← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة حَتَّى صَار تلاميذه أَئِمَّة وأشياخا فِي حَيَاته وَهُوَ الَّذِي رغب النَّاس إِلَى قِرَاءَة كتب ابْن مَالك وَشرح لَهُم غامضها وَكَانَ يَقُول إن مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب نَحْو الْفُقَهَاء وألزم نَفسه أَن لَا يقريء أحدا إِلَّا فِي كتب سِيبَوَيْهٍ أَو فِي التسهيل أَو فِي مصنفاته وَكَانَ هَذَا دأبه فِي آخر أَيَّامه وَمن مصنفاته الْبَحْر الْمُحِيط فِي التَّفْسِير وغريب الْقُرْآن فِي مُجَلد والأسفار الملخص من كتاب الصغار وَشرح التسهيل والتذكرة والموفور والتذكير والمبدع والتقريب والتدريب وَغَايَة الْإِحْسَان بالنكت الحسان والشذى فِي مسئلة كَذَا واللمحة والشذرة والارتضاء وَعقد اللئالى ونكت الْإِمْلَاء والنافع والمورد الْغمر وَالرَّوْض الباسم والمزن الهامر والرمزة وَغَايَة الْمَطْلُوب والنير الجلى والوهاج مُخْتَصر الْمِنْهَاج وَالْأَمر الأحلى فِي اخْتِصَار الْمحلى والأعلام ويواقيت السحر وتحفة السندس فِي نحاة الأندلس والإدراك للسان الأتراك منطق الخرس بِلِسَان الْفرس نور الغيش فِي لِسَان الْجَيْش ومسك الرشد ومنهج السالك وَنِهَايَة الْإِعْرَاب وخلاصة التِّبْيَان وَغير ذَلِك مِمَّا حَكَاهُ ابْن حجر فِي الدّرّ مَنْقُولًا من خط صَاحب التَّرْجَمَة وَمِمَّا لم يذكر النَّهر الماد فِي التَّفْسِير وَهُوَ مُخْتَصر الْبَحْر الْمُحِيط الْمُتَقَدّم ذكره قَالَ ابْن الْخَطِيب كَانَ سَبَب رحلته عَن غرناطة أَنَّهَا حَملته حِدة الشَّبَاب على التَّعَرُّض للأستاذ أَبى جَعْفَر بن الطباع وَقد وَقعت بَينه وَبَين أستاذه أَبى جَعْفَر بن الزبير وَحْشَة فنال مِنْهُ وتصدى للتأليف فِي الرَّد عَلَيْهِ فَرفع أمره إِلَى السُّلْطَان بغرناطة فانتصر لَهُ وَأمر

стр. 807

بإحضار صَاحب التَّرْجَمَة وتنكيله فاختفى ثمَّ لحق بالمشرق وَحضر مجْلِس الشَّيْخ شمس الدَّين الأصبهاني وَكَانَ ظاهريا وَبعد ذَلِك انْتَمَى إِلَى الشافعي وَكَانَ أَبُو الْبَقَاء يَقُول أنه لم يزل ظاهريا قَالَ ابْن حجر كَانَ أَبُو حَيَّان يَقُول محَال أَن يرجع عَن مَذْهَب الظَّاهِر من علق بذهنه انْتهى وَلَقَد صدق فِي مقاله فمذهب الظَّاهِر هُوَ أول الْفِكر آخر الْعَمَل عِنْد من منح الْإِنْصَاف وَلم يرد على فطرته مَا يغيرها عَن أَصْلهَا وَلَيْسَ وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد الظاهري وَأَتْبَاعه فَقَط بل هُوَ مَذْهَب أكَابِر الْعلمَاء المتقيدين بنصوص الشَّرْع من عصر الصَّحَابَة إِلَى الْآن وَدَاوُد وَاحِد مِنْهُم وَإِنَّمَا اشْتهر عَنهُ الجمود فِي مسَائِل وقف فِيهَا على الظَّاهِر حَيْثُ لَا ينبغي الْوُقُوف وأهمل من أَنْوَاع الْقيَاس مَالا يَنْبَغِي لمنصف إهماله وَبِالْجُمْلَةِ فمذهب الظَّاهِر وَهُوَ الْعَمَل بِظَاهِر الْكتاب وَالسّنة بِجَمِيعِ الدلالات وَطرح التعويل على مَحْض الرأي الذي لَا يرجع إِلَيْهِمَا بِوَجْه من وُجُوه الدّلَالَة وَأَنت إذا أمعنت النّظر فِي مقالات أكَابِر الْمُجْتَهدين المشتغلين بالأدلة وَجدتهَا من مَذْهَب الظَّاهِر بِعَيْنِه بل إِذا رزقت الإنصاف وَعرفت الْعُلُوم الاجتهادية كَمَا ينبغي وَنظرت فِي عُلُوم الْكتاب وَالسّنة حق النظر كنت ظاهريا أَي عَاملا بِظَاهِر الشَّرْع مَنْسُوبا إِلَيْهِ لَا إِلَى دَاوُد الظاهري فَإِن نسبتك ونسبته إِلَى الظَّاهِر متفقة وَهَذِه النِّسْبَة هي مُسَاوِيَة للنسبة إِلَى الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَإِلَى خَاتم الرُّسُل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات التَّسْلِيم وَإِلَى مَذْهَب الظَّاهِر بِالْمَعْنَى الذي أوضحناه أَشَارَ ابْن حزم بقوله (وَمَا أَنا إِلَّا ظاهري وأنني ... على مَا بدا حَتَّى يقوم دَلِيل) وتصانيف صَاحب التَّرْجَمَة يزِيد على الْخمسين وَمِنْهَا منظومة فِي

стр. 808

القراآت على وزن الشاطبية بِغَيْر رموز وفيهَا فَوَائِد وَلكنهَا لم ترزق حَظّ الشاطبية وَكَانَ عريا من الفلسفة والاعتزال والتجسيم على نمط السلف الصَّالح كثير الْخُشُوع والتلاوة وَالْعِبَادَة مائلا إِلَى محبَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ على ابْن أَبى طَالب كرم الله وَجهه متجافياً عَن مُقَاتِلِيهِ قَالَ الأدفوئى جرى على طَرِيقه كثير من النجَاة فِي حب على حَتَّى قَالَ مرة لبدر الدَّين بن جمَاعَة قد روى عَن النبي ﷺ قَالَ عهد إِلَى النبي ﷺ لَا يحبني إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضني إِلَّا مُنَافِق هَل صدق فِي هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ لَهُ ابْن جمَاعَة نعم قَالَ وَالَّذين قَاتلُوهُ وسلوا السيوف فِي وَجهه كَانُوا يحبونه أَو يبغضونه وَكَانَ يجري على مَذْهَب أهل الْأَدَب فِي الْميل إِلَى محَاسِن الشَّبَاب وَهُوَ مَشْهُور بالبخل حَتَّى كَانَ يفتخر بِهِ كَمَا يفتخر النَّاس بِالْكَرمِ وأضر قبل مَوته بِقَلِيل وَمَات فِي ثامن صفر سنة ٧٤٥ خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَله شعر فَمِنْهُ (رَاض حَبِيبِي عَارض قد بدا ... ياحسنه من عَارض رائض) (وضن قوم إن قلبي سلا ... وَالْأَصْل لَا يعْتد بالعارض) وَمن شعره (عداي لَهُم فضل علي ومنة ... فَلَا صرف الرَّحْمَن عَنى الأعاديا) (هم بحثوا عَن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا) وَمن شعره الْمشعر ببخله (رجاؤك فلسا قد غَدا فِي حبائلي ... قنيصاً رَجَاء للنتاج من العقم) (أأتعب فِي تَحْصِيله وأضيعه ... إِذا كنت معتاضا من الْبُرْء بِالسقمِ)

стр. 809

مُحَمَّد بن يُوسُف بن علي الكرماني ثمَّ البغدادي ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧١٧ سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَأخذ عَن جمَاعَة بِبَلَدِهِ ثمَّ ارتحل إِلَى الشيراز وَأخذ عَن القاضي عضد الدَّين ولازمه اثنتي عشرَة سنة حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ تصانيفه ثمَّ جح واستوطن بَغْدَاد وَدخل الشَّام ومصر وَسمع البخاري بالجامع الْأَزْهَر من لفظ الْمُحدث نَاصِر الدَّين الفارقي وصنف شرحا للبخاري سَمَّاهُ الْكَوَاكِب الدراري وَهُوَ فِي مجلدين ضخمين وَقد يُوجد فِي أَرْبَعَة فِي الْغَالِب وسَمعه مِنْهُ جمَاعَة واشتهر فِي جَمِيع الأقطار وعان فِي خطبَته على شرح ابْن بطال وَشرح الحلبي وَشرح مغلطاي قَالَ ابْن حجر فِي الدرران شرح صَاحب التَّرْجَمَة مُفِيد على أَوْهَام فِيهِ فِي النَّقْل لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهُ إلا من الصُّحُف وَله شرح على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب سَمَّاهُ السَّبْعَة السيارة لكَونه جمع فِيهِ سَبْعَة شُرُوح وَالْتزم استيفاءها وَذكر أنه أردفها بسبعة أُخْرَى من دون استعياب فجَاء شرحاً حافلاً مَعَ مَا فِيهِ من التّكْرَار الذي أوقعه فِيهِ مُرَاعَاة نقل الْأَلْفَاظ من تِلْكَ الشُّرُوح وصنف فِي الْعَرَبيَّة والمنطق قَالَ ابْن حجر تصدى لنشر الْعلم بِبَغْدَاد ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ مُقبلا على شَأْنه لَا يتَرَدَّد إِلَى أَبنَاء الدُّنْيَا قانعا باليسير ملازما للْعلم متواضعاً وَتوفى مرجعه من الْحَج فِي محرم سنة ٧٨٦ سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة مَحْمُود بن أَحْمد بن حسن بن إِسْمَاعِيل بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل مظفر الدَّين العيني الأَصْل القاهري الحنفي وَيعرف بِابْن الأمشاطي لِأَن جده كَانَ يتجر فِيهَا ولد فِي حُدُود سنة ٨١٢ اثنتي عشر وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا وَحفظ مختصرات

стр. 810

واشتغل فِي الْفِقْه على ابْن الديري والشمني وَفِي النَّحْو على الثاني وَغَيره وَسمع على جمَاعَة كَابْن حجر وطبقته وَدخل دمشق وَحج غير مرة وجاور ورابط فِي بعض الثغور وسافر للْجِهَاد واعتنى بالسباحة والتجليد وَرمى النشاب وَرمى المدافع وَأخذ ذَلِك عَن الأستاذين وَتقدم فِي أَكْثَره واشتغل بالطب وصنف فِيهِ وَأعْرض عَن جَمِيع مَا عداهُ وَمن تصانيفه فِيهِ شرح الموجز للعلاء بن نَفِيس فِي مجلدين وَهُوَ شرح حسن تداوله الأفاضل وَشرح اللمحة لِابْنِ أَمِير الدولة وَمن تصانيفه فِي غير الطِّبّ شرح النقاية استمد فِيهِ من شرح شَيْخه الشمني قَالَ السخاوي إنه سَمعه يحْكى أَنه رأى وَهُوَ صبي فِي يَوْم ذي غيم رجلا يمشي فِي الْغَمَام لَا يشك فِي ذَلِك وَلَا يتمارى انْتهى وَيُمكن أَن يكون رأى قِطْعَة من قطع السَّحَاب متشكلة بشكل الْإِنْسَان فَإِن النَّاظر فِي أطباق السَّحَاب إِذا تخيل فِي شَيْء مِنْهَا أَنه على صُورَة حَيَوَان أَو شَيْء من الجمادات خيل إِلَيْهِ ذَلِك إِذا أدام النظر إِلَيْهَا وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِك كَونهَا متحركة دَائِما ولطافة الْهَوَاء وَكَانَ للحاسة المخيلة فِيمَا كَانَ كَذَلِك اختراعا يُخَالف مَا جرت بِهِ عَادَتهَا من عدم تخييل مَا يُخَالف المحسوس بحاسة الْبَصَر عِنْد الْمُشَاهدَة وَمَات فِي شهر ربيع الأول سنة ٩٠٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بهَا مَحْمُود بن أَحْمد بن مُحَمَّد النُّور الهمذاني الفيومي الأَصْل الحموي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن خطيب الدهشة تحول أَبوهُ من الفيوم إِلَى حماه فاستوطنها وَولى خطابة الدهشة وصنف بهَا الْمِصْبَاح الْمُنِير فِي غَرِيب الشَّرْح الْكَبِير مجلدين وَشرح عرُوض ابْن الْحَاجِب وَله ديوَان خطب وَولد لَهُ ابْنه هَذَا فِي سنة ٧٥٠ خمسين

стр. 811

وَسَبْعمائة وَنَشَأ فحفظ الْقُرْآن وكتباً وَسمع من جمَاعَة وتفقه على أهل بَلَده وارتحل إِلَى مصر وَالشَّام فَأخذ عَن أئمتهما وَتقدم فِي الْفِقْه وأصوله والعربية واللغة وَغَيرهَا وَولى قَضَاء حماه ثمَّ صرف وَلزِمَ منزله متصديا للإقراء والفتاوى والتصنيف فَانْتَفع بِهِ أهل بَلَده واشتهر ذكره وصنف كثيرا كمختصر الْقُوت للأذرعي فِي أَرْبَعَة أَجزَاء وَسَماهُ إغاثة الْمُحْتَاج إِلَى شرح الْمِنْهَاج وتكملة شرح الْمِنْهَاج للسبكي وَهُوَ فِي ثَلَاثَة عشر مجلدا والتحفة فِي المبهمات وَشرح ألفية ابْن مَالك والكافية فِي ثَلَاث مجلدات وتهذيب الْمطَالع لِابْنِ قرقول فِي سِتّ مجلدات واليواقيت المضية فِي الْمَوَاقِيت الشَّرْعِيَّة وَعمل منظومة نَحْو تسعين بَيْتا فِي الْخط وَشَرحهَا وَمَات بحماه يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر شَوَّال سنة ٨٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة مَحْمُود بن أَحْمد بن مُوسَى بن أَحْمد بن حُسَيْن بن يُوسُف ابْن مُحَمَّد الْبَدْر الحلبى الأصلى القاهري الحنفي الْمَعْرُوف بالعيني ولد سَابِع عشر رَمَضَان سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَحفظ كتبا فِي فنون وَأخذ عَن جمَاعَة كالرهاوي وذي النُّون والسرمارى وَغَيرهم ومشايخه فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق وَالْأُصُول والمعاني وَالْبَيَان بَعضهم من تلامذة الجاربردى وَبَعْضهمْ من تلامذة الطَّيِّبِيّ وَبَعْضهمْ من تلامذة السعد التفتازاني وبرع فِي جَمِيع هَذِه الْعُلُوم وارتحل إِلَى حلب ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس وَحج وَدخل الْقَاهِرَة وَأخذ عَن غَالب أهل هَذِه المحلات وَاسْتقر بِالْقَاهِرَةِ ودرس فِي مَوَاطِن مِنْهَا وَتَوَلَّى قَضَاء الْحَنَفِيَّة بهَا فِي سنة ٨٢٩ وَصرف وأعيد وَصرف فَلَزِمَ بَيته مُقبلا على الْجمع والتصنيف مستمرا على تدريس الحَدِيث وتصانيفه كَثِيرَة جدا وانتفع بِهِ النَّاس وَأخذ عَنهُ

стр. 812

الطّلبَة من كل مَذْهَب وَله حَظّ عِنْد الْمُلُوك وَمن تصانيفه شرح البخاري فِي اُحْدُ وَعشْرين مجلدا أسماه عُمْدَة الْقَارئ وَكَانَ ينْقل فِيهِ من شرح الْحَافِظ بن حجر وَرُبمَا يتعقب ذَلِك وَقد أجَاب ابْن حجر عَن تِلْكَ التعقبات لِأَنَّهُمَا متعاصران وَبَينهمَا مُنَافَسَة شَدِيدَة وَشرح معاني الْآثَار للطحاوي فِي عشر مجلدات وَقطعَة من سنَن أبي دَاوُد فِي مجلدين وَقطعَة كَبِيرَة من سيرة ابْن هِشَام سَمَّاهُ كشف اللثام وَشرح الْكَلم الطيب لِابْنِ تَيْمِية والكنز وَسَماهُ رمز الْحَقَائِق فِي شرح كنز الدقائق وَكَذَلِكَ شرح التُّحْفَة وَالْهِدَايَة فِي إِحْدَى عشرَة مُجَلد وَشرح الْمجمع والبحار الزاخرة والمنار والشواهد الْوَاقِعَة فِي شُرُوح الألفية والتسهيل لِابْنِ مَالك وَالْمُحِيط وَله حواش مِنْهَا على شرح الألفية وعَلى التَّوْضِيح وعَلى شرح الجاربردي فِي التصريف وَله مُقَدّمَة فِي الصّرْف وَأُخْرَى فِي الْعرُوض وتاريخ كَبِير فِي تِسْعَة عشر مجلدا ومتوسط فِي ثَمَانِيَة ومختصر فِي ثَلَاثَة وتاريخ الأكاسرة وطبقات الْحَنَفِيَّة وطبقات الشُّعَرَاء ومعجم شُيُوخه وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن خلكان وَله تحفة الْمُلُوك فِي المواعظ وَكتاب آخر فِي الرَّقَائِق والمواعظ فِي ثَمَان مجلدات وَغير ذَلِك مَاتَ لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع ذي الْحجَّة سنة ٨٥٥ خمس وَخمسين وثمان مائَة وَدفن بِالْقَاهِرَةِ مَحْمُود بن سُلَيْمَان بن فَهد بن مَحْمُود الحلبي ثمَّ الدمشقي الحنبلي شهَاب الدَّين ولد فِي شعْبَان سنة ٦٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع من الرضي بن الْبُرْهَان وَيحيى بن عبد الرَّحِيم الحنبلي وجمال الدَّين بن مَالك وتأدب بِهِ وبرع إِلَى أَن عين غير مرة لقَضَاء الْحَنَابِلَة وفَاق الأقران فِي حسن النظم

стр. 813

والنثر وَالْكِتَابَة وَكتب الْإِنْشَاء بِدِمَشْق ثمَّ بِمصْر وَولى كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق إِلَى أَن مَاتَ ونظمه كثير يزِيد على ثَلَاث مجلدات ونثره يدْخل فِي ثَلَاثِينَ مجلدا كَذَا قَالَ الصفدي وَله كتاب حسن التوسل فِي صناعَة الترسل قَالَ البرزالي فِي مُعْجَمه فَاضل فِي الْإِنْشَاء وجودة الشّعْر فاق أهل عصره وأربى على كثير مِمَّن تقدمه وَمن نظمه (تثنى وأغصان الْأَرَاك نواظر ... فنحت وأسراب من الطير عكف) (فَعلم بأنات النقا كَيفَ تنثنى ... وَعلم وَرْقَاء الْحمى كَيفَ تهتف) وَمن غرر قصائد القصيدة الَّتِى مطْلعهَا (هَل الْبَدْر إِلَّا مَا حواه لثامها ... أَو الصُّبْح إِلَّا مَا جلاه ابتسامها) وشعره مَشْهُور قد أورد مِنْهُ المصنفون فِي الْأَدَب بعده شَيْئا كثيرا وَكَذَلِكَ نثره وَمَات بِدِمَشْق فِي ثاني وَعشْرين شعْبَان سنة ٧٢٥ خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة السُّلْطَان مَحْمُود بن عبد الحميد سُلْطَان الروم فِي هَذَا الْوَقْت أخبرنَا من وَفد إلينا من أهل تِلْكَ الْجِهَات أَنه ولي السلطنة فِي سنة ١٢٢٢ ووصفوه بِالْعلمِ والزهد وَحسن الْخط وَالْعدْل وَأَنه يَأْكُل من عمل يَده تحريا للْحَلَال هَذَا وَهُوَ سُلْطَان الدُّنْيَا وَملك الْعَالم وَهُوَ الَّذِي امْر الباشا بِمصْر أَن يُجهز الجيوش على صَاحب بخد الْمُتَقَدّم ذكره فَجهز عَلَيْهِ جَيْشًا بعد جَيش ومازال يحاربه عَاما بعد عَام حَتَّى حصره فِي مَحَله ووطنه وهي الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بالدرعية ثمَّ مازال الْجَيْش يضْرب بالمدافع على تِلْكَ الْقرْيَة لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى أخرب كثيرا مِنْهَا ثمَّ أذعن صَاحبهَا وَهُوَ عبد الله بن سعود بن عبد الْعَزِيز وَسلم نَفسه إِلَى أَيْديهم

стр. 814

وأدخلوه الروم فِي سنة ١٢٣٣ وَكَانَ الْأَمِير على الْجنُود الرومية ابْن الباشا صَاحب مصر وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد علي ثمَّ بعث مُحَمَّد على بِابْن أَخِيه الباشا خَلِيل بجيوش الروم وَكَانَ واليا على مَكَّة فَخرج إِلَى الديار التهامية من الْيمن على الشريف أَحْمد بن حمود فاستولى على جَمِيع الْبِلَاد العريشية صفوا عفوا بِلَا ضَرْبَة وَلَا طعنة ثمَّ استولى على جَمِيع مَا قد كَانَ استولى عَلَيْهِ الشريف حمود من البنادر والمدائن اليمنية وهي اللِّحْيَة والحديدة وَبَيت الْفَقِيه وزبيد وَمَا يتَّصل بِهَذِهِ المحلات فارتجف الْيمن بأسره وَلم يبْق عِنْد أحد من أَهله شك أَنه سيطوي الديار اليمنية فِي أسْرع وَقت ثمَّ كَانَ من الألطاف الإلهية أنها وصلت كتب من الباشا مُحَمَّد علي وَمن الباشا خَلِيل مؤذنة بالمصالحة وَعدم التعدي إِلَى غير مَا قد وصلوا إِلَيْهِ وَمَا زَالَت الرُّسُل يخْتَلف من الْجِهَتَيْنِ وَكَانَت الْمُكَاتبَة والمراسلة بَينهم وَبَين مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله تَدور باطلاعي حَتَّى انْتهى الْأَمر إِلَى إرجاع جَمِيع الْبِلَاد الَّتِى كَانَت مَعَ الشريف حمود وَولده إِلَى الإِمَام فَعَادَت كَمَا كَانَت وَللَّه الْحَمد بعد أَن حصل الْيَأْس عَن جَمِيع المملكة اليمنية وَهَكَذَا تجري الألطاف الربانية بِمَا لم يكن فِي حِسَاب العَبْد وَقد نفذ إِلَيْهَا عِنْد تَحْرِير هَذِه الأحرف الْعمَّال والرتب واستقروا بهَا وَجعل مَوْلَانَا الإِمَام على الْبِلَاد العريشية الشريف علي بن حيدر كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَشْرَاف فِي الْمدَّة الْمَاضِيَة قبل ظُهُور مظهر صَاحب نجد واعتزاء الْأَشْرَاف إِلَيْهِ وَقد أدخلُوا احْمَد بن حمود الروم وأدخلوا مَعَه جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَكَانَ الشريف حسن بن خَالِد الحازمي وَهُوَ الْمُتَكَلّم فِي دولة الشريف والوزير وَالْقَاضِي والمفتي والأمير للجيش فِي كثير من الْحَالَات والمنفذ للْأَحْكَام قد لَجأ إِلَى بِلَاد عسير فَتَبِعَهُ جمَاعَة

стр. 815

من الروم فَقَتَلُوهُ هُنَالك بعد حروب والآن وَلَده بَاقٍ هُنَالك وَقد تجهز إِلَيْهِ طَائِفَة من الأتراك بعد مفارقتهم للبلاد التهامية والبلاد العريشية وسيأتي تَمام وصف حَادِثَة الروم هَذِه فِي تَرْجَمَة الأغا يُوسُف الْمُتَوَسّط فِي الْقِصَّة انشاء الله مَحْمُود بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر ابْن علي شمس الدَّين الْأَصْبَهَانِيّ ولد بأصبهان فِي شعْبَان سنة ٦٧٤ أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وَأخذ عَن عُلَمَاء بِلَاده كوالده وجمال الدَّين بن أَبى الرَّجَاء وَمهر فِي الْفُنُون وَحج فِي سنة ٧٢٤ وَدخل دمشق بعد زِيَارَة الْقُدس فبهرت أَهلهَا فضائله وَقَالَ ابْن تَيْمِية لما سمع كَلَامه أنه مَا دخل الْبِلَاد مثله وَكَانَ يلازم الْجَامِع الأموي لَيْلًا وَنَهَارًا مكبا على التِّلَاوَة وتدريس الطّلبَة وَبَالغ الْفُضَلَاء فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ ثمَّ طلب على الْبَرِيد إِلَى مصر فدرس بهَا قَالَ الأسنوي كَانَ بارعا فِي العقليات صَحِيح الِاعْتِقَاد محبا لأهل الصلاح طارحا للتكلف مجموعا على الْعلم انْتهى وصنف شرحا لمختصر ابْن الْحَاجِب قبل أَن يقدم بِلَاد دمشق وشرحا للمطالع وشرحا لتجريد النَّصْر الطوسي وَشرح قصيدة النساوى فِي الْعرُوض وصنف فِي الْمنطق كتابا سَمَّاهُ نَاظر الْعين وَشَرحه وَشرح مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب وَشرح بِالْقَاهِرَةِ البديع لِابْنِ الساعاتي وطوالع البيضاوي ومنهاجه وَعمل تَفْسِيرا وَمِمَّا يحْكى عَنهُ من حرصه على الْعلم وشحه على عدم ضيَاع أوقاته أَن بعض أَصْحَابه كَانَ يرْوى أَنه كَانَ يمْتَنع كثيرا من الْأكل لِئَلَّا يحْتَاج إِلَى الشَّرَاب فَيحْتَاج إِلَى دُخُول الْخَلَاء فيضيع عَلَيْهِ الزَّمَان قَالَ الصفدي رَأَيْته يكْتب تَفْسِيره من خاطره من غير مُرَاجعَة وانتفع النَّاس بِهِ كثيرا وَمَات

стр. 816

فِي ذي الْقعدَة سنة ٧٩٤ أَربع وَتِسْعين وَسَبْعمائة بالطاعون الْعَام مَحْمُود بن مَسْعُود بن مصلح الفارسي قطب الدَّين الشيرازي الشافعي الْعَلامَة الْكَبِير ولد بشيراز سنة ٦٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَأخذ عَن أَبِيه وَعَمه وَغَيرهمَا فِي علم الطِّبّ ثمَّ رتب طَبِيبا وَهُوَ شَاب ثمَّ سَافر إِلَى نصير الدَّين الطوسي فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْهَيْئَة وَبحث عَلَيْهِ فِي الإشارات وبرع وَقَالَ لَهُ السُّلْطَان ابغا بن هلاكو أنت أفضل تلامذة النصير وَقد كبر فاجتهد أَن لَا يفوتك شَيْء من علومه فَقَالَ قد فعلت وَمَا بقى لى بِهِ حَاجَة ثمَّ دخل الرّوم فَأكْرمه صَاحبهَا وَولى قَضَاء سيواس وملطية وَقدم الشَّام رَسُولا وَسكن تبريزاً وأقرأ بهَا الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَحدث بِجَامِع الْأُصُول عَن الصَّدْر القونوي عَن يَعْقُوب الهديات عَن المُصَنّف وَكَانَ كثير المخالطة للملوك متحرزا ظريفا مزاحا لَا يحمل هما مجيدا للعب الشطرنج مديما لَهُ حَتَّى فِي أَوْقَات اعْتِكَافه كثير الدخل حَتَّى قيل أنه دخله فِي الْعَام ثَلَاثُونَ الْفَا لَا يدّخر مِنْهَا شَيْئا بل يُنْفِقهُ على تلامذته ودرس بِدِمَشْق الْكَشَّاف والقانون والشفاء وَغَيرهَا وَكَانَ إِذا صنف كتابا صَامَ ولازم السهر ومسودته مبيضة وَكَانَ يخضع للْفُقَرَاء ويلازم الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة وَيكثر الشفاعات عِنْد الْمُلُوك وهم يعظمونه وَمن تصانيفه شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح الْمِفْتَاح للسكاكي وَشرح الكليات لِابْنِ سينا وَشرح الْأَسْرَار للسهروردى وصنف كتابا فِي الْحِكْمَة سَمَّاهُ غرَّة التَّاج وَكَانَ من أذكياء الْعَالم ولقبه عِنْد الْفُضَلَاء الشَّارِح الْعَلامَة قَالَ الذهبي قيل كَانَ علي دين الْعَجَائِز وَكَانَ يخضع للفقهاء ويوصي بِحِفْظ الْقُرْآن وَكَانَ إِذا مدح تخشع وَكَانَ يَقُول أَتَمَنَّى أني كنت فِي زمن النَّبِي ﷺ وَلم يكن لي سمع

стр. 817

وَلَا بصر رَجَاء أَن يلحظني بنظرة وَكَانَ ذَا مُرُوءَة وأخلاق حسان وتلامذته يبالغون فِي تَعْظِيمه انْتهى وَقد اسْتمرّ على تَعْظِيمه من بعدهمْ حَتَّى صَار الْعَلامَة إِذا أطلق لَا يفهم غَيره بل جَاوز ذَلِك كثير من المصنفين الْمُتَأَخِّرين الَّذين غَالب نظرهم مَقْصُور على مثل علمه فَقَالُوا لَا يُطلق ذَلِك فِي الاصطلاح إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا عتب عَلَيْهِم فهم لَا يعلمُونَ بالعلوم الشَّرْعِيَّة حَتَّى يعرفوا مِقْدَار أَهلهَا وَقد عاصر صَاحب التَّرْجَمَة من أَئِمَّة الْعلم من لَا يرتقي هُوَ إِلَى شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم وَكَذَلِكَ جَاءَ بعد عصره أكابر كَمَا مر بك فِي هَذَا الْكتاب وكما سيأتي وَأَكْثَرهم أحق بوصفه بالعلامة فضلا عَن كَونه مُسْتَحقّا وَأَيْنَ يَقع من مثل من جمع مِنْهُم بَين علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وبهر بِعُلُومِهِ الأفهام والعقول وَمَات فِي رَمَضَان سنة ٧١٠ عشر وَسَبْعمائة السُّلْطَان مُرَاد بن احْمَد بن مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم الآتي قَرِيبا ولد سنة ١٠١٨ ثَمَان عشرَة وألف وَجلسَ على سَرِير السلطنة سنة ١٠٣٢ وَكَانَ كثير الْغَزْو وافتتح مدنا كبغداد وَقتل جَمِيع من فِيهَا من الروافض وَكَانَ شَدِيد الْأَيْدِي وَله حكايات فِي ذَلِك مِنْهَا أَنه طعن درقه نَحْو إحدى عشر طبقَة بِعُود فَثَبت فِيهَا وأرسلها إِلَى مصر وَجعل لمن أخرج الْعود من عَسَاكِر مصر زِيَادَة فِي مقرره فَلم يقدر على ذَلِك أحد وَمَات سنة ١٠٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَألف مُرَاد بن أورخان بن عُثْمَان الغازي سُلْطَان الروم وَابْن سلاطينها ولد سنة ٧٢٧ سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَجلسَ على التخت سنة ٧٦١ وافتتح كثيرا من الْبِلَاد مِنْهَا أدرنه وَهُوَ أول من اتخذ المماليك وألبسهم اللباد الْمثنى إِلَى خلف وَسَمَّاهُمْ الْعَسْكَر الْجَدِيد وَكَانَ عَظِيم الصولة شَدِيد

стр. 818

المهابة وَاجْتمعت النَّصَارَى عَلَيْهِ مَعَ سلطانهم فقابلهم صَاحب التَّرْجَمَة وَهَزَمَهُمْ وَقتل سلطانهم وَأسر جمَاعَة من مُلُوكهمْ فأظهر وَاحِد من الْمُلُوك الطَّاعَة للسُّلْطَان وَطلب تَقْبِيل كَفه فَأذن لَهُ بذلك فَلَمَّا قرب مِنْهُ أخرج خنجرا كَانَ أعده فِي كمه فَضرب السُّلْطَان مُرَاد فَقتله وفاز بِالشَّهَادَةِ فِي سنة ٧٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة فَصَارَ القانون أَلا يدْخل على السُّلْطَان أحد إِلَّا بعد تفتيش ثِيَابه وَيكون بَين رجلَيْنِ يكتنفانه مُرَاد بن سليم بن سُلَيْمَان بن سليم بن بايزيد بن أورخان ابْن عُثْمَان سُلْطَان الروم ولد سنة ٩٥٣ ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَجلسَ على التخت سنة ٩٨٢ وَهُوَ من أعظم سلاطين الروم وأكابر مُلُوكهَا استولى على مَا كَانَ تَحت يَد آبَائِهِ من الممالك وَزَاد عَلَيْهِ فتوحات وَاسِعَة وَهُوَ الذي أتم عمَارَة الْحرم الشريف بعد أَن كَانَ حصل فِيهِ حريق أخرب كثيرا مِنْهُ فَأمر بهدمه جَمِيعًا وَالِده السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان وَشرع فِي عِمَارَته على هَيْئَة نفيسة وأسلوب غَرِيب ثمَّ مَاتَ بعد أَن شرع فِي الْعِمَارَة وكمله صَاحب التَّرْجَمَة وَمَا أحسن مَا قَالَه بعض الشُّعَرَاء فِي تَارِيخ كَمَال الْعِمَارَة وَهُوَ هَذَا الْبَيْت بِتَمَامِهِ فَإِنَّهُ مَعَ انسجامه وسلاسته وَحسن نظمه جَمِيعه تَارِيخ لتَمام الْعِمَارَة وَهُوَ (جدد الْمَسْجِد الْحَرَام مُرَاد ... دَامَ سُلْطَانه ودام زَمَانه) وأرخ تَمام الْعِمَارَة بَعضهم فِي نثر فَقَالَ عمر الْحرم سُلْطَان مُرَاد وَقد وصف القطب الحنفي فِي الْأَعْلَام كَيْفيَّة هَذِه الْعِمَارَة وَأطَال فِي ذَلِك فِي آخر كِتَابه الْأَعْلَام وَختم تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة فِي ذَلِك الْكتاب وَلم يذكر تَارِيخ مَوته وَهُوَ فِي سنة ١٠٠٣ ثَلَاث وَألف

стр. 819

مُرَاد خَان بن مُحَمَّد خَان بن بايزيد أورخان ابْن عُثْمَان سُلْطَان الروم ولد سنة ٨٠٦ سِتّ وثمان مائَة وَجلسَ على التخت سنة ٨٢٤ وَكَانَ ملكاً مُطَاعًا مقداماً كَرِيمًا عين للحرمين الشريفين من خَاصَّة صدقاته فِي كل عَام ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة ذهب للسادة الْأَشْرَاف وَمن خزانته فِي كل عَام مثل ذَلِك وَفتح فتوحات وَمن فتوحاته قلعة سمندرة وبلاد مورة وَقَاتل الْكفَّار ونال مِنْهُم وَبعد ذَلِك سلم السلطنة إِلَى وَلَده مُحَمَّد وتخلى عَن الْملك بعد أَن اسْتمرّ فِي السلطنة إحدى وَثَلَاثِينَ سنة وَمَات سنة ٨٥٥ خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَقد أهمل الْحَافِظ بن حجر ذكر مُلُوك الروم فِي الدُّرَر الكامنة فِي أهل الْمِائَة الثَّامِنَة فَلم يذكر من كَانَ فِيهَا مِنْهُم وَكَذَلِكَ السخاوي أهمل بَعْضًا مِمَّن كَانَ مِنْهُم فِي الْمِائَة التَّاسِعَة وَذكر بَعْضًا وَهَذَا عَجِيب فَإِنَّهُمَا يترجمان لجَماعَة من أهل سَائِر الديار هم معدودون من أَحْقَر مماليك سلاطين الروم مَعَ أنهما يترجمان لكثير من صغَار الْمُلُوك والأمراء الكائنين بالأندلس واليمن والهند وَسَائِر الديار وَهَكَذَا أهملا غَالب عُلَمَاء الرّوم وَلم يذكر إِلَّا شَيْئا يَسِيرا مِنْهُم مَعَ أنهما يترجمان لمن هُوَ أبعد مِنْهُم دَارا وأحقر قدرا فَالله أعلم بِالسَّبَبِ الْمُقْتَضى لذَلِك وَقد ذكرنَا فِي هَذَا الْكتاب كثيرا مِمَّن أهملاه مَسْعُود بن أَحْمد بن مَسْعُود بن زيد الحارثي سعد الدَّين العراقي ثمَّ المصري الحنبلي مَنْسُوب إِلَى الحارثية من قرى بَغْدَاد ولد سنة ٦٥٢ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة وعنى بِالْحَدِيثِ فَسمع من الرضي بن الْبُرْهَان والنجيب وطبقتهما

стр. 820

وَسمع بِدِمَشْق من أَحْمد بن أَبى الْخَيْر وَالْجمال بن الصَّيْرَفِي وَغَيرهمَا وَطلب بِنَفسِهِ وَكتب الْكثير وَسمع العالي والنازل واتسعت معارفه وَولى مشيخة دَار الحَدِيث بِدِمَشْق ثمَّ تَركهَا وَرجع إِلَى مصر ثمَّ ولي الْقَضَاء سنة ٧٠٩ وَكَانَ ابْن دَقِيق الْعِيد ينفر مِنْهُ لقَوْله بالجهة وَيَقُول هَذَا دَاعِيَة وَيمْتَنع من الِاجْتِمَاع بِهِ وَيُقَال ان صَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الذي تعمد إعدام مسودة كتاب الإِمَام لِابْنِ دَقِيق الْعِيد بعد أَن كَانَ أكمله فَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ بيض فِي حَيَاة مُصَنفه قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر وَشرح سعد الدَّين قِطْعَة من سنَن أَبى دَاوُد كَبِيرَة أَجَاد فِيهَا وَقطعَة من الْمُنْتَقى للحنابلة أتى فِيهَا بمباحث ونقول فَوَائِد وَلم يكمل وَغير ذَلِك مَاتَ فِي رَابِع عشر ذي الْحجَّة سنة ٧١١ إحدى عشرَة وَسَبْعمائة مَسْعُود بن عمر التفتازاني الإِمَام الْكَبِير صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة الْمَعْرُوف بِسَعْد الدَّين ولد بتفتازان فِي صفر سنة ٧٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن أكابر أهل الْعلم فِي عصره كالعضد وطبقته وفَاق فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير وَالْكَلَام وَكثير من الْعُلُوم وطار صيته واشتهر ذكره ورحل إِلَيْهِ الطّلبَة وَشرع فِي التصنيف وَهُوَ فِي سِتّ عشرَة سنة فصنف الزنجانية وَفرغ مِنْهَا فِي شعْبَان سنة ٧٣٨ وَفرغ من شرح التَّلْخِيص الْكَبِير فِي صفر سنة ٧٤٨ بهراة وَمن مُخْتَصره سنة ٧٥٦ وَمن شرح التَّوْضِيح فِي ذي الْقعدَة سنة ٧٥٨ بكلشان وَمن شرح العقائد فِي شعْبَان سنة ٧٦٨ وَمن حَاشِيَة الْعَضُد فِي ذي الحجة سنة ٧٧٠ وَمن رِسَالَة الْإِرْشَاد سنة ٧٧٤ كلهَا بخوارزم وَمن الْمَقَاصِد وَشَرحه فِي ذى

стр. 821

الْقعدَة سنة ٧٨٤ بسمرقند وَمن تَهْذِيب الْكَلَام فِي رَجَب مِنْهَا وَمن شرح الْمِفْتَاح فِي شَوَّال سنة ٧٨٩ بسمرقند أيضا وَشرع فِي فَتَاوَى الحنفية يَوْم الْأَحَد التَّاسِع من ذي الْقعدَة سنة ٧٦٩ بهراة وَفِي تأليف مِفْتَاح الْفِقْه سنة ٧٧٢ وَفِي شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح سنة ٧٨٦ كليهمَا بسرخس وَمن حَاشِيَة الْكَشَّاف فِي ثامن ربيع الآخر سنة ٧٨٩ بِظَاهِر بسمرقند هَكَذَا ذكر ملازادة تَارِيخ مَا فرغ مِنْهُ من مؤلفاته وَمَا شرع فِيهِ وَلم يكمل وَقَالَ فِي أول الترجمة مَا لَفظه أستاذ الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين وَسيد الْفُضَلَاء الْمُتَقَدِّمين مَوْلَانَا سعد الْملَّة وَالدّين معدل ميزَان الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول مفتح أغصان الْفُرُوع وَالْأُصُول أبي سعيد مَسْعُود بن القاضي الإِمَام فَخر الْملَّة وَالدّين عمر ابْن الْمولى الْأَعْظَم سُلْطَان العارفين العادى التفازانى ثمَّ ذكر مَا قدمْنَاهُ من تَارِيخ مولده وَمَا بعده ثمَّ قَالَ وَتوفى يَوْم الاثنين الثاني وَالْعِشْرين من شهر محرم سنة ٧٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة بسمرقند وَنقل إِلَى سرخس وَدفن بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع من جُمَادَى الأولى ثمَّ قَالَ ملازادة الْجَامِع لهَذِهِ التَّرْجَمَة واسْمه مُوسَى بن مُحَمَّد بن مَحْمُود أنه أَخذ عَن عبد الْكَرِيم بن عبد الْغنى وَهُوَ عَن الْمولى سِنَان وَهُوَ عَن الْمولى حيدر وَهُوَ عَن الْمولى سعد الْملَّة يعْنى صَاحب التَّرْجَمَة وَأورد لصَاحب التَّرْجَمَة من الشّعْر قَوْله (فرق فرق الدَّرْس وَحصل مَالا ... فالعمر مضى وَلم تنَلْ آمالا) (لَا ينفعك الْقيَاس وَالْعَكْس وَلَا ... افعنلل يفعنلل افعنلالا) وَأورد لَهُ قَوْله أَيْضا (طويت بإحراز الْعُلُوم ونيلها ... رِدَاء شَبَابِي وَالْجُنُون فنون)

стр. 822

(وَحين تعاطيت الْفُنُون ونيلها ... تبين لي أَن الْفُنُون جُنُون) قلت وَلم يذكر فِي هَذِه التَّرْجَمَة جَمِيع مصنفات صَاحبهَا بل أهمل مِنْهَا التَّلْوِيح وَهُوَ من أجل مصنفاته وأهمل مِنْهَا شرح الرسَالَة الشمسية وَهُوَ أيضا من أجلهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة متفرد بِعُلُومِهِ فِي الْقرن الثَّامِن لم يكن لَهُ فِي أَهله نَظِير فِيهَا وَله من الْحَظ والشهرة والصيت فِي أهل عصره فَمن بعدهمْ مَالا يلْحق بِهِ غَيره ومصنفاته قد طارت فِي حَيَاته إِلَى جَمِيع الْبلدَانِ وتنافس النَّاس فِي تَحْصِيلهَا وَمَعَ هَذَا فَلم يذكرهُ ابْن حجر فِي الدُّرَر الكامنة فِي أهل الماءة الثَّامِنَة مَعَ أَنه يتَعَرَّض لذكره فِي بعض تراجم شُيُوخه اَوْ تلامذته وَتارَة يذكر شَيْئا من مصنفاته عِنْد تَرْجَمَة من درس فِيهَا أَو طلبَهَا فإهمال تَرْجَمته من الْعَجَائِب المفصحة عَن نقص الْبشر وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة قد اتَّصل بالسلطان الْكَبِير الطاغية الشهير تيمورلنك الْمُتَقَدّم ذكره وَجَرت بَينه وَبَين السَّيِّد الشريف الجرجاني الْمُتَقَدّم ذكره مناظرة فِي مجْلِس السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي مسئلة كَون إرادة الانتقام سَببا للغضب أَو الْغَضَب سَببا لإِرَادَة الإنتقام فَصَاحب التَّرْجَمَة يَقُول بِالْأولِ والشريف يَقُول بالثاني قَالَ الشَّيْخ مَنْصُور الكازروني وَالْحق فِي جَانب الشريف وَجَرت بَينهمَا أيضا المناظرة الْمَشْهُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾ وَيُقَال بِأَنَّهُ حكم بِأَن الْحق فِي ذَلِك مَعَ الشريف فَاغْتَمَّ صَاحب التَّرْجَمَة وَمَات كمدا وَالله أعلم

стр. 823

مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي الرومي الحنفي الْمَشْهُور بخواجه زادة عَالم الروم الْمَشْهُور بالتحقيق وجودة التَّصَوُّر والذكاء المفرط وإفحام من يناظره كَانَ وَالِده من التُّجَّار وَله ثروة عَظِيمَة فولد لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة واشتغل بِالْعلمِ فسخط لذَلِك أَبوهُ وأبعده عَنهُ حَتَّى صَار لَا يملك إلا قَمِيصًا وَاحِدًا وَهُوَ لَا يزْدَاد فِي الْعلم الا شغفا وَرَآهُ بعض مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَقَالَ لَهُ بِأَنَّهُ يكون لَهُ شَأْن عَظِيم وَإِن اخوانه الَّذين صَار وَالِده يعظمهم ويهينه سيقومون عِنْده مقَام الخدم وَالْعَبِيد وَأخذ عَن أكَابِر عُلَمَاء الروم كالعالم الْمَشْهُور بخضر بك وطبقته وبرع فِي الْعَرَبيَّة والأصولين والمعاني وَالْبَيَان وَأمره السُّلْطَان مُرَاد أَن يدرس بمدرسة بروسا وَعين لَهُ كل يَوْم عشرَة دَرَاهِم فَمَكثَ كَذَلِك سِتّ سِنِين مشتغلا بِالْعلمِ مَعَ فقر وحاجة وَحفظ هُنَالك شرح المواقف وَلما تولى السلطنة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بن مُرَاد خَان الْمُتَقَدّم ذكره وَأظْهر الرَّغْبَة إِلَى الْعلم وَأَهله قصد الْعلمَاء حَضرته وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يُرِيد ذَلِك وَلَكِن لم يَسْتَطِيع أَن يُجهز إِلَيْهِ لشدَّة فقره وَكَانَ لَهُ خَادِم من أَبنَاء التّرْك فأقرضه ثَمَان مائَة دِرْهَم فَاشْترى بهَا فرسا لنَفسِهِ وفرسا لِخَادِمِهِ وَذهب إِلَى السُّلْطَان فَلَقِيَهُ وَهُوَ ذَاهِب من قسطنطينية إِلَى ادرنة فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير مَحْمُود باشا قَالَ أصبت بمجئك وَقد ذكرتك عِنْد السُّلْطَان فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَذهب إِلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ السُّلْطَان للوزير مَحْمُود باشا من هَذَا قَالَ خواجة زادة فَرَحَّبَ السُّلْطَان بِهِ وَكَانَ عَن يَمِين السُّلْطَان وَعَن يسَاره أَعْيَان عُلَمَاء حَضرته فَجرى بَينهم الْبَحْث بِحَضْرَة السُّلْطَان فَتكلم وَصَاحب التَّرْجَمَة وأفحم جمَاعَة من الْعلمَاء الْحَاضِرين وَمَال السُّلْطَان

стр. 824

إِلَيْهِ حَتَّى أنه بقي لَدَيْهِ بعد خُرُوج الْعلمَاء من عِنْده وَمَشى مَعَه ثمَّ إن السُّلْطَان وصل الْعلمَاء الَّذين بحثوا بِحَضْرَتِهِ بصلات وَلم يُعْط صَاحب التَّرْجَمَة مثلهم فَحصل مَعَه هم وحزن حَتَّى أَن خادمه صَار لَا يَخْدمه ويواجهه بقوله لَو كَانَ لَك علم لأكرمك السُّلْطَان كَمَا أكرمهم وَفِي بعض الْمنَازل نَام الْخَادِم فَتَوَلّى صَاحب التَّرْجَمَة خدمَة فرسه بِنَفسِهِ ثمَّ جلس حَزينًا فِي ظل شَجَرَة فَإِذا ثَلَاثَة نفر قد أَقبلُوا إِلَيْهِ من حجاب السُّلْطَان يسْأَلُون عَن خيمة خواجة زادة ويظنون أَن لَهُ خيمة كَسَائِر الأكابر فَأَشَارَ بعض النَّاس إِلَيْهِ فأنكروا ذَلِك ثمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ أنت خواجة زادة فَقَالَ نعم فقبلوا يَده وَقَالُوا إن السُّلْطَان جعلك معلما لنَفسِهِ قَالَ فَظَنَنْت أَنهم يسخرون بي ثمَّ ضربوا هُنَالك خيمة وَقدمُوا إِلَيْهِ فرسا وعبيدا وملبوسا فاخرا وَعشرَة آلَاف دِرْهَم وَقدمُوا إِلَيْهِ فرسا مِنْهَا وَقَالُوا قُم إِلَى السُّلْطَان وَالْخَادِم الْمَذْكُور نايم فَذهب إِلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة ونبهه من النوم فَقَالَ الْخَادِم خلني أنام فَقَالَ لَهُ قُم انْظُر إِلَى حالى قَالَ انى اعرف حالك دعنى فأبرم عَلَيْهِ فَقَامَ فَنظر إِلَيْهِ فَقَالَ أَي حَال هَذَا قَالَ إني صرت معلما للسُّلْطَان فَقبل الْخَادِم يَده وتضرع إِلَيْهِ وَاعْتذر فَقبل مِنْهُ وَذهب إِلَى السُّلْطَان فشرع السُّلْطَان يقْرَأ عَلَيْهِ فِي التصريف وَكتب هُوَ شرحا عَلَيْهِ وتقرب مِنْهُ غَايَة التَّقَرُّب فحسده الْوَزير وَقَالَ للسُّلْطَان إن صَاحب التَّرْجَمَة يُرِيد قَضَاء الْعَسْكَر فَقَالَ السُّلْطَان لأي شَيْء يتْرك صحبتي فَقَالَ هُوَ يُرِيد ذَلِك وَقَالَ لخواجة زادة أَمر السُّلْطَان أن تتولى قَضَاء الْعَسْكَر فَقَالَ أَنا لَا أُرِيد ذَلِك قَالَ هَكَذَا جرى الْأَمر فامتثل وَصَارَ قَاضِيا بالعسكر وَكَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة قَضَاء الْأَقْضِيَة فَعِنْدَ ذَلِك بلغ وَالِده أَن وَلَده قد صَار قَاضِيا

стр. 825

للعسكر فَلم يصدق فَلَمَّا تَوَاتر إِلَيْهِ الْخَبَر قدم من بروسا إِلَى أدرنة لزيارة وَلَده فَلَمَّا قرب من بَلْدَة أدرنة تَلقاهُ وَلَده وَتَبعهُ عُلَمَاء الْبَلَد وأشرافه فَلَمَّا نظر وَالِده إِلَى ذَلِك الْجمع الْعَظِيم قَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا ابْنك فَنزل صَاحب التَّرْجَمَة من فرسه وَسلم على أَبِيه وأخوته وأدخلهم على السُّلْطَان وَعمل ضِيَافَة كَبِيرَة اجْتمع فِيهَا أَعْيَان المملكة وَجلسَ فِي صدر الْمجْلس وَجلسَ الأكابر على قدر مَرَاتِبهمْ وضاق الْمجْلس بِمن فِيهِ فَقَامَ أخوته مقَام الخدم فَكَانَ ذَلِك مَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ من ذَلِك الصُّوفِي ثمَّ درس بمدارس عدَّة وَقد اشْتهر فِي بِلَاد الروم وطار صيته وَكثر تلامذته وصنف مصنفات مِنْهَا شرح الريحانة الْمُتَقَدّم ذكره وَمِنْهَا حَاشِيَة على التَّلْوِيح وحاشية على المواقف وَلم تكمل وَكتاب التهافت وحاشية على شرح هِدَايَة الْحِكْمَة وَشرح الطوالع وَمَات فِي سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة وَلم يذكرهُ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع مصطفى القسطلانى ثمَّ الرومي أخذ عَن عُلَمَاء الروم ثمَّ لما برع فِي الْعُلُوم صَار مدرسا بِإِحْدَى الْمدَارِس الثمان ثمَّ جعله السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُرَاد قَاضِيا للعسكر ثمَّ لما مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد وَولى السلطنة ابْنه السُّلْطَان بايزيد عزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن الْقَضَاء وَجعل لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَكَانَ متبحرا فِي جَمِيع الْعُلُوم وَله حَاشِيَة على شرح العقائد ورسالة ذكر فِيهَا إشكالات على المواقف وَشَرحه وحاشية على الْمُقدمَات الْأَرْبَع وَتوفى سنة ٩٠١ إحدى وَتِسْعمِائَة

стр. 826

السَّيِّد المطهر ابْن الإِمَام شرف الدَّين بن شمس الدَّين ابْن الإِمَام المهدي احْمَد بن يحيى الْأَمِير الْكَبِير ملك الْيمن وَابْن ائمتها الْمَشْهُور بالشجاعة والحزم والإقدام والمهابة والسياسة والكياسة والرياسة كَانَ من أعظم الْأُمَرَاء مَعَ وَالِده الإِمَام وَكَانَ قد حلت هيبته بقلوب أهل الْيمن قاطبة وَقُلُوب من يرد إِلَيْهَا من الأتراك والجراسة فسعى بعض أَعدَاء الإِمَام بَينه وَبَين وَلَده هَذَا الْهمام بِمَا أوجب تكدر خاطر كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر وتزايدت الوحشة حَتَّى ألْقى إِلَى المطهر أن وَالِده الإِمَام يُرِيد الْقَبْض عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي قَرْيَة الْقَابِل وَكَانَ بُلُوغ ذَلِك إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد مَعَ وَالِده منتظرا للصَّلَاة فَأرْسل إِلَى جمَاعَة من أَعْيَان أَصْحَابه فَمَا كملت الصَّلَاة إِلَّا وَقد حَضَرُوا فَخرج عقب الصَّلَاة إِلَى الْجَبَل وَدَار بَينه وَبَين أَخِيه شمس الدَّين كَلَام طَوِيل فَلم يتم أَمر فَكَانَ آخر الْأَمر أَنه ذهب المطهر إِلَى حصن ثلا مغاضبا وَرجع الإِمَام إِلَى الجراف ثمَّ آل الْأَمر إِلَى أَن وَقع بَين صَاحب التَّرْجَمَة وَبَين أَخِيه شمس الدَّين مصَاف وتفاقم الْأَمر حَتَّى غزا بطَائفَة من أَصْحَابه إِلَى الجراف للقبض على وَالِده فَدفع الله عَنهُ وَكَانَ آخر الْأَمر أَن الإِمَام أعْطى وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة جَمِيع مَا شَرطه لنَفسِهِ وَاسْتولى على كثير من معاقل الْيمن ومدائنها لَا سِيمَا بعد موت وَالِده فِي تَارِيخه الْمُتَقَدّم فَإِنَّهُ كَاد يستولي على الْيمن بأسره وَجَرت بَينه وَبَين الأتراك خطوب وحروب نَالَ مِنْهُم ونالوا مِنْهُ وَكَانَت ملاحم عَظِيمَة لَا سِيمَا بَينه وَبَين الباشا سِنَان وَقد استوفى ذَلِك قطب الدَّين الحنفي فِي الْبَرْق اليماني وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر الْمُلُوك وأعاظم السلاطين

стр. 827

بالديار اليمنية وَله ماجريات فِي الشجَاعَة وَحسن السياسة وجودة الرَّأْي وَسَفك الدِّمَاء لم يتَّفق إِلَّا للنادر من الْمُلُوك الأكابر وَتوفى سنة ٩٨٠ ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقد أهمل ذكره صَاحب مطلع البدور المطهر بن علي بن مُحَمَّد بن على بن حسن بن إِبْرَاهِيم الضمدى اليماني الْعَالم الْمَشْهُور الْمُفَسّر النحوي مُصَنف المنقح على شرح الخبيصى للكافية ومؤلف التَّفْسِير الْمُسَمّى بالفرات وَهُوَ تَفْسِير مُفِيد جدا مَعَ اختصاره يدل على قُوَّة ملكة صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْعُلُوم ورسوخ قدمه فِي فنون عدَّة وَكَانَ مَشْهُورا بالذكاء والفطنة وجودة الْحِفْظ وَله شعر سَائِر فِي غَايَة الْجَوْدَة وَمِنْه (ويلاه من جفْنه السقيم ... وخده الأبلج القسيم) (يلوح صبح الجبين مِنْهُ ... تَحت دجى شعره البهيم) (كَأَنَّمَا الخد من نضار ... والثغر من لوءلوء نظيم) (كَأَنَّمَا اللحظ مِنْهُ مُوسَى ... يجرح فِي قلبي الكليم) (إِذا رَآهُ الوشاة قَالُوا ... تبَارك الله من حَكِيم) (يَقُول إِن رمت وَصله مَا ... لظَالِم قط من حميم) (معتزلي رافض لهَذَا ... لَا يعرف الْجَبْر للنديم) وَتوفى بضمد فِي سنة ١٠٤٩ تسع وَأَرْبَعين وَألف وأرخ مَوته صَاحب الوافي بوفيات الْأَعْيَان تَكْمِيل غربال الزَّمَان عبد الله بن علي الضمدي أَخُو صَاحب التَّرْجَمَة فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة عشر من شهر رَمَضَان لَيْلَة الثُّلَاثَاء سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَذكر من جملَة مصنفاته أَيْضا جلاء

стр. 828

الوهوم مُخْتَصر ضِيَاء الحلوم فِي مُجَلد وَشرع فِي شرح على الأزهار وَأورد الْأَدِلَّة وَمَشى على نمط الِاجْتِهَاد وَبلغ فِيهِ إِلَى آخر كتاب الْحَج الإِمَام الواثق المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى قد تقدم تَمام نسبه ولد لَيْلَة سادس عشْرين من ذي الْقعدَة سنة ٧٠٢ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة وَأخذ عَن وَالِده الإِمَام مُحَمَّد بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وَغَيره وبرع فِي الْعُلُوم لَا سِيمَا علم البلاغة فإنه قَلِيل النظير فِي ذَلِك وأشعاره الفائقة ورسائله الرائقة شاهدة لذَلِك بِحَيْثُ يفوق على رسائل البلغاء الْمَشَاهِير من أهل العصور الْمُتَقَدّمَة وَلما مَاتَ فِي تَارِيخ مَوته كَمَا تقدم دعى صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى نَفسه وتكنى بالواثق وَفتح صنعاء ثمَّ عَارضه الإِمَام المهدي علي بن مُحَمَّد الْمُتَقَدّم ذكره فَتنحّى هَذَا وَلما مَاتَ الإِمَام المهدي وَقَامَ وَالِده الإِمَام النَّاصِر صَلَاح الدَّين حاول صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْقيام بِالْإِمَامَةِ فَامْتنعَ وَاسْتمرّ مكبا على الْعلم حَتَّى مَاتَ فِي نَيف وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وعمره زِيَادَة على ثَمَانِينَ سنة الإِمَام المتَوَكل على الله المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن يحيى الْحُسَيْن بن علي بن مُحَمَّد ابْن حَمْزَة بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن اسمعيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن على

стр. 829

ابْن أَبى طَالب سَلام الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم هُوَ أحد أَئِمَّة الزيدية القائمين بالديار اليمنية ولد فِي أول الْقرن التَّاسِع ودعا إِلَى نَفسه بعد موت الإِمَام الْمَنْصُور علي بن صَلَاح الْمُتَقَدّم ذكره فِي سنة ٨٤٠ وأجابه جمَاعَة من الزيدية وَكَانَ عَالما كَبِيرا أَخذ الْعلم عَن الإِمَام المهدي احْمَد بن يحيى ولازمه مُدَّة طَوِيلَة أَخذ عَن غَيره وَملك كحلان وَغَيره من حصون المغارب ثمَّ ملك ذمار وعارضه الْمهْدي صَلَاح بن على ابْن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم وعارضهما الْمَنْصُور بِاللَّه النَّاصِر بن مُحَمَّد بن النَّاصِر بن احْمَد بن المطهر بن يحيى فَأسر هَذَا صَاحب التَّرْجَمَة وسجنه بمَكَان يُقَال لَهُ الربغة فَأَنْشَأَ صَاحب التَّرْجَمَة قصيدة يتوسل بهَا أَولهَا (مَاذَا أَقُول وَمَا آتي وَمَا أذر ... فِي مدح من ضمنت مدحا لَهُ السُّور) فَلَمَّا أتمهَا بلغت إِلَى وَزِير الحابس لَهُ فَقَالَ انْظُرُوا فإذنكم تَجِدُونَ الرجل قد خرج من السجْن ببركة هَذَا الشّعْر فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَبعد خُرُوجه من السجْن مازالت أَحْوَاله مُخْتَلفَة تَارَة يقوى وَتارَة يضعف إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة ٨٧٩ تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة بذمار وَدفن بهَا مغلطاي بن قليج بن عبد الله الجكرى الحنفي الْحَافِظ عَلَاء الدَّين صَاحب التصانيف ولد بعد سنة ٦٩٠ تسعين وسِتمِائَة وَقيل سنة ٦٨٩ وَسمع من احْمَد بن علي بن دَقِيق الْعِيد أخى الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين والدبوسى وَغَيرهمَا وَأكْثر جدا من الْقِرَاءَة بِنَفسِهِ وَالسَّمَاع وَكتب الطباق ولازم الْجلَال القزويني ودرس بِالْقَاهِرَةِ فِي الحَدِيث وصنف تصانيف مِنْهَا شرح البخاري وذيل المؤتلف والمختلف والزهر الباسم فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة قَالَ ابْن رَجَب إن مصنفاته نَحْو الْمِائَة

стр. 830

وأزيد قَالَ وَأنْشد لنَفسِهِ فِي الْوَاضِح الْمُبين شعرا يدل على استهتار وَضعف فِي الدَّين قَالَ وغالب شُيُوخه الَّذين ادعى السماع مِنْهُم لَا يَصح سَمَاعه مِنْهُم قَالَ وَذكر أَنه سمع من الدمياطي وَمن تقي الدَّين بن دَقِيق الْعِيد دروسا بالكاملية فِي سنة ٧٠٢ وَابْن دَقِيق الْعِيد انْقَطع فِي سنة ٧٠١ إِلَى أَن مَاتَ وَله ذيل على تَهْذِيب الْكَمَال يكون فِي قدر الأَصْل وَاخْتَصَرَهُ مُقْتَصرا على الاعتراضات على المزي فِي نَحْو مجلدين ثمَّ فِي مُجَلد لطيف وغالب ذَلِك لَا يرد على المزي قَالَ وَكَانَ عَارِفًا بالأنساب معرفَة جَيِّدَة وَأما غَيرهَا من متعلقات الحَدِيث فَلهُ بهَا خبْرَة متوسطة وَشرح قِطْعَة من سنَن أَبى دَاوُد وَقطعَة من سنَن ابْن مَاجَه ورتب الْمُهِمَّات على أَبْوَاب الْفِقْه وصنف زَوَائِد ابْن حبَان على الصَّحِيحَيْنِ وذيل على ابْن نقطة وتصانيفه كَثِيرَة جدا مَاتَ فِي شعْبَان سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة مُوسَى بن احْمَد بن مُوسَى بن احْمَد الرداد الْمَعْرُوف بِابْن الزين اليماني الزبيدي ولد سنة ٨٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَحفظ مختصرات وَأخذ عَن الْجمال مُحَمَّد بن أَبى بكر وَعمر الْفَتى والعفيف الناشرى وبرع لَا سِيمَا فِي الْفِقْه وصنف شرحا للإرشاد وَلما فرغ من تبييضه ورام إظهاره وإقراءه وصل من الديار المصرية شرح الجوجري وَابْن أَبى شرِيف فاستأنف عملا آخر وكمل ذَلِك الشَّرْح على أحسن الْأَحْوَال وَسَماهُ الْكَوْكَب الْوَقَّاد وَدَار عَلَيْهِ الْفتيا بِبَلَدِهِ وعظمه سلاطينها فكثرت جهاته وأمواله وَمَات يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر محرم سنة ٩٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة بزبيد وَدفن بهَا

стр. 831

مُوسَى بن أَبى بكر بن سَالم التكروري ملك التكرور قدم حَاجا فِي سنة ٧٢٤ وَدخل الديار المصرية فِي ولَايَة النَّاصِر مُحَمَّد قلاون الْمُتَقَدّم ذكره وَلما أَمر بتقبيل الأَرْض قَالَ لَا أَسجد لغير الله فأعفاه النَّاصِر وقربه وأكرمه وَأحسن تَجْهِيزه إِلَى الْحجاز وَكَانَ مَعَه من الذَّهَب شَيْء كثير وَأهْدى هَدِيَّة من ذَلِك كَبِيرَة للناصر نَحْو خَمْسَة آلَاف مِثْقَال وَكَذَلِكَ أهْدى للخزانة السُّلْطَانِيَّة شَيْئا كثيرا من الذَّهَب المعدني الذي لم يصنع وَلم يدع أَمِيرا وَلَا صَاحب وَظِيفَة إِلَّا أعطَاهُ من ذَلِك فَكَانَ كَثْرَة مَا أعطَاهُ من الذَّهَب مؤثرا فِي انحطاط سعر الدِّينَار بالديار المصرية وَكَانَ كثير الْإِنْفَاق حَتَّى استغرق جَمِيع مَا مَعَه وَهُوَ مِقْدَار كَبِير نَحْو مائَة حمل وَاحْتَاجَ إلى الاقتراض من التُّجَّار وَكَانَ مُعظما عِنْد أَصْحَابه بِحَيْثُ لَا يكلمهُ أحدهم إِلَّا وَرَأسه مَكْشُوف وبقي فِي الْملك خمْسا وَعشْرين سنة حرف النُّون نَاصِر بن أَحْمد بن يُوسُف بن مَنْصُور بن فضل بن على ابْن أَحْمد بن حسن بن عبد الْمُعْطى بن على الْمَعْرُوف بِابْن مزنى بِفَتْح الْمِيم ثمَّ زاي سَاكِنة بعْدهَا نون ولد فِي الْمحرم سنة ٧٨١ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَسمع من جمَاعَة مِنْهُم ابْن عَرَفَة وَقدم الْقَاهِرَة حَاجا وَأَصله من الْمغرب ولازم الْحَافِظ بن حجر وَترْجم لَهُ شَيْخه الْمَذْكُور فَقَالَ جمع تَارِيخا لَو قدر أَن يبيضه لَكَانَ مائَة مُجَلد وَكَانَ قد مارس ذَلِك إِلَى أَن صَار أعرف النَّاس بِهِ فَإِنَّهُ جمع مِنْهُ فِي مسوداته مَالا يعد وَلَا يدْخل تَحت الْحَد وَمَات قبل تبييضه فَتفرق شذر مذر فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة

стр. 832

٨٢٣ - ثَلَاث وَعشْرين وثمان مائَة السَّيِّد النَّاصِر بن مُحَمَّد بن اسحاق بن المهدى احْمَد ابْن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد تَقْرِيبًا بعد سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف وَله تعلق بالأدب تَامّ كتعلق أهل هَذَا الْبَيْت الشريف فَإِن آل اسحق بن الْمهْدي لَا يَخْلُو كل وَاحِد مِنْهُم من فَضِيلَة فغالبهم جَامع بَين الْعلم وَالْأَدب والقليل لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا وَمن نظم صَاحب التَّرْجَمَة مَا كتبه إِلَى مهنئا بأعراس وَهُوَ ٣٣ - (يَا وحيد الْعَصْر لَا ... فَارَقت مَا عِشْت ارتياحك) (وَجرى السعد بِمَا ... تهوى وأعطاك اقتراحك) (بصباح الْعرس فانعم ... أسعد الله صباحك) وَكتب إِلَى قصيدة مطْلعهَا (تَحِيَّة ود مَا الغوالي وَعرفهَا ... بأعطر مِنْهَا وهي فواحة الْعطر) (تأرج أرجاء هى الطّيب انما ... أَتَت بمراعاة النظير من النشر) (وتسمو إِلَى سامي مقَام مُحَمَّد ... لتظفر من تَقْبِيل أنمله الْعشْر) (وحيد الْعلَا عز الشَّرِيعَة وَالْهدى ... وزينة أَرْبَاب الْفَضَائِل فِي الْعَصْر) (إمام عُلُوم سعدها وشريفها ... وفاضلها المربى فخارا على الْفَخر) وهي أَبْيَات طَوِيلَة وأجبت عَلَيْهِ بِأَبْيَات مطْلعهَا (على الْبر نجل الْبَحْر مني تَحِيَّة ... تضوع من نشر تأرج من بشر) وَهُوَ الْآن فِي الْحَيَاة وَله ميل إِلَى الخمول مَعَ حسن أخلاق ولطافة طباع وَحسن محاضرة ومروة ثمَّ مَاتَ فِي شهر شعْبَان سنة ١٢٢٠ عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف

стр. 833

نصر الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر الْجلَال أَبُو الْفَتْح التستري البغدادي الحنبلي نزيل الْقَاهِرَة ولد سنة ٧٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بِبَغْدَاد وَأخذ عَن مُحَمَّد بن السقاء والبدر الأربلي وَالشَّمْس الكرماني وَأكْثر من الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ وَولى التدريس بالمستنصرية والمجاهدية ثمَّ قدم دمشق لما شاع قدوم تيمور إِلَيْهَا فبالغوا فِي إكرامه ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فاستقر فِي تدريس الحَدِيث بهَا وتصدى للتدريس والإفتاء وَكَانَ مقتدرا على النظم والنثر وَله منظومة فِي الْفِقْه تزيد على سَبْعَة آلَاف بَيت قَالَ ابْن حجر اجْتمعت بِهِ واستفدت مِنْهُ وَسمعت من إنشائه وَقد حدث بِجَامِع المسانيد لِابْنِ الجزري وصنف فِي الْفِقْه وأصوله وَاخْتصرَ ابْن الْحَاجِب وَله فِي الْفَرَائِض أرجوزة فِي مائَة بَيت ومدائح نبوية وَله أَيْضا نظم غَرِيب الْقُرْآن وَمَات فِي عشْرين من صفر سنة ٨١٢ اثنتي عشر وثمان مائَة حرف الْهَاء السَّيِّد الْهَادِي بن إِبْرَاهِيم بن علي الملقب الْوَزير قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه مُحَمَّد وَفِي تَرْجَمَة السَّيِّد عبد الله بن على الْوَزير فَإِن نسبه ينتهي إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا تقدم ولد يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من محرم سنة ٧٥٨ ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة بِهِجْرَة الظّهْر من شظب ثمَّ ارتحل لطلب الْعلم إِلَى صعدة فَأخذ عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن عَطِيَّة النجراني وَمُحَمّد بن علي بن نَاجِي والعلامة عبد الله بن الْحسن الدواري وَعَمه السَّيِّد المرتضى بن علي وَعَمه السَّيِّد أَحْمد بن علي وارتحل

стр. 834

لسَمَاع الحَدِيث وَالْملح إِلَى مَكَّة فَسمع جَامع الْأُصُول على القاضي الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الله بن ظهيرة الْمُتَقَدّم ذكره وبرع فِي عدَّة عُلُوم وصنف تصانيف مِنْهَا كِفَايَة القانع فِي معرفَة الصَّانِع والطرازين المعلمين فِي فَضَائِل الْحَرَمَيْنِ المحرمين ورسالة فِي الرَّد على ابْن العربى وهداية الراغبين إِلَى مَذْهَب أهل الْبَيْت الطاهرين وكاشفة الْغُمَّة عَن حسن سيرة امام الْأَئِمَّة وكريمة العناصر فِي الذب عَن سيرة الإِمَام النَّاصِر وَالسُّيُوف المرهفات على من ألحد فِي الصِّفَات وَنِهَايَة التنويه فِي إزهاق التمويه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أكَابِر عُلَمَاء الزيدية وَله نظم فِي غَايَة الْحسن وَبَينه وَبَين عُلَمَاء عصره مراسلات ومكاتبات ومشاعرات واشتهر ذكره وطار صيته وَمن جملَة من كَاتبه إِسْمَاعِيل المقري الْمُتَقَدّم ذكره بقصيدة طنانة مطْلعهَا (أيملك طرفي دمعي الْيَوْم قانيا ... وَقد حلت الأشواق مني الغراليا) وَشعر صَاحب التَّرْجَمَة مَشْهُور مَوْجُود وَقد ترْجم لَهُ السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَقَالَ ذكره شَيخنَا فِي أنبائه يعْنى الْحَافِظ ابْن حجر فَقَالَ عني بالأدب ففاق فِيهِ ومدح الْمَنْصُور صَاحب صنعاء وَذكره ابْن فَهد فِي مُعْجَمه فَقَالَ إنه حدث سمع مِنْهُ الْفُضَلَاء وَله مؤلفات مِنْهَا الطرازين المعلمين فِي فَضَائِل الْحَرَمَيْنِ المحرمين وَالْقَصِيدَة البديعة فِي الْكَعْبَة اليمنية أَولهَا (سرى طيف ليلى فابتهجت بِهِ وجدا ... وتوج قلبِي من لطائفه مجدا) وَمَات يَوْم عَرَفَة سنة ٨٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة كَذَا فِي الضَّوْء اللامع وَقَالَ فِي مطلع البدور إنه توفي بذمار آخر نَهَار تَاسِع عشر

стр. 835

ذي الْحجَّة من تِلْكَ السنة وَأَظنهُ تَاسِع ذي الْحجَّة لِأَنَّهُ قَالَ بعد هَذَا إن موت صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ مَانِعا لفعل مَا يعْتَاد فِي الْعِيد فَيمكن ان يكون الزِّيَادَة من النَّاسِخ السَّيِّد الهادي بن أَحْمد بن زكي الدَّين الجرموزي اليماني أحد الرؤساء الأدباء لَهُ شعر حسن فَمِنْهُ قصيدة مكَاتبا بهَا القاضي أَحْمد بن نَاصِر المخلافي مطْلعهَا (فراقكم هاج اشتياقي وأشجاني ... وأغرا جفوني بالسهاد وأشجاني) وَبعد هَذَا الْبَيْت قَوْله (وَأبْدى سقامي فِيكُم مَا كتمته ... وَعبر شاني فِي الصَّحَابَة عَن شاني) وَمن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا (سلوه مَا غَيره من بعدي ... حَتَّى لوى وَمَا وَفِي بعهدي) وَمَا زَالَ متنقلا فِي الْأَعْمَال وَآخر مَا تولاه مَدِينَة حيس فَمَاتَ بهَا سنة ١٠٩٧ سبع وَتِسْعين وَألف السَّيِّد الهادي بن احْمَد الْجلَال أَخُو السَّيِّد الْحسن ابْن أَحْمد الْمُتَقَدّم ذكره أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُم علي بن مُحَمَّد العقيني رَحل إِلَيْهِ إِلَى مَدِينَة تعز وَسمع عَلَيْهِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا ورحل إِلَى عبد الْقَادِر بن زِيَاد الجعاشني فِي سنة ١٠٦١ فَسمع مِنْهُ صَحِيح البخاري وَسمع سنَن أَبى دَاوُد على إسحاق بن إِبْرَاهِيم بن جعمان وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة عَالما محققا مائلا إِلَى الخمول لَهُ مصنفات مِنْهَا شرح الْأَسْمَاء الْحسنى وَله مصنفات سَمَّاهُ نور السراج جعله على أبواب الْفِقْه واستكمل فِيهِ البخاري وَلَعَلَّ مَوته كَانَ

стр. 836

فِي أول الْقرن الثاني عشر هادي بن حُسَيْن القارني ثمَّ الصنعاني ولد سنة ١١٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن ثمَّ تلاه بالسبع على بعض مشائخ صنعاء فَقدم بعض الغرباء المبرزين فِي القراآت وَهُوَ الشَّيْخ علي بن عُثْمَان بن حجر الرومي فتلاه عَلَيْهِ بالسبع من أَوله إِلَى آخِره وبرع صَاحب التَّرْجَمَة فِي هَذَا الشَّأْن وَصَارَ الْآن مُنْفَردا بِهَذَا الْعلم وشيخا لغالب الْقُرَّاء من أهل صنعاء مِنْهُم من تَلا عَلَيْهِ بالسبع وَمِنْهُم من تَلا عَلَيْهِ بِبَعْضِهَا وَله خبْرَة كَامِلَة بشروح الشاطبية وَغَيرهَا من كتب الْفَنّ وَأخذ الْفِقْه عَن شَيخنَا الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي ولازمه مُدَّة وشاركني فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فبرع فِي الْفِقْه أَيْضا وَأخذ على علم النَّحْو وَالصرْف عَن جمَاعَة من مشائخ صنعاء مِنْهُم جمَاعَة من شيوخي وَأخذ علم الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث عَن شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إِسْمَاعِيل المغربي مشاركا لَهُ فِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ واستفاد فِي جَمِيع ذَلِك وَصَارَ مشاركا لعلماء الْعَصْر فِي فنونهم مَعَ تفرده عَنْهُم بِمَعْرِِفَة القراآت وَهُوَ أحد شيوخي فِي التِّلَاوَة وَأخذت عَنهُ فِي شرح الجزرية وقرأت عَلَيْهِ فِي أَيَّام الصغر فِي الملحة وَشَرحهَا ثمَّ بعد ذَلِك أَخذ عَنى فِي مسموعات مِنْهَا فِي شرحي على الْمُنْتَقى بعد أَن كتبه وَقد سمع الْآن بعضه وَهُوَ مُسْتَمر فِي السماع وَسمع من بعض البخارى وَبَعض الْأَحْكَام للْإِمَام الهادي وَهُوَ الْآن يدرس فِي عدَّة فنون مَعَ دين متين وورع وعفاف وقنوع ومحبة لمقاصد الْخَيْر ونفع الْفُقَرَاء والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس

стр. 837

وَالْوُقُوف على مُقْتَضى الشَّرْع والانجماع عَن بني الدُّنْيَا والإقبال على الطَّاعَة والتلاوة والأذكار والتزيد من التودد وَحسن الْخلق وبمجموع مَا حواه من خِصَال الْكَمَال صَار محببا إِلَى النَّاس مَقْبُولًا عِنْدهم مَعْرُوفا بالديانة والصيانة وَالْأَمَانَة وَكَثِيرًا مَا يقصدونه فِي فصل كثير من الْخُصُومَات وَتَخْصِيص التركات فَيحكم ذَلِك غَايَة الإحكام ويقنع بِمَا يطيب بِهِ نُفُوسهم وَقد يفعل ذَلِك بِدُونِ أُجْرَة وَكَثِيرًا مَا يَنُوب عَنى فِي أَعمال شَرْعِيَّة فَيقوم بهَا قيَاما تَاما ويفصلها فصلا حسنا أدام الله النَّفْع بِهِ السَّيِّد الهادي بن المطهر بن مُحَمَّد الجرموزي اليماني اُحْدُ الأدباء بالديار اليمنية المباشرين لكثير من أَعمال الدولة القاسمية ولي بِلَاد عتمة للْإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل وَمن نظمه هَذِه الأبيات (إليك الشوق والفكر ... وفيك التوق وَالذكر) (وَأَنت الْمَقْصد الْأَعْلَى ... وَأَنت السِّرّ والجهر) (وَأَنت الشُّكْر وَالسكر ... وَالريحَان والدهر) (وَمن طلعتك الغرا ... تغار الشَّمْس والبدر) (وَفِي جفنيك والأعطاف ... هام الْبيض والسمر) وَتوفى بِصَنْعَاء فِي ذي الْحجَّة سنة ١١٠٣ ثَلَاث وَإِحْدَى عشر مائَة وَدفن فِي قبَّة أَخِيه الْحسن بن المطهر بمقبرة خُزَيْمَة الْمَشْهُورَة السَّيِّد الهادي بن يحيى بن المرتضى أَخُو الإِمَام المهدي قَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم الْفَقِيه قَاسم بن أَحْمد حميد وَله تلامذة مِنْهُم صنوه

стр. 838

الإِمَام الْمهْدي وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة عَالما كَبِيرا وَمَات فِي سنة ٧٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة قبل موت أَخِيه الإِمَام الْمهْدي بِخمْس وَخمسين سنة وَهَذَا عَجِيب السَّيِّد هَاشم بن يحيى بن أَحْمد بن علي بن الْحسن بن مُحَمَّد ابْن صَلَاح بن الْحسن بن جِبْرِيل بن يحيى بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن الإِمَام الدَّاعِي يحيى بن المحسن بن مَحْفُوظ بن مُحَمَّد بن يحيى بن يحيى بن النَّاصِر ابْن الْحسن ابْن الْأَمِير عبد الله ابْن الإِمَام الْمُنْتَصر بِاللَّه ابْن الإِمَام الْمُخْتَار الْقَاسِم ابْن الإِمَام النَّاصِر ابْن الإِمَام الهادي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن علي بن أَبى طَالب ﵃ الشامي ثمَّ الصنعاني أحد الْعلمَاء الْمَشَاهِير والأدباء المجيدين ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٠٤ أَربع وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن أكَابِر علمائها كالسيد الْعَلامَة زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم والعلامة الْحُسَيْن بن مُحَمَّد المغربي وطبقتهما وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران ودرس للطلبة وانتفع بِهِ أهل صنعاء وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء كشيخنا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسحاق ابْن الإِمَام المهدي والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد القاطن وَكثير من الْعلمَاء

стр. 839

النبلاء وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِصَنْعَاء أَيَّامًا وَله شعر فائق وفصاحة زَائِدَة وَشرع فِي جمع حَاشِيَة على الْبَحْر الزخار سَمَّاهَا نُجُوم الأنظار فَكتب مِنْهَا مجلدا فِي غَايَة الإتقان وَالتَّحْقِيق وَلم تكمل وَمن مقطعاته الفائقة قَوْله (لم يبكني جور الغرام وَلَا شجى ... قبل المتيم بلبل بسجوعه) (لكنه وعد الخيال بوصله ... طرفِي فرش طَرِيقه بدموعه) وَمن ذَلِك قَوْله (قلبي قد ذاب فَلَا تحسبوا ... مبيض دمعي فض أحداقي) (فَهُوَ دم الْقلب وَلكنهَا ... قد صعدته نَار اشواقى) وَمن ذَلِك قَوْله (لاتندبن زَمنا مضى ... أبدا وَلَا دهرا تقادم) (فالدهر يَوْم وَاحِد ... وَالنَّاس من حوا وآدَم وَمَا أحسن قَوْله من أَبْيَات (وَإِذا الْقلب على الْحبّ انطوى ... فاشتراط الْقرب واللقيا غَرِيب) وَقد ترْجم لَهُ الحيمي فِي طيب السمر وَذكر من نظمه قِطْعَة مفيدة وَكَذَلِكَ ترْجم لَهُ صَاحب نسمَة السحر وَمن جملَة من ترْجم لَهُ تِلْمِيذه القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن فِي كِتَابه الذي سَمَّاهُ تحفة الأخوان وَفِي كِتَابه الذي سَمَّاهُ إتحاف الأحباب وَقَالَ فِيهِ أنه أخبرهُ ان اقرارات النِّسَاء لقرابتهن وتمليكهن لَهُم وإباحتهن وَنَحْو ذَلِك لَا يَصح عِنْده لضعف إدراكهن وَعدم خبرتهن وَحكى عَنهُ أنه وصل إِلَيْهِ بعض أهل صنعاء بقريبة لَهُ وَقد كتب مرقوما تضمن أنها ملكته أَمْوَالًا وَجَاء بِجَمَاعَة يعرفونها فَقَرَأَ عَلَيْهَا ذَلِك المرقوم فأقرت بِهِ فَقَالَ لَهَا هَل مَعَك حَلقَة فِي يدك قَالَت نعم قَالَ أُرِيد

стр. 840

أنظر إِلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ حَلقَة كَانَت بأصبعها فَقَالَ لَهَا وَهَذِه اجعليها من جملَة التَّمْلِيك فَقَالَت لَا افْعَل إنها لي وَكرر ذَلِك عَلَيْهَا فَلَنْ تسعد قَالَ فَعلمت من ذَلِك أَن الْمَرْأَة لَا تعد مَا غَابَ عَنْهَا ملكا لَهَا ثمَّ مزق الْمَكْتُوب وَأَقُول لَا ريب أَن غَالب النِّسَاء ينخدعن ويفعلن لَا سِيمَا لِلْقَرَابَةِ كَمَا يريدونه بِأَدْنَى ترغيب أَو ترهيب خُصُوصا المحجبات وَقد يُوجد فِيهِنَّ نَادرا من لَهَا من كَمَال الْإِدْرَاك ومعرفات التَّصَرُّفَات وحقائق الْأُمُور مَا للرِّجَال الكملاء وَقد رَأَيْت من ذَلِك عجائب وغرائب والذي يَنْبَغِي الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وَالْوُقُوف عِنْده وَهُوَ الْبَحْث عَن حَال الْمَرْأَة الَّتِى وَقع مِنْهَا ذَلِك فَإِن كَانَت ممارسة للتصرفات ومطلعة على حقائق الْأُمُور وفيهَا من الشدَّة والرشد مَا يذهب مَعَه مَظَنَّة التَّغْرِير عَلَيْهَا فتصرفها صَحِيح كتصرف الرِّجَال وَإِن لم يكن كَذَلِك فَالْحكم بَاطِل لِأَن وصاياها الَّتِى لَا تتَعَلَّق بقربة يَخُصهَا من حج أَو صَدَقَة أَو كَفَّارَة هُوَ الْوَاجِب وَكَذَلِكَ تخصيصها لبَعض الْقَرَابَة دون بعض بِنذر أَو هبة أَو تمْلِيك أَو إقرار يظْهر فِيهِ التوليج وَأما تصرفاتها بِالْبيعِ إِلَى الْغَيْر والمعاوضة فَالظَّاهِر الصِّحَّة وَإِذا ادَّعَت الْغبن كَانَت دَعْوَاهَا مَقْبُولَة وَإِن طابقت الْوَاقِع وَلَا يحل دَفعهَا بِمُجَرَّد كَونهَا مكلفة متولية للْبيع وَلَا غبن على مُكَلّف فَإِنَّهَا بِمن لَيْسَ بمكلف أشبه إِلَّا فِي النَّادِر وَجَرت لصَاحب التَّرْجَمَة محنة فِي أول خلَافَة الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بِسَبَب ميله إِلَى السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسحاق لما عَارض الْمَنْصُور فاختفى اياما ثمَّ بعد ذَلِك رَضِي عَنهُ الْمَنْصُور وَكَانَ يعظمه ويكرمه وَلما مرض صَاحب التَّرْجَمَة زَارَهُ إِلَى بَيته وَكَانَ مَوته فِي آخر خِلَافَته وَذَلِكَ فِي ضحوة يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر صفر سنة ١١٥٨ ثَمَان وَخمسين وَمِائَة

стр. 841

وَألف وَجَمِيع عمره أَربع وَخَمْسُونَ سنة كَمَا ذكره السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأَمِير فِي مَجْمُوع لَهُ هبة الله بن عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم بن الْمُسلم بن هبة الله الشَّيْخ شرف الدَّين ابْن البارزي الْجُهَنِىّ الحموي الشافعي ولد سنة ٦٤٥ خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع من أَبِيه وجده وإبراهيم ابْن الْخَلِيل وَابْن الْكَامِل وتفقه بِأَبِيهِ وجده أَيْضا وَابْن العديم وَابْن عبد السَّلَام وفَاق الأقران فِي الْفِقْه وَأخذ النَّاس عَنهُ فَأَكْثرُوا وَعظم قدره جدا وباشر قَضَاء حماه بِدُونِ مُقَرر وَعين لقَضَاء الديار المصرية فَلم يُوَافق وَله تصانيف مِنْهَا التَّمْيِيز فِي الْفِقْه وَشرح الشاطبية وَتَفْسِير وَكتاب السرعة فِي السَّبْعَة وَاخْتصرَ جَامع الْأُصُول مرَّتَيْنِ وَمن مُخْتَصره نقل الديبع التَّيْسِير وَله كتاب فِي الْأَحْكَام وتوضيح الحاوي وَكَانَ فصيحا وَمن لطيف كَلَامه سور حماه بربها محروس وَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَحِيل بالانعكاس قَالَ الذهبي برع فِي كل الْفُنُون وشارك فِي الْفَضَائِل وانتهت إِلَيْهِ الْإِمَامَة فِي زَمَانه وَكَانَ من بحور الْعلم قوي الذكاء مكبا على الطلب قوي التَّصَوُّر وَقَالَ الأسنوي فِي الطَّبَقَات كَانَ إماما راسخا فِي الْعلم لَهُ المصنفات العديدة المفيدة وَصَارَت إِلَيْهِ الرحلة مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من ذي الْحجَّة سنة ٧٣٨ ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة

стр. 842

حرف الْوَاو وجيهة بنت علي بن يحيى بن سُلْطَان الْأَنْصَارِيَّة الصعدية ثمَّ الْإسْكَنْدَريَّة ولدت قبل سنة ٦٤٠ أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَقَالَ ابْن رَافع والصفدي ولدت سنة ٦٣٩ وَسمعت من ابْن النحاس وَأحمد بن عبد المحسن القرافي مجلسين من حَدِيث أَبى المظفر ابْن السمعاني لسماعه مِنْهُ وَسمعت كثيرا وَأَجَازَ لَهَا جمَاعَة وَخرج لَهَا بعض أهل الحَدِيث مشيخة وَحدث عَنْهَا جمَاعَة كَثِيرَة وَمَاتَتْ فِي رَجَب سنة ٧٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بالإسكندرية ودي بِضَم الْوَاو وَفتح الدَّال ابْن حَمَّاد بن شخه الْحسنى أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة الملقب بدر الدَّين ذكره الشهَاب بن فضل الله وَأنْشد لَهُ شعرا مَقْبُولًا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي الْحَبْس سنة ٧٢٩ ومطلعه (أَنا ابْن الْكِرَام الطيبين بني عمر ... وَمن بهم فِي الجدب يسْتَنْزل الْمَطَر) وَقَالَ فِي وَصفه وَسَنَد الوادى وَسيد النادي مُقيم السنة وملبيها ورافض الرافضة ومقصيها وَكَانَ السُّلْطَان قبض عَلَيْهِ ثمَّ أطلقهُ وَلم يذكر تَارِيخ مَوته حرف الْيَاء التَّحْتِيَّة يحيى بن أَحْمد بن مظفر مؤلف الْبَيَان ترْجم لَهُ فِي مطلع البدور وَاقْتصر على ذكر اسْمه وَاسم أبيه وجده وَقَالَ إنه كَانَ عَارِفًا مُجَردا وَلم يزدْ على هَذَا وبيض لترجمته وَهُوَ أحد

стр. 843

الْعلمَاء المبرزين من الزيدية فِي علم الْفِقْه أَخذه عَن عُلَمَاء عصره كالفقيه يُوسُف ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان كَمَا صرح بذلك صَاحب التَّرْجَمَة فِي أول مُصَنفه الذي سَمَّاهُ الْبَيَان فَإِنَّهُ قَالَ وَجعلت فِيهِ مَا كَانَ مُطلقًا فَهُوَ من كتابي التَّذْكِرَة والزهور أَو مَا نقلته عَن شيخي الْمَشْهُور عَالم الزَّمَان يُوسُف بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان أَو مِمَّا استحسنته من الْبَحْر الزخار وَقد عكف الطّلبَة على كِتَابه الْمَذْكُور فِي ديار الزيدية كصنعاء وذمار وصعدة وَغَيرهَا وَصَارَ لديهم من أعظم مَا يعتمدونه فِي الْفِقْه وَمن جملَة مشايخه الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن يحيى كَمَا صرح بذلك إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد فِي طبقاته وَقَالَ إن من جملَة مصنفاته الْكَوَاكِب على التَّذْكِرَة وَالْبَيَان وَغير ذَلِك وأرخ مَوته سنة ٨٧٥ خمس وَسبعين وثمان مائَة

стр. 844

يحيى بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن حُسَيْن العامري الحرضي اليماني الشافعي ولد سنة ٨١٦ سِتّ عشرَة وثمان مائَة وَهُوَ مُحدث الْيمن وشيخها سمع من أَبى الْفَتْح المراغي بِمَكَّة وعَلى بن إِبْرَاهِيم النحوى بِالْيمن وَمُحَمّد بن أَبى الْغَيْث الكرماني بِأَبْيَات حُسَيْن وتفقه بِأَبِيهِ وَمن جملَة شُيُوخه التقي بن فَهد الْمُتَقَدّم ذكره واستفاد مِنْهُ طلبة الْعلم ورحلوا إِلَيْهِ وَله مصنفات مِنْهَا الْعدَد فِيمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ أحد فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة وغربال الزَّمَان فِي التَّارِيخ وبهجة المحافل وبغية الأماثل فِي السِّيرَة والتحفة فِي الطِّبّ والرياض المستطابة فِي معرفَة من روى فِي الصَّحِيحَيْنِ من الصَّحَابَة ومؤلفاته مَشْهُورَة مقبولة نافعة مفيدة وَمَات بحرض فِي سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة وَدفن بهَا

стр. 845

السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد تَقْرِيبًا سنة ١٠٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَهُوَ أحد أكَابِر عُلَمَاء آل الإِمَام الْقَاسِم وَلم أجد لَهُ تَرْجَمَة اسْتُفِيدَ مِنْهَا تَارِيخ مولده أَو مَوته على التَّعْيِين أَو شَيْئا من أَحْوَاله بل أهمل ذكره أهل عصره فَمن بعدهمْ وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِك وَالله أعلم ميله إِلَى الْعَمَل بِمَا فِي أُمَّهَات الحَدِيث ورده على من خَالف النُّصُوص الصَّحِيحَة وَقد رَأَيْت لَهُ مؤلفا رد بِهِ على رِسَالَة للقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره يتَضَمَّن الرَّد على أَئِمَّة الحَدِيث وسمى صَاحب التَّرْجَمَة مُؤَلفه صوارم الْيَقِين لقطع شكوك القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَهُوَ مؤلف ممتع يدل على طول بَاعَ مُصَنفه وَكَذَلِكَ رَأَيْت لَهُ مصنفا سَمَّاهُ الْإِيضَاح لما خفي من الِاتِّفَاق على تَعْظِيم صحابة الْمُصْطَفى وَوَقع بَينه وَبَين أهل عصره قلاقل بِسَبَب تظهره بِمَا تقدم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أهل الْقرن الْحَادِي عشر نعم رَأَيْت السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد ذكره فِي طبقاته مهملا لمولده ووفاته وَلكنه قَالَ أنه قَرَأَ على السَّيِّد أَحْمد بن علي الشامي وعَلى السَّيِّد الْحُسَيْن بن مُحَمَّد التهامي وَقَرَأَ الْأُصُول على أَحْمد بن صَالح العنسي وَأَجَازَ لَهُ أَحْمد بن سعد الدَّين وَذكر لَهُ رِوَايَات فِي كتب الحَدِيث قَالَ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة قَالَ وَكَانَ إماما محققا لَهُ تصانيف جليلة مِنْهَا كتاب التَّارِيخ فِي مجلدين وَشرح مَجْمُوع زيد بن علي وَهُوَ يدل على تمكن واطلاع فِي جَمِيع الْعُلُوم انْتهى مَنْقُولًا بِاخْتِصَار وَله مصنفات كَثِيرَة وَقد عَددهَا فِي آخر كِتَابه الْمُسَمّى الزهر فِي أَعْيَان الْعَصْر وسرد مِنْهَا زِيَادَة على أَرْبَعِينَ مِنْهَا مَا هُوَ فِي مجلدات وأرخ مَوته بعض الْمُتَأَخِّرين فِي سنة نَيف
следующие страницы →