ ألف مِثْقَال من الذَّهَب وَكَانَ لَا يُسَافر إِلَّا وَمَعَهُ مِنْهَا عدَّة أحمال وَيخرج أَكْثَرهَا فِي كل منزل فَينْظر فِيهَا ثمَّ يُعِيدهَا وَكَانَت لَهُ دنيا طائلة وَلكنه كَانَ لَا يَدْفَعهَا إِلَى من يسرف فِي إنفاقها بِحَيْثُ أنه قد يملق أَحْيَانًا فيبيع بعض كتبه وَله مصنفات كَثِيرَة نافعة مِنْهَا فِي التَّفْسِير لطائف ذوي التَّمْيِيز فِي لطائف الْكتاب الْعَزِيز فِي مجلدات وتنوير المقباس فِي تَفْسِير ابْن عَبَّاس أَربع مجلدات وتيسير فَاتِحَة الإياب فِي تَفْسِير فَاتِحَة الْكتاب

стр. 799

فِي مُجَلد كَبِير والدر النظيم المرشد إِلَى مَقَاصِد الْقُرْآن الْعَظِيم وَحَاصِل كورة الْخَلَاص فِي فَضَائِل سُورَة الْإِخْلَاص وَشرح قُطْبَة الخشاف فِي شرح خطْبَة الْكَشَّاف وَفِي الحَدِيث والتاريخ شوارق الْعلية فِي شرح مَشَارِق الْأَنْوَار النَّبَوِيَّة أَربع مجلدات وَفتح البارى فِي شرح صَحِيح البخارى وَلَعَلَّ ابْن حجر لم يسمع بذلك حَيْثُ سمي شَرحه بِهَذَا الِاسْم كمل مِنْهُ نَحْو عشْرين مجلدا وَكَانَ يقدر اتمامه فِي أَرْبَعِينَ وعمدة الْحُكَّام فِي شرح عُمْدَة الْأَحْكَام فِي مجلدات وامتضاض السهاد فِي افتراض الْجِهَاد فِي مُجَلد والإسعاد بالإصعاد إِلَى دَرَجَة الِاجْتِهَاد ثَلَاث مجلدات والمرقاة الوفية فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة وَالْبُلغَة فِي تراجم أَئِمَّة النُّحَاة واللغة وَالْفضل الوفى فِي الْعدْل الأشرفى ونزهة الأذهان فِي تَارِيخ أَصْبَهَان وتسهيل طَرِيق الْفُصُول فِي الْأَحَادِيث الزَّائِدَة على جَامع الْأُصُول وَالْأَحَادِيث الضعيفة والدر الغالى فِي الْأَحَادِيث العوالى وسفر السَّعَادَة والمتفق وضعا والمختلف صقعا وَفِي اللُّغَة اللامع الْمعلم العجاب الْجَامِع بَين الْمُحكم والعباب وزيادات امْتَلَأَ بهَا الوطاب وَكَانَ يقدر تَمَامه فِي مائَة مُجَلد كل مُجَلد يقرب من صِحَاح الجوهرى والقاموس الْمُحِيط والقابوس الْوَسِيط الْجَامِع لما ذهب من لُغَة الْعَرَب شماطيط فِي مجلدين وَهُوَ كتاب لَيْسَ لَهُ نَظِير وَقد انْتفع بِهِ النَّاس وَلم

стр. 800

يلتفتوا بعده إِلَى غَيره وَالْمَقْصُود لذوى الْأَلْبَاب من علم الْإِعْرَاب وتحبير الموشين فِيمَا يُقَال بِالسِّين والشين والمثلث الْكَبِير فِي خمس مجلدات وَالصَّغِير وَالرَّوْض المسلوف فِيمَن لَهُ اسمان إِلَى ألوف وَغير ذَلِك من المصنفات الْكَثِيرَة الواسعة الشهيرة قَالَ التقي الكرماني كَانَ عديم النظير فِي زَمَانه نظما ونثرا بالفارسي والعربي وَكَانَ كثير الِاقْتِدَاء بالصنعاني مَاشِيا على طَرِيقَته تَابعا لمنهجه حَتَّى فِي كَثْرَة المحاورة وَحكى الخزرجي أنه رام التَّوَجُّه فِي سنة ٧٩٩ إِلَى مَكَّة فَكتب إِلَى السُّلْطَان مَا مِثَاله وَمِمَّا ينهيه إِلَى الْعُلُوم الشَّرِيفَة أنه غير خَافَ عَلَيْكُم ضعف أقل العبيد ورقة جِسْمه ودقة بنيته وعلو سنه وَقد آل أمره إِلَى أَن صَار كالمسافر الذي تحزم وانتقل إِذْ وَهن الْعظم بل وَالرَّأْس اشتعل وتضعضع السن وتقعقع الشن فَمَا هُوَ إِلَّا عِظَام فِي جراب وبنيان مشرف على الخراب وَقد ناهز الْعشْر الَّتِى تسميها الْعَرَب دقاقة الرقاب وَقد مر على المسامع الشَّرِيفَة غير مرة فِي صَحِيح البخاري قَول سيدنَا رَسُول الله ﷺ إِذا بلغ الْمَرْء سِتِّينَ سنة فقد أعذر الله إِلَيْهِ فَكيف من نَيف على السّبْعين وأشرف على الثَّمَانِينَ وَلَا يجهل بالمومن أَن تمضي عَلَيْهِ ارْبَعْ سِنِين وَلَا يَتَجَدَّد لَهُ شوق وعزم إِلَى بَيت رب الْعَالمين وزيارة سيد الْمُرْسلين وَقد ثَبت فِي الحَدِيث النبوي ذَلِك وَأَقل العبيد لَهُ سِتّ سِنِين عَن تِلْكَ المسالك وَقد غلب عَلَيْهِ الشوق حَتَّى جل عمره عَن الطوق وَمن أقْصَى أمْنِيته أَن يجدد الْعَهْد بِتِلْكَ الْمعَاهد ويفوز مرة أُخْرَى بتقبيل تِلْكَ الْمشَاهد وسؤاله من المراحم الْحَسَنَة الصَّدَقَة عَلَيْهِ بتجهيزه فِي هَذِه

стр. 801

الْأَيَّام مُجَردا عَن الأهالي والأقوام قبل اشتداد الْحر وَغَلَبَة الأوام فَإِن الْفَصْل أطيب وَالرِّيح أزيب وَمن الْمُمكن أَن يفوز الْإِنْسَان بإقامة شهر فِي كل حرم ويحظى بالتملي فِي مهابط الرَّحْمَة وَالْكَرم وَأَيْضًا كَانَ من عَادَة الْخُلَفَاء سلفا وخلفأ وَأَنَّهُمْ كَانُوا ببردون الْبَرِيد عمدا قصد التَّبْلِيغ سلامهم إِلَى حَضْرَة سيد الْمُرْسلين فاجعلني جعلني الله فدَاك ذَلِك الْبَرِيد فَلَا أَتَمَنَّى شَيْئا سواهُ وَلَا أَزِيد (شوقي إِلَى الْكَعْبَة الغراء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخادة الزادا) (وَاسْتَأْذَنَ الْملك المنعام زيد على ... واستودع الله أصحاباً وأولادا) فَلَمَّا وصل هَذَا إِلَى السُّلْطَان كتب فِي طرة الْكتاب مَا مِثَاله صدر الْجمال المصري على لساني مَا يحققه لَك شفاها إن هَذَا شَيْء لَا ينْطق بِهِ لساني وَلَا يجري بِهِ قلمي فَلَقَد كَانَت الْيمن عمياء فاستنارت فَكيف يُمكن أَن تتقدم وَأَن تعلم أَن الله قد أحيى بك مَا كَانَ مَيتا من الْعلم فبالله عَلَيْك إِلَّا مَا وهبت لَهُ بَقِيَّة هَذَا الْعُمر وَالله يَا مجد الدَّين يَمِينا بارة إني أرى فِرَاق الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَلَا فراقك أَنْت الْيمن وَأَهله انْتهى وَفِي هَذَا الْكَلَام عِبْرَة للمعتبرين من أفاضل السلاطين بتعظيم قدر عُلَمَاء الدَّين وَقد أَخذ عَنهُ الأكابر فِي كل بِلَاد وصل إِلَيْهَا وَمن جملَة تلامذته الْحَافِظ بن حجر والمقريزي والبرهان الحلبي وَمَات ممتعا بسمعه وحواسه فِي لَيْلَة عشْرين من شَوَّال سنة ٨١٧ سبع عشرَة وثمان مائَة بزبيد وَقد ناهز التسعين السَّيِّد مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَحْمد بن يُوسُف بن الْحُسَيْن بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الصنعاني ولد شهر رَمَضَان سنة ١١٧٥ خمس وَسبعين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ

стр. 802

بِصَنْعَاء فَأخذ عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي وَالسَّيِّد الْعَلامَة شرف الدَّين بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إسحاق وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَعَن الْجَمَاعَة آخَرين وبرع فِي الْمنطق والنحو وَالصرْف وشارك فِي غير ذَلِك وَهُوَ ممتع المحاضرة حسن الْأَخْلَاق كثير المحفوظات فِي الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار متقللا من الدُّنْيَا مقتصدا فِي ملبوسه مائلا إِلَى طَريقَة الصُّوفِيَّة وَكَثِيرًا مَا يشْتَغل عَلَيْهِ الطّلبَة فِي علم النَّحْو والمنطق واستفادوا مِنْهُ وَكَانَ وَالِده عَارِفًا بالنحو والمنطق أَيْضا وَأما جده فقد تقدم ذكره فِي تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة وَصَاحب التَّرْجَمَة فِي قيد الْحَيَاة مشتغلا بِالْعلمِ أتم اشْتِغَال لَا برح فِي حماية ذي الْجلَال وَقد كَانَ حضر مَعنا فِي قراءتنا للعضد على شَيخنَا المغربي فَكَانَ يجيد المباحثة فِي الْمُقدمَات المنطقية وَاسْتمرّ حَتَّى انْقَضتْ ثمَّ ترك الْحُضُور

стр. 803

مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله الدمشقي الحنفى شمس الدَّين الْخياط الشَّاعِر الْمَشْهُور الملقب ضفدع ولد فِي رَجَب سنة ٦٩٣ ثَلَاث

стр. 804

وَتِسْعين وسِتمِائَة وتعانى الْأَدَب فلازم شمس الدَّين بن الصَّانِع الدمشقي ثمَّ تردد إِلَى الشهَاب مَحْمُود ومدح ابْن صصري بقصيدة أَولهَا (أما ولواحظ الحدق السواجي ... لقد أَصبَحت مِنْهَا غير نَاجِي) (فقرضها الشهَاب مَحْمُود ثمَّ أَكثر من النظم وَكَانَ سهلا عَلَيْهِ قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر وديوانه قدر سِتّ مجلدات وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة سَماع فِي الحَدِيث من ابْن الشّحْنَة وطبقته وَكَانَ مسلطا على ابْن نَبَاته كلما نظم شَيْئا عَارضه وناقضه وَمن ذَلِك ان ابْن نَبَاته نظم تائية فِي مدح ابْن الزملكاني وَجعل غزلها فِي وصف الْخمر عارضها وَعرض بِهِ فَقَالَ فِي آخر قصيدته (مَا شَاب مدحي لكم ذكر المدام وَلَا ... أضحت جَوَامِع لفظي وهي حانات) (وَلَا طرقت حمى خمارة سحرا ... وَلَا اكتست لي بكاس الراح راحات) قَالَ ابْن حجر وَلَكِن ايْنَ الثرى من الثريا وَمن شعره فِيمَن التحى (كم تظهر الْحسن البديع وتدعي ... وَبَيَاض وَجهك فِي النواظر مظلم) (هَل يصدق الدَّعْوَى لمن فِي وَجهه ... بالذقن كذبه السوَاد الْأَعْظَم) قَالَ الصفدي كَانَ طَوِيل النَّفس فِي الشّعْر لَكِن لم يكن لَهُ غوص على الْمعَانى والاحتفال بطريقة الْمُتَأَخِّرين لكنه مقراض الإعراض كَانَ هجوه أَكثر من مدحه وَقد أهين بِسَبَب ذَلِك وصفع وَذَلِكَ أَنه حج سنة ٧٥٥ فَلم يتْرك فِي الركب أحدا من الْأَعْيَان إلا هجاه فَأَجْمعُوا عَلَيْهِ بِسَبَب

стр. 805

ذَلِك ورفعوه إِلَى أَمِير الركب فَاسْتَحْضرهُ وأهانه جدا وَحلق لحيته وَصَرفه يُنَادى عَلَيْهِ فانزعج من ذَلِك وَمَات كمدا وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير التِّلَاوَة حج مَرَّات وقدرت وَفَاته بعد أَن رَجَعَ من الْحَج سنة ٧٥٦ سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة فِي شهر محرم وَدفن على قَارِعَة الطَّرِيق قَالَ ابْن كثير كَانَ يذاكر بِشَيْء من التَّارِيخ ويحفظ شعرا كثيرا وَكَانَ قد أثري من كَثْرَة مَا أَخذ من النَّاس بِسَبَب المديح والهجاء وَكَانَ النَّاس يخَافُونَ مِنْهُ لبذاءة لِسَانه مُحَمَّد بن يُوسُف بن علي بن يُوسُف الغرناطي أثير الدَّين أَبُو حَيَّان الأندلسي الإِمَام الْكَبِير فِي الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير ولد أَوَاخِر شَوَّال سنة ٦٥٤ أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وتلا القراآت أفرادا وجمعا على مشائخ الأندلس وَسمع الْكثير بهَا وبأفريقيا ثمَّ تقدم الْإسْكَنْدَريَّة ومصر ولازم ابْن النّحاس وَمن مشايخه الْوَجِيه بن الدهان والقطب القسطلاني وَابْن الأنماطي وَغَيرهم حَتَّى قَالَ إن عدَّة من أَخذ عَنهُ أَرْبَعمِائَة وَخَمْسُونَ شخصا وَأما من أجَاز لَهُ فكثير جداً وتبحر فِي اللُّغَة والعربية وَالتَّفْسِير وفَاق الأقران وَتفرد بذلك فِي جَمِيع أقطار الدُّنْيَا وَلم يكن بعصره من يماثله قَالَ الصفدى لم أره قط إِلَّا يسمع أَو يشْتَغل أَو يكْتب أَو ينظر فِي كتاب وَلم أره على غير ذَلِك وَكَانَ لَهُ إقبال على أذكياء الطّلبَة يعظمهم وينوه بقدرهم وَكَانَ كثير النظم ثبتا فِيمَا يَنْقُلهُ عَارِفًا باللغة وَأما النَّحْو والتصريف فَهُوَ الإِمَام الْمُطلق فيهمَا خدم هَذَا الْفَنّ أَكثر عمره حَتَّى صَار لَا يذكر أحد فِي أقطار الأَرْض فِيهَا غَيره وَله الْيَد الطُّولى فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وتراجم النَّاس وَمَعْرِفَة طبقاتهم خُصُوصا المغاربة وَله التصانيف الَّتِى سَارَتْ فِي آفَاق الأَرْض واشتهرت فِي حَيَاته

стр. 806

وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار تلاميذه أَئِمَّة وأشياخا فِي حَيَاته وَهُوَ الَّذِي رغب النَّاس إِلَى قِرَاءَة كتب ابْن مَالك وَشرح لَهُم غامضها وَكَانَ يَقُول إن مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب نَحْو الْفُقَهَاء وألزم نَفسه أَن لَا يقريء أحدا إِلَّا فِي كتب سِيبَوَيْهٍ أَو فِي التسهيل أَو فِي مصنفاته وَكَانَ هَذَا دأبه فِي آخر أَيَّامه وَمن مصنفاته الْبَحْر الْمُحِيط فِي التَّفْسِير وغريب الْقُرْآن فِي مُجَلد والأسفار الملخص من كتاب الصغار وَشرح التسهيل والتذكرة والموفور والتذكير والمبدع والتقريب والتدريب وَغَايَة الْإِحْسَان بالنكت الحسان والشذى فِي مسئلة كَذَا واللمحة والشذرة والارتضاء وَعقد اللئالى ونكت الْإِمْلَاء والنافع والمورد الْغمر وَالرَّوْض الباسم والمزن الهامر والرمزة وَغَايَة الْمَطْلُوب والنير الجلى والوهاج مُخْتَصر الْمِنْهَاج وَالْأَمر الأحلى فِي اخْتِصَار الْمحلى والأعلام ويواقيت السحر وتحفة السندس فِي نحاة الأندلس والإدراك للسان الأتراك منطق الخرس بِلِسَان الْفرس نور الغيش فِي لِسَان الْجَيْش ومسك الرشد ومنهج السالك وَنِهَايَة الْإِعْرَاب وخلاصة التِّبْيَان وَغير ذَلِك مِمَّا حَكَاهُ ابْن حجر فِي الدّرّ مَنْقُولًا من خط صَاحب التَّرْجَمَة وَمِمَّا لم يذكر النَّهر الماد فِي التَّفْسِير وَهُوَ مُخْتَصر الْبَحْر الْمُحِيط الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ سَبَب رحلته عَن غرناطة أَنَّهَا حَملته حِدة الشَّبَاب على التَّعَرُّض للأستاذ أَبى جَعْفَر بن الطباع وَقد وَقعت بَينه وَبَين أستاذه أَبى جَعْفَر بن الزبير وَحْشَة فنال مِنْهُ وتصدى للتأليف فِي الرَّد عَلَيْهِ فَرفع أمره إِلَى السُّلْطَان بغرناطة فانتصر لَهُ وَأمر

стр. 807

بإحضار صَاحب التَّرْجَمَة وتنكيله فاختفى ثمَّ لحق بالمشرق وَحضر مجْلِس الشَّيْخ شمس الدَّين الأصبهاني وَكَانَ ظاهريا وَبعد ذَلِك انْتَمَى إِلَى الشافعي وَكَانَ أَبُو الْبَقَاء يَقُول أنه لم يزل ظاهريا قَالَ ابْن حجر كَانَ أَبُو حَيَّان يَقُول محَال أَن يرجع عَن مَذْهَب الظَّاهِر من علق بذهنه انْتهى وَلَقَد صدق فِي مقاله فمذهب الظَّاهِر هُوَ أول الْفِكر آخر الْعَمَل عِنْد من منح الْإِنْصَاف وَلم يرد على فطرته مَا يغيرها عَن أَصْلهَا وَلَيْسَ وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد الظاهري وَأَتْبَاعه فَقَط بل هُوَ مَذْهَب أكَابِر الْعلمَاء المتقيدين بنصوص الشَّرْع من عصر الصَّحَابَة إِلَى الْآن وَدَاوُد وَاحِد مِنْهُم وَإِنَّمَا اشْتهر عَنهُ الجمود فِي مسَائِل وقف فِيهَا على الظَّاهِر حَيْثُ لَا ينبغي الْوُقُوف وأهمل من أَنْوَاع الْقيَاس مَالا يَنْبَغِي لمنصف إهماله وَبِالْجُمْلَةِ فمذهب الظَّاهِر وَهُوَ الْعَمَل بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة بِجَمِيعِ الدلالات وَطرح التعويل على مَحْض الرأي الذي لَا يرجع إِلَيْهِمَا بِوَجْه من وُجُوه الدّلَالَة وَأَنت إذا أمعنت النّظر فِي مقالات أكَابِر الْمُجْتَهدين المشتغلين بالأدلة وَجدتهَا من مَذْهَب الظَّاهِر بِعَيْنِه بل إِذا رزقت الإنصاف وَعرفت الْعُلُوم الاجتهادية كَمَا ينبغي وَنظرت فِي عُلُوم الْكتاب وَالسّنة حق النظر كنت ظاهريا أَي عَاملا بِظَاهِر الشَّرْع مَنْسُوبا إِلَيْهِ لَا إِلَى دَاوُد الظاهري فَإِن نسبتك ونسبته إِلَى الظَّاهِر متفقة وَهَذِه النِّسْبَة هي مُسَاوِيَة للنسبة إِلَى الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَإِلَى خَاتم الرُّسُل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات التَّسْلِيم وَإِلَى مَذْهَب الظَّاهِر بِالْمَعْنَى الذي أوضحناه أَشَارَ ابْن حزم بقوله (وَمَا أَنا إِلَّا ظاهري وأنني ... على مَا بدا حَتَّى يقوم دَلِيل) وتصانيف صَاحب التَّرْجَمَة يزِيد على الْخمسين وَمِنْهَا منظومة فِي

стр. 808

القراآت على وزن الشاطبية بِغَيْر رموز وفيهَا فَوَائِد وَلكنهَا لم ترزق حَظّ الشاطبية وَكَانَ عريا من الفلسفة والاعتزال والتجسيم على نمط السلف الصَّالح كثير الْخُشُوع والتلاوة وَالْعِبَادَة مائلا إِلَى محبَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ على ابْن أَبى طَالب كرم الله وَجهه متجافياً عَن مُقَاتِلِيهِ قَالَ الأدفوئى جرى على طَرِيقه كثير من النجَاة فِي حب على حَتَّى قَالَ مرة لبدر الدَّين بن جمَاعَة قد روى عَن النبي ﷺ قَالَ عهد إِلَى النبي ﷺ لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق هَل صدق فِي هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ لَهُ ابْن جمَاعَة نعم قَالَ وَالَّذين قَاتلُوهُ وسلوا السيوف فِي وَجهه كَانُوا يحبونه أَو يبغضونه وَكَانَ يجري على مَذْهَب أهل الْأَدَب فِي الْميل إِلَى محَاسِن الشَّبَاب وَهُوَ مَشْهُور بالبخل حَتَّى كَانَ يفتخر بِهِ كَمَا يفتخر النَّاس بِالْكَرمِ وأضر قبل مَوته بِقَلِيل وَمَات فِي ثامن صفر سنة ٧٤٥ خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَله شعر فَمِنْهُ (رَاض حَبِيبِي عَارض قد بدا ... ياحسنه من عَارض رائض) (وضن قوم إن قلبي سلا ... وَالْأَصْل لَا يعْتد بالعارض) وَمن شعره (عداي لَهُم فضل علي ومنة ... فَلَا صرف الرَّحْمَن عَنى الأعاديا) (هم بحثوا عَن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا) وَمن شعره الْمشعر ببخله (رجاؤك فلسا قد غَدا فِي حبائلي ... قنيصاً رَجَاء للنتاج من العقم) (أأتعب فِي تَحْصِيله وأضيعه ... إِذا كنت معتاضا من الْبُرْء بِالسقمِ)

стр. 809

مُحَمَّد بن يُوسُف بن علي الكرماني ثمَّ البغدادي ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧١٧ سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَأخذ عَن جمَاعَة بِبَلَدِهِ ثمَّ ارتحل إِلَى الشيراز وَأخذ عَن القاضي عضد الدَّين ولازمه اثنتي عشرَة سنة حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ تصانيفه ثمَّ جح واستوطن بَغْدَاد وَدخل الشَّام ومصر وَسمع البخاري بالجامع الْأَزْهَر من لفظ الْمُحدث نَاصِر الدَّين الفارقي وصنف شرحا للبخاري سَمَّاهُ الْكَوَاكِب الدراري وَهُوَ فِي مجلدين ضخمين وَقد يُوجد فِي أَرْبَعَة فِي الْغَالِب وسَمعه مِنْهُ جمَاعَة واشتهر فِي جَمِيع الأقطار وعان فِي خطبَته على شرح ابْن بطال وَشرح الحلبي وَشرح مغلطاي قَالَ ابْن حجر فِي الدرران شرح صَاحب التَّرْجَمَة مُفِيد على أَوْهَام فِيهِ فِي النَّقْل لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهُ إلا من الصُّحُف وَله شرح على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب سَمَّاهُ السَّبْعَة السيارة لكَونه جمع فِيهِ سَبْعَة شُرُوح وَالْتزم استيفاءها وَذكر أنه أردفها بسبعة أُخْرَى من دون استعياب فجَاء شرحاً حافلاً مَعَ مَا فِيهِ من التّكْرَار الذي أوقعه فِيهِ مُرَاعَاة نقل الْأَلْفَاظ من تِلْكَ الشُّرُوح وصنف فِي الْعَرَبيَّة والمنطق قَالَ ابْن حجر تصدى لنشر الْعلم بِبَغْدَاد ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ مُقبلا على شَأْنه لَا يتَرَدَّد إِلَى أَبنَاء الدُّنْيَا قانعا باليسير ملازما للْعلم متواضعاً وَتوفى مرجعه من الْحَج فِي محرم سنة ٧٨٦ سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة مَحْمُود بن أَحْمد بن حسن بن إِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل مظفر الدَّين العيني الأَصْل القاهري الحنفي وَيعرف بِابْن الأمشاطي لِأَن جده كَانَ يتجر فِيهَا ولد فِي حُدُود سنة ٨١٢ اثنتي عشر وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَحفظ مختصرات

стр. 810

واشتغل فِي الْفِقْه على ابْن الديري والشمني وَفِي النَّحْو على الثاني وَغَيره وَسمع على جمَاعَة كَابْن حجر وطبقته وَدخل دمشق وَحج غير مرة وجاور ورابط فِي بعض الثغور وسافر للْجِهَاد واعتنى بالسباحة والتجليد وَرمى النشاب وَرمى المدافع وَأخذ ذَلِك عَن الأستاذين وَتقدم فِي أَكْثَره واشتغل بالطب وصنف فِيهِ وَأعْرض عَن جَمِيع مَا عداهُ وَمن تصانيفه فِيهِ شرح الموجز للعلاء بن نَفِيس فِي مجلدين وَهُوَ شرح حسن تداوله الأفاضل وَشرح اللمحة لِابْنِ أَمِير الدولة وَمن تصانيفه فِي غير الطِّبّ شرح النقاية استمد فِيهِ من شرح شَيْخه الشمني قَالَ السخاوي إنه سَمعه يحْكى أَنه رأى وَهُوَ صبي فِي يَوْم ذي غيم رجلا يمشي فِي الْغَمَام لَا يشك فِي ذَلِك وَلَا يتمارى انْتهى وَيُمكن أَن يكون رأى قِطْعَة من قطع السَّحَاب متشكلة بشكل الْإِنْسَان فَإِن النَّاظر فِي أطباق السَّحَاب إِذا تخيل فِي شَيْء مِنْهَا أَنه على صُورَة حَيَوَان أَو شَيْء من الجمادات خيل إِلَيْهِ ذَلِك إِذا أدام النظر إِلَيْهَا وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِك كَونهَا متحركة دَائِما ولطافة الْهَوَاء وَكَانَ للحاسة المخيلة فِيمَا كَانَ كَذَلِك اختراعا يُخَالف مَا جرت بِهِ عَادَتهَا من عدم تخييل مَا يُخَالف المحسوس بحاسة الْبَصَر عِنْد الْمُشَاهدَة وَمَات فِي شهر ربيع الأول سنة ٩٠٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بهَا مَحْمُود بن أَحْمد بن مُحَمَّد النُّور الهمذاني الفيومي الأَصْل الحموي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن خطيب الدهشة تحول أَبوهُ من الفيوم إِلَى حماه فاستوطنها وَولى خطابة الدهشة وصنف بهَا الْمِصْبَاح الْمُنِير فِي غَرِيب الشَّرْح الْكَبِير مجلدين وَشرح عرُوض ابْن الْحَاجِب وَله ديوَان خطب وَولد لَهُ ابْنه هَذَا فِي سنة ٧٥٠ خمسين
следующие страницы →