Полный текст (424 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الفاكهي الْمَكِّيّ فِي تأليف لطيف سَمَّاهُ القَوْل النقي فِي مَنَاقِب المتقي ذكر فِيهِ من سيرته الحميدة ورياضاته الْعَظِيمَة ومجاهداته الشاقة مَا يبهر الْعُقُول ولعمري مَا أحسن قَوْله فِيهِ حَيْثُ يَقُول طابق اسْم شَيخنَا عَليّ ولقبه المتقي مَوضِع علماه ومسماه وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من الْكتاب الْمَذْكُور مَا اجْتمع بِهِ أحد من العارفين أبي الْحسن الْبكْرِيّ وَشَيخنَا الْفَقِيه الْعَارِف الزَّاهِد الْوَجِيه العمودي وَشَيخنَا أَمَام الْحَرَمَيْنِ الشهَاب ابْن حجر الشَّافِعِي وصاحبنا فَقِيه مصر شمس الدّين الرَّمْلِيّ الْأنْصَارِيّ وَشَيخنَا فصيح عُلَمَاء عصره شمس الْبكْرِيّ وَلكُل من هَؤُلَاءِ الجلة عِنْدِي مَا دلّ على كَمَال مِدْحَة شَيخنَا المتقي بِحسن استقامته والاستقامة أجل كرمه وَقَول كل من هَؤُلَاءِ معتمدي شَهَادَته ... إِذا قَالَت حذام فصدقوها ... فإنالقول مَا قَالَت حذام ...
قَالَ وَمن ثمَّ اشْتهر باقليم مَكَّة المشرفة أشهر من قفا وَصَارَ يَقْصِدهُ وُفُود بَيت الله كَمَا يقْصد الْمشعر الْحَرَام والصفا حَتَّى بلغ صيته لسلطان الْإِسْلَام المرحوم الْمُقَدّس سُلَيْمَان بعد أَن كَانَ يفرغ على يَدَيْهِ بل قَدَمَيْهِ مَاء الطَّهَارَة مَحْمُود أعظم سلاطين الْهِنْد اعتقادا فِيمَا لَهُ من شَأْن قَالَ وشهرته فِي الْهِنْد وجهاتها أَضْعَاف شهرته بِمَكَّة كَمَا لَا يحْتَاج فِي ذَلِك إِلَى اقامة برهَان قَالَ وَمن مناقبه أَن بعض أَصْحَابه رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فِي حَيَاة لاشيخ عَليّ وَكَانَت الرؤؤيا بِمَكَّة المشرفة قَائِلا يَا رَسُول الله بِمَاذَا تَأْمُرنِي حَتَّى أَفعلهُ قَالَ تَابع الشَّيْخ عَليّ المتقي فَمَا فعل افعله انْتهى
قلت وَفِي هَذَا أدل دَلِيل على أَن الشَّيْخ عَليّ المتقي نفعنا الله ببركاته كَانَ لَهُ النَّصِيب الأوفر من مُتَابَعَته ﷺ وَلذَا خصّه ﷺ بِالذكر دون غَيره من أهل زَمَانه وَأمر الرَّائِي بملاحظة افعاله ومتابعته فِيهَا إِلَى غير ذَلِك من الاشارات كتسميته شَيخا وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو اسحق الشِّيرَازِيّ نفعنا الله ببركاته يفتخر بمنام نبوي فِيهِ تسميهة النَّبِي ﷺ لَهُ شَيخا
قلت وَرَأَيْت فِي بعض التَّعَالِيق رِسَالَة من إملاء الشَّيْخ مفعنا الله ببركاته تشْتَمل على نبذة من أَحْوَاله الَّتِي لَا تتلقى إِلَّا عَنهُ كالمشيرة إِلَى كَمَال
стр. 282
مبدأه ومآله فَرَأَيْت إِن أذكر مِنْهَا هُنَا مَا دعت إِلَيْهِ الْحَاجة قَالَ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لَهُ رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَأما بعد فَيَقُول الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى على بنم حسام الدّين الشهير بالمتقي أَنه خطر فِي خاطري ان ابين للأصحاب من أول أَمْرِي إِلَى آخِره فاعلموا رحمكم الله أَن الْفَقِير لما وصل عمري إِلَى ثَمَان سِنِين جَاءَ فِي خاطر وَالِدي ﵀ أَن يَجْعَلنِي مرِيدا لحضرة الشَّيْخ باجن قدس الله سره فجعلني مرِيدا وَكَانَ طَرِيقه طَرِيق السماع وَأهل الذَّوْق والصفاء فبايعني على طَرِيق الْمَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَأخذت عَنهُ وَأَنا ابْن ثَمَان سِنِين ولقنني الذّكر الشَّيْخ عبد الْحَكِيم بن الشَّيْخ باجن قدس سره وَكنت فِي بداية أَمْرِي أكتسب بصنعة الْكتاب لقوتي وقوت عيالي وسافرت الْبلدَانِ فَلَمَّا وصلت إِلَى الملتان صَحِبت الشَّيْخ حسام الدّين وَكَانَ طَرِيقه طَرِيق الْمُتَّقِينَ فصحبته مَا شَاءَ الله ثمَّ وصلت مَكَّة المشرفة وصحبت الشَّيْخ أَبَا الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي قدس الله سره وَكَانَ لَهُ طَرِيق التَّعَلُّم والتعليم وَكَانَ شَيخا عَارِفًا كَامِلا فِي الْفِقْه والتصوف فصحبته مَا شَاءَ الله ولقنني الذّكر وَحصل لي من هذَيْن الشَّيْخَيْنِ الجليلين عَلَيْهِمَا الرَّحْمَة والغفران من الْفَوَائِد العلمية والذوقية الَّتِي تتَعَلَّق بعلوم الصُّوفِيَّة فصنفت بعد ذَلِك كتبا ورسائل وَأول رِسَالَة صنفتها فِي الطَّرِيق إِلَى الله سميتها تَبْيِين الطّرق إِلَى الله تَعَالَى وَآخر رِسَالَة صنفتها سميتها غَايَة الْكَمَال فِي بَيَان أفضل الْأَعْمَال فَمن كَانَ من الطّلبَة حصل مِنْهُمَا رِسَالَة يَنْبَغِي لَهُ ان يحصل الْأُخْرَى ليلازم بَينهمَا فِي الْقَصْد انْتهى
قلت وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا كَانَ هَذَا الرجل إِلَّا من حَسَنَات الدَّهْر وخاتمه أهل الْوَرع ومفاخر الْهِنْد وشهرته تغني عَن تَرْجَمته وتعظيمه فِي الْقُلُوب يُغني عَن مدحه
وفيهَا غرق مركب بِالْهِنْدِ فِي خور كنباته كَانَ فِيهِ عشرَة من السَّادة آل أَبَا علوي فَكَانُوا مكن جملَة من غرق وحصلت لَهُم الشَّهَادَة بِسَبَب ذَلِك رَحِمهم الله
стр. 283
سنة سِتّ وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٦) هـ
وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ آخر النَّهَار ثامن شَرّ صفر سنة سِتّ وَسبعين توفّي الْوَلِيّ الشهير شيخ بن الشَّيْخ عبد الله عَليّ بن أبي بكر أَبَا علوي بتريم وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء
وَحكي أَنه كَانَ ببر سعد الدّين فِي مجْلِس فَكَانَ يَأْتِي إِلَى ذَلِك الْمجْلس رجل فِي زِيّ سَائل أَو مَجْنُون ويشتمه من بَين الْجَمَاعَة من غير مُوجب لذَلِك وَلَا سبق معرفَة بَينه وَبَينه وَكَأَنَّهُ كَانَ وَالله أعلم يُرِيد اختباره وَينظر صبره على الْمَكْرُوه واحتماله للأذى وتكرر مِنْهُ ذَلِك وَرُبمَا أَرَادَ الْحَاضِرُونَ أَن يقعوا فِيهِ فيمنعهم الشريف من ذَلِك فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام قَالَ لَهُ تعال إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ واصحب مَعَك دَوَاة وقلماً ومُوسَى فَفعل مَا أمره وَوجد هُنَاكَ وَحده فَقَالَ لَهُ هَات الموسى نُرِيد نذبحك بهَا فَأعْطَاهُ اياها مستسلماً ثمَّ طلب مِنْهُ الدواة والقلم وَعلمه الوفق الثلاثي وَأرَاهُ وَضعه وَعلمه اسْم الله الْأَعْظَم ثمَّ ذهب ذَلِك الرجل وَلم ير بعد ذَلِك فَصَارَ الشريف إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ من التَّصَرُّف بعد ذَلِك وَأَخْبرنِي بعض الثِّقَات قَالَ بَيْنَمَا أَنا أَسِير مَعَه بترنم إِذْ أَخذ من ورق بعض الْأَشْجَار وَأكل مِنْهُ وَأَعْطَانِي فَإِذا هُوَ ورق القات وَهُوَ لَا يُوجد بحضرموت أصلا
وفيهَا توفّي الْعَلامَة الشهير الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي الْمَكِّيّ وَقد طبق بعض الْفُضَلَاء تَارِيخ ذَلِك الْعَام بِعَدَد حُرُوف بجنان الْخلد قد أصبح ثمَّ نظم ذَلِك التَّارِيخ فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ ... إِن مكن أجْرى الدُّمُوع على ... عز دين اله قد أَفْلح
قد أَتَى تَارِيخه ضبطاً ... بجنان الْخلد قد أصبحا ...
وَكَانَ مولده سنة تِسْعمائَة وَكَانَ من أَعْيَان عُلَمَاء مَكَّة وفضلائها وأكابرها ورؤسائها وَله قصيدتين عظيمتين فِي مدح النَّبِي ﷺ أَجَاد فيهمَا كل الإجادة احدهما عَارض فيهمَا الْبردَة وسماها الْفَتْح التَّام فِي مدح خير الْأَنَام وَالْأُخْرَى عَارض فِيهَا أم القري وسماها الْفَتْح الْمُبين فِي مدح سيد الْمُرْسلين وَحَيْثُ كَانَت أم الْقرى مَرْفُوعَة والقيراطية مَكْسُورَة جعل قصيدته مَفْتُوحَة وَمَا أحسن قَوْله فِيهَا مُشِيرا إِلَى ذَلِك مَعَ
стр. 284
التورية بمزيد التَّوَاضُع وَالِاعْتِرَاف بالقصور عَن تِلْكَ المسالك ... فَازَ بِالرَّفْع مقلق لَك وشا ... كَيفَ ترقى وأفحم الشُّعَرَاء
وبحفض الْجنان جوزى منشي ... ذكر الْمُلْتَقى جزآء وَفَاء
جِئْت من بعد ذَا وَذَاكَ أخيراً ... فَلهَذَا نظمي على الْفَتْح جآء ...
وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ أوحد الْفُضَلَاء وَبَقِيَّة الْعلمَاء حسن الشّعْر والانشاء وَفِيه يَقُول الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي من أَبْيَات ... أجل جيران بَيت الله قاطبة ... علما إِذا وصفوا فِي مَكَّة العلما ...
وَله فِيهِ أَيْضا ... أَنْت الَّذِي بِصِفَات الْفضل أجمعها ... فِي ببلدة الله أولى سَائِر العلما
فليهن مَكَّة بل وليهن ساكنها وليهن ابطحها وَالْبَيْت والحرما ...
وَمن شعره الْحسن أَبْيَات الْفرج الَّتِي اسْتَغَاثَ فِيهَا بِصَاحِب الْخلق الْحسن سيد الْمُرْسلين وَرَسُول رب الْعَالمين وَهِي هَذِه ... يَا رَسُول الله عجل بالفرج ... قد توالى الكرب وَاشْتَدَّ الْحَرج
يَا رَسُول الله فِي جاهك لي ... سَعَة إِن ضَاقَ بِي كل نهج
فسما بِاللَّه مَا لَاذَ امرء ... بك فِي خطب رجا إِلَّا انبلج
أَنْت شمس الْكَوْن وَالْهَادِي الَّذِي ملئت مِلَّته الدُّنْيَا بلج
أَنْت للرسل طراز معلم ... بسنى النُّور الآلهي انتسج
كل وصف فِي معاليك انطوى ... كل لفظ فِي معانيك اندرج
بضيا السؤدد وَالْفَخْر انْتهى ... عِنْد بَيت فاخر مِنْهُ خرج
طيب الاعراق مَا فاح لَهُ ... عرق إِلَّا هفا طيب الأرج
حسن الْخلق جميل مشرق ... من رأى حسن محياه ابتهج
ابلج أَن لَاحَ فِي جنح الدجى ... خلت من لئلآئه الصُّبْح انبلج
وسعت أخلاقه الْخلق فَلم ... يَك فَاحِشا غليظ الْقلب فج
كرماً يعْفُو عَن الْجَانِي الَّذِي ... سد عَنهُ ذئبه كل الْفرج
ورماه الغي وَالْجهل على ... سَاحل الْبَحْر وَفِي الْبَحْر ولج
стр. 285
.. قَدمته الرُّسُل فِي موقفها ... لَيْلَة الْإِسْرَاء فصفلى وعرج
وارتقى السَّبع السَّمَوَات إِلَى ... قاب قوسين وَفِي الْأَنْوَار زج
وَله شَفَاعَة الْفضل لذا ... مقَامه الْمَحْمُود فِي أَعلَى درج
وَجهه حجتنا الْبَيْضَاء فِي ... يَوْم تَأتي النَّاس فِيهِ بالحجج
يَا وجيه الْوَجْه طَالَتْ غربتي ... كل يَوْم مر مِنْهَا كحجج
أَن يطلّ هَذَا المدى يقصر فِي ... أمد الْعُمر واقفوا من درج
كمجرعنا كأس هم مترعاً ... خمر خوف بأذى الْبرد امتزج
خطْوَة فِي الْبر وَالْبَحْر مَعًا ... وسرى بَين ثلوج ولجج
فِي حول وجبال شمخ ... شاهقات مَا إِلَيْهَا منعرج
قطن الثَّلج بهَا فَهُوَ الَّذِي ندف الْقطن عَلَيْهَا وحلج
سفرة قد بَعدت شقتها ... فتت منا قلوباً ومهج
أَيْن أَرض الرّوم من أم الْقرى ... جادهات صوب من الوسمي ثج
غرباً فِي دَار قوم عِنْدهم ... عَرَبِيّ الدَّار من بعض الهمج
بينعهم كل فصيح نَاطِق ... بِلِسَان عَرَبِيّ ذِي عوج
عظم الكرب وَلَكِن نرتجي ... برَسُول الله يأتينا الْفرج
قد توسلنا إِلَى الله بِهِ ... ولجا كل لمَوْلَاهُ ولج
شرعة آدم قدماً سنّهَا ... لِبَنِيهِ فانتهجنا مَا انتهج
يَا أعز الْعَرَب يَا من بَابه ... قطّ منسائل رفده مَا ارتتج
نسْأَل الله نجلي مَا بِنَا ... حل من كرب شَدِيد وحرج
يَا إلهي بِالنَّبِيِّ الْمُصْطَفى ... خير من حج وَمن تج وعج
اطو بعد السّير عَنَّا سَيِّدي ... اجْعَل العقبى سُرُورًا وَفرج
وآنل كل امرء مَا نوى ... واطف حرا بَين جَنْبي اعتلج
واجبر المكسور بِالْعودِ إِلَى ... بَيْنك المحجوج كي يحظى بِحَجّ
رب قربنا إِلَى أوطاننا ... فلنار الْبعد فِي الاحشا وهج
رب واجعلنا بجاه الْمُصْطَفى ... فِي حمى بَيْتك لَا نخشى هرج
نَحن جيرانك وَالْجَار لَهُ ... جَانب يُرْجَى على ألف عوج
أَنْت أوصيت على الْجَار فَلَا ... تنس جارا مِنْهُ الضّر فهج
لَا تعذبنا ببعد عَن فَنًّا ... حرم يُؤْتى لَهُ من كل فج
стр. 286
.. إِن ركبنَا الذِّئْب يجهل مَا سوى ... عفوك اللَّهُمَّ فِي النَّفس اختلج
فاعفو عَنَّا مَا مضى واغفر لنا ... تَوْبَة شدّ التقى مِنْهَا السرج
وَاخْتِمْ الْأَعْمَار بِالْخَيرِ فقد ... ذهبت فِي اللَّهْو مِنْهُنَّ حجج
وَصَلَاة وَسَلام مِنْهُمَا ... ارج الْمسك على الْهَادِي نفج
وعَلى أَصْحَابه والآل مَا ... أَوب الركب إِلَيْهِ أَو دلج ...
وَمِنْه هَذَا التخميس على أَبْيَات الْعَارِف الشَّيْخ عَليّ وفا ... يارب باللطف الْخَفي لنا تدارك ... وَارْحَمْ ضعافا جاوروا بَيْتك ودارك ... نادوك حِين الكرب لازمهم ودارك ... ذُو الجاه يحمي جَاره فاحمي جوارك ... لَا تتركنفي قَبضه الأسرى جَارك ... جاربسوح فناك دَامَ حُلُوله ... لم يخْش ضيماً فِي حماك يهوله ... لم لَا وَأَنت من الْهون كفيله ... حاشا جنابك أَن يضام نزيله ... حاشا مهابك أَن يهاب من استجارك ... بِالْحَرْبِ آذننا زمَان قد عدا ... وَلنَا فوارسه اعدوا رصدا ... أعداؤنا صالوا وشرهم بدا ... انصر فراغوثاه قد عدت العبدا ... لَا قابلت فرسَان نَصرهم انتصارك ... ارجاء ساحتك الَّتِي تسع الملا ... تركت ضِيَافَة من إِلَيْهَا أَقبلَا ... من ضيق عَيْش سعر فِيهَا غلا ... يَا آمراً بكرامة الأضياف لَا ... تهمل ضِيَافَة مضيفك الْمُبَارك ... اني عجزت عَن احتيال منقذي ... من خوف أمراض بهَا قلبِي غذي ... فطرقت بابك طرْقَة المتعوذي ... فَامْنُنْ بأمن الْعَاجِز الوجل الَّذِي ... قُدَّام بابك سَائِلًا يَرْجُو اقتدارك ... برد بعفوك حر لاعج حرقتي ...
стр. 287
.. ابدل بتوفير الأنابة وجهتي ... أَنِّي صرفت لقصد بابك وجهتي ... بَاب إِذا مَا أمه ذُو لوعة ... هدى لواعحجه وجلله وقارك ... أَنْت الَّذِي فِي الْجنُود لَيْسَ كمثله ... أَي افتقارك خشى منكله ... وغناك يَا ذَا الْفضل وتاكف ويله ... من أمه نادته ألسن فَضله ... أَهلا وسهلاً قد كَفَيْنَاك افتقارك ...
وَكَانَت لَهُ جاريتان أحداهما اسْمهَا غزال وَالْأُخْرَى دَامَ السرُور فاتفق أَنه باعهما ثمَّ نَدم على ذَلِك فَقَالَ ... بجاريتي كنت قرير عين ... وَافق مسرتي بهما مِنْبَر
فنفر صرف أيامي غزالي ... فَلَا دَامَت وَلَا دَامَ السرُور ...
وفيهَا كَانَت ولادَة أخي مُحَمَّد فضل الله بِأَحْمَد آباد وتاريخ هَذَا الْعَام بِعَدَد حُرُوف فضل الله وَهَذَا من غَرِيب الِاتِّفَاق وَهَذَا التَّارِيخ للوالد ﵀ ونظمه الأديب الْفَاضِل عبد اللَّطِيف المنشي فِي أَبْيَات فَقَالَ ... بدا كَوْكَب من أفق عز وسؤدد ... بِهِ يسر الله الْأَمَانِي كَمَا نشا
وزهت بِهِ الدُّنْيَا وَعَاد لأَهْلهَا ... نشاطا كمن تعاطى المدامة وانتشا
وَلَا غرو مِنْهُ أَنه خير بضعَة ... لخير عباد الله أَن قَامَ أَو مَشى
وَمن عجب أَن جَاءَ عَام ظُهُوره ... لقد وَافق الِاسْم الشريف بِلَا غشا
وَهَذَا هُوَ الْخط الْعَظِيم بِلَا مرا ... وَذَلِكَ فضل الله يَأْتِيهِ من يشا ...
وَكَانَت وَفَاته سَابِع جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة فِي حَيَاة الْوَالِد وَهُوَ ابْن سنتَيْن وأرعة أشهر وَدَفنه الْوَالِد دَاخل الْبَيْت ثمَّ أَن سَيِّدي الْوَالِد دفن إِلَى جنبه وبنيت الْقبَّة عَلَيْهِمَا بعد ذَلِك وَسمعت الشَّيْخ الْعَلامَة حميد بن عبد الله السندي ﵀ يَقُول قلت للشَّيْخ لم اختر تمّ دَفنه فِي الْبَيْت فَقَالَ لنا فِي هَذَا قصد فَلَمَّا توفّي الشَّيْخ دفن هُنَاكَ ظهر لي مَا كَانَ أَشَارَ إِلَيْهِ وَأَخْبرنِي بعض الثِّقَات عَن الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير أَنه قَالَ وجدت فِيهِ حَال الْغسْل حَرَكَة فَأخْبرت وَالِده فَقَالَ امْضِ على حالك وَلَا عَلَيْك مِمَّا رَأَيْت
стр. 288
وفيهَا كَانَت ولادَة الْوَزير الْعَادِل ميرزا شمس الدّين فَقلت مادحاً لجنابه الشريف ومضمناً هَذَا التَّارِيخ اللَّطِيف وَهُوَ ... أبوالفتح شمس الدّين كَهْف ومقصد ... بِهِ حوزة الْإِسْلَام حازت لمَنعه
بِهِ نصر الشَّرْع الشريف وَأَهله ... وَتمّ نظام الْملك من حسن نِيَّة
فأيامه فِي الدَّهْر غرَّة وَجهه ... وطلعته أخفت لشمس الظهيرة
وتدبير للْملك دلّ بِأَنَّهُ ... عَلَيْهِ معَان من أهل الْبَريَّة
لَهُ سيرة بِالْعَدْلِ وَالْخَيْر والتقى ... ومعروفه يسدى لأهل الْمُرُوءَة
لَهُ المولد الْأَسْنَى يظْهر فَضله ... فَمن مثله قد نَالَ تِلْكَ الْفَضِيلَة
وَذَلِكَ فضل اله يؤتيه من يشا ... خُصُوصِيَّة مِنْهُ لَهُ بمزية
بهَا خصة الله الْمُهَيْمِن ربه ... بِهِ جَادَتْ الدُّنْيَا على حِين فَتْرَة
فبشرى من الله الْعَزِيز بنصره ... لَهُ الْحَمد مني ثمَّ شكري ومدحتي ...
وَكَانَ قد ولي أَحْمد أباد مُدَّة من الزَّمَان ثمَّ فصل عَنْهَا وَحصل بعده مَا حصل من الظُّلم والطغيان فَقلت فِي ذَلِك ... رَأَيْت الْبِلَاد وَقد علاها كسوف ... فَقلت عهدي بك وَأَنت ذَات شمسي
قَالَت غَابَ نوري مذ فقدت عدله ... إِن تعد إِلَيّ شمسي أكون كأمسي ...
قلت وعَلى ذكر مُوَافقَة التَّارِيخ الِاسْم كَانَ ولد لي فِي سنة خمس بعد ألف سميته عبد اللَّطِيف ولقبته بتاج العارفين وَجعل تَارِيخ ذَلِك الْعَام صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ البسكري بدا تَاج العارفينا ثمَّ نظمه فِي سأبيات فَقَالَ ﵀ ... بدا تَاج لجمع العارفينا ... ولي الله فاعلمهيقينا
بدا عبد اللَّطِيف بِكُل لطف ... يعم بِهِ الْأَقَارِب والبنينا
بدا فأضاء الْوُجُود لَهُ بِحَق ... وأشرق نوره فِي العالمينا
وَعم الْكل مظهره سُرُورًا ... وَخص الْأَهْل ثمَّ الوالدينا
هُوَ الشَّيْخ ابْن شيخ وَابْن شيخ ... إِلَى رَأس الرؤوس على روينَا
فيا لله مَا أَعْلَاهُ شَأْنًا ... وأنور وَجهه الزاهي المبينا
وأسأل من إِلَه الْعَرْش فضلا ... بأنينشيه نشو الصالحينا
ويحميه من الْأَعْدَاء دَوْمًا ... ويحفظه ويجعله مكينا
стр. 289
.. بِحَق مُحَمَّد والآل طراً ... وكل الْأَوْلِيَاء والمرسلينا
وتاريخ لَهُ بدءاً وختماً ... أَتَى يَا صَاح فِي نظمي مُبينًا
فعاينه بِفضل مِنْك واسأل ... من الْمولى الدُّعَاء لَهُ معينا
ترَاهُ جَاءَ فِي ذَا اللَّفْظ طبقًا ... وَهَا هُوَ القطب تَاج العارفينا ...
وَتُوفِّي فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ بعد الْألف وعمره نَحْو سنة وشهرين فَإِنَّهُ ولد فِي رَمَضَان من السّنة الَّتِي قبلهَا وَمَات فِي هَذَا التَّارِيخ فَليعلم وقبره دَاخل قبَّة سَيِّدي الْوَالِد
سنة سبع وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٧) هـ
وَفِي آخر شعْبَان سنة سبع وَسبعين توفّي السُّلْطَان الْأَعْظَم وَالْملك الأكرم السُّلْطَان بدر بن السُّلْطَان عبد الله بن السُّلْطَان جَعْفَر الكثيري سُلْطَان حَضرمَوْت وَكَانَ مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة وَولي السلطنة وَهُوَ شَاب وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق جودا كثير الإنفقا وافر الْعقل ظَاهر الْفضل عريق الرِّئَاسَة حسن السياسة طيب السِّيرَة جميل الصُّورَة حَتَّى كَانَ كَمَا قَالَ بعض الْفُضَلَاء كَانَ كاسمه بَدْرًا منيرا أَيْنَمَا طلع سَطَعَ وغيثا عَزِيزًا كَيفَ مَا وَقع نفع وَكَانَ فِي زَمَانه بدر الصُّدُور وَصدر البدور وَكَانَ لطيف المعاشرة ظريف المحاضرة شجاعاً مقداماً وهزبراً ضرغاماً فكم أباد أحزاب الضلال ومزقها وَكم أَزَال فرق الْفساد وفرقهاوكان محظوظاً جدا حَتَّى كَانَ لَا يقْصد بَابا مغلقاً إِلَّا انْفَتح وَلَا يقدم على أَمر مبعم إِلَّا اتَّضَح وَلَا يتَوَجَّه إِلَى مطلب إِلَّا نجح وَهُوَ الَّذِي دَان الْبِلَاد وخضعت لَهُ الْعباد وَأول من أظهر بحضرموت هَيْبَة الْملك بسعده وَأسسَ قَوَاعِد السلطنة ومهدها لمن يعده وطالت دولته حَتَّى لم يعلم أَن أحدا من السلاطين مكث فِي الْملك هَذِه الْمدَّة
وَكَانَ يُقَال أَن ثَلَاثَة من الصسلاطين كَانُوا فِي عصر وَاحِد وَكَانُوا متقاربين فِي السن وَالْولَايَة وَكَانُوا رزقوا السعد والاقبال وطالت أَيَّام ملكهم أحدهم صَاحب التَّرْجَمَة هَذَا وَالثَّانِي الشريف أَبُو نمي بسن بَرَكَات وَالثَّالِث السُّلْطَان سُلَيْمَان صَاحب اروم
стр. 290
وَحكي إِن جمَاعَة نالوا من السُّلْطَان بدر بِحُضُور بعض الصلحاء الْكِبَار من السَّادة آل أَبَا علوي فنهاهم عَن ذَلِك وَقَالَ هُوَ خير من الأروام وَمَا يروي من ذَلِك عَنْهُم ولولاه مَا سلمت حَضرمَوْت مِنْهُم وَلَا استحلوا الْحَرَام وظلموا الْأَنَام وَكَانَ ذَلِك الصَّالح يَدْعُو بطول بَقَاء السُّلْطَان الْمَذْكُور وَكَانُوا يرَوْنَ أَنه حامياً لَهُ بِحَالهِ الْمَشْهُور فَمَا حصل عَلَيْهِ مَا حصل من سَابق الْمَقْدُور إِلَّا بعد موت ذَلِك الرجل الْمَذْكُور وَقد مدحه بعض الْعلمَاء الْأَعْلَام بِهَذِهِ القصيدة البديعة وَهِي ... اشبب لَكِن بالمفاخر وَالْمجد ... ولي صبوة لَكِن إِلَى طالع السعد
ولي طرب لَكِن إِلَى حَضْرَة العللا ... ولي ظمأ لَكِن إِلَى الْكَوْثَر الْعد
إِلَى حَضْرَة الْعليا إِلَى مُنْتَهى المنى ... إِلَى مقْعد الْأَسْنَى إِلَى جنَّة الْخلد
إِلَى الطَّاهِر الأزكى إِلَى علم الْهدى ... إِلَى العروة الوثقى إِلَى الْجَوْهَر الْفَرد
إِلَى الأمجد الْمولى إِلَى ملك الورى ... إِلَى منبع الْحسنى إِلَى الأسل الْورْد
إِلَى ذِي العلى وَالْفضل وَالْفَخْر والحجى ... وذى النّسَب الوضاح والخط وَالْجد
إِلَى ذِي علم الأجواد صفوة جَعْفَر ... أبي عمر الْمُعْطِي المطهمة الجرد
فمدح ابْن عبد الله أولى فَأَنَّهُ ... هُوَ الْملك الشهم السبوق إِلَى الْجد
أَخُو هَمهمْ جاوزن أبعد غَايَة ... وَجزم وحزم بغنيان عَن الحشد
فَمَا جَعْفَر من المستعين ووايث ... ومستنصر والمستضيء وَمَا الْمهْدي
وماالملك الْمَنْصُور والمكتفي ... وَمَا الْأمين وَمَا الْمَأْمُون وَمَا صَاحب الرشد
وَمَا المرتضى وَمَا المفتدى ثمَّ طائع ... وَمَا المقتفى فِي سَاعَة الْبَذْل والرقد
وَمَا قاهر مَا قَائِم متوكل ... ومستعصم بِاللَّه فِي الْحل وَالْعقد
وَمَا طَاهِر مسترشد ثمَّ رَاشد ... وَمَا الْحَاكِم الْمَعْرُوف فِي النَّاس بِالْقَصْدِ
ومستنجد إِلَّا كعقد مفصل ... بدر وَبدر الْملك وَاسِطَة العقد
حوى كل فضل مُجمل ومفصل ... وَهَذَا الَّذِي ابديت معشار مَا عِنْدِي
فطاعته فرض وصحبته غنى ... مجانبته حَرْب وخصمته تردي
فسبحان من أعطَاهُ مكلكا على الورى ... وألزمه فِي أمره خدمَة العَبْد
فَلَا زلت محروساً وقدرك سامياً ... وملكك مَحْفُوظًا وعيشك فِي رغد
وصيتك منشوراً وعدلك شَامِلًا ... وجودك مَبْسُوطا على الشَّام والهند
يساعدك الْمَقْدُور فِيمَا تريده ... وتخدمك الْأَمْلَاك فيالقرب والبعد ...
стр. 291
ثمَّ توفّي بعده وَلَده السُّلْطَان عبد الله وَهُوَ الَّذِي قبض على أَبِيه وَحجر عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ وَغلب على الْملك ووثب على السلطنة وَكَانَ رَأْي بعض الصَّالِحين فِي الْمَنَام رُؤْيا حاصلها أَنه رأى أَرْبَعَة من الصَّالِحين عرف مِنْهُم الْوَلِيّ الشهير الشَّيْخ مُحَمَّد أَبَا وَزِير كل مِنْهُم قد مسك ركنا وَقَالُوا نُرِيد نولي عبد الله فَلم تمض بعد ذَلِك إِلَّا مُدَّة يسيرَة وهجم الْمشَار إِلَيْهِ على أَبِيه وَاسْتولى على الْملك وَذَلِكَ دَلِيل على مَا رُوِيَ أَنه لَا يقوم سُلْطَان فِي هَذَا الْعَالم عَالم الشَّهَادَة إِلَّا بعد أَن ينصبه أَوْلِيَاء الله تَعَالَى بِإِذن الله تَعَالَى فِي عَالم الْغَيْب وَكَانَ حسن الِاعْتِقَاد فِي الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ محباً للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ﵀
وَتَوَلَّى بعده وَلَده السُّلْطَان جَعْفَر وَلم تطل أَيَّامه وَمَات مقتولا فِي سنة سبعين
ثمَّ تولى بعده عَمه السُّلْطَان الْعَادِل وَالْملك الْكَامِل اسلطان عمر بن السُّلْطَان بدر سُلْطَان الْعَصْر وأعجوبة الدَّهْر جم الْفَضَائِل حسن الشَّمَائِل وافر الْعقل كثير الْعدْل ذُو سيرة مرضية فِي الرّعية وسلوك حسن مَعَ سَائِر الْبَريَّة حسن السياسة صَادِق الفراسة صَاحب أَخْلَاق الطف من النسيم وأبهج من الدّرّ النظيم قل أَن ورد عَلَيْهِ أحد من الغرباء إِلَّا وَصدر يثني عَلَيْهِ الثَّنَاء الْجَمِيل أَو وَفد إِلَى ساحته بعض الْفُضَلَاء إِلَّا وَانْصَرف يشْكر مَا أسداه إِلَيْهِ من الْبر الجزيل ... ثَنَاء جميل عَنْك يشني معطر ... ووفرك مبذول وعرضك سَالم
وسعت الورى حلماً وبشراً بهيبة ... وَبِذَلِك للمعروف والثغر باسم
بصدر رحيب واسعقد وسعتهم ... وجودا حَكَاهُ الوابل المتراكم دمائه أَخْلَاق عَظِيمَة خَالق ... رَحِيم كريم أَصله متقادم جمعت خِصَالًا يَا ابْن بدر حميدة ... بواحدها يُسمى الْفَتى ويساهم
حَيَاء ومعروفاً وجودا بشاشة ... وعلماً وحلماً جلّ من هُوَ قَاسم
فَالله تَعَالَى يمْنَع الْمُسلمين بِبَقَاء ذته الطاهرة ويديم أَيَّام دولته الزاهرة آمين وَأمه أم ولد حبشية وَلَا يفهم من هَذَا أَن مثل هَذَا نقبيضه فِي جلالة قدره الرفيع وعلو شَأْنه الشامخ المنيع
стр. 292
وَحكي أَن هِشَام بن عبد الْملك قَالَ لزيد بنعلي بن الْحُسَيْن رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ الْخلَافَة وَلَا تصلح لَهَا لِأَنَّك ابْن أمة فَقَالَ لهزيد ﵁ إِن الْأُمَّهَات لايضعن شَيْئا من الْأَبْنَاء وَلَيْسَ أحد أولى بِاللَّه وَلَا أرفع منزلَة عِنْده من نَبِي بَعثه وَقد كَانَ إِسْمَاعِيل ﵇ من خير الْأَنْبِيَاء وَولد مُحَمَّد خَيرهمْ وَكَانَ ابْن أَمة وَأَخُوهُ ابْن حرَّة مثلك فاختاره الله عَلَيْهِ فَأخْرج مِنْهُ خير الْبشر وَأم اسحاق سارة فَمن وَلَده القردة والخنازير وَمَا على أحد جده رَسُول الله ﷺ مَا كَانَت أمه فَخَجِلَ هِشَام وَتزَوج زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ أّمة لَهُ أعْتقهَا فلامه عبد الْملك على ذَلِك وَكتب غليه أما بعد فَإِنَّهُ بَلغنِي عَنْك أَنَّك اعتقت أمتك وتزوجتها وقدكان لَك فِي أكفائك فِي قُرَيْش مَا تستكرم بِهِ فِي الصهر فَلم تنظر لنَفسك وَلَا لولدك ونكحت فِي اللؤم
فَكتب إِلَيْهِ أما بعد فَإِنِّي أعتقتهابكتاب الله وارتجعتها بِسنة رَسُول الله ﷺ وَأَنه مَا فرق رَسُول الله ﷺ من تقى لأحد فِي مجد أَن الله قد رفع بِالْإِسْلَامِ الخسيسة وَأتم النقبصة وَأكْرم بِهِ من اللؤم فَلَا عَار على مُسلم هَذَا رَسُول الله ﷺ تزوج أَمته وَامْرَأَة عَبده فَقَالَ عبد الْملك إِن عَليّ بن الْحُسَيْن تشرف من حَيْثُ يتضع النَّاس
وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق أَن ثَلَاثَة سادوا الْأَنَام فِي زمانهم وَانْفَرَدَ كل مِنْهُم بِالْفَضْلِ الظَّاهِر وَالْعقل الباهر ومزيد الصّلاح والهمة الْعَالِيَة والسيرة الحميدة والذكاء العجيب والفهم الْغَرِيب وَالنّظم الْحسن والإنشاء البديع وَكَانَت أم كل وَاحِد مِنْهُم أم ولد حبشية
أما أحدهم فالشريف الْفَاضِل الصَّالح وجله الدّين عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْبيض أَبَا علوي وَكَانَت وَفَاته بالشحر سادس جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى بعد الْألف وَالثَّانِي صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بنالعلامة عَليّ البسكري الْمَكِّيّ ثمَّ المغربي الْمَالِكِي وَسَيَأْتِي ذكره فِي تَرْجَمَة صَاحبه الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْحق الْمَالِكِي وَالثَّالِث الشَّيْخ الرئيس ذِي الْكَرم الجم وَالْفضل الْكثير جمال الدّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ الشهير عبد اللَّطِيف الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الشهير بمخدوم زَاده أبقاه الله تَعَالَى
стр. 293
قلت وَكَذَلِكَ كَانَت أم اخي السَّيِّد مُحَمَّد مصطفى الَّذِي يُنَوّه سَيِّدي الْوَالِد بِذكرِهِ وَيُشِير إِلَيْهِ كثييرا أم ولد الحبشية وَاسْمهَا نور الصَّباح وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم السبت ثمن عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة بسورت وَعَلِيهِ وعيه قبَّة ومزار وَكَانَ مولدهفي لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين من شهر رَمَضَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَكَانَت أم أخي السَّيِّد مُحَمَّد فضل الله الْمَوْلُود فِي الْمحرم سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة والمتوفي فِي سَابِع جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة أم ولد هندية وكتانت من الصَّالِحَات العابدات وَكَانَت تقْرَأ الْقُرْآن الْعَظِيم توفيت يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر شعْبَان سنة اثنى عشر بعد الْألف رَحمهَا الله وَيقرب من هَذَا مَا ذكره ابْن الصّلاح ﵀ فِي رحلته قَالَ
روينَا عَن الزُّهْرِيّ انه قَالَ قدمت على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ من أَيْن قدمت يَا زهري قلت م مَكَّة قَالَ فَمن خلفت بهَا يسود أَهلهَا قَالَ قلت عَطاء ابْن أبي رَبَاح قَالَ فَمن الْعَرَب أم من الموَالِي قلت منالموالي قَالَ فيمَ سادهم قلت بالديانة وَالرِّوَايَة قَالَ ان أهل الدّيانَة وَالرِّوَايَة يَنْبَغِي أَن يسودوا النَّاس قلت نعم قَالَ فَمن يسود أهل الْيمن قَالَ قلت طَاوُوس بن كيسَان قَالَ فَمن الْعَرَب أم من الموَالِي قلت من الموَالِي قَالَ فيمَ سادهم قلت بِمَا سادهم بِهِ عَطاء قَالَ من كَانَ كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يسود النَّاس قلت نعم قلت نعم قَالَ فَمن يسود أهل مصر قلت يزِيد بن أبي حبيب قَالَ فَمن الْعَرَب أم من الموَالِي قلت من الموَالِي فَقَالَ كَمَا قَالَ فِي الاولين مَعَه قَالَ فَمن يسود أهل الشَّام قلت مَكْحُول الدِّمَشْقِي قَالَ فَمن الْعَرَب أم من الموَالِي قلت من الموَالِي عبد نوبي أَعتَقته امْرَأَة من هُذَيْل فَقَالَ كَمَا قَالَ ثمَّ قَالَ فَمن يسود أهل الجزيرة قلت مَيْمُون ابْن مهْرَان قَالَ فَمن الْعَرَب أم م الموَالِي قلت من الموَالِي فَقَالَ كَمَا قَالَ ثمك قَالَ فَم يسود أهل خُرَاسَان قلت الضَّحَّاك بن مُزَاحم قَالَ فَمن الْعَرَب أم من الموَالِي قلت من اموالي فَقَالَ كَمَا قلا ثمَّ قَالَ فَمن يسودأهل الْبَصْرَة قلت الْحسن بن أبي الْحسن قَالَ م اعرب أم من الموَالِي قلت من الموَالِي فال فَمن يسود أهل الْكُوفَة قلت
стр. 294
إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ من الْعَرَب ام من الموَالِي قلت من الْعَرَب قَالَ وَيلك يَا زهري فرجت عني فوَاللَّه لتسودن الموَالِي على الْعَرَب حَتَّى يخْطب لَهَا على المنابر وان الْعَرَب تحتهَا قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هُوَ أَمر الله وَدينه فَمن حفظه سَاد وَمن ضيعه سقط
فَائِدَة
كَانَ أَبُو السَّيِّد الْجَلِيل الْكَبِير الْمِقْدَار صَاحب امقامات والأنوار الإِمَام الْعَالم العابد عبد الله بن الْمُبَارك قدس الله روحه عبدا هنجيا كَمَا ذكر القزيني فِي كتاب أَخْبَار الْبِلَاد وآثار الْعباد وَكَانَ هَذَا الرجل من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَمِمَّنْ تستنزل الرَّحْمَة بِذكرِهِ وترجي الْمَغْفِرَة بحبه كَمَا قَالَه ولي الله الإِمَام النَّوَوِيّ ﵀ فَلَا بُد أَن تشف الاسماع بِذكر شَيْء من أَوْصَافه الفاخرة رَجَاء أَن ينفعنا الله ببركته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
حُكيَ انه كَانَ بمرو قَاض اسْمه نوح ابْن مَرْيَم وَكَانَ رَئِيسا أَيْضا وَكَانَت لهبنت ذَات جمال خطبهَا جمَاعَة من الْأَعْيَان والأكابر وَكَانَ لَهُ غُلَام هندي ينظر بساتينه فَذهب يَوْمًا إِلَى البستانت فَطلب من غُلَامه شَيْئا من الْعِنَب فَأتى بعنب حامض فَقَالَ لَهُ هَات عنباً حلواً فاتى بحامض فَقَالَ القَاضِي وَيحك مَا تعرف الحلو من الحامض فَقَالَ بلَى وَلَكِنَّك امرتني بحفظها وَمَا امرتني بالاكل مِنْهَا وَمن لَا يَأْكُل لايعرف فتعجب القَاضِي من كَلَامه وَقَالَ حفظ الله عَلَيْك أمانتك وَزوج مِنْهُ ابْنَته فَولدت عبد الله بن الْمُبَارك الْمَشْهُور بِالْعلمِ والورع وَكَانَ يحجّ سنة ويغزو فِي سنة اخرى
وَحكي عَنهُ ﵀ عَلَيْهِ قَالَ خرجت للغزو مرّة فَلَمَّا تراءت الفئتان خرج من صف التّرْك فَارس يَدْعُو إِلَى البرَاز فَخرجت إِلَيْهِ فَإِذا قد دخل وَقت الصَّلَاة قلت لَهُ تَنَح عني حَتَّى أُصَلِّي ثمَّ افرغ لَك فَتنحّى فَصليت رَكْعَتَيْنِ وَذَهَبت إِلَيْهِ فَقَالَ لي تَنَح عني حَتَّى اصلي أَنا أَيْضا فتنحيت عَنهُ فَجعل يُصَلِّي إِلَى الشَّمْس فَلَمَّا خر سَاجِدا هَمَمْت ان أغدر بِهِ فَإِذا قَائِل يَقُول ﴿وأوفوا بالعهد إِن الْعَهْد كَانَ مسؤولا﴾ فَتركت
стр. 295
الْغدر فَلَمَّا فرغ من صلَاته قَالَ لي لم تحركت قلت اردت الْغدر بك قَالَ فَلم تركته قلت لِأَنِّي أمرت بِتَرْكِهِ قَالَ الَّذِي أَمرك بترك الْغدر أَمرنِي بِالْإِيمَان وآمن والتحق بصف الْمُسلمين
وَحكي انه كَانَ معاصراً لفضيل بن عِيَاض رَحْمَة الله عَلَيْهِ وفضيل قدجاور بِمَكَّة وواظب على الْعِبَادَة بِمَكَّة وَالْمَدينَة فَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك ... يَا عَابِد الْحَرَمَيْنِ لَو ابصرتنا ... لعَلِمت انك بِالْعبَادَة تلعب
من كَانَ يخضب جده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
وغبار خيل الله فِي أنف امرءٍ ... ودخان نَار جَهَنَّم لَا يذهب
هذاكتاب الله يحكم بَيْننَا ... لَيْسَ الشَّهِيد كَغَيْرِهِ لَا يكذب ...
وَحكى الْحسن بن الرّبيع انه خرج ذَات سنة فِي جيوش الْمُسلمين إِلَى الْغَزْو فلماتقابل الصفان خرج من صف الْكفَّار فَارس يطْلب الْقرن فَذهب إِلَيْهِ فَارس من الْمُسلمين فَمَا أمْهل الْمُسلم حَتَّى قَتله فخرجح إِلَيْهِ آخر فَمَا أمهله ثمَّ آخر فَمَا أمهله فاحجم النَّاس عَن مبارزته وَدخل الْمُسلمين مِنْهُ حزن فَإِذا فَارس متلثم خرج إِلَيْهِ من صف الْمُسلمين وَرِجَال مَعَه زَمَانا ثمَّ رَمَاه وجر رَأسه فَكبر الْمُسلمُونَ وفرحوا وَلم يكن يعرفهُ اُحْدُ فَعَاد إِلَى مَكَانَهُ وَدخل فِي غمار النَّاس قَالَ الْحسن فبذلت جهدي حَتَّى دَنَوْت مِنْهُ وحلفته ان يرفع لثامه فاذا هُوَ عبد الله بن الْمُبَارك فَقلت يَا امام الْمُسلمين أخفيت نَفسك عَن هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم الَّذِي يسره الله على يدك فَقَالَ الَّذِي فعلت لَهُ لَا يخفى عَلَيْهِ
وَحكي ان عبد الله بن الْمُبَارك عَاد من مرو إِلَى الشَّام لقلم رَآهُ مَعَه بمرو وَصَاحبه بِالشَّام
ورثي سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ عَلَيْهِ بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ مَا فعل اللهبك قَالَ رحمني فَقيل مَا حَال عبد الله بنالمبارك قَالَ هُوَ مِمَّن يدْخل على ربه كل يَوْم مرَّتَيْنِ ولد سنة مائَة وَعشْرين وَتُوفِّي سنة مائَة واحدى وَثَمَانِينَ عَلَيْهِ ﵀ ورضوانه
стр. 296
سنة ثَمَان وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٨) هـ
وَفِي عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس لعشرين خلتمن شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين كَانَ مولد مؤلف هَذَا الْكتاب بلغه الله من الْخَيْر امله وَختم بالسعادة عمله وَقد عمل سَيِّدي الْوَالِد قدس سره لضبط الْعَام الْمَذْكُور تواريخ كَثِيرَة مِنْهَا بخ بمولود سيد قطب زَمَانه وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الاشارة المتضمنة للبشارة من هَذَا السَّيِّد الْجَلِيل وَالْوَلِيّ الْكَبِير وَقد نظم بعض التواريخ الَّذِي جعلهَا سَيِّدي الْوَالِد صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف الجامي الْمَكِّيّ الشهير بمخدوم زَاده فِي مقطعات لَهُ مُتعَدِّدَة وَقَالَ سَيِّدي الْوَالِد عِنْد ذَلِك ... بدا النُّور من نجد وَمن شعب عَامر ... بطلعة أبي بكر الْفَتى عبد الْقَادِر
بِشَهْر ربيع لَيْلَة الْجُمُعَة الغرا ... لثالث عشْرين زهت بالبشائر
لعام ثَمَان بعد سبعين سنوة ... من الْهِجْرَة الغرا ذَات الاشاير
وتسع مئين صَحَّ مِيلَاد سيد ... دعِي بأبا بكر مُحَمَّد باقر
مكن الْمُصْطَفى الْمُخْتَار مشكاة نوره ... إِلَى العيدروس الْمُجْتَبى بالسرائر ...
وَقد خمس هَذِه الأبيات الْفَقِيه الصَّالح أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد أَبَا جَابر وخمسها أَيْضا الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف مخدوم زَاده الْمَذْكُور وصدرها وعجزها أيضاالشيخ الصَّالح الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن الْعَلامَة عَليّ بن مُحَمَّد البسكري الْمَكِّيّ الْمَالِكِي المغربي تغمده الله برحمته
وَكَانَ وَالِدي رَحمَه لله رأى فِي المنامقبل ولادتي بِنَحْوِ نصف شهر جمَاعَة من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْقَادِر يُرِيد حَاجَة منالوالد فَذَلِك هُوَ الَّذِي حمله على تسميتي بِهَذَا الِاسْم وَكَنَّانِي أَيْضا أَبَا بكر ولقبني محيي الدّين وتقرر عِنْده انه سَيكون
стр. 297
لي شَأْن وَكَانَ قل ان يسلم لَهُ أحد من الاولاد بِأَرْض الْهِنْد فَمَا عَاشَ لَهُ مِنْهُم غَيْرِي وَكَانَ يحبني جدا وَقَالَ لي مرّة إِذا وَقع زَمَانك افْعَل ماشئت وَكم لي نه من إشارات تضيق عَن بسطها العباارت وَالْأولَى الْآن طي حكاياتها والمرجو من اللهعود ثَمَرَتهَا وبركتها
وَحكى بعض الثِّقَات قَالَ جَاءَ بعض الوزراء والكبار إِلَى والدك يطْلب مِنْهُ الدُّعَاء فِي أَمر من الْأُمُور وَأَنت إِذا ذَاك صَغِير جدا وَكنت جَالِسا بَين يَدَيْهِ فَقَرَأت فِي الْحَال هَذِه الْآيَة ﴿واخرى تحبونها نصر من الله وَفتح قريب﴾ فَقَالَ الشَّيْخ لَهُم يكفيكم هَذَا الفال هَذَا مثل الْوَحْي قَالَ ثمَّ قضيت تِلْكَ الْحَاجة باذن الله تَعَالَى وَكَانَت أُمِّي أم ولد هندية وهبتها بعض النِّسَاء من ارباب الْخَيْر وَبَيت الْملك الْمَشْهُورَة بالصدقات الجليلة والهبات الجزيلة وَالْكَرم والاحسان والقفضل والامتنان لأبي ﵀ واعطتها حِينَئِذٍ جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من أثاث الْبَيْت وأخدمتها جملَة من الْجَوَارِي وَكَانَت تنظرها مثل ابْنَتهَا وتزورها فِي الشَّهْر مَرَّات وكطانت هِيَ إِذْ ذَاك بكرا وَلم تَلد لَهُ أحدا من الْأَوْلَاد غَيْرِي وَكَانَت من الصَّالِحَات على جَانب عَظِيم من التَّوَاضُع وسلامة الصَّدْر وَحسن الاخلاق وَكَثْرَة الانفاق توفيت ضحى يَوْم الْجُمُعَة لعشرين خلت من شهر رَمَضَان سنة عشر بعد الالف وَكَانَ آخر كَلَامهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وقبرها بجوار سَيِّدي الْوَالِد خَارج قُبَّته الشَّرِيفَة رَحمهَا الله تَعَالَى وقرأت الْقُرْآن الْعَظِيم حَتَّى ختمته على يَد بعض أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَذَلِكَ فِي حَيَاة الْوَالِد تغشاة الله بِالرَّحْمَةِ واشتغلت بعد قِرَاءَة الْقُرْآن بتحصيل طرف من الْعلم وقرأتعدة من الْمُتُون على جمَاعَة من الْعلمَاء والأعلام وتصدت لنشر اعْلَم ومزاحمة أَهله وَذَلِكَ بكرم الله وفضله وَالْأَخْذ عَن الْعلمَاء والاستفادة مِنْهُم وَمَعْرِفَة فَضلهمْ وتعظيمهم مَعَ التظلل مَعَهم بالأقوال والتشبه بهم فِي الْأَفْعَال وتكثير سوادهم ورعي ودادعم وشاركت فِي كثير من الْفُنُون وتفرغت لتَحْصِيل الْعُلُوم النافعة لوجه الله تَعَالَى وَعلمت الهمة فِي اقتناء الْكتب المفيدة وبالغت فِي طلبَهَا من اقطار الْبِلَاد الْبَعِيدَة مَعَ مَا صَار إِلَيّ
стр. 298
من كتب الْوَالِد ﵀ فَاجْتمع عِنْدِي مِنْهَا جملَة عديدة وَلما بَلغنِي ان سَيِّدي الشَّيْخ علد الله العيدروس ﵁ قَالَ من حصل كتاب أَحيَاء عُلُوم الدّين وَجعله غي أَرْبَعِينَ جلدا ضمنت لَهُ على الله بِالْجنَّةِ فحصلته كَذَلِك بِهَذِهِ النِّيَّة وَللَّه الْحَمد ووقفت لاستماع الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة واشتغال الْأَوْقَات بهَا مَعَ صدق النِّيَّة وطالعت كثيرا من الْكتب باعانة الله تَعَالَى ووقفت على أَشْيَاء غَرِيبَة فِيهَا وَفِيمَا تلقيته عنالمشايخ الْأَفْرَاد وفضلاء الْعَصْر الأمجاد وَغَيرهم من الثِّقَات فَلم تفتني بِحَمْد الله سُبْحَانَهُ إِشَارَة صوفية أَو مَسْأَلَة علمية أَو نُكْتَة ادبية وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِك اظهر التجاهل فِي ذَلِك لِأَن الْكَلَام على اشارات التصوف ومقامات الصُّوفِيَّة لَا يَنْبَغِي الشَّخْص أَن يصفها إِلَّا إِذا كَانَ متحققاً بهَا وَمَعَ ذَلِك فَلَا يجوز لَهُ ان يتَكَلَّم فِيهَا مَعَ غير أَهلهَا لانها مَبْنِيَّة على المواجيد والاذواق لَا يطلع على بَيَان حَقِيقَتهَا بالألسنة والأوراق
واما نكت الْأَدَب فَلَا يحسن بعاقل أَن يشْتَهر بِمَعْرِِفَة علمهَا وَالله المسؤول ان يَجْعَل ذَلِك مقرباً اليه وموجباً للزلفى عِنْده ولديه وان يتم لنا كَمَال السَّعَادَة بَان يرزقنا حسن الخاتمة عِنْد الْمَوْت حَتَّى نظفر بِالْحُسْنَى وَزِيَادَة مَعَ الدُّنْيَا وأحبابنا ومشايخنا وأصحابنا وأخواننا وذرارينا انه أكْرم مسؤول قريب مُجيب وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وإلي انيب ثمَّ من الله عَليّ بعد ذَلِك وَله الْحَمد لَا أحصى ثَنَاء عَلَيْهِ بِمَا لَا كَانَ لي قطّ فِي حِسَاب فسبحان المتفضل الْمُنعم الْمُعْطِي الْوَهَّاب حَتَّى سَارَتْ بمصفاتي الرفاق وَقَالَ بفضلي عُلَمَاء الْآفَاق وَرزقت محبَّة ارباب الْقُلُوب من اولياء الله تَعَالَى وحظيت بدعواتهم الصَّالِحَة وعظمني الْعلمَاء شرفا وغرباً وخضع لي الرؤساء طَوْعًا وَكرها وكاتبني مُلُوك الاطراف وأرفدوني بصلاتهم الجليلة وهباتهم الجزيلة ووصلت إِلَى المدائح مكن الْآفَاق كمصثر واقصى الْيمن وَغَيرهمَا من الْبِلَاد الْبَعِيدَة وَأخذ عني غير وَاحِد من الاعلام وانتفع بِي عدَّة من الانام
وَمِمَّنْ لبس مني خرقَة التصوف من الْأَعْيَان السَّيِّد الْجَلِيل الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن يحيى الشَّامي الْمَكِّيّ وَالشَّيْخ الْكَبِير الْعَلامَة الشهير بدر الدّين حُسَيْن بن دَاوُد الكوكني الْهِنْدِيّ وَالشَّيْخ الصَّالح الْعَلامَة الْفَقِيه
стр. 299
أَحْمد بن الْفَقِيه الْوَلِيّ مُحَمَّد بن عبد ارحيم أَبَا جَابر الْحَضْرَمِيّ وَالشَّيْخ الْفَاضِل شهَاب الدّين أَحْمد بن ربيع بن الشَّيْخ الْكَبِير والعلامة الشهير أَحْمد بن ربيبع بن الشَّيْخ الْكَبِير والهعلامة الشير أَحْمد بن عبد الْحق السنباطي الْمَكِّيّ الْمصْرِيّ وَغَيرهم
وَأما الَّذِي لبسهَا من الْمُلُوك والتجار وَطَوَائِف النَّاس فجماعة كَثِيرُونَ وخلائق لَا يُحصونَ والفت جملَة من الْكتب المقبولة الَّتِي لم اسبق إِلَى مثلهَا وَوَقع الاجماع على فَضلهَا فَلَا يكَاد يمتري فِي ذَلِك إِلَّا عَدو أَو حَاسِد وَهِي لعمري على مَا أنعم الله بِهِ من فَضله عَليّ أعظم شَاهد ككتاب الفتوحات القدوسية فِي الْخِرْقَة العيدروسية وَهُوَ كتباب نَفِيس لم يؤلف قبله أجمع مِنْهُ وَهُوَ مُجَلد ضخم وقرظهخ جمَاعَة من الْعلمَاء الاعلام وسادات الانام حَتَّى أَن التقارظ الَّتِي كتبوها عَلَيْهِ جآءت فِي كراريس وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق أَن تَارِيخه جَاءَ مطابقا لموضوعه وَهُوَ لبس خرقَة وكانجعل هَذَا التَّارِيخ الشَّيْخ الْفَاضِل مُحَمَّد بن علبد اللَّطِيف مخدوم زَاده ونظمه فغي ابيات مِنْهَا ... وَلما كَانَ ذَا التَّأْلِيف فِيمَن ... تشرف فِي الانام بِلبْس خرقه
فَلَا عجب وَلَا بدع إِذا مَا ... اتى تَارِيخ ذَلِك لبس خرقه ...
وَكتاب الحدائق الخضرة فِي سيرة النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه الْعشْرَة وَهُوَ أول كتاب ألفته وَكَانَ سني إِذْ ذَاك دون الْعشْرين وَكتاب اتحاف الحضشرة العزيزة بعيون السّير الوجيزة وَهُوَ على نمط كتباب الحدائق إِلَّا انه أَصْغَر مِنْهُ وَهُوَ عَجِيب فِي بَابه وقرظه بعض الْفُضَلَاء وَكتاب الْمُنْتَخب الْمُصْطَفى من أَخْبَار مولد الْمُصْطَفى وَاسْتحْسن اسلوبه بعض الصلحاء من أهل الْعلم جدا وَكتاب الْمِنْهَاج إِلَى الْمعرفَة الْمِعْرَاج وَكتاب الانموذج اللَّطِيف فِي أهل بدر الشريف وَلم أعلم أَن أحدا تقدمني إِلَى أَفْرَاد مَنَاقِب أهل بدر ﵃ وَهَذَا الكتبار الشريف من أعظم الْأَعْمَال الَّتِي أعْتَمد عَلَيْهَا وارجو بهَا من فضل الله الْجنَّة وَكتاب اسباب النجَاة والنجاح فِي اذكار الْمسَاء والصباح وَكتاب الدّرّ الثمين فِي بَيَان المهم من علم الدّين ذكرت فِيهِ كل مَا يجب على الْمُبْتَدِئ
стр. 300
من معرفَة العقائد ثمَّ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ بعد ذَلِك من أَمر دينة كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزَّكَاة وَالْحج ثمَّ بيّنت بعد ذَلِك الاخلاق المذمومة حَتَّى يجتنبها الطَّالِب والأخلاق المحمودة ليجتهد فِي طلبَهَا كل رَاغِب وَهُوَ كتاب نَفِيس جدا ومفيد فِي بَابه إِلَى أقْصَى الْغَايَة وَكتاب الْحَوَاشِي الرشيقة على العروة الْوَثِيقَة وَكتاب منح الْبَارِي يخْتم صَحِيح البُخَارِيّ وَكتاب تَعْرِيف الْأَحْيَاء بفضائل الْأَحْيَاء وباعثه أَن سَيِّدي الشَّيْخ عبد الله العيدروس ﵁ قَالَ غفر اله لمن يكْتب كَلَامي فِي الْغَزالِيّ فرجوت ان يتناولني دعاءه وَأَرَدْت اسعاف وَالِدي بتحقيق رجاه فَإِنِّي سمعته يَقُول إِن أمهخل الزَّمَان جمعت كَلَام الشَّيْخ عبد الله الْغَزالِيّ فِي كتاب وأسميه الْجَوَاهِر المتلالي من كَلَام الشَّيْخ عبد الله فِي الْغَزالِيّ وَقد اشْتَمَل هَذَا الْكتاب على جملَة من كَلَامه فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ وعَلى كتبه وَكتاب عقد اللآل بفضائل الْآل وَكتاب خدمَة السَّادة آل أَبَا علوي بِاخْتِصَار العقد النَّبَوِيّ وارجو ان يوفقني الله لإتمامه وَكتاب بغية المستفيد فِي شرح تحفة المريد وَهُوَ مُخْتَصر جدا وَكتاب النفحة العنبرية فِي شرح الْبَيْتَيْنِ العدنية وَكتاب غَايَة الْقرب فِي شرح نِهَايَة الطّلب اعتنى بِهِ النَّاس كثيرا وحصلوا مِنْهُ نسخا عديدة نَحْو الْأَرْبَعين فِيمَا علمت وَكَانَ بعض الْعلمَاء أَمر وَلَده بحفظه عَن ظهر الْقلب على جاري العوائد فِي حفظ الْمُتُون وَقد اشار إِلَيْهِ الْعَلامَة الحباني مَعَ المولد فِي بض القصائد الَّتِي امتدحني بهَا بقوله ... وبغاية الْقرب الْعُلُوم تفتحت ... وَبِمَا اتانا نخبة فِي المولد ...
وَشرح على قصيدة الشَّيْخ أبي بكر العيدروس صَاحب عدن النونية وَهُوَ كتاب فِي غَايَة الْحسن بديع التَّرْتِيب غَرِيب التَّأْلِيف والتهذيب حسن السبك والأنسجام بِحَيْثُ يفهمهُ الْخَاص وَالْعَام مُشْتَمل على فَوَائِد جمة ومحتو على مَقَاصِد مهمة وَكتاب اتحاف أَخَوان الصفاء بشرح تحفة الظرفاء بأسماء الْخُلَفَاء وَكتاب الْفَتْح الْقُدسِي فِي تفسيرة آيَة الْكُرْسِيّ وَكتاب صدق الْوَفَاء بِحَق الاخاء وَهُوَ مَعَ اختصاره عَجِيب فِي بَابه غَرِيب فِي وَضعه واسلوبه وَكتاب النُّور السافر عَن أَخْبَار الْقرن الْعَاشِر وَهُوَ هَذَا وتفريظ على شرح قصيدة البوصيري الَّتِي عَارض بهَا بَانَتْ سعاد
стр. 301
لشَيْخِنَا شيخ الاسلام ومفتي الأنان الْفَقِيه عبد الْملك بن عبد السَّلَام دعسين الْأمَوِي اليمني الشَّافِعِي وَأخر على رِسَالَة صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن عَليّ ابْن مُحَمَّد البسكري فِي تَنْزِيه الإِمَام مَالك رَحمَه الله تَعَالَى عَن تِلْكَ الْمقَالة الشنيعة الَّتِي نَسَبهَا إِلَيْهِ من لَا أَخْلَاق لَهُ وإجازة للفقيه الصَّالح أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد أَبَا جَابر وديوان شعر جمعه بعض الاصحاب واضاف إِلَيْهِ المدائح الَّتِي فِي النَّاظِم واسْمه الرَّوْض الأريض والفيض المستفيض وَمن نظمي ... إِذا مَا اشْتَدَّ ليل الهموم ودجى ... جعلت إِلَى أهل بدر الالتجا
وَمَا خَابَ عبد لَهُم قد رجا ... ومني توسل بهم إِلَى الله فرجا ...
وَمِنْه ... شافعى أَحْمد لي عِنْد مالكي وَمَا خَابَ من أَحْمد لَهُ شَافِع
بل حقيق ان يغْفر لَهُ زلاته ... وينعم عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ طامع ...
مِنْهُ ... أَيهَا العاذلون اقصروا عَن عتابي ... إِنِّي استعذت فِي الْعِشْق عَذَابي
لَيْسَ لي غير الغرام شرعا ... إِنَّنِي فِيهِ مُرْسل بِالْكتاب ...
مِنْهُ يَا رَسُولي إِذا وصلت إِلَى رَسُولي ... فهن هُنَاكَ نَفسك بالوصول
واذا جزت بحيهم اجْرِ ذكري ... ولطف القَوْل كي يرقوا لنحولي ...
وَمِنْه ... مريدي أصدق تنَلْ مَا تُرِيدُ ... فَكل ذَا على الله لَيْسَ بِبَعِيد
تُرِيدُ قرب مَوْلَاك يَا صَاحِبي ... تقرب فَهُوَ أقرب من حَبل الوريد ...
وَمِنْه ... لما كَانَ حَبِيبِي أصل مبدأ الْوُجُود ... وَكَانَ فِي الْخلق للرسل ختام
стр. 302
.. صَحَّ انهم بَيت حسن بدا ... لَكِن حَبِيبِي كَانَ لحسنهم التمات ...
وَمِنْه ... قَالَت محاسنه تطِيق فراقي ... ناديتها لَا صَبر لي لَا صَبر لي ...
وَمِنْه ... انا شعبير لآل مُحَمَّد ... وَمن مذهبي حب شيعته ...
وَاسْتحْسن غَالب هذع المؤلفات جمَاعَة من أهل الْعلم وَالصَّلَاح الَّذين شهرتهم تغني عَن الْأَطْنَاب فِي مدحهم كالشيخ الصَّالح ولي الله الْعَلامَة جمال الدّين الْفَقِيه مُحَمَّد بن علد الرَّحِيم أَبَا جَابر الْحَضْرَمِيّ وَالشَّيْخ الْكَبِير قدوة الْعلمَاء ودرة تَاج الْفُضَلَاء الْفَقِيه مُحَمَّد بن الإِمَام عبد الْقَادِر الحباني وَالشَّيْخ الإِمَام علم الْعلمَاء الْإِعْلَام شيخ الْإِسْلَام ومفتي الانام شَافِعِيّ زَمَانه على الأطلاق صَاحب المصنفات الَّتِي اشتهرت فِي الْآفَاق الْفَقِيه عبا الْملك ابْن عبد السَّلَام دعسين الاموي الشَّافِعِي اليمني والفقيه الْمُحَقق الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الْوَلِيّ الْقُرْطُبِيّ المغربي وَكَانَ الْمَذْكُور قدم الْيمن فَاجْتمع فِيهَا بالفقيه عبد الْملك ووقف عِنْده على مُجَلد فِيهِ جملَة مِنْهَا فاعجب بهَا جدا وَقَالَ إِنَّه بَقِي لمؤلفها فِي هَذَا الزَّمَان نَظِير واني لأدعو لَهُ بطول الْعُمر حَتَّى يَبْدُو مِنْهُ مثل هَذِه الْفَوَائِد المستجادة لينْتَفع بهَا من اراد الله هدايته من أهل السَّعَادَة وَكتب الأكابر بَعْضهَا بخطوطهم وَكَانَ أخي السَّيِّد الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ عبد الله كَانَ الله لَهُ يعجب بهَا إِلَى الْغَايَة وَله فِي بعض أوراقه إِلَى خادمه سَالم بن عَليّ أَبَا موجة وَقد ذَكرنِي فِيهَا وَقَالَ انا مَا نرَاهُ إِلَّا فِي منزلَة وَالِده وَكتب الي الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبَا جَابر فِي بعض الاوراق فِي أَمر يطْلب مني ان أَفعلهُ وَكَانَ فِيهِ نوع صعوبة فقا وَلَا تستبعد هَذَا يَا شيخ عبد الْقَادِر فانك من الَّذين يتصرفون فِي الْكَوْن وتنفعل لَهُم الْأَشْيَاء بِإِذن سالله تَعَالَى وَكَانَ الْفَقِيه عبد الْملك ﵀ يتَمَنَّى الِاجْتِمَاع بِي كَمَا حَكَاهُ عَنهُ بعض الثِّقَات وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِي ذَلِك أَيْضا من قصيدة امتدحني بهَا
стр. 303
.. إِذا مثلت شخصكم بفكري ... اوالي زعقة فِي أثر زعقة
وَمهما تَذكرُوا عِنْدِي تصبني ... لواعج صعقة
وَيجْرِي دمع مقلتي استباقا ... بخدي دفقة من بعد دفقة
فمنوا باللقاء وَلَو مناماً ... لَعَلَّ مَرِيض شخص بتنأي ينقه
واحظى باجتماع فِي مَحل ... يضيء الْأنس بالأفراح افقه
بِحَضْرَة من حوى كل الْمَعَالِي ... وأحرز من مجيد الْمجد افقه
بِحَضْرَة من حوى كل الْمَعَالِي ... واحرز من مجيد الْمجد فرقه
وَحَازَ السَّبق فِيمَا يبتغيه ... وَلَا عجب إِذا مَا حَاز حَقه
تغذى بالمعارف وَهُوَ طِفْل ... وَفِي سنّ الكهولة مَا أحقه ٥٥ حباه اله بِالْعلمِ اللدني ... فاضحى فاتقاً بالفهم رتقه
وَذَاكَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر ... العيدروس اخو الفهوم المستدقه
سليل الأكرمين ومنتقاهم ... واحظاهم بفخر حَاز سبقه
تبوأ فِي الْفَضَائِل قصر فضل ... لرايات الْجلَال عَلَيْهِ خفقه
وَخص ببسطة فِي الْعلم خلت ... لَهُ جمل المعارف مسترقه
فآتاه الآله فنون علم ... بِلَا تَعب لَدَيْهِ وَلَا مشقه
واعطاه الْعَطاء الجم فضلا ... وَحسن بعد حسن الْخلق خلقه
فادرك فِي الْعُلُوم مقَام بسط ... واعجز من تصوف أَو تفقه
وصنف فِي فنون الْعُلُوم كتبا ... جليلات ابان بِهن حذقه
وخرقة أَهله قد جَاءَ فِيهَا ... بتصنيف إِذا الاتقان طبقه
وسلسلها إِلَى أصل اصيل ... بتنقيح أصَاب الضَّبْط وَفقه
واما فِي التصوف فَهُوَ فَرد ... امام قد حوى بِالْجمعِ فرقه
لقد ورث الْولَايَة عَن أَبِيه ... بتعصيب وَفرض أستحقه
فقد أنْفق من كنوز الْعلم عفوا ... وَخص بِكُل فن مُسْتَحقّه
فيهنيه الَّذِي أولاه مَوْلَاهُ ... من تحف العطايا الْمُسْتَحقَّة ...
قلت وَذكر لهَذِهِ الْأَشْيَاء إِنَّمَا هُوَ من بَاب التحدث بِنِعْمَة الله وَلِأَن الَّذِي حكيت عَنْهُم ذَلِك من أهل الدّين وَالصَّلَاح تيمنا بانفاسهم الطاهرة على أَنى مَا ذكرت من ذَلِك إِلَّا اقليل مَعَ أَن مَا ذكرته من أَنْوَاع لطفهم بِي دون مَا تركته بِكَثِير جزاهم الله عني أفضل مَا جزى استاذاً عَن تَابعه وَلم أر فِي نعم الله التتي أنعم بهَا عَليّ بعد الْإِسْلَام وَالنِّسْبَة إِلَى رَسُول لالله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 304
نعْمَة أجل مِنْهُ فَلذَلِك ذكرته فِي هَذَا التَّأْلِيف وأخترت بَقَاءَهُ فِي وَفِي عَقبي وأصحابي إِلَى آخر يَوْم من أَيَّام الدَّهْر وَقد سبقني إِلَى ذَلِك من الْعلمَاء المفتدى بهم جمَاعَة لَا يُحصونَ كالعلامة شيخ الشُّيُوخ أَمَام الْمُحدثين وقدوة الْمُحَقِّقين ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي والعلامة الْحَافِظ السخاوي والعلامة السُّيُوطِيّ والعلامة شرف الدّين إِسْمَاعِيل الْمقري اليمني صَاحب الارشاد والعلامة الْحَافِظ الدبيع والعلامة الفاسي وَشَيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر الهيتمي وَغَيرهم
وفيهَا فاضت بِأَحْمَد أباد بعض البرك حَتَّى فرج عَنْهَا المَاء الَّذِي كَانَ فِيهَا وَصَارَت فارغة
وفيهَا أَيْضا رئي الدَّم فِي بعض برك المَاء بِأَحْمَد أباد
سنة تسع وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٩) هـ
وَفِي ربيع الثَّانِي سنة تسع سبعين توفّي الْفَقِيه الصُّوفِي الْجَامِع بَين الشَّرِيعَة والحقيقة حُسَيْن بن الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن الْحَاج أَبَا فضل الشَّافِعِي الْحَضْرَمِيّ بتريم ولصاحبنا الأديب الْفَاضِل الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد بن فلاح الْحَضْرَمِيّ فِي تَارِيخ ذَلِك الْعَام بَيْتَيْنِ هما ... شَيخنَا حَيّ تَجدهُ ... ضَابِط الْعَام الَّذِي مَاتَ
فِيهِ حُسَيْن بن الْفَقِيه أَبَا ... فضل ابلحاج ذِي الكرامات ...
وَكَانَ من كمل الْمَشَايِخ العارفين الجامعين بَين عُلُوم الشَّرِيعَة وسلوك الطَّرِيقَة وشهود الْحَقِيقَة صَاحب أَحْوَال سنية ومقامات علية وفراسات صَادِقَة وكرامات خارقة وَله فِي التصوف رِسَالَة سَمَّاهَا الْفُصُول الفتحية والنفثات الروحية فِيمَا يُوجب الجمعية وَعدم البراح من جَانب الْحق والغناء والبقاء بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ والجزئية
وَمن كراماته أَنه كَانَ مرّة فِي مجْلِس وَبَين يَدَيْهِ مريده فضل بن غبراهيم فَكَانَ يتَكَلَّم بأَشْيَاء بطرِيق الْكَشْف كعادته وَكَانَ فِي ذَلِك الْمجْلس أخي السَّيِّد عبد الله فَالْتَفت إِلَيْهِ فضل الْمَذْكُور وَقَالَ أَن والدك ركب فِي بعض الْخشب وسرى هَذِه السَّاعَة فَقَالَ الشَّيْخ حُسَيْن مَا خرج
стр. 305
من الْهِنْد أصلا فتراجعا فَقَالَ الشَّيْخ حُسَيْن اما عَليّ كَذَا أَو عَلَيْك كَذَا من بَاب الْبسط ثمَّ أتفقا على أَنه مَا خرج فاتفق أَن أخي كتب هَذِه الْقِصَّة فِي كتاب وَوَقع عزمه إِلَى الْهِنْد فِي تِلْكَ السّنة وَكَانَ الْكتاب الْمَذْكُور فِي صحبته فَلَمَّا رَآهُ وَالِد قَالَ صدق الِاثْنَان الشَّيْخ حُسَيْن ومريده إِلَّا أَن الشَّيْخ حُسَيْن كَانَ نظره يشرف على حقائق الْأَشْيَاء وَاخْبَرْ أَنه كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت الْيَوْم فِي ذَلِك الشَّهْر عزم من أَحْمد أباد بنية برعرب لِأَن الْوَزير وَهُوَ عماد الْملك الَّذِي كَانَ يعوق عَلَيْهِ ذَلِك خرج فِي تِلْكَ السّنة للصَّيْد فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء الطَّرِيق لحقه الْوَزير الْمَذْكُور فصد عَن ذَلِك قَالَ وَأما قَول فضل أَنه ركب بعض الْخشب وسرى هَذِه السَّاعَة فَإِن البهل إِذا مَشى بِهِ الْبَقر يشبه سرَايَة الْخشب فِي الْبَحْر وبينما هُوَ فِي بعض اللَّيَالِي يسير فِي الطَّرِيق اذ وجد وَالِدي ﵀ فوقفا يتذاكران واستمرا كَذَلِك إِلَى الصَّباح
وَحكي أَنه قَالَ مَا عندنَا من الْأَعْمَال الَّتِي نعتمد عَلَيْهَا شَيْئا إِلَّا ذرة من حب آل مُحَمَّد ﷺ فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَحْمد بن الْحُسَيْن العيدروس فَقَالَ هَنِيئًا لَهُ هَذَا هُوَ الَّذِي عناه الشَّيْخ أَبُو بكر العيدروس بقوله ... لَك الهنا أَن حل فِيك ذرة ... من حبهم أَو لَاحَ مِنْك حظرة
بذكرهم مَا أعظم المسره ... طُوبَى لقلب حل حبهم فِيهِ ...
وَكَانَ مُولَعا بكتب الشاذلية وَكَانَ يمِيل إِلَى طريقتهم السّنيَّة حَتَّى قيل فِيهِ أَنه شاذلي زَمَانه رُوِيَ ذَلِك عَن الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير أَحْمد بن سهل وَكَانَ يعظم الشَّيْخ محيي الدّين ابْن عَرَبِيّ ويقرئ كتبه وَكَانَ لَهُ أقتنائها أَشد عناية حَتَّى أَن كتاب الفتوحات المكية كَانَ لَا يُوجد بحضرموت إِلَّا عِنْده وَلما كتب وَالِدي إِلَى وَلَده السَّيِّد عبد اله يُرِيد يحصله لنَفسِهِ أَو لوالده فَقَالَ لَا بل لوالده فَأعْطَاهُ إِيَّاه
وَحكي أَن الشَّيْخ بل النُّسْخَة الَّتِي كَانَت عِنْده عِنْد وَفَاته مَا خلا بَاب الْوَصَايَا مِنْهُ وَقَالَ أَنما فعلته تَعْظِيمًا لشأنه لِأَن النَّاس لَا يفهمون مَعَانِيه فيقهون فِي الْغَلَط بِسَبَب ذَلِك
стр. 306
قلت وَكَانَ الشَّيْخ من الْمَشَايِخ المربين وَكتب الشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ أشتملت على عُلُوم لَا يفهمها إِلَّا أهل النهايات وتضر بأربابها البدايات
قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ وزالقول الْفَصْل عِنْدِي فِي ابْن عَرَبِيّ طَريقَة لَا يرضاها فرقنا فَأهل الْعَصْر لَا من يَعْتَقِدهُ وَلَا من يحط عَلَيْهِ وَهِي اعْتِقَاد وَلَا يته وَتَحْرِيم النّظر فِي كتبه
قلت وَحكى الشَّيْخ الامام الْعَلامَة بحرق سمع الشَّيْخ أَبَا بكر العيدروس يَقُول لَا اذكر ان وَالِدي ضَرَبَنِي وَلَا انتهرني إِلَّا مرّة وَاحِدَة بِسَبَب انه رأى بيَدي جُزْءا من كتاب الفتوحات المكية لِأَبْنِ عَرَبِيّ فَغَضب غَضبا شَدِيدا فهجرتها من يَوْمئِذٍ قَالَ وَكَانَ وَالِدي ينْهَى عَن مطالعة كتابي الْفتُوح والفصوص لِابْنِ عَرَبِيّ ويأمنر بِحسن الظم فِيهِ وباعتقاد انه من أكَابِر الْأَوْلِيَاء الْعلمَاء بِاللَّه العارفين وَيَقُول ان كتبه اشْتَمَلت على حقائق لَا يُدْرِكهَا إِلَّا ارباب النهايات وتضر بارباب البدايات
قَالَ الشَّيْخ بحرق وَأَنا أَيْضا على على هَذِه العقيدة وأد ركت عَلَيْهَا جمَاعَة من الْمَشَايِخ المقتدى ب بهم
قلت وَهَذَا مُقْتَضى كَلَام السُّيُوطِيّ ﵀ وَأَنا أَيْضا على هَذِه العقيدة وَهَذِه الطَّرِيقَة أسلم الله أعلم وَوجدت بِخَط صَاحب التَّرْجَمَة سَيِّدي الشَّيْخ حُسَيْن بن الْفَقِيه عبد الله بالحاج أَبَا فضل ﵁ ونفع بِهِ آمين ان الشَّيْخ الإِمَام ولي الله تَعَالَى محيي الدّين النَّوَوِيّ لما رأى كَلَامه وطالعه قَالَ الْكَلَام كَلَام صوفي ثمَّ قَالَ الشَّيْخ حُسَيْن وَهُوَ كَمَا قَالَه هَذَا الإِمَام ان كلامة كَلَام الصُّوفِيَّة وانما هُوَ بسط الْعبارَة فِي مَوضِع الْإِشَارَة ومكا يحملهُ من يُنكر على الصُّوفِيَّة وَوجدت بِخَطِّهِ أَيْضا مَا صورته هَذَا الأبيات تصلح فِي الشَّيْخ محيي الدّين ... دَعوه لَا تلوموه دَعوه ... فقد علم الَّذِي لم تعلموه
وَرَأى علم الْهدى فَسمى إِلَيْهِ ... وطالب مطلباً لم تطلبوه
اجاب دَعَاهُ لما دَعَاهُ ... وَقَامَ بِحقِّهِ ووضعتموه
بنفسي من ممنوح قرب ... وطاعنم مطعما لم تطعموه
стр. 307
قلت وعَلى بالي حِكَايَة غَرِيبَة وَقعت للشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ تدل على فَضله الْعَظِيم اذْكُرْهَا هُنَا تيمناً بِذكرِهِ واستشعارا بعظيم قدره ولان المؤرخين يَقُولُونَ من ذكر انساناً وَعلم لَهُ نادرة فَلم يذكرهَا فقد ظلمه ذكره بعض المعتنين بأخباره والمدونين لمحاسن آثاره ان صَاحب اشبيلية ارسل مَالا عَظِيما إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَأوصى الْوَكِيل ان لَا يفرق هَذَا المَال إِلَّا أعلم أهل الأَرْض وَاتفقَ أَنه اجتمعتلك السّنة بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى من الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء وَمن كل ذِي فن من الْعُلُوم مَا لم يجْتَمع فِي عصر من الْأَعْصَار وَهِي السّنة الَّتِي اجْتمع فِيهَا الشَّيْخ شهَاب الدّين السهرودي بالشيخ ميحي الدّين ﵄ وَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي شَأْن صَاحبه مَا قَالَ فاجمع الْكل على الشَّيْخ محيي الدّين ﵁ وان لَا يفرق المَال سواهُ ففرقه فَلَمَّا فرغ من تفريقه قَالَ لَوْلَا ان خوفي خرق الاجماع لامتنعت فَقَالَ لهبعض أَصْحَابه لم ياسيدي قَالَ مَا اريد بِهِ وَجه الله بل اريد بِهِ التفاخر فَقَالَ لَهُ بَين لي ذَلِك فَقَالَ ان صَاحب الغرب اراد ان يفتخر بِي على سَائِر مُلُوك الأَرْض إِذْ قدم علم انه لَا يفرقه سواي فَمَا اراد بِهِ وَجه الله تَعَالَى بل أَرَادَ التفاخر فَبلغ ذَلِك الْمجْلس إِلَى صَاحب اشبيلية فَبكى وَقَالَ صدق الشَّيْخ هَذَا اردت
وَمن شعر وَلَده مُحَمَّد وَكَانَ قد جاور بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فَطلب مِنْهُ بعض الْأَصْحَاب الْعود إِلَى وَطنه وَكتب إِلَيْهِ هَذِه الأبيات ... لَو قيل لي فِي حَضرمَوْت جَوَاهِر ... تُعْطِي بِلَا من لكل طليب
أَو قيل لي مَا تشْتَهي وماتهوى ... تَجدهُ غَايَة الْمَطْلُوب
لاخترت مِنْهَا نظرة وَفِي طيبَة ... وَالْمَوْت ياتي بعْدهَا بقريب
هَذَا خُلَاصَة رغبتي فِي غربتي ... فَافْهَم فديتك شرح حَال كئيب
مَاذَا يُرَاد ويشتهى فِي غَيرهَا ... لي جنَّة فِي رَوْضَة المحبوب
صلى عَلَيْهِ الله رَبِّي دَائِما ... مَا بَان نجم اَوْ هوى بغروب ...
مِنْهُ ... اتينا قبا قَالَ مَسْجده لنا ... مقَالا فصيحاً وَهُوَ بَيت من الشّعْر
لقد ضعت فِي قفر فَمَا لي عَائِد ... فواحسرتا إِذْ كتن فِي جَانب الْبر ...
стр. 308
ولهذين الْبَيْتَيْنِ قصَّة عَجِيبَة وَهِي ان الْمشَار إِلَيْهِ كَانَ يخْتَلف كثيرا إِلَى مَسْجِد قبا وَكَانَ وقف الْمَسْجِد إِلَى جِهَة الشَّيْخ أبي اللَّطِيف الْبري وَمَا كَانَ يقوم بِخِدْمَة الْمَسْجِد وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْعِمَارَة وَغَيرهَا كَمَا يَنْبَغِي فَكتب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ على مَسْجِد قبا
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ لطيف انظم رَقِيق الطَّبْع وَكَانَ صاحبنا الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد أَبَا جَابر قد اجْتمع بِعْهُ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فَحكى عَنهُ من النَّوَادِر المستظرفة والحكايات المستطرفة شَيْئا كثيرا وَله مُشَاركَة فِي كثير من الْعُلُوم وتقرأ عَلَيْهِ الطّلبَة فِي غير وَاحِد من الْفُنُون وَهُوَ إِلَى الْآن مَوْجُود كَانَ الله لَهُ وَله أَخ ثَانِي بحضرموت اسْمه زين عَليّ قدم وَالِده يشار إِلَيْهِ بالصلاح
وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر شهر جُمَادَى الأولى توفّي الْفَقِيه عبد الْقَادِر بن الْفَقِيه عبد الله بن الْفَقِيه الصَّالح أَحْمد بن مُحَمَّد أَبَا فضل بعدن وَدفن دَاخل دَائِرَة مَقْبرَة جده الْفَقِيه مُحَمَّد بِالْقربِ من قَبره وَكَانَ رجلا لبيباً عَاقِلا فَاضلا أديباً بليغاً نحوياً يَقُول الشّعْر وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة فِي افقه والْحَدِيث أَخذ عَن الْفَقِيه عبد الله بن عمرمحزمة والعلامة شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر الْحَكِيم وَأخذ النَّحْو واللغة عَن الْفَقِيه محيي الدّين عبد الْقَادِر الْحَمَوِيّ وَذَلِكَ ببلدة عدن وَكَانَ قَائِما بوظيفة مَسْجِد الدرسة وَولي بناية الشَّافِعِيَّة بِمَدِينَة عدن وَكَانَت سيرته حَسَنَة محمودة رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا مَاتَ قاضب الْقُضَاة مُحَمَّد حاجي بِمَكَّة المشرفة فَقَالَ الأديب عبد الرَّحْمَن الخفاجي الْمَكِّيّ مؤرخاً لذَلِك ... لقد رحم الْمُهَيْمِن قبر قَاض ... عَزِيز قد سما عز افتخاره
امام عَالم حبر تَقِيّ ... بِهِ الشَّرْع الشريف علا مناره
فَدلَّ على سعادته انطراح ... بِبَاب اله من قد عز جَاره
لَهُ عدل بِهِ الركْبَان سَارَتْ ... وزان جماله الأسى وقاره
بميزان يحل بِخَير أَرض ... فَكَانَ بِمَكَّة الغرا قراره
فتاريخ الْوَفَاة لَهُ بضبط ... وتحرير جنان الْخلد دَاره ...
стр. 309
وفيهَا بنى وَالِدي بِأَحْمَد آباد وَجَاء تَارِيخه بَيت السَّعَادَة وَجعل هَذَا التَّارِيخ الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير ثمَّ نظمه فِي أَبْيَات فَقَالَ ... أكْرم بأرفع روشن قد زينت ... أرجاؤه إِذا صَار فِي غرفاته
قد اتقن الاستاذ صَنْعَة وَضعه ... فزها وفَاق بِذَاتِهِ وَصِفَاته
انشاه مَوْلَانَا الشيف بقصره ... العالي المنيف فشاد من بركاته
شمس الشموس العيدروس الْمُجْتَبى ... شيخ ابْن عبد الله شهم حماته
قطب الْوُجُود وغوثنا وملاذنا ... يارب متعنَا بطول حَيَاته
يَا سحنه من روشن فِي غرفَة ... قد زخرفت مِنْهُ بِحسن سماته
بالعيدروس سما وَجَاز نضارة ... مذ حل فِيهِ بِنَفسِهِ وبذاته
وَمن السَّعَادَة قد أَتَى تَارِيخه ... بيتالسعادة فَهُوَ من آيَاته ...
سنة ثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٠) هـ وَفِي سنة ثَمَانِينَ توفّي العَبْد الصَّالح الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بخضر خَادِم سَيِّدي الشَّيْخ الْوَالِد فَقير الشَّيْخ الْكَبِير سعيد بن عِيسَى العمودي وَكَانَ لَهُ حسن ظن مفرط فِي الْوَالِد حَتَّى أَنه كَانَ يبتلع بصاقه وَكَانَ مجذوباً وَرويت عَنهُ كرامات ﵀ آمين
وفيهَا أَخذ السُّلْطَان أكبر بن همايون كجرات وَهُوَ من أَوْلَاد تيمورلنك بَينه وَبَينه أَرْبَعَة آبَاء وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن ورزق السعد فِي أَيَّامه وطالت مُدَّة ولَايَته واتسع مكه جدا وَكَانَ عادلاً حَلِيمًا عَاقِلا حكيماً وَالْكَلَام فِيهِ يطول والمسائل فِي شَأْنه تعول فلنقبض الْعَنَان واله الْمُسْتَعَان وَكَانَت مُدَّة سلطنته خمسين سنة وَتُوفِّي فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وتاريخ الْعَام يجمعه غدي بِالْيَاءِ وَهِي لُغَة غير فصيحة فِي غَدا بِالْألف أَي ذهب وَقلت فِي ذَلِك ... غدي أكبر فِي الذاهبين ... وَذي سنة الله فِي الغابرين ...
وتولي بعده وَلَده سليم شاه
وفيهَا وَقع ختم إحجياء عُلُوم الدّين بِحَضْرَة سَيِّدي الْوَالِد فَأَنْشَأَ الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير قصيدة وَهِي
стр. 310
.. ياسيد السادات ياابن الْمُصْطَفى ... يَا نسل حيدر يَا عظم الشان
يَا قطب يَا غوث الورى يَا من حوى ... بِالْعلمِ وَالتَّقوى أعز مَكَان
يَا شيخ يَا ابْن العيدروس وَمن سما ... ذاتاً وأوصافاً بِكُل زمَان
يَا خَادِم الْعلم الشريف بِقَلْبِه ... وَلسَانه وبسائر الْأَركان
أكملت أَحيَاء الْعُلُوم قِرَاءَة ... بالبحث والتصحيح والإتقان
أبديت فِيهِ فوائدا وفرائداً ... بفصيح نطق مَعَ صَحِيح بَيَان
ابرزت درا من مكامن وَضعه ... كعرائس تجلى على الآذان
قررت كل دقيقة وجليلة ... بِعِبَارَة عذبت بِحسن بَيَان
فَكَأَن حضرتك الْعلية جنَّة ... فقطوف أثمار الْفَوَائِد دَان
أَو رَوْضَة قد أينعت أزهارها ... أَو مظهر الْمَعْرُوف والاحسان
وَكَأن ذاتك إِذا جَلَست بِمَجْلِس ... التدريس تلقي الدَّرْس كالسلطان
من حولك الْأَشْرَاف يمنة يسرة ... خير الْبَريَّة من بني عدنان
من آل أَبَا علوي أَعْلَام الْهدى ... أهل التقى وَالدّين وَالْقُرْآن
مُتَمَسِّكِينَ بِسنة وَجَمَاعَة ... متزينين بزينة الايمان
هَذَا هُوَ الْفَخر المنيف إِذا تعد ... مفاخراً بِالدّينِ للْإنْسَان
بِالْعلمِ وَالنّسب الشرييف وبالتقى ... وَالسَّعْي دأباً فِي رضَا الرَّحْمَن
فتهن يَا ابْن العيدروس بختمك ... الْأَحْيَاء تَمامًا فِي أقل أَوَان
ختم عَلَيْهِ من المهابة رونق ... زينته بجمالك الفتان
لَا زلت فِي درس الْعُلُوم مواصلاً ... ختماً لدرس بابتداء ثَانِي
وَأسلم وَدم فِي عزة ومكانة ... فِي ذرْوَة الْعليا بِكُل زمَان
وَعَلَيْك من رب الْأَنَام تَحِيَّة ... مَا غردت ورق على الأغصان ...
سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨١) هـ
وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ فقد مركب سَيِّدي الشَّيْخ الْوَالِد الْمُسَمّى بالعيدروسي وَهُوَ مُسَافر من الشحر إِلَى الديو وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من الْأَشْرَاف وَغَيرهم فحصلت لَهُم الشَّهَادَة
وفيهَا قدم الإِمَام أَبُو بكر بن الإِمَام برهَان الدّين إِبْرَاهِيم مطير بندر المخا فَكتب إِلَيْهِ الشريف الْفَاضِل الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد الْخَاتم حَاتِم بن أَحْمد الأهدل هَذَا السُّؤَال وَهُوَ
стр. 311
.. يَا من لَهُ فِي النَّحْو فهم ثاقب ... ودراية فِي الشّعْر من بَين الملا
اوضح بِفَضْلِك فِي جَوَابا شافيا ... عَن بَيت شعر شكله قد أشكلا
الْبَيْت هَذَا من قصيد قَالَه عبد الرَّحِيم فصح لنظم قد حلا
ذكر الْمعَاهد وَالزَّمَان الأولا ... فَبكى لأيام العندليب وأعولا
وبدا لَهُ برق بابرق رامة ... وَهنا فَبَاتَ من الجوى متململا
نَامَتْ عُيُون الْعَالمين فَلم ينم ... وسلت قولب العاشقين وَمَا سلا
إِن كَانَ فَارقه الْفَرِيق فروحه ... مَعَهم تسير مَعَ الهوادج فِي الفلا
هَل أَن ترَاهَا فِي الْأَخير بكسرة ... أَو فَتْحة حقق هديت تفضلا ...
فَأجَاب ... إِن فِي الْكَلَام بكسرة شَرْطِيَّة ... والفآء جَوَابا جآء بعد مفصلا
وَيُرِيد ان هم فارقوه فروحه ... مَعَهم مُلَازمَة تساير فِي الفلا
وَالْفَتْح لم يظْهر لَهُ معنى وَأَن ... قُلْنَا بِهِ جآء الْجَواب معطلا
وَلَقَد أَجَاد الشَّاعِر الْمنطق فِي ... لفظ بديع مَعَ فَصَاحَته حلا
حَالَتْ بلاغته القريظ فخلته ... وشياً على الحسنا يفوق على الحلا
لازالت الْأَلْفَاظ طوع مُرَاده ... وفؤاده بالدر صَار مكللا
ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي وَآله ... وصحابه واتابعين على الولا ...
وفيهَا جَاءَ السُّلْطَان أكبر إِلَى كجرات وَذَلِكَ أَنه بعد أَن أَخذهَا ترك فِيهَا بعض الوزراء وَرجع فحاول من بَقِي من أُمَرَاء كجرات أَن يستنزعوها من يَد ذَلِك الْوَزير وحاصروه بجموع عديدة وكادوا أَن يظهروا عَلَيْهِ فَلَمَّا سمع السُّلْطَان بِهَذَا الْخَبَر دهمهم بِجُنُود كَثِيرَة وَوصل إِلَيْهَا فِي مُدَّة قَليلَة وحاربهم أَشد الْمُحَاربَة حَتَّى قَتلهمْ عَن آخِرهم
وَفِيه وَقع باحمد اباد ريح عاصف عَظِيم مَعَ غيار كثير حَتَّى أظلمت الأَرْض وَعقبَة رعد وبرق وَقَلِيل مطر
سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٢) هـ
وَفِي سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ توفّي الْفَقِيه الْعَالم الْعَلامَة المتبحر سراج الدّين عمر بن عبد الْوَهَّاب النَّاشِرِيّ رحجمه الله تَعَالَى بِمَدِينَة زبيد وَكَانَ سُئِلَ عَمَّا
стр. 312
يعتاده أهل زبيد من الْعِيد الَّذِي فِي أول خَمِيس من رَجَب هَل لَهُ أصل وَهل هُوَ سنة أم لَا فَأجَاب بِهَذِهِ الأبيات ... وَسَائِل سَأَلَ عَن قوم وعادتهم ... عيد الْخَمِيس الَّذِي فِي مبتدا رَجَب
أسنة هُوَ أَو لَا أَو ضحوه لنا ... وَمَا لتمييز هَذَا الْيَوْم من سَبَب
فَقلت ذَا مبدأ الْإِسْلَام فِي يمن ... عيد الْخَمِيس الَّذِي فِي مُبْتَدأ رَجَب
أَتَى معَاذ بِأَمْر الله فِيهِ لنا ... بالاتبااع إِلَى منهاج خير نَبِي
فَصَارَ ذَلِك عيد عيدنا فَلِذَا ... نخصه بمزيد الْحبّ فِي الْقرب
وَلَا نقُول بتخصيص الصّيام لَهُ ... وَلَا صَلَاة وَلَا شَيْء من الْقرب
نعم لنا فِيهِ تَخْصِيص الْمحبَّة إِذْ ... كَانَ النجَاة لنا فِيهِ مكن العطب
فَصَارَ غقباله فِيهِ الْقبُول على ... قوابل القابلين الْأكل عَن ارب
ثمَّ الصَّلَاة مَعَ التَّسْلِيم لَا برحا ... على مُحَمَّد خير الْعَجم وَالْعرب
والآل والصحب ثمَّ التَّابِعين لَهُم ... مَا انهل مزن على الْأَشْجَار والكثب ...
وفيهَا توفّي الشَّيْخ الْفَاضِل عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن عَليّ الفاكهي الْمَكِّيّ بِمَكَّة وَكَانَ مولده فِي شهر ربيع الأول من عَام عشْرين وَتِسْعمِائَة وَله تصانيف مفيدة مِنْهَا شرحان على البدتاؤة للغزالي أَحدهمَا أكبر من الآخر ومصنفاته كَثِيرَة لاتنحصر وَرَأَيْت مِنْهَا جملَة عديدة فِي فنون شَتَّى ولعمري أَنه يشبه الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي كثرها بِحَيْثُ أَنه يكْتب على كل مَسْأَلَة رِسَالَة مَعَ أَن عِبَارَته مَا خي بذلك ﵀ وَسُئِلَ عَن حِكْمَة مايقع أَيَّام الْمَوْسِم من حُدُوث الْهم والتشاغل لمن لَا عِيَال لَهُ وَلَا دين يثقله ويهمه فَقَالَ إِن السِّرّ فِي ذَلِك وَالله أعلم هُوَ اشْتِغَال أَكثر النَّاس واهتمامهم بمعاشهم وَنَحْوه فيسري ذَلِك مِنْهُم ولغيرهم كَمَا جآء فِي الحَدِيث الْمُؤْمِنُونَ كالجسد الْوَاحِد إِذا اشْتَكَى بعضه شكى الْبَعْض الآخر وَمن شعره ... إِن كَانَ رفضي فِي محبَّة حيدر ... وبنير قاطبة فَإِنِّي رافض
حسبي اقتدائي بافمام مقلدي ... الشَّافِعِي بَحر العوم الْحَائِض ...
وَمِنْه فِي القهوة ... اشرب القهوة صرفا ... تَجِد الصفو مزاجاً
وَاذْكُر الله عَلَيْهَا ... تشهد الْأنس سراحا ...
стр. 313
وَمِنْه تَارِيخ بَيت بناه الشريف أَبُو نمى سُلْطَان مَكَّة ... إِن بَيْتا بناه خير مليك ... أسس الْمجد كَفه وأشاده
فاق فِي وَصفه وَحسن بداه ... كل قصر بِهِ الْعلَا والسيادة
جَاءَ تَارِيخ وَصفه فِي نصيف ... أَنا بَيت الْمُلُوك دَار السَّعَادَة ...
وَكَانَ الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبَا جَابر ﵀ قد اجْتمع بِهِ بِمَكَّة سنة سبعين وَتِسْعمِائَة وأنشده هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من لَفظه وَذكر أَنَّهُمَا لجده ... بَادر إِلَى طلب الْعلم الْعَزِيز وان ... ضَاقَتْ وَلم تصف أقوات وأوقات
وَلَا تُؤخر لصفو وَرَجا سَعَة ... فهم يَقُولُونَ للتأخير آفَات ...
وفيهَا توفّي الْعَلامَة المتفنن القَاضِي عِيسَى الْهِنْدِيّ باحمد اباد وَكَانَ من أَعْيَان الْعلمَاء الْمَشْهُورين وأوحد الْمَشَايِخ المدرسين وَله تصانيف نافعة ﵀
وفيهَا توفّي سُلْطَان العثمانيين سلين بن السُّلْطَان سُلَيْمَان وللأديب ماميه الانقشاري فِي تَارِيخ مَوته ... فَارق الْملك سليم الْمُجْتَبى ... وَغدا ضيفاً على بَاب الْكَرِيم
وَغدا فِي الشُّهَدَاء تَارِيخه ... ﵀ على حَيّ سليم ...
وَقد وضع لوفاته أَيْضا بَعضهم تَارِيخا مطابقاً إِلَّا أَن فِيهِ تجاوزاً من حَيْثُ الْكِتَابَة وَمن حَيْثُ اللَّفْظ أَيْضا وَهُوَ مضا سليما قَالَ بعض أَصْحَابنَا وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ وَلَو كَانَ ملحونا فالعلم حَاصِل ولمامية الانقشاري تَارِيخ ابتداه سلطنة سليم نصيف هُوَ تولى سليم الْملك بعد سُلَيْمَان وَتَوَلَّى بعده وَلَده السُّلْطَان مُرَاد ولمامية الانقشاري فِي تَارِيخ ذَلِك ... بالبخت فَوق التخت أصبح جَالِسا ... ملك بِهِ رحم الاله هباده
وَبِه سَرِير الْملك سر فارخوا ... حَاز الزَّمَان من السرُور مُرَاده ...
ولبعضهم أَيْضا فِي مثل ذَلِك بَيْتَيْنِ ... يَا سائلي تَارِيخ من ... ولي الْخلَافَة وَالْحرم
стр. 314
.. فاسمعه مني أَنه ... هَذَا المُرَاد لقد حكم ...
ومولد هَذَا مُرَاد فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة فَافْهَم بعض المؤرخين إِن مرَادا هَذَا من الصَّالِحين لكَون تَارِيخ مولده يجمعه عدد حُرُوف الذّكر لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر ان الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ وَتُوفِّي السل طان مرادرحمه الله ثَانِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث بعد الْألف وتولي بعده السُّلْطَان مُحَمَّد وَهُوَ السُّلْطَان الْيَوْم
وفيهَا عمر الْوَزير درويش باشا حَماما عَظِيما فَعمل الأديب البارع مامية الانقشاري لذَلِك تَارِيخا لطيفاً وَهُوَ حمام رفع الْحَدث ثمَّ نظمه فِي أَبْيَات وَهِي ... فِي دولة السُّلْطَان عدلا مُرَاد ... مكن حكمه شرقاً وغرباً مكث
درويش باشا شاد حمامه ... وَمن قديم مثله ماحدث
يروي الشفا من مَائه والهوى ... كَأَن روح الله فِيهِ نفث
فاجزم على الْغسْل بِهِ كي ترى ... تَارِيخه حمام رفع الْحَدث ...
وفيهَا أَيْضا عمر الْوَزير الْمَذْكُور جَامع دمشق المحروس فحعل لَهُ مامية الانقشاري أَيْضا تَارِيخه وَضَمنَهُ فِي هَذَا الأبيات ... فِي دولة السُّلْطَان بِالْعَدْلِ مُرَاد ... من قَامَ بِالْفَرْضِ وَاجِبا وَالسّنة
درويش باشا قد أَقَامَ معبدًا ... وَكم لَهُ أجر بِهِ ومنة
بناه خير جَامع تَارِيخه ... لله فاسجد واقترب بجنة ...
سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٣) هـ
فِي الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ طلب السُّلْطَان عبد الله بن بدر الكثيري الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبَا جَابر من بَلْدَة بروم إِلَى الشحر ليوليه تدريس مدرسة أَبِيه السُّلْطَان بدر بهَا والزمه بذلك فَفعل وانتفع بتدريسه الْأَنَام واستنارت بذلك وُجُوه اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وَمَا أحسن مَا قَالَه
стр. 315
السَّيِّد الشريف القاضل وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْبيض أَبَا علوي ﵀ فِي ذَلِك ... شمس الْهدى طلعت وَغَابَ رقيبها ... ونجوم نحس الْجَهْل آن مغيبها
بِظُهُور مولاناومالك عصرنا ... نجل الْخلَافَة فَحلهَا ونجيبها
مولى مُلُوك الأَرْض غير مدافع ... ومدفع لبعيدها وقريبها
عبد الله السُّلْطَان مَنْصُور اللِّوَاء ... مردي العداة بكفيه تعذيبها
لما أَتَى للشحر يصلح أمرهَا ... وَجَمِيع دَاعِيَة الْفساد يذيبها
ودعى امام الْعَصْر فَرد زَمَانه ... شيخ الْعُلُوم فقيهما وأديبها
ادّعى الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُزَاحم ... من زاحم الْعلمَاء وَحَازَ نصِيبهَا
الْعَالم الحبر المبرز فِي الْعلَا ... سباق غايات الْكِرَام خطيبها
جاد الزَّمَان علينافاغتدت ... أَيَّامه مَعْلُومَة من طيبها
غفرت ذنوبك يَا زمَان جَمِيعهَا ... إِذْ قد برزت إِلَى الْقُلُوب حبيبها
إِن كنت ترغب فِي الْعُلُوم ونقلها ... بَادر غليه وسله فِي تهذيبها
فعلى الْخَبِير بهَا سَقَطت فسله عَن ... ماشئت مِمَّن عزيزها وغريبها
فَالله يبقيه وَيصْلح شَأْنه ... وَجَمِيع اعداه اللئام يُصِيبهَا ...
وفيهَا فِي شعْبَان فرغ وَالِدي ﵀ من كِتَابه الْفَوْز والبشرى فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى شرح العقيدة الزهرى وَهَذَا الْكتاب من محَاسِن الدَّهْر لم يسْبق إِلَى مثله فِيمَا علمت وَلما سَمعه بعض الْعلمَاء الصلحاء قَالَ كنت أدور الْأَشْيَاء م جِهَة المعتقدات فَمَا شفانا شَيْء مثله فِيهَا لَا من كتب الْغَزالِيّ وَلَا اليافعي
سنة أَربع وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٤) هـ
وَفِي شهر ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَثَمَانِينَ توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة المفنن عبد الله بن سعد الدّين الْمدنِي السندي بِمَكَّة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ من كبار الْعلمَاء البارعين وأعيان الْأَئِمَّة المتبحرين وَله جملَة مصنفات مِنْهَا حَاشِيَة على العوارف للسهوروردي
وفيهَا توفّي الْعَالم الصَّالح الشريف عبد الله الشهير بالنحوي ابْن عبد الرَّحْمَن بن هَارُون أَبَا علوي بتريم وَمن كراماته أَنه كَانَ فِي يَوْم من
стр. 316
الْأَيَّام جَالِسا وَعِنْده أخي السَّيِّد عبد الله فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله أَن معي خاطرا ان فلَان أيفعل كَذَا وَكَذَا وَذكر شَيْئا من الْأَفْعَال المذمومة الَّتِي لَا يبيحها الشَّرْع وَقعد معي أَيَّامًا وَهُوَ من المتعلقين بِنَا وَتجب لَهُ منا النَّصِيحَة فَطَلَبه إِلَى عِنْده وَكَلمه فاعترف بذلك وَتَابَ من وقته وَحسنت تَوْبَته ثمَّ أَن الشريف بَقِي يلوم نَفسه على ذلم وَيَقُول أَخَاف أَن يكون هَذَا من الاستدراج
وفيهَا فِي لَيْلَة السبت عَاشر رَجَب توفّي الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرحين بن مُحَمَّد وَهُوَ أَخُو الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد العمودي الَّذِي تقدم ذكره وهما أَبنَاء الشَّيْخ الْكَبِير الْعَلامَة الشهير الْفَقِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد العمودي نفع الله بهم الْحَضْرَمِيّ بِأَحْمَد ى باد وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق كريم النَّفس كثير التَّوَاضُع محبوباً عِنْد النَّاس ذَا وجاهة عَظِيمَة وَقبُول عِنْد الْخَاص وَالْعَام رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث شَوَّال توفّي العَبْد الصَّالح سَيِّدي سعيد سلطاني الحبشي بِأَحْمَد آباد وَكَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب وَكَانَ يعصب للأمام أبي حنيفَة حَتَّى أَنه رُبمَا حمله ذَلِك على تنقص افمام الشَّافِعِي وَكَانَ فَقِيها مشاركاً فِي كثير من الْعُلُوم وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم وَكَانَ كثير الْعِبَادَة وَكَانَ يخْتم فِي رَمَضَان خمس ختمات وَكَانَ أُمَرَاء الجيوش يحترمونه أَشد الاحترام ويعاملونه بالاجلال والاكرام وَكَانُوا جعلُوا لَهُ مَعْلُوما يوازي خَمْسَة عشر ألف ذهب وَكَانَ محسناً محباً لأهل الْعلم وَلما حج قَرَأَ على الشَّيْخ ابْن حجر الهيتمي وَكَانَ لَهُ رَغْبَة فِي تَحْصِيل الْكتب حَتَّى اني سَمِعت انه كَانَ يصدر لشرائها إِلَى مصر المحروسة وابتنى بِأَحْمَد آباد مَسْجِدا جيد الْعِمَارَة إِلَى غير ذَلِك من أَفعَال الْخَيْر إِلَّا أَنه كَانَ فِيهِ كبر والكمال لله ﵀ وايانا وقبره بمسجده ثمَّ قبر إِلَى جنبه شَيخنَا الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير
وفيهَا كَانَت وَفَاة السُّلْطَان عبد الله بن بدر وفيهَا كَانَ اتمام الْحرم الْمَكِّيّ فِي ايام السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ ابْتَدَأَ فِي عِمَارَته ابوه السُّلْطَان سليم فجَاء تَارِيخه عمر الْحرم سُلْطَان مُرَاد
стр. 317
وفيهَا عمر اقاسم الدابولي مَسْجِدا فِي بندر المخا وَجعل جَامعا للحنفية فَقَالَ السَّيِّد حَاتِم مؤرخاً لذَلِك فِي بَيْتَيْنِ وهما ... مَسْجِد فِيهِ جمال ... فِيهِ انوار بهية
وَافق التَّارِيخ مِنْهُ ... مُسْتَقر الْحَنَفِيَّة ...
سنة خمس وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٥) هـ
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ طلع نجم ذُو ذؤابة كَهَيئَةِ الذِّئْب طَوِيلَة جدا لَهُ شُعَاع وَمكث كَذَلِك يطلع نخحو شَهْرَيْن وَأكْثر
وفيهَا كَانَ ختم صَحِيح البُخَارِيّ بِحَضْرَة سَيِّدي الْوَالِد وانشا الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي فِي ذَلِك قصيدة طنانة وَهِي ... حَدِيث غرامي مُسْند ومسلسل ... وَمُطلق دمعبي فَوق خدي مُرْسل
وعشقي صَحِيح والعواذل قَوْلهم ... ضَعِيف ومتروك هبا مَنْقُول
وَمَا حسن إِلَّا الْأَحَادِيث عَنْكُم ... وَأما حَدِيث عَن سواكم فمعضل
أحبتنا طبتم فطاب حديثكم ... وطاب سَمَاعي عَنْكُم حِين ينْقل
خلعت عِذَارَيْ فِي هواكم أحبتي ... وَقد لذ لي فِيهِ العنا والتذلل
ولي بَين سفحي لعلع وطويلع ... اد كئيب مستهام مُعَلل
مُقيم على شط المزار كَأَنَّهُ ... أَسِير بهاتيك العراص مُوكل
هَوَاهُ بِنَجْد بل ببطحاء مَكَّة ... وجثته بِالْهِنْدِ كَيفَ التَّحَوُّل
فيا عربا بالمنحنى عز جارهم ... فجارهم فِي ذرْوَة الْعِزّ يحمل
وَيَا جيرة الْبَيْت الْعَتِيق وَمن لَهُم ... حطيم وأستار وركن مقبل
مقَام عَلَيْهِ للخليل مآثر ... وملتزم فِيهِ الدُّعَاء متقيل
وزمزم والهجر المشيد والصفا ... ومروة والمسعى فنسعى ونزمل
معاهد فيهاللنبي تردد ... مهابط فِيهَا للأمير تنزل
عَسى عودة ياجيرة الْحَيّ عَاجلا ... فنرفل فِي ثوب السرو ونحجل
ونلقى عَصا التسيار من بعد بَعدنَا ... فَأم الْقرى فِيهَا لمقام مُؤَمل
الهي فجد للغائبين باوبة ... يكون لنا فِيهَا الشِّفَاء معجل
الهي وسيلتنا إِلَيْك نَبينَا ... نَبِي الْهدى المدثر المزمل
مُحَمَّد الْمَبْعُوث من آل هَاشم ... بشير نَذِير لِلْخَلَائِقِ مُرْسل
стр. 318
.. وعترته الْأَشْرَاف من أنجبت بهم ... لحيدرة الزهراء سر مسلسل
أخصص مِنْهُم آل علوي من لَهُم ... فَضَائِل مِنْهَا مُجمل ومفصل
فمجملها للمصطفى خير نِسْبَة ... وتفصيلها زهد صَلَاح توكل
وَمن بعض مَا خصوا بِهِ أَن عقدهم ... عَن السّنة العراء لَا يتَحَوَّل
مقدمهم بَحر الْحَقَائِق سيد ... كَذَا نجله علوي قطب مدلل
كَذَا الْفَخر والسقاف قطبا ولَايَة ... فسرهما للعيدروس مكمل
وَشَيخ ابْن عبد الله شَيْخي وقدوتي لَهُ باكتساب الْعلم مجد مؤثل
إِمَام عَظِيم بالمهابة مُرْتَد همام كريم بالوقار مسربل
هُوَ الْبَحْر فِي علم الْحَقِيقَة زاخر ... هُوَ الحبر فِي علم الشَّرِيعَة فيصل
فياشيخ يَا ابْن العيدروس وَمن لَهُ ... على هَامة الجوزاء مقَام ومنزل
سَمِعت أَحَادِيث البُخَارِيّ مُسْند ... بمجلسك العالي وَأَنت المبجل
حَدِيث نَبِي الله جدك أَحْمد ... وَسيرَته قَول وَفعل مفصل
منقحة جمع البُخَارِيّ من لَهُ ... لصِحَّة تَحْرِير الحَدِيث توصل
أصح كتاب فِي الحَدِيث لِأَنَّهُ ... منقح من حَيْثُ الروَاة مغربل
مشايخه عَن شَرطه لَيْسَ يخرجُوا ... جهابذة عدل عَن الْعدْل ينْقل
وزينة قَارِئ فصيح مهذب ... لَهُ مقول عذب الْأَدَاء مرتل
فيا عيدروس الْخَيْر يَا أوحد الورى ... وَيَا أيهذا السَّيِّد المتنفل
وَيَا شيخ يَا غوث الْأَنَام وغيثهم ... إِذا مَا تخط الْعَارِض المتهلل
وَيَا من غوادي علمه ونواله ... ومعرفه تهمى علينا وتهطل
تهن بِخَتْم ثمَّ ينهاك مبدأ ... كعادتك الْحسنى تحل وترحل
صَحِيح البُخَارِيّ والشفاء كِلَاهُمَا ... لدين الْهدى أَمن وَاصل وَمَعْقِل
فَلَا زلت يَا ابْن العيدروس تفيدنا ... علوما وأحكاما وَتُعْطِي وتجزل
تفِيد عُلُوم الشَّرْع حينا وآونا ... تبث عُلُوم الْقَوْم فِينَا وتبذل
وترشد ضلالا وترفد معدماً ... فَفِي الدّين وَالدُّنْيَا عَلَيْك الْمعول
فعش وأبق وَأسلم فِي ذرى الْمجد راقياً ... بِعلم ومعروف تَقول وَتفعل
وأزكى صَلَاة مَعَ سَلام معطر ... يفوح برياه جنوب وشمأل
على المصطفي من شرف الله قدره ... وَمن جَاءَهُ وَحي من الله منزل
وعترته مَعَ آله وصحابه ... وتابعهم مَا جاد غيث مجلل
стр. 319
وفيهَا توفّي الرجل الصَّالح ميان عبد الصَّمد الْهِنْدِيّ وَكَانَ من الأخيار محسناً متواضعاً عَالما فَاضلا وَحكي انه كَانَ إِذا لم يكن على طَهَارَة وَثمّ أحد مِمَّن اسْمه نَبِي لم يتَلَفَّظ باسمه تَعْظِيمًا واحتراماً لذَلِك الِاسْم الشريف رَحمَه الله تَعَالَى آمين
قلت وف كتاب الْمدْخل لِابْنِ الْحَاج الْمَالِكِي ﵀ قَالَ وَقد ورد فِي الحَدِيث عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ ان النَّبِي ﷺ قَالَ مَا من أهل بَيت فِيهِ اسْم نَبِي إِلَّا بعث الله ﵎ ملكا يقدسهم بِالْغَدَاةِ والعشي انْتهى
سنة سِتّ وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٦) هـ
وَفِي سادس شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ اسْتشْهد الرجل الصَّالح الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد طَاهِر الملقب بِملك الْمُحدثين الْهِنْدِيّ ﵀ آمين على يَدي المبتدعة من فرقتي الرافضة السبابَة والمهدوبة القتالة وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ ينافرهم ويناظرهم ويريدهم يرجعُونَ إِلَى الْحق ويتركون مَا هم عَلَيْهِ من الضلاة والزندقة وَكَانَ هَذَا دأبه ابداً وَجرى لَهُ مَعَهم وقائع كَثِيرَة وقهرهم فِي مجَالِس عديدة وَأظْهر فصائحهم وكشف خزعبلاتهم ودمغهم وادحض حجتهم وابطلها وَبَالغ فِي الرَّد عَلَيْهِم والتحذير مِنْهُم حَتَّى قَالَ بكفرهم وَجزم بخروجهم من الدّين والمنهج القويم وضلالهم عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم واراد اعدام هَذَا الْمَذْهَب الْقَبِيح راساً وسعى فِي ذَلِك سعياً بليغاً واراد التَّوَصُّل إِلَى سُلْطَان الزَّمَان لذَلِك فاحتالوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ قبل ان يصل إِلَى ذَلِك وَلَا حول ولاقوة إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بالمزية فِي الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا الشَّيْخ عَليّ المتقي السَّابِقَة وناهيك بهَا من منقبة عَلَيْهِ وَكَانَ على قدم من الصّلاح والورع والتبحر فِي الْعلم وَكَانَت وِلَادَته سنة ثَلَاث عشر وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن وَهُوَ لم يبلغ الْحِنْث وجد فِي طلب الْعلم وَمكث كَذَلِك نَحْو خمس عشرَة سنة وبرع فِي فنون عديدة وفَاق الاقران حَتَّى لم يعلم أَن أحدا من عُلَمَاء كجرات بلغ مبلغه فِي فن الحَدِيث كَذَا قَالَه بعض مَشَايِخنَا وَله تصانيف نافعة مِنْهَا مجمع بحار الانوار فِي غرائب التَّنْزِيل ولطائف الاخبار وشيوخه كَثِيرُونَ
стр. 320
وَلما أَخذ عَن الشَّيْخ حسن الْبكْرِيّ وَالشَّيْخ ابْن حجر الهيتمي وَالشَّيْخ عَليّ بن عراق وَالشَّيْخ عَليّ المتقي الْهِنْدِيّ الْمَكِّيّ وَالشَّيْخ جَار الله ابْن فَهد وَأخذ عَن جدي السَّيِّد عبد الله العيدروس فِي التصوف بعدن وَورث من أَبِيه مَالا جزيلا فانفقه على طلبة الْعلم الشريف وَكَانَ يُرْسل إِلَى معلم الصّبيان وَيَقُول أَيّمَا صبي حسن ذكاؤه وجيد فهمه أرْسلهُ إِلَيّ فَيُرْسل إِلَيْهِ فَيَقُول لَهُ كَيفَ حالك فَأن كَانَ غَنِيا يَقُول لَهُ تعلم وغن كَانَ فَقِيرا يَقُول لَهُ تعلم وَلَا تهتم من جِهَة معاشك أَنا أتعهد أَمرك وَجَمِيع عِيَالك على قدر كفايتهم فَكُن فارغ البال واجتهد فِي تَحْصِيل الْعلم فَكَانَ يفعل ذَلِك بِجَمِيعِ من ياتيه من الضعفآء والفقراء ويعطيهم قدر مَا وظفه لَهُم حَتَّى صر مِنْهُم جمَاعَة كطثيرة عُلَمَاء ذووا فنون كَثِيرَة فانفق جَمِيع مَاله فِي ذَلِك
وَحكي أَنه فِي أَيَّام تَحْصِيله قاسى من الطّلبَة وَغَيرهم شَدَائِد فَنَذر أَن رزقه الله علما ليقومن بنشره أبتغاء لمرضات الله فَلَمَّا تمّ لَهُ ذَلِك فعل كَذَلِك وَقَامَ بِهِ احتسابا لله فَانْتَفع بتدريسه عوالم لَا تحصى ﵀ وَأعَاد علينا من بركاته آمين
سنة سبع وَثَمَانِينَ بعد التسْعمائَة (٩٨٧) هـ
وَفِي سنة سبع وَثَمَانِينَ توفّي الْوَلِيّ الصَّالح الشريف عمر بن عبد الله الهندوان أَبَا علوي بتريم وَسبب شهرته بذلك أَنه كَانَ فِيهِ قُوَّة لقُوته فِي دينه وبدنه شَبِيها بالحديد الهندوان
وَمن كراماته أَنه أخبر أخي السَّيِّد عبد الله عَن شَيْء يَقع من بعض النَّاس قبل وُقُوعه وَذكر ذَلِك الشَّخْص بِعَيْنِه فَكَانَ كَمَا قَالَ بعد مَوته بِيَسِير
وفيهَا مَاتَ السُّلْطَان حيدره بن حَنش صَاحب أحور
وفيهَا توفّي الْفَقِيه الْفَاضِل الصَّالح نور الدّين عَليّ بن صَبر اليافعي الشَّافِعِي وَحكي أَنه كَانَ قصد الْوَزير الفخان فِي آخر الايام إِلَى قَوَارِير وَكَانَ عِنْد الْوَزير الْمَذْكُور جمَاعَة من الْأَشْرَاف آل أَبَا علوي وَغَيرهم فَلَمَّا رَأَوْا إقبال الْوَزير الْمَذْكُور عَلَيْهِ حسدوه وَتَكَلَّمُوا فِيهِ عِنْده حَتَّى
следующие страницы →