Полный текст (7 288 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
(لحا العاذل إِذْ بتّ ... على الْفقر وأصبحت)
(وَمَا نلْت الْغنى حَتَّى ... يَقُول النَّاس أفلست)
٣ - (أَبُو جَعْفَر العابد)
أَحْمد بن مهْدي بن رستم أَبُو جَعْفَر الْأَصْبَهَانِيّ العابد أحد حفاظ الحَدِيث
رَحل وَسمع أَبَا نعيم أنْفق على أهل الْعلم ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم وَلم يعرف لَهُ فراشا أَرْبَعِينَ سنة
وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ قَالَ جَاءَتْنِي امْرَأَة ببغداذ لَيْلَة من اللَّيَالِي فَذكرت أَنَّهَا من بَنَات النَّاس وَأَنَّهَا امتحنت واسألك بِاللَّه أَن تسترني فَقلت وَمَا محنتك فَقَالَت أكرهت على نَفسِي وَأَنا حُبْلَى وَذكرت للنَّاس أَنَّك زَوجي فَلَا تفضحني استرني سترك الله فنكبت عَنْهَا وَمَضَت فَلم أشعر حَنى وضعت وَجَاء الإِمَام الْمحلة فِي جمَاعَة من الْجِيرَان يهنّني بِالْوَلَدِ)
فأظهرت لَهُم التهلل ووزنت فِي الْيَوْم الثَّانِي دينارين ودفعتها إِلَى الإِمَام وَقلت أبلغ هَذَا إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَة للنَّفَقَة على الْمَوْلُود فإنّه سبق مني مَا فرّق بَيْننَا وَكنت أفعل ذَلِك كل شهر وأوصلهما إِلَيْهَا عَليّ يَد الإِمَام إِلَى أَن أَتَى على ذَلِك سنتَانِ ثمَّ توفّي الْوَلَد فجاءوني يعزونني فأظهرت لَهُم التَّسْلِيم والرضى فجاءتني الْمَرْأَة بعد شهر وَمَعَهَا تِلْكَ الدَّنَانِير فَردَّتهَا وَقَالَت سترك الله كَمَا سترتني فَقلت هَذِه الدَّنَانِير صلَة مني إِلَى الْمَوْلُود فافعلي فِيهَا مَا تريدين
٣ - (أَحْمد بن مُوسَى)
٣ - (الأشنهي الشَّافِعِي)
أَحْمد بن مُوسَى بن حوشين أَبُو الْعَبَّاس الأشنهي قدم بغداذ واستوطنها ودرس الْفِقْه للشَّافِعِيّ على المتولّي وَغَيره وَسمع من أبي جَعْفَر النجاري وَأبي الْغَنَائِم ابْن أبي عُثْمَان وَغَيرهمَا وَحدث بِكِتَاب تَنْبِيه الغافلين وَكَانَ زاهداً ورعاً فَقِيها مفتياً توفّي سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة
٣ - (أَبُو بكر المقرىء البغداذي ابْن مُجَاهِد)
أَحْمد بن مُوسَى بن الْعَبَّاس ين مُجَاهِد
стр. 1962
أَبُو بكر البغداذي شيخ الْقُرَّاء فِي عصره ومصنف السَّبْعَة سمع جمَاعَة وَحدث عَنهُ آخَرُونَ وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا توفّي سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة ومولده سنة خمس وَأَرْبَعين قَالَ الْخَطِيب حدث عَن عبد الله بن أَيُّوب المحزمي وَمُحَمّد بن الجهم السمري وَحدث عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو بكر الجعابي وَأَبُو بكر ابْن شَاذان وَأَبُو حَفْص ابْن شاهين وَقَالَ ثَعْلَب فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ مَا بَقِي فِي عصرنا هَذَا أعلم بِكِتَاب الله من أبي بكر ابْن مُجَاهِد وَحدث الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن خلف المقرىء قَالَ سَمِعت أَبَا الْفضل الزُّهْرِيّ يَقُول انتبه أبي فِي اللَّيْلَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا أَبُو بكر ابْن مُجَاهِد فَقَالَ يَا بني ترى من مَاتَ اللَّيْلَة فَإِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن قَائِلا يَقُول قد مَاتَ اللَّيْلَة مقوّم وَحي الله مُنْذُ خمسين سنة فلّما أَصْبَحْنَا إِذا ابْن مُجَاهِد قد مَاتَ وَقَالَ أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي اخْتِيَار تَارِيخ يحيى ابْن مَنْدَه سَمِعت الإِمَام أَبَا المظفر عبد الله ابْن شبيب المقرىء يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مَنْصُور المذكّر يَقُول سَمِعت أَبَا بكر ابْن مُجَاهِد المقرىء يَقُول سَمِعت الْحسن بن سَالم الْبَصْرِيّ يَقُول وَهُوَ صَاحب سهل بن عبد الله التسترِي قَالَ سَمِعت أَبَا بكر ابْن مُجَاهِد المقرىء يَقُول رَأَيْت ربّ العزّة فِي الْمَنَام فختمت عَلَيْهِ ختمتين فلحنت فِي موضِعين فاغتممت لذَلِك فَقَالَ لي يَا ابْن مُجَاهِد الكمالّ لي الكمالُ لي)
وَكَانَ كثيرأ مَا ينشد
(إِذا عقد الْقَضَاء عَلَيْك أمرا ... فَلَيْسَ يحلّه إِلَّا الْقَضَاء)
وَحضر هُوَ وَجَمَاعَة من أهل الْعلم فِي بُسْتَان فانبسط وداعب وَقَالَ وَقد لاحظه بَعضهم التعاقل فِي الْبُسْتَان كالتخالع فِي الْمَسْجِد وَقَالَ التنوخي بَلغنِي عَن ابْن مُجَاهِد أنّه قَالَ النَّاس أَرْبَعَة مليح يتبغّض فَيحْتَمل لملاحته وبغيض يتملح فَذَاك الحمّى والداء الَّذِي لَا دَوَاء لَهُ وبغيض يتبغّض فيعذر لأنّه طبعه ومليح يتملح فَذَاك الْحَيَاة الطّيبَة وَكَانَ لَهُ الجاه العريض عِنْد السُّلْطَان وَله كتاب القراآت الْكَبِير كتاب القراآت الصَّغِير كتاب الياءات كتاب الهاءات كتاب قِرَاءَة أبي عَمْرو قِرَاءَة ابْن كثير قِرَاءَة عَاصِم قِرَاءَة نَافِع قِرَاءَة حَمْزَة قِرَاءَة الْكسَائي قِرَاءَة ابْن عَامر قِرَاءَة النَّبِي ﷺ كتاب السَّبْعَة انْفِرَاد الْقُرَّاء السَّبْعَة قِرَاءَة عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ
стр. 1963
٣ - (الْحَافِظ ابْن مرْدَوَيْه)
أَحْمد بن مُوسَى بن مرْدَوَيْه أَبُو بكر الْأَصْبَهَانِيّ والحافظ العلاّمة
صنف التَّفْسِير والتاريخ والأبواب والشيوخ وخرّج حَدِيث الْأَئِمَّة وَسمع الْكثير بأصبهان وَالْعراق وَتُوفِّي سنة عشرٍ وَأَرْبَعمِائَة
٣ - (ابْن يُونُس شَارِح التَّنْبِيه)
أَحْمد بن مُوسَى بن يُونُس بن مُحَمَّد بن مَنْعَة بن مَالك بن مُحَمَّد بن سعد بن سعيد بن عَاصِم الإِمَام شرف الدّين أَبُو الْفضل ابْن الشَّيْخ كَمَال الدّين أبي الْفَتْح ابْن الشَّيْخ رَضِي الدّين أبي الْفضل الإربلي الأَصْل الْموصِلِي الْفَقِيه الشَّافِعِي تفقّه على وَالِده وبرع فِي الْمَذْهَب وَكَانَ إِمَامًا فَقِيها مفتياً مصنفاً عَاقِلا حسنا فِي سمته شرح كتاب التَّنْبِيه فأجاد وَاخْتصرَ الْإِحْيَاء للغزالي مرَّتَيْنِ وَكَانَ يلقِي الْإِحْيَاء دروساً من حفظه وَهُوَ غزير الْمَادَّة كثير الْمَحْفُوظ تخرج عَلَيْهِ جمَاعَة قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين بَعْدَمَا حكى مَا قرظه بِهِ ابْن خلكان شَرحه للتّنْبِيه يدل على توسطه فِي الْفِقْه وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن خلكان وَلَقَد كَانَ من محَاسِن الدُّنْيَا وَمَا أذكرهُ إِلَّا وتصغر الدُّنْيَا فِي عَيْني وَلَقَد أفكرت فِيهِ مرّة فَقلت هَذَا الرجل عَاشَ مدّة خلَافَة النَّاصِر الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد فإنّه ولي الْخلَافَة سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَهِي السّنة الَّتِي ولد فِيهَا وَمَاتَا فِي سنة وَاحِدَة وَكَانَ مبدأ شُرُوعه فِي شرح التَّنْبِيه بإربل واستعار منّا)
نُسْخَة بالتنبيه عَلَيْهَا حواشٍ مفيدة بخطّ بعض الأفاضل ورأيته بعد ذَلِك وَقد نقل الْحَوَاشِي كلهَا فِي شَرحه والفاضل الَّذِي كَانَت النُّسْخَة والحواشي بِخَطِّهِ هُوَ الشَّيْخ رَضِي الدّين أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن مظفّر بن غَانِم بن عبد الْكَرِيم الجيلي الشَّافِعِي الْمُفْتِي الْمدرس بالنظامية ببغداذ وَكَانَ من أكَابِر فضلاء عصره وصنف كتابا فِي الْفِقْه يدْخل فِي خَمْسَة عشر مجلداً وَعرضت عَلَيْهِ المناصب فَلم يفعل وَكَانَ متديناً وَقَالَ القَاضِي شمس الدّين فِي حق ابْن يُونُس مَا سَمِعت أحدا يلقِي الدُّرُوس مثله وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة
стр. 1964
٣ - (الْأَمِير شهَاب الدّين ابْن يغمور)
أَحْمد بن مُوسَى بن يغمور الْأَمِير شهَاب الدّين ابْن الْأَمِير جمال الدّين
أديب فَاضل لَهُ شعر ولي الْأَعْمَال الغربيّة بالديار المصرية فهذّبها وَقطع وشنق ووسّط وأفرط فِي ذَلِك وَرَاح البريء بِجَزِيرَة الْمُفْسد إِلَّا أنّه هذّب تِلْكَ النَّاحِيَة مَاتَ بالّمحلة فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة أَخْبرنِي من لَفظه الْعَلامَة الْحَافِظ أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ ابْن يغمور بن جِلْدك تّولى الْمحلة نَائِبا عَن السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر وَكَانَ يُوصف بكرمٍ وَكَانَ الأدباء يقصدونه ويمدحونه فيثيبهم وَكَانَ لَهُ أدب وَمن شعره
(وَإِذا حللت ديار قوم فاكسها ... حلُللاً من الْإِكْرَام وَالْإِحْسَان)
(وأغضض وصن طرفا وفرجاً وَاخْتصرَ ... لفظا وزد فِي كَثْرَة الكتمان)
(تكن السعيد مبجّلاً ومعظّماً ... متحليلاً بملابس الْإِيمَان)
وَله أَيْضا
(خطبُ أَتَى مسرعاً فآذى ... أصبح جسمي بِهِ جذاذا)
(خصّص قلبِي وعمّ غَيْرِي ... يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا)
وَله أَيْضا
(ومليحٍ تعلم النَّحْو يَحْكِي ... مشكلاتٍ لَهُ بلفظٍ وجيز)
(مَا تميزت حسنه قطّ إِلَّا ... قَامَ أيري نصبا على التَّمْيِيز)
وَله يُخَاطب الْأَمِير علم الدّين الدواداري وَقد بَعثه الْملك الظَّاهِر كاشفاً إِلَى الْبِلَاد البحرية فاجتاز بالغربي وَكَانَ إِذا ذَاك واليها ثمَّ رَحل إِن صدرتم عَن منزلي فلكم فِيهِ ثناءُ كنشر روضٍ بهيّ)
(أَو وردتم فللمحبّ الَّذِي من ... آل مُوسَى فِي الجتنب الغربي)
وَأهْدى إِلَى الْأَمِير بدر الدّين بيليك الحازندار الظَّاهِرِيّ شاهيناً بَدْرِيًّا وَكتب إِلَيْهِ
(يَا سيد الْأُمَرَاء يَا من قد غَدا ... وَجه الزَّمَان بِهِ جميلاً ضَاحِكا)
(وافى لَك الشاهين قبل أَوَانه ... ليفوز قبل الحائمات ببابكا)
(حَتَّى الْجَوَارِح قد غَدَتْ بدريةً ... لما رَأَتْ كلّ الْوُجُود كذلكا)
وَقَالَ فِي مليح عنبريّ
(تحكّم فِي الْأَلْبَاب حَتَّى رَأَيْته ... ينظّم حبّات الْقُلُوب قلائدا)
وَقَالَ فِي مليح يمدّ شريط الذَّهَب
(وَبِي رشأ كالبدر والظبي بهجةً ... وجيداً بقلبي ناره وَهُوَ جنتي)
стр. 1965
(منعّم خدّ كاللجين بياضه ... يمدّ نضاراً كاصفراري ودقّتي)
وَقَالَ
(وَبِي أهيف وافى وَفِيه محَاسِن ... بَدَت وَعَلَيْهَا للعيون تهافت)
(مَشى فِي ضِيَاء الْبَدْر كالبدر وَجهه ... وَبَينهمَا للنّاظرين تفَاوت)
(وأعجب مَا شاهدته فِيهِ أَنه ... يكلّم قلبِي لحظه وَهُوَ سَاكِت)
وَقَالَ
(قَالَ العواذل إنّ من أحببته ... قد شانه كيّ ألّم بزنده)
(فأجبت قلبِي فِي يَدَيْهِ وإنّما ... طارت عَلَيْهِ شرارة من وَقد)
٣ - (البطرني المقرىء التّونسِيّ)
أَحْمد بن مُوسَى بن عِيسَى ابْن أبي الْفَتْح شيخ الْقرَاءَات والْحَدِيث بتونس الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس الْأنْصَارِيّ المغربي البطرني الْمَالِكِي أَخذ الْقرَاءَات عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن عبد الْأَعْلَى الشبارتيبسكون الْألف وَالرَّاء وَبعدهَا تَاء ثَالِثَة الحروفصاحب ابْن عون الله وَعَن أبي بكر ابْن مشليون وَطَائِفَة وروى عَن صَالح بن مُحَمَّد بن وليد وَمُحَمّد بن أَحْمد بن ماجة وَعلي بن مُحَمَّد الْكِنَانِي وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة وتبرك الْخلق بجنازته
٣ - (عز الدّين ابْن قرصة الفيومي)
أَحْمد بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن أَحْمد عز الدّين ابْن قرصة الفيومي المولد القوصي الدَّار والوفاة)
كَانَ فَقِيها وشاعراً أديباً من تلاميذ ابْن عبد السَّلَام تقلب فِي الخدم السُّلْطَانِيَّة وتولّى نظر قوص والإسكندرية ودرّس بِالْمَدْرَسَةِ الأفرمية ظَاهر قوص وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام يتَكَلَّم معرباً طلبه الْأَمِير علم الدّين الشجاعي فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ المَال فَقَالَ لَهُ مُبْتَدأ بِلَا خبر فَقَالَ لَهُ تعال إِلَى هُنَا فَقَالَ أَخَاف أَن تضربني بِهَذِهِ الْعَصَا الَّتِي فِي يدك فَتَبَسَّمَ مِنْهُ وَكَانَ تصدر مِنْهُ عجائب وَله كتاب سَمَّاهُ نتف المحاضرة وَله مسَائِل فقهيّة ونحوية وأدبية ولغوية وَتُوفِّي بقوص فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة وَمن شعره
(إِذا تزّوج شيخ الدَّار غانيةً ... مليحة القدّ تزهى سَاعَة النّظر)
(فقد تراقع فِي أَحْوَالهم وَأَتَتْ ... قَاف القيادة تستقصي عَن الْخَبَر)
وَمِنْه
(لَا تحقرنّ من الْأَعْدَاء من قصرت ... يَدَاهُ عَنْك وَإِن كَانَ ابْن يَوْمَيْنِ)
(فَإِن فِي قرصة البرغوث مُعْتَبرا ... فِيهَا أَذَى الْجِسْم والتسهيد للعين)
وَمِنْه
стр. 1966
(الشيب عيب وَلَكِن عينه قلعت ... بالشين من شدةٍ فِيهِ وتعذيب)
(والشيب شينٌ وَلَكِن نونه حذفت ... بباء بعدٍ عَن اللَّذَّات وَالطّيب)
وَمِنْه
(يَا من يعذَّب قلبه فِي صُورَة ... سَوْدَاء مظلمةٍ كفحم النَّار)
(أَتعبت نَفسك فِي سوادٍ مظلمٍ ... إِن السوَاد يضرّ ٌبالأبصار)
(وَإِذا عدلت عَن الْبيَاض وَحسنه ... مَاذَا تؤمّل فِي سَواد القار)
وَمِنْه
(نَحن نسعى وَالسَّعْي غير مفيدٍ ... إِن أَرَادَ الْإِلَه منع الْمَغَانِم)
(وَإِذا مَا الْإِلَه قدّر شَيْئا ... جَاءَ سعياً إِلَى الْفَتى وَهُوَ نَائِم)
٣ - (أَحْمد بن المؤمل)
٣ - (الشَّاعِر)
أَحْمد بن المؤمل بن الْحسن بن السعيد بن أَحْمد بن المؤمل يَنْتَهِي إِلَى ذِي الإصبع العدواني أَبُو الْعَبَّاس الشَّاعِر البغداذي كَانَ أديباً فاضلاُ لَهُ نثر جيد ونظم مليح مدح جمَاعَة وهجاهم)
سمع عبد الْوَهَّاب بن الْمُبَارك الْأنمَاطِي وَعبد الله بن عَليّ بن أَحْمد الْخياط المقرىء وَمُحَمّد بن عمر بن يُوسُف الأرموي وَغَيرهم وَحدث باليسير توفّي بواسط سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة لأنّه نفي إِلَى وَاسِط فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَمن شعره
(وقائلةٍ أَرَاك أَخا همومٍ ... فَقل لي مَا دهاك من البلايا)
(فَقلت لَهَا دهاني فاندبيني ... وُقُوفِي وسط معترك المنايا)
وَمِنْه أَيْضا
(هَاجر معي إِن رحمتني هَاجر ... واسترضِ عني زماني الهاجر)
(وقف على منزلٍ كلفت بِهِ ... بَين ربى رامةٍ إِلَى حاجر)
مِنْهَا
(يقبل ذُو الوجد عَن مقاصده ... فِيهَا فهديه نشرها العاطر)
(تبْكي رباها لفقد ساكنها ... حزنا ًويفتر ٍّروضها الزَّاهِر)
(منازلِ اللَّهْو لَا عداك حَيا ... يؤنس من طيب ربعك النافر)
(سقاكِ يَا دَرَاهِم ومعهدهم ... كلُّ سحابٍ مزمجرٍ ماطر)
وَمِنْه أَيْضا
(كم ترشق النكبات نفس عزائمي ... وعليّ من جزع أعدُّ دلاص)
стр. 1967
(وَمن الْعَجَائِب أنّ كلّ بلاغةٍ ... جمحت مطاوعتي وحظّي عاصِ)
(وَالطير جنس واحدٌ لكنّما ... للغاتهنّ حبسن فِي الأقفاص)
قلت أَخذه من الآخر وَقصر عَنهُ
(الصّعو يرتع فِي الرياض وَإِنَّمَا ... حبس الهزار لأنّه يترنّم)
وَقَالَ ممّا يحسن أَن يكْتب على قبر
(أمرت فَلم نقبل لسوء اختيارنا ... وَهَا نَحن أسرى فِي يَديك إلهنا)
(وَكَانَت أماني الْحَيَاة تسوقنا ... بتسويقها بِالْخَيرِ حَتَّى إِلَى هُنَا)
(فَإِن أَنْت ياربّ انتقمت فعادلٌ ... وَإِن أَنْت حققت المنى فلنا الهنا)
٣ - (الْحَافِظ أَبُو الْفضل المخرمي)
أَحْمد بن ملاعب بن حَيَّان أَبُو الْفضل المخرمي الْحَافِظ كَانَ صَدُوقًا بَصيرًا بِالْحَدِيثِ عالي)
الرِّوَايَة توفّي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
٣ - (نجم الدّين القوصي)
أَحْمد بن ناشىء بن عبد الله القَاضِي نجم الدّين القوصي قَرَأَ الْقرَاءَات على أَبِيه وَسمع من ابْن المقير وَمن أَصْحَاب السّلفي وَسمع مِنْهُ عبد الْغفار بن عبد الْكَافِي السَّعْدِيّ والخطيب فتح الدّين عبد الرَّحْمَن وَجَمَاعَة بقوص وَقَرَأَ الْفِقْه على مجد الدّين الْقشيرِي وَكَانَ من أهل الْخَيْر وناب فِي الحكم بقوص وباشر التوقيع للقضاة توفّي سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة من شعره لمّا منع السّفر من عيذاب ثمَّ أذن لَهُ
(يَا ثغر عيذاب ابتسم ... صدر الطَّرِيق قد انْشَرَحَ)
(تالله لَو وزن النب ... يّ بكلّ مخلوقٍ رجح)
وَمِنْه
(لقد كَانَ فِي الدُّنْيَا شيوخٌ صوالحٌ ... إِذا دهم النّاس الدَّوَاهِي ترسّلوا)
(مفرح مِنْهُم فِي الْبِلَاد وَشَيخنَا ... أَبونَا أَبُو الحجَّاج ذَاك المبجَّل)
(وَشَيخ شُيُوخ الأَرْض كَانَ بأرضنا ... أَبُو الْحسن الصبّاغ ذَاك المدلّل)
(وللشيخ مجد الدّين كَانَ انتسابنا ... فَذَاك الَّذِي ينحلُّ صوما وينحل)
(فَإِن كَانَت الدُّنْيَا من الكلّ أقفرت ... وَلم يبْق فِيهَا لِلْخَلَائِقِ موئل)
стр. 1968
(فجاه رَسُول الله باقٍ مؤبّد ... وجاه رَسُول الله يَكْفِي ويفضل)
٣ - (الشريف الْحَنَفِيّ)
أَحْمد بن نَاصِر بن طَاهِر العلاّمة برهَان الدّين الْحُسَيْنِي الشريف الْحَنَفِيّ إِمَام محراب الْحَنَفِيَّة الَّذِي بمقصورة الحلبيين بالجامع الْأمَوِي بِدِمَشْق كَانَ مفتياً عَالما زاهداً توفّي ببيته فِي المنارة الشرقية سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وصنف تَفْسِيرا قي سبع مجلدات وصنف فِي أصُول الدّين كتابا فِيهِ سَبْعُونَ مَسْأَلَة ذكر أنّه سمع من ابْن اللتِّي وَغَيره وخلّف دنيا وَاسِعَة
٣ - (أَبُو عون الْكَاتِب الْأَنْبَارِي)
أَحْمد أبن أبي النَّجْم هِلَال مولى بني سليم أَبُو عون الْكَاتِب الْأَنْبَارِي كَانَ متكلماً مترسلاً شَاعِرًا وَله كتاب فِي التَّوْحِيد وأقاويل الفلاسفة ذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَقَالَ هُوَ الْقَائِل فِي حَاتِم بن الْفَرح وَكَانَ أَبُو شبْل البرجمي الشَّاعِر فِي قَدمته سرّ من رأى نزل عَلَيْهِ)
وَكَانَ أَبُو شبْل أهتم فَقَالَ فِيهِ أَبُو عون
(لحاتم فِي بخله فطنة ... أدقُّ حسّاً من خطا النّمل)
(قد جعل الهتمان ضيفانه ... فَصَارَ فِي أمنٍ من الْأكل)
(لَيْسَ على خبز امرىءٍ ضَيْعَة ... آكله عظم أَبُو شبْل)
(كم قدر مَا تحمله كفّه ... إِلَى فمٍ من سنّه عطل)
(فحاتم الْجُود أَخُو طيءٍ ... كَانَ وَهَذَا حَاتِم الْبُخْل)
توفّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَله أَربع وَسَبْعُونَ سنة وَكَانَ أَبُو عون وعمّاه صَالح وماجد كلهم شعراء وَلأبي عون أَيْضا هزئت أَن رَأَتْ مشيبي وَهل غير المصابيح زِينَة للسماء إنّما الشيب فِي المفارق كالنور بدا والشباب كالظلماء
(لم أبدَّل بالشيب إِذْ شبت إِلَّا ... عمّةً من عمائم الْحُكَمَاء)
(منحت سؤدداً وَحلية مجد ... ووقارٍ بادٍ على العظماء)
إِن عمرا عوضت مِنْهُ الْمَوْت بشيبٍ من أعظم النعماء
٣ - (أَحْمد بن نصر)
٣ - (الديبلي الشَّافِعِي)
أَحْمد بن نصر بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالدَّيبلي أَبُو الْعَبَّاس
стр. 1969
الْفَقِيه الشَّافِعِي من أهل الْموصل وَهُوَ أنباري الأَصْل قدم بغذاذ وَابْن الشهرزوري قَاضِي الْقُضَاة ببغذاذ وَكَانَت لَهُ بِهِ معرفَة فضمّه إِلَيْهِ وولاه نِيَابَة الْقَضَاء بحريم دَار الْخلَافَة وَمَا يَليهَا وَأقَام على ذَلِك مُدَّة وَجَرت أَحْكَامه على السداد وَكَانَ نزهاً دينا لَهُ معرفَة حَسَنَة بالفقه وَلما عزل القَاضِي عزل وسافر وَتُوفِّي بالموصل سنة إِحْدَى وسِتمِائَة
٣ - (ابْن أبي سَلمَة الْكَاتِب)
أَحْمد بن نصر أَبُو بكر ابْن أبي سَلمَة الْكَاتِب ذكر الصولي أَنه كَانَ ابْن أُخْت أَحْمد بن يُوسُف وَزِير الْمَأْمُون وَكَانَ شَاعِرًا مليح الْأَلْفَاظ دَقِيق الفطنة وَهُوَ الْقَائِل
(معتدل الْقَامَة مثل الْقَضِيب ... يَهْتَز فِي لينٍ وحسنٍ وَطيب)
(يعذلني فِيهِ جَمِيع الورى ... كأنني جِئْت بأمرٍ عَجِيب)
)
(أظنُّ نَفسِي لَو تعشقتها ... بليت فِيهَا بملام الرَّقِيب)
وَله أَيْضا
(دع الصبّ يصلى بالأذى من حَبِيبه ... فكلُّ أَذَى مِمَّن يحبُّ سرُور)
(غُبَار قطيع الشَّاء فِي عين ذيبها ... إِذا مَا تَلا آثارهنَّ ذرور)
وَقَالَ أَيْضا
(آه ويلي على الشَّبَاب وَفِي أيّ ... زمانٍ فقدت شرخ الشَّبَاب)
(حِين مَاتَ الغيور وارتحض المه ... ر وَزَالَ الْحجاب عَن كلّ بَاب)
٣ - (أَبُو عبد الله الْمروزِي الْخُزَاعِيّ)
أَحْمد بن نصر بن مَالك أَبُو عبد الله الْخُزَاعِيّ الْمروزِي البغداذي كَانَ جدّه مَالك بن الْهَيْثَم أحد نقباء بني الْعَبَّاس فِي ابْتِدَاء الدولة وَكَانَ أَحْمد شَيخا جَلِيلًا أمّاراً بِالْمَعْرُوفِ من أَوْلَاد الْأُمَرَاء سمع من مَالك وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهمَا
حمله إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَمَعَهُ جمَاعَة إِلَى سرِّ من رأى مقيَّدين فَجَلَسَ لَهُم الواثق وَقَالَ لَهُ دع مَا أخذت لَهُ مَا تَقول فِي الْقُرْآن فَقَالَ كَلَام الله قَالَ أفمخلوق هُوَ قَالَ كَلَام الله قَالَ أفترى رَبك فِي الْقِيَامَة قَالَ كَذَا جَاءَت الرِّوَايَة قَالَ وَيحك يرى كَمَا يرى الْمَحْدُود المجسَّم ويحويه مَكَان ويحصره النَّاظر أَنا كفرت بربٍ هَذِه صفته مَا تَقولُونَ فِيهِ قَالَ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَكَانَ
стр. 1970
قَاضِيا على الْجَانِب الغربي فعزل هُوَ حَلَال الدَّم وَقَالَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء بقوله فأجلسه فِي نطع الدّم وَأمر بالصمصامة وَقَالَ إِذا قُمْت إِلَيْهِ فَلَا يقومن أحد معي فَإِنِّي أحتسب خطاي إِلَى هَذَا الْكَافِر الَّذِي يعبد ربّاً لَا نعبده وَلَا نعرفه بِالصّفةِ الَّتِي وَصفه بهَا وَمَشى إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَيّد فِي النطع فَضرب عُنُقه وَأمر بِحمْل رَأسه فنصب بالجانب الشَّرْقِي أيّاماً وبالغربي أَيَّامًا وتتبع رُؤَسَاء أَصْحَابه فَإِنَّهُم كَانُوا خَرجُوا مَعَه على الدولة
وَقَالَ الْخَطِيب لم يزل الرَّأْس مَنْصُوبًا ببغذاذ والجسد بسامرّا مصلوباً سِتّ سِنِين إِلَى أَن أنزل وَجمع وَدفن فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ قيل إنّه رُؤِيَ فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غضِبت لَهُ فأباحني النّظر إِلَى وَجهه وَقَالَ السراج سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد يَقُول حدّثنا إِبْرَاهِيم بن الْحسن قَالَ رأى بعض أَصْحَابنَا أَحْمد بن نصر فِي النّوم فَقَالَ مَا فعل بك ربّك قَالَ مَا كَانَت إلَاّ غفوة حَتَّى لقِيت الله تَعَالَى فَضَحِك إِلَيّ وَكَانَ قَتله سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ)
وَمِائَتَيْنِ
٣ - (أَبُو طَالب الْحَافِظ البغذاذي)
أَحْمد بن نصر بن طَالب البغذاذي الْحَافِظ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ أستاذي وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ ثِقَة ثبتاً توفّي سنة ثلاثٍ وَعشْرين وثلاثمائة
٣ - (الْحَافِظ النصيبي الْمصْرِيّ)
أَحْمد بن نصر بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ النصيبي الْحَافِظ ابْن أبي اللَّيْث قدم نيسابور قَالَ الْحَاكِم هُوَ باقعة فِي الْحِفْظ شبهت مذاكرته بِالسحرِ توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
٣ - (ابْن منقذ)
أَحْمد بن نصر الله بن منقذ الْأَمِير شرف الدّين مولده بنصيبين سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
من شعره
(سل البان عَن سرب الْحمى هَل سرى بِهِ ... وَهل بَان من نعْمَان لمع سرابه)
(وأومض برق الأبرقين عَشِيَّة ... ومرَّت بِهِ وَهنا جنوب جنابه)
وَمِنْه فِي طول اللَّيْل
стр. 1971
(ولربّ ليلٍ تاه فِيهِ نجمه ... قطّعته سهراً فطال وعسعسا)
(وَسَأَلته عَن صبحه فَأَجَابَنِي ... لَو كَانَ فِي قيد الْحَيَاة تنفسّا)
وَمِنْه
(لما رَأَيْت النَّجْم ساهٍ طرفه ... والقطب قد ألْقى عَلَيْهِ سباتا)
(وَبَنَات نعشٍ باكياتٍ حسّراً ... أيقنت أَن صباحهم قد مَاتَا)
وَمِنْه
(لَيْلَة الْوَصْل بِمن نحبُّه ... مَا علمنَا طولهَا من الْقصر)
(كَانَ مِنْهَا مغرب الشَّمْس إِلَى ... مطلع الْفجْر كلمحٍ بالبصر)
وَمِنْه
(قُم نشربها حَبِيبَة للنَّفس ... صفراء تفرُّ من حموِّ اللّمس)
(لَوْلَا برد الْحباب قد ثبتَّها ... لطفاً صعدت مثل الندى فِي الشَّمْس)
قلت شعر جيّد)
٣ - (النَّحْوِيّ الْمُقَوّم)
أَحْمد بن نصر أَبُو الْحسن النَّحْوِيّ الْمَعْرُوف بالمقوِّم روى عَنهُ أَبُو عمر الزَّاهِد فِي كتاب الياقوتة فِي غَرِيب اللُّغَة كَانَ حَاضرا فِي مَجْلِسه حِين أملاه
٣ - (أَبُو عَليّ ابْن البازيار)
أَحْمد بن نصر بن الْحُسَيْن البازيار أَبُو عَليّ كَانَ نديماً لسيف الدولة ابْن حمدَان كَانَ أَبوهُ من نَافِلَة سامرّا اتَّصل بالمعتضد وخدمه وخفَّ على قلبه وَأَصله من خُرَاسَان وَكَانَ يتعاطى لعب الْجَوَارِح فردَّ إِلَيْهِ المعتضد نوعا من جوارحه مَاتَ أَبُو عَليّ بحلب فِي حَيَاة سيف الدولة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة وَكَانَ تقلد ديوَان الْمشرق وزمام الْمغرب وَله من الْكتب كتاب تَهْذِيب البلاغة
٣ - (محيي الدّين ابْن باتكين)
أَحْمد بن نصر الله بن باتكين القاهري محيي الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَخْبرنِي العلاّمة أثير الدّين أَبُو حَيَّان من لَفظه قَالَ مولده الْعَاشِر من جُمَادَى الأولى سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ بحارة الديلم وَسمع حرز الْأَمَانِي على سديد الدّين عِيسَى ابْن أبي الْحرم إِمَام جَامع الْحَاكِم وأنشدني لنَفسِهِ
(أَقْسَمت بِاللَّه وآياته ... يَمِين برٍّ صَادِق لَا يَمِين)
(لَو زِدْت قلبِي فَوق ذَا من أَذَى ... مَا كنت عِنْدِي غير عَيْني الْيَمين)
وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا
стр. 1972
(يَا جفن مقلته سكرت فعربد ... كَيفَ اشْتهيت على فُؤَادِي المكمد)
(ورميت عَن قَوس الفتور فَأَصْبَحت ... غَرضا لأسهمك الْقُلُوب فسدّد)
(لم تغضض الجفن الكحيل تغاضياً ... إلَاّ لتقتلنا بسيفٍ مغمد)
(من لم يبت بِعَذَاب حبك قلبه ... متنعماً لَا فَازَ مِنْك بموعد)
(للصبِّ أُسْوَة خَال خدّك إِنَّه ... متنعم فِي جمره المتوقّد)
قلت هَذَا يشبه قَول عفيف الدّين التلمساني بل هُوَ بِعَيْنِه
(قلبِي المنعّم فِي هَوَاك بناره ... إِن كَانَ غَيْرِي فِي الْهوى يتألم)
(للصبِّ أُسْوَة خَال خدِّك إِنَّه ... فِي جمره متوقداً يتنعَّم)
)
رَجَعَ القَوْل إِلَى تَمام أَبْيَات محيي الدّين ابْن باتكين القاهري
(أَهْوى قوام الْغُصْن تعطفه الصبَّا ... فعل الصِّبا بقوامك المتأود)
(طَربا واصبو لغدير مجعّداً ... بيد النسيم حكى صفيحة مبرد)
(إِذا أشبهاك تأرُّجا وتموجاً ... بيد النسيم حكى صفيحة مبرد)
(لاموا على ظمأي إِلَيْك فَلَا دروا ... فِي مَاء خدك مَا حلاوة موردي)
(طوراً أحيّا بالأقاح وَتارَة ... فِي الخدّ بالريحان والورد النّدي)
(وجهٌ كَمَا سفر الصَّباح وَحَوله ... حسنا بقايا جنح ليلٍ أسود)
(وكأنّما خَافَ الْعُيُون فألبست ... وجناته زرداً مَخَافَة مُعْتَد)
(أنّى يخَاف من استجار محبّة ... بِمُحَمد بن عَليّ بن مُحَمَّد)
قلت تخلّص إِلَى مدح الصاحب فَخر الدّين ابْن الصاحب بهاء الدّين ابْن حنّا وَقَول السراج الْوراق أكمل لّما قَالَ يمدح الصاحب تَاج الدّين ولد فَخر الدّين ممدوح ابْن باتكين من أَبْيَات
(فَلهُ الْجمال غَدا بِغَيْر مُنَازع ... ولي الجوي فِيهِ بِغَيْر قسيم)
وَكَذَا العلى بِمُحَمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن سليم وَقَالَ الشَّيْخ أثير الدّين كتب أَبُو الْحُسَيْن الجزاز إِلَى محيي الدّين ابْن باتكين
(وَمَا شَيْء لَهُ نقش وَنَفس ... ويؤكل عظمه ويحكّ جلده)
(يودُّ بِهِ الْفَتى إِدْرَاك سؤلٍ ... وَقد يلقى بِهِ مَا لَا يودّه)
(وَيَأْخُذ مِنْهُ أَكْثَره بِحَق ... وَلَكِن عِنْد آخِره يردّه)
فَأَجَابَهُ محيي الدّين الْمَذْكُور
(أمولاي الأديب دُعَاء عبدٍ ... ودودٍ لَا يحول الدَّهْر ودّه)
стр. 1973
(يرى مَحْض الثَّنَاء عَلَيْك فرضا ... وَلَا يثني عنان الشُّكْر بعده)
(لقد أهديت لي لغزاً بديعاً ... يضلّ عَن اللبيب لَدَيْهِ رشده)
(وَقد أحكمته درّاً نضيداً ... يشنّف مسمعي بالدرَّ عقده)
(فشطر اللغز أَخْمَاس ثَلَاث ... للغزك إِن ترد يَوْمًا أحدّه)
(وَبَاقِيه مَعَ التَّصْحِيف كسب ... إِذا مَا ته حرفا تعدّه)
(هما ضدّان يقتتلان وَهنا ... ويضطجعان فِي فرش تمدّه)
)
(هما جيشان من زنجٍ وروم ... يُقَابل كلّ قرنٍ فِيهِ ضدّه)
(تقوم الْحَرْب فِيهِ كلّ وقتٍ ... وَلَا تدمى من الوقعات جنده)
(ويشتدّ الْقِتَال بِهِ طَويلا ... وَيحكم بالأصاغر فِيهِ عقده)
(وَيقتل ملكه فِي كلّ حِين ... ويبعثه النشاط فيستردّه)
(وَمَا يُنجي الْهمام بِهِ حسام ... وَقد يُنجي من الْإِتْلَاف بنده)
(وَنصر الله فِي الهيجا سجالٌ ... فَمن شَاءَ الْإِلَه بِهِ يمدّه)
(وَهَذَا كلّه حسب اجتهادي ... وَغَايَة فكرة الْإِنْسَان جهده)
ونقلت من خطّ الْحَافِظ اليغموري قَالَ أَنْشدني محيي الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن نصر الله الْكَاتِب الْمصْرِيّ لنَفسِهِ
(ناظرنا فِي الْبيُوت أعمى ... عَن كل خيرٍ وكل برّ)
(أسود كالفحم فَهُوَ مأوى ... كلّ شرارٍ وكلّ شرّ)
(وَنفخ هَذَا الْوَزير فِيهِ ... أحرق كلّ الورى بجمر)
قَالَ وَله
(يكْتب فِي الْكتب اسْمه وَحده ... بِلَا أبٍ كرها لَهُ إِذْ أَبَاهُ)
(لَا تنكروا كَثْرَة إِسْقَاطه ... فإنّه أسقط حَتَّى أَبَاهُ)
٣ - (أَحْمد بن نعْمَة)
٣ - (كَمَال الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْمَقْدِسِي)
أَحْمد بن نعْمَة بن أَحْمد بن جَعْفَر بن الْحُسَيْن بن حَمَّاد الإِمَام كَمَال الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْمَقْدِسِي النابلسي الشَّافِعِي خطيب الْقُدس ولد سنة تسع وَسبعين وَقدم دمشق شَابًّا فاشتغل وَسمع من حَنْبَل وَابْن طبرزذ وَالقَاسِم بن عَسَاكِر وَغَيرهم وروى عَنهُ ولداه الْعَلامَة شرف الدّين والفقيه محيي الدّين إِمَام المشهد والدمياطي والدواداري
стр. 1974
وَابْن الخباز وحدّث بِدِمَشْق والقاهرة وَكَانَ فَقِيها فَاضلا منقبض النَّفس عَن أَبنَاء الدُّنْيَا توفّي بِدِمَشْق سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَدفن بمقبرة بَاب كيسَان وَتقدم ذكر وَلَده فِي المحمدين
٣ - (الْمسند الحجار)
أَحْمد بن نعْمَة بن حسن البقاعي الدّيرمقري الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي الحجار الْخياط الرّحلة المعمّر)
شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْن الشّحنة ولد سنة نَيف وَعشْرين وخدم حجاراً بقلعة دمشق سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَكَانَ فِيهَا لما حاصرها جند هولاكو وَلم يظْهر للمحدثين إِلَى أثْنَاء سنة سِتّ وَسَبْعمائة فَسَأَلُوهُ فَقَالَ كنّا سمعنَا فَوجدَ سَمَاعه فِي أَجزَاء على ابْن المنجا وَابْن اللتي وَسمع الشَّيْخ شمس الدّين مِنْهُ وَجَمَاعَة جُزْء ابْن مخلد ومسند عمر النجاد ثمَّ ظهر اسْمه فِي كراس أَسمَاء السامعين بِالْجَبَلِ ل صَحِيح البُخَارِيّ على ابْن الزبيدِيّ سنة ثَلَاثِينَ فَحدث بالجامع بضعاً وَسبعين مرّة بِالْبَلَدِ وبالصالحية وبالقاهرة وحماة وبعلبك وَكفر بَطنا وحمص واشتهر اسْمه وبعُد صيته وَألْحق الصغّار بالكبار وَرَأى العزَّ وَالْإِكْرَام وَطَلَبه الْأَمِير سيف الدّين أرغون الدوادار الناصري وَسمع مِنْهُ القَاضِي كريم الدّين الْكَبِير ونائب دمشق الْأَمِير سيف الدّين تنكز والقضاة وَالْأَئِمَّة وروى بِإِجَازَة ابْن روزبه وَابْن بهروز وَابْن الْقطيعِي والأنجب الحمامي وياسمين بنت البيطار وجعفر الْهَمدَانِي وَخلق كثير ورحل إِلَيْهِ من الْبِلَاد وَسمع مِنْهُ أُمَم لَا يُحصونَ وتزاحموا عَلَيْهِ من سنة بضع عشرَة وَسَبْعمائة إِلَى أَن توفّي وَنزل النَّاس بِمَوْتِهِ دَرَجَة وَكَانَ صَحِيح التَّرْكِيب أشقر طَويلا دمويّ اللَّوْن لَهُ همة وَفِيه عقل يصغي جيدا قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين مَا رَأَيْته نعس فِيمَا أعلم وَثقل سَمعه فِي الآخر وَسَأَلته عَن عمره فَقَالَ أحقّ حِصَار النَّاصِر دَاوُد دمشق وَكَانَ الْحصار فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسمع فِي سنة ثَلَاثِينَ هُوَ وَإِخْوَته الثَّلَاثَة وحصّل الذَّهَب وَالدَّرَاهِم وَالْخلْع وقرّر لَهُ الدوادار مَعْلُوما نَحْو خَمْسَة وَأَرْبَعين درهما وَكَانَ فِيهِ دين وملازمة للصَّلَاة ويحفظ مَا يُصَلِّي بِهِ وربمّا أخّر الصَّلَاة فِي السّفر على مَذْهَب الْعَوام وَصَامَ وَهُوَ ابْن مائَة عَام رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا من شَوَّال وَحدثت أنّه فِي هَذِه السّنّ اغْتسل بِالْمَاءِ الْبَارِد قلت وَلم يتَّفق لي أَن أروي عَنهُ إلاّ بِالْإِجَازَةِ لِأَنِّي لم أسمع مِنْهُ وحرمته لكنّه أجازني وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
٣ - (فَخر الدّين ابْن الْمُنْذر نَاظر الْجَيْش)
أَحْمد بن النُّعْمَان بن أَحْمد الْمُنْذر الصَّدْر فَخر الدّين الْحلَبِي نَاظر الْجَيْش بِدِمَشْق رَئِيس نبيل صَاحب مَكَارِم وَهُوَ مَعْرُوف بالتشيع توفّي وَقد ناهز السِّتين سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة
٣ - (السّلمِيّ الأندلسي)
أَحْمد بن نعيم السّلمِيّ الأندلسي ذكره أَبُو سعيد عُثْمَان بن
стр. 1975
سعيد الْمَعْرُوف بحرقوص فِي كِتَابه وَقَالَ كَانَ شَاعِرًا مفلقاً مطبوعاً مجّوداً ومزاحاً محسناً ومتغزّلاً مرققاً إِلَّا أَن الْخَاصَّة الَّتِي فِيهَا)
برع والمنزلة الَّتِي بهَا فاق وَالْحَالة الَّتِي لَا يشق فِيهَا غباره وَلَا يصطلى فِيهَا ناره الهجاء فإنّه انْفَرد فِيهِ ببدائع لم يسْبق إِلَيْهَا لأنّه كَانَ كَاتبا لبَعض مُلُوك بلدنا خَاصّا بِهِ فاتهمه فِي بعض الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ فِيهَا بِأَنَّهُ كتب لأهل الْبَلَد كتابا بِخَط يَده يرفع بِهِ عَلَيْهِ ويستعفي مِنْهُ فَأمر بتجريده وضربه خَمْسمِائَة سَوط ثمَّ أَمر فجرّ بِرجلِهِ إِلَى بعض الْمَزَابِل وهم يظنّونه مَيتا فأفاق وَسَار إِلَى بعض الْمُلُوك واستجار بِهِ ثمَّ ابْتَدَأَ يهجو ثمَّ إِن ذَلِك الْملك كتب يَطْلُبهُ من مَكَانَهُ وَحمله فلمّا دخل القاصد تِلْكَ الْبَلَد وجده وَالنَّاس منصرفون من جنَازَته وَمن قصائده فِي الهجو الَّتِي هِيَ أم الأهاجي ومنفذة القوافي
(تولّى الندى وَالْفضل والجود أجمع ... وودّع دهر الصَّالِحين وودعوا)
(فَللَّه محزون ترقرق دمعه ... على سلفٍ مَا إِن لَهُ الدَّهْر مرجع)
(ألم تَرَ أَن الْخَيْر فَارق أَهله ... إِلَى معشرٍ يحمى لديهم وَيمْنَع)
مِنْهَا
(أَلا لَيْتَني صفر من الْعلم وافر ... من الْجَهْل والعّي الَّذِي هُوَ أَنْفَع)
(أدل بأيرٍ يحزئل بِرَأْسِهِ ... عسيب كأرزب القصارة أتلع)
(طَوِيل إِذا استذرعته كَانَ طوله ... ذراعك تتلوه أَصَابِع أَربع)
(كَأَنِّي إِذا استلقيت لِلظهْرِ وارتقى ... وشال بِحجر الثَّوْب فلك مقلّع)
(كَأَنِّي خباء حِين قُمْت منصّبٌ ... يمدّ بحبلٍ من أمامٍ وَيرْفَع)
(فيبصر قومٌ أنّه حَاز غَايَة ... فَمَا لمناهم خلفنا متطلع)
(ويقتطعوه إِن أَتَى فَوق قدرهم ... على قدر مَا فِيهِ سداد ومقنع)
(وأبلغ من دنياي جاهاً ورفعةً ... وأخفض فِي الدُّنْيَا أُنَاسًا وَأَرْفَع)
مِنْهَا
(يجول كَمَا جالت على السّقف هرةٌ ... تنادي جهاراً نائكيها وَتجمع)
وسَاق ابْن حرقوص هَذِه القصيدة وَهِي تِسْعَة وَتسْعُونَ بَيْتا اقتصرت مِنْهَا على هَذَا الْقدر
٣ - (أَحْمد بن هَارُون)
٣ - (ابْن هَارُون الرشيد الْمَعْرُوف بالسبتي)
أَحْمد بن هَارُون الرشيد ابْن الْمهْدي ابْن الْمَنْصُور العباسي الْمَعْرُوف بالسبتي الزَّاهِد عرف)
بِهَذِهِ النِّسْبَة لأنّه كَانَ لَا يظْهر إِلَّا يَوْم السبت
стр. 1976
روى محب الدّين ابْن النجار بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْآجُرِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا بكر ابْن أبي الطّيب يَقُول بلغتا عَن عبد الله بن الْفرج العابد قَالَ احتجت إِلَى صانع يصنع لي شَيْئا من أَمر الروزجاريين فَأتيت السُّوق فَإِذا فِي آخِرهم شَاب مصفر بَين يَدَيْهِ زنبيل كَبِير ومرو وَعَلِيهِ جُبَّة صوف ومئزر صوف فَقلت لَهُ تعْمل قَالَ نعم قلت بكم قَالَ بدرهم ودانق فَقلت لَهُ قُم حَتَّى تعْمل قَالَ على شريطة إِذا كَانَ وَقت الظّهْر تطهرت وَصليت فِي الْمَسْجِد جمَاعَة ثمَّ أَعُود وَكَذَلِكَ الْعَصْر قلت نعم فَجِئْنَا الْمنزل ووافقته على مَا يَنْقُلهُ فَجعل يعْمل وَلَا يكلمني بِشَيْء حَتَّى أذّن الظّهْر فاستأذنني فَأَذنت لَهُ فصلى وَرجع وَعمل عملا جيدا إِلَى الْعَصْر فَلَمَّا أذن الظّهْر فعل كالظهر وَلم يزل يعْمل إِلَى آخر النَّهَار فأعطيته أجرته وَانْصَرف فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام احتجنا إِلَى عملٍ فَقَالَت زَوْجَتي اطلب ذَلِك الصَّانِع الشَّاب فَإِنَّهُ نصحنا فَجئْت إِلَى السُّوق فَلم أره فَسَأَلت عَنهُ فَقَالُوا لَا نرَاهُ إِلَّا من السبت إِلَى يَوْم السبت فَأتيت يَوْم السبت وصادفته فَقلت تعْمل فَقَالَ قد عرفت الْأُجْرَة وَالشّرط قلت نعم فَقَامَ وَعمل فِي الْيَوْم الأول فَلَمَّا وزنت الْأُجْرَة زِدْته فَأبى يَأْخُذ الزِّيَادَة فألححت عَلَيْهِ فضجر وَتَرَكَنِي وَمضى فغمني ذَلِك وتبعته وداريته حَتَّى أَخذ أجرته فَقَط فَلَمَّا كَانَ بعد مدةٍ احتجنا إِلَيْهِ فمضيت يَوْم السبت فَلم أصادفه فَسَأَلت عَنهُ فَقيل هُوَ عليل فَأَتَيْته وَهُوَ فِي بَيت عَجُوز فاستأذنت وَدخلت عَلَيْهِ فَسلمت وَقلت أَلَك حَاجَة قَالَ نعم إِن قبلت
قلت نعم قَالَ إِذا أَنا متّ فبع هَذَا المر واغسل جبتي هَذِه الصُّوف وَهَذَا المئرز وكفّنّي بهما وافتق جيب الجبّة فَإِن فِيهَا خَاتمًا فَخذه وقف للخليفة الرشيد فِي مَوضِع يراك وأره الْخَاتم وَسلمهُ إِلَيْهِ وَلَا يكون هَذَا إِلَّا بعد دفني فَقلت نعم وَلما مَاتَ فعلت مَا أَمرنِي ورصدت الرشيد فِي يَوْم ركُوبه وَجَلَست على الطَّرِيق لَهُ فَلَمَّا دنا قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَك عِنْدِي وَدِيعَة ولوحت بالخاتم فَأخذت وحملت حَتَّى دخل دَاره ثمَّ دَعَاني خلوةّ وَقَالَ من أَنْت قلت عبد الله قَالَ هَذَا الْخَاتم من أَيْن لَك فَحَدَّثته قصَّة الشَّاب فَجعل يبكي حَتَّى رَحمته فَلَمَّا أنس بِي قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من هُوَ لَك قَالَ ابْني ولد قبل أَن أَلِي الْخلَافَة وَنَشَأ نَشأ حسنا وَتعلم الْقُرْآن وَالْعلم ولّما وليت الْخلَافَة تركني وَلم يتل شَيْئا فَدفعت إِلَى أمه هَذَا الْخَاتم وَهُوَ ياقوت لَهُ قيمَة كَبِيرَة وَقلت ادفعي هَذَا إِلَيْهِ وَكَانَ بهَا بارّاً لَعَلَّه يحْتَاج إِلَيْهِ ينْتَفع بِهِ وَتوفيت أمه فَمَا عرفت لَهُ خَبرا إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي بِهِ أَنْت ثمَّ قَالَ إِذا كَانَ اللَّيْل اخْرُج معي إِلَى قَبره فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل مشي)
معي وَحده وَجلسَ على قَبره وَبكى بكاء شَدِيدا فَلَمَّا طلع الْفجْر رَجعْنَا ثمَّ قَالَ لي تعاهدني فِي بعض الْأَيَّام حَتَّى أَزورهُ قَبره فَكنت أتعاهده قَالَ محب الدّين ابْن النجار عبد الله ابْن الْفرج العابد رَاوِي هَذِه الْحِكَايَة هُوَ أَبُو مُحَمَّد الْقَنْطَرِي كَانَ من أَعْيَان الزهاد وَكَانَ بشر بن الْحَارِث يزوره وَلم يسمّ ابْن الرشيد فِي هَذِه الرِّوَايَة
стр. 1977
قلت وَقد اختصرت بعض ألفاظها وَلم أخلّ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُود مِنْهَا لطولها قَلِيلا وَتُوفِّي أجمد السبتي فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى
٣ - (الْحَافِظ أَبُو بكر البرذعي)
أجمد بن هَارُون بن روح أَبُو بكر البرديجي البرذعي الْحَافِظ نزيل بغداذ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ثِقَة جبلٌ توفّي سنة إِحْدَى وثلاثمائة
٣ - (أَحْمد بن هبة الله)
٣ - (الصَّدْر ابْن الزَّاهِد)
أَحْمد بن هبة الله بن الْعَلَاء بن مَنْصُور المَخْزُومِي أَبُو الْعَبَّاس الأديب النَّحْوِيّ الْمَعْرُوف بالصدر ابْن الزَّاهِد توفّي سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة كَانَ لَهُ اخْتِصَاص عَظِيم بِابْن الخشاب لَا يُفَارِقهُ فحصّل علما جمّاً وَصَارَت لَهُ يَد باسطة فِي النَّحْو واللغة وَقَرَأَ قبله على أبي الْفضل ابْن الْأَشْقَر وَكَانَ كيّساً مطبوعاً خَفِيف الرّوح حسن المفاكهة وَسمع من عبد الْوَهَّاب الْأنمَاطِي وَابْن المانذائي وَغَيرهمَا وَمن شعره
(ومهفهفٍ يسبيك خطّ عذاره ... ويريك ضوء الْبَدْر فِي أزراره)
(حسدت شمائله الشُّمُول وهجنت ... لطف النسيم يهبُّ فِي أسحاره)
(وَإِذا أردْت جفاه قَالَ لي الْهوى ... هُوَ فِي الْفُؤَاد فداره فِي دَاره)
(لم أضمر السلوان عَنهُ لَحْظَة ... إِلَّا استعدت وتبت من إضماره)
دقّت مَعَاني خصره فَكَأَنَّهَا الْمَعْنى الخفيّ يجول فِي أفكاره
(وَكَأن وجنته وَحُمرَة خَدّه ... ورد عَلَيْهِ الطلّ فِي أسحاره)
وَكتب إِلَى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف الْكَبِير
(إِن الأكاسرة الأولى شادوا العلى ... بَين الْأَنَام فمفضل أَو منعم)
(يَشكونَ أنّك قد نسخت فعالهم ... حَتَّى تنوسي مَا تقدّم مِنْهُم)
)
(وسننت فِي شرع الممالك ماعموا ... عَن بعضه وفهمت مَا لم يفهموا)
стр. 1978
٣ - (وَالِد ابْن العديم)
أَحْمد بن هبة الله بن مُحَمَّد بن هبة الله بن أَحْمد ابْن أبي جَرَادَة ابْن العديم الْعقيلِيّ الْحلَبِي هُوَ القَاضِي أَبُو الْحسن وَالِد الصاحب كَمَال الدّين ابْن العديم كَانَ يخْطب بقلعة حلب أَيَّام نور الدّين مَحْمُود بن زنكي وَولي الخزانة أَيَّام وَلَده الصَّالح إِسْمَاعِيل إِلَى أَن عرض الْقَضَاء على أَخِيه فَامْتنعَ فقلّد هَذَا الْقَضَاء بحلب وأعمالها سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَلم يزل قَاضِيا أَيَّام الصَّالح وَمن بعده فِي دولة عز الدّين وعماد الدّين ابْني قطب الدّين مودود ابْن زنكي وصدراً من أَيَّام صَلَاح الدّين إِلَى أَن عزل عَن منصبي الْقَضَاء والخطابة وَنقل إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة ووليه القَاضِي مجد الدّين ابْن الزكي وَسمع أَبَاهُ وَأَبا المظفر سعيد بن سهل الفلكي وَغَيرهمَا وَتُوفِّي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة
٣ - (الْخَطِيب المنصوري)
أَحْمد بن هبة الله بن عبد الْقَادِر بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر ابْن الْمَنْصُور بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس ابْن أبي الْقَاسِم ابْن أبي طَالب العباسي الْخَطِيب كَانَ يتَوَلَّى الخطابة بِجَامِع الْمَنْصُور وَسمع شَيْئا من الحَدِيث من أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الدينَوَرِي وَحدث ياليسير قَالَ محب الدّين ابْن النجار سَمِعت شَيخنَا أَبَا الْيمن زيد بن الْحسن الْكِنْدِيّ بِدِمَشْق يَقُول حضر الشَّيْخ ابْن الْمَنْصُور الْخَطِيب يَوْمًا عِنْد شَيخنَا أبي مَنْصُور ابْن الجواليقي وَكَانَ بعض الطّلبَة يقْرَأ عَلَيْهِ ديوَان أبي الطّيب المتنبي فَبلغ قَوْله
(وَوضع النّدى فِي مَوضِع السَّيْف بالعلى ... مُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع النّدى)
فَاسْتَحْسَنَهُ الْخَطِيب جدّاً وَقَالَ لقد أَجَاد الْمَعْنى لِأَن السَّيْف إِذا وضع فِي الْموضع النّديّ صدىء فَضَحِك الْجَمَاعَة مِنْهُ وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
٣ - (موفق الدّين ابْن أبي الْحَدِيد)
أَحْمد بن هبة الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن ابْن أبي الْحَدِيد أَبُو الْمَعَالِي موفق الدّين ويدعى الْقَاسِم أَيْضا ولد سنة تسعين وَخَمْسمِائة بِالْمَدَائِنِ وَكَانَ أديباً فَقِيها فَاضلا شَاعِرًا مشاركاً فِي أَكثر الْعُلُوم توفّي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَأَخُوهُ عز الدّين الْآتِي ذكره فِي أَسمَاء عبد)
الحميد كَانَ معتزلياً وَرَأَيْت الشَّيْخ شمس الدّين قَالَ فِي حقّ هَذَا إنّه أشعري وَالله أعلم كتب الْإِنْشَاء للمستعصم بِاللَّه مُدَّة وروى عَن عبد الله ابْن أبي الْمجد بِالْإِجَازَةِ وروى عَنهُ شرف الدّين الدمياطي وَمن شعره فِي عَارض جَيش خرج من دَار الْوَزير بخلعة فعانقه وَقَالَ
(لما بدا رائق التثنّي ... وَهُوَ بأثوابه يميد)
(قبلته بِاعْتِبَار معنّى ... لِأَنَّهُ عَارض جَدِيد)
وَمِنْه قَوْله
стр. 1979
(بَيت من الشّعر فِي تَشْبِيه وجنته ... لّما أحَاط بهَا سطر من الشّعر)
(كالظلَّ فِي النُّور أَو كَالشَّمْسِ عارضها ... خطّ من الْغَيْم أَو كالمحو فِي الْقَمَر)
وَمِنْه أَيْضا
(لَو يعلمُونَ كَمَا علمت لما لحوا ... فِي حبّه ولأقصروا إقصارا)
(هلاّ أحدثكُم بسرّ لطيفةٍ ... دقّت إِلَى أَن فَاتَت الأبصلرا)
(حاذت صقال خدوده أصداغه ... فتمثّلت للناظرين عذارا)
وَقَالَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي أَنْشدني موفق الدّين لنَفسِهِ
(قمر عدمت عواذلي فِي عشقه ... بل مَا عدمت تزاحم العشّاق)
(يَبْدُو فتسبقه الْعُيُون وإنّها ... مأمورة بالغض والإطراق)
(عَيْنَايَ قد شَهدا بعشقك إنّما ... لَك أَن تَقول هما من الْفُسَّاق)
ولّما صنّف أَخُوهُ الْفلك الدائر على الْمثل السائر كتب إِلَى أَخِيه
(الْمثل السائر يَا سَيِّدي ... صنفت فِيهِ الْفلك الدائرا)
(لكنّ هَذَا فلك دائر ... أَصبَحت فبه الْمثل السائرا)
قلت شعر جيد مُتَمَكن فِيهِ غوص
وَتَوَلَّى موفق الدّين قَضَاء الْمَدَائِن أَيَّام الظَّاهِر وصنف كتابا سَمَّاهُ الْحَاكِم فِي اصْطِلَاح الخراسانيين والعراقيين فِي معرفَة الجدل والمناظرة ثمَّ تولّى كِتَابَة الْإِنْشَاء
٣ - (أَبُو الْقَاسِم الجبراني)
أَحْمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد أَبُو الْقَاسِم الطَّائِي ابْن الجبرانيبضم الْجِيم وَفتحهَا وَبعد الْبَاء الْمُوَحدَة رَاء وَبعدهَا ألف ونونالحلبي المقرىء النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ كَانَ بَصيرًا باللغة)
والعربية وَله شعر توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَمن شعره
٣ - (ملك التتار)
أَحْمد بن هولاكو بن تُولى قان بن جنكزخان ملك التتار كَانَ ملكا شهماً خَبِيرا بِأُمُور الرّعايا سالكاً أحسن المسالك لَا يصدر عَنهُ إِلَّا مَا يُوَافق الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة يعْتَمد عَلَيْهَا وينقاد إِلَيْهَا فِي جَمِيع حركاته بطرِيق الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن فإنّه كَانَ قد أقبل عَلَيْهِ وامتثل مَا يَأْمُرهُ بِهِ وَكَانَ يَأْمُرهُ بمصالحة الْمُسلمين وَالدُّخُول فِي طاعتهم وَالْعَمَل على مراضيهم وَأَن يَكُونُوا
стр. 1980
كلهم شَيْئا وَاحِدًا وَلم يزل عَلَيْهِ إِلَى أَن أجَاب إِلَى مصالحة الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون وَكتب على يَد الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن كتبا بديعة دالّة على دُخُوله فِي الْإِسْلَام واتباعه أوَامِر الله تَعَالَى فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَتوجه بهَا الشَّيْخ فَلَمَّا وصل الشَّام بلغَة وَفَاة أَحْمد بن هولاكو فَبَطل مَا كَانَ جَاءَ بِهِ وَوَقع أجرهما على الله تَعَالَى وَبَقِي الشَّيْخ بعده مُدَّة بعده مُدَّة يسيرَة وَتُوفِّي وَسَيَأْتِي ذكره فِي مَكَانَهُ من حرف الْعين
وَلما مَاتَ أبغا تعصب جمَاعَة لِأَحْمَد وَكَانَ اسْمه بكرار وَاسم أمه قبوخاتون نَصْرَانِيَّة وَمَا هان على بعض الْمغل لأنّه ادّعى أنّه مُسلم وَحضر أَخُوهُ قنغرطاي وَقَالَ لأرغون إِن أبغا شَرط فِي الياسة أَنه إِذا مَاتَ مَا يقْعد عوضه الْأَكْبَر وَمن خَالف يَمُوت وَكَتَبُوا إِلَى الْمُلُوك ليحضروا ويكتبوا خطوطهم بالرضى بِملك أَحْمد فَقَالُوا إِن قدرتهم قد ضغفت ورجالهم قتلوا وَإِن الملمين كلما لَهُم فِي قُوَّة وَأَنه لَا حِيلَة فِي هَذَا الْوَقْت أتمّ من إِظْهَار الْإِسْلَام والتقرب إِلَى السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون وَكَانَ بَين أرغون ابْن أبغا وَبَين السُّلْطَان عَدَاوَة شَدِيدَة فسيّر أَحْمد عسكراً نَحْو أرغون مِقْدَار أحد عشر ألف فَارس وَقدم عَلَيْهِم عَليّ ناق أحد خواصّه فقصدوا أرغون ونزلوا قَرِيبا مِنْهُ فَركب أرغون وكبسهم فَقتل مِنْهُم ألفي فَارس وَبلغ ذَلِك أَحْمد فَركب فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَقصد جِهَة خُرَاسَان فَالتقى هُوَ وأرغون وَقتل من عَسْكَر أرغون أَكثر من النّصْف وَضربت البشائر فِي بِلَاد الْعَجم وَأمْسك خَمْسَة من الْأُمَرَاء فِي المصافّ وقررهم فَاعْتَرفُوا أنّ أرغون طلب العبور إِلَى إيلجان فَمَنعه جمَاعَة من أَصْحَاب الْملك أَحْمد فَأمْسك اثْنَي عشر أَمِيرا من كبار الْمغل وقيدهم فَعِنْدَ ذَلِك قَامَ الْمغل عَلَيْهِ وجاهروه فهرب ثمَّ أَخذ وأحضر إِلَى أرغون فَقتله واستبد أرغون بِالْملكِ وَقيل فِي كَيْفيَّة قَتله غير ذَلِك وَكَانَ قَتله سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة)
٣ - (ابْن عَطاء الشَّامي)
أَحْمد بن الْهَيْثَم بن فراس بن مُحَمَّد بن عَطاء الشَّامي قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان هُوَ أحد الروَاة المكثرين روى عَنهُ الْحسن بن عليل الْعَنزي وَأَبُو بكر وَكِيع وَكَانَ الْهَيْثَم شَاعِرًا مكثراً وجدّه فراس من شيعَة بني الْعَبَّاس وَأدْركَ دولة هِشَام بن عبد الْملك وَله فِي أوّل الدولة أَخْبَار
٣ - (أَبُو سعد الْأَنْبَارِي)
أَحْمد بن واثق بن عبيد الله ابْن الْعَنْبَري أَبُو سعد الشَّاعِر من أهل الأنبار
قدم بغداذ سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وروى بهَا شَيْئا من شعره سمع مِنْهُ سعد الْخَيْر ابْن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ ومنوجهر بن مُحَمَّد بن تركانشاه الْكَاتِب وَمن شعره
(شكرتك عني كلّ قافيةٍ ... تختال بَين الْمَدْح والغزل)
(فَلَقَد مَلَأت بكلّ عارفةٍ ... وَجه الرَّجَاء وناظر الأمل)
وَمِنْه قَوْله
стр. 1981
(أَصبَحت أَقرع أَبْوَاب الرِّجَال على ... رِزْقِي لأفتح مِنْهَا كل مرتتج)
(أروم مشي أموري من بني زمنٍ ... أَمْشَاهُم يشتكي نوعا من العرج)
(أَقُول إِذْ ضَاقَ وسع الْخطب عَن أربي ... تضايقي يَا خطوب الدَّهْر تنفرجي)
٣ - (أَبُو ثَعْلَب الْأَمِير)
أَحْمد بن وَرْقَاء الشَّيْبَانِيّ أَبُو ثَعْلَب الْأَمِير كَانَ أديباً شَاعِرًا من بَيت الْإِمَارَة والتقدم وولاة الثغور والعواصم روى عَنهُ أَبُو الْحسن أَحْمد بن عَليّ ابْن حَاجِب بن النُّعْمَان وَأَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي وَمن شعره
(إِن المحبين لم يرْضوا فعالك بِي ... يَا من يرى حسنا نقص المواثيق)
(وَالله لَا غرّني من بعدكم أحد ... وَلَا أرى فِي الْهوى حظاً لمخلوق)
٣ - (ابْن الصَّائِغ الْحَنْبَلِيّ)
أَحْمد ابْن الْوَفَاء بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الصَّمد بن مُحَمَّد أَبُو الْفَتْح الْفَقِيه الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ درس الْفِقْه على أبي الحطّاب الكلوذاني وَحصل طرفا صَالحا مِنْهُ وَمن أبي الْقَاسِم عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن بَيَان الرزاز وَغَيرهمَا وَسكن حلب مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى حرّان
وَكَانَ يدرّس بهَا ويفتي وَحدث بهَا وبحلب وَتُوفِّي بحرّان سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة)
٣ - (أَبُو الْحسن النَّحْوِيّ)
أَحْمد بن ولاّد أَبُو الْحسن النَّحْوِيّ البغداذي سكن مصر وَحدث بهَا عَن المبرَّد وروى عَنهُ أَبُو مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعيد الْمصْرِيّ الشَّاعِر
٣ - (أَحْمد بن الْوَلِيد)
٣ - (الْأَنْطَاكِي)
أَحْمد بن الْوَلِيد بن برد الشَّامي الْفَقِيه الْأَنْطَاكِي كَانَ الْفضل بن صَالح ابْن عبد الْملك يهوى جَارِيَة أَخِيه عبيد بن صَالح فسقى الْفضل أَخَاهُ سما فَقتله وَتَزَوجهَا فَقَالَ أَحْمد بن الْوَلِيد وَكَانَ الْفضل قد ظلمه فِي شَيْء
(لَئِن كَانَ فضل بزّني الأَرْض ظَالِما ... فقبلي مَا أودى عبيد بن صَالح)
(سقَاهُ نسوعياً من السمّ ناقعاً ... وَلم يتّئب من مخزيات الفضائح)
(حوى عرسه من بعده وتراثه ... وغادره رهن الثّرى والصفائح)
وَقَالَ فِي رجل أنْشدهُ شعرًا بَارِدًا
стр. 1982
(قد جَاءَنِي لَك شعر لم يكن حسنا ... وَلَا صَوَابا وَلَا قصدا وَلَا سددا)
(وجدت فِيهِ عيوباً غير وَاحِدَة ... وَلم أزل لعيوب الشّعْر منتقداً)
(كَأَن ذَا خبْرَة بالشعر جُمُعَة ... ثمَّ انتقي لَك مِنْهُ شَرّ مَا وجدا)
(إِنِّي نَصَحْتُك فِيمَا قد أتيت بِهِ ... من الفضائح نصح الْوَالِد الولدا)
(فعدَّ عَن ذَاك وادفنه كَمَا دفنت ... هرّ خروءاً وَلم تعلم بِهِ أحدا)
٣ - (أَحْمد بن يحيى)
٣ - (ابْن ناقد المسكي)
أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن زيد بن ناقد المسكي أَبُو الْعَبَّاس من أهل الْكُوفَة سمع أَبَاهُ وَأَبا الْبَقَاء المعمّر بن مُحَمَّد بن عَليّ الحبال وَأَبا الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون النَّرْسِي وَغَيرهم
وَكَانَت لَهُ يَد فِي النَّحْو وَكَانَ يقرىء النَّحْو وَيحدث بِالْكُوفَةِ وَقد صنّف فِي النَّحْو وخرّج أَحَادِيث من مسموعاته فِي فنون وكتبها النَّاس عَنهُ وَدخل بغداذ بعد علّو سنّه وَحدث بهَا وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة صدوقاٌ ومولده سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ووفاته سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَمن شعره)
(إِذا مَا انتسبت إِلَى درهمٍ ... فَأَنت المعظّم بَين الورى)
(وإمّا فخرت على معشرٍ ... فبالمال إِن شِئْت أَن تفخرا)
(وَلَا تفخرن بالعظام الرفات ... ودع مَا سَمِعت وَخذ مَا ترى)
(فذو الْعلم عِنْدهم جَاهِل ... إِذا كَانَ بَينهم مُعسرا)
(فإنّ أفاضل هَذَا الزَّمَان ... من كَانَ ذَا جدةٍ أَو ثرا)
٣ - (أَبُو الْمَعَالِي البيعّ)
أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن عبيد الله بن هبة الله البيعّ أَبُو الْمَعَالِي البغداذي طلب الحَدِيث بِنَفسِهِ وَكتب بِخَطِّهِ الْكثير وَبَالغ فِي الطّلب وحصّل الْأُصُول وَأكْثر من الشُّيُوخ وَكتب الْكثير من الْأَجْزَاء والكتب الْكِبَار كمسند أَحْمد بن حَنْبَل والطبقات الْكَبِيرَة لِابْنِ سعد وتاريخ بغداذ للخطيب والصحيحين وَمَغَازِي الْأمَوِي وَمَغَازِي الْوَاقِدِيّ وَكتاب الأغاني الْكَبِير للأصبهاني وَغير ذَلِك وَلم يزل يكْتب إِلَى أَن مَاتَ سنة ثلاثٍ وسِتمِائَة
стр. 1983
٣ - (ابْن الراوندي)
أَحْمد بن يحيى بن إِسْحَاق ابْن الراوندي أَبُو الْحُسَيْن من أهل مرو الرّوذ سكن بغداذ وَكَانَ من متكلمي الْمُعْتَزلَة ثمَّ فارقهم وَصَارَ ملحداً زنديقا قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ التنوخي كَانَ أَبُو الْحُسَيْن ابْن الراوندي يلازم أهل الْإِلْحَاد فَإِذا عوتب فِي ذَلِك قَالَ إِنَّمَا أُرِيد أعرف مذاهبهم ثمَّ إِنَّه كاشف وناظر وَيُقَال إِن أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم وَكَانَ نقض الْيَهُود يَقُول للْمُسلمين لَا يفسدنّ عَلَيْكُم هَذَا كتابكُمْ كَمَا أفْسدهُ أَبوهُ التَّوْرَاة علينا وَيُقَال إِن أَبَا الْحُسَيْن قَالَ للْيَهُود قُولُوا إِن مُوسَى قَالَ لَا نبيّ بعدِي وَذكر أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن أبي أَحْمد الطَّبَرِيّ أَن ابْن الراوندي كَانَ لَا يسْتَقرّ على مَذْهَب وَلَا يثبت على انتحال حَتَّى ينْتَقل حَالا بعد حالٍ حَتَّى صنف للْيَهُود كتاب البصيرة ردا على الْإِسْلَام لأربعمائة دِرْهَم فِيمَا بَلغنِي أَخذهَا من يهود سامراً فَلَمَّا فبض المَال رام نقضهَا حَتَّى أَعْطوهُ مِائَتي دِرْهَم فَأمْسك عَن النَّقْض وَقَالَ مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق النديم قَالَ الْبَلْخِي فِي كتاب محَاسِن خُرَاسَان أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد ابْن الراوندي من أهل مرو الرّوذ من الْمُتَكَلِّمين وَلم يكن فِي زَمَانه فِي نظرائه أحذق مِنْهُ بالْكلَام وَلَا أعرف بدقيقه وجليله مِنْهُ وَكَانَ فِي أول أمره حسن السِّيرَة جميل الْمَذْهَب كثير الْحيَاء ثمَّ انْسَلَخَ من ذَلِك كلّه لأسباب عرضت لَهُ وَلِأَن علمه كَانَ أَكثر من عقله فَكَانَ مثله كَمَا قَالَ الشَّاعِر)
(وَمن يُطيق مزكّى عِنْد صبوته ... وَمن يقوم لمستورٍ إِذا خلعا)
قَالَ وَقد حُكيَ عَن جمَاعَة أنّه تَابَ عِنْد مَوته مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَأظْهر النَّدَم واعترف بِأَنَّهُ إِنَّمَا صَار إِلَيْهِ حميّة وأنفة من جفَاء أَصْحَابه وتنحيتهم إيّاه من مجَالِسهمْ وَأكْثر كتبه الكفريات ألفها لأبي عِيسَى الْيَهُودِيّ الْأَهْوَازِي وَفِي منزل هَذَا الرجل توفّي
стр. 1984
وَمِمَّا ألّفه من الْكتب الملعونة كتاب التَّاج يحْتَج فِيهِ لقدم الْعَالم كتاب الزمردة يحتد فِيهِ على الرُّسُل وَإِبْطَال الرسَالَة كتاب نعت الْحِكْمَة يسفّه الله تَعَالَى فِي تَكْلِيف خلقه مَا لَا يُطِيقُونَ من أمره وَنَهْيه كتاب الدامغ يطعن فِيهِ على نظم الْقُرْآن كتاب الْقَضِيب الَّذِي يثبت فِيهِ أَن علم الله تَعَالَى بالأشياء مُحدث وَأَنه كَانَ غير عَالم حَتَّى خلق خلقه وأحدث لنَفسِهِ علما كتاب الفريد فِي الطعْن على النبيّ ﷺ كتاب المرجان كتاب اللؤلؤة فِي تناهي الحركات وَقد نقض ابْن الراوندي أَكثر الْكتب الَّتِي صنفها كالزمردة والمرجان والدامغ وَلم يتم نقضه وَلأبي علّي الجبائي عَلَيْهِ ردود كَثِيرَة فِي نعت الْحِكْمَة وقضيب الذَّهَب والتاج والزمردة والدامغ وإمامة الْمَفْضُول وَقد رد عَلَيْهِ أَيْضا أَبُو الْحُسَيْن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الْخياط فمما قَالَ فِي كتاب الزمردة إِنَّه إنّما سمّاه بالزمردة لِأَن من خَاصَّة الزمرد أَن الحيّات إِذا نظرت إِلَيْهِ ذَابَتْ أعينها فَكَذَلِك هَذَا الْكتاب إِذا طالعه الْخصم ذاب وَهَذَا الْكتاب يشْتَمل على إبِْطَال الشَّرِيعَة والإزراء على النبوّات فمما قَالَ فِيهِ لَعنه الله وأبعده إِنَّا نجد من كَلَام أَكْثَم بن صَيْفِي شَيْئا أحسن من إنّا أعطيناك الْكَوْثَر وَإِن الْأَنْبِيَاء كَانُوا يستعبدون النَّاس بالطلاسم وَقَالَ قَوْله لعمَّار تقتلك الفئة الباغية كل المنجمين يَقُولُونَ مثل هَذَا وَقد كذب لَعنه الله فَإِن المنجم إِن لم يسْأَل الرجل عَن اسْمه وَاسم أمه وَيعرف طالعه لَا يقدر أَن يتَكَلَّم على أَحْوَاله وَلَا يُخبرهُ بِشَيْء من متجدداته
وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يخبر بالمغيبات من غير أَن يعرف طالعاً وَيسْأل عَن اسْم أَو نسب فَبَان الْفرق وَقَالَ فِي كتاب الدامغ فِي نقض الْقُرْآن إِن فِيهِ لحناً وَقد استدركه وصنف كتابا فِي قدم الْعَالم وَنفي الصَّانِع وَتَصْحِيح مَذْهَب الدهريه ورد على أهل التَّوْحِيد وَذكر أَبُو هَاشم الجبّائي أَن الراوندي قَالَ فِي كتاب الفريد إِن الْمُسلمين احْتَجُّوا للنبوة بِكِتَابِهِمْ الْقُرْآن الَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ وَهُوَ معجز لن يَأْتِي أحد بِمثلِهِ وَلم يقدر أحد أَن يُعَارضهُ
فَقَالَ غلطتم وغلبت العصبية على قُلُوبكُمْ فَإِن مُدعيًا لَو ادّعى أَن إقليدس لَو ادّعى أَن كِتَابه لَا يَأْتِي أحد بِمثلِهِ لَكَانَ صَادِقا وَأَن الْخلق قد عجزوا عَن أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ أفإقليدس كَانَ نَبيا وَكَذَلِكَ)
بطلميوس فِي أَشْيَاء جمعهَا فِي الفلسفة لم يَأْتِ أحد بِمِثْلِهَا يَعْنِي فَأَي فَضِيلَة لِلْقُرْآنِ وَقد أبطل لَعنه الله فِيمَا قَالَه فَإِن كتاب إقليدس وَكتب بطلميوس لَو حاول أحد من الفلاسفة مِمَّن يعرف علومهم ويحلّ رموزهم وأشكالهم أَن يَأْتِي بِمِثْلِهَا لقدر على ذَلِك وَالْقُرْآن االكريم قد حاول السَّحَرَة والكهنة والخطباء والفصحاء والبلغاء على أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ فَلم يقدروا وَلَا على آيَة وَاحِدَة وَقد عارضوه بأَشْيَاء بَان عجزهم فِيهَا وَظهر سفههم قلت وَقد جَاءَ بعد إقليدس من استدرك عَلَيْهِ وسلك أنموذجه وأتى بِمَا لم يأتِ بِهِ كَقَوْلِهِم الْأَعْدَاد المتحابّة فَاتَت إقليدس أَن يذكرهَا وارشميدس لَهُ كتاب مُسْتَقل سمّاه الهندسة الثَّانِيَة ومصادرات إقليدس وَأما بطلميوس فيحكى أَنه بعد وَضعه للاسطرلاب بِمدَّة وجد علبة رصاص فِي حَائِط وَفِيه إسطرلاب وَأَنه ضحك فَرحا بِأَنَّهُ ذهنه ذهن الأقدمين وَلم يبرهن بطلميوس
стр. 1985
على أَن الزهرة فلكها فَوق فلك الشَّمْس أَو تَحْتَهُ حَتَّى جَاءَ ابْن سينا ورصدها فَوَجَدَهَا قد كسفت الشَّمْس وَصَارَت كَالشَّامَةِ على الوجنة فَتعين أَنَّهَا تَحت الشَّمْس وَأما الْقُرْآن الْكَرِيم لم يتَّفق لَهُ هَذِه الاتفاقات على أَن تِلْكَ عُلُوم عقلية تتساوى الأذهان فِيهَا وَأما الْقُرْآن فَلَيْسَ هُوَ مِمَّا هُوَ مركوز فِي الأذهان فَلذَلِك عزّ نَظِيره إِذْ لَيْسَ هُوَ من كَلَام الْبشر قَالَ الجبائي وَذكر فِي كتاب الدامغ أَن الْخَالِق لَيْسَ عِنْده من الدَّوَاء إِلَّا الْقَتْل فعل الْعَدو الحنق الغضوب فَمَا حَاجَة إِلَى كتاب وَرَسُول
قَالَ وَيَزْعُم أنّه يعلم الْغَيْب فَيَقُول وَمَا تسْقط من ورقةٍ إلاّ يعلمهَا ثمَّ يَقُول وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا إلاّ لنعلم وَقَوله إنّ لَك ألاّ تجوع فِيهَا وَلَا تعرى قَالَ وَقد جَاع وعري وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى إنّا جعلنَا على قُلُوبهم أكنةً أَن يفقهوه ثمَّ قَالَ وَرَبك الغفور ذُو الرّحمة فأعظم الخطوب ذكر الرَّحْمَة مضموماً إِلَى إهلاكهم قَالَ وتراه يفتخر بالمكر وَالْخداع فِي قَوْله ومكرنا قَالَ وَمن الْكَذِب قَوْله وَلَقَد خَلَقْنَاكُمْ ثمَّ صوّرناكم ثمّ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم وَهَذَا قبل تَصْوِير آدم قلت ثمَّ قَالَ ابْن الراوندي وَمن فَاحش ظلمه قَوْله كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بدّلناهم غَيرهَا فيعذّب جُلُودهمْ وَلم تعصه قلت الْأَلَم للحس لَا للجلد لِأَن الْجلد إِذا كَانَ بَائِنا أَو الْعُضْو فَإِن الْإِنْسَان لَا يألم بِعَذَاب الْبَائِن مِنْهُ قَالَ وَقَوله لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ قَالَ وَإِنَّمَا يكره السُّؤَال رَدِيء السّلْعَة قلت لَا يشك الْعَاقِل وَذُو اللّب أَن الله سكت عَن أَشْيَاء فِي كتمها مصَالح للعباد قَالَ وَفِي وصف الْجنَّة فِيهَا أنهارٌ من لبنٍ لم يتغيّر طعمه وَهُوَ الحليب وَلَا يكَاد)
يشتهيه إِلَّا الجائع وَذكر الْعَسَل وَلَا يطْلب صرفا والزنجبيل وَلَيْسَ من لذيذ الْأَشْرِبَة والسندس يفترش وَلَا يلبس وَكَذَلِكَ الاستبرق الغليظ من الدّيباج وَمن تخايل أَنه فِي الْجنَّة يلبس هَذَا الغليظ وَيشْرب الحليب والزنجبيل صَار كعروس الأكراد والنبط قلت أعمى الله بصيرته عَن قَوْله تَعَالَى فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم وَعَن قَوْله تَعَالَى وَلحم طيرٍ مِمَّا يشتهون وَمَعَ ذَلِك فَفِيهَا الّلبن وَالْعَسَل وغليظ الْحَرِير يُرِيد بِهِ الصفيق الملتحم النسج وَهُوَ أَفْخَر مَا يلبس وَقَالَ وَأهْلك ثموداً لأجل نَاقَة وَقَالَ ياعبادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله ثمَّ قَالَ إِن الله لَا يهدي من هُوَ مسرفٌ كذّاب قَالَ الجبائي لَو علم ابْن الراوندي لَعنه الله أَن الْإِسْرَاف الأول فِي الْخَطَايَا دون الشّرك وَأَن الْإِسْرَاف الثَّانِي هُوَ الشّرك لما قَالَ هَذَا ثمَّ قَالَ ووجدناه يفتخر بالفتنة الَّتِي أَلْقَاهَا بَينهم لقَوْله
стр. 1986
وَكَذَلِكَ فتنّا بَعضهم بِبَعْض وَقَوله تَعَالَى وَلَقَد فتنّا الَّذين من قبلهم ثمَّ أوجب للَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات عَذَاب الْأَبَد قَالَ الجبائي وَلَوْلَا أَن هَذَا الْجَاهِل الزنديق لَا يعرف كَلَام الْعَرَب ومعانيه الْمُخْتَلفَة فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لما قَالَ هَذَا الْكفْر فَإِن قَوْله فتنا أَي ابتلينا وَقَوله فتنُوا الْمُؤمنِينَ أَي أحرقوهم وَقَالَ فِي قَوْله وَله أسلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض هَذَا خبر محَال لِأَن النَّاس كلّهم لم يسلمُوا وَكَذَلِكَ قَوْله وَإِن من شيءٍ إلاّ يسبّح بِحَمْدِهِ وَقَوله وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّموات وَمَا فِي الأَرْض
وَقد أبان هَذَا الزنديق عَن جهلٍ وسفهٍ فَإِن معنى قَوْله أسلم أَي استسلم إِذْ الْخَلَائق كلّها منقادة لأمر الله مستسلمة لحكمة ذليلة تَحت أوامره وَنَهْيه وَالْعرب تطلق الْكل وتريد الْبَعْض قَالَ الله تَعَالَى تدمّر كلّ شَيْء بِأَمْر ربّها وَلَو ذَهَبْنَا نورد مَا تفوّه بِهِ من الْكفْر والزندقة والإلحاد لطال والاشتغال بِغَيْرِهِ أولى وَالله سُبْحَانَهُ منزه عَمَّا يَقُول الْكَافِرُونَ والملحدون وَكَذَلِكَ كِتَابه وَرَسُوله ﷺ تَسْلِيمًا كثيرا وَقَالَ السَّيِّد أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الآملي سَمِعت وَالِدي يَقُول قلت لأبي الْحُسَيْن ابْن الراوندي المتكلّم أَنْت أحذق النَّاس بالْكلَام غير أَنَّك تلحن فَلَو اخْتلفت مَعنا إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمبرد لَكَانَ أحسن فَقَالَ نعم مَا قلت نبهتني لما أحتاج إِلَيْهِ قَالَ فَكَانَ من بعد يخْتَلف إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمبرد قَالَ فَسمِعت الْمبرد يَقُول لنا أَبُو الْحُسَيْن ابْن الراوندي يخْتَلف إليّ مُنْذُ شهر وَلَو اخْتلف سنة احتجت أَن أقوم من مجلسي هَذَا وَأَقْعَدَهُ فِيهِ
وَمن شعره)
(مجن الزَّمَان كثيرةٌ مَا تَنْقَضِي ... وسرورها يَأْتِيك كالأعياد)
(ملك الأكارم فاسترق رّقابهم ... وتراه رقّاً فِي يَد الأوغاد)
وَمِنْه وَقيل أنْشدهُ
(أَلَيْسَ عجيباً بِأَن امْرَءًا ... لطيف الْخِصَام دَقِيق الْكَلم)
(يَمُوت وَمَا حصلت نَفسه ... سوى علمه أَنه مَا علم)
اجْتمع ابْن الراوندي وَأَبُو عَليّ الجبائي على جسر بغداذ فَقَالَ لَهُ يَا با عَليّ أما تسمع مني معارضتي لِلْقُرْآنِ وتقضي لَهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَليّ أَنا أعرف بمجاري علومك وعلوم أهل دهرك وَلَكِن أحاكمك إِلَى نَفسك فَهَل تَجِد فِي معارضتك لَهُ عذوبةً وهشاشة وتشاكلاً وتلازماً ونظماً كنظمه وحلاوة كحلاوته قَالَ لَا وَالله قَالَ قد كفيتني فَانْصَرف حَيْثُ شِئْت وَذكر أَبُو عَليّ الجبائي أَن السُّلْطَان طلب ابْن الراوندي وَأَبا عِيسَى الْوراق فَأَما أَبُو عِيسَى فحبس حَتَّى مَاتَ وأمّا ابْن الراوندي فهرب إِلَى ابْن لاوي الْهَرَوِيّ وَوضع لَهُ كتاب الدامغ فِي
стр. 1987
الطعْن على مُحَمَّد ﷺ وعَلى الْقُرْآن ثمَّ لم يلبث غلاّ أَيَّامًا يسيرَة حَتَّى مرض وَمَات إِلَى اللّعنة
وعاش أَكثر من ثَمَانِينَ سنة وسرد ابْن الْجَوْزِيّ من زندقته أَكثر من ثَلَاث وَرَقَات قَالَ الجبائي وَكَانَ قد وضع كتابا لِلنَّصَارَى على الْمُسلمين فِي إبِْطَال نبوة مُحَمَّد ﷺ وَنسبه إِلَى الْكَذِب وَشَتمه وَطعن فِي الْقُرْآن الَّذِي جَاءَ بِهِ وَذكر أَبُو الْوَفَاء ابْن عقيل أَن بعض السلاطين طلب ابْن الراوندي وَأَنه هلك وَله سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة مَعَ مَا انْتهى إِلَيْهِ فِي المخازي وَقيل هلك فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
٣ - (أَبُو جَعْفَر البَجلِيّ)
أَحْمد بن يحيى بن إِسْحَاق أَبُو جَعْفَر البجليّ الْحلْوانِي البغداذي قَالَ الْخَطِيب ثِقَة وَتُوفِّي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
٣ - (ابْن الْجلاء الصُّوفِي)
أَحْمد بن يحيى أَبُو عبد الله ابْن الْجلاء أحد مَشَايِخ الصُّوفِيَّة الْكِبَار صحب أَبَاهُ وَذَا النُّون وَجَمَاعَة كبارًا استوفى ابْن عَسَاكِر تَرْجَمته توفّي سنة سِتّ وثلاثمائة
٣ - (أَبُو الْحسن البلاذري)
أَحْمد بن يحيى بن جَابر بن دَاوُد البلاذري أَبُو الْحسن وَقيل أَبُو بكر البغداذي ذكره الصولي)
فِي ندماء المتَوَكل مَاتَ فِي أَيَّام الْمُعْتَمد أَو فِي أواخرها وَرُبمَا أدْرك أول أيّام المعتضد كَانَ جدّه جَابر يخْدم الخصيب صَاحب مصر وَذكره ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق فَقَالَ سمع بِدِمَشْق هِشَام بن عمار وَأَبا حَفْص ابْن عمر بن سعيد وبحمص مُحَمَّد بن مصفّى وبأنطاكية مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سهم وَأحمد بن مرد الْأَنْطَاكِي وبالعراق عفّان بن مُسلم وَعبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَعبد الله بن صَالح الْعجلِيّ ومصعباً الزبيرِي وَأَبا عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَعُثْمَان ابْن أبي شيبَة وَذكر جمَاعَة وروى عَنهُ يحيى ابْن النديم وَأحمد بن عبد الله بن عمّار وَأَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن نعيم ووسوس آخر عمره بشربه البلاذر على غير معرفَة
стр. 1988
وَكَانَ أَحْمد بن يحيى بن جَابر عَالما فَاضلا شَاعِرًا راوية نسّابة متقناً وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير الهجاء بذيء اللِّسَان آخِذا لأعراض النَّاس وَتَنَاول وهب بن سُلَيْمَان ابْن وهب لما ضرط فمزّقه فَمن قَوْله فِيهِ وَكَانَت الضرطة بِحَضْرَة عبيد الله ابْن يحيى بن خاقَان
(أيا ضرطةً حسبت رعدة ... تنوّق فِي سهلها جهده)
(تقدّم وهب بهَا سَابِقًا ... وصلّى أَخُو صاعدٍ بعده)
(لقد هتك الله ستريهما ... كَذَا كلّ من يطعم الفهده)
وَقَالَ فِي عَافِيَة ابْن شبيب
(من رَآهُ فقد رأى ... عَرَبيا مدلّسا)
(لَيْسَ يدْرِي جليسه ... أفسا أم تنفسا)
وَلما أَمر المتوكّل إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي أَن يكْتب فِي أَمر الْخراج كتابا حتّى يَقع أَخذ الْخراج فِي خمسٍ من حزيران فَكتب كتابا مَعْرُوفا وَدخل بِهِ عبيد الله بن يحيى وقرأه وَاسْتَحْسنهُ النَّاس دَاخل البلاذريّ الْحَسَد وَقَالَ فِيهِ خطأ فتدبره إِبْرَاهِيم الصولي وَلم ير فِيهِ شياً فَقَالَ الْخَطَأ لَا يعرى مِنْهُ أحد فيعرفنا الْخَطَأ الَّذِي فِيهِ فَقَالَ لَهُ المتَوَكل قل لنا مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ شَيْء لَا يعرفهُ إِلَّا عَليّ بن يحيى المنجم مُحَمَّد بن مُوسَى وَذَاكَ أَنه أرّخ الشَّهْر الرُّومِي بالليالي وَأَيَّام الرّوم قبل لياليها وإنّما تورّخ الْعَرَب بالليالي لِأَن لياليها قبل أيّامها بِسَبَب الْأَهِلّة فَقَالَ إِبْرَاهِيم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا مَا لَا علم بِهِ وغيّر تَارِيخه قَالَ البلاذري كنت من جلساء المستعين بِاللَّه فقصده الشُّعَرَاء فَقَالَ لست أقبل إلاّ من الَّذِي يَقُول مثل قَول البحتري فِي المتَوَكل)
(فَلَو انّ مشتاقاً تكلّف فَوق مَا ... فِي وَسعه لسعى إِلَيْك الْمِنْبَر)
فَرَجَعت إِلَى دَاري وأتيته فَقلت قلت فِيك أحسن مماّ قَالَ البحتري فِي المتَوَكل فَقَالَ هاته فَأَنْشَدته
(وَلَو أنّ برد الْمُصْطَفى إِذْ لبسته ... يظنّ الْبرد أنّك صَاحبه)
(وَقَالَ وَقد أَعْطيته ولبسته ... نعم هَذِه أعطافه ومناكبه)
فَقَالَ لي ارْجع إِلَى مَنْزِلك وَافْعل مَا آمُرك بِهِ فَرَجَعت فَبعث إليّ سَبْعَة آلَاف دينارٍ وَقَالَ ادّخر هَذِه للحوادث بعدِي وَلَك عليّ الجراية والكفاية مَا دمت حَيا وَقَالَ فِي عبيد الله بن يحيى وَقد صَار إِلَى بَابه فحجبه
(قَالُوا اصطبارك للحجاب مذلّة ... عارٌ عَلَيْك مدى الزَّمَان وَعَابَ)
(فأجبتهم ولكلّ قولٍ صادقٍ ... أَو كاذبٍ عِنْد الْمقَال جَوَاب)
(إِنِّي لأغتفر الْحجاب لماجدٍ ... أمست لَهُ مننٌ عَليّ رغاب)
стр. 1989
(قد يرفع الْمَرْء الئيم حجابه ... ضعةً وَدون الْعرف مِنْهُ حجاب)
وَله من الْكتب كتاب الْبلدَانِ الصَّغِير كتاب الْبلدَانِ الْكَبِير وَلم يتم كتاب جمل نسب الْأَشْرَاف وَهُوَ كِتَابه الْمَعْرُوف الْمَشْهُور بِهِ كتاب الْفتُوح كتاب عهد أردشير تَرْجمهُ بِشعر وَكَانَ أحد النقلَة من الْفَارِسِي إِلَى الْعَرَبِيّ
٣ - (النَّاصِر)
أَحْمد بن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ابْن حسن بن حسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ هُوَ النَّاصِر ابْن الْهَادِي وَسَيَأْتِي ذكر كل وَاحِد من أَبِيه وأجداده فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ولي النَّاصِر هَذَا بعد أَخِيه مُحَمَّد المرتضيوقد تقدم ذكره فِي المحمدينلما مَاتَ أَخُوهُ فِي يَوْم عَاشُورَاء سنة عشْرين وثلاثمائة بصعدة فاستقامت بِهِ دولتهم وَكَانَ من فحول الشُّعَرَاء وَله القصيدة الَّتِي خَاطب بهَا أسعد بن يغْفر التبّعي ملك صنعاء وأولها
(أعاشق هندٍ شف قلبِي المهنّد ... بِهِ أَبْصرت عَيْني الْمَعَالِي تشيّد)
وَمِنْهَا
(إِذا جمعت قحطان أَنْسَاب مجدها ... فَيَكْفِي معدّاً فِي الْمَعَالِي مُحَمَّد)
)
(بِهِ استعبدت أقيالها فِي بلادها ... وَأصْبح فِيهَا خَالق الْخلق يعبد)
(وسرنا لَهَا فِي حَال عسرٍ ووحدة ... فصرنا على كرسيّ صعدة نصعد)
(فَإِن رجعُوا للحقّ قُلْنَا بِأَنَّهُم ... لدين الْهدى وَجه وَمِنْهُم لنا يَد)
(وَلَكِن أَبَوا إِلَّا لجاجاً وَقد رَأَوْا ... بأنّا عَلَيْهِم كلّ حِين نسوّد)
(وَلَا منبرإلاّ لنا فِيهِ خطبةٌ ... وَلَا عقد ملكٍ دُوننَا الدَّهْر بِعقد)
وَتُوفِّي ﵀ سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلاثمائة وَولي بعده المنتجب الْحُسَيْن ابْن أَحْمد
٣ - (ثَعْلَب)
أَحْمد بن يحيى بن سيار أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب الشَّيْبَانِيّ مَوْلَاهُم النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ إِمَام الْكُوفِيّين فِي النَّحْو واللغة والثقة والديانة ولد سنة مِائَتَيْنِ وَمَات سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ رأى أحد عشر خَليفَة أَوَّلهمْ الْمَأْمُون وَآخرهمْ المكتفي وَثقل سَمعه قبل مَوته خلّف أحد وَعشْرين ألف دِرْهَم وَألْفي دِينَار ودكاكين بَاب الشَّام قيمتهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَضاع لَهُ قبل أبي أَحْمد الصَّيْرَفِي ألف دِينَار وردّ مَاله على ابْنَته وَسمع مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي وَمُحَمّد ابْن
стр. 1990
زِيَاد الْأَعرَابِي وَعلي بن الْمُغيرَة الْأَثْرَم وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الحرّاني وَسَلَمَة ابْن عَاصِم وَعبيد الله بن عمر القواريري وَالزُّبَيْر بن بكار وخلقاً كثيرين وروى عَنهُ مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي وَعلي بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة ونفطويه وَأَبُو بكر ابْن الْأَنْبَارِي وَأَبُو عمر الزَّاهِد وَأحمد بن كَامِل القَاضِي وَكَانَ يَقُول سَمِعت من القواريري مائَة ألف حَدِيث قَالَ العجّوزي صرت إِلَى الْمبرد مَعَ الْقَاسِم وَالْحسن ابْني عبيد الله بن سُلَيْمَان ابْن وهب فَقَالَ لي الْقَاسِم سَله عَن شَيْء من الشّعْر فَقلت مَا تَقول أعزّك الله فِي قَول أوسٍ
(وَغَيرهَا عَن وَصلهَا الشيب إِنَّه ... شَفِيع إِلَى بيض الخدود مدرّب)
فَقَالَ بعد تمكّث وتمهّلٍ وتمطّقٍ يُرِيد أَن النِّسَاء أنسن بِهِ فصرن لَا يستترن مِنْهُ ثمَّ صرنا إِلَى أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى فَلَمَّا غص الْمجْلس سَأَلته عَن الْبَيْت فَقَالَ قَالَ ابْن الْأَعرَابِي إِن الْهَاء فِي إِنَّه للشباب وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لأنّه علم والتفتّ إِلَى الْقَاسِم وَالْحسن وَقلت أَيْن صاحبنا من صَاحبكُم وَقَالَ ابْن فَارس كَانَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب لَا يتكلّف الْإِعْرَاب كَانَ يدْخل الْمجْلس فنقوم لَهُ فَيَقُول أقعدوا أقعدوا بِفَتْح الْألف وَقَالَ غَيره كَانَ يقتّر على نَفسه فِي النَّفَقَة وَقَالَ الصولي كنّا عِنْد ثَعْلَب فَقَالَ لَهُ رجل الْمَسْجِد هَذَا)
معروفٌ فَمَا الْمصدر قَالَ مصدره السُّجُود قَالَ فعرّفني مَا لَا يجوز من ذَا فَقَالَ لَا يُقَال مَسْجِد وَضحك وَقَالَ هَذَا يطول إِن وَصفنَا مَا لَا يجوز وإنّما يُوصف الْجَائِز ليدل على أَن غَيره لَا يجوز وَمثل ذَلِك أَن ماسويه وصف لإِنْسَان دَوَاء ثمَّ قَالَ لَهُ كل الفرّوج وشيئاً من الْفَاكِهَة فَقَالَ أُرِيد أَن تُخبرنِي بِالَّذِي لَا آكل فَقَالَ لَا تأكلني وَلَا حماري وَلَا غلامي واجمع كثيرا من الْقَرَاطِيس وبكّر إليّ فَإِن هَذَا يكثر إِن وَصفته لَك وأجرى لَهُ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر لأجل ابْنه طَاهِر فِي كل يَوْم سبع وظائف من الْخبز الخشكار ووظيفة من الْخبز السميد وَسَبْعَة أَرْطَال لحم وعلوفة رَأس وَألف دِرْهَم كل شهر وَأقَام كَذَلِك ثَلَاث عشرَة سنة وَقَرَأَ القطربّلي على أبي الْعَبَّاس بَيت الْأَعْشَى
(فَلَو كنت فِي حبٍّ ثَمَانِينَ قامة ... ورقّيت أَسبَاب السّماء بسلّم)
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس خرب بَيْتك أَرَأَيْت حبّاً قطّ ثَمَانِينَ قامة إنّما هُوَ جبّ وَكَانَ بَين الْمبرد وثعلب منافرات كَثِيرَة فجَاء رجل إِلَى ثَعْلَب فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْعَبَّاس قد هجاك الْمبرد فَقَالَ بِمَاذَا فأنشده
(أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصبّ إِلَى الصبَّ)
(لَو أَخذ النَّحْو عَن الرّبّ ... مَا زَاده إلاّ عمى الْقلب)
فَقَالَ أَنْشدني من أنْشدهُ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء
стр. 1991
(يَشْتمنِي عبد بني مسمعٍ ... فصنت عَنهُ النَّفس والعرضا)
(وَلم أجبه لاحتقاري بِهِ ... من ذَا يعضّ الْكَلْب إِن عضّا)
وَقَالَ بعض أَصْحَابه يرثيه
(مَاتَ ابْن يحيى فَمَاتَتْ دولة الْأَدَب ... وَمَات أَحْمد أنحى الْعَجم وَالْعرب)
(فَإِن تولّى أَبُو الْعَبَّاس مفتقداً ... فَلم يمت ذكره فِي النَّاس والكتب)
قَالَ أَبُو بكر ابْن مُجَاهِد المقرىء قَالَ لي ثَعْلَب يَا با بكر اشْتغل أَصْحَاب الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ فازوا واشتغل أَصْحَاب الْفِقْه ففازوا واشتغل أَصْحَاب الحَدِيث بِالْحَدِيثِ ففازوا واشتغلت أَنا بزيد وَعَمْرو فليت شعري مَاذَا يكون حَالي فِي الْآخِرَة فَانْصَرَفت من عِنْده فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَة فِي الْمَنَام فَقَالَ لي أقرىء أَبَا الْعَبَّاس عنّي السَّلَام وَقل لَهُ أَنْت أَصْحَاب الْعلم المستطيل وَقَالَ أَبُو عمر الْمُطَرز كنت فِي مجْلِس أبي الْعَبَّاس ثَعْلَب فَسَأَلَهُ سَائل عَن)
شَيْء فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ أَتَقول لَا أَدْرِي وَإِلَيْك تضرب أكباد الْإِبِل وَإِلَيْك الرحلة من كل بلد فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس لَو كَانَ لأمك بِعَدَد لَا أَدْرِي بعرٌ لاستغنت وَله من الْكتب المصون فِي النَّحْو جعله حدوداً اخْتِلَاف النَّحْوِيين مَعَاني الْقُرْآن كتاب فِي النَّحْو سَمَّاهُ الموفقي مَعَاني الشّعْر التصغير مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف مَا يجْرِي وَمَا لَا يجْرِي الشواذّ الْوَقْف والابتداء الهجاء اسْتِخْرَاج الْأَلْفَاظ من الْأَخْبَار الْأَوْسَط غَرِيب الْقُرْآن لطيف الْمسَائِل حدّ النَّحْو تَفْسِير كَلَامه ابْنه الخسّ الفصيح وَذكر أَن الفصيح تصنيف الْحسن بن دَاوُد الرّقيّ وادعاه ثَعْلَب وَقيل ليعقوب بن السّكيت وَقد تقدّم ذَلِك وَسُئِلَ عَن قَوْلهم لَا أُكَلِّمك أصلا قَالَ مَعْنَاهُ أقطع ذَلِك من أَصله
٣ - (أَبُو المظفر الزُّهْرِيّ الشَّافِعِي)
أَحْمد بن يحيى بن عبد الْبَاقِي بن عبد الْوَاحِد الزّهري أَبُو المظفر الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن سَعْدَان كَانَ معيداً بالنّظامية سمع أَبَا الْمَعَالِي ثَابت بن بنْدَار الْبَقَّال وَعلي بن أَحْمد بن بَيَان الرزّاز وحدّث باليسير مولده سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة
٣ - (أَخُوهُ أَبُو الْفَضَائِل)
أَحْمد بن يحيى بن عبد الْبَاقِي الزُّهْرِيّ أَخُو الْمَذْكُور أَولا أَبُو الْفَضَائِل وهما سبطا الْحُسَيْن بن عَليّ الحبال وبإفادته سمعا وَكَانَ الآخر معيداً بالنظامية وَأَبُو الْفَضَائِل هَذَا كَانَ يعظ فِي بعض الْأَوْقَات ثمَّ انْقَطع برباط بهروز مُدَّة سمع أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن العلاف وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن الْمُهْتَدي وَحدث باليسير ومولده سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 1992
٣ - (أَبُو الْحسن ابْن المنجم)
أَحْمد بن يحيى بن عَليّ ابْن أبي مَنْصُور المنجم أَبُو الْحسن كَانَ أديباً شَاعِرًا فَاضلا أحد رُؤَسَاء زَمَانه فِي علم الْكَلَام وَعلم الدّين والافتنان فِي الْآدَاب مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة مَاتَ عَن نَيف وَسبعين سنة وَله أَخْبَار مَعَ الراضي فِي منادمته إِيَّاه وَكَانَ أَبوهُ يحيى بن عَليّ صنّف كتابا فِي أَخْبَار الشُّعَرَاء المخضرمين فأتمه ابْنه هَذَا وَله من الْكتب أَخْبَار باهلة ونسبهم وَالْإِجْمَاع فِي الْفِقْه على مَذْهَب ابْن جرير الطَّبَرِيّ وَكَانَ يرى رَأْيه كتاب الْمدْخل إِلَى مَذْهَب الطَّبَرِيّ ونصرة مذْهبه كتاب الْأَوْقَات
وَأَبوهُ الْحسن هَذَا هُوَ الْقَائِل قيمًا رَوَاهُ المرزباني)
(يَا سيداً قد رَاح فر ... داً مَا لَهُ فِي الْفضل توأم)
(عمّرت أطول مدةٍ ... تزداد تمكيناً وتسلم)
(فِي صفو عَيْش لَا تزا ... ل بِهِ العدى تقذى وترغم)
(مَا زلت فِي كل الأمو ... ر موفّقاً للخير ملهم)
(بك إِن تذوكرت الأيا ... دي يبتدا فِيهَا وَيخْتم)
٣ - (ابْن مهَاجر)
أَحْمد بن يحيى بن الْوَزير بن سُلَيْمَان بن مهَاجر كَانَ فَقِيها من جلساء ابْن وهب وَكَانَ عَالما بالشعر وَالْأَدب وَالْأَخْبَار والأنساب وَأَيَّام النَّاس مولده سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَمَات فِي حبس ابْن الْمُدبر صَاحب الْخراج بِمصْر لخراج كَانَ عَلَيْهِ وَدفن يَوْم الْأَحَد لاثْنَتَيْنِ وَعشْرين لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أهل مصر ذكره ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر
٣ - (أَبُو الْحسن المنبجي)
أَحْمد بن يحيى بن سهل بن السّري الطَّائِي أَبُو الْحسن المنبجي الشَّاهِد المقرىء النَّحْوِيّ الأطروش ذكره ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخ دمشق وَكَانَ وَكيلا فِي الْجَامِع وَمَات سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة روى عَن أبي عبد الله ابْن مَرْوَان وَأحمد بن فَارس الأديب المنبجي وَأبي الْحسن نظيف بن عبد الله المقرىء وَكَانَ صَدُوق فِي الحَدِيث توفّي سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة
стр. 1993
٣ - (الْأَشْقَر الْمُتَكَلّم)
أَحْمد بن يحيى أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي الْأَشْقَر شيخ أهل الْكَلَام فِي عصره بنيسابور صَدُوق فِي الحَدِيث توفّي سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة
٣ - (القَاضِي الْجِرْجَانِيّ)
أَحْمد بن يحيى الْجِرْجَانِيّ كَانَ قَاضِيا بجرجان وَكَانَ مولّى لِرَبِيعَة نزل الْكُوفَة ذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَقَالَ يهجو سعيد بن سلم
(وَإِن من غَايَة حرص الْفَتى ... أَن يطْلب الْمَعْرُوف من باهله)
(كَبِيرهمْ وغدٌ ومولودهم ... تلعنه من قبحه القابله)
)
٣ - (الْمُغنِي)
أَحْمد بن يحيى الْمَكِّيّ كَانَ من المغنين الْمُحْسِنِينَ والرواة المعروفين مقدما فِي الضَّرْب عَالما بِتَصَرُّف الأوتار حسن الصَّوْت قوي الطَّبْع وَكَانَ أحد إخْوَان الْموصِلِي وخواصه على أهل الْعلم بالصنعة والتقدم فِي الرِّوَايَة قَالَ لَهُ المعتصم يَوْمًا وَهُوَ بقصر الجص والمغنون كلّهم حُضُور غنّي صَوتا لَا يعرفهُ أحد من هَؤُلَاءِ فغناه
(لعن الله من يلوم محباً ... ولحا كلّ من يحبّ فيابى)
(كم أليفين ضمّنا الحبّ دهراً ... فَعَفَا الله عَنْهُمَا ثمَّ تابا)
فَقَالَ أَحْسَنت وَالله وَأمر لَهُ بألفي دِينَار
٣ - (ابْن العديم قَاضِي حلب)
أَحْمد بن زُهَيْر أَبُو الْحسن ابْن أبي جَرَادَة هُوَ أول من ولي الْقَضَاء بحلب من هَذَا الْبَيْت سمع الحَدِيث وَرَوَاهُ وَقَرَأَ الْفِقْه على أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد السّمناني يومئذٍ قَاضِي حلب توفّي بعد سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَمن شعره فِيمَا أَظن
(أَنا ابْن مستنبط القضايا ... وموضح المشكلات حلاّ)
(وَابْن المحاريب لم تعطّل ... من الْكتاب الْعَزِيز يُتْلَى)
(وَفَارِس الْمِنْبَر استكانت ... عيدانه من حجاه ثقلا)
٣ - (قَاضِي الْقُضَاة ابْن سني الدولة صدر الدّين)
أَحْمد بن يحيى بن هبة الله بن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن صَدَقَة ابْن الْخياط قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين أَبُو الْعَبَّاس ابْن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أبي البركات التغلبي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي ابْن سني الدولة ولد سنة تسعين وَخَمْسمِائة وَسمع من جمَاعَة وروى عَنهُ الدمياطي وَابْن الخباز وَالْقَاضِي تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان وَجَمَاعَة وبرع فِي الْفِقْه وتفقه على أَبِيه وعَلى فَخر الدّين ابْن عَسَاكِر وَقَرَأَ الْخلاف على الصَّدْر
стр. 1994
البغداذي وَلم ير أحد نَشأ فِي صِيَانة وديانة مثله نَاب فِي الْقَضَاء عَن أَبِيه وَكَانَ سني الدولة الْحسن بن يحيى من كتاب الْإِنْشَاء لصَاحب دمشق قبل نور الدّين لَهُ ثروة وحشمة وقف على ذُريَّته أوقافاً وَهُوَ ابْن أخي أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْخياط الشَّاعِر الْمَشْهُور وَكَانَ صدر الدّين مشكور السِّيرَة فِي الْقَضَاء وَولي وكَالَة بَيت المَال ثمَّ نَاب فِي الْقَضَاء ثمَّ اسْتَقل بِهِ مُدَّة ودرّس بالإقبالية والجاروخية وَلما أَخذ هولاكو الشَّام سَافر ابْن)
سني الدولة ومحيي الدّين ابْن الزكي إِلَى حلب فَكَانَ ابْن الزكي أحذق مِنْهُ وأفره فِي الدُّخُول على التتار فولّوه قَضَاء الْقُضَاة وَرجع ابْن سني الدولة بخفي حنين فَلَمَّا وصل إِلَى حماة مرض وَحمل إِلَى بعلبك فِي محفة وَمَات بعد يَوْمَيْنِ سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَكَانَ النَّاصِر يُوسُف صَاحب الشَّام يحبّه ويثني عَلَيْهِ
٣ - (عَلَاء الدّين ابْن الزكي)
أَحْمد بن يحيى القَاضِي عَلَاء الدّين ابْن قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين ابْن الزكي الْقرشِي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي رَئِيس فَاضل أديب كتب الْإِنْشَاء مُدَّة ودرّس بالعزيزية والتقوية وَحدث عَن أبي بكر ابْن الخازن ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وناب فِي الْقَضَاء عَن أَبِيه وَسمع ببغداذ من أبي جَعْفَر السيّدي وَابْن المنّي وَغير وَاحِد وَتُوفِّي سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة
٣ - (الشَّيْخ أميرك الْكَاتِب)
أَحْمد بن يحيى بن سَلمَة أَبُو عبد الرَّحْمَن الشَّيْخ أميرك الْكَاتِب أَخُو الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن يحيى الْكَاتِب النَّيْسَابُورِي وَكِلَاهُمَا مَذْكُور فِي دمية الْقصر وَلأبي عبد الرَّحْمَن هَذَا ولد اسْمه الْحسن فَاضل أَيْضا وَكَانَ الشَّيْخ أميرك فِي ديوَان رسائل عميد الحضرة مؤيد الْملك وَمن شعر أميرك مَا كتبه إِلَى الباخرزي
(أَبَا قاسمٍ يَا كريم الْخِصَال ... سمىّ الوصيّ عديم الْمِثَال)
(رزقت العلوّ وَفَوق العلوّ ... ونلت الْكَمَال وَفَوق الْكَمَال)
(فَلَا زلت تعلو علوّ السّها ... وَلَا زلت تبقى بَقَاء الْجبَال)
(وأبقاك رَبِّي بَقَاء الزَّمَان ... ووقّى كمالك عين الْكَمَال)
٣ - (نَاصِر الدّين خطيب العقيبة)
أَحْمد بن يحيى بن عبد السَّلَام نَاصِر الدّين خطيب العقيبة توفّي ﵀ فِي سنة تسع وَسَبْعمائة
٣ - (شهَاب الدّين ابْن جهبل)
أَحْمد بن يحيى بن إِسْمَاعِيل بن طَاهِر بن نصر بن جهبل
стр. 1995
الْعَلامَة الْمُفْتِي شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس بن الشَّيْخ الإِمَام تَاج الدّين الْحلَبِي ثمَّ الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي مولده سنة سبعين وسِتمِائَة
سمع من الْفَخر عَليّ وَابْن الزين والفاروثي واشتغل على ابْن الْمَقْدِسِي وَابْن الْوَكِيل وَابْن)
النَّقِيب وَولي تدريس الصلاحية بالقدس مُدَّة وَأفْتى واشتغل ثمَّ تَركهَا وَسكن دمشق وَحج غير مرّة ثمَّ ولي مشيخة الظَّاهِرِيَّة وتدريس الباذرائية بعد الشَّيْخ برهَان الدّين وَله محَاسِن وَمَكَارِم وفضائل وَخير وَعبد وبسطة فِي الْفُرُوع وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة
٣ - (القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله)
أَحْمد بن يحين بن فضل الله بن المجلي دعجان بن خلف ابْن أبي الْفضل نصر بن مَنْصُور بن عبيد الله بن عدي بن مُحَمَّد ابْن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله ابْن أبي بكر بن عبيد الله الصَّالح ابْن أبي سَلمَة عبد الله بن عبي الله بن عبد الله ابْن عمر بن الْخطاب القَاضِي شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس ابْن القَاضِي أبي الْمَعَالِي محيي الدّين الْقرشِي الْعَدوي الْعمريّ هُوَ الإِمَام الْفَاضِل البليغ المفوّه الْحَافِظ حجَّة الْكتاب إِمَام أهل الْآدَاب أحد رجالات الزَّمَان كِتَابَة وترسُّلاً وتوصُّلاً إِلَى غايات الْمَعَالِي وتوسُّلاً وإقداماً عل الْأسود فِي غابها وإرغاماً لأعاديه بِمَنْع رغابها يتوقد ذكاء وفطنة ويتلهب ويحدر سيله ذاكرة وحفظاً ويتصبب ويتدفَّق بحره بالجواهر كلَاما ويتألق إنشاؤه بالبوارق المتسرّعة نظاماً ويقطر كَلَام فصاحة وبلاغة وتندى عِبَارَته انسجاماً وصياغة وَينظر إِلَى غيب الْمعَانِي من ستر رَقِيق ويغوص فِي لجة الْبَيَان فيظفر بكبار الدُّرِّ من الْبَحْر العميق اسْتَوَت بديهته وارتجاله وَتَأَخر عَن فروسيته من هَذَا الْفَنّ رِجَاله يكْتب من رَأس قلمه بديهاً مَا يعجز تروِّي القَاضِي الْفَاضِل أَن يدانيه تَشْبِيها وينظم من الْمَقْطُوع وَالْقَصِيدَة جوهراً مَا يخجل الرَّوْض الَّذِي باكره الحيا مزهراً صرَّف الزَّمَان أمرا ونهياً ودبر الممالك تنفيذاً ورأياً وصل الأرزاق بقلمه وَرويت تواقيعه وَهِي إسجالات حكمه وَحكمه لَا أرى أَن اسْم الْكَاتِب يصدق على غَيره وَلَا يُطلق على سواهُ لَا يعْمل القَوْل المكرر مِنْهُ والرأي المردد ظن يُصِيب بِهِ الغيوب إِذا توخّى أَو تعمَّد مثل الحسام إِذا تألق والشهاب إِذا توقد كالسيف يقطع وَهُوَ مسلول ويرهب حِين يغمد وَلَا أعتقد أَن بَينه وَبَين القَاضِي الْفَاضِل من جَاءَ مثله على أَنه قد جَاءَ مثل تَاج الدّين ابْن الْأَثِير ومحيي الدّين ابْن عبد الظَّاهِر وشهاب الدّين مَحْمُود وَكَمَال الدّين ابْن العطّار وَغَيرهم)
هَذَا إِلَى مَا فِيهِ من لطف أَخْلَاق وسعة صدر وَبشر محيا رزقه الله أَرْبَعَة أَشْيَاء لم أرها اجْتمعت فِي
стр. 1996
غَيره وَهِي الحافظة قلَّما طالع شَيْئا إِلَّا وَكَانَ مستحضراً لأكثره والذاكرة الَّتِي إِذا أَرَادَ ذكرى شَيْء من زمن مُتَقَدم كَانَ ذَلِك حَاضرا كَأَنَّهُ إِنَّمَا مرَّ بِهِ بالْأَمْس والذكاء الَّذِي تسلط لَهُ على مَا أَرَادَ وَحسن القريحة فِي النّظم والنثر أمّا نثره فلعلّه فِي ذروةٍ كَانَ أوج الْفَاضِل لَهَا حضيضاً وَلَا أرى أحدا فِيهِ جودة وَسُرْعَة عمل لما يحاوله فِي أَي معنى أَرَادَ وَأي مقَام توخاه وَأما نظمه فلعلّه لَا يلْحقهُ فِيهِ إلاّ الْأَفْرَاد
وأضاف الله تَعَالَى لَهُ إِلَى ذَلِك كُله حسن الذَّوْق الَّذِي هُوَ الْعُمْدَة فِي كل فن وَهُوَ أحد الأدباء الكملة الَّذين رَأَيْتهمْ وأعني بالكملة الَّذين رَأَيْتهمْ وأعني بالكملة الَّذين يقومُونَ بالأدب علما وَعَملا فِي النّظم والنثر وَمَعْرِفَة بتراجم أهل عصرهم وَمن تقدمهم على اخْتِلَاف طَبَقَات لناس وبخطوط الأفاضل وأشياخ الْكِتَابَة ثمَّ إِنَّه يُشَارك من رَأَيْته من الكملة فِي أَشْيَاء وينفرد عَنهُ بأَشْيَاء بلغ فِيهَا الْغَايَة وقصَّر ذَلِك عَن شأوه لِأَنَّهُ جوَّد فنَّ الْإِنْشَاء النثر وَهُوَ فِيهِ آيَة وَالنّظم وساير فنونه والترسل البارع عَن الْمُلُوك وَلم أر من يعرف تواريخ مُلُوك الْمغل من لدن جنكزخان وهلم وجرّاً مَعْرفَته وَكَذَلِكَ مُلُوك الْهِنْد الأتراك وأمّا معرفَة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع الْبلدَانِ وخواصها فَإِنَّهُ فِيهَا إِمَام وقته وَكَذَلِكَ معرفَة الاسطرلاب وَحل التَّقْوِيم وصور الْكَوَاكِب وَقد أذن لَهُ العالمة الشَّيْخ شمس الدّين الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْإِفْتَاء على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ فَهُوَ حِينَئِذٍ أكمل الَّذين رَأَيْتهمْ وَلَقَد استطرد الْكَلَام يَوْمًا إِلَى ذكر الْقُضَاة فسرد الْقُضَاة الْأَرْبَعَة الَّذين عاصرهم شاماً ومصراً وألقابهم وأسماءهم وعلامة كلِّ قَاض مِنْهُم حَتَّى إِنِّي مَا كدت أَقْْضِي الْعجب مِمَّا رَأَيْت مِنْهُ وَاتفقَ يَوْمًا آخر أَنه احتجت إِلَى كِتَابَة صدَاق لبِنْت شمس الدّين ابْن الشِّيرَازِيّ فَذكر على الْفَوْر اسْمهَا وَاسم أَبِيهَا وسرد نسبه فَجئْت إِلَى الْبَيْت وراجعت تعاليقي ومسوَّداتي فَكَانَ الْأَمر كَمَا ذكر لم يخلّ باسم وَلَا لقب وَلَا كنية ولد بِدِمَشْق ثَالِث شَوَّال سنة سَبْعمِائة وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم عَرَفَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة قَرَأَ الْعَرَبيَّة أَولا على الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن قَاضِي شُهْبَة ثمَّ قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن مُسلم وَالْفِقْه على قَاضِي الْقُضَاة شهَاب الدّين ابْن الْمجد عبد الله وعَلى الشَّيْخ برهَان الدّين قَلِيلا وَقَرَأَ الْأَحْكَام الصُّغْرَى على الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية وَالْعرُوض وَالْأَدب على الشَّيْخ شمس الدّين الصايغ وعلاء الدّين الوداعي وَقَرَأَ جملَة من الْمعَانِي وَالْبَيَان)
على الْعَلامَة شَاب الدّين مَحْمُود وَقَرَأَ عَلَيْهِ جملَة من الدَّوَاوِين وَكتب الْأَدَب
وَقَرَأَ بعض شَيْء من الْعرُوض على الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني وَالْأُصُول على الشَّيْخ شمس الدّين الْأَصْبَهَانِيّ وَأخذ اللُّغَة عَن الشَّيْخ أثير الدّين سمع عَلَيْهِ الفصيح والأشعار السِّتَّة والدريديَّة وَأكْثر ديوَان أبي تَمام وَغير ذَلِك وَسمع بِدِمَشْق من الحجار وست الوزراء وَابْن أبي الْفَتْح والحجاز ومصر والإسكندرية وبلاد الشَّام وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة وصنف فواضل السّمر فِي فَضَائِل آل عمر أَربع مجلدات وَكتاب مسالك الْأَبْصَار فِي عشرَة كبار وَهُوَ كتاب حافل مَا أعلم أَن لأحد مثله والدعوة المستجابة مُجَلد وصبابة
стр. 1997
المشتاق ديوَان كَامِل فِي المدائح النَّبَوِيَّة
وسفرة السفرة ودمعة الباكي ويقظة الساهر وقرأتهما عَلَيْهِ ونفخة الرَّوْض وَغير ذَلِك ونظم كثيرا من القصائد والأراجيز والمقطعات والدوبيت والموشح والبلّيق والزجل وَأَنْشَأَ كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع ومكاتبات الْمُلُوك وَغير ذَلِك وَسمعت من لَفظه غَالب مَا أنشاه وَكتب قدامي كثيرا من التواقيع الحفلة من رَأس الْقَلَم وترسلّ كثيرا وَأَنا أرَاهُ من رَأس الْقَلَم عَن الدولة وَعَن نَفسه إِلَى إخونه فَيَأْتِي بِمَا يبهر الْعُقُول لم أر لأحد قدرته على ذَلِك كتبت إِلَيْهِ ملغزاً فِي نجمٍ
(يَا سيداً أقلامه لم تزل ... تهدي لآلي النّظم والنثر)
(قل لي مَا اسْم لم يزل قلبه ... معذّباً بالبيض والسّمر)
(وَكله فِي الأَرْض أَو فِي السما ... وَثلثه يسبح فِي الْبَحْر)
فَكتب الْجَواب عَن ذَلِك
(دمت خليلي سَائِر الذّكر ... مثل الَّذِي ألغزت فِي الْقدر)
(بعثتها نجميّةً قد حلت ... لَكِنَّهَا من سكّر الشُّكْر)
(تطلع بِالنَّجْمِ فَأَما الَّذِي ... فِي مطمح الزهر أَو الزّهر)
(عجبت مِنْهُ كَيفَ شقّ الدجى ... وَمَا أَتَى إِلَّا مَعَ الْفجْر)
(من صَنْعَة البرّ ولكنّه ... قد جَاءَنِي رَاحَة الْبَحْر)
(أأقسمت مِنْهُ قسما بَالغا ... بِالْفَجْرِ وَاللَّيْل إِذا يسر)
(لقد أغرت الغيد إِذْ لم تَجِد ... شبيهه فِي الْجيد والثغر)
(بِعقد درٍ مَا لَهُ قيمةٌ ... يَا حسنه للكوكب الدرّي)
)
(مسهّدٌ تذكى لَهُ مقلة ... مَقْلُوبَة كالنظر الشّزر)
(وَهُوَ إِذا حققت تَعْرِيفه ... عرفت مِنْهُ منزل الْبَدْر)
(بِوَاحِد عدّوا لَهُ سَبْعَة ... تقيس ذيل اللَّيْل بالشّبر)
(فاعذر أخي الْيَوْم إِن قصّرت ... بديهتي وَاقْبَلْ لَهَا عُذْري)
(فَلَيْسَ بالألغاز لي عَادَة ... وَلَا غزا فِي جيشها فكري)
وكتبت إِلَيْهِ مَعَ ضحايا
(أيا سيداً أَرْجُو دوَام ظلاله ... علينا وَأَن يُمْسِي بخيرٍ كَمَا يُضحي)
(وحقك مَا هذي ضحايا بعثتها ... ولكنني سقت الأعادي إِلَى الذّبْح)
فَكتب الْجَواب عَن ذَلِك
(أَتَتْنِي ضحاياك الَّتِي قد بعثتها ... لتصبح كالأعداء فِي بكرَة الْأَضْحَى)
стр. 1998
(وحقّك أعدانا كلاب جَمِيعهم ... وحاشاك لَا تجزي الْكلاب لمن ضحّى)
وَكتب إلّي ملغزاً فِي زبيدة
(أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي حَاز فضلا ... مَا عَلَيْهِ لمثله من مزِيد)
(قد تدانى عبد الرَّحِيم إِلَيْهِ ... وتناءى لَدَيْهِ عبد الحميد)
(أيُّ شَيْء سمي بِهِ ذَات خدر ... تائهٍ بالإماء أَو بالعبيد)
(هُوَ وصف لذات سترٍ مصونٍ ... وَهِي لم تخف فِي جَمِيع الْوُجُود)
(مذ مضى حينها بهَا لَيْسَ تَأتي ... وَهِي تَأتي مَعَ الرّبيع الْجَدِيد)
(وَهُوَ مِمَّا يبشر النَّاس طرا ... مِنْهُ مأتى وَكَثْرَة فِي العديد)
(وحليم أَرَادَهُ لَا لذاتٍ ... بل لشيءٍ سواهُ فِي الْمَقْصُود)
(ذَاك شيءٌ من ارتجاه سيفهٌ ... وَهُوَ شيءٌ مخصّصٌ بالرشيد)
فَكتبت الْجَواب إِلَيْهِ
(يَا فريداً أَلْفَاظه كالفريد ... ومجيداً قد فاق عبد الْمجِيد)
(وَإِمَام الْأَنَام فِي كل علمٍ ... وشريكاً فِي الْفضل للتوحيدي)
علم الْعَالمُونَ فضلك بِالْعلمِ وَقَالَ الْجُهَّال بالتقليد
(من تمنى بِأَن يرى لَك شبها ... رام نقضا بِالْجَهْلِ حكم الْوُجُود)
)
(طَال قدري على السماكين لما ... جَاءَنِي مِنْك عقد دُرٍّ نضيد)
(شابه الدّرّ فِي النظام وَلما ... شابه السحر شَاب رَأس الْوَلِيد)
(هُوَ لغزٌ فِي ذَات خدرٍ منيع ... نزلت فِي العلى بقصر مشيد)
(هِيَ أم الْأمين ذَات الْمَعَالِي ... من بني هَاشم ذَوي التأييد)
(أَنْت كنت الْهَادِي لمعناه حَقًا ... حِين لوحت لي بِذكر الرشيد)
(دمت تهدي إِلَيّ كل عجيبٍ ... مَا عَلَيْهِ فِي حسنه من مزِيد)
وَقَالَ يَوْمًا وَنحن بَين يَدَيْهِ جمَاعَة أجيزوا المصراع الثَّانِي من الْبَيْت الأول
(وخدًّ فَوْقه صدغ ... فمحمرٌّ ومخضر)
(ومبيضٌّ ومسودٌّ ... فمحمر ومخضر)
فَقلت أَنا فِي الْحَال وَفرق زانه جعد فأعجبه ذَلِك كثيرا وَكتب إِلَيّ وَقد تَوَاتَرَتْ الأمطار والثلوج والرعود والبروق ودام ذَلِك أَيَّامًا مَا عهد النَّاس مثلهَا كَيفَ أصبح مَوْلَانَا هَذَا الشتَاء الَّذِي أقبل يرعب مقدمه ويرهب
стр. 1999
تقدمه ويريب اللبيب من برقه المومض تبسمه وَكَيف حَاله مَعَ رعوده الصارخة ورياحه النافخة ووجوه أَيَّامه الكالحة وسرر لياليه الَّتِي لَا تبيت بليلةٍ مِنْهَا صَالِحَة وسحابه وأمواجه وجليده وَالْمَشْي فَوق زجاجه وتراكم مطره الأنيث وتطاول فرع ليله الأثيث ومواقده الممقوتة وذوائب جمره وأهوان بِهِ وَلَو ان كلّ حَمْرَاء ياقوتة وتحدر نوئه المتصبب وتحير نجمه المتصيب وَكَيف هُوَ مَعَ جَيْشه الَّذِي مَا أطل حَتَّى مدّ مضَارب غمامه وظلّل الجو بِمثل أَجْنِحَة الفواخت من أَعْلَامه هَذَا على أَنه عرى الْأَبْنِيَة وحلّل مِمَّا تلف فِي دَمه سالف الأستية فَلَقَد جَاءَ من الْبرد بِمَا رضّ الْعِظَام وأنخرها ودقّ فخّارات الْأَجْسَام وفخّرها وجمد فِي الْفَم الرِّيق وَعقد اللِّسَان إِلَّا أَنه لِسَان المنطيق ويبّس الْأَصَابِع حَتَّى كَادَت أَغْصَانهَا توقد حطبا وَقيد الأرجل فَلَا تمشي إلاّ تتَوَقَّع عطبا وأتى الزَّمْهَرِير بِجُنُود مَا للقوي بهَا قبل وحمّل الْأَجْسَام من ثقل الثِّيَاب مَا لَا يعْصم مِنْهُ من قَالَ سآوي إِلَى جبلٍ ومدّ من السَّيْل مَا استبكى الْعُيُون إِذا جرى واجتحف مَا أَتَى وَأول مَا بَدَأَ الدمع بالكرى فَكيف أَنْت يَا سَيِّدي فِي هَذِه الْأَحْوَال وَكَيف أَنْت فِي مقاساة هَذِه الْأَهْوَال وَكَيف ترأيت مِنْهَا مَا شيّب بثلجه نواصي الْجبَال وَجَاء بالبحر فتلقف ثعبانه مَا ألقته هراوات البروق من عصّيٍ وخيوط السحب من حبال أما نَحن فَبين أمواج من السحب تزدحم وَفِي)
رَأس جبل لَا يعْصم فِيهِ من المَاء إِلَّا من رحم وَكَيف سيدنَا مَعَ مجامر كانون وشرار برقها القادح وهمّ وقدها الفادح وقوس قزحها التلون ردّ الله عَلَيْهِ صوائب سهامه وبدّل مِنْهُ بوشائع حلل الرّبيع ونضارة أَيَّامه وَجعل حظّ مَوْلَانَا من لوافحه مَا يذكيه ذهنه من ضرامه وَمن سوافحه مَا يؤكده فكره من نوامه وعوضنا وإياه بالصيف وَالله يتَقَبَّل وأراحنا من هَذَا الشتَاء ومشي غمامه المتبختر بكمّه المسبل
فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب عَن ذَلِك وَهُوَ وَيُنْهِي وُرُود هَذِه الرقعة الَّتِي هِيَ طراز فِي حلَّة الدَّهْر وحديقة ذكّرت بِزَمن الرّبيع وَمَا تهديه أَيَّامه من الزهر فَوقف مِنْهَا على الرَّوْض الَّذِي تهدلت فروع غصونه بالأثمار وَنظر مِنْهَا إِلَى الْأُفق الَّذِي كواكبه شموس وأقمار فأنشأت لَهُ أطرابه وأعلمته أَن قلم مَوْلَانَا يفعل بالألباب مَا لَا تَفْعَلهُ نَغمَة الشبّابة وأرشفته سلافاً كئوسها الْحُرُوف وكل نقطة حبابة وَشَاهد أَوْصَاف هَذِه الْأَيَّام الْمُبَارَكَة الْقدوم الْمُتَّصِلَة الظلام فَلَا أوحش الله من طلعة الشَّمْس وحاجب الْهلَال وعيون النُّجُوم فَمَا لنا ولهذه السحائب السحّابة والغمائم السكابة والرعود الصخابة والبروق اللهابة والثلوج الَّتِي أَصبَحت بحصبائها حصّابة وَالْبرد الَّذِي أمست إبرة لغصون الْجُلُود قطابة والزميتا الَّتِي لَا تروى عَن أبي ذَر إلاّ ويروى الْغَيْب عَن أبي قلَابَة كلما أَقبلت فَحْمَة ظلام قدحت فِيهَا البوارق جمرتها وَكلما جَاءَت سَحَابَة كحلاء الجفون رجعت مدها لما أسبلت من عبرتها فَمَا هَذَا شهر طوبة إِن هَذَا إِلَّا جبل ثهلان وَمَا هَذَا كانون إِن إِلَّا تنور الطوفان فَإلَى مَتى قطن هَذِه الثلوج يطْرَح على جباب الْجبَال وَإِلَى مَتى تفاض دلاص الْأَنْهَار وترشقها قَوس قزَح بالنبال وَإِلَى مَتى يشق السَّحَاب مَا لَهَا من الْحلَل والحبر وَإِلَى مَتى ترسل خيوط المزن من الجو وَفِي أطرافها على الغدران إبر وَإِلَى مَتى تجمد عُيُون الْغَمَام وتكحلها البروق بالنَّار وَإِلَى مَتى نثار هَذِه الْفضة وَمَا يرى من النُّجُوم دِينَار وَإِلَى مَتى نَحن على
стр. 2000
النَّار حنوّ المرضعات على الفطيم وَإِلَى مَتى تبْكي المزاريب بكاء الْأَوْلِيَاء بِغَيْر حزن إِذا استولوا على مَال الْيَتِيم وَإِلَى مَتى هَذَا الْبَرْق تتلوى بطُون حَيَاته وتنقلب حماليق الْعُيُون المحمرّة من أسود غاباته وَإِلَى مَتى يزمجر عتب هَذِه الرِّيَاح الْعَاصِفَة وَإِلَى مَتى يُرْسل الزَّمْهَرِير أعواناً تصبح حلاوة الْوُجُوه بهَا تالفة أَتَرَى هَذِه الأمطار تقلب بالأزيار أم هَذِه المواليد تَنْتَهِي فِيهَا الْأَعْمَار كم من جليد يذوب لَهُ قلب الجليد وَيرى زجاجه الشفاف أَصْلَب من الْحَدِيد ووحل لَا تمشي هُرَيْرَة فِيهِ الوحى وبردٍ لَا)
تنتطق فِيهِ نؤوم الضُّحَى اللهّم حوالينا وَلَا علينا لقد أضجرنا تراكم الثِّيَاب ومقاساة مَا لهَذِهِ الرَّحْمَة من الْعَذَاب وانجماع كلٍّ عَن إلفه واغلاق بَاب القباب وتخلّل الصباب زَوَايَا الْبيُوت فالأطفال ضباب الضّباب كل ضبًّ مِنْهُم قد ألف بَاطِن نافقائه وَقدم بَين يَدَيْهِ الْمَوْت بداية بدائه قد حسد على النَّار من أَمْسَى مذنباً وَأصْبح عَاصِيا وَتمنى أَن يرى من فواكه الجنات عناباً وقراصيا فَإِن كَانَت هَذِه الأمطار تكاثر فَضَائِل مَوْلَانَا فيا طول مَا تسفح وَإِن كَانَت العواصف تتشبه ببأسه فيا طول مَا تلفح وَإِن كَانَت البروق تحاكي ذهنه المتسرع فيا طول مَا تتألق وَإِن كَانَت الرعود تحاكي جوانح أعدائه فيا طول مَا تشهق وتفهق وَإِن كَانَت السُّيُول تجْرِي وَرَاء جوده فَإِنَّهَا تجْرِي طول المدى وَمَا تلْحق وَالْأولَى بِهَذَا النوء الباكي أَن لَا يحاكي والأليق بِهَذَا الْفَصْل الْمُبْغض أَن لَا يتَعَرَّض فرحم الله من عرف قدره وَتحقّق أَن مَوْلَانَا فِي الْجُود ندره
فَأَجَابَنِي عَن هَذِه الرسَالَة برسالة أُخْرَى وَهِي ووقف عَلَيْهِ وتيمن بِمُجَرَّد إقباله عَلَيْهِ وقبّله لقرب عَهده بيدَيْهِ وعدّه لجلاء المره وأمرّه على عَيْنَيْهِ وشكره وَإِن لم تزل حقائب الشُّكْر محطوطة لَدَيْهِ لَا برح السهد من جنى رِيقه المعلّل والطرب بكأس رحيقه المحلّل والتيه وحاشاه مِنْهُ فِي سلوك طَرِيقه الْمُذَلل والسحاب لَا يطير إِلَّا بجناح نعمائه المبلّل وَالرَّوْض لَا يبرز إِلَّا فِي ثوب تزخرفه المجلل والبرق لَا يَهْتَز فِي مُسبل رِدَائه المسلل والجهد وَلَو كلّف لَا يَجِيء بِمثل سيره المذلّل والنّصر يقْضِي لمواضيه على حدّ حسامه المفلّل وَالْفَجْر لَوْلَا بَيَانه الوضاح لما أرشد ليله المضلّل وَالْبَحْر لَوْلَا مَا عرف من عباب كرمه الزاخر لما ذمّ على عرر الْمَادَّة نواله المقلل وَالْفَخْر وَإِن شمخ أَنفه لَا ينافس عقده الموشح وَلَا يَتَطَاوَل إِلَى تاجه المكلّل وفهمه فهام واقتبسه فجلا الأوهام وَنظر فِيهِ فَزَاد صقال الأفهام وَقصر عَن إِدْرَاكه فَمَا شكّ أَنه إلهام وانْتهى فِيهِ إِلَى الْجَواب فِي وصف أنواء تِلْكَ اللَّيْلَة الماطرة وَمَا موّهت بِهِ السحب من ذهب برقها وفتلته الأنواء من خيوطٍ ودقها ونفخت فِيهِ الرِّيَاح من جمر كانونها وأظهرته حَقِيقَة الرعود من سرّ مكنونها وَمَا ينبته عَارضه ذَلِك الْعَارِض الممطر الَّذِي هُوَ أقوى من شآبيبها وأوقى مِمَّا أرقّته السَّمَاء من جلابيبها وَأسرى من برقها المومض فِي غرابيبها وأسرع من سرى رياحها وَقد جمعت أطواق السحب وَأخذت بتلابيبها
وسبّح الْمَمْلُوك من عجب لهَذِهِ البلاغة الَّتِي كملت الْفَضَائِل وفصلت عَن الْعلم وَفِي الرعيل)
الأول علم الْأَوَائِل وفضلت مبدعها وَحقّ لَهُ التَّفْضِيل وآتته جملَة الْفضل وَفِي ضمنهَا التَّفْصِيل وأنطقت لِسَان بَيَانه وأخرست كل لِسَان
следующие страницы →