Полный текст (892 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وَألف وَجَمِيع عمره أَربع وَخَمْسُونَ سنة كَمَا ذكره السَّيِّد الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأَمِير فِي مَجْمُوع لَهُ
هبة الله بن عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم بن الْمُسلم بن هبة الله الشَّيْخ شرف الدَّين ابْن البارزي الْجُهَنِىّ الحموي الشافعي
ولد سنة ٦٤٥ خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع من أَبِيه وجده وإبراهيم ابْن الْخَلِيل وَابْن الْكَامِل وتفقه بِأَبِيهِ وجده أَيْضا وَابْن العديم وَابْن عبد السَّلَام وفَاق الأقران فِي الْفِقْه وَأخذ النَّاس عَنهُ فَأَكْثرُوا وَعظم قدره جدا وباشر قَضَاء حماه بِدُونِ مُقَرر وَعين لقَضَاء الديار المصرية فَلم يُوَافق وَله تصانيف مِنْهَا التَّمْيِيز فِي الْفِقْه وَشرح الشاطبية وَتَفْسِير وَكتاب السرعة فِي السَّبْعَة وَاخْتصرَ جَامع الْأُصُول مرَّتَيْنِ وَمن مُخْتَصره نقل الديبع التَّيْسِير وَله كتاب فِي الْأَحْكَام وتوضيح الحاوي وَكَانَ فصيحا وَمن لطيف كَلَامه سور حماه بربها محروس وَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَحِيل بالانعكاس قَالَ الذهبي برع فِي كل الْفُنُون وشارك فِي الْفَضَائِل وانتهت إِلَيْهِ الْإِمَامَة فِي زَمَانه وَكَانَ من بحور الْعلم قوي الذكاء مكبا على الطلب قوي التَّصَوُّر وَقَالَ الأسنوي فِي الطَّبَقَات كَانَ إماما راسخا فِي الْعلم لَهُ المصنفات العديدة المفيدة وَصَارَت إِلَيْهِ الرحلة مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من ذي الْحجَّة سنة ٧٣٨ ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
стр. 842
حرف الْوَاو
وجيهة بنت علي بن يحيى بن سُلْطَان الْأَنْصَارِيَّة الصعدية ثمَّ الْإسْكَنْدَريَّة
ولدت قبل سنة ٦٤٠ أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَقَالَ ابْن رَافع والصفدي ولدت سنة ٦٣٩ وَسمعت من ابْن النحاس وَأحمد بن عبد المحسن القرافي مجلسين من حَدِيث أَبى المظفر ابْن السمعاني لسماعه مِنْهُ وَسمعت كثيرا وَأَجَازَ لَهَا جمَاعَة وَخرج لَهَا بعض أهل الحَدِيث مشيخة وَحدث عَنْهَا جمَاعَة كَثِيرَة وَمَاتَتْ فِي رَجَب سنة ٧٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بالإسكندرية
ودي بِضَم الْوَاو وَفتح الدَّال ابْن حَمَّاد بن شخه الْحسنى أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة الملقب بدر الدَّين
ذكره الشهَاب بن فضل الله وَأنْشد لَهُ شعرا مَقْبُولًا كتب بِهِ إِلَيْهِ فِي الْحَبْس سنة ٧٢٩ ومطلعه
(أَنا ابْن الْكِرَام الطيبين بني عمر ... وَمن بهم فِي الجدب يسْتَنْزل الْمَطَر)
وَقَالَ فِي وَصفه وَسَنَد الوادى وَسيد النادي مُقيم السنة وملبيها ورافض الرافضة ومقصيها وَكَانَ السُّلْطَان قبض عَلَيْهِ ثمَّ أطلقهُ وَلم يذكر تَارِيخ مَوته
حرف الْيَاء التَّحْتِيَّة
يحيى بن أَحْمد بن مظفر مؤلف الْبَيَان
ترْجم لَهُ فِي مطلع البدور وَاقْتصر على ذكر اسْمه وَاسم أبيه وجده وَقَالَ إنه كَانَ عَارِفًا مُجَردا وَلم يزدْ على هَذَا وبيض لترجمته وَهُوَ أحد
стр. 843
الْعلمَاء المبرزين من الزيدية فِي علم الْفِقْه أَخذه عَن عُلَمَاء عصره كالفقيه يُوسُف ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان كَمَا صرح بذلك صَاحب التَّرْجَمَة فِي أول مُصَنفه الذي سَمَّاهُ الْبَيَان فَإِنَّهُ قَالَ وَجعلت فِيهِ مَا كَانَ مُطلقًا فَهُوَ من كتابي التَّذْكِرَة والزهور أَو مَا نقلته عَن شيخي الْمَشْهُور عَالم الزَّمَان يُوسُف بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان أَو مِمَّا استحسنته من الْبَحْر الزخار
وَقد عكف الطّلبَة على كِتَابه الْمَذْكُور فِي ديار الزيدية كصنعاء وذمار وصعدة وَغَيرهَا وَصَارَ لديهم من أعظم مَا يعتمدونه فِي الْفِقْه وَمن جملَة مشايخه الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن يحيى كَمَا صرح بذلك إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد فِي طبقاته وَقَالَ إن من جملَة مصنفاته الْكَوَاكِب على التَّذْكِرَة وَالْبَيَان وَغير ذَلِك وأرخ مَوته سنة ٨٧٥ خمس وَسبعين وثمان مائَة
стр. 844
يحيى بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن حُسَيْن العامري الحرضي اليماني الشافعي
ولد سنة ٨١٦ سِتّ عشرَة وثمان مائَة وَهُوَ مُحدث الْيمن وشيخها سمع من أَبى الْفَتْح المراغي بِمَكَّة وعَلى بن إِبْرَاهِيم النحوى بِالْيمن وَمُحَمّد بن أَبى الْغَيْث الكرماني بِأَبْيَات حُسَيْن
وتفقه بِأَبِيهِ وَمن جملَة شُيُوخه التقي بن فَهد الْمُتَقَدّم ذكره واستفاد مِنْهُ طلبة الْعلم ورحلوا إِلَيْهِ وَله مصنفات
مِنْهَا الْعدَد فِيمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ أحد فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة
وغربال الزَّمَان فِي التَّارِيخ وبهجة المحافل وبغية الأماثل فِي السِّيرَة والتحفة فِي الطِّبّ والرياض المستطابة فِي معرفَة من روى فِي الصَّحِيحَيْنِ من الصَّحَابَة ومؤلفاته مَشْهُورَة مقبولة نافعة مفيدة وَمَات بحرض فِي سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وثمان مائَة وَدفن بهَا
стр. 845
السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد تَقْرِيبًا سنة ١٠٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَهُوَ أحد أكَابِر عُلَمَاء آل الإِمَام الْقَاسِم وَلم أجد لَهُ تَرْجَمَة اسْتُفِيدَ مِنْهَا تَارِيخ مولده أَو مَوته على التَّعْيِين أَو شَيْئا من أَحْوَاله بل أهمل ذكره أهل عصره فَمن بعدهمْ وَلَعَلَّ سَبَب ذَلِك وَالله أعلم ميله إِلَى الْعَمَل بِمَا فِي أُمَّهَات الحَدِيث ورده على من خَالف النُّصُوص الصَّحِيحَة وَقد رَأَيْت لَهُ مؤلفا رد بِهِ على رِسَالَة للقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمُتَقَدّم ذكره يتَضَمَّن الرَّد على أَئِمَّة الحَدِيث وسمى صَاحب التَّرْجَمَة مُؤَلفه صوارم الْيَقِين لقطع شكوك القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَهُوَ مؤلف ممتع يدل على طول بَاعَ مُصَنفه وَكَذَلِكَ رَأَيْت لَهُ مصنفا سَمَّاهُ الْإِيضَاح لما خفي من الِاتِّفَاق على تَعْظِيم صحابة الْمُصْطَفى وَوَقع بَينه وَبَين أهل عصره قلاقل بِسَبَب تظهره بِمَا تقدم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أهل الْقرن الْحَادِي عشر
نعم رَأَيْت السَّيِّد إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم بن الْمُؤَيد ذكره فِي طبقاته مهملا لمولده ووفاته وَلكنه قَالَ أنه قَرَأَ على السَّيِّد أَحْمد بن علي الشامي وعَلى السَّيِّد الْحُسَيْن بن مُحَمَّد التهامي وَقَرَأَ الْأُصُول على أَحْمد بن صَالح العنسي وَأَجَازَ لَهُ أَحْمد بن سعد الدَّين وَذكر لَهُ رِوَايَات فِي كتب الحَدِيث قَالَ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة قَالَ وَكَانَ إماما محققا لَهُ تصانيف جليلة مِنْهَا كتاب التَّارِيخ فِي مجلدين وَشرح مَجْمُوع زيد بن علي وَهُوَ يدل على تمكن واطلاع فِي جَمِيع الْعُلُوم انْتهى مَنْقُولًا بِاخْتِصَار
وَله مصنفات كَثِيرَة وَقد عَددهَا فِي آخر كِتَابه الْمُسَمّى الزهر فِي أَعْيَان الْعَصْر وسرد مِنْهَا زِيَادَة على أَرْبَعِينَ مِنْهَا مَا هُوَ فِي مجلدات وأرخ مَوته بعض الْمُتَأَخِّرين فِي سنة نَيف
стр. 846
وَثَمَانِينَ وَألف
السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد ابْن الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد الشهاري الزيدي الْعَالم الْمَشْهُور
ترْجم لَهُ وَلَده يُوسُف بن يحيى فِي نسمَة السحر وَقَالَ انه ولد بشهارة وَلم يَقع لَهُ تَارِيخ وِلَادَته
قلت وَلكنه قد وَقع لإِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم فَقَالَ فِي طبقاته أنه ولد لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ المسفر صباحه عَن رَابِع شهر الْحجَّة سنة ١٠٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَقَالَ إنه نقل ذَلِك من خط وَالِده صَاحب التَّرْجَمَة وَأخذ عَن القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين وَذكر وَلَده الْمَذْكُور فِي ذَلِك الْكتاب مَا يدل على أَن مشائخ صَاحب التَّرْجَمَة اثْنَا عشر وَلكنه لم يسم غير القاضي الْمَذْكُور ثمَّ إن صَاحب التَّرْجَمَة ارتحل إِلَى صنعاء وَكَانَ الْأَمِير بهَا إذ ذَاك عَمه السَّيِّد علي بن الْمُؤَيد فَزَوجهُ ابْنَته وَأَعْطَاهُ الدَّار الْمَعْرُوفَة إِلَى الْآن بدار حَرِير وَاسْتقر بِصَنْعَاء وَأخذ عَنهُ الطّلبَة
وَكَانَ
стр. 847
مَشْهُورا بِالْحِفْظِ وَأخذ علم الطِّبّ عَن الْحَكِيم مُحَمَّد بن صَالح الجيلاني الْمُتَقَدّم ذكره وَله منظومة تشْتَمل على عقيدة الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم صنفها فِي حَيَاته وَشَرحهَا وَجمع رِسَالَة فِي تَوْثِيق أبي خَالِد الواسطي راوي الْمَجْمُوع
وولاه الإِمَام الْمهْدي أَحْمد بن الْحسن بن الإِمَام الْقَاسِم بريم وذمار وعفار وَحج مَرَّات وَفِي آخرهَا عَاد مَرِيضا إِلَى شهارة مَحْمُولا فَمَاتَ فِي صفر سنة ١٠٩٠ تسعين وَألف وَله تلامذة نبلاء مِنْهُم القاضي أَحْمد بن نَاصِر بن عبد الْحق والأديب أَحْمد بن مُحَمَّد الآنسي الْمُتَقَدّم ذكره وَكَذَلِكَ الشَّاعِر الْمَشْهُور الْحسن بن علي بن جَابر الهبل وَكَانَ متظهراً بالرفض وثلب الأعراض المصونة من أكَابِر الصَّحَابَة وَمَشى على طَرِيقَته تلامذته وَرَأَيْت بِخَط السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن الْمَذْكُور قبله أَن صَاحب التَّرْجَمَة تواطأ هُوَ وتلامذته على حذف أَبْوَاب من مَجْمُوع زيد بن علي وَهِي مَا فِيهِ ذكر الرّفْع وَالضَّم والتأمين وَنَحْو ذَلِك ثمَّ جعلُوا نسخاً وبثوها فِي النَّاس وَهَذَا أَمر عَظِيم وَجِنَايَة كَبِيرَة وَفِي ذَلِك دلَالَة على مزِيد الْجَهْل وفرط التعصب وَهَذِه النسخ الَّتِى بثوها فِي النَّاس مَوْجُودَة الْآن فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَله نظم أوردهُ وَلَده فِي نسمَة السحر وَهُوَ
(لحى الله شخصا يرتضي بمهانة ... ذليلا مهانا عَاجز النَّفس حائرا)
(مرج لشخص كل يَوْم وَلَيْلَة ... وَرَبك رب الْعَرْش يَكْفِيك ناصرا)
السَّيِّد يحيى بن الْحُسَيْن بن يحيى بن علي بن الْحُسَيْن مُصَنف الياقوتة والجوهرة
الْمَشْهُور الْمَذْكُور فِي كتب الْفِقْه
وَمن مؤلفاته اللّبَاب فِي الْفِقْه وَتوفى سنة ٧٢٩ تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة عَن نَيف وَسِتِّينَ سنة وَدفن
стр. 848
بجوار جَامع صنعاء بِمحل يُقَال لَهُ العوسجة
الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه يحيى بن حَمْزَة بن علي بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إدريس بن علي بن جَعْفَر بن علي
ابْن علي بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن علي بن الْحُسَيْن السبط بن علي بن أَبى طَالب ﵃ ولد بِمَدِينَة صنعاء سَابِع وَعشْرين من صفر سنة ٦٦٩ تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واشتغل بالمعارف العلمية وَهُوَ صبي فَأخذ فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا على أكَابِر عُلَمَاء الديار اليمنية وتبحر فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق أقرانه وصنف التصانيف الحافلة فِي جَمِيع الْفُنُون فَمِنْهَا الشَّامِل فِي أَربع مجلدات وَنِهَايَة الْوُصُول إِلَى علم الْأُصُول ثَلَاث مجلدات والتمهيد لعلوم الْعدْل والتوحيد مجلدان وَالتَّحْقِيق فِي الأكفار والتفسيق مُجَلد والمعالم مُجَلد هَذِه جَمِيعهَا فِي أصُول الدَّين
وَفِي أصُول الْفِقْه الحاوي فِي ثَلَاث مجلدات وَفِي النَّحْو الاقتصاد فِي مُجَلد والحاصر لفوائد مُقَدّمَة طَاهِر مُجَلد والمنهاج مجلدان والمحصل فِي شرح أسرار الْمفصل ارْبَعْ مجلدات وَفِي علم الْمعَانى وَالْبَيَان الإيجاز فِي مجلدين والطراز مجلدان وَفِي الْفِقْه الِانْتِصَار ثَمَانِيَة عشر مجلدا والاختيارات مُجَلد وَمن مصنفاته الْأَنْوَار
стр. 849
المضية شرح الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة على السيلقية مجلدان والسيلقية هي الْمَعْرُوفَة عِنْد الْمُحدثين بالودعانية وَله الديباج الوضي فِي شرح كَلَام الرضي من كَلَام علي بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه وَله فِي علم الْفَرَائِض الْإِيضَاح لمعانى الْمِفْتَاح مُجَلد والتصفية فِي الزّهْد مُجَلد والقانون الْمُحَقق فِي علم الْمنطق وَالْجَوَاب الْقَاطِع للتمويه عَمَّا يرد على الْحِكْمَة والتنزيه وَالْجَوَاب الرايق فِي تَنْزِيه الْخَالِق والجوابات الوافية بالبراهين الشافية والكاشف للغمة عَن الِاعْتِرَاض عَن الْأمة والرسالة الوازعة لذوى الْأَلْبَاب عَن فرط الشَّك والارتياب والرسالة الوازعة للمعتدين عَن سب أَصْحَاب سيد الْمُرْسلين وَله غير ذَلِك من المصنفات الْكَثِيرَة حَتَّى قيل أَنَّهَا بلغت إِلَى مائَة مُجَلد ويروى أَنَّهَا زَادَت كراريس تصانيفه على عدد أَيَّام عمره وَهُوَ من أكَابِر أَئِمَّة الزيدية بالديار اليمنية وَله ميل إِلَى الْإِنْصَاف مَعَ طَهَارَة لِسَان وسلامة صدر وَعدم إقدام على التَّكْفِير والتفسيق بالتأويل ومبالغة فِي الْحمل على السَّلامَة على وَجه حسن وَهُوَ كثير الذب عَن أَعْرَاض الصَّحَابَة المصونة ﵃ وَعَن أكَابِر عُلَمَاء الطوايف ﵏ وَقد دَعَا إِلَى نَفسه عقب موت الإِمَام المهدي مُحَمَّد بن المطهر الْمُتَقَدّم ذكره وعارضه الإِمَام علي بن صَلَاح بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدَّين وَالْإِمَام الواثق المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر الفصيح الْمَشْهُور صَاحب الرسَالَة المتداولة إِلَى شرحها الحيمي من الْمُتَأَخِّرين وَمن جملَة المعارضين لَهُ السَّيِّد أَحْمد بن على ابْن أبي الْفَتْح الديلمي وَلَكِن أجَاب النَّاس فِي الديار اليمنية دَعْوَة صَاحب التَّرْجَمَة وَلم يلتفتوا إِلَى غَيره وَكَانَ من الْأَئِمَّة العادلين الزاهدين فِي الدُّنْيَا المتقللين مِنْهَا وَهُوَ مَشْهُور بإجابة الدعْوَة وَله كرامات
стр. 850
عديدة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِمَّن جمع الله لَهُ بَين الْعلم وَالْعَمَل وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَمَات فِي سنة ٧٠٥ خمس وَسَبْعمائة بِمَدِينَة ذمار وَدفن بهَا وقبره الْآن مَشْهُور مزورو مِمَّا شاع على الألسن أنه إِذا دخل رجل يزوره وَمَعَهُ شَيْء من الْحَدِيد لم تعْمل فِيهِ النَّار بعد ذَلِك وَقد جربت ذَلِك فَلم يَصح وَكَذَلِكَ اشْتهر انه إِذا دخل شَيْء من الْحَيَّات قُبَّته مَاتَ من حِينه
يحيى بن صَالح بن يحيى الشجري ثمَّ الصنعاني الْمَعْرُوف بالسحولي
ولد فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة ١١٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ عَن وَالِده وَعَن جمَاعَة من الْعلمَاء فِي الْفِقْه وَفِي الحَدِيث عَن السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن لطف الباري الكبسي الْمُتَقَدّم
стр. 851
ذكره وبرع فِي الْفُرُوع وشارك فِي غَيرهَا واتصل بِالْإِمَامِ الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فولاه الْقَضَاء فباشر بصرامة وشهامة وفطانة وَهُوَ دون الْعشْرين ففاق على المباشرين للْقَضَاء وَتقدم عَلَيْهِم وتصدر فِي الدِّيوَان وَفِيه عُلَمَاء أكَابِر كالسيد الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم ذكره وبهر النَّاس بِحسن تصرفه وجودة ذكائه وَحفظه لقضايا الشجار واستحضاره لما تقدم عَهده مِنْهَا فقر بِهِ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وعظمه وفوض إِلَيْهِ غَالب أُمُور الْقَضَاء فَلَمَّا مَاتَ الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه فِي سنة ١١٦١ وَقَامَ بعده وَلَده الإِمَام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن بَالغ فِي تَعْظِيم صَاحب التَّرْجَمَة وَضم إِلَيْهِ الوزارة إِلَى الْقَضَاء وَصَارَ غَالب أُمُور الْخلَافَة تَدور عَلَيْهِ وعظمت هيبته فِي الْقُلُوب واشتهر صيته وطار ذكره فاستمر كَذَلِك إِلَى سنة ١١٧٢ فنكبه الإِمَام المهدي واستأصل غَالب أَمْوَاله وسجنه فاستمر مسجوناً أعواما ثمَّ أفرج عَنهُ وَلزِمَ بَيته وَالنَّاس يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ لأخذ الْعلم عَنهُ ويستفتونه فِي المعضلات فاستمر كَذَلِك حَتَّى مَاتَ الإِمَام المهدي فِي سنة ١١٨٩ وَصَارَت الْخلَافَة إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس حفظه الله فَأَعَادَ صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الْقَضَاء الْأَكْبَر وفوض إِلَيْهِ جَمِيع مَا يتَعَلَّق بذلك وَصَارَ إِلَيْهِ الْمرجع من جَمِيع قُضَاة الديار اليمانية فباشر ذَلِك بِحرْمَة وافرة ومهابة زَائِدَة وفخامة عَظِيمَة وَصَارَ المتصدر فِي الدِّيوَان وَلَيْسَ لأحد من الْقُضَاة مَعَه كَلَام بل مَا أبرمه لَا يطْمع أحد فِي نقضه وَمَا أبْطلهُ لَا يقدر غَيره على تَصْحِيحه وَكَانَ الْخَلِيفَة حفظه الله يشاوره فِيمَا يعرض من الْأُمُور المهمة الْخَاصَّة بِأُمُور الْخلَافَة بل كَانَ الوزراء جَمِيعًا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ ويعملون بِمَا يرشدهم إِلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ صَدرا من الصُّدُور متأهلا للرياسة ذَا دراية
стр. 852
بالأمور قد حنكته التجارب ومارس جَمِيع الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بالمملكة وَعرف أَحْوَال النَّاس وأحاط بِجَمِيعِ الْأُمُور الْعُرْفِيَّة مَعَ فطنة عَظِيمَة وذكاوة مفرطة وحافظة باهرة حَتَّى اشْتهر فِي النَّاس بِأَنَّهُ إِذا ذهب سجل من أسجال الْخُصُومَات على رجل متمسك بِهِ وَجَاء إِلَيْهِ بعد سِنِين كتبه بِلَفْظِهِ لَا من ديوَان يجمع فِيهِ مَا يتَّفق من ذَلِك بل من حفظه وَهَذَا شَيْء يتقاصر عَنهُ غَالب الْقدر البشرية وَكَانَ لعظمته فِي الصُّدُور وجلالته عِنْد الْجُمْهُور بِمحل يقصر عَنهُ الْوَصْف بل كَانَ يُقَال فِي حَيَاته إنه إِذا مَاتَ اخْتَلَّ نظام المملكة فضلا عَن نظام الْقَضَاء وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ لَهُ اطلَاع تَامّ على كتب الْأَئِمَّة وَسَائِر عُلَمَاء الزيدية وشغلة عَظِيمَة بذلك وَكَذَلِكَ بغَيْرهَا فَإِنَّهُ كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ جمَاعَة من عُلَمَاء صنعاء فِي صَحِيح مُسلم وَفِيه من سَعَة الصَّدْر وَحسن الْخلق وَكَمَال السياسة وجودة الرأى مالم يسمع بِمثلِهِ فِي أهل الْعَصْر وَالْحَاصِل أنه من رجال الدَّهْر حزما وعزما وإقداما وإحجاما ودهاء وتوددا وخبرة ورياسة وسياسة وجلالة ومهابة وفصاحة ورجاحة وشهامة وَلما مَاتَ فِي أول يَوْم من رَجَب سنة ١٢٠٩ تسع وَمِائَتَيْنِ وَألف أمرنى مولاى الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه حفظه الله بِالْقيامِ بِمَا كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يقوم بِهِ من الْقَضَاء حَسْبَمَا شرحته فِي تَرْجَمَة مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله من هَذَا الْكتاب وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة رسائل وفتاوى رَأَيْتهَا مَجْمُوعَة فِي مُجَلد لطيف وَله رِسَالَة سَمَّاهَا التثبيت وَالْجَوَاز أجَاب بهَا على اعْتِرَاض الْعَلامَة الْحسن الْجلَال على مؤلف القاضي الْعَلامَة إِبْرَاهِيم بن يحيى السحولي الذي جمعه فِي اسناد الْمَذْهَب وَسَماهُ الطّراز الْمَذْهَب وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم كنظم الْعلمَاء وَمِنْه مَا كتبه إِلَى قبل مَوته بِنَحْوِ
стр. 853
سنة ابتلاء وَلم يكن بيني وَبَينه اتِّصَال بل لم أجتمع بِهِ قط وَهُوَ
стр. 854
(يَا أَنْفَع النَّاس فِي التدريس فِي الْبَلَد ... وباذلا نَفسه فِي طَاعَة الصَّمد)
(وَيَا جمال أولى التَّحْقِيق عَن كمل ... على تواضع هَل الْفضل والرشد)
(وَمن لَهُ الْقلب يقْضى بالمحبة فِي ... حب الْمُهَيْمِن لَا زَالَت على الْأَبَد)
(بقيت تحيي ربوع الْعلم مُجْتَهدا ... فِي نشرها عَن أولي التَّحْقِيق والسند)
(وَلَا شغلت بآفات الْعُلُوم وَلَا ... بَرحت فِي اللطف من خلاقنا الْأَحَد)
وهي أَبْيَات أَكثر من هَذَا فأجبته بقولى
(يامن لَهُ فِي المعالي أرفع السَّنَد ... وَمن غَدا بِاتِّفَاق بَيْضَة الْبَلَد)
(نظامك الدر يَا ابْن الأكرمين أَتَى ... أهداه خير أَب بر إِلَى ولد)
(لَا زلت تفري أَدِيم الْجَهْل عَن نفر ... لَا يعرفوا الْفرق بَين النَّقْد والنقد)
(ودمت ترفع من رام التوثب فِي ... مسارح الشَّرْع عطلانا عَن الْعدَد)
(لولاك صَار القضافي الْعَصْر ملعبة ... سياسة باسم شرع الْوَاحِد الصَّمد)
стр. 855
(فَالله يبقيك تحيي من مراسمه ... معاهدا وتحوط الدَّين عَن أود)
يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن صَالح بن علي بن عمر بن عقيل بِفَتْح الْمُهْملَة ابْن زرمان بِتَقْدِيم الزَّاي العجيسي البُخَارِيّ
المالكي نزيل الْقَاهِرَة الْمَعْرُوف بالعجيسي ولد فِي سنة ٧٧٧ سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بِأَرْض عجيسة وَمكث فِي بطن أمه أَربع سِنِين وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وكتبا ثمَّ ارتحل للطلب إِلَى بجاية فَأخذ عَن يَعْقُوب بن يُوسُف والزواوي وَابْن صابر ثمَّ جال فِي مَدَائِن الْمغرب فَأخذ عَن أَحْمد بن الْخَطِيب وَابْن عَرَفَة وأبي عبد الله المراكشى وَجَمَاعَة عدَّة فِي فنون كَثِيرَة ثمَّ رَحل إِلَى بِلَاد الشرق فَدخل قابس وطرابلس وإسكندرية فلقي أَهلهَا وَأخذ عَنْهُم
وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ الْبَدْر بن الدماميني وَدخل الْقَاهِرَة ثمَّ حج وزار وَرجع إِلَى دمشق وحلب وَسَائِر مَدَائِن الشَّام وَاسْتقر بِالْقَاهِرَةِ متقيدا للإقراء والتأليف والمطالعة وَمن جملَة مصنفاته شُرُوح عدَّة كتبهَا على الألفية وَاحِد مِنْهَا فِي أَربع مجلدات وَعمل تذكرة فِيهَا فَوَائِد وَكَانَ مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاء ابْن الْهمام ودرس بعده بعده مدارس وَكَانَ حَافِظًا للْأَخْبَار والنوادر فَكَانَ يسْرد أَخْبَار الصَّحَابَة من الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر سردا حلوا حَتَّى يكَاد يَأْتِي على جَمِيع مافيه وَمَات فِي يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة ٨٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ
يحيى بن علي بن مُحَمَّد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني
أَخُو مؤلف هَذَا الْكتاب قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده ولد ضحوة يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر رَجَب سنة ١١٩٠
стр. 856
تسعين وَمِائَة وَألف بِصَنْعَاء وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على جمَاعَة من المتصدرين الْآن بِجَامِع صنعاء كالعلامة مُحَمَّد بن علي السودي الْمُتَقَدّم ذكره والعلامة سعيد بن إِسْمَاعِيل الرشيدي وَآخَرين وَهُوَ الْآن قد قَرَأَ عدَّة من كتب النَّحْو وَالصرْف والمنطق وَالْفِقْه وَبَعض مختصرات الْأُصُول وَله عناية كَامِلَة بِهَذَا الشَّأْن ورغبة ونشاط وإقبال على الطَّاعَة ورصانة وَحفظ اللِّسَان عَن الفلتات الَّتِى لَا يَخْلُو عَنْهَا غَالب أَمْثَاله ونجابة كَامِلَة وذهن وقاد وفكر إِلَى إدراك الْحَقَائِق منقاد وَحسن سمت وقنوع وعفاف ومحاسن أَوْصَاف فتح الله عَلَيْهِ بالمعارف وَجعله من الْعلمَاء العاملين
وَبعد هَذَا قَرَأَ على جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كالسيد الْعَلامَة الْحسن بن يحيى الكبسي والقاضي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم والقاضي الْعَلامَة الْحُسَيْن بن أَحْمد السياغي واستفاد فِي عُلُوم الِاجْتِهَاد وَصَارَ من عُلَمَاء الْعَصْر وَقَرَأَ علي فِي مصنفاتي وَغَيرهَا وَصَارَ الْآن يقرئ الطّلبَة فِي عُلُوم مُتعَدِّدَة آلية وتفسيرية وحديثية كالأمهات وَغَيرهَا وَقد سمع مني الْأُمَّهَات وَغَيرهَا من كتب الحَدِيث وَسمع مني تَفْسِير الزمخشري والمطول وحواشيهما والرضي فِي النَّحْو وَغير ذَلِك وَمن كتب الْآل الْأَحْكَام للْإِمَام الهادي وأمالي أَحْمد بن عِيسَى والتجريد للْإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه وشفاء الْأَمِير الْحُسَيْن وَغير ذَلِك وَسمع مني من مؤلفاتي السَّيْل الجرار ونيل الأوطار وتحفة الذَّاكِرِينَ بعدة الْحصن الْحصين وتفسيري الْمُسَمّى فتح الْقَدِير الْجَامِع بَين فني الرِّوَايَة والدراية من علم التَّفْسِير وَغَيرهَا وَقد أَخذ عَنى الْعُلُوم بطرِيق السماع ثمَّ أكدت ذَلِك بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّة لَهُ فِي جَمِيع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ كتابي الذي سميته إتحاف الأكابر بِإِسْنَاد الدفاتر وَجَمِيع مصنفاتي وَجَمِيع مالى من نظم ونثر وَهُوَ كثر الله
стр. 857
فَوَائده ومتع بحياته جيد النظم إِلَى الْغَايَة القصوى وَله من ذَلِك قصائد فرايد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَسَنَة من حَسَنَات الزَّمن وفرد من أَفْرَاد قطر الْيمن وَله شُيُوخ غير من ذكرته سَابِقًا كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الحرازي شَيخنَا ﵀ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوع والقاضي الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد البهكلي فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي النَّحْو والقاضي الْعَلامَة حُسَيْن بن مُحَمَّد الْعَنسِي قَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْمنطق والنحو وَالْأُصُول وَسَيِّدنَا الْعَلامَة يحيى بن مُحَمَّد الحبوري ﵀ قَرَأَ عَلَيْهِ فِي النَّحْو وسيدي الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرب بن مُحَمَّد بن زيد قَرَأَ عَلَيْهِ فِي النَّحْو وَقد برع فِي كثير من الْعُلُوم زَاده كمالا
السَّيِّد يحيى بن الْقَاسِم بن عمر بن علي العلوي الْحسنى اليماني الصنعاني عز الدَّين
ولد سنة ٦٨٠ ثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقَرَأَ على مشائخ الْيمن ثمَّ ارتحل إِلَى بَغْدَاد وَالشَّام وخراسان وَقَرَأَ على عُلَمَاء هَذِه الديار وبرع فِي عُلُوم كَثِيرَة وَأكْثر الِاشْتِغَال بالكشاف وصنف حَاشِيَته الْمَشْهُورَة بحاشية العلوي وَهُوَ الذي يُشِير إِلَيْهِ الْمُتَأَخّرُونَ بالفاضل الْيُمْنَى وَتارَة بالفاضل العلوي وَقد تَرْجمهُ الصفدي وَذكر قدومه عَلَيْهِم إِلَى الشَّام فِي سنة ٧٤٩ وَلم يذكرهُ ابْن حجر فِي الدُّرَر الكامنة فَهُوَ مِمَّن فَاتَهُ من الأكابر الْمَشْهُورين وَذكر صَاحب مطلع البدور أَنه يُقَال إن قبر صَاحب التَّرْجَمَة بِجِهَة اللجب من الشرق الْأَشْرَف أحد الْمَوَاضِع الْمَشْهُورَة بِالْيمن قَالَ وتسميه أهل اللجب الشولبي قَالَ وَذكر بعض المطلعين على التَّارِيخ أَنه مَاتَ قَافِلًا من رحلته الْكَبِيرَة بالشرحة وَلَعَلَّ الذي فِي اللجب مؤلف سيرة الإِمَام على بن
стр. 858
صَلَاح فَالله أعلم
وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة السائر الْمَشْهُور قَوْله
(إن الْمفصل والمفتاح قد شغلا ... صباي واستغرقا بالدرس أوقاتى)
(وَوَافَقَ الْفَائِق الْكَشَّاف آونة ... مَعَ الأساس على كدي وأعناتى)
(وَلَا تسل عَن داووين القريض ودع ... ذكر المقامات عَنى والمقالات)
(وَالله يعلم مَا عنيت من تَعب ... فِي الجامعين وَتَخْرِيج الزِّيَادَات)
(وَفِي الْأُصُول وَفِي فن الْخلاف على ... رأي العميدي ثمَّ الأبهريات)
(وخضت فِي أبحر الرَّازِيّ أعبر من ... شرح الْعُيُون إِلَى شرح الإشارات)
(وَكم نسخت وَكم صححت من نسخ ... وَكم تصرفت فِي محو وَإِثْبَات
(وَكم لقِيت شُيُوخًا برزوا قدما ... فِي الصَّالِحَات وفاقوا فِي الرِّوَايَات)
(فَمَا اسْتَفَدْت بِمَا حصلت فِي عمري ... سوى عقارب تؤذيني وحيات)
(والآن سن أشدي قد أرتني من ... وَخط المشيب على فودي آيَات)
(وَالله أسأَل تَوْفِيقًا يعين على ... قَضَاء مافات من فرض الْعِبَادَات)
(وتوبة من معاصي سودت صحفي ... وغرقتني فِي لج الخطيئات)
(فَتلك عصبَة دهر مَا يسوغ بهَا ... لي مطعم فِي غدوي والعشيات)
يحيى بن مُحَمَّد بن حسن بن حميد بن مَسْعُود المقراي بَلَدا الحارثي المدحجي نسبا الزيدي مذهبا
ولد سنة ٩٠٨ ثَمَان وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن أَحْمد مرغم وَمُحَمّد بن يحيى بهران وَمُحَمّد بن أَبى بكر الشافعي وَغَيرهم ورحل إِلَى مَكَّة ولقي ابْن حجر الهيثمي وَسَأَلَهُ بمسائل وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء وَله مصنفات مِنْهَا شرح الأثمار سَمَّاهُ الوابل المغرار وَمِنْهَا الْفَتْح وَشَرحه والتوضيح ومصباح الْفَرَائِض وَشَرحه ونزهة الأنظار وَمَات
стр. 859
فِي رَجَب سنة ٩٩٠ تسعين وَتِسْعمِائَة
يحيى بن مُحَمَّد بن سعيد بن فلاح بن عمر الشرف العبسي القاهري الشافعي الْمَعْرُوف بالقباني
ولد فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٢٧ سبع وَعشْرين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ فحفظ الْقُرْآن ومختصرات كَثِيرَة وتلا بالسبع على جمَاعَة وَأخذ عَن آخَرين كالحافظ بن حجر والمناوي وَالْعلم البلقيني وَابْن الْهمام والجلال الْمحلى وَطلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَتردد إِلَى الشُّيُوخ كالرشيدى والصالحى وَحج وجاور وَأخذ عَن المراغي والتقي بن فَهد وَله مصنفات مِنْهَا بشرى الْأَنَام بسيرة خير الْأَنَام وبغبة السؤول فِي مدح الرَّسُول وَالْكَوَاكِب المضية فِي مدح خير الْبَريَّة وَالْمَجْمُوع الْحسن من الْخلق الْحسن وَفتح الْمُنعم على مُسلم والابتهاج على الْمِنْهَاج وَغير ذَلِك وَعرض لَهُ وسواس حَتَّى قرب من حد الْجُنُون وَزَاد ذَلِك حَتَّى تضعضع حَاله حَتَّى مَاتَ فِي ذي الْحجَّة سنة ٩٠٠ تِسْعمائَة
السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد الصنعاني
أَخذ الْعلم بِصَنْعَاء عَن جمَاعَة من الْعلمَاء وشارك فِي الْفِقْه وَغَيره وَكَانَ أحد قُضَاة الحضرة الإمامية بل كَانَ رَئِيس الْقُضَاة وَلكنه لم يكن بِيَدِهِ من الْأَمر شَيْء مَعَ القاضي الْعَلامَة يحيى بن صَالح السحولي وَكَانَ سَاكِنا وقورا قَلِيل الْخلاف غير محب للرياسة وَلَا مُقْتَحِمًا للأمور الخطرة فِي فصل الْخُصُومَات وَلَو أَرَادَ ذَلِك لَكَانَ لَهُ يَد قَوِيَّة وصولة عَظِيمَة لكَونه من آل الإِمَام ولعلو سنه
وَكَانَ غَالب اشْتِغَاله بالطب والمعول
стр. 860
عَلَيْهِ فِي صنعاء فِي مداواة المرضى وَفِيه بركَة ظَاهِرَة قل أَن يداوي مَرِيضا فَلَا يشفى وَلم يكن ليَأْخُذ على ذَلِك أجرا بل قد يسمح بأدوية لَهَا قيمَة وَمِقْدَار لكثير من الْفُقَرَاء وَله مَا جريات فِي العلاجات يتواصفها النَّاس فَمِنْهَا مَا أخبرني بِهِ بعض الثِّقَات أَن رجلا حصل مَعَه مرض وورمت عضداه حَتَّى صارتا فِي الْعظم والصلابة بِحَيْثُ إِذا غمزتا بالإصبع غمزا شَدِيدا لَا تدخل فيهمَا وَلَا يظْهر لذَلِك أثر فَذهب الْمخبر لي إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة وَوصف لَهُ ذَلِك فَقَالَ هَذَا الْمَرَض سَببه أَنه وضع قلنسوته الَّتِى تباشر رَأسه وتتلوث بالعرق فلدغتها عقرب فَصَارَ فِيهَا شَيْء من السم ثمَّ وضع بعد ذَلِك القلنسوة على رَأسه وعرق فتنزل ذَلِك فِي مسام الشّعْر واحتقن بالعضدين فَهُوَ لَا شك ميت فَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكره من موت ذَلِك الْمَرِيض
وَله من ذَلِك عجائب وغرائب مَعَ أَنه لم يَأْخُذ علم الطِّبّ عَن شُيُوخ مشهورين بل كَانَت فايدته بالمطالعة والتجريب المتكرر والممارسة وَلم يخلف بعده مثله بِحَيْثُ كثر تأسف النَّاس عَلَيْهِ وَمن جملَة مَا اتفق باطلاعي أَنه حصل مَعَ الْوَالِد ﵀ انتفاخ فِي الْبَطن وتقلص شَدِيد فَكتبت إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة أصف لَهُ ذَلِك فَأجَاب أَنه يحسن أَن يشرب مَاء ورد بعد أَن يخلط بِهِ بزر قطنا فعجبت من ذَلِك وَقلت فِي نفسي هَذَا الدَّوَاء إنما يصلح لمن كَانَ محروراً وانتفاخ الْبَطن لَا يكو إِلَّا من الْبُرُودَة وهممت أَن لَا أظهر ذَلِك للوالد فَزَاد مَرضه حَتَّى خشيت عَلَيْهِ أَن يَمُوت فعرفته بِمَا وَصفه صَاحب التَّرْجَمَة من الدَّوَاء فاستدعاه وشربه فشفي من سَاعَته وَذهب أثر الانتفاخ مَعَ أَن عمره حِينَئِذٍ فِي نَحْو السّبْعين سنة وَمَات صَاحب التَّرْجَمَة فِي غرَّة شهر رَجَب سنة ١٢٠١ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وَألف
стр. 861
السَّيِّد يحيى بن مُحَمَّد الحوثي ثمَّ الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٦٠ سِتِّينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير أَو بعْدهَا بِيَسِير وَنَشَأ بِصَنْعَاء فاشتغل بِعلم الْفَرَائِض والحساب وَالضَّرْب والمساحة ففاق فِي ذَلِك أهل عصره وَتفرد بِهِ وَلم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد وَصَارَ النَّاس عيالا عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَلم يكن لَهُ بِغَيْر هَذَا الْعلم إلمام مَعَ أَنه قد توجه إِلَى الطلب وَلَكِن كَانَ كل حَظه فِي هَذَا الْعلم وَهُوَ رجل خاشع متواضع كثير الْأَذْكَار سليم الصَّدْر إِلَى غَايَة يَعْتَرِيه فِي بعض الْأَحْوَال حِدة مفرطة وَكَانَ قد حصل مَعَه جُنُون فِي أَيَّام شبابه ثمَّ عافاه الله من ذَلِك وَمَا زَالَ مواظبا على الْخَيْر لكنه قَلِيل ذَات الْيَد بِمَا يضيق صَدره لذَلِك مَعَ كَثْرَة عائلته وَيسر الله لَهُ مَا يقوم بِهِ بعد مزِيد امتحان وَهُوَ شيخى فِي علم أخذت عَنهُ علم الْفَرَائِض والوصايا وَالضَّرْب والمساحة
وَفِي لَيْلَة رَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة ١٢١٦ ثارت بِسَبَبِهِ فتْنَة عَظِيمَة بِصَنْعَاء وَذَلِكَ أن بعض أهل الدولة مِمَّن يتظهر بالتشيع مَعَ الْجَهْل المفرط والرفض بَاطِنا أقعد صَاحب التَّرْجَمَة على الكرسي الذي يقْعد عَلَيْهِ أكَابِر الْعلمَاء المتصدرون للوعظ وَأمره أَن يملي على الْعَامَّة كتاب تفريج الكروب للسَّيِّد إسحاق بن يُوسُف المتَوَكل الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ فِي مَنَاقِب علي كرم الله وَجهه وَلَكِن لم يتَوَقَّف صَاحب التَّرْجَمَة على مَا فِيهِ بل جَاوز ذَلِك إِلَى سب بعض السلف مُطَابقَة لغَرَض من حمله على ذَلِك لقصد الإغاظة لبَعض أهل الدولة المنتسبين إِلَى بني أُميَّة كل ذَلِك لما بَين الرجلَيْن من المنافسة على الدُّنْيَا والمهافتة على الْقرب من الدولة وعَلى جمع الحطام فَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يصْرخ باللعن على الكرسي فيصرخ مَعَه من
стр. 862
يحضر لَدَيْهِ من الْعَامَّة وهم جمع جم وَسبب حضورهم هُوَ النظر إِلَى مَا كَانَ يسرج من الشمع وَإِلَى الكرسي لبعد عَهدهم بِهِ وَلَيْسوا مِمَّن يرغب فِي الْعلم فَكَانَ يرتج الْجَامِع وَيكثر الرهج ويرتفع الصُّرَاخ وَمَعَ هَذَا فَصَاحب التَّرْجَمَة لَا يفهم مَا فِي الْكتاب لفظا وَلَا معنى بل يصحف تصحيفا كثيرا ويلحن لحنا فَاحِشا ويعبر بالعبارت الَّتِى يعتادها الْعَامَّة ويتحاورون بهَا فِي الْأَسْوَاق وَقد كَانَ فِي سَائِر الْأَيَّام يجْتَمع مَعَهم ويملي عَلَيْهِم على الصفة الَّتِى قدمنَا ذكرهَا فِي مَسْجِد الإِمَام صَلَاح الدَّين فَأَرَادَ أن يكون ذَلِك فِي جَامع صنعاء الذي هُوَ مجمع النَّاس وَمحل الْعلمَاء والتعليم لقصد نشر اللَّعْن والثلب والتظاهر بِهِ فَلَمَّا بلغ ذَلِك مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله جعل إشارة مِنْهُ إِلَى عَامل الْأَوْقَاف السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن الشامي أنه يَأْمر صَاحب التَّرْجَمَة أن يرجع إِلَى مَسْجِد صَلَاح الدَّين فَأمر السَّيِّد الْمَذْكُور الْفَقِيه أَحْمد بن محسن حَاتِم رَئِيس المأذنة أَن يبلغ ذَلِك إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة فأبلغه فَحَضَرَ الْعَامَّة تِلْكَ اللَّيْلَة على الْعَادة وَمَعَهُمْ جمَاعَة من الْفُقَهَاء الَّذين وَقع الظُّلم بِهَذَا الِاسْم باطلاقه عَلَيْهِم فَإِنَّهُ أَجْهَل من الْعَامَّة فَلَمَّا لم يحضر صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْوَقْت الْمُعْتَاد لذَلِك وَهُوَ قبل صَلَاة الْعشَاء ثَارُوا فِي الْجَامِع وَرفعُوا أَصْوَاتهم باللعن وَمنعُوا من إِقَامَة صَلَاة الْعشَاء ثمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِم من فِي نَفسه دغل للدولة أَو متستر بالرفض ثمَّ اقْتدى بهم سَائِر الْعَامَّة فَخَرجُوا من الْجَامِع يصرخون فِي الشوارع بلعن الْأَمْوَات والأحياء وَقد صَارُوا ألوفا مؤلفة ثمَّ قصدُوا بَيت الْفَقِيه أَحْمد حَاتِم فرجموه ثمَّ بَيت السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن الشامي فرجموه وأفرطوا فِي ذَلِك حَتَّى كسروا كثيرا من الطاقات وَنَحْوهَا وقصدوه إِلَى مدرسة الإِمَام شرف الدَّين
стр. 863
يُرِيدُونَ قَتله فَنَجَّاهُ الله وهرب من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَقد كَانُوا أَيْضا قصدُوا قتل الْفَقِيه أَحْمد حَاتِم فهرب من الْجَامِع إِلَى بيتي وَنحن إذ ذَاك نملي فِي شرحي للمنتقى مَعَ حُضُور جمَاعَة من الْعلمَاء ثمَّ بعد ذَلِك عزم هَؤُلَاءِ الْعَامَّة وَقد تكاثف عَددهمْ إِلَى بَيت السَّيِّد علي بن إِبْرَاهِيم الْأَمِير الْمُتَقَدّم ذكره ورجموه وأفزعوا فِي هَذِه الْبيُوت أطفالا وَنسَاء وهتكوا حرما وَكَانَ السَّبَب فِي رجمهم بَيت السَّيِّد الْمَذْكُور أنه كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يتصدر للوعظ فِي الْجَامِع وَلم يكن رَافِضِيًّا لعانا ثمَّ عزموا جَمِيعًا وهم يصرخون إِلَى بَيت الْوَزير الْحسن بن عُثْمَان العلفي وَإِلَى بَيت الْوَزير الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره والبيتان متجاوران فرجموهما وَسبب رجم بَيت الأول كَونه أموي النّسَب ورجم بَيت الآخر كَونه متظهرا بِالسنةِ متبريا من الرَّفْض فَأَما بَيت الْفِقْه حسن حَنش فَصَعدَ جمَاعَة من قرَابَته على سطحه ورجموهم حَتَّى تفَرقُوا عَنهُ وَأَصَابُوا جمَاعَة مِنْهُم أما بَيت الْفَقِيه حسن عُثْمَان فرجموه رجما شَدِيدا واستمروا على ذَلِك نَحْو أَربع سَاعَات حَتَّى كَادُوا يهدمونه وشرعوا فِي فتح أبوابه وَوَقع الرمي لَهُم بالبنادق فَلم ينكفوا لكَونه لم يظْهر لذَلِك فيهم أثر إِذْ الْمَقْصُود بالرمي لَيْسَ إِلَّا مُجَرّد الإفزاع لَهُم ثمَّ بعد ذَلِك غَار بعض أَوْلَاد الْخَلِيفَة حفظه الله وَبَعض أَصْحَابه فكفوهم فانكفوا وَقد فعلوا مَا لايفعله مُؤمن وَلَا كَافِر وَفِي الْيَوْم الآخر أرسل الْخَلِيفَة حفظه الله للوزير والأمراء وَقد حصل الْخَوْف الْعَظِيم من ثورة الْعَامَّة وَطَالَ التراود والمشاورة بَينهم وَمن بعد ذَلِك أرسل لي حفظه الله فوصلت إِلَيْهِ حفظه الله فاستشارني فأشرت عَلَيْهِ أَن الصَّوَاب الْمُبَادرَة بِحَبْس جمَاعَة من المتصدرين فِي الْجَامِع للتشويش على
стр. 864
الْعَوام وإيهامهم أَن النَّاس فيهم من هُوَ منحرف عَن العترة وَأَن التظاهر بِمَا يتظاهرون بِهِ من اللَّعْن لَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ إِلَّا إغاظة المنحرفين وَنَحْو هَذَا من الخيالات الَّتِى لَا حَامِل لَهُم عَلَيْهَا إِلَّا طلب المعاش والرياسة والتحبب إِلَى الْعَامَّة وَكَانَ من أَشَّدهم فِي ذَلِك السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن عز الدَّين النعمي فَإِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا جلدا مَعَ كَونه جَاهِلا جهلا مركبا وَفِيه حِدة تفضي بِهِ إِلَى نوع من الْجُنُون وَصَارَ يجمع مؤلفات من كتب الرافضة ويمليها فِي الْجَامِع على من هُوَ أَجْهَل مِنْهُ وَيسْعَى فِي تَفْرِيق الْمُسلمين ويوهمهم أَن أكَابِر الْعلمَاء وأعيانهم ناصبة يبغضون عليا كرم الله وَجهه بل جمع كتابا يذكر فِيهِ أَعْيَان الْعلمَاء وينفر النَّاس عَنْهُم وَتارَة يسميهم سنية وَتارَة يسميهم ناصبة وَمَعَ هَذَا فَهُوَ لَا يدري بِنَحْوِ وَلَا صرف وَلَا أصُول وَلَا فروع وَلَا تَفْسِير وَلَا حَدِيث بل هُوَ كصاحب التَّرْجَمَة فِي التعطل عَن المعارف العلمية لَكِن صَاحب التَّرْجَمَة يعرف فَنًّا من فنون الْعلم كَمَا قدمنَا وَأما هَذَا فَلَا يعرف شَيْئا إلا مُجَرّد المطالعة لمؤلفات الرافضة الإمامية وَنَحْوهم الَّذين هم أَجْهَل مِنْهُ وَيُشبه الرجلَيْن رجل آخر هُوَ أحد عبيد مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله اسْمه ضرغام رَأس مَاله الِاطِّلَاع على بعض كتب الرافضة الْمُشْتَملَة على السب للخلفاء وَغَيرهم من أكابر الصَّحَابَة فَصَارَ هَذَا يقْعد فِي الْجَامِع ويملي سب الصَّحَابَة على من هُوَ أَجْهَل مِنْهُ فَهَذِهِ الْأُمُور هي سَبَب مَا قدمنَا ذكره فَلَمَّا أشرت على مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله بِحَبْس هَؤُلَاءِ وَجَمَاعَة مِمَّن يماثلهم حصل الِاخْتِلَاف الطَّوِيل العريض فِي مقَامه الشريف بَين من حضر من أَوْلَاده ووزرائه ومنشأ الْخلاف أَن من كَانَ مِنْهُم مائلا إِلَى الرَّفْض وَأَهله فَهُوَ لَا يُرِيد هَذَا وَمن كَانَ على خلاف ذَلِك فَهُوَ يعلم أَنه
стр. 865
الصَّوَاب وأنها لَا تنْدَفع الْفِتْنَة أَلا بذلك فصمم مَوْلَانَا حفظه الله على حبس من ذكر ثمَّ أَشرت عَلَيْهِ حفظه الله أَن يتتبع من وَقع مِنْهُ الرَّجْم وَمن فعل تِلْكَ الأفاعيل فَوَقع الْبَحْث الْكُلِّي مِنْهُ وَمن خواصه فَمن تبين انه مِنْهُم أودع الْحَبْس والقيد ومازال الْبَحْث بَقِيَّة شهر رَمَضَان حَتَّى حصل فِي الْحَبْس جمَاعَة كَثِيرَة فَلَمَّا كَانَ رَابِع شَوَّال طلب الإِمَام حفظه الله الْفُقَهَاء المباشرين للرجم فبطحوا تَحت طاقته وضربوا ضربا مبرحا ثمَّ عَادوا إِلَى الْحَبْس ثمَّ طلب فِي الْيَوْم الثاني سَائِر الْعَامَّة من أهل صنعاء وَغَيرهم المباشرين للرجم فَفعل بهم كَمَا فعل بالأولين وَضربت المدافع على ظُهُور جمَاعَة مِنْهُم ثمَّ بعد أَيَّام جعلُوا فِي سلاسل حَدِيد وأرسل بِجَمَاعَة مِنْهُم إِلَى حبس زيلع وَجَمَاعَة إِلَى حبس كمران وَفِيهِمْ مِمَّن لم بياشر الرَّجْم السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن عز الدَّين النعمي الْمُتَقَدّم وَسبب ذَلِك أنه جَاوز الْحَد فِي التَّشْدِيد فِي الْغَرَض كَمَا قدمنَا وَأما صَاحب التَّرْجَمَة وَمن شابههه فِي هَذَا المسلك فإنه حبس نَحْو شَهْرَيْن ثمَّ أطلق هُوَ وَمن مَعَه وَكَذَلِكَ عَامل الْوَقْف السَّيِّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن الشامي وَالسَّيِّد علي بن إِبْرَاهِيم الأمير والفقيه أَحْمد حَاتِم فإنهم حبسوا مَعَ الْجَمَاعَة وأطلقوا مَعَهم وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ فتْنَة وقى الله شَرها بالحزم الْوَاقِع بعد أَن وجلت الْقُلُوب وَخَافَ النَّاس وَاشْتَدَّ الخجطب وَعظم الكرب وَشَرحهَا يطول وَبعد هَذِه الْوَاقِعَة بِنَحْوِ سنة عول صَاحب التَّرْجَمَة فِي أن يكون أحدأعوان الشَّرْع وَمن جملَة من يحضر لَدَى فأذنت لَهُ وَصَارَ يعتاش بِمَا يحصل لَهُ من أُجْرَة تَحْرِير الْوَرق وَذَلِكَ خير لَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ انشاء الله ٣٤٩
السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن مطهر بن إِسْمَاعِيل بن يحيى ابْن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم
ولد شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٩٠ تسعين وَمِائَة وَألف وَطلب الْعلم على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء كالقاضي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وطبقته وَله سماعات كَثِيرَة وشغلة تَامَّة بِالْعلمِ وتقيد بِالدَّلِيلِ ومحبة للإنصاف كَمَا كَانَ جد أَبِيه المذكورقريبا وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة يقْرَأ علي فِي الْعَضُد وحواشيه وَفِي شرح التَّجْرِيد للمؤيد بِاللَّه وَفِي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وَفِي الْكَشَّاف وحواشيه وَفتح الباري والعواصم وَفِي البخاري وَمُسلم والنسائي وَابْن مَاجَه والموطاء وَفِي تفسيري للقرآن وَفِي الرضي وَفِي النَّحْو وَفِي المطول وَغير ذَلِك وَله قراءات علي فِي سنَن أبي دَاوُد والترمذي وَغير ذَلِك وَله أبحاث ومسائل وَهُوَ على مَنْهَج سلفه فِي الْبعد عَن أَعمال الدولة والتكفي بِمَا خلفوه لَهُ وَهُوَ كثير الطّيب وَفِيه علو همة ومكارن وسيادة زَاد الله فِي الرِّجَال من أَمْثَاله وَفِي كل وَقت يزْدَاد علما وفضلا وَحسن سمت ووقار وَهُوَ الْآن فِي عمل تراجم لأهل الْعَصْر وَقد رَأَيْت بَعْضًا مِنْهَا فَوجدت ذَلِك فائقا فِي بَابه مَعَ عِبَارَات رصينة ومعاني جَيِّدَة وَقد سألني بسؤالات وأجبت عَلَيْهَا برسائل هي فِي مجموعات الْفَتَاوَى وَله جدول مُفِيد جدا وأشعار فائقة ومعاني رائقة ومكاتباته إِلَى مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع الاشعار الْمَكْتُوبَة إِلَى وَلَوْلَا ضيق الْمَكَان لذكرت مِنْهَا مَا يسنف الامساع وَيروح الطباع وَإِن مد الله
стр. 866
السَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن مطهر بن إِسْمَاعِيل بن يحيى ابْن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم
ولد فِي شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٩٠ تسعين وَمِائَة وَألف وَطلب الْعلم على جمَاعَة من مَشَايِخ صنعاء كالقاضي الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد مشحم وطبقته وَله سماعات كَثِيرَة وشغلة تَامَّة بِالْعلمِ وتقيد بِالدَّلِيلِ ومحبة للإنصاف كَمَا كَانَ جد أَبِيه الْمَذْكُور قَرِيبا
وَهُوَ حَال تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة يقْرَأ علي فِي الْعَضُد وحواشيه وَفِي شرح التَّجْرِيد للمؤيد بِاللَّه وَفِي شرحي على الْمُنْتَقى وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى إتحاف الأكابر باسناد الدفاتر وَفِي مؤلفي الْمُسَمّى بالدرر وَشَرحه الْمُسَمّى بالدراري وَفِي الْكَشَّاف وحواشيه وَفتح الباري والعواصم وَفِي البخارى وَمُسلم والنسائى وَابْن مَاجَه والموطاء وَفِي تفسيري لِلْقُرْآنِ وَفِي الرضي وَفِي النَّحْو وَفِي المطول وَغير ذَلِك وَله قراءات علي فِي سنَن أبي دَاوُد والترمذي وَغير ذَلِك وَله أبحاث ومسائل وَهُوَ على مَنْهَج سلفه فِي الْبعد عَن أَعمال الدولة والتكفي بِمَا خلفوه لَهُ وَهُوَ الْكثير الطيب وَفِيه علو همة وَمَكَارِم وسيادة زَاد الله فِي الرِّجَال من أَمْثَاله وَفِي كل وَقت يزْدَاد علما وفضلا وَحسن سمت ووقار وَهُوَ الْآن فِي عمل تراجم لأهل الْعَصْر وَقد رَأَيْت بَعْضًا مِنْهَا فَوجدت ذَلِك فائقا فِي بَابه مَعَ عِبَارَات رصينة ومعاني جَيِّدَة وَقد سألني بسؤالات وأجبت عَلَيْهَا برسائل هي فِي مجموعات الْفَتَاوَى وَله جدول مُفِيد جدا وأشعار فائقة ومعاني رائقة ومكاتباته إِلَى مَوْجُودَة فِي مَجْمُوع الْأَشْعَار الْمَكْتُوبَة إِلَى وَلَوْلَا ضيق الْمَكَان هُنَا لذكرت مِنْهَا مَا يشنف الأسماع وَيروح الطباع وَإِن مد الله
стр. 867
فِي الْمدَّة فسأحرر لَهُ تَرْجَمَة مستوفاة مُطَوَّلَة فَهُوَ حقيق بذلك
يُوسُف بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان اليماني الزيدي المُصَنّف الشهير
كَانَ مُسْتَقرًّا بِهِجْرَة الْعين من ثلا والطلبة يرحلون إِلَيْهِ من جَمِيع أقطار الْيمن فَيَأْخُذُونَ عَنهُ فِي جَمِيع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَكَانَ مسكن سلفه بِصرْم بنى قيس من بِلَاد خبان وَله مصنفات نافعة مِنْهَا مُخْتَصر الِانْتِصَار وَمِنْهَا الرياض على التَّذْكِرَة والزهور على اللمع والثمرات فِي تَفْسِير آيَات الْأَحْكَام وَله تَعْلِيق على الزِّيَادَات وَكَانَ بَين تلامذته وتلامذة الإِمَام أَحْمد بن يحيى مُنَافَسَة ومفاخرة أي الرجلَيْن أوسع علماً وَمن مصنفات صَاحب التَّرْجَمَة الْجَوَاهِر وَالْغرر فِي كشف أسرار الدُّرَر فِي الْفَرَائِض وبرهان التَّحْقِيق وصناعة التدقيق فِي المساحة وَالضَّرْب وَمَات فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٣٢ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ثَمَانمِائَة
السَّيِّد يُوسُف ابْن الإِمَام المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
ولد يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر جُمَادَى الأولى سنة ١٠٦٨ ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف وربي فِي حجر الْخلَافَة واشتغل بالعلوم حَتَّى اشْتهر ذكره وطار صيته ورام الْخلَافَة فِي أَيَّام المهدي صَاحب الْمَوَاهِب فَدَعَا إِلَى نَفسه بعد وَفَاة أَخِيه الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل فَلم يتم لَهُ أَمر ثمَّ كَاتبه أهل خولان بِأَنَّهُم سيقومون بنصرته فَخرج إِلَيْهِم فَلم يفوا لَهُ فرام الذهاب إِلَى جبل
стр. 868
برط فَمر بِمحل يُقَال لَهُ صرف شرقي الرَّوْضَة فسعى بِهِ بعض السعاة فَقبض عَلَيْهِ هُنَالك وسجنه المهدى نَحْو سبع عشرَة سنة وَله نظم حسن فَمِنْهُ فِي جَارِيَة اسْمهَا عيناء
(وَرب رَاء للفتاة الَّتِى ... قد أبرزت طرتها سينا)
(صَاد إِلَى ريقتها عاجب ... من حَاجِب يحْكى لَهَا نونا)
(وصدغها كاللام مَعَ مبسم ... كالميم قد جَاءَ كَمَا شينا)
(من جَاءَنَا يسْأَل عَن وصفهَا ... يروم إيضاحا وتبيينا)
(كَيفَ الْمحيا كَيفَ ذَاك البها ... ماالاسم كَيفَ الخد قل عينا)
وَلما كَانَت الدولة المتوكلية دولة الْقَاسِم بن الْحُسَيْن ارْتَفع قدره بهَا وَأعْطى حَقه وَلما مَاتَ المتَوَكل وَقَامَ وَلَده الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ من جملَة الخارجين عَلَيْهِ وَلم يظفر بطائل بل مَاتَ فِي عمرَان فِي جُمَادَى الأولى سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَكَانَ ممتحنا على جلالة قدره ونبالة ذكره يطْلب الْخلَافَة بِدُونِ ترقب للفرص
يُوسُف بن تغري بردي الْجمال أَبُو المحاسن ابْن الأتابكي بالديار المصرية
ولد بشوال سنة ٨١٣ ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة وَحفظ مختصرات كَثِيرَة وَأخذ عَن العيني والشمني والكافياجي والزين قَاسم وَابْن عرب شاه وَغَيرهم وَحج واعتنى بِكِتَابَة الْحَوَادِث وَله مصنفات مِنْهَا المنهل الصافي فِي سِتّ مجلدات تراجم على الْحُرُوف المعجم من دولة الأتراك بِمصْر ومورد اللطافة فِيمَن ولى السلطنة والخلافة والبشارة فِي تَكْمِيل الْإِشَارَة للذهبى وَحلية الصِّفَات فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَقد
стр. 869
وَقد قَالَ السخاوي فِي تَرْجَمته أَن مؤلفاته فِيهَا كثير من الْخَلْط وَالوهم وَهُوَ من معاصريه فَالله أعلم وَقد أَكثر من الْحَط عَلَيْهِ وَأطَال تَرْجَمته متتبعا لغلطاته وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس ذي الْحجَّة سنة ٨٧٤ أَربع وَسبعين وثمان مائَة
يُوسُف بن الْحسن بن مُحَمَّد الْحسن بن مَسْعُود بن علي بن عبد الله الْجمال أَبُو المحاسن الحموي الشافعي
الْمَعْرُوف بِابْن خطيب المنصورية ولد فِي ثَالِث عشر ذي الْحجَّة سنة ٧٣٧ سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة واشتغل بحماه وَغَيرهَا فَأخذ فِي الْأَصْلَيْنِ عَن الْبَهَاء الأخيمي وَالْفِقْه عَن التقي الحصني والتاج السبكي وَغَيرهمَا والنحو واللغة والفرائض والحساب وَالْبَيَان عَن ابْن هاني اللخمي المالكي واشتغل بِالْحَدِيثِ فَسمع وَحصل وَكَانَ عَارِفًا بعدة عُلُوم ودرس وَأفْتى وصنف
وَمن مصنفاته الاهتمام فِي شرح أَحَادِيث الْأَحْكَام فِي سِتّ مجلدات كبار وَشرح فَرَائض الْمِنْهَاج الفرعي فِي مُجَلد وألفية ابْن معطي وَله نظم حسن وانتهت إِلَيْهِ مشيخة الْعلم ببلاده ورحل إِلَيْهِ النَّاس قَالَ ابْن حجر فاق الأقران وَقَالَ ابْن حجر دأب وَحصل إِلَى أَن تميز وَمهر وفَاق أقرانه فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا من الْعُلُوم وَشرح الاهتمام مُخْتَصر الإِمَام وَمن شعره
(أيعذل المستهام المغرم الصادي ... إِذا حدى باسم سكان الْحمى الْحَادِي)
(لَا تنكروا وجد معشوق اضربه ... بعد وَقد قرب النادي من النادي)
(إِذا تعارفت الْأَرْوَاح وائتلفت ... فَلَا يضر تناء بَين أجساد)
(هَذَا ريَاح الرِّضَا بالوصل قد عصفت ... وكوكب السعد فِي أفق السنابادى)
قَالَ ابْن حجر فِي مُعْجَمه لَهُ مؤلفات عديدة وتلامذة كَثِيرَة وَمَات
стр. 870
بحماه فِي شَوَّال سنة ٨٠٩ تسع وثمان مائَة
يُوسُف بن الزكي عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف بن عبد الْملك ابْن يُوسُف بن علي بن أَبى الزَّاهِر الحلبي الأَصْل المزي
أَبُو الْحجَّاج جمال الدَّين الإِمَام الْكَبِير الْحَافِظ صَاحب التصانيف ولد فِي ربيع الآخر سنة ٦٥٤ أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَطلب بِنَفسِهِ فَأكْثر عَن أَحْمد بن أَبى الْخَيْر وَالْمُسلم بن عَلان وَالْفَخْر بن البخاري وَنَحْوهم من أَصْحَاب ابْن طبرزد والكندي وَسمع الْكتب الطوَال والأجزاء ومشايخه نَحْو ألف شيخ وَمن مشايخه النووي وَسمع بِالشَّام والحرمين ومصر وحلب والإسكندرية وَغَيرهَا وأتقن اللُّغَة والتصريف وتبحر فِي الحَدِيث ودرس بمدارس مِنْهَا دَار الحَدِيث الأشرفية وَلما ولي تدريسها قَالَ ابْن تَيْمِية لم يلها من حِين بنيت إِلَى الْآن أَحَق بِشَرْط الْوَاقِف مِنْهُ قَالَ الذهبي مَا رَأَيْت أحدا فِي هَذَا الشَّأْن أحفظ مِنْهُ
وأوذي مرة بِسَبَب ابْن تَيْمِية لِأَنَّهَا لما وَقعت لَهُ المناظرة مَعَ الشَّافِعِيَّة وَبحث مَعَ الصفي الهندي وَابْن الزملكاني كَمَا تقدمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك شرع صَاحب التَّرْجَمَة يقْرَأ كتاب خلق أَفعَال الْعباد للبخاري قَاصِدا بذلك الرَّد على الْمُخَالفين لِابْنِ تَيْمِية فَغَضب الْفُقَهَاء وَقَالُوا نَحن المقصودون بِهَذَا فَبلغ ذَلِك القَاضِي الشافعي يَوْمئِذٍ فَأمر بسجنه فَتوجه ابْن تَيْمِية يَوْمئِذٍ وَأخرجه من السجْن بِيَدِهِ فَغَضب النَّائِب فأعيد ثمَّ أفرج عَنهُ وَأمر النَّائِب أن يُنَادى بِأَن من يتَكَلَّم فِي العقائد يقتل وَمن مصنفاته تَهْذِيب الْكَمَال اشْتهر فِي زَمَانه وَحدث بِهِ خمس مَرَّات وَكتاب الْأَطْرَاف وَهُوَ كتاب مُفِيد جدا وَقد أَخذ عَنهُ الأكابر وترجموا لَهُ وعظموه جدا قَالَ ابْن سيد
стр. 871
النَّاس فِي تَرْجَمته أنه أحفظ النَّاس للتراجم وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم وَأطَال الثَّنَاء عَلَيْهِ وَوَصفه بأوصاف ضخمة وَقَالَ إنه فِي اللُّغَة امام وَله فِي الْفَرَائِض معرفَة وإلمام وَقَالَ الصفدي سمعنَا صَحِيح مُسلم على السَّيِّد تيجي وَهُوَ حَاضر فَكَانَ يرد على الْقَارئ فَيَقُول الْقَارئ مَا عندي إلا مَا قَرَأت فيوافق المزي بعض من حضر مِمَّن بِيَدِهِ نُسْخَة إما بِأَن يُوجد فِيهَا كَمَا قَالَ أَو يُوجد مضيفا عَلَيْهِ أَو فِي الْحَاشِيَة وَلما كثر ذَلِك مِنْهُ قلت لَهُ مَا النُّسْخَة الصَّحِيحَة إلا أَنْت
قَالَ وَلم أر بعد أَبى حَيَّان مثله فِي الْعَرَبيَّة خُصُوصا التصريف وَلم يكن مَعَ توسعه فِي معرفَة الرِّجَال يستحضر تراجم غير الْمُحدثين لَا من الْمُلُوك وَلَا من الوزراء والقضاة والأدباء وَقَالَ الذهبي كَانَ خَاتم الْحفاظ وناقد الْأَسَانِيد والألفاظ وَهُوَ صَاحب معضلاتنا ومرجع مشكلاتنا قَالَ وَفِيه حَيَاء وكرم وسكينة وَاحْتِمَال وقناعة وَترك للتجمل وانجماع عَن النَّاس وَمَات يَوْم السبت ثاني عشر صفر سنة ٧٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
يُوسُف بن شاهين الْجمال أَبُو المحاسن ابْن الْأَمِير أَبى أَحْمد العلائي قطلوبغا الكركي القاهري الحنفي
ثمَّ الشافعي سبط الْحَافِظ ابْن حجر ولد لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثامن ربيع الأول سنة ٨٢٨ ثَمَان وَعشْرين وثمان مائَة
وَسمع على جده أَبُو امهِ الْمَذْكُور كثيرا وعَلى الْبُرْهَان بن حصر والبدر بن الْقطَّان وَجَمَاعَة آخَرين وَقَرَأَ فِي الْفُنُون على أَبى الْجُود والجلال الْمحلى والرشيدي وأمعن فِي الطلب وَدَار على الشُّيُوخ وَكتب الْأَجْزَاء والطباق وصنف مصنفات مِنْهَا رونق الْأَلْفَاظ لمعجم الْحفاظ وتعريف الْقدر بليلة الْقدر
стр. 872
والمنتجب شرح الْمُنْتَخب فِي عُلُوم الحَدِيث للعلاء التركماني وروى الظمان من صافي الزلالة بتخريج أَحَادِيث الرسَالَة وبلوغ الرَّجَاء بالخطب على حُرُوف الهجاء والنفع الْعَام بخطب الْعَام ومنحة الْكِرَام بشرح بُلُوغ المرام وَالْمجْمَع النفيس لمعجم اتِّبَاع ابْن إدريس فِي أَربع مجلدات وَغير ذَلِك وَقد طَار ذكره فِي الْآفَاق وتناقلت مؤلفاته الرفاق وَأما السخاوي فِي الضَّوْء اللامع فَجرى على قَاعِدَته المألوفة فِي معاصريه وأقرانه فترجم صَاحب التَّرْجَمَة بِمَا هُوَ مَحْض السباب والانتقاض لَا لسَبَب يُوجب ذَلِك بل لمُجَرّد كَونه كَانَ يعْتَرض على جده الْحَافِظ بن حجر أَو يغلط فِي بعض الْأَحْوَال كَمَا هُوَ شَأْن الْبشر وَمَات فِي سنة ٨٩٩ تسع وَتِسْعين وثمان مائَة
يُوسُف بن علي بن الهادي الكوكباني ثمَّ الصنعاني
القاضي الأديب الشَّاعِر الْمجِيد مُصَنف طوق الصادح الْمفصل بجوهر الْبَيَان الْوَاضِح ترْجم فِيهِ لكل من شعر فِي الْحَمَامَة وَجعله مسجعا بسجع غالبه البلاغة والجودة وَمن تصانيفه سوانح فكر الأفهام وبوارح فقر الأقلام وَله قصيدة همزية سَمَّاهَا البغية الْمَقْصُودَة فِي السِّيرَة المحمودة وَله ديوَان شعر سَمَّاهُ محَاسِن يُوسُف وَقد جرت لَهُ محن مَعَ أهل عصره لِأَنَّهُ برع فِي الْأَدَب وفَاق الأقران وَهَذَا شَأْن من نبل من نوع الْإِنْسَان وَحبس مرَارًا وسافر مَعَ بعض الْأُمَرَاء إِلَى زبيد فَجرى بَينه وَبَينه مُرَاجعَة فِي الْكَلَام حَتَّى أَمر بقتْله ثمَّ شفع فِيهِ وَحبس فَمَرض غيظا وكمدا وشارف الْمَوْت فَأطلق وَحمل على حمَار فَسقط من فَوْقه حَتَّى انْكَسَرت إحدى يَدَيْهِ تَمامًا للامتحان وتجلد حَتَّى وصل إِلَى
стр. 873
بَيته فَمَاتَ وَمن نظمه القصيدة الَّتِى يَقُول فِيهَا
(فلق الأماني قد تبلج ... وشذى المسرة قد تأرج)
(والدهر قد وهب الحبور ... وهب روح رِضَاهُ سَجْسَج)
(وأتى الرّبيع بَحر فضل ... مروطة لما تبرج)
(فتزخرفت لقدومه الدُّنْيَا ... فَمَا أبهى وأبهج)
(والجو أصبح لازوردى ... المطارف لم يضرج)
(وَالرَّوْض زاه زَاهِر ... خضر ملابسه مزبرج)
وَهَذِه قصيدة طَوِيلَة كلهَا غرر وشعره فِي الذرْوَة وَإِن أنكر فَضله حَاسِد وَجحد مناقبه جَاحد وَقد ذكر الحيمي فِي طيب السمر وَوَصفه بِسَرِقَة الْأَشْعَار وَهُوَ أجل قدرا من ذَلِك فَإِنَّهُ مقتدر على أَن يأتي بِمَا يُرِيد اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون ذَلِك اخْتِيَارا لَا اضطراراً وَلم أَقف على تَارِيخ وَفَاته وَهُوَ من أهل الْقرن الثاني عشر وَفَاة لَا مولدا وَقد بَالغ فِي تَعْظِيمه الجرموزي فِي صفوة العاصر وَأطَال الثَّنَاء عَلَيْهِ بِمَا هُوَ بِهِ حقيق ثمَّ وقفت على تَارِيخ مَوته فِي سنة ١١١٥ خمس عشرَة وَمِائَة وَألف
يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين المزجاجي الزبيدي الحنفي
شَيخنَا الْمسند الْحَافِظ ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف أَو قبلهَا بِيَسِير اَوْ بعْدهَا بِيَسِير وَنَشَأ بزبيد وَأخذ عَن علمائها وَمِنْهُم وَالِده وبرع فِي الْعُلُوم دراية وَرِوَايَة وَصَارَ حَامِل لِوَاء الْإِسْنَاد فِي آخر أَيَّامه ووفد إِلَى صنعاء فِي شهر الْحجَّة سنة ١٢٠٧ فاجتمعت بِهِ وَسمعت مِنْهُ وأجازني لفظا بِجَمِيعِ مَا يجوز لَهُ رِوَايَته ثمَّ كتب لي إجازة بعد وُصُوله إِلَى وَطنه وَأرْسل بهَا إِلَى وَكَانَ الْكَاتِب لَهَا ابْن أَخِيه عَن أمره لأني أَدْرَكته
стр. 874
ضريرا وَمن جملَة مَا أرويه عَنهُ أَسَانِيد الشَّيْخ الْحَافِظ إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الْمُتَقَدّم ذكره الْمُسَمّى بالأمم وَهُوَ يَرْوِيهَا عَن أَبِيه عَن جده عَلَاء الدَّين عَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم هَذَا طَريقَة السماع ويرويها أَيْضا عَن أَبِيه عَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بِالْإِجَازَةِ لِأَن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم أجَاز لجد صَاحب التَّرْجَمَة ولأولاده وَقد أوقفني على تِلْكَ الْإِجَازَة بِخَط الشَّيْخ إِبْرَاهِيم فوالد صَاحب التَّرْجَمَة مِمَّن شملته الْإِجَازَة لكنه أخبرني ﵀ أَن الْإِجَازَة من الشَّيْخ إِبْرَاهِيم لعلاء الدَّين كَانَت قبل وجود وَلَده مُحَمَّد وَالِد المترجم لَهُ فَيكون الْعَمَل بهَا متنزلاً على الْخلاف فِي جَوَاز الإحازة لمن سيوجد وَكَانَ موت صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ١٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف ﵀
يُوسُف باشا أَمِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وبندر جدة
وصلت إلينا الْأَخْبَار بِأَنَّهُ من أعظم الْأُمَرَاء فِي الدولة العثمانية وَأَن لَهُ من الْجِهَاد فِي بِلَاد الإفرنج مَا لم يكن لغيره وَله فتوحات عَظِيمَة وَوصل فِي عَام اُحْدُ عشر واثني عشر وَمِائَتَيْنِ وَألف إِلَى صنعاء رجل يُقَال لَهُ السَّيِّد مُحَمَّد الكتابجي الرومي وَله فصاحة وذلاقة وَقُوَّة عارضة فَأخْبرنَا ان صَاحب التَّرْجَمَة بعد رُجُوعه من جِهَاد النَّصَارَى وَفتح كثير من معاقلهم ولاه سُلْطَان الروم الوزارة الْعُظْمَى وهي عِنْدهم الْقيام بِجَمِيعِ أُمُور السلطنة قَالَ الراوى فَلَمَّا ولاه سُلْطَان الرّوم ماوراء بَابه نزل إِلَى صحن دَار السلطنة فَطلب الوزراء الَّذين ترجع أمورهم إلى الْوَزير الْأَعْظَم فعاتبهم على التَّفْرِيط فِي عدم إعلام السُّلْطَان فِي كثير من الفتوق الْوَاقِعَة فِي الْبِلَاد الَّتِى إِلَيْهِم ثمَّ ضرب أَعْنَاقهم جَمِيعًا وَكَانَ السُّلْطَان رجل يسخر بِهِ ويجالسه وَله عِنْده منزلَة عَظِيمَة لَا يصل إِلَيْهَا غَيره فَقَالَ لصَاحب التَّرْجَمَة عِنْد
стр. 875
خُرُوجه من دَار السُّلْطَان بعد أَن ولاه الوزارة كلَاما فِي السِّرّ مَعْنَاهُ أَنه رغب السُّلْطَان فِي جعله وزيرا فَأمر صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْحَال بِضَرْب عنق ذَلِك المسخرة فَضربت فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان استدعاه وَهُوَ شَدِيد الْغَضَب ثمَّ قَالَ لَهُ قد عرفنَا الْوَجْه فِي قَتلك للوزراء فَمَا سَبَب قَتلك لفُلَان يعْنى المسخرة فَقَالَ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان هَذَا المائق قَالَ لي إِنَّه سعى لي عنْدك فِي الوزارة فَقتلته لأعْلم صِحَة قَوْله فَإِن كنت إنما وليتني الوزارة بمعاونة مثله فَلَا حَاجَة لي فِيهَا وَهَذَا الْعَهْد الذي عهدته إِلَى خُذْهُ وَإِن كنت وليتني ذَلِك لكوني أَهلا لَهَا فَلَا بَأْس وَلَا يضرني قتل مثل هَذَا المفتري عَلَيْك فسكن عِنْد ذَلِك غضب السُّلْطَان ثمَّ بقي فِي الوزارة نَحْو أَربع سِنِين ثمَّ رغب فِي مجاورة الْحرم الشريف والقبر النبوي فَطلب من السُّلْطَان أَن يوليه بندر جدة وَيجْعَل إِلَيْهِ مَعَ ذَلِك ولَايَة الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَهَذِه الْولَايَة هي دون مِقْدَاره وَلكنه أَرَادَ أَن يتفرغ لِلْعِبَادَةِ فَلَمَّا ولي ذَلِك وصل بجيوش كَثِيرَة وَعدد عَظِيمَة وقمع المتمردين حَتَّى أمنت الْمَدِينَة وَمَا حولهَا وَلم يبْق من الْخَوْف مَا يعتادونه وَلَا بعضه وَوصل مِنْهُ فِي سنة ١٢١٤ كتاب إِلَى حَضْرَة مَوْلَانَا الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه وَذكر فِيهِ أنه وصل إِلَيْهِ كتاب من مَوْلَانَا الإِمَام حفظه الله وَلَا حَقِيقَة لذَلِك فَلَعَلَّهُ افتعله بعض المفتعلين وصور كِتَابه
الْحَمد لله حمدا لَا نحصي ثَنَاء عَلَيْهِ جل وَعلا وَكم وَكفى إِنَّا مُؤمنُونَ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا وسندنا رَسُول الله نَحن فِي جواره من جَاهد فِي الله حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين
وعَلى آله وَصَحبه الَّذين بذلوا أنفسهم ابْتِغَاء مرضاة الله رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
وَبعد نبدي ذَلِك ونهديه إِلَى
стр. 876
الْمُحب فِي الله وَالصديق لنا وإلينا مخلصا لوجه الله الْأَجَل الأمثل الأبر المؤتمن الْعَظِيم إمام الزَّمن فِي أقطار الْيمن
كَانَ محروسا ومطهرا من كل ألم ودرن بِحرْمَة النبي الْأمين بعد السَّلَام عَلَيْكُم الذي نعلمكم بِهِ وَهُوَ كل خير لما بَيْننَا من الْمحبَّة السَّابِقَة والأخوة الإسلامية ياحبذا هي الرابطة القوية تقدمت إلينا من طرفكم كتب مفصحة لنا واستعلام وقائع الطَّائِفَة المنحوسة الفرنساوية
دمرهم الله وخذلهم بجاه مُحَمَّد خير الْبَريَّة وطلبتم منا إِيضَاح الْمُبْهم وأحوال طوائف الإنكليزية وَأَن الْمُؤمنِينَ لبَعْضهِم مُعينين فِي نصْرَة الدَّين وَلما أوعد الله مترقبين كَمَا قَالَ فِي مُحكم التَّبْيِين وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ وَلَا مداد الدولة الْعلية منتظرين فَلَمَّا أَن علمنَا مِنْكُم ذَلِك أعدنا الْجَواب إليكم سَرِيعا وأعلمناكم عَمَّا هُنَالك
هُوَ أَن طَائِفَة الفرانسة جعل الله دِيَارهمْ دارسة وأعلامهم ناكسة اخْتلفُوا وَنَقَضُوا الْعَهْد الْقَدِيم والميثاقه وتعدوا بقهر مصر والآفاقه وَطَوَائِف الإنكليز بَيْننَا وَبينهمْ رابطة قَوِيَّة وَصَحب لِلْإِسْلَامِ فَمن أَتَاكُم من طوائف الفرنساوية اللئام جرعوه كؤوس الْحمام وَلَا تبلغوه المرام وأصدقاؤنا الانكليز أعطوهم مَا يهوى من مطاعم الشَّهَوَات ومشارب الْحَلْوَى هَذَا وَحين ماورد إِلَى كتابكُمْ أرْسلت من خَواص أتباعي إِلَى الدولة الْعلية وشرحت لَهُم صلابتكم فِي الدَّين وشجاعتكم فِي الميادين وإقدامكم مَعَ إخوانكم الْمُؤمنِينَ متيقظين لَسْتُم بغافلين كَمَا صدق من نطق فِيمَا بِهِ الله عَلَيْكُم قد تفضل وامتن الإيمان يمن فَبعد أَن عملت الدولة الْعلية أحوالكم وأوصافكم وَمَا أَنْتُم عَلَيْهِ شكروا صنعكم على قَوْلكُم وَأَرْسلُوا إِلَى جَوَاب كتابكُمْ من صَاحب الدولة الْعلية العثمانية وَهُوَ وَزِير
стр. 877
الختام الْآن مُدبر الْجُمْهُور الصَّدْر الْمُعظم ضِيَاء الْحَاج يُوسُف باشا وَهَا هُوَ مُرْسل إليكم صُحْبَة كتَابنَا هَذَا على يَد تابعينا الْحَاج إِسْمَاعِيل أغا والحاج يحيى أغا فَمَعَ سَلامَة الله إِذا وصلا إليكم وقرأتموهما أعلمتم الْحَاضِر والباد
يلْزم لكم بعد الْآن أتم الْجِهَاد وَالِاجْتِهَاد فِي ذَلِك الناد لِأَن الفرنسيس عَدو الدَّين رُبمَا يفر اُحْدُ مِنْهُم من طرف الْقصير ويأتي من نواحيكم فأذيقوه الْحَرْب الْحَار ليتوصل بِهِ إلى أمه الهاوية وَبئسَ الْقَرار وَلَا تهابوه فَإِن قلبه قد طَار وَقصد النجَاة لَا أبلغه الله إلا وطار فَلَا تغفلوا واحذروا مكر أُولَئِكَ الْفجار وَكُونُوا على قلب وَاحِد أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ فَإِن الله مَعنا والنبي الْمُخْتَار وَقد كَانَ سَابِقًا فِي وسط شَوَّال تعدى الْكَفَرَة اللئام إِلَى أطراف الشَّام وحصروا عكة بلد الجزار بعسكر ينيف على خمسين ألفا من الْكفَّار
وَتمّ الْحصار بِتِلْكَ النواحي أَرْبَعَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَاشْتَدَّ الكرب على الْمُسلمين فوفدت نجدة من الدولة الْعلية ثَمَانِيَة عشر مركبا بمدافعها وبارودها وَمن يعْطى حَقّهَا رجالها فقابلوا الْكفَّار قتلوا مَا ينيف على سِتَّة وَعشْرين ألفا مِنْهُم إِلَى النَّار والجرحى ينيف على ثَمَانِيَة آلَاف اللَّهُمَّ عجل بأرواحهم إِلَى بئس الْقَرار وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين مِقْدَار فَبعد إذ عاين أَعدَاء الله الْقَتْلَى وَالْآيَة الْكُبْرَى انْهَزمُوا وولوا الأدبار إِلَى أطراف مصر طلبا للفرار وَإِلَى يَوْم تَارِيخ كتَابنَا نرجو أَن الْمُسلمين بلغُوا مِنْهُم الأوطار وَإِن شَاءَ الله عَمَّا قريب نسمعكم بشراها وَنَحْمَد عُقبى مسراها بِحَق بِسم الله مجْراهَا وَمرْسَاهَا هَذَا ونبشركم مِمَّا جرى سَابِقًا ولاحقا مَا يُوجب تلقيب ملكنا ويتلى لَهُ على المنابر غازيا صَادِقا أَنه لما بغ الدولة الْعلية خبر قهر مصر جهزوا على ساقية عَدو الدَّين
стр. 878
وَذَلِكَ إقليم اللونديك الَّتِى فِيهَا دَار الضَّرْب للمشخص العتيك الَّتِى هِيَ من حور حُكُومَة الفرنسيس وَتَحْت تصرفه برا وبحرا وضبطوا ذَلِك الإقليم جَمِيعه وَتلك النواحي وَمِمَّا فِي ذَلِك الإقليم فِي الْبر ثَمَان بلدان بقلاع من أحسن مَا يسمع ومقر سلطنتهم بَلْدَة أوصف وأوسع وَغير ذَلِك قلاع صغَار وقرى لَا تعد فَقتلُوا من صد وأسروا أسرا لَا يُوصف بِحَدّ مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبر وَفِي الْبَحْر لَهُ أَربع جزائر منيعات حصينات صَارَت الْجَمِيع فِي قَبْضَة الْإِسْلَام ومحي عَنْهَا شرك الظلام وَبعد مَا قطعُوا ساقية عَدو الدَّين وجهت الدولة الْعلية وَجه وجهتها إِلَى أَخذ الثأر إِلَى مصر برا وبحرا وَهَذَا الْخَبَر ورد إلينا مَعَ تابعنا الَّذِي أرسلناه إلى الدولة الْعلية وَكَانَ وُصُوله إِلَى الْمَدِينَة فِي السَّابِع عشر من صفر الْخَيْر بتحريرات من الدولة الْعلية العثمانية مُوضحَة لنا مَا شرحناه لكم من فتوحات إقليم اللونديك والتوجه إِلَى أَخذ الثأر وقمع أُولَئِكَ الْفجار وَهَا حَضْرَة صَاحب الختام أقبل بعساكره الصافنات الْجِيَاد برا والسفن السائرات بحراً قَاصِدين مصر وتخليصها من لوث الشرك وَالْكفْر نرجو مَوْلَانَا سامع دَعَانَا أَن يدمر الْأَعْدَاء حَيْثُمَا دانوا ويعلي ويعمر كلمة الْإِيمَان أينما كَانُوا بِحَق من أنزل عَلَيْهِ نصر من الله وَفتح قريب إِنَّه سميع مُجيب وكما شرحناه إليكم رُبمَا أَن بعض الْكَفَرَة الفرنسيس اللئام يفرون من الْقصير إِلَى نحوكم فَإِن رَأَيْتُمْ أحدا مِنْهُم اقْتُلُوهُ وأسروه حَيْثُمَا ثقفتموه وأتباعنا الْمُرْسلين اليكم سهلوهما إلينا بِجَوَاب كتاب صَاحب الدولة الْعلية وَجَوَاب كتَابنَا وأخبار تِلْكَ الأقطار أفصحوا لنا عَنْهَا سَرِيعا انه جلّ المرام وَالسَّلَام ختام انْتهى كتاب صَاحب التَّرْجَمَة وَفِي آخِره علامته الْمُحْتَاج إِلَى عَفْو
стр. 879
الله الْحَاج يُوسُف باشا وَإِلَى جدة ومحافظ الْمَدِينَة المنورة وَهَذِه صُورَة كتاب وَزِير الختام وَزِير السُّلْطَان ابْن عُثْمَان الذي صدر بِهِ صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى مَوْلَانَا الإِمَام طي كِتَابه السَّابِق وَلَفظه
سَلام يقطر رباه رياض الوداد وثناء يسيل بفيض سلساله حِيَاض السداد إِلَى حَضْرَة من حف بالأنظار الإلهية والعترة المحمدية وأنواع المنن إمام صنعاء الْيمن وَبعد فالذي ننهي إليكم ونبديه لديكم أَن الطَّائِفَة الفرنساوية دمرهم الله بنواير صواعقه القوية نقضوا عهود الصُّلْح والميثاق وَسعوا فِي الأَرْض الْفساد والشقاق وخانوا الْملَّة الأحمدية الْبَيْضَاء وَقَامُوا على الْملَّة الأحدية السمحاء حَيْثُ هجموا بَغْتَة على بِلَاد الْإِسْلَام وَمَا رعوا قوانين الدول فِي الْأَخْبَار والأعلام وأبدعوا من الدسائس والحيل والخدع مَا لم يرتكبه أحد من أهل الغى البغى والبدع فاستولوا فَجْأَة على الْإسْكَنْدَريَّة ومصر الْقَاهِرَة وتحكموا على علمائها وفضلائها وساداتها الفاخرة وَسبوا صبيانها وهتكوا أَعْرَاض نسوانها الطاهرة فَفرضت علينا فرض الْعين إقامة الْغَزْو وَالْجهَاد والمحاربة مَعَهم فِي كل نَاحيَة وناد لَا زَالَت جَمِيعهم طعمة لسيوف الْمُوَحِّدين وحملتهم مشتتة بسطوة صنوف الْمُؤمنِينَ فانعقدت بَيْننَا وَبَين الدولة الإنجليزية والروسية على محاربتهم روابط الِاتِّفَاق والاتحاد وَظَهَرت من هَاتين الدولتين آثَار الْإِقْدَام والإحجام لأولئك الْفساد حَيْثُ ترافعت سفن الروسية مَعَ سفائن سلطاننا الْأَعْظَم وخاقاننا الأفخم لَا زَالَت روض السلطنته منضرة بنسيم النَّصْر والنجاح وشمس شوكته مشرقة فِي سَمَاء الْفَوْز والفلاح وهجموا على قلعة قورفة الَّتِى كَانَت أخذتها تِلْكَ الطَّائِفَة الباغية من أيدي اللونديك
стр. 880
جبرا وحاصرها جَيش من جيوشنا المنصورة الْمُرْسلَة برا فنزعوها مِنْهُم فاستؤصل مِنْهُم الْأَكْثَرُونَ واسترق الْبَاقُونَ فَجَاءَت مفاتحها إِلَى يَد سلطاننا سُلْطَان الْإِسْلَام وَدخلت بِحَمْد الله فِي حوزة ممالك الْإِسْلَام فَعَسَى الله أن ياتي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فَيُصْبِح من شَرّ ذمتهم السائرة بَعضهم جريحا طريحا وَبَعْضهمْ قَتِيلا ملعونين أينما ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا وسفائن الإنكليز أَيْضا مَعَ سفائننا السائرة صدوا سَبِيل المستولين على مصر الْقَاهِرَة من أُولَئِكَ الفجرة الْكَفَرَة وقصدوا إِلَى محاربتهم بالغيرة الكاسرة فَأخذُوا من سفائنهم المخذولة بَعْضًا وأغرقوا بَعْضًا ونهضت عَلَيْهِم عساكرنا المنصورة من طرف الْبر فتضيق بعون الله عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ طولا وعرضا وَهَذَا الْمُحب الْوَدُود بعون الْملك المعبود ناهض بِالذَّاتِ عَلَيْهِم بترتيبات مهمات السفر وتداركات أَسبَاب الظفر بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا من الأتراك والأعجام واللزكية والأكراد وَغَيرهم مِمَّن لَهُم فِي الْمُحَاربَة صولة واعتياد فَفِيمَا صدر من أُولَئِكَ المخذولين الخاسرين عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ من الْخِيَانَة والخباثة وَالْفساد والعلو والعتو والعناد لفرض على كل مُؤمن فرض الْعين أن يعين الدَّين ويهين الْكَافرين ويعامل من كَانَ بَيْننَا وَبينهمْ الاتفاق والاتحاد مُعَاملَة الْحبّ والوداد فالمأمول من غيرتكم الدِّينِيَّة وحميتكم الْعَرَبيَّة أَن تَكُونُوا متنبهين متيقظين وَأَن تراعوا مَعَ طَائِفَة الانكليز والروسية مراسم الوداد والوفاق وتخابروا دَائِما مَعَ الْوَزير المكرم وَإِلَى جدة ومحافظ الْمَدِينَة المنورة أخينا يُوسُف باشا دَامَ فِي حفظ الله الخلاق وتكونوا على رَأْيه وتدبيره وَمُقْتَضى
следующие страницы →