← Тараджим

Тараджим · id 6676

النور السافر عن أخبار القرن العاشر

العيدروس

Полный текст (424 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

.. لَو كَبِيرا قد كَانَ أَي صَغِير ... فتاوي كبيره بالصغير ولتيسير كل عسر وتسهيل حزون وجبر كل كسير وليقي فتن الغي كل مثر ... وافتتانا بالفقير كل فَقير رب حقق رجاءنا وانلنا ... سؤلنا من نوالك المستطير وتول الْجمع منا بتدبيرك ... كَيْلا نسوء فِي التَّدْبِير ولسلطاننا واجناده انصر ... نصرا على الْعَدو الكفور وعَلى كل من قَاصد وشق ... عصانا بِلَا انتظام الْأُمُور وَلَهُم بهم غلهي فاصلح ... وادفعن كل مهلك ومبير ... وشفيعي حَدِيث خير البرايا ... أَحْمد الْمُصْطَفى السراج الْمُنِير يَا نَبِي هد تلوناني أَحَادِيث ... أَتَت عَنْك ضوءها كابدور قد رَوَاهَا عَنْك النُّجُوم وعنهم ... تابعوهم بالجد والتشمير ثمَّ عَنْهُم قوم فقوم هم ... الْحفاظ حَقًا على ممر العصور حفظوها حفظا منيعاً فَمن ... ايْنَ إِلَيْهَا وُصُول اقوال زور واتتنا كانها اخرجت من ... فِيك حَالا بِغَيْر كرّ دهور فاجزنا يَا احسن النَّاس خلقا ... وسجايا بِكُل فضل وَخير وَبِك الظَّن ذَا فَأَنت غَنِي ... يَا شفي الورى عَن التَّذْكِير صَلَاة عَلَيْك ثمَّ سَلام ... لَيْسَ عد للَّذين بالمحصور بامور بِكُل قلب سليم ... ظاهرات اعظم بِتِلْكَ الامور وعَلى التَّابِعين مَا اتسق فجر ... قَاطع ضوءه دجى الديجور ختم كل من ذين كالمسك فِي ... كل امور فِي بداها والأخير ... وشعره كثير ونظم كثير من المشائل العلمية وَالْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة ليقرب ضَبطهَا ويسهل حفظهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانهُ كَانَ آيَة من آيَة الله تَعَالَى وخاتمة الْمُحَقِّقين لم يخلف بعده مثفله لَو وَصفه الواصف بِمَا عَسى فَهُوَ رافل فِي سرابيل التَّقْصِير وعظمت مصيبته بالاسلام وَكثر الاسف عَلَيْهِ من الْخَاص وَالْعَام وَبَلغنِي ان الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف الشهير الشَّيْخ مُحَمَّد الْبكْرِيّ قدس الله روحه رأى فِي الْمَنَام قبل مَوته كَأَن الرُّكْن الْيَمَانِيّ من الْبَيْت الشريف انهد وَمَا هَذَا

стр. 352

مَعْنَاهُ فَكَانَ تاويلها موت الْمَذْكُور ورثاه صاحبنا الأديب الْفَاضِل النَّازِل من محامد الصِّفَات وأشرف الْمنَازل حُسَيْن بن عبد الْبَاقِي الزَّاهِد الزبيدِيّ الشَّافِعِي بمرثية عَظِيمَة نونية قَرَأت فِي الْيَوْم الثَّالِث من وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى وَهِي ... حسبي الله من صروف الزَّمَان ... ونكايات أسْهم الْحدثَان مالنا فِي مراتع اللَّهْو نصبو ... فِي امان ولات حِين امان مَا اضر اغتباطنا بالملاهي ... واشد اغترارنا بالأماني هَذِه دَار نقلة ونقاد ... فتفطن إِن كنت ذَا عرفان هَذِه بَيْننَا الْقُصُور العوالي ... شامخات الْبناء فاين الْبَانِي كم مَرَرْنَا بدارسات طلول ... فَذَكرنَا الْقطَّان والاوطان حَسبنَا منذرا يُوقع المنايا ... علمنَا أننا من الْحَيَوَان فكفانا نَص التِّلَاوَة وعظاً ... فَاعْتبر كل من عَلَيْهَا فان مَعَ هَذَا الْعلم الْيَقِين كانأ ... فِي وثوق لَا شكّ بالوجدان سفر هَذِه الْحَيَاة لَهَا الأنفاس ... عيس تسوقها الملوان والمحط الْكَرِيم انشأ ذُو ... الْعَرْش فراديس عاليات الْجنان ابداً حولهَا ندندن بَين القاصرات ... الحسان والولدان ايها الغافلون ضمكم النهج ... وآن الرحيل يَا أَخَوان فاعدوا زَاد التقى فنياق ... الْمَوْت قد اهبت لجذب الْعوَان وسوق الْمنون تخطف ارواح ... الورى من جوارح الابدان لَا محيداً عَنْهَا لروح عَزِيز ... أَو ذليل أَو شامخ أَو داني فهبوا لفتة إِلَى الْأُمَم الماضين ... من آدم إِلَى ذَا الْآن من عصي وطيع ووضيع ... ورفيع اربى على كيوان من عماليق حمير وغطاريف ... قُرَيْش والشم من قحطان من آيَات اللَّعْن الَّذين علاهم ... فِي السيوف الرقَاق أَو فِي الجيفان لبسوا الزاغفاث وانتطقوا ... الْبيض وهزوا عوالي المران صرفتهم صوارف الْمَوْت صرف ... السرب عَن مورد النمير الهاني مَا حمتهم تِلْكَ الْحُصُون لعمري ... لَا وَلَا استكملوا لثني عنان فهم عِبْرَة لنا لَو فهمنا ... أَيْن أهل الْعُقُول والعرفان

стр. 353

. يَا لهذي الرزية الصليم الصما ... والفادح الْعَظِيم الشان معقل من معاقل الدّين اودى ... وخضم قد غَار فِي الأكفان حُفْرَة أطبقت على كَوْكَب الشَّمْس ... فَغَاب الضيا عَن الْأَعْيَان شقّ جيب الْقُلُوب ناعيه إِذا ألقم أَفْوَاه الْحلق بالصوان فِي مقَام مَا انفكت النَّاس فِيهِ ... بَين دمع جَار وعض بنان حِين يُنَادي يَا للجمال جمال ... الْفضل وَالدّين الْعَالم الرباني غَار انسان مقلة الْفِقْه ... فالشحمة من بعده بِلَا انساني درست بعده مدارس درس ... وَهِي كَانَت اهلية الْبُنيان أَي قطب دارت عَلَيْهِ من الطلاب ... افلاك الْعلم بالدوران مضرب من مضَارب الدّين قد فل ... لعمري وَكَانَ ماضي اللِّسَان خلق كالرياض بللها الْقطر ... وَصدر خَال من الاضغان وجنان يمد كالبحر للطلاب ... والسائلين بالخلجان رَاع أَرْبَاب الزيغ بالحجج اللآتي لعمري تفل حد السنان حجج تخرس احْمَد أبي سُرَيج والامام ابْن الطّيب الباقلاني يَا نديم الْعُلُوم أبكيك إِن دارت ... كؤوس المذاكير الحسان الحَدِيث الشريف وَالْفِقْه والتصريف ... والنحو مَعَ فنون الْمعَانِي وليوم تحار فِيهِ ذَوُو الافهام ... فِي ليل مُشكل ظلماني من يحل دجى الْمسَائِل من ... بعْدك يَا شمس افق كل بَيَان هَذِه فِي الورى شموس تضانيفك ... تجلى فِي سَائِر الاكوان هَذِه بَيْننَا فوائدك الزهر ... كزهر السَّمَاء فِي اللمعان فعلى ذاتك الشَّرِيفَة من ذى ... الْعَرْش ازكى السَّلَام والرضوان عظم الله أجركُم يَا بني الأشخر ... والتابعي بالاحسان رب واجبر مصابنا فِيهِ والمم ... صدعنا لَا نبوء بالخسران رب شيد اركان سادتنا ... البَاقِينَ واغمر بهم حمى الإمان رب وفقهم لنصرة شرع ... وَدَلِيل مقَام أَو برهَان واثب جَمعنَا بِحسن قبُول ... وانلهم جوائز الغفران وَصَلَاة الصُّبْح مِنْك على من ... جَاءَ بالمعجزات وَالْقُرْآن وعَلى آله واصحابه مَا ... ناح باك الْهُذيْل فِي الأغصان ...

стр. 354

وفيهَا ختم البُخَارِيّ بِقِرَاءَة الْفَقِيه شمي الدّين عَليّ بن الففقيه عبد الرَّحِيم بن مَحْمُود الْقَيْسِي على الْعَلامَة الْحَافِظ مُفِيد الطالبين مُحدث الديار اليمنية الطَّاهِر بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأهدل بزبيد بِمَسْجِد الْوَلِيّ الْكَبِير عبد الرَّحْمَن بن حسن الهدل فَأَنْشَأَ فِي ذَلِك الْعَلامَة حسن بن عبد الْبَاقِي الازهر قصيدة لامية مَكْسُورَة فِي غَايَة الْحسن وَهِي ... عنعن احاديث الحبيب وسلسل ... وارفع أَحَادِيث الحبيب الأول واطلق مُقَيّد جفنك لَيْسَ من ... شَرط الْمحبَّة وقف دمع مُرْسل واذا رَوَت لَك نسمَة من حاجر ... خيرا فتهلك حَدِيثهَا لم يقبل كم ضعفت بحديثها الْمَعْلُول من ... جسم وَكم اوهت بِهِ من مفصل لي بالعقيق الْفَرد قلب هائم ... بشعابه يرْعَى الظبي بهوجل باك يشرب الدّرّ بالمرجان فِي ... جزع العقيق بسفح خد مخضل ويحن ان ذكرت معاهد يثرب ... فاقول لَا تهْلك اسى وتجمل ان لامه العذال يطرب نشوة فَكَانَ فرط العذل ضرب تغزل فنى الصَّبْر وانقضى الْعُمر الَّذِي ... هُوَ فسحة لمسوف ومؤمل كل الَّذِي يرضى الْهوى ويرومه ... سهل عَليّ سوى النَّوَى لم يسهل واله لَا اشتاق برقة تهمد ... أَو منزلا بَين الدُّخُول فحومل لَكِن باكناف العقيق مضَارب ... هِيَ نزهة للنَّاظِر المتأمل هَل امتطى هوجاء مشرفة المطا ... شما كَأَنِّي فَوق هَامة يذبل تسري النجابيد الغرام خزامها ... والشوق سائقها لأكرم منزل يغلي بوطاة خفها فرق الفلا ... كشهاب رجم جَوف ليل ألبيل حَتَّى ترى أطلال طيبَة نخيلها ... خوصا لتعدل بِي لأشراف منزل وأكون أول من يؤم بعزمه ... بَاب السَّلَام مَعَ الطّراز الأول اسعي إِلَى الْحرم المنيع وانتحي ... للروضة الغراء وقبر الْمُرْسل الفاتح السباق أول مبدع ... فِي الْكَوْن بِالنَّصِّ الْجَلِيل الأجلل أصل الاصول وجوهر للْعَالم الشكل ... نور الْوَاجِب الْفَرد الْوَلِيّ سر النُّبُوَّة جَوْهَر الكونين من ... يَوْم الْحساب عَلَيْهِ كل معول إكليل جبهة ذَا الْوُجُود طراز ... حلته البديع جمال كل مُجمل

стр. 355

.. مخطوب حَضْرَة قدسه ملحوظ ... دورة انسه ختم الْمقَام الاكمل هادي الْبَريَّة للهدى فجميعنا ... بلوائه يَوْم الْقِيَامَة نعتلي شرع الشَّرَائِع موضحاً سنَن الْهدى ... للسالكين فشرعه الشَّرْع الْجَلِيّ فألزمه بسنته الشَّرِيفَة يَا اخا ... الْحجر الْمُنِير ديانَة وَبِه اعْمَلْ وافزع إِلَى آثاره الْحسنى فكم ... جمعت لنا من مُجمل ومفصل وَمَتى اردت جَوَامِع الْكَلم الْتزم ... بالجامع العالي الصَّحِيح الْأَفْضَل فاصح كتب بعد كتب الله مَا ... جمع البُخَارِيّ وَهُوَ احسن مَا تلِي فادر مكررة بكأس لسَانك ... الْمنطق للاسماع دور تسلسل وادفع بِهِ نوب الزَّمَان فكم بِهِ ... من نكبة صرفت وخطب معضل هذي كواكب لَفظه افلاكها ... دارت على قطب شرِيف الْمنزل الْعَالم الْعَلامَة الفهامة ... الحبر البليغ العابد المتبتل الطَّاهِر الاثواب والانساب ... والاسباب والاصحاب عف الْمَقُول ابْن الْحُسَيْن الاهدل ابْن الْحُسَيْن ... شَهِيد طف ابْن سيدنَا عَليّ ابْن البتول وَتلك بنت الْمُصْطَفى ... ناهيك من بَاب لَهُ بَيت عَليّ تمت قراءتنا عَلَيْهِ ودونكم ... مسك الختام نفضه فِي المحفل فَالْحَمْد لله الْمعِين بِلُطْفِهِ ... المسعد المتفضل المتطول فجزاه رب الْعَرْش جلّ ثَنَاؤُهُ ... من فَضله اسنى الْجَزَاء الأجزل وأذاقه تسنيم كأس خطابه ... فِي مقْعد الصدْق الْعَزِيز المعتلي فَهُوَ الَّذِي كشف الْعَمى عَن نور ... عين بصيرتي وَبِه بلغت مؤملي يَا مُسبل النعم المفاضة غَشنَا ... بسوابغ النعم الْجلَال وجلل واشمل بِعَين اللطف نادينا وَمن ... ضمته دورته وجد وَتقبل وعَلى الْقَارئ إِلَّا فافتح لَهُ ... فِي الْعلم فضلا كل بَاب مقفل واغفر لناظمها الْحُسَيْن وَكن لَهُ ... يَا رب فِي الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى ولي ليعود فِي افق السَّعَادَة بدره ... بك زاهراً فِي برج سعد تنجلي ولوالديه واهله وشيوخه ... هذي يَدي مبسوطة بتذلل هَا قد مددت يَد السُّؤَال بذلة ... فَلَانَتْ تغْضب رب ان لم تسْأَل فاصلح وُلَاة الْمُسلمين ولاتكل ... اعمالهم يَوْمًا لمن لم يعدل وَاخْتِمْ بِخَير خَوَاتِم اعمالنا ... يَا خير من يدعى واكرم مؤئل

стр. 356

.. وعَلى متمم الدّور ختم الْمسك ... سر النشا تكْرَار الصَّلَاة من الْعلي والآل والاصحاب والاتباع مَا ... لبّى الْحمام هديرصوت البلبل ... وفيهَا استعاد السُّلْطَان مظفر بن السُّلْطَان مَحْمُود كجرات من المغول وَذَلِكَ فِي آخر شعْبَان وَقبض أَكثر بلادها مث أَحْمد آباد وبروج وبرودلة وكبنايت فَهزمَ عَسْكَر المغول نهبهم وَقتل بعض الوزراء الْكِبَار وَأخذ مَاله وَلم يزل يعظم أمره وَيكثر عسكره إِلَى مستهل الْمحرم من سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين افاختلف عسكره فِيمَا بَينهم وَكَانَ ذَلِك هُوَ السَّبَب لهزيمتهم واختفى الْمَذْكُور فِي بعض الْأَمَاكِن وَرجع أَمر كجرات إِلَى المغول وَلَا حول وَلَا قوى ة إِلَّا بِاللَّه وَأما بروج فَكَانَت قلعتها حَصِينَة متغلبة وَكَانَ فِيهَا جمَاعَة من أَصْحَاب السُّلْطَان مظفر فمنعوها مُدَّة وحاصروها جمَاعَة من وزراء المغول إِلَى أَن أخذوها فِي أخر شهر رَمَضَان من تِلْكَ السّنة وَرَأى بعض الأخيار فِي الْمَنَام رجلا فَسَأَلَهُ عَن مدَّته فَكتب لَهُ سِتّ واوات قَالَ الشَّيْخ فاولتها سِتَّة أشهر فَكَانَ كَذَلِك فَدَخلَهَا فِي شعْبَان وَخرج مِنْهَا فِي محرم سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين بعد التسْعمائَة (٩٩٢) هـ وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع شهر صفر سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين توفّي الشَّيْخ الصَّالح الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن الشَّيْخ بدر الدّين العباسي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي باحمد اباد وعمره نَحْو التسعين وَدفن بهَا بتربة الْعَرَب بِالْقربِ من تِلْمِيذه وَصَاحبه الشَّيْخ مُحَمَّد بن علد الرَّحِيم العمودي ﵀ وَكَانَ بَينهمَا فِي حياتهما إتحاد ومحبة عَظِيمَة حَتَّى كَأَنَّهُمَا كَانَا روحان فِي جَسَد وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة بِمصْر وَكَانَ من العلمآء العاملين وَعباد الله الصَّالِحين وَمن مشايخه شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الانصاري وَالشَّيْخ الْعَلامَة برهَان الدّين بن أبي شرِيف وَالشَّيْخ الإِمَام نور الدّين الْمحلي وَالشَّيْخ كَمَال الدّين الطَّوِيل وَالشَّيْخ زين الدّين الْغَزِّي وَالشَّيْخ نور الدّين المليجي بِالْجِيم وَاجْتمعَ بشيخ الْإِسْلَام الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الطبنداوي الْبكْرِيّ بزبيد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وتعسعمائة واخذ عَنهُ وَمن محفوظاته الْمِنْهَاج

стр. 357

فِي الْفِقْه للنووي والشاطبية فِي الْقرَاءَات والعمدة فِي الحَدِيث الْمَقْدِسِي وَالْأَرْبَعِينَ النواوية والاجرومية فِي النَّحْو ومختصر أبي شُجَاع وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي علم الْحَرْف والفلك والميقات وَكَانَ شَدِيد الْوَرع قَلِيل الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ متمسكاً بِالْكتاب وَالسّنة وَطَرِيقَة السّلف الصَّالِحين مَعَ التَّقْوَى المفرطة والخمول الزَّائِد وَحكي ان وَالِده مرض مَرضا شَدِيدا بِالشَّام فاستغاث بِالنَّبِيِّ ﷺ فَرَآهُ فِي الْمَنَام وَهُوَ يضْرب على كتفه وَيَقُول لَهُ قُم يَا أَبَا مُحَمَّد فانتبه معافا من ذَلِك امرض وَلم يكن مَعَه اذ ذَاك ولد اسْمه احْمَد وَكَانَ قد ترك زَوجته بِمصْر حَامِلا بِهِ فَبعد ايام جَاءَ الْخَبَر بانها وضعت غُلَاما فَسَماهُ أَحْمد وَمن شعره ... كَانَ البُخَارِيّ حَافِظًا ومحدثا ... جمع الصَّحِيح مكمل التَّحْرِير ميلاده صدق ودة عمره ... فِيهَا حميد وانقضى نور ... وَلما وقف على الابيات الْآتِيَة الَّتِي نظم فِيهَا بَعضهم مَا لكل فصل من الْمنَازل على اصْطِلَاح أهل الْيمن وَهِي ... شَرط البطين ثره يَا دبر هقعتها ... وهنعة الذرع فصل الصَّيف قد كملا فنثرة الطّرف جبهة الزبرة انصرفت ... عوا سماك فَذا فصل الخريف خلا غفر زبانا تكلل قلب شولتها ... نعائم بَلْدَة فصل الشتَاء كملا وَاذْبَحْ بلاعاً سعود واخب فرعهما ... فِي بطن حوت فَذا فصل الرّبيع تَلا ... استحسنها وَقَالَ انه أَجَاد فِيهَا غير انه اعْتمد فِي ذَلِك على حِسَاب الْمُتَقَدِّمين فِي الْمنَازل حَيْثُ بَدَأَ بالشرطين وعَلى حِسَاب الْمُتَأَخِّرين يكون الفرغ الْمُؤخر قَالَ فقفوت اثره فِي القافية وابتدأت بالفرغ الْمُؤخر على حِسَاب الْمُتَأَخِّرين فَقلت ... مُؤَخرا ورشا شَرط البطين ثروا ... دبرا وهقع ففصل الصَّيف قد كملا وهنعة الذرع نثراً لطرف جبهتها ... وزيرة الصّرْف ذَا فصل الخريف تَلا عوى السماك وَغفر الزين كُله ... قلب وشولة ذَا فصل الرّبيع تَلا ...

стр. 358

ثمَّ قَالَ وترتيب الْفُصُول الْمَذْكُورَة فِي هذَيْن النظمين على طَريقَة أهل الْيمن قَالَ ثمَّ أَنِّي رتبتها أَيْضا فِي أَبْيَات على حكم مَا قَالَ الْحُكَمَاء فَقلت ... مُؤخر ورشا البطين ثروا ... دبر وهقع فَذا فصل الرّبيع خلا وهنعة الذرع نثر الطّرف جبهتها ... وزبرة فَذا فصل الصَّيف قد كملا عوى السماك وَغفر الزين كلله ... قلب وشولة ذَا فصل الشتا ارتحلا ... وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بقول ... كَانَ الله فَقِيها عَالما ... وَله عرض مصون مَا اتهمَ غير لَا يدْرِي مدارة الورى ... ومدارة الورى أَمر مُهِمّ ... وَمِمَّا أملاه عَليّ بعض الصَّالِحين من تلامذته من حفظه قبيل مَوته بِمدَّة يسيرَة ... بمكارم الاخلاق كن مُتَخَلِّفًا ... ليفوح عرف ثنائك الْعطر الشذي وامنح صديقك مَا اسْتَطَعْت صدابة ... وادفع عَدوك بِالَّتِي فَإِذا الَّذِي ... وَمَا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الطبنداوي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ من لَفظه ... ومذ كنت مَا اهديت للحب خَاتمًا ... ومسكاً وكافوراً ولابست عينه وَلَا الْقَلَم المبري أخْشَى عَدَاوَة ... تكون مدى الْأَيَّام بيني وَبَينه ... وَمِمَّا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الله أَبَا كثير بِمَكَّة المشرفة قد حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة يَقُول جَاءَ شخص من عُلَمَاء مصر إِلَى مَكَّة المشرفة فِيمَا تقدم وجاور بهَا وَجلسَ فِي بعض الْأَيَّام على الْكُرْسِيّ ليعظ النَّاس فِي الْحرم الشريف فَكَانَ أول كَلَامه بعد أَن قَالَ الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله صلى الله عله وَسلم مِمَّا أَنْشدني وَالِدي تهذيباً فِي أَيَّام الصِّبَا ... إِذا شِئْت أَن تحيا سليما من الْأَذَى ... وذنبك مغْفُور وعرضك صين فَلَا ينْطق مِنْك اللِّسَان بسوءة ... فللناس سوآت وَلِلنَّاسِ السن

стр. 359

.. وعينك إِن أَهْدَت إِلَيْك معايبا ... فغمض وَقل يَا عين للنَّاس أعين وعاشر بِمَعْرُوف وسامح من اعْتدى ... وَلَا تدفع إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن قلت وَقد روى عَن أَمَام دَار الْهِجْرَة مَالك بن أنس ﵀ أَنه قَالَ أدْركْت بِهَذِهِ الْبَلدة يَعْنِي الْمَدِينَة أَقْوَامًا لم تكن لَهُم عُيُوب فتكلموا فِي عُيُوب النَّاس فظهرت عيوبهم وَمِمَّا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا عَن الشَّيْخ عبد الله أَبَا كثير الْمَذْكُور قَالَ جَاءَ اعرابي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَفِي قرانك مثل هَذَا فَقَالَ لَهُ أيش أَو كَمَا قَالَ ﷺ فَقَالَ الْأَعرَابِي ... وَحي ذَوي الأظغان تسبي عُقُولهمْ ... تحيتك الْقُرْبَى فقد تدفع النغل فَإِن جهروا بالْقَوْل فَاعْفُ تكرماً ... وَأَن ستروا عَنْك الْمقَالة لم تبل فَإِن الَّذِي يُؤْذِيك مِنْهُ أستماعه ... وَأَن الَّذِي قد قيل خَلفك لم يقل ... قَالَ فَنزلت الْآيَة الشَّرِيفَة ﴿وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم﴾ وَمِمَّا أملاه عَلَيْهِ أَيْضا عَن الشَّيْخ عبد الله الْمَذْكُور ... من لم يبكوه ناصحوه ... يضْحك من حَاله عداهُ أدبه الايام والليالي ... من لم يؤدبه والداه ... وفيهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو السعادات مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الفاكهي الْمَكِّيّ الْحَنْبَلِيّ وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي جَمِيع الْعُلُوم وَأَنه قَرَأَ فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَمن شُيُوخه الشَّيْخ الْكَبِير الْمُحَقق الْعَلامَة أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن حجر الهيتمي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الْحطاب فِي آخَرين من أهل مَكَّة وحضرموت وزبيد يكثر عَددهمْ وَيُقَال أَن الَّذين أَخذ عَنْهُم يزِيدُونَ على التسعين وأجازوه ومقروءاته كَثِيرَة جدا لَا تَنْحَصِر وَمن محفوظاته الاربعين النواوية والعقائد النسفية وَالْمقنع فِي فقه

стр. 360

الحنابله وَجمع الْجَوَامِع فِي أصُول الْفِقْه والفية ابْن مَالك فِي النَّحْو وتلخيص الْمِفْتَاح فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان والشطبية فِي الْقرَاءَات وَنور الْعُيُون فِي السّير لِابْنِ سيد النَّاس وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم ويقرا للسبعة مَعَ التجويد ونظم ونثر والف غير وَاحِدَة من الرسائل المفيدة مِنْهَا الَّذِي نُكَلِّم فِيهَا على آيَة الْكُرْسِيّ وَهِي مفيدة جدا وَمِنْهَا شرح مُخْتَصر الانوار الْمُسَمّى نور الْأَبْصَار فِي فقه الشَّافِعِيَّة وَمِنْهَا رِسَالَة فِي اللُّغَة وَمِنْهَا كتاب جليل جعله باسم بعض السلاطين ورزق الْحَظ فِي زَمَانه وسمعته يَقُول الانس بِاللَّه نور سَاطِع والانس بِالنَّاسِ سم قَاطع وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق انه قَالَ حضرت مجْلِس بعض الوزراء فَوَقع الْكَلَام فِي الِاسْتِفْهَام الانكاري فَقَالَ بعض أهل الْعلم هَذَا كَقَوْلِه ﴿اتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون انفسكم وانتم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ وَأَشَارَ إِلَيّ بالعريض ففهمت مِنْهُ ذَلِك فاستحضرت حِينَئِذٍ وَقلت مُخَاطبا لَهُ قَوْله ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ آلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾ فَخَجِلَ ذَلِك الرجل وَكَانَ وَالِدي يُسَمِّيه شيخ الاسلام وَكَانَ جواداً قَالَ بَعضهم مَا رايت اسخى مِنْهُ وَقَالَ آخر مَا أَظن أَن أحدا من الْأَشْرَاف وَالْعرب دخل الْهِنْد إِلَّا وَله عَلَيْهِ احسان وَكَانَ لَا يمسك شَيْئا وَلذَلِك كَانَ كثير الاستقراض وَكَانَ تغلب عَلَيْهِ الحدة وَكَانَ من شسدة تواضعه لأَصْحَابه رُبمَا ينسبونه إِلَى التملق وَكَانَ لَهُ عقيدة مفرطة فِي السَّادة آل أَبَا علوي وَذهب إِلَى حَضرمَوْت لزيارتهم فلقى جمَاعَة من اعيانهم وعادت عَلَيْهِ بركتهم وَدخل الْهِنْد وَأقَام بهَا مديدة ثمَّ رَجَعَ إِلَى وَطنه مَكَّة المشرفة فِي سنة سبع وَخمسين فحج ذَلِك الْعَام وزار النَّبِي ﷺ ثمَّ حج فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا وَعَاد إِلَى الْهِنْد فِي سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فاقام بهَا إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَ مَعَ جلالة قدره يغْضب من ذكر الفار وَقيل انه لقب اخيه عبد الْقَادِر

стр. 361

لقبه بِهِ من لَا خلاق لَهُ من أهل مَكَّة فَكَانَ الَّذِي يقصدون اذيته يذكرُونَهُ لَهُ فيتعب من ذَلِك وَكتب إِلَيْهِ بَعضهم هَذَا الاستفتاء ... يَا أَيهَا الشَّيْخ يَا من ... هُوَ بِدِينِهِ فار يَا من إِذا مَا اشْتغل ... نَار الذكاء مِنْهُ فار مَاذَا تَقول لنا ... فِي بركَة مَاتَ بهَا فار تبددت مِنْهُ أجزاؤه ... وَلم يبْق فار اجب لنا مسرعاً ... المَاء فِي التَّنور فار ... وللأديب عَليّ أَبَا كثير الْمَكِّيّ ﵀ فِي الْمَعْنى ... يَا عُلَمَاء الْعَصْر مَا قَوْلكُم ... فِي مُشكل حير كل الْأُمَم رَأَيْت فَارًّا عنْدكُمْ وَهُوَ لَا ... ييقتل فِي الْحل وَلَا فِي الْحرم ... وَمن شعره ... طبعت على حب المعزة وَالثنَاء ... وأرجوهما فِي طول عمري ديدبي وَهَا أَنا أوصِي كل خل معزز ... بَان لَا يداني للدنا من يَدي دني ... ومدحه الشَّيْخ الْفَاضِل عبد اللَّطِيف الابير بقصيدة مِنْهَا ... يَا عَلامَة الدِّينَا وَيَا علم غَدا ... يقصر عَن غاياته فِي العلى الْبَدْر وَمن لَاحَ مثل الصُّبْح فضل كَمَاله ... فضاء بِهِ الأقطار وافتخر الْعَصْر وَيَا أَيهَا الْبَحْر الخضم لعلمه ... وللرفق بالطلاب يَا أَيهَا الْبر وَفَاكِهَة الدِّينَا يهناه ذَا الهنى ... وَجمع عُلُوم فاح من طيبها النشر أَب لسعادات وَاصل محامد ... فَمن أمه بالنجح آل كَذَا الْيُسْر تباهب بِهِ كجرات لما ثوى بهَا ... فَإِن فخرت يَوْمًا يحِق لَهَا الْفَخر وَمن الْعَجَائِب أَن الْمَشَايِخ الثَّلَاثَة هُوَ واخوه الشَّيْخ عبد الله وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر كَانُوا كلهم أهل فضل وَعلم وكل وَاحِد من الثَّلَاثَة مَاتَ قبل الآخر بِعشر سِنِين فَكَانَ أَوَّلهمْ موتا الشَّيْخ عبد الله وَآخرهمْ صَاحب التَّرْجَمَة رَحِمهم الله تَعَالَى آمين

стр. 362

غَرِيبَة ذكر شيخ الاسلام أَبُو حجر الْعَسْقَلَانِي فِي مُعْجَمه أَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وهم الْعِرَاقِيّ والبلقيني وَابْن الملقن كَانُوا أعجوبة هَذَا الْعَصْر على رَأس القرنالأول فِي معرفَة الحَدِيث وفنونه وَالثَّانِي فِي التَّوَسُّع فِي معرفَة مَذْهَب الشَّافِعِي وَالثَّالِث فِي كَثْرَة التصانيف قَالَ وَمن الْعَجَائِب أَن كل وَاحِد من الثَّلَاثَة ولد قبل الآخر بِسنة وَمَات قبله بِسنة فأولهم ابْن الملقن ثمَّ البُلْقِينِيّ ثمَّ الْعِرَاقِيّ وَحكى بعض الْفُقَرَاء الصَّالِحين قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا اللسعادات الفاكهي ﵀ يَقُول لما سمع الْعَلامَة القَاضِي ابْن أبي عقامة اليمني قَول المعرري قابله الله بعدله ... إِذا مَا ذكرنَا آدماً وفعاله ... وتزويج بنتيه بابنيه فِي الدنا علمنَا بِأَن الْخلق مكن أصل زنية ... وَأَن جَمِيع النَّاس من عنصر الزِّنَا ... قَالَ مجيبا لَهُ وراداً عَلَيْهِ ... لعمرك أَن القَوْل فِيك لصَادِق ... وَتكذب فِي البَاقِينَ من شط أَو دنا كَذَلِك اقرار الْفَتى لَازم لَهُ ... وَفِي غَيره لَغْو بذا جَاءَ شرعنا ... قلت وللمعري أَيْضا ... يَد بِخمْس مئين عسجد وديت ... مَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار ... قَالَ الشريف الرضي راداً عَلَيْهِ ... صِيَانة النَّفس أغلتها وأرخصتها ... خِيَانَة المَال فَانْظُر حِكْمَة الْبَارِي ... وَله أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يدل على عدم إيمَانه بِالْبَعْثِ والنشور قبحه الله ... ضحكنا وَكَانَ الضحك منا سفاهة ... وَحقّ لسكان البسيطة أَن يبكوا تحطمنا الْأَيَّام حَتَّى كأننا ... زجاج وَلَكِن لَا يُعَاد لَهُ سبك ... ورد عَلَيْهِ الإِمَام مُحَمَّد بن عَتيق التَّمِيمِي فَقَالَ ... كذبت وَبَيت الله حلفه صَادِق ... سيبكينا بعد الثوى من لَهُ الْملك وَنَرْجِع أجساماً صحاحا سليمَة ... تعرف فِي الفردوس مَا عندنَا شكّ ...

стр. 363

وَفِي عجائب الْبلدَانِ للقزويني قَالَ وَذكر أَنه فِي آخر عمره تَابَ عَن أَمْثَال هَذِه واستغفر وَحسن اسلامه قَالَ الْمجد الفيروزابادي صَاحب الْقَامُوس فِي كِتَابه الْبلْغَة فِي تَارِيخ أَئِمَّة اللُّغَة وَالنَّاس فِيهِ فرقتان فَمنهمْ من يكفره وَيَزْعُم أَنه كَانَ زنديقاً وَمِنْهُم من هُوَ بضد ذَلِك وَفِي ظَاهر أشعاره زندقة كَثِيرَة على أَن فِي شعره مَا يدل على التَّوْحِيد الصَّرِيح والاعتقاد الصَّحِيح كَقَوْلِه ... خلق النَّاس للبقاء فضلت ... أمة يحسبونها للنفاد إِنَّمَا ينقلون من دَار أَعمال إِلَى دَار شقوة أَو رشاد ... وَذكر عَنهُ أَنه املأ الْمُحكم والمخصص من صَدره وَفِي عجائب الْبلدَانِ أَنه كَانَ لَهُ سَرِير يجلس عَلَيْهِ فجعلوتا فِي غيبته تَحت قوائمه أَرْبَعَة دراهنم تَحت كل قَائِمَة درهما فَقَالَ أَن الأَرْض قد ارْتَفَعت عَن مَكَانهَا شَيْئا يَسِيرا أَو السَّمَاء نزلت قَالَ وَمن الْعجب أَنه مَعَ ذكائه اختفت عَلَيْهِ الموجودات الَّتِي لَيست مجسمة كالجواهر الروحانية فَاعْتقد أَن كل مَوْجُود يكون مجسماً قلت وَلَا عجب لِأَن الْهِدَايَة والضلال ليسَا إِلَّا بِتَوْفِيق الله وهدايته أَو خذلانه وَعدم رعايته وَأَن غير الْعَاقِل قد يلهم كثيرا مِمَّا يحرمه الْعَاقِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء﴾ وَمن يهد الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ ولعمري أَن الْعُقُول الَّتِي لم تستضيء بِنور الشَّرْع هِيَ عقول أضلها باريها وَقضى عَلَيْهَا بالشقاء قاضيها رزقنا الله تَعَالَى مُتَابعَة النَّبِي ﷺ وتعظيم شَرِيعَته وَجَعَلنَا من خِيَار أمته وانصار مِلَّته بمنه وَكَرمه آمين وَمَا أحسن قَول البوصري ﵀ ... رب إِن الْهدى هداك وآياتك ... نور تهدي بهَا من تشَاء كم رَأينَا مَا لَيْسَ يعقل قد ... الْهم مَا لَيْسَ يلهم الْعُقَلَاء ...

стр. 364

وَوجدت فِي بعض التَّعَالِيق بِخَط صاحبنا الْعَلامَة الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ البسكري ان الشَّيْخ عبد النافع بن الشَّيْخ أَحْمد بن عراق دَعَا الشَّيْخ أَبَا السعادات الفاكهي إِلَى ضِيَافَة مَعَ صَاحب لَهُ يُسمى بَاب الْمجد وَكتب إِلَيْهِ فِي الاستدعاء هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ... أَبَا السعادات وَابْن الْمجد خادمكم ... أَخُو التضرع عبد النافع الدَّاعِي يدعوكم سَاعَة تِلْقَاء منزله ... وَلَيْسَ يخفى الَّذِي فِي الشَّرْع للداعي ... وَرَأَيْت بِخَط صاحبنا الْعَلامَة شهَاب الدّين ابْن الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ البسكري الْمَكِّيّ المغربي الْمَالِكِي رَحمَه الله تَعَالَى مَا صورته وجدت فِي تذكرة مَوْلَانَا الْعَلامَة ذِي الكمالات الشَّيْخ أبي السعادات هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما ... يَا أهل تدريس الْعُلُوم جَمِيعه ... وَذَوي عقول قد صفت من رِيبَة هَل تعلمُونَ محلّة مَعْرُوفَة ... جمعت كمكة فِي عداد فَضِيلَة ... فَكتبت جوابها زأنا الفقي إِلَى عَفْو الله أَحْمد البسكري فَقلت ... لَا وَالَّذِي برأَ الْأَنَام بأسرها ... مَا مثل مَكَّة شرفت من قَرْيَة وَكَذَلِكَ مَا مثل الْحطيم وزمزم ... والمشعرين وركنها فِي خطه وَكَذَا الصَّفَا وَالْحجر والميزاب ... وَالْبَيْت الشريف فَذَاك أعظم نعْمَة إِلَّا على قَول الهزبر إمامنا ... شيخ الْأَنَام إِمَام أهل السّنة ان الْمَدِينَة شرفت بمقام من ... قد حل فِيهَا فَهِيَ اشرف بقْعَة صلى عَلَيْهِ الله رَبِّي سرمدا ... أبدا دواما مَا توالت غمضة ... وفيهَا فِي لَيْلَة الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام توفّي الْوَلِيّ الْكَبِير والقدوة الشهير الَّذِي وَقع على ولَايَته الاجماع والاتفاق وَقصد بالزيارة من الْآفَاق الشَّيْخ أَبُو بكر بن سَالم أَبَا علوي بعينات وَكَانَ من الْمَشَايِخ الأقراد المقصودين بالزيارة من أقْصَى ابلاد وانتفع ببركته الْحَاضِر والباد وانغمرت بنفحات أنفاسه الْعباد واشتهرت كراماته ومناقبه وآياته فِي الْآفَاق وسارت بِهِ الركْبَان والرفاق وَحصل لَهُ الْقبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام وعينات بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة من تَحت وَقبل الْألف نون وَبعدهَا منشأة فوقية قَرْيَة بحضرموت على نصف

стр. 365

مرحلة من تريم كَانَت إقاتمته بهَا وقصده إِلَيْهَا الزوار من الأقطار حَيا وَمَيتًا وفيهَا توفّي الْحَكِيم شهَاب الدّين مَحْمُود بن شمس الدّين السندي وَكَانَ آيَة فِي الْحِكْمَة والمعالجات وَحكي ان بعض السلاطين اهدى إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود صَاحب كجرات أَشْيَاء نفيسة من جُمْلَتهَا جَارِيَة وصيفة فَأَعْطَاهَا السُّلْطَان لبَعض الوزراء فاتفق ان الْحَكِيم الْمَذْكُور جس نبضها قبل أَن يَمَسهَا ذَلِك الْوَزير فحذره من ذَلِك وَقَالَ ان من يُجَامِعهَا سيموت فأرادوا تجربته فِي ذَلِك فجاؤا بِعَبْد وادخلوه عَلَيْهَا فَمَاتَ لوقته فازداد تعجب الْوَزير وَسَأَلَهُ عَن السَّبَب فِيهِ فَقَالَ انهم اطعموا أمهَا فِي حَال حملهَا أَشْيَاء أورثت ذَلِك وان مهديها قصد هَلَاك السُّلْطَان قلت فَللَّه دره من طَبِيب ماهر مَا احذقه وَقد ذكر الْقزْوِينِي فِي عجائب الْبلدَانِ مَا يقرب من هَذَا فَقَالَ عِنْد الْكَلَام على عجائب الْهِنْد وَمن عجائبها البيش وَهُوَ نبت لَا يُوجد إِلَّا فِي الْهِنْد سم قَاتل أَي حَيَوَان يَأْكُل مِنْهُ يَمُوت ويتولد تَحْتَهُ حَيَوَان يُقَال لَهُ فارة البيش تَأْكُل مِنْهُ وَلَا يَضرهَا وَمِمَّا ذكر أَن مُلُوك الْهِنْد إِذا أَرَادوا الْغدر بِأحد عَمدُوا إِلَى الْجَوَارِي إِذا ولدن وفرشوا من هَذَا النبت تَحت مهودهن زَمَانا ثمَّ تَحت فراشهن زَمَانا ثمَّ تَحت ثيابهن زَمَانا ثمَّ يطعموهن مِنْهُ فِي اللَّبن حَتَّى تصير الْجَارِيَة إِذا كَبرت تتَنَاوَل مِنْهُ وَلَا يَضرهَا ثمَّ يبْعَث بهَا مَعَ الْهَدَايَا إِلَى من أَرَادوا الْغدر بِهِ من الْمُلُوك فَإِنَّهُ إِذا غشيها مَاتَ سنة ثَلَاثَة وَتِسْعين بعد التسْعمائَة (٩٩٣) هـ وَفِي ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين توفّي الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم قطب العارفين الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ أبي الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عوض بن عبد الْخَالِق بن عبد الْمُنعم ابْن يحيى بن يَعْقُوب بن نجم الدّين بن عِيسَى بن دَاوُد بن نوح بن طَلْحَة بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق ﵁ الْبكْرِيّ الصديقي الشَّافِعِي الْأَشْعَرِيّ الْمصْرِيّ وَأم جده الْأَعْلَى أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد فَاطِمَة بنت الشريف تَاج الدّين الْقرشِي بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن يرحم بن حسان بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْحسن الْمثنى بن

стр. 366

بن حسن السبط وَرُوِيَ أَن الشَّيْخ كَانَ يفتخر بِهَذِهِ النِّسْبَة النَّبَوِيَّة وَيَقُول مَا أحب أَن لي بهَا كَذَا وَكَذَا وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ من آيَات الله فِي الدَّرْس والإملاء فَكَانَ إِذا تكلم فِيهِ تكلم بِمَا يحير الْعُقُول وَيذْهل الأفكار بِحَيْثُ لَا يرتاب سامعه فِي أَن مَا يتَكَلَّم بِهِ لَيْسَ من جنس مَا ينَال بِالْكَسْبِ وَرُبمَا كَانَ يتَكَلَّم فِيهِ بِكَلَام لَا يفهمهُ أحد من أهل مَجْلِسه مَعَ كَون كثيبر مِنْهُم أَو أَكْثَرهم على الْغَايَة من التَّمَكُّن فِي سَائِر الْعُلُوم الإسلامية والإحاطة بفنونها فيذكر لَهُ ذَلِك بعد الْقيام من الْمجْلس فَيَقُول لَيْسَ ذَلِك بِأَعْجَب من حَال الْمُتَكَلّم بِهِ فإنني فِيهِ مثله وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي اعْلَم حَتَّى كَانَ بعض أَئِمَّة الْعُلُوم والمعارف هُنَاكَ مِمَّن أفنى عمره فِي كسب الْعُلُوم الدِّينِيَّة والمعارف الربانية يَقُول وَالله لَا نَدْرِي من أَيْن هَذَا الْكَلَام الَّذِي نَسْمَعهُ من هَذَا الْأُسْتَاذ وَلَا نعلم لَهُ أصلا يُؤْخَذ مِنْهُ وَلَوْلَا الْعلم بسد بَاب النُّبُوَّة لاستدلينا بِمَا نَسْمَعهُ مِنْهُ على نبوته وَأما مجالسه فِي التَّفْسِير بوما يقرره فِيهَا من الْمعَانِي الدقيقة والأبحاث الغاضة مَعَ اسْتِيعَاب أَقْوَال آثمة التَّفْسِير من السّلف وَالْخلف وَبَيَان أولاها بالاعتماد عِنْده وَذكر المناسبات بَين السُّور والآيآت وَبَين أسمآء الذَّات المقدسة وَالصِّفَات ومواضعها وَمَا قَالَه آثمكة الطَّرِيق فِي كل آيَة من عُلُوم الْإِشَارَة فَإِن الْقُرْآن نزل بهَا أَيْضا فَذَاك مِمَّا يحير الْعُقُول ويدهش الخواطر مَعَ كَون مَا يلقيه من ذَلِك كُله من أَلْفَاظ مخترعة بَالِغَة فِي الفصاحة والبلاغة والجزالة والإيضاح إِلَى الْغَايَة الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا غَايَة مَعَ كَون أَكْثَرهَا أَو جَمِيعهَا مسجعاً مقفى معرباً مَوْضُوعا فِي مَحَله الَّذِي لَا أولى مِنْهُ بِهِ لم يحفظ لَهُ أحدا هفوة فِي لفظ من أَلْفَاظه من جِهَة اعراب أَو تصريف أَو تَقْدِيم أَو تَأْخِير أَو غير ذَلِك من هفوات الْأَلْسِنَة فِي تَقْرِير الْعُلُوم وَمَا من درس من دروسه إِلَّا وَهُوَ مفتتح بِخطْبَة بديهية أَو غير بديهية مُشْتَمِلَة على الْإِشَارَة إِلَى كَا مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ ذَلِك الدَّرْس على طَرِيق براعة الاستهلال وَهَكَذَا كَانَت مجالسه فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وكل علم يتصدر لتقريره لَا يظنّ سامعه المتمكن فِي ذَلِك الْعلم الْحَافِظ لأصوله وفرعه أَنه ترك فِي

стр. 367

كل بحث كلمة لأحد من الْمُتَكَلِّمين فِيهِ مَعَ مَا يبديه هُوَ من اختياراته الشريفه وَكَانَ الشُّعَرَاء من فضلاء مصر المتمكنين فِي علم اللُّغَة وقواعد الشّعْر ومذاهب الانشاء يقصدون يَوْم خَتمه فيكتبون القصائد البديعة فِي مدحه وَبَيَان مَا من الله بِهِ عَلَيْهِ من سَائِر النعم الظَّاهِرَة والباطنة فتتلى أَو المهم مِنْهُ على رُؤُوس الأشهاد فِي مجْلِس الشريف وَفِيه خلائق من الْخَاصَّة والعامة وَيجْلس هُوَ نفعنا الله ببركاته لاستماع مَا يُتْلَى مِنْهَا بَين يَدَيْهِ ويجيز على كل مِنْهَا وَيظْهر السرُور بهَا لطفاً مِنْهُ بأصحابها وجبراً لخواطرهم ومقابلة لحسن ظنهم وعقائدهم نفعنا الله ببركاته وَكَانَ إِذا قَامَ من كل مجْلِس جلس فِيهِ للتدريس فِي الْجَامِع الْأَزْهَر أَو غَيره يتَقَدَّم إِلَيْهِ النَّاس لتقبيل يَده والتبرك بدعائه إِذْ ذَاك والقرب من مَوْضِعه الشريف الَّذِي هُوَ مَوضِع الرَّحْمَة وَيَقَع بَينهم ازدحام عَظِيم وَرُبمَا سقط بَعضهم تَحت أَقْدَام النَّاس وَحَوله إِذْ ذَاك جمَاعَة من جند السُّلْطَان الرّوم وَغَيرهم قد حَلقُوا على حَضرته بِأَيْدِيهِم خشيَة عَلَيْهِ من الايذاء بالازدحام وَرُبمَا أَخذ وَاحِدًا مِنْهُم بِيَدِهِ الشَّرِيفَة وَهِي ممدودة لتقبيل النَّاس لطول زمن مدها لَهُم إِذْ كَانَ يقف لَهُم بعد درسه نَحْو سَاعَة زمنية ثمَّ يسير إِلَى جِهَة دَابَّته وَالنَّاس على الْغَايَة فِي الازدحام عَلَيْهِ إِلَى أَن يصل إِلَيْهَا وَمِمَّا يشْهد بِكَوْنِهِ بالْمقَام الْأَعْلَى من الْإِحَاطَة بأنواع الْعُلُوم وأصناف المعارف مَا كَانَ يتَكَلَّم بِهِ فِي مجالسه الْخَاصَّة والعامة من منظوم الْكَلَام ومنثوره وَلما مرض وَالِده شيخ الْإِسْلَام وَفَارِس ميدان الْعُلُوم والمعارف أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ نفعنا الله ببركاته مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ اختلى بولده الْمَذْكُور وَخَصه من مواهب اله بِمَا خصّه الله بِهِ ثمَّ استدعى بتلامذته ومريديه من شُيُوخ الْإِسْلَام وكبراء الْإِعْلَام مِمَّن أفنوا أعمارهم فِي الاستفادة مِنْهُ وَالْأَخْذ عَنهُ وَأمره بالاستفادة مِنْهُ وَالْأَخْذ عَنهُ وَالدُّخُول تَحت حكمه ثمَّ لما انْتقل وَالِده إِلَى دَار الْكَرَامَة هم بعض من عُظَمَاء تلامذته بِالْجُلُوسِ فِي مجْلِس وَالِده بالجامع الْأَزْهَر ظنا مِنْهُ أَن وَلَده الْمَذْكُور لم يبلغ رُتْبَة الْجُلُوس فِي مجْلِس وَالِده لصِغَر سنه إِذْ ذَاك فَإِن عمره إِذا ذَاك كَانَ نَحوا من إِحْدَى وَعشْرين سنة مَعَ أَنه لم يسْبق لَهُ قبل ذَلِك اشْتِغَال

стр. 368

بِالْعلمِ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ التأهل للجلوس فِي مجْلِس وَالِده الَّذِي هُوَ بالْمقَام الْأَعْلَى من كل علم وَمَعْرِفَة وَإِلَّا لم يستبعدوا ذَلِك مِنْهُ وَقد ذكر اليافعي فِي تَارِيخه أَن ابْن سينا فرغ من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وعمره ثَمَان عشرَة سنة مَعَ مَا قيل فِي ابْن سينا من الْقدح الْمَدْح فتقرر الْأَمر على أَن يعقدوا للمذكور مَجْلِسا يكون فِيهِ أَكثر عُلَمَاء مصر من سَائِر الْمذَاهب أَو كُله فَحَضَرُوا وَشرع الْمَذْكُور فِي تَقْرِير الْعُلُوم عَن ظهر قلب وَفِي ظَنِّي أَن كَلَامه كَانَ مَشْرُوعا فِي تَفْسِير الْقُرْآن فقرر فِي ذَلِك الْمجْلس من أَنْوَاع الْعُلُوم وأصناف المعارف مَا بهر عُقُولهمْ وحير البابهم فِي أَلْفَاظ لم يسمع السامعون فِي زمانهم أفْصح وَلَا أبلغ وَلَا أمتن وَلَا أجزل وَلَا أجمع مِنْهَا فاذعنوا لَهُ من ذَلِك الْآن وَعرفُوا أَنه أَحَق مِنْهُم وَمن غَيرهم من عُلَمَاء مصر وَغَيرهَا بِمَجْلِس أَبِيه وَلم يزل من ذَلِك الْآن الصَّدْر الْمُقدم فِي كل مجْلِس جلس فِيهِ من مجَالِس عُلَمَاء الاسلام وعلماء أَرْكَان الدولية الْإِعْلَام إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى إِلَى مَا منحه الله تَعَالَى فضاهى أَبَاهُ فِي حَاله ومقاله وحذا حذوه فِي الْعُلُوم ونسج على منواله وَتَابعه فِي أخلاقه الحميدة وآثاره الصَّالِحَة حَتَّى قيل مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة وَقد أَشَارَ ﵀ إِلَى مَا منحه الله من مَرَاتِب الْكَمَال فِي هَذَا السن فَقَالَ ... وصلت وسني عشرُون مَا ... تقاصر عَنهُ فحول الرِّجَال فَمَا ابْن ثَمَانِينَ إِلَّا الْوَلِيد ... ومجدي يزِيد بقومي وآلي ... وَله جملَة تصانيف مِنْهَا شرح على مُخْتَصر أبي شُجَاع فِي الْفِقْه وَكتب أَيْضا على أَوَائِل مَنْهَج شيخ الاسلام زَكَرِيَّا شرحا وَلم تساعد الْقُدْرَة على اتمامه وَله رسائل فِي أَنْوَاع من الْعُلُوم والمعرف والآداب كرسالة فِي الِاسْم الْأَعْظَم ورسالة فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ ورسالته فِي آدَاب الشَّيْخ والمريد ورسالته فِي الزِّيَارَة وَغَيرهَا من الرسائل الجامعة النافعة الدَّالَّة على كَمَال تمكنه فِي سَائِر الْعُلُوم الإسلامية والمعارف الربانية وديوان شعر كَبِير وَكَانَ على مَا قيل يَقُول وَقت الْوَارِد وَرُبمَا كَانَ بَين النَّاس بمنزله الشريف أَو بَين أَهله أَو وَحده فورد عَلَيْهِ الْوَارِد فاستدعى

стр. 369

بالدواة والقرطاس وَكتبه إِذْ ذَاك وَمَا من معنى أَشَارَ إِلَيْهِ أَئِمَّة اطريف مِمَّا يتَعَلَّق بِالذَّاتِ المقدسة أَو الصِّفَات المنزهة أَو بِالذَّاتِ المحمدية وَالصِّفَات النَّبَوِيَّة إِلَّا وَله فِيهِ القَوْل الأبلغ وَاللَّفْظ الْأَفْصَح وَمن كَلَامه أقل وَاجِب على الْفَقِير أَن لَا يتَطَهَّر من نَجَاسَة الذُّنُوب بِالتَّوْبَةِ وَهِي الاقلاع عنالمعصية والندم على فعلهَا والعزم على تَركهَا ورد الظلامة إِن كَانَت وَقدر وَعَلِيهِ أَن يتدارك فوائت صلوَات تَركهَا وَأَن يُبَادر بِالنّظرِ والالتفات لأستاذ يَخْدمه ويتمثل أمره ويؤمره على نَفسه ليرج لَهُ خبائثها وينقب لَهُ عَن دسائسها ويستعين بِاللَّه ثمَّ بِهِ على طهراته من ذَلِك فَإِذا صَحَّ ذَلِك للْفَقِير فَهُوَ الْغَنِيمَة الْكَبِيرَة والإكسير الْأَكْبَر والكبري الْحمر وه بعد استنشاق رَوَائِح الْوُصُول آدَاب مِنْهَا أَن لَا تقف عَن مرتبَة بل يتخطاها بِصدق الْيَقِين وَمِنْهَا أَن لَا يشْهد أَنه وصل فَذَلِك حجاب عَظِيم بل يغيب فِي شُهُوده وَذَلِكَ هُوَ الْمقَام الْكَرِيم وَمِنْهَا أَن لَا ينفذ سهم نقمة عَن قَوس نَفسه لأحد من الْخلق وَلَو بَالغ فِي أذيته بل يُبَالغ فِي مُعَامَلَته بِالرَّحْمَةِ حَتَّى يبلغ الامهال أَجله وَيفْعل الله مايشاء وَالسَّلَام وَسُئِلَ ﵁ لم كَانَ فِي أهل مَكَّة قسوة الْقلب وَفِي أهل الْمَدِينَة لينها فَقَالَ لِأَن أهل مَكَّة جاوروا الحججر وَأهل الْمَدِينَة جاوروا الْبشر وَأنْشد بَعضهم بِحُضُور الْأُسْتَاذ الْمَذْكُور قَول الشَّاعِر ... لله قَامُوس يطيب وُرُوده ... اغنى الورى عَن كل معنى أَزْهَر نبذ الصِّحَاح بِلَفْظِهِ الْبَحْر من ... عاداته يلقى صِحَاح الْجَوْهَرِي ... فَكسر الصَّاد من صِحَاح فَقَالَ الْأُسْتَاذ الصِّحَاح لَا تكسر فتعجب كل من كَانَ فِي الْمجْلس من هَذَا الْجَواب مَعَ سهولة اللَّفْظ والتروية ويروى عَن شيخ الْإِسْلَام الطبلاوي أَنه قَالَ الصِّحَاح بِالْفَتْح أفْصح وَأكْثر اسْتِعْمَالا وَمَا ألطف قَوْله قدس الله روحه إِذْ يَقُول ... مَا أَرض مفتح الأزهار وبهيج مشعشع الْأَنْوَار ولآل منظمات عقوداً ... لغوان عرائس ابكار وشموس تضيء فِي أفق السعد ... زها ضوءها على الأقمار وغصون بايكها تسجع ... رق فتنسى ترنم الأوتار

стр. 370

.. مثل قَول الْإِلَه فِي حق جدي ... ثَان اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار ... ومنم نظمه فِي هَذِه الْوَسِيلَة الْعَظِيمَة وَهِي ... مَا أرسل الرَّحْمَن أَو يُرْسل ... من رَحْمَة تصعد أوتنزل فِي ملكوت الله أَو ملكه ... من كل مَا يخْتَص أَو يَشْمَل إِلَّا وطه امصطفى عَبده ... نبيه مختاره الْمُرْسل وَاسِطَة فِيهَا وَاصل لَهَا ... يعلم هَذَا كل من يعقل فلذ بِهِ فِي كل مَا ترتجي ... فَهُوَ شَفِيع دَائِم يقبل وعذ بِهِ من كل مَا تختشي ... فَإِنَّهُ المأمن والمعقل وَحط احمال الرجا عِنْده ... فَإِنَّهُ الْمرجع والموئل وناده إِن أزمت انشبت ... أظفارها واستحكم المعضل يَا أكْرم الْخلق على ربه ... يَا خير من فيهم بِهِ يسْأَل قد مستني الكرب وَكم مرّة ... فرجت كرباً بعضه يذهل وَلنْ يرى أعجز مني فَمَا ... لشدتي أقوى وَلَا أحمل فبالذي خصك بَين الورى ... برتبة عَنْهَا العلى ينزل عجل باذهاب الَّذِي اشْتَكَى ... فَإِن توقف فَمن أسأَل فحيلتي ضَاقَتْ وصبري انْقَضى ... وَلست أَدْرِي مَا الَّذِي أفعل فَأَنت بَاب الله أَي امرء ... أتاهمن غَيْرك لَا يدْخل صلى عَلَيْك الله مَا صافحت ... زهر الروابي نسة شمال مُسلما مَا فلح عطر الْحمى ... وطاب مِنْهُ الند والمندل والآل والأصحا مَا غردت ... ساجعة أمكلودها مخضل ... وَمِنْه هَذِه الأبيات وأنشدها بَين يَدي الحضرة النَّبَوِيَّة وَحكي أَنه سمع المصراع الْأَخير مِنْهَا من الحضرة النَّبَوِيَّة ... وَلما أَتَيْنَا قبر اشرف مُرْسل ... ولاح لناسر الْعِنَايَة ينجلي وغيب سر الرّوح فِي ملكوته ... فَصَارَ عَن الأكوان فِي أَي معزل وَسَار عَن الْجمع الْمُحِيط لربتبة ... تعالت بسر الذَّات عَن وصف منزل عرضت عَلَيْهِ مَا أُرِيد فَقَالَ لي ... لِسَان تجلى الْحق مني بمقول مجيباً بِمَا أملته من عطائه ... سمعنَا وأعطينا فَوق المؤمل ...

стр. 371

وَمِنْه ... أَتَيْنَا على النجب الْعتاق لطيبة ... وَقد ضَاقَ من نَفسِي فسيح فضائها وأنزلت حاجاتبي بِبَاب مُحَمَّد ... على ثِقَة من نحبها وقضاثها ... وَمِنْه ... أحس من تنظر الْعُيُون فَتى ... عرفه الله أَنه الله أبعد عَنهُ حظوظه فغدا ... فِي حَضْرَة قَصده الله فرغه عَن جَمِيع عالمه ... فَصَارَ بِالْحَقِّ شغله الله ادخله خلوه مُقَدَّسَة ... يذكرهُ فِيهَا وَذكره الله علمه مَا يَشَاء ثمَّ علا ... بِهِ إِلَيْهِ فَعلمه الله حقق فِيهِ الْقبُول مِنْهُ لَهُ ... فَإِن دَعَاهُ أَجَابَهُ الله لطفه فارتقى وَزوج بِهِ ... فِي النُّور فضلا فنوره الله بلغه الْمُنْتَهى وأوصله ... فَعَاد عبدا شُهُوده اله ألبسهُ من ثِيَاب حَضرته ... ملابساً رقمها هُوَ اله وَبعد أَن صَار مُنْفَردا علما ... قَالَ لَهُ إِنِّي أَنا الله ... وَمِنْه ... إِذا صدق صَحَّ العَبْد فِي حب مَوْلَاهُ ... الأح لَهُ معنى الْجمال وابداه وأغناه عَن أَوْصَافه ونعوته ... وَالْجمع فِي غيب الْحَقِيقَة أبقاه وأبلسه تَاج المعارف وَالْهدى ... وآنسه بِالْقربِ مِنْهُ وَأَدْنَاهُ ... وَمِنْه ... إِذْ يعمر قلب بالاله غَدا ... مرآه كل شُهُود كَامِل الرتب واودعت فِيهِ بل لَهُ برزت ... كل العومن فَلم يحْتَج إِلَى كتب وَصَارَ بَيْتا يطوف العارفون بِهِ ... ويدركون بِهِ المأمول من طلب ... وَمِنْه أَي قلب قَابل الْحق فَلم ... ينشرح هَذَا الْخلاف الْوَاقِع وَأي صدر صَار معنى سره ... ثمَّ لم يُغني بِفضل وَاسع أَي عين أَبْصرت أنواره ... ثمَّ تلتاح لابهى سَاطِع

стр. 372

.. غير أَنِّي ضيق الصَّدْر فَمَا ... ذَاك إِلَّا من وجود الْمَانِع ثمَّ لأحجر عَلَيْكُم سادتي ... إِن رحمتم أَو قطعْتُمْ قَاطع هَكَذَا أبقى كئيباً بائساً ... حاش لله فذلي شَافِع إِنِّي من تعلمُونَ أَنه ... لم يزل فِي الْبَاب أوفى خاضع لم يزل للعفو مِنْكُم راجياً ... لم يزل فِي الْعَفو أقوى طامع عجلوا بالغوث هَذَا وقته ... وارحموا ذل كئيب خاشع عبدكم فقيركم كسيركم ... مَا لكم من جبره من دَافع ... وَمِنْه ... إِذا خطب ذَنْب علينا دجا ... أنرنا دجاه بِنور الدجا فكم شدَّة كمن ذنُوب عِظَام ... لَهَا الله بِالْعَفو قد فرجا كم ضقت ذرعا بجرمي فَمَا ... وجدت سوى الفو لي مخرجا فَللَّه الجأ وَلَا تيأسن ... فَمَا خَابَ عبد إِلَيْهِ التجا ... وَمِنْه ... وَمَالِي شَيْء عَلَيْهِ اعْتِمَاد ... وَلَكِن إِلَى فضلك الِاسْتِنَاد جعلتك ذخري ليَوْم الخطوب ... وغوثي وعوني يَوْم الميعاد ... وَمِنْه ... إِذا ضَاقَ أَمر فَلَا تيأسن ... وَكن راجياً فضل رب مُجيب فكم شدَّة وأتى بعْدهَا ... من الله نصر وَفتح قريب ... وَمِنْه استفتح الْفضل بِخَير الورى ... رَسُول رب الْعَالمين الحبيب وَلَا تخف بِاللَّه من حَاسِد ... فَإِن مَوْلَاك عَلَيْهِ رَقِيب واستعن بِالْحَقِّ وخل السوي ... فَأَنت فِي حفظ الْقَرِيب الْمُجيب واستمنح الْجُود بِهِ واثقاً ... بِاللَّه فَالرَّأْي بِهَذَا مُصِيب وَاجعَل جَمِيع الْعُمر فِي طَاعَة ... فطاعة الْخَالِق أزكى نصيب فَمن يطع الْخَالِق يُولد ... من فيضه الباهر سر عَجِيب فابكي زَمَانا مر فِي غَفلَة ... بأدمع هاطلة كالصيب

стр. 373

.. وَتب إِلَى الله وخف قهره ... أَو عد إِلَيْهِ عود عبد منيب ... وَمِنْه ... لَيْسَ للْعَبد سوى الله ... فانتهض واصدق مَعَ الله واترك الأكوان وارحل ... عَن سوى الله إِلَى الله وَاحْذَرْ الأغيار واشهد ... كل ذِي الْأَشْيَاء من الله والزم الْآدَاب واترك ... حَاله الْخلق إِلَى الله هَكَذَا من كَانَ عبدا ... فوض الْأَمر إِلَى الله لست تخشى قطّ سوء ... إِن توكلت على الله لَا وَلَا صداً وطرداً ... إِن تَوَجَّهت إِلَى الله كم عُيُوب ستر الله ... كم ذنوبا غفر الله ... وَمِنْه ... إِذا ضَاقَ فَلَا تجزعن ... وسلمك الْمولى بِهِ قد حمكم وَإِيَّاك إياك أَن تعترض ... فمعترض الْحق يلقى النَّدَم وراض بأحكامه يرتقي ... من الْمجد فَوق معالي القمم ويؤتيه مَطْلُوبه عَاجلا ... ويسعفه بسجال الْكَرم وَيذْهب عَنهُ بتفريجه ... مضايقة الدي قد أهم فَمَا سَاد أهل الصَّفَا غَيرهم ... سوى الْوَفَاء بعهود الذمم وتسليمهم للاله الْعَزِيز ... وتفويضهم لمعيد النعم ... وَمِنْه ... أمولاي قل لي ترى الدَّهْر باللقى ... يمن فلي شوق إلييك شَدِيد وَهل تمتلي الْعين مِنْك بنظرة ... وَيقرب من بعد الْفِرَاق بعيد ... وَمِنْه ... أود من الدُّنْيَا صديقا موافياً ... وفياً بِمَا أرضاه يرضى وينشرح فَإِن لم أجد أَعرَضت عَن كل كَابر ... وَقلت لقلبي قد خلا الْكَوْن فاسترح ...

стр. 374

وَمِنْه ... إِن فِي الشاروخ معنى ... يظْهر الْعرْفَان سره ... إِن تعلى فَهُوَ وتر ... أَو تدلى فَهُوَ كثره ... وَمِنْه ... قل لمن زَاد فِي ارْتِكَاب عَظِيم الذَّنب ... دهراً وللحدود تعدى ... مَا جَمِيع الذُّنُوب فِي جنب عَفْو الله ... إِلَّا أقل من أَن تعد ... وَمِنْه ... يَا قلب إِن كنت قلبِي لَا تمل للْغَيْر ... واصبر على حكم من نهواه تلقى الْخَيْر ... واسلك وَلَو كنت فِي الرّفْعَة ضَعِيف السّير ... واصدق مَعَ الله ترزق مثل رزق الطير ... وَمِنْه ... يَا قلب ان كنت قلبِي ارْض بالأقدار ... وراقب الله فِي الاعلان والاسرار ... واشهد بِعَين البصيرة بهجة الْأَنْوَار ... مُسْتَهْلكا لجَمِيع الْحجب والاستار ... وَمِنْه ... يَا قلب ان كنت غب عَن الأكوان ... وطب بنشوة مَا لَهَا ادنان ... خمرة قديمَة علت عَن خير الْحدثَان ... هِيَ المدام وساقي الْقَوْم والندمان ... وَمِنْه ... وَلَو أفرغوا كل الديَّان بباطى ... وَلَو ابتغ سكرا لما مسني سكري ... وَلَو ابْتغِي مُنْكرا وَقَالُوا مدامة ... رَأَيْت فى طاشت بسكرته الْخمر ... وَمِنْه هَذَا الْفَرد وَهُوَ أنْشدهُ السيخ يحيى الخزاعلى وَهُوَ تلميذ وَالِده الشَّيْخ أبي الْحسن وَقَالَ اجز يَا يحيى ... ونفسك دع عَنْك التَّكَلُّف واطرح وَلَا تلْتَفت إِلَّا إِلَى الله تسترح ... فَقَالَ الشَّيْخ يحيى ... ونفسك سر السِّرّ ان فقت تسترح ... فجل فِي مجَال الله بِاللَّه تسترح ... وَمِنْه وَهُوَ مِمَّا قَالَ فِي مرض مَوته وَهُوَ آخر شعر أنْشدهُ

стр. 375

.. وَلَقَد اقول لطالبي إحسانهم ... إحسانهم يَأْتِيك سعياً بِلَا طلب ... كم فَرجوا من كربَة عَن عبدهم ... وَكَذَلِكَ هم أهل التَّفْرِيج الكرب ... وَوجدت بِخَط صاحبنا الْعَلامَة شهَاب الدّين الشَّيْخ أَحْمد بن الْعَلامَة عَليّ البسكري الْمَكِّيّ الْمَالِكِي المغربي قَالَ انشدنا شَيخنَا شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الْبكْرِيّ عِنْد نظره الى المَاء وتكسره وتجمده ... أنظر الى المَاء الذى ... بيد النسيم تجمدا ... قد شبهوه بميرد ... فلأجل ذَا يبرى الصيدا ... وَالشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي الْمَكِّيّ فِيهِ ... وانه قطب هَذَا الْوَقْت دون مرا ... بِهِ الْوُجُود ازدهى عطفا وانتظما ... سمى خير البرايا سبط عتريه ... ونجعل صديقه من فَضله عظما ... قد عَنهُ واسمع بِهِ وَانْظُر اليه نجد ... مَا قد ملا مسمعاً مَعَ مقله وفما ... حدث عَن الْبَحْر ان حَدِيث عَنهُ وَلَا ... عَلَيْك من حرج تخشى بِهِ التهما ... بَحر يفِيض علوماً من جوانبه ... بالبحث فِي كل فن موجه التطما ... من حَضْرَة الْقُدس فيضاً حل عَن ... الشَّيْخ تلقه إِلَّا بتخصيصص لَهُ قسما ... مواهب باكتساب لَا تنَال إِذا ... ادراكها اعجز الْحفاظ والفهما ... وَمَا احسن قَول الأديب إِبْرَاهِيم ابْن المبلط فِيهِ من قصيدة طَوِيلَة ... وكراماته غدته ببنات ... لَيْسَ تخفى على النَّاس ظهورا ... من أَبى بكر الإِمَام لَهُ جد ... وَقد كَانَ للنَّبِي نَصِيرًا ... ورفيقا وصاحبا واتيا ... من عَدو فى الْغَار بَات مغيرا ... حَاز إِسْنَاد علو رفيعاً ... دَرَجَات على الْأَنَام وفورا ... اخذ الْعلم عَن أَبِيه عَن الصّديق ... عَن سيد الورى مأثورا ... لَا نجف عين علمه عين ضد ... فَهِيَ عين قد فجرت تفجيرا ... وَله أَيْضا فِيهِ وَقد رَجَعَ من الْحَج ومدح فييها القهوة فَقَالَ ... كفى شرفا لَهَا انها ... قدار فِي الْحجر والحجره ... وانها تشرب فِي حَضْرَة ... الْأُسْتَاذ شيخ الْوَقْت والحضره ... مُحَمَّد نجل أبي بكر الصّديق ... أَعلَى رَبنَا قدره ...

стр. 376

.. أهللا بِهِ من قادم قد أَتَى ... بعد تَمام الْحَج والعمره ... مُسَافر طلعته أسفرت ... عَن طلعة الشَّمْس يَا لَهَا سَفَره ... فِي كل عَاميْنِ لَهُ حجَّة ... وَالْحج لم يفْرض سوى مره ... إِذا أَرَادَ الْحَج فى عَامه ... لَا يرد يخْشَى وَلَا حره ... مبارك الطلعة ميمونها ... فَمن رأى وَجها لَهُ سره ... قلت إِمَام عَارِف ذَاكر ... لله لَا تاخذه فتره ... لَهُ كرامات غَدَتْ للورى ... ظَاهِرَة مظهرة سره ... وَاعجَبا من حاسديه فَمَا ... ينالهم شَيْء سوى الحسره ... فَلَيْسَ فيهم من حذا حذوه ... وَلَيْسَ فيهم من قفا أَثَره ... مَا مِنْهُم الا قنبل بِلَا ... سيف ومذبوح بِلَا شفره ... يعجز عَن نيل علاهُ أمره ... لَيْسَ لَهُ قدر وَلَا قدره ... مَا اللَّيْث كالهر وَلَا الدّرّ ... كالحصى وَلَا الصارم كالابره ... ان كنت ذَا جهل بِعلم لَهُ ... فاسال أولي الْأَخْبَار والخبره ... وَكَانَ الشَّيْخ يحجّ فِي كل عَاميْنِ مرّة وَلابْن المبلط فِي تَارِيخ مجْلِس بناه الْأُسْتَاذ ... يَا نَاظرا صلي على الْمُصْطَفى ... وَآله الغر وَأَصْحَابه ... وَاعْلَم بِأَن الْعلم كنز الْهدى ... فَمَا قوام الدّين إِلَّا بِهِ ... والزم حمى الْبكْرِيّ شمس العلى ... ومرغ الخد باعتابه ... ابوابه بالسعد مَفْتُوحَة ... يَا سعد من لَاذَ بأبوابه ... أنشأ بَيْتا جَاءَ تَارِيخه ... يسلم من يدْخل من بَابه ... وَكَانَ شيخ أهل هَذَا الطَّرِيق حَالا وَإِمَام اربابها حَقِيقَة ورسما ومحمى رسوم المعارف فعلا واسماً عباب لَا تكدره الدلاء وسحاب تنقاصر عَنهُ الْأَنْوَار مَعَ مَا خصّه الله بِهِ من الْعُلُوم والمعارف والأخلاق وجمال الصُّورَة والهيبة والعرفان والسكينة والعفة والصيانة والجود وَالرَّحْمَة وَالْقِيَام بِحُقُوق الْخَاصَّة والعامة وَلَقَد رَأَيْت من أَقْوَاله وَبَلغنِي من أخلاقه وأحواله مَا لَا تسعها عبارَة وَلَا يهتدى إِلَيْهَا بِإِشَارَة وَذكروا لَهُ كرامات كَثِيرَة

стр. 377

وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ نَظِير فِي زَمَانه وَلم يخلفه بعده مثله ﵀ وَكَانَ وَالِده من كبار أهل الْعلم بل قبل انه كَانَ مُجْتَهد زَمَانه والمجدد على رَأس الْمِائَة التَّاسِعَة وأحق النَّاس بالقضاة وَقد عرض عَلَيْهِ فَامْتنعَ مِنْهُ قولا باتاً وَهُوَ الْمجمع على انه فريد عصره علما وَولَايَة وَحَالا افصح أهل زَمَانه قَلما ومقالاً وأعظمهم سؤددا وجلالة ورفعةً وكمالاً عَالم الْمُسلمين دون نزاع وَشَيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام الَّذِي انْقَطَعت عَن مضاهاته الأطماع وانتشرت مصنفاته كالآخذين عَنهُ إِلَى سَائِر الْبِقَاع واشتهرت كراماته ومكاشفاته حَتَّى رونها الألسن ووعتها الأسماع خَاتِمَة الْمُحَقِّقين لِسَان الْمُتَكَلِّمين حجَّة المناظرين بَقِيَّة السّلف الصَّالِحين وَحكي أَن أمه رَأَتْ فِي الْمَنَام وَهِي حَامِل بِهِ كَأَن الشَّمْس أَو الْقَمَر فى سبايتها فَذَهَبت الى عَالم بالتغبير وقصتها عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا حملك هَذَا ذكر بملا الشرق والغرب علما وَكَانَ شيخ الطَّرِيقَة واحفظ من على وَجه الأَرْض بِالْحَقِيقَةِ وأفصح أهل زَمَانه على الاطلاق وأعظمهم نورانية وانشاءاً بالِاتِّفَاقِ ملك الْقُلُوب بعذوبة لَفظه وخدم السعد تَحت ركائب حَظه تعرف بِمن شآء بمعارف فَصَارَ من خاصته واجتنى ثَمَر صحبته ة تنكر على من شآء فَمَنعه استجلاء عرائس عرفانه وحجبه عَن حَضرته سَار فِي منَازِل السائرين سير الْجُنَيْد وفى منهاج العايدين سير أهل التَّجْرِيد أَعماله أغلبها قلبية وعلومه أَكْثَرهَا وهبية أَن تكلم فِي المعارف أبهر أهل العرفة أَو سكت خلت من لم يره قبل بأنواره قد عرفه لَا يتَكَلَّم فِي الْمحبَّة الا رايته ذَا شرف شَدِيد وَلَا يذكر بِاللَّه إِلَّا ألآن قلوباً فِي القساوة كالحديد تخال من حضر مَجْلِسه من الْقَوْم بِسَمَاع كَلَامه سكارى وَقُلُوبهمْ فِي شُهُود جماله عِنْد تنزل التجليات عَلَيْهِ واله حيارى لَا يرتاب ناظره مَعَ سَماع كَلَامه أَنه من أَرْبَاب الْقُلُوب وان المتنزل عَلَيْهِ من الْعلم اللدني قريب عهد بربه بارز من حَضْرَة علام الغيوب كَيفَ وَقد تربى فى حجر الْجلَال وارتضع من ثدي الْكَمَال واتصل نسبه بالذروة الصديقة أَو الشَّجَرَة المحمدية الحسنية بِاعْتِبَار أَنه سبط آل الْحسن وَجَاز كَمَال الْخلق الْحسن والفصاحة واللسن فَهُوَ ربيب أهل تِلْكَ الحضرة أهل الْولَايَة السَّابِقين بِأول نظرة الْمُمَيز من لدنهم فِي الْحَال طفوليته تَمْيِيز

стр. 378

الْمَوْعُود من قبلهم على لِسَان بَعضهم أَن يكون فِي مملكة الْعرْفَان ملكا عَزِيزًا مشاهداً فى اخر أمره صدق هَذَا الْوَعْد وإنجازه تنجيزا أَلا ترى الى لبسه خلع الرِّئَاسَة الدِّينِيَّة وَحَال العوارف وصون نَفسه عَن الذلة لأبناء الدُّنْيَا مَعَ الْعلم بانه مباجنا بل جنى ثَمَر المعارف جولانه فِي ميدان الرياضات وَقبل أَن ترسي سفينة قدسه الْجَارِيَة فِي بحار انسه على سواحل الْإِرْشَاد لمعالم الديانَات والى ابدائه فِي مجَالِس املائه لكلماته الفتحية العطائية وعرائس الْحَقَائِق الْبَارِدَة عَن حضرات الْفَتْح المحمدي وَاللِّسَان الصديقي ولعمري أَن النَّاظر إِلَيْهِ إِذْ ذَاك يشْهد طلعته عِنْد ذَلِك نورا مَحْضا بل ذَاته وملابسته كلهَا كَذَلِك لكنه نور جمال يتمنع النّظر اليه وَلَا يدع فَذَلِك من أثر التجليات الالهية عَلَيْهِ وَكَانَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الِاشْتِغَال بالتصنيف والإفتاء لَا يزَال يتَكَلَّم على طَرِيق الاملاء وَكَانَ يجلس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَفِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَفِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وفى الْجَامِع الْأَزْهَر وناهيك بِهَذِهِ الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ يجلس فِيهَا وَكَانَ كَأَنَّمَا يعْتَرف من بَحر اعاد الله عللينا من بركاته وَحكي أَنه كَانَ لَا يملي على الْقُرْآن والْحَدِيث حَتَّى يطالع الْمحل الَّذِي يتَكَلَّم عَلَيْهِ كعادة غَيره قَالَ فَبَيْنَمَا أَنا أطالع فِي الكراس وَأَنا قَاصد إِلَى الْجَامِع إِذْ نوديت فِي سري يَا أَبَا الْحسن أما الْقُرْآن والْحَدِيث فإلينا وَأما غَيره فإليك فَمن ذَلِك الْعَهْد الى تَارِيخه مَا طالعت لأملأ عَلَيْهِمَا فلى غعلى ذَلِك تسع وَثَلَاثُونَ أَو قَالَ بضع وَعِشْرُونَ سنة وانما اجىء الى مَحل الالقاء ولالا أدرى مَا يلقى على لِسَان فَيجْرِي الله تَعَالَى عَلَيْهِ نَحْو مَا تسمعونه وَله تصافيف كَثِيرَة لَا تحصى من جُمْلَتهَا تَفْسِير الْقرن الْعَظِيم واسْمه تسهيل السَّبِيل فِي فهم مَعَاني التَّنْزِيل وَشرح الْعباب الفقهي بشرحين مَبْسُوط ومختصر وَشرح روض ابْن الْمقري فِي حجم نصف شرح شَيْخه زَكَرِيَّا وَزَاد فِيهِ على شَيْخه اثنى عشر ألف فرع على كل فرع مِنْهَا علاقَة على الحاشبة بِصُورَة ف وَشرح منهاج النَّوَوِيّ بِخَمْسَة شُرُوح مِنْهَا الْكَنْز وَالْمُغني وَالْمطلب وَشرح الوردية فى النَّحْو وَاخْتصرَ من

стр. 379

ايسا غوجي فِي مِقْدَار ورقة صَغِيرَة وَجمع أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ حَدِيثا كل أَرْبَعِينَ مِنْهَا فِي نوع مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي الطّواف وَأَرْبَعُونَ فِي الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ واربعون فى الشيب واربعون فى السِّوَاك انى غير ذَلِك من المؤلفات الجامعة النافعة الدَّالَّة على كَمَال احاطته وعلو شَأْنه نفعنا الله ببركاته آمين وَيُقَال إِن مؤلفاته تنيف على أَرْبَعمِائَة تأليف وَله حزب عَظِيم يُسمى حزب الْفَتْح وَقد شَرحه الْعَلامَة عبد النووى أَنه لَا يُوصف بِحل وَلَا بَحر الثَّالِث جعل رَسُول الله ﷺ الشُّبْهَة وسطا بَين الْحَلَال وَالْحرَام

стр. 380

قَالَ ابْن سُرَيج فى الودائع أما الشُّبْهَة فهى الشىء الْمَجْهُول تَحْلِيله على الْحَقِيقَة وتحريمه على الْحَقِيقَة فَيجب فِيمَا هَذَا شَأْنه التَّوَقُّف عَن التَّنَاوُل لَهَا فَإِذا لم يجد غنى عَنْهَا تنَاول مِنْهَا على حسب الْكِفَايَة لَا على حسب الاستكثار لِأَن الله تَعَالَى أَبَاحَ الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة وهى مُحرمَة فالشبهة دونهَا انْتهى وَتوسع العبادى فَقَالَ فى الزِّيَادَات سُئِلت عَن الشُّبْهَة فى هَذَا الزَّمَان فَقلت هَذَا لَيْسَ زمَان الشُّبْهَة اجْتنب مَا عَرفته حَرَامًا يَقِينا والتحقة قَائِلا بِلِسَان طلق فصيح الله الله مرَارًا مُشِيرا بسبابته وطرقه الى السَّمَاء اشارة تذكيرها قَالَ بِحَيْثُ ان الْجمال سمع لَفظه فَعجب غَايَة الْعجب وَقَالَ مَا شَأْن هَذَا الرَّضِيع وَكم سنه فَقلت لَهُ هَذَا ولد مجدوب وتجاهلت عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول انى اذا دهنى هَذَا الامر لَا دَوَاء إِلَّا الالتجاء إِلَى الله تَعَالَى وَلذَا لما عجب بعض أَرْكَان الدولة من كَثْرَة تَوَجُّهِي إِلَى الحضرة الحرمية مَعَ عَظِيم الْمَشَقَّة والضعف فِي بنيتي وَعظم الْمصرف الَّذِي يبلغ كل عَام ثَلَاثَة آلالف دِينَار بِاعْتِبَار الْمُجَاورَة وَقَالَ لى يَا سَيِّدي اما تتركوا الاكثار من السّفر إِلَى الْحجاز فَقلت لَهُ أَنْت إِذا عرضت لَك حاجات فى أَمر اللملكة مَاذَا تفعل قَالَ أسافر إِلَى بَاب السُّلْطَان لعرضها فَقلت لَهُ فَأَنا تعرض لي حاجات فاسافر إِلَى بَاب السُّلْطَان وَهُوَ بَاب الله تَعَالَى وَمَا أحسن قَوْله فِي كِتَابه نتائج الذّكر فِي حقائق الْفِكر فِي أثْنَاء كَلَام لَهُ أَلا ترى الْحداد إِذا ادخل حَدِيدَة ليحميها فِي النَّار لأَنْت بَعْدَمَا كَانَت قاسية وبررت محمرة اللَّوْن بعد أَن كَانَت سَوْدَاء مظْلمَة وأضاء نورها وقوى اشراقها وانقدح شِرَارهَا فالاستغراق فِي الْمَذْكُور بالتخلي عَن السوي والتجلي بِشُهُود نعوت ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام مُسْتَغْرقا فِيهَا تذْهب أوصصاف البشرية مَا يكسبه الذاكر من أنوار المعارف القدسية فيتبدل وَصفه ويتغبر حلاه وتشرق أنوار علاهُ فهناك تذْهب الرسوم ويتجلى الحى القيوم والى ذَلِك الاشارة بقولى ... أنوار ذاتك أشرقت فى ذاتي ... فمحيت عَن كوني وكل صفاتي

стр. 381

.. وَخرجت عَن كل الْوُجُود حَقِيقَة ... فجمال وَجهك فائق اللَّذَّات ومنن شعره أَيْضا ... قد كَانَ لي ارب قبل الْوُصُول بكم ... فَمد تجيتم صرنا بِلَا أرب ... ادهشتمونى عَن الاحساس قاطية ... فصرت فَردا لكم فى سَائِر الزئب وَهُوَ الذى افتى يحليه القهوة حَتَّى قَالَ فِي ذَلِك من أَبْيَات ... كاللبن الْخَالِص فِي حلّه ... مَا فارقته بِغَيْر الواد وَله أَيْضا فِيهَا هَذِه الأبيات ... أَقُول لمن قد ضَاقَ بالهم صَدره ... وَأصْبح من كئر التشاغل فى الْفِكر ... عَلَيْك بِشرب الصَّالِحين فَإِنَّهُ ... شراب طهُور سامي الذّكر وَالْقدر ... فمطبوخ قشر البن قد شاع ذكره ... عَلَيْك بِهِ تنجو من الْهم فِي الصَّدْر ... وخل ابْن عبد الْحق يفى بِرَأْيهِ ... وخذها بفتوى من أبي الْحسن الْبكْرِيّ وَاجْتمعَ هُوَ وجدي الشريف عبد الله بن شيخ عِنْد الْحرم الشريف وتعانقا وَكَانَ مَعَ الْأُسْتَاذ وَلَده صَاحب التَّرْجَمَة فَطلب لَهُ الدُّعَاء من الْحس الْبكْرِيّ فَاسْتَجَاب الله دعاؤهما فِي الِاثْنَيْنِ وصارا كِلَاهُمَا آيَتَيْنِ فقاق كل مِنْهُمَا فى عصره الأقران وَصَارَ قدوه لأهل زَمَانه وَكَانَ مولده سنة تسع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَلم اطلع على تَارِيخ وَفَاته هَذَا وَهُوَ الَّذِي مَنَعَنِي من ان اترجم لَهُ فى هَذَا التَّارِيخ بالاستقلال والا فَهُوَ جزى بذلك اذ هُوَ أوحد زَمَانه علما وَحَالا ومقاما ومغرقه ﵀ نعم مَاتَ ﵁ فِي عشر السِّتين بِلَا خلاف فانه توفّي وَعمر وَلَده شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد الْبكْرِيّ اُحْدُ وَعِشْرُونَ سنة وَمَات الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وعمره نَيف وَسِتُّونَ سنة فَليعلم وَالله أعلم وَخلف الشَّيْخ مُحَمَّد أَوْلَاد أَجلهم الشَّيْخ زين العابدين مَشى على طَرِيقه وَالِده فِي الْإِمْلَاء والدرس والجود وَالْكَرم ومحاسن الْأَخْلَاق والشيم مَعَ الجاه الْعَظِيم وَالْقَبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَذكروا عَنهُ كرامان وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله

стр. 382

قتلة بعض باشوات مصر ظلما لَان الشَّيْخ كَانَ اغلظ لَهُ بالْقَوْل فِي بعض الْأُمُور فَغَضب وَقَتله ثمَّ أَن أهل مصر المحروسة قَامُوا على ذَلِك الرجل وقتلوه وَمن شعره ... دَار فكري يَا رب فِي كل خلق ... لم أجد سواك وحقك ... فاغثى فإنى عبد رقك ... وتطف وامنن عَليّ برزقك وفيهَا توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْحق الْعقيلِيّ الْمَالِكِي بِمَكَّة وَكَانَ قد تربى فِي حجر الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة على ابْن مُحَمَّد البكرى المالكى وَأخذ عَنهُ وَقَرَأَ عيله فَهُوَ من أجل تلاميذته وَلِهَذَا اوصى إِلَيْهِ وَقت وَفَاته بتربية وَلَده صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن على البكرى فاخذ عَنهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ حَتَّى برع وانْتهى إِلَى مَا انْتهى إِلَيْهِ ﵀ آمين وَسمعت صاحبنا الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن عَليّ البسكري قَالَ سَمِعت شَيخنَا جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الْحق الْمَالِكِي يَقُول إِن الشَّيْخ الْكَبِير الرباني الْعَارِف بِاللَّه مُحَمَّد بن عراق أرسل إِلَى الشَّيْخ الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الْغفار الْمَالِكِي أَن يتْرك شرب القهوة فِيمَا بَين النَّاس ويشربها فِي خلْوَة وان يتْرك السماع وَأَن يتْرك لعب الشطرنج فَقَالَ لَهُ السيخ أَحْمد بن عبد الْغفار اما مَا أَمرتنِي بِهِ من ترك شرب القهوة فِيمَا بَين النَّاس وشربها فِي الخلوه فَكَانَ الأولى أَن تامرنى بعكس ذَلِك وَأما مَا أَمرتنِي بِهِ من ترك السماع فَلَا سمع وَلَا طَاعَة فِي ذَلِك وَأما مَا أَمرتنِي بِهِ من ترك لعب الشطرنج فَهُوَ حق وَصدق غبير أَنى ابْتليت بِهَذَا الدَّاء فاسأل الله لي تَعْجِيل الدَّوَاء وَالسَّلَام قلت وَكَانَ تِلْمِيذه سيدنَا وصاحبنا الشَّيْخ أَحْمد الْمَذْكُور من أهل الْعلم وَالصَّلَاح مُتبعا للْكتاب وَالسّنة سالكا على النهج السّلف الصَّالح متصفا بالعفاف قانعا باكفاف لَا ترى فى أَكثر الْأَوْقَات إِلَّا مَشْغُولًا بمطالقة أَو كِتَابَة مظْهرا للجمالة لَهُ جملَة مصنفات مِنْهَا رِسَالَة فِي القهوة مفيدة جدا وَكَانَ كف بَصَره قبل وَفَاته بِقَلِيل وَكَانَت وَفَاته فِي لَيْلَة السبت ثَالِث عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة تسع بعد الْألف باحمد اباد وعمره سَبْعُونَ سنة ﵀ وَمن شعره

стр. 383

.. أَقْسَمت بِاللَّه مَا حَالَتْ مودتكم ... يَوْمًا وَلَا حلت عَن عهدى وميثاقى ... وَلَا تنقست أنفاساً ارددها ... إِلَّا وَفِي ضمنهَا دمعي وأشواقي ... وَقد لسعت بحيات الْفِرَاق وَلم ... أجد لذذاتى ترياقا وَلَا راقى ... غير العدعاء بَان الله يجمعنا ... فِي سوحه كرماً من غير عواق ... وَمِنْه أَيْضا فِي صدر رِسَالَة أرسل بهَا إِلَى بعض أَصْحَابه بِمَكَّة المشرفة ... وحياة من حل الْحطيم وزمزما ... والمروتين وَمن بِذَاكَ الْوَادي ... مَا حلت عَن حبكم وَلَو أنني ... حاولت ذَاك لما اطاع فُؤَادِي ... وَمِنْه ... تدارك أَيهَا الساقى نقوسا ... ترقت والهموم الى التراق ... بِنِعْمَة شادن توحي يَدَاهُ ... إِلَى الأوتار آيَات اشتياق ... فَقُمْ نملا صحائفنا سُرُورًا ... بِشرب وَالْتزم واعتناق ... وَمِنْه ... إِذا الْعشْرُونَ من شعْبَان وافت ... تهَيَّأ الصّيام وللقيام ... وَلَا تكسل عَن الطَّاعَات فِيهِ ... فَهَذَا الْوَقْت وَقت الاغتنام ... فشهر الصَّوْم قد وافاك حَقًا ... بِكُل المكرمات على الدَّوَام ... وَمِنْه ... إِلَّا قُولُوا لمن قد زَاد طَعنا ... وعد وانا وَلَا يخْشَى رقيبه ... سِهَام اللَّيْل قد قربت مدجاها ... تنبه انها تأتى قَرْيَة ... تيقظ من مَنَامك واخش مِنْهَا ... وحقق انها تَأتي مصيبه ... وَمِنْه ... لله مجْلِس انس ... حاوي جَمِيع المحاسن ... قد تمّ حسنا وظرفاً ... فَانْظُر إِلَيْهِ وعاين ... وَمِنْه مُعَارضا قَول من قَالَ مدحا فى صَحِيح البخارى ... صَحِيح البخارى لَو انصفوا ... لما خطّ إِلَّا بِمَاء الذَّهَب

стр. 384

فَقَالَ ﵀ ... صَحِيح البخارى لَو انصفوا ... لما خطّ إِلَّا بِمَاء الْبَصَر ... وَمَا ذَاك إِلَّا لضبط الْأُصُول ... وَعدل الروَاة ينْقل الْخَبَر ... وَفِيه عُلُوم الورى جمة ... تضمنها قَول خير الْبشر ... وَقد فاق فضلا على غَيره ... فأضحى إِمَامًا لكتب الْأَثر ... هُوَ الْبَحْر علما فَإِن خضنه ... ظَفرت بكثر الْهدى والدرر ... فُلَانُهُ درسا وَلَا تبتغى ... بِهِ غَيره فى المَاء وَالْبكْر ... فقد قَالَ قوم لَهُم خبْرَة ... هُوَ الْبُرْء من أَمر خطر ... لدنبا وَأُخْرَى وَفِي كل مَا ... ترجي وتبغي بِهِ من وطر ... لجامعه رَحْمَة دَائِما ... كقطر السَّمَاء ورمش النّظر ... وعد الرمال وَمَاء الْبحار ... وعد الطُّيُور وَنبت الشّجر ... الى الْحَشْر والنشر والملتقى ... بدار الْبَقَاء وَحسن الْمقر ... وناظمها يرتجي دَعْوَة ... من الصحب بِالْخَيرِ عِنْد النّظر ... وصل آلهي على الْمُصْطَفى ... وَمن نوره فاق ضوء الْقَمَر ... وَآل وَصَحب وأتباعهم ... وَمن جَاءَ من بعدهمْ فِي الْأَثر وَمِنْه تخميس على هَذِه القصيدة الْعَظِيمَة وَهُوَ هَذَا ... يَا من لَدَيْهِ العَبْد حَقًا يخضع ... وَالروح مِنْهُ والجوارح نضرع ... يَدْعُوك عِنْد الكرب فضلا تدفع ... يامن يرى مَا فى الضَّمِير وَيسمع ... أَنْت المعبد لكل مَا ينوقع ... أَنِّي تعبت من الذُّنُوب وثقلها ... هِيَ كالجبال فَلَا أُطِيق لنقلها ... فامتنن على بمحوها ويغسلها ... بامن يُرْجَى للشدائد كلهَا ... يَا من إِلَيْهِ المشتكى والمفزع ... يَا رب بالفرقان ثمَّ بلم يكن ... هون على الحادثات لكى نهن ... هَا عَبدك العاصى تحقق لايظن ... يَا من خَزَائِن ملكه فِي قَول كن امين فَإِن الْخَيْر عِنْد أجمع ... يَا رب طاعاتي إِلَيْك قَليلَة ... يَا رب أوزارى على ثَقيلَة

стр. 385

.. مَا لى ملاذ لَا وَلَا لى حِيلَة ... مَالِي سوى فقري إِلَيْك وَسِيلَة وبالافتقار إِلَيْك فقري أدفَع ... كَيفَ السُّؤَال حقيرة وذليلة ... وبضاعة التَّقْوَى لذى قَليلَة ... وعوائد الافضال مِنْك جزيلة ... مَالِي سوى فقرى اليك وَسِيلَة فلئن رددت فَأَي بَاب أَقرع ... يَا رب عَبدك يشتكي من سقمه ... يَا رب من يَرْجُو لشدَّة غمه ... إِن أَنْت تدفع عَظِيم ملمة ... فَمن الذى أَدْعُو وَمَا هتف باسمه إِن كَانَ فضلك عَن فقيرك يمْنَع ... يَا رب هَذَا العَبْد اصيح راجيا ... عفوا من الْمَاضِي وَمَا هُوَ آتِيَا ... وَتَكون عني فِي الْقِيَامَة رَاضِيا ... لَو دعك أَن تقنط عاضاة الْفضل أجزل والمواهب أوسع فَائِدَة ذكر ابْن جمَاعَة وَابْن عَسَاكِر والسهيلي أَن الأبيات السَّبْعَة الَّتِي أَولهَا يَا من يرى فِي الضَّمِير وَيسمع فِي خاصيتها الْإِجَابَة زَاد ابْن جمَاعَة وَرَأى ذَلِك مَنْقُولًا بِخَط النَّوَوِيّ عَن بعض العارفين وَمِنْه أَيْضا تخميس هَذِه الأبيات الْمَشْهُورَة الْبركَة وَهُوَ هَذَا ... توسل بِالنَّبِيِّ وبالوصى ... وبالحسين والشهم الزكي ... وَكم لله من فضل وَفِي ... وَكم لله من لطف خَفِي يدق خفاه عَن فهم الذكي ... إِلَيْهِ تَوَجُّهِي فِي كل دهر ... عَلَيْهِ توكلي فِي كل أَمر ... فكم من شدَّة ذهبت وفقر ... وَكم يسر أَتَى من بعد عسر فَفرج كربَة الْقلب الشجي ... فشكراً للَّذي فلق الصباحا ... فكم من أزمة عَنَّا ازاحا ... وَكم هم تعاظم ثمَّ رَاحا ... لَا وَكم أَمر تَاء بِهِ صباحا وتأتيك المسرة بالْعَشي ... إِلَى كم يَا جهول تزيد لؤما ... وَمَا لَك لَا تفيق الدَّهْر نوماً ...

стр. 386

.. دع الأوطان يَا خلى وقوما ... إِذا ضَاقَتْ بك الْأَحْوَال يَوْمًا ... فثق بِالْوَاحِدِ الْفَرد الْعلي ... إِذا ضَاقَ الفضاء وكل رحب ... عَلَيْك بِكُل حَادِثَة وخطب ... وَلم يجد الحبيب وكل صحب ... توسل بِالنَّبِيِّ فَكل صَعب ... يهون إِذا توسل بالنبى ... إِذا لم تلق بالإخوان منعا ... وضاق الْقلب بالأهوال ذرعا ... توسل بالنبى تنَال ... وبالصديق والفاروق جمعا ... وَذي النورين وَالْمولى عَليّ ... زمَان فِيهِ للأعداء أَمر ... وجسم فِيهِ للالآم قهر ... فَكُن يَا قلب ثبتاً فِيك صَبر ... وَلَا تحزن إِذا مَا ضَاقَ صدر ... فكم لله من لطف خَفِي ... رويداً يَا زمَان فكم تعنت ... فروحي نَحْو وَادي الْخيف حنت ... وَنَفْسِي نَحْو خير الرُّسُل أَنْت ... عَلَيْهِ صَلَاة رَبِّي مَا تغنت ... حمامات على ورق رُوِيَ وَمِنْه تخميس على بَيْتِي شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ... يَا رب كم من نعْمَة أسديتها ... يَا رب كم من رَحْمَة أرسلتها ... شكرا لفضلك كم ذنُوب غفرتها ... يَا رب أَعْضَاء السُّجُود عتقتها ... من فضلك الوافي وَأَنت الواقي ... بِشِرَاك أَعْضَاء السُّجُود لَك الهنا ... بِالْعَفو والغفران جَاءَ شرعنا ... وَلَقَد عتقت الْبَعْض منا رَبنَا ... وَالْعِتْق يسري بالغنا يَا ذَا الْغِنَا ... فَامْنُنْ على الفانى بِعِتْق البافى وَمِنْه أَيْضا تخميس على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما للشَّيْخ عبد الْمُعْطى أَبَا كثير ... أَدْعُوك يَا رب فِي الأصباح والأشراق ... تمنن علينا من النيرَان بالاعتاق ... وتبسط الرزق يَا وهاب يَا خلاق ... يَا مَالك الْملك يَا فتاح يَا رزاق ... يامن تكفل الْخلق بالارزاق ... فرج علينا الهي كل أَمر ضَاقَ ... وأمنن برزق وسيع فائض دفاق ...

стр. 387

.. يَا رب عَيْشًا هنيا صافياً قد راق ... يَا رب عطفا علينا مِنْك بالاشفاق ... وَفِيه يَقُول الشَّيْخ الْفَاضِل النحرير عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد الدبير أديب عصره وفريد دهره ... وأفا الْكتاب من الملاذ البكرى ... أزرى حلاوته بطعم السكرِي ... فَغَدَوْت من فرحي بِهِ ومسرتي ... نشوان رَاح فِي ثِيَاب تبخرى ... حصلت بِهِ الى النسيم منورا ... أمينة مثل الصَّباح المسفر ... يَا سَيِّدي خلي صديقي قدوتي ... مسدي إِلَيّ مواهباً لم تصغر ... يَا جَامعا للْعلم طراً والعلى ... وَجَمِيل شيم لَا يشنه ممترى ... أَنْت الذى خضت الْعُلُوم باسرها ... وَبَلغت قصواها وَلَيْسَ بمنكر ... يَا وَارِثا شرفا الْفَضِيلَة كَابِرًا ... عَن كَابر حَقًا بمثلك مفخري ... أَعنِي شهَاب الدّين من فاق الورى ... بِالْفَضْلِ وَالْأَدب الْأَغَر الأنور ... مذ غبت عَنى لم أزل لَك ذَاكِرًا ... بمناقب لَك وَالثنَاء الأعطري ... هَل عطفة مِنْك يَا خل برأفة ... فجواي نَام والتسلي مزدري ... وَالله اسْأَل جمع شَمل عَاجل ... فدعاء ظهر الْغَيْب صَاح مُؤثر ... أبقاك رَبِّي للأفادة دَائِما ... بالمصطفى الهادى الْأمين وجيدر ... وللشيخ عبد اللَّطِيف الْمَذْكُور فِيهِ جملَة قصائد مِنْهَا قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا ... أَعنِي بِهِ أَحْمد الْمُخْتَار سيرته ... خلقا وخلقا سة اه لَا يُسَاوِيه ... شهَاب الدّين نجل عَليّ البسكري بَلَدا ... الْمَالِكِي مذهبا من ذَا يساميه ... قد خصّه بجزيل الْفضل خالقه ... بسر طي معَان فِي معاليه ... لَهُ بديع بَيَان فِي الْخطاب يرى ... وجيز لفظ وَقد جلت مَعَانِيه ... فكم جلا دررا تسمو الذرارى من ... أَبْيَات أفكاره الْمَخْصُوص من فِيهِ ... أخباره قد أَتَت فِي الْحَال تخبر عَن ... مَاض ومستقب من أَمر باريه ... حَدِيثه الْحسن العالي رِوَايَته ... أعلت لسامعه شَأْنًا وَرَاوِيه ...

стр. 388

وَمِنْهَا قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا ... شيخ الزَّمَان البسكري المقتدى ... فَالله يَكْفِيهِ الصوارف مَا بقى ... وفيهَا فِي ثَانِي عشر الْمحرم توفّي الشَّيْخ الْفَاضِل الْعَالم الْمُحدث الْفَقِيه ﵀ بن عبد الله السندي الْحَنَفِيّ نزيل الْمَدِينَة المشرفة بِمَكَّة وَدفن بهَا وَكَانَ من الْعلمَاء العاملين وَعباد الله الصَّالِحين رَحمَه الله تَعَالَى وطبق بعض الْفُضَلَاء تَارِيخ مَوته بِحِسَاب الْجمل فجَاء ﵀ قد نَالَ مُرَاده وَزَاد فِي الْعدَد إثنان وَذَلِكَ مسامح فِيهِ عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ خُصُوصا إِذا كَانَ التَّارِيخ فِيهِ مُنَاسبَة للْحَال قلت وَأحسن من هَذَا مَا أتفق لوالدي ﵀ فَإِنَّهُ ولد لَهُ ولد سَمَّاهُ فضل الله وَجَاء تَارِيخه أَيْضا فضل الله وَهَذَا من غَرِيب الاتفاقات ولطيف المناسبات قيل وَلما فرغوا من دَفنه مُطِرُوا فِي تِلْكَ السَّاعَة وَقد أَشَارَ صاحبنا الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ عبد اللَّطِيف الحامى الْمَكِّيّ الشهير بمخدوم زَاده إِلَى هَذَا فِي القصيدة الَّتِي رثاه بهَا فَقَالَ ... رَحْمَة الله لَا تفارق مثوى ... رَحْمَة الله بالحيا والغمام ... وَكَانَ لَهُ أَخ أُسَمِّهِ حميد وَكَانَ من أهل الْعلم وَالصَّلَاح حسن الاخلاق كثير التَّوَاضُع وافر الْعقل ظَاهر الْفضل جليل الْقدر وَحصل لَهُ فِي آخر الْأَمر جاه عَظِيم جاور بِمَكَّة المشرفة تسع سِنِين وَمَات بهَا سنة تسع بعد الْألف وقبر عِنْد أَخِيه صَاحب التَّرْجَمَة وعمره نَحْو تسعين سنة وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ بَقِيَّة السّلف الصَّالح ﵀ وفيهَا فِي لَيْلَة الْخَامِس من الْمحرم توفّي الخان مُحَمَّد الفخان بن ياقوت الفخان سلطاني وَكَانَت وِلَادَته بِأَحْمَد أباد فِي لَيْلَة الْخَمِيس خَامِس شهر صفر سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ شَابًّا صَالحا فَاضلا حسن الْأَخْلَاق والشيم مَشْهُورا بالسخاء وَالْكَرم وَغير ذَلِك من الصِّفَات الحميدة كالحياء والمروءة والعفاف والتواضع مفرطا فى الشجَاعَة وَكَانَ محبا لأهل الْفضل مقرباً لَهُم محسناً إِلَيْهِم مؤلفاً لَهُم حسن العقيدة فِي الاولياء وَالصَّالِحِينَ عَظِيم الرأفة بالفقراء وَالْمَسَاكِين وزر بكجرات وخواطب بالفخان بعد موت أَبِيه فحمدت سيرته ودام على ذَلِك بُرْهَة

стр. 389

من الزَّمَان وَلما استولى السُّلْطَان اكبر على كجرات سَار مَعَه إِلَى اكره وولاه كوالير ثمَّ اضاف إِلَيْهَا بهار وَكَانَ من جملَة الامراء الَّذين عينهم على بنكاله وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ بهَا ﵀ سنه أَربع وَتِسْعين بعد التسْعمائَة ٩٩٤ هـ وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين توفّي العَبْد الصَّالح اتلخان الحبشي مُرِيد سَيِّدي الشَّيْخ الْوَالِد وَكَانَ مُبَارَكًا سليم الصَّدْر حسن العقيدة فِي الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ سِيمَا فِي شَيْخه سَيِّدي الْوَالِد فَإِنَّهُ كَانَ فانياً فِيهِ وَفِي محبته باذلا روحه وَمَاله فِي مرضاته وَكَانَ يحفظ لَهُ جملَة من الكرامات وَكَانَ يتَصَرَّف بِهِ وَكَانَ يكْتب للنَّاس التمائم بِخَطِّهِ فتنفع وَحكي أَنه كَانَ لَا يحسن الْكِتَابَة وَلَا الاستخراج فَذكر ذَلِك لشيخه الْمَذْكُور فَقدر عَلَيْهِمَا ببركته وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق لين الْجَانِب متواضعا كثيرا الصَّدَقَة والاحسان عفيفاً رَحمَه الله تَعَالَى آمين وفيهَا كَانَ جهز السُّلْطَان أكبر عَسْكَر إِلَى الدكن مدَدا لبرهان شاه فانكسروا وَرَجَعُوا سنة خمس وَتِسْعين بعد التسْعمائَة ٩٩٥ هـ وَفِي سنة خمس وَتِسْعين أحدث السُّلْطَان مُرَاد بن السُّلْطَان سليم بن السُّلْطَان سُلَيْمَان على بَاب الصَّفَا سَبِيلا للشُّرْب فَجعل الشَّيْخ الْفَاضِل عَليّ بن عبد الْكَبِير أَبَا حميد الْحَضْرَمِيّ أصلا الْمَكِّيّ وطناً لذَلِك تَارِيخا لطيفاً ونظمه فِي أَبْيَات فَقَالَ ... أَنا سَبِيل أشاد مجدي ... مليك كل الورى مُرَاد ... مليك كل الْمُلُوك طراً ... عجماً وعرباً لَهُ تقاد ... فاق على قَيْصر وكسرى ... بعدلله قرت الْبِلَاد ... بأمنه عز كل قطر ... الْغَوْر والسهل والنجاد ... مد على الْخلق فيض بر ... فَعَاشَ فِي فَضله الْعباد ... صَار بِهِ للاله جاراً ... وجاره الدَّهْر لَا يكَاد ... يعم كل الْأَنَام نفعا ... كَأَنَّهُ للورى عهاد ...

стр. 390

.. فَكَانَ لِلْخلقِ من نداه ... مَاء بام الْقرى وَزَاد ... لَهُ من الله سلسبيل ... وكوثر مَا لَهُ نفاد ... جَاءَ بِلَا غَايَة لمجد ... تَارِيخ بُنْيَانه المشاد ... أَسْنَى بالصفا سَبِيلا ... لله سلطاننا مُرَاد ... سنة سِتّ وَتِسْعين بعد التسْعمائَة ٩٩٦ هـ وَفِي لَيْلَة الْخَمِيس تَاسِع الْمحرم سنة سِتّ وتسعمين توفّي الشريف الْفَاضِل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن السَّمرقَنْدِي الحسينى بِالْمَدِينَةِ المشرفة وَكَانَ أهل الدينة إِذا أَرَادوا مُكَاتبَة أحد من الأكابر لَا يَكْتُبُونَ ذَلِك المرسوم إِلَّا باشائه وَلما مَاتَ أحصيت كتبه فَكَانَت ألفا وَتسْعُونَ كتابا وَوجدت بِخَطِّهِ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ... روحي ائتلفت بحبكم فِي الْقدَم ... من قبل وجودهَا فِي الْقدَم ... مَا يحل بِي بعد عرفانكم ... أَن أنقل عَن طرق هواكم قدمى ... وَذكر أَنَّهُمَا لسيدى الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني قدس الله روحه وانهما اذا قرئا فِي اذن المصروع أَفَاق الْبَتَّةَ وَاجْتمعَ هُوَ وَالشَّيْخ عبد الرؤوف الْوَاعِظ تجاه الْحرم الشريف فَحصل غيث فَقَالَ السَّيِّد مُحَمَّد السمر قندى ... لله يَوْمًا بِفنَاء مَكَّة ... تجاه بَيت الله أقْصَى الطّلب ... فَقَالَ نزل الْغَيْث على سطحه ... وسال من ميزاته وانسكب ... فَقَالَ السَّيِّد مُحَمَّد ... سُئِلت أَن أفْصح عَن كنهه ... قلت لجينا قد جرى من ذهب ... وَمن شعره ايضاً هَذِه القصيدة وهى فى مدح الشربف أَحْمد بن سعد الْحُسَيْنِي الْمدنِي رَئِيس الْأَشْرَاف بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وأولها ... عز الديار بطول السمر والقضب ... وَالْأَخْذ بالثار مَعْدُود من الْحسب ... هَذَا بسعدك يَا ابْن الأكرمين أَتَى ... وَإِن أردْت فَقل سعدي وَسعد أَبى ...
следующие страницы →