← Тараджим

Тараджим · id 6677

الوافي بالوفيات

الصفدي

Полный текст (7 288 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

رجل السُّلْطَان فِي ركابه فلمس رَأسه بِيَدِهِ وَقَالَ أَخذنَا ثأرك طيب قَلْبك أَنْت مَكَان أَبِيك وَأمر لَهُ بِكِتَابَة أَمْلَاك أَبِيه وَهِي القرايا الَّتِي بِأَيْدِيهِم بستين فَارِسًا وَلم يزَالُوا على ذَلِك إِلَى أَيَّام الْمَنْصُور قلاوون فَذكر أَوْلَاد تغلب من مشغرا قُدَّام الشجاعي أَن بيد الجبلية أملاكاً عَظِيمَة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَمن جُمْلَتهمْ أُمَرَاء الغرب وتوجهوا مَعَه إِلَى مصر فرسم الْمَنْصُور بإقطاع أَمْلَاك الجبلية مَعَ بِلَاد طرابلس لجندها وأمرائها فأقطعت لعشرين فَارِسًا من طرابلس فَلَمَّا كَانَ أَيَّام الْملك الْأَشْرَف توجهوا إِلَيْهِ وسألوه أَن يخدموا على أملاكهم بالعدة فرسم لَهُم بهَا وَأَن يزيدوها عشرَة أرماحٍ أخر وَلما كَانَ أَيَّام الروك فِي الْأَيَّام التنكزية وكشفها عَلَاء الدّين بن معبد حصل من تفضول فِي حَقهم فرسم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أَن تستمر عَلَيْهِم بمضاعفة الْعدة فاستقرت عَلَيْهِم بستين فَارِسًا وَهِي إِلَى الْآن باقيةٌ على هَذَا الْحَال وَأما هَذَا نَاصِر الدّين فَإِنَّهُ كثير المكارم وَالْإِحْسَان يخْدم كل من يتَوَجَّه إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة وَهُوَ مقيمٌ بقرية أعبية بِالْجَبَلِ وَله دارٌ حَسَنَة فِي بيروت يخْدم الغادي والرائح وَيهْدِي إِلَى أكَابِر النَّاس وأعيان الدولة وَكنت قد تَوَجَّهت إِلَى بيروت وَلَك يكن بهَا فسير إِلَيّ قَاصِدا يطلبني لأتوجه إِلَيْهِ إِلَى أعبية فَرَأَيْت الْحَرَكَة تشق عَليّ فاعتذرت فَحَضَرَ هُوَ بعد أيامٍ بَعْدَمَا تفضل وَأحسن وَاجْتمعت بِهِ وَرَأَيْت مِنْهُ رياسةً كَثِيرَة وَهُوَ يعرف عدَّة صنائع أتقنها وَيكْتب جيدا ويترسل وَفِيه عدَّة فَضَائِل وَلما اجْتمعت بِهِ ببيروت أنشدته من الْكَامِل (مَا زرت فِي أعبية قصد الجفا ... ربعا تشرف بالأمير حُسَيْن) (ورأيته فِي ثغر بيروت الَّذِي ... بنداه أصبح مجمع الْبَحْرين) وَسَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَلما كبر وأسن نزل عَن) إمرته لوَلَده الْأَمِير زين الدّين صَالح وَبَقِي بعد ذَلِك قَرِيبا من سنتَيْن ثمَّ إِنَّه توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي نصف شَوَّال سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة ٣ - (الْحُسَيْن بن دَاوُد أَبُو عَليّ الْبَلْخِي) الْحُسَيْن بن دَاوُد بن معَاذ الأديب الْعَلامَة نزيل نيسابور أحد المتروكين توفّي فِي حُدُود التسعين والمائتين

стр. 3222

٣ - (الْعلوِي) الْحُسَيْن بن دَاوُد بن عَليّ بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن الْحُسَيْن بن زيد ابْن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب النَّيْسَابُورِي قَالَ الْحَاكِم فِي تَرْجَمته شيخ آل رَسُول الله ﷺ فِي عصره بخرسان وَكَانَ من أَكثر النَّاس صَلَاة وَصدقَة صحبته بُرْهَة من الدَّهْر فَمَا سمعته ذكر عُثْمَان إِلَّا قَالَ الشَّهِيد وَبكى وَمَا سمعته يذكر عَائِشَة إِلَّا قَالَ الصديقة بنت الصّديق حَبِيبَة حبيب الله وَبكى توفّي سنة خمس وَخمسين وثلاثمائة سمع جَعْفَر بن أَحْمد الْحَافِظ وَابْن شيروية وَابْن خُزَيْمَة وَكَانَ جده عَليّ بن عِيسَى أزهد العلوية فِي عصره وَأَكْثَرهم اجْتِهَادًا وَكَانَ عِيسَى يلقب بالفياض لِكَثْرَة عطائه وجوده وَكَانَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم ينادم الرشيد وَكَانَ الْقَاسِم رَاهِب آل مُحَمَّد ﷺ وَكَانَ أَبوهُ أَمِير الْمَدِينَة وَأحد من روى عَنهُ مالكٌ فِي الْمُوَطَّأ قَالَه الْحَاكِم ٣ - (العوذي الْبَصْرِيّ) الْحُسَيْن بن ذكْوَان الْمعلم الْمكتب العوذي الْبَصْرِيّ سمع عبد الله بن بُرَيْدَة وَيحيى بن أبي كثير وَسمع مِنْهُ شُعْبَة وَعبد الْوَارِث وَابْن الْمُبَارك وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَأوردهُ الْعقيلِيّ فِي كتاب الضُّعَفَاء بِلَا سندٍ وروى لَهُ الْجَمَاعَة وتوفّي فِي حُدُود الْخمسين وَالْمِائَة ٣ - (أَبُو الْقَاسِم الشيعي) الْحُسَيْن بن روح بن بَحر أَبُو الْقَاسِم قَالَ ابْن أبي طي هُوَ

стр. 3223

أحد الْأَبْوَاب لصَاحب الْأَمر نَص عَلَيْهِ بالنيابة أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عُثْمَان بن سعيد الْعمريّ وَجعله من أول من يدْخل عَلَيْهِ حِين جعل الشِّيعَة طبقاتٍ وَقد خرج على يَدَيْهِ تواقيع كَثِيرَة) فَلَمَّا مَاتَ أَبُو جَعْفَر صَارَت النِّيَابَة إِلَى أبي الْقَاسِم وَجلسَ بِبَغْدَاد فِي الدَّار وَجلسَ الشِّيعَة حوله وَخرج ذكا الْخَادِم وَمَعَهُ عكازة ومدرج وحقة وَقَالَ إِن مَوْلَانَا قَالَ إِذا دفنني أَبُو الْقَاسِم وَجلسَ فَسلم إِلَيْهِ هَذَا وَإِذا فِي الْحق خَوَاتِيم الْأَئِمَّة ثمَّ قَامَ فِي آخر الْيَوْم وَمَعَهُ طَائِفَة فَدخل دَار أبي جَعْفَر مُحَمَّد وَكَثُرت غاشيته حَتَّى كَانَ الْأُمَرَاء يركبون إِلَيْهِ والوزراء والمعزولون عَن الوزارة والأعيان وتواصف النَّاس عقله وَلم يزل أَبُو الْقَاسِم على مثل هَذِه الْحَال حَتَّى ولي حَامِد بن الْعَبَّاس الوزارة فَجرى لَهُ مَعَه أمورٌ وخطوب يطول شرحها وَقبض عَلَيْهِ وسجن خَمْسَة أَعْوَام وَأطلق من الْحَبْس لما خلع المقتدر فَلَمَّا أُعِيد إِلَى الْخلَافَة شاوروه فِيهِ قَالَ دَعوه فبخطيئته جرى علينا مَا جرى وَبقيت حرمته على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَرمي بِأَنَّهُ كَانَ يُكَاتب القرامطة ليحاصروا بَغْدَاد وَأَن الْأَمْوَال تجبى إِلَيْهِ وَكَانَ يُفْتِي الشِّيعَة ويفيدهم وَكَاد أمره يتم ويستفحل إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَعشْرين وثلاثمائة ٣ - (الْحُسَيْن بن زيد الزيدي) الْحُسَيْن بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ الزيدي الْكُوفِي الْمدنِي كَانَ بَقِيَّة أهل بَيته توفّي فِي حُدُود التسعين وَالْمِائَة وروى لَهُ ابْن ماجة ٣ - (الْعلوِي الْكُوفِي) الْحُسَيْن بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ الْعلوِي الْكُوفِي أحد الْأَشْرَاف النبلاء كَانَ شيخ الطالبية فِي عصره توفّي فِي حُدُود الْمِائَتَيْنِ ٣ - (وَالِد السيدة نفيسة) الْحُسَيْن بن زيد بن السَّيِّد الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَالِد العابدة السيدة نفيسة المدفونة بِظَاهِر الْقَاهِرَة ﵂ كَانَ من سروات بني هَاشم ولي الْمَدِينَة للمنصور خمس سِنِين ثمَّ عَزله وحبسه فَلَمَّا توفّي أخرجه الْمهْدي وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا عَظِيمَة وَلم يزل فِي صحابته ومدحه جماعةٌ من الشُّعَرَاء وتوفيّ سنة ثَمَان وستّين وَمِائَة وروى لَهُ النَّسَائِيّ ٣ - (أَبُو عَليّ الْآمِدِيّ) ) الْحُسَيْن بن سعد بن الْحُسَيْن أَبُو عَليّ الْآمِدِيّ كَانَ إِمَامًا فِي

стр. 3224

اللُّغَة وَالْأَدب قدم بَغْدَاد وَسمع بهَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غيلَان وَالْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي وَمُحَمّد بن أَحْمد بن حسنون النَّرْسِي وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء أَبَا يعلى وسافر إِلَى الشَّام وَسمع بِدِمَشْق مُحَمَّد بن مكي بن عُثْمَان الْأَزْدِيّ وبصور عبد الْوَهَّاب ابْن الْحُسَيْن بن عمر بن برهَان الغزال وَسَعِيد بن مُحَمَّد بن الْحسن الإدريسي والخطيب أَبَا بكر وَدخل بَغْدَاد ثَانِيًا وروى بهَا شَيْئا من شعره وَتوجه إِلَى أَصْبَهَان وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَمن شعره من الْخَفِيف (لست أنسى وقوفنا نتشاكى ... بدموع الجفون حَتَّى الصَّباح) وفراقي لكم وَقد نشر الصُّبْح جناحيه خيفة الافتضاح وَمِنْه من الطَّوِيل (تصدر للتدريس كل مهوس ... بليدٍ تسمى بالفقيه الْمدرس) (فَحق لأهل العلن أَن يتمثلوا ... بيتٍ قديمٍ شاع فِي كل مجْلِس) (لقد هزلت حَتَّى بدا من هزالها ... كلاها وَحَتَّى سامها كل مُفلس) ٣ - (الْحُسَيْن بن سُلَيْمَان شرف الدّين بن رَيَّان) الْحُسَيْن بن سُلَيْمَان بن أبي الْحسن شرف الدّين أَبُو عبد الله بن القَاضِي جمال الدّين أبي الرّبيع بن رَيَّان الطَّائِي تقدم ذكر أَخِيه القَاضِي بهاء الدّين الْحسن ولد شرف الدّين هَذَا بحلب سنة اثْنَيْنِ وَسَبْعمائة وَسمع البُخَارِيّ من ابْن مشرف وست الوزراء بِدِمَشْق حضوراً وَسمع المقامات على ابْن الصايغ وَقَرَأَ بحلب الحاجبية على الشَّيْخ علم الدّين طَلْحَة وَقَرَأَ على الشَّيْخ كَمَال الدّين بن الزملكاني أَوَائِل ضوء الْمِصْبَاح وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم صَغِيرا وَصلى بِهِ وَنقل بعض الرِّوَايَات وَلما قدم مَعَ وَالِده إِلَى صفد قَرَأَ على الشَّيْخ نجم الدّين الصَّفَدِي النَّحْو وطالع وَحصل وَكتب وأتقن الْإِعْرَاب وَمهر فِيهِ وَأما خطه البهج فأسحر من الطّرف الغنج وتولع بالنظم إِلَى أَن أَجَاد فِيهِ ونظم فِي سَائِر أَنْوَاعه من أوزان الْعَرَب والموشح والزجل) والبليق والمواليا والدوبيت فَأَما البلاليق الهزلية فَإِنَّهُ قوسان عصره ونوشادره بِحَيْثُ إِنَّنِي مَا أعلم أحدا فِي عصره يُقَارِبه فِيهِ ونظم صور الْكَوَاكِب ونظم فِي البديع كتابا سَمَّاهُ زهر الرّبيع وَأَنْشَأَ مفاخراتٍ عدَّة وَسمع على الشَّيْخ برهَان الدّين الجعبري وَأَجَازَهُ رِوَايَة مصنفاته

стр. 3225

وَأما ذهنه فيتوقد ويعلو فِي الذكاء إِلَى أَن يسمو على الفرقد وَمَا يَخْلُو معرفَة مسَائِل فِي أصُول الدّين وَغير ذَلِك من عقليات فِي الطبيعي وَغَيره وَفِيه هشاشةٌ وطلاقة وَجه وكرم نفس وَعدم مبالاة بحوادث الزَّمَان قل أَن رَأَيْته اغتاظ من شَيْء وَتوجه إِلَى الْحجاز سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة بَعْدَمَا وقفت على قصيدتين بِخَطِّهِ نظمهما فِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَله أمداح من الموشحات وَغَيرهَا فِي النَّبِي ﷺ ولي بِهِ أنسٌ كثيرٌ حضر إِلَى صفد بعد أَن خَرجُوا مِنْهَا أَولا مَعَ وَالِده وَهُوَ نَاظر الْجَيْش ووالده نَاظر المَال فِي آخر أَيَّام الْأَمِير سيف الدّين أرقطاي ثمَّ توجه إِلَى حلب وَكتب الدرج بحلب وبطرابلس وَولي نظر قلعة الْمُسلمين ثمَّ أُعِيد إِلَى نظر الْجَيْش أَيَّام الْأَمِير سيف الدّين طشتمر ثمَّ أُعِيد إِلَى نظر قلعة الرّوم ثمَّ إِنَّه تولى نظر الدَّوَاوِين بحماة المحروسة فِي أَوَائِل سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فَكتبت إِلَيْهِ من الْقَاهِرَة كتابا وَفِيه أَبْيَات شذت عني وَقد عدمتها الْآن لفظا وَلَكِن الْمَعْنى باقٍ وَهِي من السَّرِيع (يَا شرف الدّين الَّذِي جوده ... قد غمر الْحَاضِر والغائبا) (جِئْت حماةً بَعْدَمَا قد غَدا ... مليكها عَن ربعهَا ذَاهِبًا) (بالْأَمْس قد كَانَت بِلَا صاحبٍ ... وَالْيَوْم أَصبَحت بهَا صاحبا) لِأَنَّهُ ورد إِلَيْهَا أَيَّام النواب بعد خُرُوجهَا عَن حكم مُلُوكهَا ونظار مَالهَا يدعونَ بالصاحب على الْعَادة فِي أَيَّام مُلُوكهَا وَطلب إِلَى مصر وَهُوَ ابْن بكتاش مشد الدِّيوَان وَعَاد إِلَيْهَا على عَادَته وَأقَام بهَا إِلَى أَوَاخِر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَتوجه إِلَى مصر وَعَاد إِلَى حلب موقعاً فِي الدست وناظر القلاع فِي جُمَادَى الأولى سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَكَانَ قد سَافر إِلَى مصر مَعَ وَالِده وَاجْتمعَ بالشيخ أثير الدّين أبي حَيَّان وَبحث عَلَيْهِ فِي ألفية ابْن مَالك وَأَجَازَهُ وَبحث على ابْن حَيَّان درساً فِي الحاجبية وَأَجَازَهُ) وبيني وَبَينه مكاتبات كَثِيرَة إِلَى الْغَايَة ومراجعاتٌ تخجل أصوات الساجعات من ذَلِك مَا كتبه إِلَيّ وَأَنا بالرحبة من الْكَامِل (قرت بمنصبك الْجَلِيل عُيُون ... ورنت إِلَيْك من السُّعُود جفون) (وأتتك من رتب السَّعَادَة غادةٌ ... يسبيك مِنْهَا الْحَاجِب المقرون) (ودعتك للرتب الْعلية فَارقهَا ... فِي نعْمَة وقرينك التَّمْكِين) (واصعد إِلَى درج الْمَعَالِي راقياً ... أَعلَى الْعلَا فلأنت ثمَّ أَمِين) (والبس بهَا الْخلْع النفيسة دَائِما ... وَلَك السَّعَادَة فِي الْأُمُور تعين) (فلسوف تعلو بعْدهَا ويطير من ... أرجائها لَك طائرٌ مَيْمُون)

стр. 3226

وَهَذِه من جملَة أَبْيَات فِي أثْنَاء كتاب وَفِي أَثْنَائِهِ من الْكَامِل (أبشر بهَا من رحبةٍ قد أَصبَحت ... كَهْف الْغَرِيب ومأمناً للسالك) (وحللتها يَا مالكي فلأجل ذَا ... قد أَصبَحت تدعى برحبة مَالك) فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب عَن ذَلِك من الْكَامِل (جَاءَت سطورك وَالسُّرُور قرين ... وَلها من الْحسن البديع فنون) (الله أكبر كم تلظت قبلهَا ... كَبِدِي عَلَيْك وَكم بكتك عُيُون) (وَلكم سرورٌ غَابَ عَن سري وَكم ... وَردت عَليّ لأجل ذَاك منون) (حَتَّى أَتَت غراء يفضح حسنها ... ليلى وَلَكِنِّي بهَا الْمَجْنُون) (يَا حسنها من رَوْضَة همزاتها ... فَوق السطور حمائمٌ وغصون) (أسْتَغْفر الله الْعَظِيم غَلطت فِي ... تشبيهها بالروض وَهُوَ الدون) (أعذر فَإِنِّي من بقايا دهشتي ... لما أَتَتْنِي بَغْتَة مفتون) (بل دِيمَة الْفضل الَّتِي كم قد سقت ... زهراً وَكم مِنْهَا اسْتهلّ هتون) (وغلطت أَيْضا بل هِيَ الْبَحْر الَّذِي ... ألفاظها در النهى الْمكنون) (وَأَنا أقيم أَدِلَّة ترْضى بهَا ... والصدق فِيمَا أَدعِي مَضْمُون) (من وَزنهَا بحرٌ وَمن ألفاظها ... دررٌ وقافية القصيدة نون) (مَا هَذِه عِنْدِي بِأول منةٍ ... مَا أجرهَا لتمامها ممنون) (عِنْدِي لفضلك كل طولٍ سابغٍ ... وعَلى مديحي فِي علاك دُيُون) ) وكتبت فِي أثْنَاء الْجَواب من الْكَامِل (وَلَقَد حللت ببلدةٍ حاشا لظىً ... وقبيح منظرها الشنيع الْهَالِك) (وسعت لأنواع الْعَذَاب على الْفَتى ... فلذاك سَموهَا برحبة مَالك) وَلما كَانَ بطرابلس عمل لغزاً فِي المئذنة فوقفت عَلَيْهِ وَأَنا بِدِمَشْق سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ مَا اسْم شَيْء إِن قصد تَعْرِيفه فَهُوَ مَعْرُوف وَإِن طلب وجد فِي جملَة الظروف خماسيٌّ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَة حُرُوف حَار النَّحْوِيّ فِي تصريفه وَعجز عَن تأليفه مفعول وَهُوَ مَرْفُوع محمولٌ وَهُوَ مَوْضُوع مبنيٌّ دخله الْإِعْرَاب مرفوعٌ وَهُوَ باقٍ على الانتصاب يقبل التصغير وَالتَّكْبِير وَفِيه التَّأْنِيث والتذكير لَا يَصح فِيهِ معنى الْعَطف وَلَا يدْخلهُ من الحركات إِلَّا الْوَقْف لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي النداء وَلَا يعرب إِلَّا وَهُوَ باقٍ على الْبناء وَفِيه نَوْعَانِ من أدوات الشَّرْط وَالْجَزَاء لَهُ هيئةٌ إِلَى التَّبْصِرَة مفتقرة وشكل خطوطه فِي الهندسيات مُعْتَبرَة وأضلاعٌ قَامَت من الْبَسِيط على كرة وزواياه قائمةٌ حدثت عَن منفرجة ومعانٍ دقيقة زَادَت على دَرَجَة والفقيه يرى

стр. 3227

أَنه محرم الابتياع وَينْدب إِلَى المناداة عَلَيْهِ بِشَرْط الِاتِّبَاع مَعَ أَنه عينٌ طَاهِرَة يَصح بهَا الِانْتِفَاع كم صلى خلف إِمَام واقتدى بِهِ وَهُوَ إِمَام حينا يُوجد فِي الشَّام وحيناً فِي بَيت الله الْحَرَام وحيناً ترَاهُ قَائِما فِي ظلام اللَّيْل وَالنَّاس نيام والعروضي يعلم أَنه بيتٌ برع حسنا واستقام وزنا نظم على الْبَسِيط وَهُوَ طَوِيل وَركب من سببين خفيفٍ وثقيل ينزحف بِحَذْف فاصلةٍ صغرى ويتغير وَزنه فترى فِيهِ كسراً خمساه حرف من الْحُرُوف وَبَعضه فِي بعضه يطوف وَإِن حذف أَوله فباقيه بلدٌ مَعْرُوف وَمَعَ ذَلِك فَكل حرفٍ مِنْهُ ساكنٌ يَصح عَلَيْهِ الْوُقُوف وَفِيه أعمالٌ أقصرت عَنْهَا واختصرت مِنْهَا خيفة الْملَل وتخفيفاً فِي الْعَمَل وَقد قصدت بَيَان الجناب ورصدت إتْيَان الْجَواب وَطلب مني الْجَواب عَن ذَلِك فَكتبت (وَإِن صخراً لتأتم الهداة بِهِ ... كَأَنَّهُ علمٌ فِي رَأسه نَار) لحقيق بِأَن يصفه مَوْلَانَا وصف الخنساء ويعدد محاسنه الَّتِي أربت كثرتها على رَملَة الوعساء ويستغرق أَوْصَافه الَّتِي استوعبت فِي سردها ويركض فِي ميادين البلاغة على مطهمات نعوته وجردها حَتَّى أبدع فِي مقاصده الَّتِي وقف لَهَا كل سَائل وَقَالَ فَلم يتْرك مقَالا) لقَائِل وَفتح بَابا لَيْسَ للنَّاس عَلَيْهِ طَاقَة وَأصْبح فِي التَّقَدُّم لعصابة الْأَدَب رَأْسا وَالنَّاس ساقة لَا جرم أَن هَذَا الملغز فِيهِ قَالَ بعض واصفيه من الْخَفِيف (علمٌ مفردٌ فَإِن رَفَعُوهُ ... رَفَعُوهُ قصدا لأجل الْبناء) أنثوه وَمِنْه قد عرف التَّذْكِير فَانْظُر تنَاقض الْأَشْيَاء وَأما الْمَمْلُوك فَيَقُول فِيهِ إِنَّه صَاحب الرِّبَاط والزاوية وَالْمقَام الَّذِي يُقَال لقاعديه الْجَبَل يَا سَارِيَة وَالْقِسْمَة الَّتِي هِيَ على صِحَة الِاخْتِلَاف مُتَسَاوِيَة كم فِي الزوايا مِنْهُ خبية حنية وَكم علق عَلَيْهِ ذُرِّيَّة من الْكَوَاكِب الدرية كم رأى النَّاس فِي قِيَامه من قَاعِدَة وَكم لشهادته من كلمةٍ إِلَى الْعَرْش صاعدة وَكم تليت على الصحن مِنْهُ آيَة من الْمَائِدَة يكَاد من علاهُ يسامر النُّجُوم فِي الدجنة ويرقى كل حينٍ وَلَيْسَ بِهِ فِي النَّاس جنَّة هلاله لَا يزِيد وَلَا ينقص فِي الطّرف وراقيه يعبد الله على حرف قد حسن مِنْهُ عَكسه الْمُصحف وَعظم قدره فِي الْبناء فَلَا بدع إِذا تشرف عجب الْعَرُوضِي من بسيطه الطَّوِيل الوافر ووقف على ساقٍ وَاحِدَة وَكم كَانَ لَهُ من حافر واستقام خطه وَفِيه الدائر وشاهدنا القرنصة فِيهِ وَهُوَ غير طَائِر وَأقَام مَكَانَهُ ونداؤه لسَائِر الْمُسلمين سَائِر يُجيب نداءه الْمُلُوك والملائك وَيرى من يعلوه وَهُوَ متكئٌ على الأرائك من الطَّوِيل (إِذا مَا اطمأنت دونه السحب إِنَّه ... لَهُ همةٌ لم ترض إِلَّا التناهيا) (وحسبك أَن القائمين بِحقِّهِ ... يحوزون فِي الدَّاريْنِ مِنْهُ المعاليا) (شَهَادَته مَا ردهَا غير كَافِر ... ويقبلها من كَانَ بِالْحَقِّ قَاضِيا) (يَقُول مَعَاني الطِّبّ يَا عجبا لَهُ ... يَصح وَقد ضمت حشاه المراقيا)

стр. 3228

وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ من المجتث (أَنا الْمُسَمّى حُسَيْنًا ... واسمي ترَاهُ مصغر) (لِأَن يصغر خيرٌ ... من أَن يُقَال تكبر) وأنشدني أَيْضا من مسدس الرجز (أَهْوى حلاوياً بَدَت خدوده ... ورديةً يَا مَا أحيلى سالفه) (صير قلبِي دنفاً ومدمعي ... سكباً وروحي بالبعاد تالفه) وَذكرت هُنَا مَا قلته أَنا من الطَّوِيل) (هويت حلاوياً غَدا سكب أدمعي ... على ردفه المنقوش إِن غَابَ أَو دنا) (لَهُ وجنةٌ ورديةٌ مَا ترق أَن ... أرى دنفاً حَتَّى أكون مكفنا) وأنشدني من لَفظه لَهُ فِي الْهلَال مُقَارن الزهرة من المتقارب (كَأَن الْهلَال نزيل السَّمَاء ... وَقد قَارن الزهرة النيره) (سوارٌ لحسناء من عسجدٍ ... على قفله وضعت جوهره) وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ وَفِيه مَوَانِع الصّرْف من الْبَسِيط (أتيت حانة خمارٍ وصاحبها ... محارفٌ متقنٌ للنحو ذُو لسن) (وَحَوله كل هيفاءٍ منعمةٍ ... وكل علق رشيقٍ أهيفٍ حسن) (فَقَالَ لي إِذا رأى عَيْني قد انصرفت ... إِلَى النِّسَاء كَلَام الحاذق الفطن) (أنث وَركب وصف واعدل بِمَعْرِِفَة ... واجمع وزد واسترح من عجمةٍ وزن) وأنشدني من لَفظه لَهُ من الطَّوِيل (يَقُولُونَ قد لَاحَ العذار بخده ... فَلم كنت فِيهِ للعذول تعَارض) (فَقلت لَهُم كفوا فجوهر حسنه ... على حَاله بل عَارض الخد عَارض) وأنشدني من لَفظه لَهُ من الْبَسِيط (انْظُر إِلَى ذهبيات الغصون وقم ... إِلَى المدام وواصلها إِلَى الغسق) (أما ترى النَّهر بالتصفيق أطربها ... فنقطت بدنانيرٍ من الْوَرق) كَانَ سمع قولي قَدِيما من الوافر (وَبِي أحوى أغنٌ كغصن بانٍ ... غَدا حُلْو الجنى مر التجني) (تزيد سيوف مقلته مضاءً ... إِذا كلت بعارضه المسني) فأنشدني من لَفظه لَهُ من المجتث (يَا قاتلي بلحاظٍ ... عَن الْبيض تغني)

стр. 3229

(سننتها حِين كلت ... على العذار المسني) وَهَذَا أرشق وَأحسن من الأول وأنشدني لنَفسِهِ من لَفظه يضمن أَبْيَات المنازي الْمَشْهُورَة من الوافر (حللنا ضمنهَا فحنت علينا ... حنو المرضعات على الفطيم) ) (ركبنَا فِي المحارة إِذْ حجَجنَا ... فصانتنا من الْحر الْعَظِيم) (سقتنا من كراريزٍ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم) (رَأَيْت بهَا مساميراً حسانا ... مبيضةً بنظمٍ مُسْتَقِيم) (بِهن تروع حَالية العذارى ... فتلمس جَانب العقد النظيم) (تصد الشَّمْس أَنى واجهتنا ... فتحجبها وتأذن للنسيم) وأنشدني من لَفظه لَهُ من مجزوء الرجز كَأَنَّمَا عذاره الْأَشْقَر فِي الخد الندي (قنديل بلورٍ لَهُ ... سلسلةٌ من عسجد) وأنشدني من لَفظه لَهُ فِيهِ أَيْضا من مجزوء الرجز (لما بدا عذاره ... أشقر زادني الوله) كَأَنَّهُ فِي خَدّه الصافي الَّذِي قد حمله (قنديل بلورٍ لَهُ ... من العقيق سلسله) وأنشدني من لَفظه من السَّرِيع (وبحرة يظْهر فِيهَا الحيا ... فواقعا تعجب فِي المنظر) (مثل بِسَاط لَونه أزرقٌ ... مرصعٌ بالدر والجوهر) وأنشدني من لَفظه لَهُ من مخلع الْبَسِيط (انْظُر إِلَى النَّهر حِين يهمي ... من فَوْقه صيب الغيوم) (قد شابه الْأُفق فَهُوَ يُبْدِي ... فواقعاً فِيهِ كَالنُّجُومِ) وأنشدني من لَفظه لَهُ فِيمَا يكْتب على بطسين من مجزوء الرمل (أَنا بطسينٌ مليحٌ ... أبدع النّحاس شكلي) (قد حكاني الْبَدْر لما ... صَار فِي التدوير مثلي) وأنشدني من لَفظه لَهُ من مجزوء الرجز أَصبَحت من دون الْأَنَام للرقيب شاكرا (لِأَنَّهُ إِذا أَتَى ... كَانَ الحبيب حَاضرا)

стр. 3230

وَمِمَّا اخترته لَهُ من البليق وَإِن كَانَ لَفظه العذب فِي فحش الْمَعْنى كالورد فِي العليق قَوْله) والك قحبه ديري الثقبه ريحي نَفسك مَا ريد كسك ديري فلسك واثني الركبه شيلي قعرك وارخي ظهرك يبْقى جحرك مثل القبه عِنْدِي سفار يهوى الأبعار عمري جحار نياك ثقبه أركب قصك واكثر بعصك واخرج جعصك بأيرٍ كَبه أيري قدفاز بالزيج حِين حَاز كنو عكاز راسو حربه فِي الزيج يغطس مَا يهوى أَو كب مَا زلت اسحي أَلفَيْنِ سحبه وأرجع أرجع لأوّل وادفع حِين تسمع للنيك هبه صَارَت ستي تبْكي تحتي دقنك فِي استي تهذي القحبه هَذِه الفسعه نيك من حَقه مَا هِيَ نزقه فِي أول جذبه عِنْدِي جَرّه خير من دره لي فِي كبره فِي الزيج طربه رَبِّي غَافِر ذَنْب الْكَافِر إيش هُوَ الشَّاعِر يكذب كذبه أَرْجُو رَبِّي مَا زَالَ حسبي وإيش هُوَ ذَنبي مَا لَو نسبه لما يشفع أَحْمد ينفع مَا زَالَ يدْفع عَنَّا الكربه اصغوا يَا أَصْحَاب هَذِه الْآدَاب تحكي الْجلاب حلوة عذبه ٣ - (شهَاب الدّين الكفري الْمُقْرِئ) الْحُسَيْن بن سُلَيْمَان بن فَزَارَة القَاضِي شهَاب الدّين الكفري بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْفَاء وَبعدهَا رَاء الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ تَلا بالسبع على علم الدّين الْقَاسِم وَسمع من ابْن طَلْحَة وَمن ابْن عبد الدايم وتصدر للإقراء وَطَالَ عمره وَقَرَأَ عَلَيْهِ ابْنه القَاضِي شرف الدّين أَحْمد وَخلق من الْفُضَلَاء ودرس وَأفْتى وناب فِي الحكم وَكَانَ دينا خيرا عَالما توفّي سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة عَن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ودرس بالطرخانية وَكَانَ شيخ الإقراء بالمقدمية والزنجيلية وَقَرَأَ بِنَفسِهِ على ابْن أبي الْيُسْر وَكتب الطباق وأضر بأخرةٍ رَحمَه الله تَعَالَى ٣ - (السنجي الشَّافِعِي) الْحُسَيْن بن شُعَيْب أَبُو عَليّ الْمروزِي السنجي بِكَسْر السِّين

стр. 3231

الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَبعدهَا) جيمٌ الشَّافِعِي عَالم أهل مرو فِي وقته تفقه بِأبي بكر الْقفال الْمروزِي وَصَحبه حَتَّى برع ورحل وَسمع وَله وَجه فِي الْمَذْهَب توفّي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَشرح الْفُرُوع الَّتِي لِابْنِ الْحداد الْمصْرِيّ شرحاً لم يُقَارِبه فِيهِ أحد مَعَ كَثْرَة شروحها فَإِن الْقفال شَيْخه شرحها وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب شرحها وَشرح التَّلْخِيص لأبي الْعَبَّاس بن الْقَاص شرحاً كَبِيرا وَهُوَ قَلِيل الْوُجُود وَله كتاب الْمَجْمُوع وَقد نقل مِنْهُ الْغَزالِيّ فِي كتاب الْوَسِيط وَهُوَ أول من جمع بَين طريقتي الْعرَاق وخراسان ٣ - (ابْن خيران الشَّافِعِي) الْحُسَيْن بن صَالح أَبُو عَليّ بن خيران بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَرَاء بعْدهَا ألف وَنون الْفَقِيه الشَّافِعِي كَانَ من جملَة الْفُقَهَاء المتورعين وأفاضل الشُّيُوخ وَكَانَ يُعَاتب ابْن سُرَيج على ولَايَة الْقَضَاء وَيَقُول هَذَا الْأَمر لم يكن فِي أَصْحَابنَا إِنَّمَا كَانَ فِي أَصْحَاب أبي حنيفَة ووكل بداره على أَن يَلِي الْقَضَاء فَلم يفعل وَتخرج بِهِ جمَاعَة توفّي ﵀ سنة عشْرين وثلاثمائة أَو فِي حُدُودهَا ٣ - (الخليع بن الضَّحَّاك) الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك بن يَاسر أَبُو عَليّ الشَّاعِر الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالخليع مولى لولد سُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ الصَّحَابِيّ أَصله من خُرَاسَان وَهُوَ شاعرٌ ماجنٌ مطبوع حسن الافتنان فِي ضروب الشّعْر وأنواعه وَسمي بالخليع لِكَثْرَة مجونه وخلاعاته قَالَ المرزباني يعرف بِحُسَيْن الْأَشْقَر بلغ سنا عالية قَارب التسعين أَو جاوزها يُقَال إِنَّه ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَمَات سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ وَحكى يزِيد بن مُحَمَّد المهلبي عَنهُ قَالَ أذكر وَأَنا صبيٌّ موت شُعْبَة ابْن الْحجَّاج وَشعْبَة مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة واتصل لَهُ من منادمة الْخُلَفَاء مَا لم يتَّصل لأحدٍ إِلَّا لإسحاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي فَإِنَّهُ قاربه فِي ذَلِك أَو ساواه جَالس الرشيد قبل أَن ينكب البرامكة ثمَّ جَالس من بعده من الْخُلَفَاء إِلَى) آخر أَيَّام الواثق وَصَحب الْأمين سنة ثمانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَلم يزل مَعَ الْخُلَفَاء إِلَى أَيَّام المستعين وَله يَقُول من السَّرِيع

стр. 3232

(أسلفت أسلافك فِي خدمتي ... من مدتي إِحْدَى وستينا) (كنت ابْن عشْرين وستٍّ وَقد ... وفيت سبعا وثمانينا) وَكَانَ شَدِيد الْمُوَالَاة فِي الْأمين ورثاه بمراثٍ كَثِيرَة عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق عَن أَبِيه قَالَ كنت بَين يَدي الْمَأْمُون وَاقِفًا إِذْ دخل ابْن البواب وَفِي يَده رقْعَة فِيهَا أَبْيَات وَقَالَ إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْذَن لي فِي إنشادها فظنها لَهُ فَقَالَ هَات فأنشده من الطَّوِيل (أجرني فَإِنِّي قد ظمئت إِلَى الْوَعْد ... مَتى ينجز الْوَعْد الْمُؤَكّد بالعهد) (أُعِيذك من خلقٍ ملولٍ وَقد ترى ... تقطع أنفاسي عَلَيْك من الوجد) (أيبخل فَرد الْحسن عني بنائلٍ ... قليلٍ وَقد أفردته بهوىً فَرد) إِلَى أَن بلغ قَوْله من الطَّوِيل (رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ) (إِلَّا إِنَّمَا الْمَأْمُون لله عصمةٌ ... مميزةٌ بَين الضَّلَالَة والرشد) فَقَالَ الْمَأْمُون أَحْسَنت يَا عبد الله فَقَالَ بل أحسن قَائِلهَا قَالَ وَمن هُوَ قَالَ عَبدك الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فقطب ثمَّ قَالَ لَا حَيَّاهُ الله وَلَا بياه وَلَا قربه وَلَا أنعم لَهُ عينا أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل من الطَّوِيل (أعيني جودا وابكيا لمحمدٍ ... وَلَا تذخرا دمعاً عَلَيْهِ وأسعدا) (فَلَا تمت الْأَشْيَاء بعد مُحَمَّد ... وَلَا زَالَ شَمل الْملك فِيهِ مبددا) (وَلَا فَرح الْمَأْمُون بِالْملكِ بعده ... وَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريداً مشرداً) هَذَا بِذَاكَ فَلَا شَيْء لَهُ عندنَا فَقَالَ لَهُ ابْن البواب فَأَيْنَ فضل إِحْسَان أَمِير الْمُؤمنِينَ وسعة حلمه وعادته فِي الْعَفو فَأمر بإحضاره فَلَمَّا حضر سلم فَرد عَلَيْهِ خافياً ثمَّ أقبل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي عَنْك هَل عرفت يَوْم قتل أخي مُحَمَّد ﵀ هاشميةً قتلت وهتكت قَالَ لَا قَالَ فَمَا معنى قَوْلك من الطَّوِيل (وَمِمَّا شجى قلبِي وكفكف عبرتي ... محارم من آل النَّبِي استحلت) ) (ومهتوكةٌ بالخلد عَنْهَا سجوفها ... كعابٌ كقرن الشَّمْس حِين تبدت) (إِذا أخفرتها روعةٌ من منازعٍ ... بهَا المرط عاذت بالخشوع ورنت) (وسرب ظباءٍ من ذؤابة هاشمٍ ... هتفن بِدَعْوَى خير حيٍّ وميت) (أرد يدا مني إِذا مَا ذكرته ... على كبدٍ حرى وقلبٍ مفتت) (فَلَا بَات ليل الشامتين بغبطةٍ ... وَلَا بلغت آمالها مَا تمنت) فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لوعةٌ غلبتني وروعةٌ فجأتني ونعمةٌ سلبتها بعد أَن غمرتني

стр. 3233

وإحسان شكرته فأنطقني وسيدٌ فقدته فأقلقني فَإِن عَاقَبت فبحقك وَإِن عَفَوْت فبفضلك فَدَمَعَتْ عين الْمَأْمُون وَقَالَ قد عَفَوْت عَنْك وَأمرت بإدرار رزقك عَلَيْك وإعطائك مَا فَاتَ مِنْهَا وَجعلت عُقُوبَة ذَنْبك امتناعي عَن استخدامك وللحسين بن الضَّحَّاك مَعَ أبي نواس أخبارٌ ونوادر قَالَ الْحُسَيْن أنشدت أَبَا نواس قولي من المنسرح وشاطري اللِّسَان مختلق التكريه شَاب المجون بالنسك حَتَّى بلغت قولي (كَأَنَّمَا نصب كأسه قمرٌ ... يكرع فِي بعض أنجم الْفلك) قَالَ فأنشدني لنَفسِهِ بعد أَيَّام من الطَّوِيل (إِذا عب فِيهَا شَارِب الْقَوْم خلته ... يقبل فِي داجٍ من اللَّيْل كوكبا) قَالَ فَقلت لَهُ يَا أَبَا عَليّ هَذِه مصالتةٌ قَالَ أفتظن أَن يرْوى لَك فِي الْخمر معنى جيدٌ وَأَنا حَيّ وَلما ولي المعتصم الْخلَافَة سَأَلَ عَن الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فَأخْبر بمقامه بِالْبَصْرَةِ لانحراف الْمَأْمُون عَنهُ فَأمر بقدومه عَلَيْهِ فَلَمَّا دخل سلم وَاسْتَأْذَنَ فِي الإنشاد فَأذن لَهُ فأنشده من الْكَامِل (هلا رحمت تلدد المشتاق ... ومننت قبل فِرَاقه بتلاق) (إِن الرَّقِيب ليستريب تنفسي ... صعداً إِلَيْك وَظَاهر الإقلاق) (نَفسِي الْفِدَاء لخائفٍ مترقب ... جعل الْوَدَاع إِشَارَة بعناق) (إِذْ لَا مقَال لمفحمٍ متحيرٍ ... إِلَّا الدُّمُوع تصان بالإطراق) ) حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله من الْكَامِل (خير الْوُفُود مبشرٌ بخلافةٍ ... خصت ببهجتها أَبَا إِسْحَاق) (وافته فِي الشَّهْر الْحَرَام سليمةٌ ... من كل مشكلة وكل شقَاق) (سكن الزَّمَان إِلَى الإِمَام سَلامَة ... عف الضَّمِير مهذب الْأَخْلَاق) (فحمى رَعيته ودافع دونهَا ... وأجار مملقها من الإملاق) حَتَّى أتمهَا فَقَالَ لَهُ المعتصم أدن مني فَدَنَا مِنْهُ فَمَلَأ فَمه جوهراً من جَوْهَر كَانَ بَين يَدَيْهِ ثمَّ أمره أَن يُخرجهُ من فَمه فَأخْرجهُ وَأمر أَن ينظم وَيدْفَع إِلَيْهِ وَيخرج إِلَى النَّاس وَهُوَ فِي يَده ليعلم النَّاس موقعه من رَأْيه ويعفوا ثَمَرَة إحسانه وَمن شعره من الهزج (أيا من طرفه سحر ... وَيَا من رِيقه خمر)

стр. 3234

تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصَّبْر وَمَا أحسن فِي مثلك أَن ينهتك السّتْر (فَإِن عنفني النَّاس ... فَفِي وَجهك لي عذر) وَمِنْه من الْخَفِيف (صل بخدي خديك تلق عجيباً ... من معانٍ يحار فِيهَا الضَّمِير) (فبخديك للربيع رياضٌ ... وبخدي للدموع غَدِير) ٣ - (الْحُسَيْن بن عبد الله بن الْعَبَّاس) الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس قَالَ أَبُو زرْعَة وَغَيره لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقَالَ النَّسَائِيّ مَتْرُوك وَكَانَ كثير الحَدِيث روى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة توفّي فِي حُدُود الْخمسين وَالْمِائَة وَعمر طَويلا حَتَّى بلغ التسعين أَو تجاوزها وَهُوَ الْقَائِل فِي امْرَأَته العائدة بنت سعيد بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ من الطَّوِيل (أعائد حييتُمْ على النأي عَائِدًا ... وأسقاك رَبِّي المسبلات الرواعدا) (أعائد مَا شمس النَّهَار إِذا بَدَت ... بِأَحْسَن مِمَّا بَين عَيْنَيْك عَائِدًا) (وَمَا أَنْت إِلَّا دميةٌ فِي كَنِيسَة ... يظل لَهَا البطريق فِي اللَّيْل سَاجِدا) ) وَقَالَ فِي مَالك بن أبي السَّمْح وَكَانَ صديقه وأليفه من المنسرح لَا عَيْش إِلَّا بِمَالك بن أبي السَّمْح فَلَا تلحني وَلَا تلم (يزِيد فِي لَذَّة الْكَرِيم وَلَا ... ينهك حق الْإِسْلَام وَالْحرم) ٣ - (الْوَاعِظ الكردلي) الْحُسَيْن بن عبد الله بن عَليّ بن الْقَاسِم بن الْبَقَّال الدَّلال أَبُو عبد الله الْوَاعِظ الْمَعْرُوف بالكردلي بكاف قبل الرَّاء وَلَام بعد الدَّال الْبَغْدَادِيّ سمع أَبَاهُ وَأَبا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عمر الْبَرْمَكِي وَأَبا مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي وَأَبا يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء وَأَبا الْغَنَائِم عبد الصَّمد بن عَليّ ابْن الْمَأْمُون وَأَبا جَعْفَر بن الْمسلمَة وَغَيرهم وروى عَنهُ الْحَافِظ السلَفِي وسلمان بن عَليّ صَاحب ابْن الذهبية وَأَبُو المعمر الْمُبَارك بن أَحْمد الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الْمَدِينِيّ الْمَعْرُوف بدولجة توفّي سنة ثَمَان عشرَة وَخَمْسمِائة ٣ - (ابْن وَرْقَاء الشَّاعِر) الْحُسَيْن بن عبد الله بن وَرْقَاء أَبُو صَفْوَان الشَّيْبَانِيّ من بَيت الْإِمَارَة والتقدم كَانَ أديباً شَاعِرًا روى عَنهُ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز العكبري ذكر أَنه

стр. 3235

سمع مِنْهُ بعكبرى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَمن شعره من الْبَسِيط (لم أُنْسُهَا يَوْم قَالَت وَهِي باكيةٌ ... عِنْد الرحيل لأتراب لَهَا عرب) (سكن قلبِي بأيديكن إِن لَهُ ... وهجاً يفوق ضرام النَّار واللهب) (لَيْت الْفِرَاق نعى روحي إِلَى بدني ... قبل التألف بَين الرحل والقتب) ٣ - (أَبُو الْقَاسِم الإسكافي) الْحُسَيْن بن عبد الله بن الْخَطِيب أَبُو الْقَاسِم الْمصْرِيّ الإسكافي الشَّاعِر من شعره فِي الجعبة من السَّرِيع (مَا حاملٌ أَوْلَادهَا بَعْدَمَا ... ربين فِي الغرب وَفِي الشرق) ) (موتى قيامٌ فِي حشاها وَقد ... تعمموا بالخوذ الزرق) (حَتَّى إِذا مَا ركبُوا مَيتا ... جروا وحازوا غَايَة السَّبق) ٣ - (أَبُو عبد الله التركي) الْحُسَيْن بن عبد الله التركي من شُيُوخ أبي بكر بن كَامِل الْخفاف روى لَهُ عَنهُ من شعره من السَّرِيع (أبصرتها يَوْمًا بِلَا رقبةٍ ... قَالَت فَمَا أجراك من ناسك) (قلت لَهَا لَا تعجبي إِنَّنِي ... أغتنم الْخلْوَة من ناسك) (قَالَت فَلم تهذي بِنَا دَائِما ... قلت لَهَا من نقل خناسك) (قَالَت فَمَا بالك مستوحشاً ... قلت لَهَا من فقد إيناسك) ٣ - (الْخرقِيّ الْحَنْبَلِيّ) الْحُسَيْن بن عبد الله بن أَحْمد الْخرقِيّ الْحَنْبَلِيّ وَالِد الإِمَام صَاحب الْمُخْتَصر فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد توفّي يَوْم عيد الْفطر سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ صلى صَلَاة الْعِيد وَرجع فَأكل ونام فَوَجَدَهُ أَهله مَيتا ٣ - (ابْن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي) الْحُسَيْن بن عبد الله بن الْحُسَيْن أَبُو عبد الله الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي كَانَ من أَعْيَان التُّجَّار ذَوي الثروة الواسعة واليسار وَلما بُويِعَ لعبد الله بن المعتز بالخلافة وانحل أمره وتفرق جمعه وَطَلَبه المقتدر اختفى عِنْد ابْن الْجَصَّاص هَذَا فوشى بِهِ خادمٌ صَغِير لِابْنِ الْجَصَّاص وصادره المقتدر على سِتَّة آلَاف ألف دِينَار

стр. 3236

قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أخذُوا مِنْهُ مَا مِقْدَاره سِتَّة عشر ألف ألف دِينَار عينا وورقاً وقماشاً وخيلاً وَبَقِي لَهُ بعد المصادرة شيءٌ كثير إِلَى الْغَايَة من دور وقماش وأموال وضياع قَالَ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن المحسن بن عَليّ التنوخي إِذْنا عَن أَبِيه حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن جعلان قَالَ حَدثنِي أَبُو عَليّ أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن عبد الله بن الْجَصَّاص الْجَوْهَرِي قَالَ قَالَ لي أبي كَانَ بَدْء إكثاري أنني كنت فِي دهليز حرم أبي الْجَيْش خمارويه بن أَحْمد بن طولون وَكنت أتوكل لَهُ وَلَهُم فِي ابتياع الْجَوْهَر وَغَيره مِمَّا يَحْتَاجُونَ وَمَا كنت أُفَارِق الدهليز لاختصاصي بهم فَخرجت إِلَيّ قهرمانةٌ لَهُم فِي بعض الْأَيَّام وَمَعَهَا عقد جَوْهَر فِيهِ) مِائَتَا حَبَّة لم أر قبله أَفْخَر وَلَا أحسن مِنْهُ تَسَاوِي كل حَبَّة مِنْهُ مائَة ألف دِينَار عِنْدِي فَقَالَت نحتاج أَن نخرط هَذِه حَتَّى تصغر فتجعل لأَرْبَع عشرات اللّعب فكدت أَن أطير وأخذتها وَقلت السّمع وَالطَّاعَة وَخرجت فِي الْحَال مَسْرُورا فَجمعت التُّجَّار وَلم أزل أَشْتَرِي مَا قدرت عَلَيْهِ إِلَى أَن حصلت مائَة حَبَّة أشكالاً فِي النَّوْع الَّذِي قدرت عَلَيْهِ وأرادته وَجئْت بهَا عشياً وَقلت إِن خرط هَذَا يحْتَاج إِلَى زمانٍ وانتظار وَقد خرطنا الْيَوْم مَا قَدرنَا عَلَيْهِ وَهُوَ هَذَا فَدفعت إِلَيْهَا الْمُجْتَمع وَقلت الْبَاقِي يخرط فِي أَيَّام فقنعت بذلك وارتضت الْحبّ وَخرجت فَمَا زلت أَيَّامًا فِي طلب الْبَاقِي حَتَّى اجْتمع فَحملت إِلَيْهِم مِائَتي حَبَّة قَامَت عَليّ بأثمانٍ قريبةٍ تكون دون مائَة ألف درهمٍ أَو حواليها وحصلت جوهراً بِمِائَتي ألف دِينَار ثمَّ لَزِمت دهليزهم وَأخذت لنَفْسي غرفَة كَانَت فِيهِ فجعلتها مسكني وَكَانَ يلحقني من هَذَا أَكثر مِمَّا يُحْصى حَتَّى كثرت النِّعْمَة وانتهيت إِلَى مَا استفاض خَبره وَحكى ابْن الْجَصَّاص قَالَ كنت يَوْم قبض على المقتدر جَالِسا فِي دَاري وَأَنا ضيق الصَّدْر وَكَانَت عادتي إِذا حصل لي مثل ذَلِك أَن أخرج جَوَاهِر كَانَت عِنْدِي فِي درج معدة لمثل هَذَا من ياقوت أَحْمَر وأصفر وأزرق وحباً كبارًا ودراً فاخراً مَا قِيمَته خَمْسُونَ ألف دِينَار وأضع ذَلِك فِي صينية وألعب بِهِ فيزول قبضي فاستدعين بذلك الدرج فَأتي بِهِ بِلَا صينية ففرغته فِي حجري وَجَلَست على صحن دَاري فِي بُسْتَان فِي يَوْم بَارِد طيب الشَّمْس وَهُوَ مزهرٌ بصنوف الشقائق والمنثور وَأَنا أَلعَب بذلك إِذْ دخل النَّاس بالزعقات وَالْمَكْرُوه فَلَمَّا قربوا مني دهشت ونفضت جَمِيع مَا كَانَ فِي حجري من الْجَوْهَر بَين ذَلِك الزهر فِي الْبُسْتَان وَلم يروه وَأخذت وحملت وَبقيت مُدَّة فِي المصادرة وَالْحَبْس وانقلبت الْفُصُول على الْبُسْتَان وجف مَا فِيهِ وَلم يفكر أحدٌ فِيهِ فَلَمَّا فرج الله عني وَجئْت إِلَى دَاري وَرَأَيْت الْمَكَان الَّذِي كنت فِيهِ ذكرت الْجَوْهَر فَقلت ترى بَقِي مِنْهُ شيءٌ ثمَّ قلت هَيْهَات وَأَمْسَكت ثمَّ قُمْت بنفسي وَمَعِي غُلَام يثير الْبُسْتَان بَين يَدي وَأَنا أفتش مَا يثيره وآخذ مِنْهُ الْوَاحِدَة بعد الْوَاحِدَة إِلَى أَن وجدت الْجَمِيع وَلم أفقد مِنْهُ شَيْئا وَكَانَ ينْسب إِلَى الْحمق والبله مِمَّا يحْكى عَنهُ أَنه قَالَ فِي دُعَائِهِ يَوْمًا اللَّهُمَّ اغْفِر لي من ذُنُوبِي مَا تعلم وَمَا لَا تعلم وَدخل يَوْمًا على ابْن الْفُرَات الْوَزير فَقَالَ يَا سَيِّدي عندنَا فِي الحويرة كلاب لَا يتركوننا

стр. 3237

ننام) من الصياح والقتال فَقَالَ الْوَزير أحسبهم جراء فَقَالَ لَا تظن أَيهَا الْوَزير لَا تظن ذَلِك كل كلب مثلي وَمثلك وَنظر يَوْمًا فِي الْمرْآة فَقَالَ لرجل آخر انْظُر ذقني هَل كَبرت أَو صغرت فَقَالَ إِن الْمرْآة بِيَدِك فَقَالَ صدقت وَلَكِن الْحَاضِر يرى مَا لَا يرى الْغَائِب ورؤي وَهُوَ يبكي وينتحب فَقيل لَهُ مَالك فَقَالَ أكلت الْيَوْم مَعَ الجوتري المخيض بالبصل فآذاني فَلَمَّا قَرَأت فِي الْمُصحف ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض فَقلت مَا أعظم قدرَة الله قد بَين الله كل شَيْء حَتَّى أكل اللَّبن مَعَ الْجَوَارِي وَأَرَادَ مرّة أَن يدنو من بعض جواريه فامتنعت عَلَيْهِ وتشاحت فَقَالَ أعطي الله عهدا لَا قربتك إِلَى سنة لَا أَنا وَلَا أحدٌ من جهتي وَقَالَ يَوْمًا قد خربَتْ يَدي لَو غسلتها ألف مرّة لم تنظف حَتَّى أغسلها مرَّتَيْنِ وَمَاتَتْ أم أبي إِسْحَاق الزّجاج فَاجْتمع النَّاس عِنْده للعزاء فَأقبل ابْن الْجَصَّاص وَهُوَ يضْحك وَيَقُول يَا أَبَا إِسْحَاق وَالله سرني هَذَا فدهش الزّجاج وَالنَّاس فَقَالَ بَعضهم يَا هَذَا كَيفَ سرك مَا غمه وغمنا لَهُ قَالَ وَيحك بَلغنِي أَنه هُوَ الَّذِي مَاتَ فَلَمَّا صَحَّ عِنْدِي أَنَّهَا أمه سرني ذَلِك فَضَحِك النَّاس وَكَانَ يكسر يَوْمًا لوزاً فطفرت لوزةٌ وأبعدت فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله كل الْحَيَوَان يهرب من الْمَوْت حَتَّى اللوز وَقَالَ يَوْمًا فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنَّك تَجِد من تعذبه غَيْرِي وَأَنا لَا أجد غَيْرك يغْفر لي فَاغْفِر لي وَقَالَ يَوْمًا اللَّهُمَّ امسخني واجعلني جوَيْرِية وزوجني بعمر بن الْخطاب فَقَالَ لَهُ زَوجته سل الله أَن يزوجك من النَّبِي ﷺ إِن كَانَ لَا بُد لَك من أَن تبقى جوَيْرِية فَقَالَ مَا أحب أَن أصير ضرَّة لعَائِشَة ﵂ وَأَتَاهُ يَوْمًا غُلَامه بفرخٍ وَقَالَ انْظُر هَذَا الفرخ مَا أشبهه بِأُمِّهِ فَقَالَ أمه ذكرٌ أَو أُنْثَى وَبنى ابْنه دَارا وأتقنها ثمَّ أَدخل أَبَاهُ ليراها وَقَالَ لَهُ انْظُر يَا أبه هَل ترى فِيهَا عَيْبا فَطَافَ بهَا وَدخل المستراح وَاسْتَحْسنهُ ثمَّ قَالَ فِيهِ عيب وَهُوَ أَن بَابه ضيقٌ لَا تدخل مِنْهُ الْمَائِدَة

стр. 3238

وَكتب إِلَى وكيلٍ لَهُ أَن يحمل لَهُ مائَة منٍّ قطناً فحملها إِلَيْهِ فَلَمَّا حلجت اسْتَقل المحلوج) وَكتب إِلَيْهِ أَن هَذَا لم يجِئ مِنْهُ إِلَّا الرّبع فَلَا تزرع بعْدهَا قطناً إِلَّا بِغَيْر حبٍّ وَيكون محلوجاً أَيْضا وَقَالَ يَوْمًا لصديقه وحياتك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَتردد إِلَى بعض النَّحْوِيين ليصلح لِسَانه فَقَالَ لَهُ بعد مُدَّة الْفرس بِالسِّين أَو بالصين وَقَالَ قُمْت البارحة إِلَى المستراح وَقد طفئ الْقنْدِيل فَمَا زلت أتلمظ المقعدة حَتَّى وَجدتهَا وانبثق لَهُ كنيف فَقَالَ لغلامه بَادر أحضر من يصلحه لنتغدى بِهِ قبل أَن يتعشى بِنَا وَطلب يَوْمًا من البستاني الَّذِي لَهُ بصلاً بخلٍّ فأحضر إِلَيْهِ بصلاً بِلَا خلٍّ فَقَالَ لَهُ لأي شَيْء مَا تزرعه بخل وَالصَّحِيح أَنه كَانَ يتظاهر بذلك ليرى الوزراء مِنْهُ هَذَا التغفل فيأمنوه على أنفسهم إِذا خلا بالخلفاء ٣ - (الرئيس بن سينا) الْحُسَيْن بن عبد الله بن سينا البُخَارِيّ أَبُو عَليّ الشَّيْخ الرئيس فيلسوف الْإِسْلَام قَالَ أَبُو عبيد عبد الْوَاحِد الْجوزجَاني ذكر الرئيس قَالَ كَانَ أبي رجلا من

стр. 3239

أهل بَلخ وانتقل إِلَى بُخَارى أَيَّام نوح بن مَنْصُور واشتغل بالتصوف وأحضر لي معلم الْقُرْآن ومعلم الْأَدَب وكملت الْعشْر من الْعُمر وَقد أتيت على الْقُرْآن وعَلى كثيرٍ من الْأَدَب فَكَانَ يقْضى مني الْعجب وَكَانَ أبي مِمَّن أجَاب دَاعِي المصريين ويعد من الإسماعيلية وَقد سمع مِنْهُم ذكر النَّفس وَالْعقل على الْوَجْه الَّذِي يَقُولُونَهُ وَكَذَلِكَ أخي وَرُبمَا تذاكرا بِهِ وَأَنا أسمعهما وَأدْركَ مَا يقولانه وَلَا تقبله نَفسِي وابتدءوا يدعونني إِلَيْهِ ثمَّ جَاءَ إِلَى بُخَارى أَبُو عبد الله الناتلي وَكَانَ يَدعِي الفلسفة فأنوله أبي دَارنَا رَجَاء تعليمي مِنْهُ وَكنت قبل قدومه أشتغل بالفقه والتردد فِيهِ إِلَى إِسْمَاعِيل الزَّاهِد وأبحث وأناظر فِيهِ ثمَّ ابتدأت بِكِتَاب إيساغوجي على الناتلي وَلما ذكر لي حد الْجِنْس أَنه هُوَ الْمَقُول على كثيرين مُخْتَلفين بالحقائق فِي جَوَاب مَا هُوَ وأخذته فِي تَحْقِيق الْحَد بِمَا لم يسمع مثله وتعجب مني كل الْعجب وحذر وَالِدي من شغلي بِغَيْر الْعلم وَكَانَ أَي مَسْأَلَة قَالَهَا لي أتصورها خيرا مِنْهُ حَتَّى قَرَأت ظواهر الْمنطق عَلَيْهِ وَأما دقائقه فَلم يكن عِنْده مِنْهَا خبرٌ ثمَّ أخذت أَقرَأ الْكتب على نَفسِي وأطالع الشُّرُوح حَتَّى أحكمت الْمنطق وَكَذَلِكَ كتاب أقليدس فَقَرَأت من أَوله) خَمْسَة أشكالٍ أَو سِتَّة عَلَيْهِ ثمَّ توليت من نَفسِي حل بَقِيَّة الأشكال بأسره ثمَّ انْتَقَلت إِلَى المجسطي وَلما فرغت من مقدماته وانتهيت إِلَى الأشكال الهندسية قَالَ لي الناتلي تول قرَاءَتهَا وحلها بِنَفْسِك ثمَّ اعرضها عَليّ لأبين لَك صَوَابه من خطئه وَمَا كَانَ الرجل يقوم بِالْكتاب وَأخذت أحل ذَلِك الْكتاب فكم من شكلٍ مَا عرفه إِلَّا وَقت مَا عرضته عَلَيْهِ وفهمته إِيَّاه ثمَّ فارقنا الناتلي واشتغلت أَنا بتحصيل الْعلم من الفصوص والشروح من الطبيعي والإلهي فَصَارَت أَبْوَاب الْعلم تنفتح عَليّ ثمَّ رغبت فِي علم الطِّبّ وصرت أَقرَأ الْكتب المصنفة فِيهِ وَعلم الطِّبّ فَلَيْسَ من الْعُلُوم الصعبة فَلَا جرم أَنِّي برزت فِيهِ فِي أقل مُدَّة حَتَّى بَدَأَ فضلاء الطِّبّ يقرءُون عَليّ علم الطِّبّ وتعهدت المرضى فانفتح عَليّ من أَبْوَاب المعالجات المقتبسة من التجربة مَا لَا يُوصف وَأَنا مَعَ ذَلِك أختلف إِلَى الْفِقْه وأناظر فِيهِ وَأَنا فِي هَذَا الْوَقْت من أَبنَاء سِتّ عشرَة سنة ثمَّ توفرت على الْعلم وَالْقُرْآن سنة وَنصفا وأعدت قِرَاءَة الْمنطق وَجَمِيع أَجزَاء الفلسفة وَفِي هَذِه الْمدَّة مَا نمت

стр. 3240

لَيْلَة وَاحِدَة وَلَا اشتغلت فِي النَّهَار بِغَيْرِهِ وجمعت بَين يَدي ظهوراً فَكل حجَّة أنظر فِيهَا أثبت مقدماتٍ قياسيةٍ ورتبتها فِي تِلْكَ الظُّهُور ثمَّ نظرت عساها تنْتج وراعيت شُرُوط مقدماته حَتَّى تحقق لي حَقِيقَة الْحق فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة وَكلما كنت أتحير فِي مَسْأَلَة وَلم أكن أظفر بِالْحَدِّ الْأَوْسَط فِي قياسٍ ترددت إِلَى الْجَامِع وَصليت وابتهلت إِلَى مبدع الْكل حَتَّى فتح لي المنغلق مِنْهُ وتيسر المتعسر وَكنت أشتغل بِالنَّهَارِ وَاللَّيْل فمهما غلبني النّوم أَو شَعرت بضعفٍ عدلت إِلَى شرب قدحٍ من الشَّرَاب ريثما تعود إِلَيّ قوتي ثمَّ ارْجع إِلَى الْقِرَاءَة وَمهما أَخَذَنِي أدنى نومٍ أحلم بِتِلْكَ الْمسَائِل بِأَعْيَانِهَا حَتَّى إِن كثيرا من الْمسَائِل اتَّضَح لي وجوهها فِي الْمَنَام وَكَذَلِكَ حَتَّى استحكم معي جَمِيع الْعُلُوم ووقفت عَلَيْهَا بِحَسب الْإِمْكَان الإنساني وَدلّ مَا عَلمته ذَلِك الْوَقْت فَهُوَ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ لم أزدد فِيهِ إِلَى الْيَوْم حَتَّى أحكمت علم الْمنطق والطبيعي والرياضي ثمَّ عدلت إِلَى الإلهي وقرأت كتاب مَا بعد الطبيعة فَمَا كنت أفهم مَا فِيهِ والتبس عَليّ غَرَض وَاضعه حَتَّى أعدت قِرَاءَته أَرْبَعِينَ مرّة وَصَارَ لي مَحْفُوظًا وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أفهمهُ وَلَا أعلم مَا الْمَقْصُود بِهِ وأيست من نَفسِي وَقلت هَذَا لَا سَبِيل إِلَى فهمه وَإِذا أَنا فِي يَوْم من الْأَيَّام) قد حضرت الوراقين وبيد دلالٍ مُجَلد يُنَادي عَلَيْهِ فعرضه عَليّ فرددته رد متبرمٍ بِهِ مُعْتَقد أَن لَا فَائِدَة فِي هَذَا الْعلم فَقَالَ لي اشْتَرِ مني هَذَا فَإِنَّهُ رخيصٌ فاشتريته بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَإِذا هُوَ كتابٌ لأبي نصرٍ الفارابي فِي أغراض كتاب مَا بعد الطبيعة فَرَجَعت إِلَى بَيْتِي وقرأته فانفتح عَليّ بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت أغراض ذَلِك الْكتاب بِسَبَب أَنه قد كَانَ لي على ظهر قلب وفرحت بذلك وتصدقت ثَانِي يَوْم بِشَيْء كثيرٍ على الْفُقَرَاء شكرا لله تَعَالَى وَكَانَ سُلْطَان بُخَارى فِي ذَلِك الْوَقْت نوح بن مَنْصُور الساماني فاتفق أَن مرض مَرضا تكع الْأَطِبَّاء فِيهِ وَكَانَ اسْمِي اشْتهر بَينهم بالتوفر على الْعلم وَالْقِرَاءَة فأجروا ذكري بَين يَدَيْهِ فَأمر بإحضاري وشاركتهم فِي مداواته وتوسمت بخدمته فَسَأَلته يَوْمًا دخولي دَار كتبهمْ ومطالعتها وَقِرَاءَة مَا فِيهَا من كتب الطِّبّ فَأذن لي فَدخلت دَارا ذَات بيُوت فِي كل بَيت صناديق كتب منضدة بَعْضهَا على الْبَعْض فِي بيتٍ الْعَرَبيَّة وَالشعر وَفِي آخر الْفِقْه وكل بَيت كتب علمٍ مُفْرد فطالعت فهرست كتب الْأَوَائِل وَطلبت مَا احتجت إِلَيْهِ وَرَأَيْت هُنَاكَ من الْكتب مَا لم يَقع إِلَيّ اسْمه فَقَرَأت تِلْكَ الْكتب وظفرت بفوائدها فَلَمَّا بلغت ثَمَانِيَة عشر من عمري فرغت من هَذِه الْعُلُوم وَكنت إِذْ ذَاك للْعلم أحفظ وَلكنه الْيَوْم معي أنضج وَإِلَّا فالعلم واحدٌ لم يَتَجَدَّد لي بعده شيءٌ وَكَانَ فِي جواري رجلٌ يُقَال لَهُ أَبُو الْحسن الْعَرُوضِي فَسَأَلَنِي أَن أصنف لَهُ كتابا جَامعا فِي هَذَا الْعلم فصنفته لَهُ وَهُوَ كتاب الْمَجْمُوع وسميته بِهِ وأتيت فِيهِ على سَائِر الْعُلُوم سوى

стр. 3241

الرياضي ولي إِذْ ذَاك إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ فِي جواري أَيْضا رجلٌ يُقَال لَهُ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ البرقي فَقِيه النَّفس متوجهٌ فِي التَّفْسِير فصنفت لَهُ كتاب الْحَاصِل والمحصول فِي قريب من عشْرين مجلداً وصنفت لَهُ فِي الْأَخْلَاق كتاب الْبر وَالْإِثْم وَهَذَا الكتابان فَلَا يوجدان إِلَّا عِنْده ثمَّ مَاتَ وَالِدي وتصرفت فِي الْأَعْمَال وتقلدت شَيْئا من أَعمال السُّلْطَان ودعتني الضَّرُورَة إِلَى الْإِخْلَال ببخارى لما اضْطَرَبَتْ أَحْوَال الدولة السامانية والانتقال إِلَى كركانج وقدمت إِلَى الْأَمِير بهَا وَهُوَ عَليّ بن الْمَأْمُون وَكنت على زِيّ الْفُقَهَاء بطيلسانٍ وَتَحْت الحنك وتنقلت فِي الْبِلَاد إِلَى جرجان وَكَانَ قصدي الْأَمِير قَابُوس فاتفق فِي أثْنَاء هَذَا أَخذ قَابُوس وحبسه) فِي بعض القلاع وَمَوته فمضيت إِلَى دهستان ومرضت وعدت إِلَى جرجان فاتصل بِي أَبُو عبيد الْجوزجَاني وأنشدت فِي حَالي قصيدةً فِيهَا الْبَيْت الْقَائِل من الْكَامِل (لما عظمت فَلَيْسَ مصرٌ واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المُشْتَرِي) قَالَ أَبُو عبيد هَذَا مَا حَكَاهُ لي وَأما مَا شاهدته أَنا من أَحْوَاله فَإِنَّهُ كَانَ بجرجان رجلٌ يُقَال لَهُ أَبُو مُحَمَّد الشِّيرَازِيّ يحب هَذِه الْعُلُوم فَاشْترى للشَّيْخ دَارا فِي جواره وأنزله إِلَيْهِ وَأَنا أختلف إِلَيْهِ فِي كل يَوْم أَقرَأ المجسطي وأستملي الْمنطق فأملى عَليّ الْمُخْتَصر الْأَوْسَط وصنف لأبي مُحَمَّد كتاب المبدأ والمعاد وَكتاب الأرصاد الْكُلية وصنف هُنَاكَ كتبا كَثِيرَة كأول القانون ومختصر المجسطي وَكَثِيرًا من الرسائل ثمَّ صنف فِي أَرض الْجَبَل بَقِيَّة كتبه وَذكر مِنْهَا جملَة ثمَّ انْتقل إِلَى الرّيّ واتصل بِخِدْمَة السيدة وَابْنهَا مجد الدولة وعرفوه بِسَبَب كتب وصلت مَعَه تَتَضَمَّن تَعْرِيف قدره وَكَانَ بمجد الدولة إِذْ ذَاك عِلّة السَّوْدَاء فاشتغل بمداواته وصنف هُنَاكَ كتاب الْمعَاد ثمَّ اتّفقت لَهُ أَسبَاب أوجبت خُرُوجه إِلَى قزوين وَمِنْهَا همذان واتفقت لَهُ معرفَة شمس الدولة وَحضر مَجْلِسه بِسَبَب قولنج أَصَابَهُ وعالجه فشفاه الله وفاز من ذَلِك الْمجْلس بخلعٍ كَثِيرَة وَصَارَ من ندمائه وسألوه تقلد الوزارة فتقلدها ثمَّ اتّفق تشويش الْعَسْكَر عَلَيْهِ وَأَشْفَقُوا على أنفسهم مِنْهُ فكبسوا دَاره وأخذوه إِلَى الْحَبْس وأغاروا على أَسبَابه وَجَمِيع مَا يملكهُ وساموا الْأَمِير قَتله فَامْتنعَ وعزل نَفسه عَن الدولة طلبا لمرضاتهم وتوارى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فعاود شمس الدولة القولنج فَأحْضرهُ مَجْلِسه وَاعْتذر الْأَمِير شمس الدولة إِلَيْهِ بِكُل عذرٍ واشتغل بمعالجته وَأقَام عِنْده مكرماً مبجلاً وأعيد إِلَى الوزارة ثَانِيًا وَسَأَلته أَن يشْرَح لي كتب أرسطو فَذكر أَن لَا فرَاغ لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَكِن إِن رضيت مني بتصنيف كتابٍ أورد فِيهِ مَا صَحَّ عِنْدِي من هَذِه الْعُلُوم بِلَا مناظرة مَعَ الْمُخَالفين وَلَا الِاشْتِغَال بِالرَّدِّ عَلَيْهِم فعلت ذَلِك فرضيت مِنْهُ بذلك فابتدأ بالطبيعيات من كتاب سَمَّاهُ الشِّفَاء وَكَانَ قد صنف الأول من القانون فَكُنَّا نَجْتَمِع كل لَيْلَة فِي دَار طلبة الْعلم وَكنت أَقرَأ من الشفاد نوبَة وَيقْرَأ غَيْرِي من القانون نوبَة فَإِذا فَرغْنَا حضر المغنون على اخْتِلَاف طبقاتهم وعبئ مجْلِس الشَّرَاب بآلاته وَكُنَّا نشتغل بِهِ وَكَانَ التدريس

стр. 3242

بِاللَّيْلِ لعدم الْفَرَاغ بِالنَّهَارِ خدمَة للأمير فقضينا على ذَلِك زَمنا ثمَّ توجه شمس الدولة لِحَرْب أَمِير الطرم وعاوده القولنج وانضاف إِلَى ذَلِك أمراضٌ أُخْرَى جلبها سوء) تَدْبيره وَعدم قبُول إشارات الشَّيْخ فخاف الْعَسْكَر وَفَاته فَرَجَعُوا بِهِ وَتُوفِّي فِي الطَّرِيق وبويع ابْن شمس الدولة وطلبوا وزارة الشَّيْخ فَأبى عَلَيْهِم وَكَاتب عَلَاء الدولة أَبَا جَعْفَر ابْن كاكويه سرا يطْلب خدمته والمسير إِلَيْهِ وَأقَام فِي دَار أبي غَالب الْعَطَّار مُتَوَلِّي الْمُهَذّب فطلبت مِنْهُ إتْمَام كتاب الشِّفَاء فَطلب الكاغد والمحبرة وَكتب فِي قريب من عشْرين جُزْءا رُءُوس الْمسَائِل فكتبها كلهَا بِلَا كتابٍ يحضرهُ وَلَا أصلٍ يرجع إِلَيْهِ وَفرغ مِنْهَا فِي يَوْمَيْنِ ثمَّ ترك تِلْكَ الْأَجْزَاء بَين يَدَيْهِ وَأخذ الكاغد فَكَانَ ينظر فِي كل مَسْأَلَة وَيكْتب شرحها فَكَانَ يكْتب كل يومٍ خمسين ورقة حَتَّى أَتَى على جَمِيع طبيعيات الشِّفَاء والإلهيات مَا خلا كتاب الْحَيَوَان وابتدأ بالْمَنْطق وَكتب مِنْهُ جُزْءا ثمَّ اتهمه تَاج الْملك بمكاتبة عَلَاء الدولة فَحَث فِي طلبه فَدلَّ عَلَيْهِ بعض أعدائه وودوه إِلَى قلعةٍ يُقَال لَهَا فردجان وَأنْشد هُنَاكَ قصيدةً مِنْهَا من الوافر (دخولي بِالْيَقِينِ كَمَا ترَاهُ ... وكل الشَّك فِي أَمر الْخُرُوج) وَبَقِي فِيهَا أَرْبَعَة أشهر ثمَّ قصد عَلَاء الدولة همذان وَأَخذهَا وَانْهَزَمَ تَاج الْملك ثمَّ رَجَعَ عَلَاء الدولة عَن همذان وَعَاد تَاج الْملك وَابْن شمس الدولة إِلَى همذان وحملوا الشَّيْخ مَعَهم إِلَى همذان وَنزل فِي دَار الْعلوِي واشتغل بتصنيف الْمنطق من كتاب الشِّفَاء وَكَانَ قد صنف بالقلعة كتاب الهدايات ورسالة حَيّ بن يقظان وَكتاب القولنج وَأما الْأَدْوِيَة القلبية فَإِنَّمَا صنفها أول وُرُوده إِلَى همذان وتقضى على هَذَا زمانٌ وتاج الْملك يمنيه بمواعيد جميلةٍ ثمَّ عَن لَهُ التَّوَجُّه إِلَى أَصْبَهَان فَخرج متنكراً وَأَنا وَأَخُوهُ وغلامان مَعَه فِي زِيّ الصُّوفِيَّة فقاسينا شَدَائِد إِلَى أَن قربنا من أَصْبَهَان فَخرج أصدقاؤه وندماء عَلَاء الدولة وخواصه وحملوا إِلَيْهِ المراكب الْخَاصَّة وَالثيَاب الفاخرة وَأنزل فِي مَكَان فِيهِ من الْآلَات جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ورسم لَهُ فِي ليَالِي الْجمع بمجالس النّظر بَين يَدَيْهِ ويحضره الْعلمَاء على اخْتِلَاف طبقاتهم فَمَا كَانَ يُطَاق فِي شيءٍ من الْعُلُوم وتمم بأصبهان كتاب الشِّفَاء ففرغ من الْمنطق والمجسطي وَكَانَ قد اختصر أقليدس والأرثماطيقي والموسيقى وَأورد فِي كل كتاب من الرياضيات زياداتٍ رأى أَن الْحَاجة إِلَيْهَا داعيةٌ أما فِي المجسطي فأورد فِيهِ عشرَة أشكال فِي اخْتِلَاف المنظر وَأورد فِي آخر المجسطي فِي الْهَيْئَة إيراداتٍ لم يسْبق إِلَيْهَا وَأورد فِي أقليدس شبها وَفِي الأرثماطيقي حَسَنَة وَفِي الموسيقى مسَائِل غفل عَنْهَا الْأَولونَ وَتمّ الْكتاب الْمَعْرُوف بالشفاء مَا خلا كتاب) النَّبَات وَكتاب الْحَيَوَان فَإِنَّهُمَا صنفا فِي السّنة الَّتِي توجه فِيهَا عَلَاء الدولة إِلَى سَابُور فِي الطَّرِيق وصنف فِي الطَّرِيق أَيْضا كتاب النجَاة

стр. 3243

واختص بعلاء الدولة ونادمه إِلَى أَن عزم عَلَاء الدولة على قصد همذان وَخرج الشَّيْخ صحبته فَجرى لَيْلَة بَين يَدي عَلَاء الدولة ذكر الْخلَل الْحَاصِل فِي التقاويم المعمولة بِحَسب الأرصاد الْقَدِيمَة فَأمر الشَّيْخ بالاشتغال برصد هَذِه الْكَوَاكِب وَأطلق لَهُ من الْأَمْوَال مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وولاني اتِّخَاذ آلاتها واستخدام صناعتها حَتَّى ظهر كثيرٌ من الْمسَائِل وَكَانَ يَقع الْخلَل فِي الرصد لِكَثْرَة الْأَسْفَار وعوائقها وصنف الْكتاب العلائي وَكَانَ الشَّيْخ يَوْمًا جَالِسا بَين يَدي الْأَمِير عَلَاء الدولة وَأَبُو مَنْصُور حاضرٌ فَجرى فِي اللُّغَة مسألةٌ فَتكلم فِيهَا الشَّيْخ بِمَا حَضَره فَالْتَفت أَبُو مَنْصُور إِلَى الشَّيْخ وَقَالَ نقُول إِنَّك حكيمٌ وفيلسوفٌ وَلَكِن لم تقْرَأ من اللُّغَة مَا يُرْضِي كلامك فِيهَا فاستنكف الشَّيْخ من هَذَا الْكَلَام وتوفر على درس كتب اللُّغَة ثَلَاث سِنِين واستهدى كتاب تَهْذِيب اللُّغَة من خُرَاسَان وَبلغ فِي اللُّغَة طبقَة قَلما يتَّفق مثلهَا ونظم ثَلَاث قصائد وضمنها ألفاظاً غَرِيبَة وَكتب بهَا ثَلَاثَة كتب أَحدهَا على طَريقَة الصابي وَالْأُخْرَى على طَريقَة الصاحب وَالْأُخْرَى على طَريقَة ابْن العميد وجلدها وأخلق جلدهَا وورقها ثمَّ أوعز الْأَمِير عَلَاء الدّين فَعرض تِلْكَ المجلدات على أبي مَنْصُور وَقَالَ ظفرنا بهَا فِي الصَّيْد فِي الصَّحرَاء فَتَقول لنا مَا فِيهَا فَنظر فِيهَا أَبُو مَنْصُور وأشكل عَلَيْهِ كثيرٌ مِمَّا فِيهَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ إِن مَا تجهله من هَذَا فَهُوَ مذكورٌ فِي الْموضع الْفُلَانِيّ من كتاب فلانٍ وَذكر لَهُ كتبا كَثِيرَة من اللُّغَة الْمَعْرُوفَة فَفطن أَبُو مَنْصُور أَن تِلْكَ من وضع الشَّيْخ وَأَن الَّذِي حمله مَا جبهه بِهِ ذَلِك الْيَوْم فتنصل وَاعْتذر إِلَيْهِ ثمَّ صنف الشَّيْخ كتابا سَمَّاهُ لِسَان الْعَرَب لم يصنف فِي اللُّغَة مثله وَلم يَنْقُلهُ إِلَى الْبيَاض حَتَّى توفّي وَلم يهتد أحدٌ إِلَى تَرْبِيَته وَكَانَ قد حصل لَهُ تجارب كَثِيرَة فِيمَا بَاشَرَهَا من المعالجات وعزم على تدوينها فِي كتاب القانون وَكَانَ قد علقها فِي أجزاءٍ فَضَاعَت قبل تَمَامه كتاب القانون من ذَلِك أَنه صدع يَوْمًا فتصور أَن مَادَّة تُرِيدُ النُّزُول إِلَى حجاب رَأسه وَأَنه لَا يَأْمَن ورماً يحصل فِيهِ فَأمر بإحضار ثلج كثير ودقه ولفه فِي خرقةٍ وتغطية رَأسه بهَا فَفعل ذَلِك حَتَّى قوي الْموضع وَامْتنع من قبُول مادته وعوفي) وَمن ذَلِك امرأةٌ مسلولة بخوارزم أمرهَا أَن لَا تتَنَاوَل شَيْئا من الْأَدْوِيَة سوى الجلنجبين السكرِي حَتَّى تناولت على الْأَيَّام مِقْدَار مائَة منٍّ وشفيت الْمَرْأَة وَكَانَ قد صنف بجرجان الْمُخْتَصر الْأَوْسَط فِي الْمنطق وَهُوَ الَّذِي وَضعه بعد ذَلِك أول النجَاة وَوَقعت نسخةٌ إِلَى شيراز فَنظر فِيهَا جماعةٌ من أهل الْعلم هُنَاكَ فَوَقَعت لَهُم شبهٌ فِي مسَائِل مِنْهَا فكتبوها فِي جُزْء وَكَانَ قَاضِي شيراز من جملَة الْقَوْم فأنفذ الْجُزْء إِلَى أبي الْقَاسِم الْكرْمَانِي صَاحب إِبْرَاهِيم بن بَابا الديلمي المشتغل بِعلم المناظر وأنفذها على يَدي ركابي

стр. 3244

قاصدٍ فَعرض الْجُزْء على الشَّيْخ عِنْد اصفرار الشَّمْس فِي يومٍ صائفٍ فَترك الْجُزْء بَين يَدَيْهِ وَنظر فِيهِ وَالنَّاس يتحدثون ثمَّ خرج أَبُو الْقَاسِم فَأمرنِي بإحضار الْبيَاض وَقطع أَجزَاء مِنْهَا فشددت خَمْسَة أَجزَاء كل وَاحِد عشرَة أوراق بِالربعِ الفرعوني وصلينا الْعشَاء وَقدم الشمع وَأمر بإحضار الشَّرَاب وأجلسني وأخاه وأمرنا بمناولة الشَّرَاب وابتدأ هُوَ بِجَوَاب تِلْكَ الْمسَائِل وَكَانَ يكْتب وَيشْرب إِلَى نصف اللَّيْل حَتَّى غلبني وأخاه النّوم فَأمرنَا بالانصراف وَعند الصَّباح قرع الْبَاب فَإِذا رَسُول الشَّيْخ يستحضرني فحضرته وَهُوَ على الْمصلى وَبَين يَدَيْهِ الْأَجْزَاء الْخَمْسَة فَقَالَ خُذْهَا وصر بهَا إِلَى الشَّيْخ أبي الْقَاسِم الْكرْمَانِي وَقل لَهُ استعجلت فِي الْإِجَابَة عَنْهَا لِئَلَّا بتعوق الركابي فَصَارَ هَذَا الحَدِيث تَارِيخا بَينهم وَوضع فِي حَال الرصد آلَات مَا سبق إِلَيْهَا وصنف فِيهَا رِسَالَة وَبقيت أَنا ثَمَانِي سِنِين فِي خدمَة الرصد وَكَانَ غرضي تبين مَا يحكيه بطليموس عَن نَصبه فِي الأرصاد وصنف الشَّيْخ كتاب الْإِنْصَاف وَكَانَ أَبُو عليٍّ قوي المزاج يغلب عَلَيْهِ حب النِّكَاح حَتَّى أنهكه مُلَازمَة ذَلِك وأضعفه وَلم يكن يُدَارِي مزاجه وَعرض لَهُ قولنج فحقن نَفسه فِي يَوْم وَاحِد ثَمَانِي مراتٍ فقرح بعض أمعائه وَظهر بِهِ سحجٌ وَاتفقَ سَفَره مَعَ عَلَاء الدولة فَحدث لَهُ الصرع الْحَادِث عقيب القولنج فَأمر باتخاذ دانقين من كرفس فِي جملَة مَا يحقن بِهِ وخلطه بهَا طلبا لكسر الرِّيَاح فقصد بعض الْأَطِبَّاء الَّذِي كَانَ يتَقَدَّم هُوَ إِلَيْهِ بمعالجته وَطرح من بزر الكرفس خَمْسَة دَرَاهِم لست أَدْرِي فعله عمدا أَو خطأ لأنني لم أكن مَعَه فازداد السحج بِهِ من حِدة ذَلِك البزر وَكَانَ يتَنَاوَل المثرود يطوس لأجل الصرع فَقَامَ بعض غلمانه وَطرح فِيهِ شَيْئا كثيرا من الأفيون وناوله فَأَكله وَكَانَ سَبَب ذَلِك خيانتهم لَهُ فِي مالٍ كثيرٍ من خزانته فتمنوا إهلاكه ليأمنوا) عَاقِبَة أَعْمَالهم وَنقل الشَّيْخ إِلَى أَصْبَهَان فاشتغل بتدبير نَفسه وَكَانَ من الضعْف بِحَيْثُ لَا يقدر على الْقيام وَلم يزل يعالج نَفسه حَتَّى قدر على الْمَشْي وَحضر مجْلِس عَلَاء الدولة وَلكنه مَعَ ذَلِك لَا يتحفظ وَيكثر التَّخْلِيط فِي أَمر المجامعة وَلم يبرأ كل الْبُرْء وَكَانَ ينتكس كل وقتٍ وَيبرأ ثمَّ قصد عَلَاء الدولة همذان فَسَار مَعَه الشَّيْخ فعاودته تِلْكَ الْعلَّة فِي الطَّرِيق إِلَى أَن وصل همذان وَعلم أَن قوته قد سَقَطت وَأَنَّهَا لَا تفي بِدفع الْمَرَض فأهمل مداواة نَفسه وَقَالَ الْمُدبر الَّذِي كَانَ يدبر بدني قد عجز عَن التَّدْبِير فَلَا تَنْفَع المعالجة ثمَّ اغْتسل وَتَابَ وَتصدق بِمَا مَعَه على الْفُقَرَاء ورد الْمَظَالِم على من عرفه وَأعْتق مماليكه وَجعل يخْتم فِي كل ثَلَاثَة أَيَّام ختمةً ثمَّ انْتقل إِلَى جوَار ربه يَوْم الْجُمُعَة فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وعمره ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَ مولده فِي صفر سنة سبعين وثلاثمائة انْتهى

стр. 3245

قلت وَلم يَأْتِ فِي الْإِسْلَام بعد أبي نصر الفارابي من قَامَ بعلوم الفلسفة مثل الشَّيْخ الرئيس أَبُو عليٍّ إِلَّا أَن عِبَارَته أفْصح وأعذب وَأحلى وَأجلى وَمَا كَانَ كَلَام الْأَطِبَّاء قبله إِلَّا كَلَام عَجَائِز حَتَّى جَاءَ الرئيس وأتى بالقانون فَكَأَنَّهُ خطب لبلاغة مَعَانِيه وفصاحة أَلْفَاظه وَكَانَ الإِمَام فَخر الدّين لَا يُطلق لفظ الشَّيْخ إِلَّا عَلَيْهِ وَكَانَ يحفظ الإشارات الَّتِي لَهُ بِالْفَاءِ وَالْوَاو ويكتبها من حفظه وحكايته مَعَ القطب الْمصْرِيّ فِيمَا يدل على تَعْظِيم الرئيس مرت فِي تَرْجَمَة قطب الدّين إِبْرَاهِيم بن عيل الْمصْرِيّ وَلما اختصر الإِمَام فَخر الدّين الإشارات الَّتِي للرئيس جَاءَ إِلَى مقامات العارفين وَأوردهُ بِلَفْظِهِ لِأَنَّهُ لم يقدر على الْإِتْيَان بأحلى من تِلْكَ الْعبارَة وَقَالَ هَذَا الْبَاب لَا يقبل الانتخاب لِأَنَّهُ فِي غَايَة الْحسن وَمَا محَاسِن شَيْء كُله حسنٌ وَجَاء فِي كَلَام الرئيس فِي النمط التَّاسِع أَن قَالَ جلّ جناب الْحق أَن يكون شَرِيعَة لكل وَارِد أَو يطلع عَلَيْهِ إِلَّا واحدٌ بعد وَاحِد وَلذَلِك فَإِن مَا يشْتَمل عَلَيْهِ هَذَا الْفَنّ ضحكةٌ للمغفل عِبْرَة للمحصل فَمن سَمعه فاشمأز عَنهُ فليتهم نَفسه فَلَعَلَّهُ لَا يُنَاسِبه وكل ميسرٌ لما خلق لَهُ انْتهى قلت وَقد رَأَيْت القَاضِي الْفَاضِل ﵀ قَالَ فِي بعض فصوله وَقَالَ ابْن سينا قلقل الله) أنيابه بِكَلَالِيب جَهَنَّم جلّ جناب الْحق أَن يكون شرعةً لكل وَارِد أَو يطلع عَلَيْهِ إِلَّا واحدٌ بعد وَاحِد وَأخذ يعاكسه ويظن أجساد أَلْفَاظه تكون لهَذِهِ الْأَرْوَاح هياكل أَو أَن كَلِمَاته المزوقة تكون للباب هَذِه الْمعَانِي قشوراً فتشدق وتفيهق وتمطى وتمطق من الْبَسِيط (من أَيْن أَنْت وَهَذَا الشَّأْن تذكره ... أَرَاك تقرع بَابا عَنْك مسدودا) إِلَّا أَن الرئيس أَبَا عليٍّ كَانَ من فلاسفة الْإِسْلَام وعدة الْعلمَاء فِي الْحُكَمَاء قَالَ تَاج الدّين مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشهرستاني فِي كتاب الْملَل والنحل الْمُتَأَخّرُونَ من فلاسفة الْإِسْلَام مثل يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ وحنين بن إِسْحَاق وَيحيى النَّحْوِيّ وَأبي الْفَرح الْمُفَسّر وَأبي سُلَيْمَان السجْزِي وَأبي سُلَيْمَان مُحَمَّد بن مسعر الْمَقْدِسِي وَأبي بكر ثَابت بن قُرَّة الْحَرَّانِي وَأبي تَمام يُوسُف بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي وَأبي زيد أَحْمد بن سهل الْبَلْخِي وَأبي محَارب الْحُسَيْن بن سهل بن محَارب القمي وَأحمد بن الطّيب السَّرخسِيّ وَطَلْحَة بن مُحَمَّد النَّسَفِيّ وَأبي حَامِد أَحْمد بن مُحَمَّد الإِسْفِرَايِينِيّ وَعِيسَى بن عَليّ ابْن عِيسَى الْوَزير وَأبي عَليّ أَحْمد بن مُحَمَّد بن مسكويه وَأبي زَكَرِيَّا يحيى ابْن عَليّ الصَّيْمَرِيّ وَأبي الْحسن العامري وَأبي نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن طرخان الفارابي وَغَيرهم وَإِنَّمَا عَلامَة الْقَوْم أَبُو عليٍّ الْحُسَيْن بن عبد الله بن سينا كلهم قد سلكوا طَريقَة أرسطاليس فِي جَمِيع مَا ذهب إِلَيْهِ وَانْفَرَدَ بِهِ سوى كلماتٍ يسيرةٍ رُبمَا رَأَوْا فِيهَا رَأْي أفلاطون والمتقدمين وَلما كَانَت طَريقَة

стр. 3246

ابْن سينا أدق وَنَظره فِي الْحَقَائِق أغوص اخْتَرْت نقل طَرِيقَته من كتبه على إيجاز واختصار فَإِنَّهَا عُيُون كَلَامه ومتون مرامه وأعرضت عَن نقل طرق البَاقِينَ وكل الصَّيْد فِي جَوف الفرا وَقَالَ القَاضِي شهَاب الدّين إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن عبد الْمُنعم الْمَعْرُوف بِابْن أبي الدَّم فِي كتاب الْفرق الإسلامية إِلَّا أَنه لم يقم أحدٌ من هَؤُلَاءِ بِعلم أرسطاليس مثل مقَام أبي نصرٍ الفارابي وَأبي عَليّ بن سيناء وَلَا صنف أحدٌ مِنْهُم مثل تصانيفهما وَكَانَ الرئيس أَبُو عَليّ بن سينا أقوم الرجلَيْن بذلك وأعلمهما بِهِ ثمَّ قَالَ فِيمَا بعد وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن ابْن سينا كَانَ يَقُول بقدم الْعَالم وَنفى الْمعَاد الجسماني وَأثبت الْمعَاد النفساني وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى لَا يعلم الجزئيات بعلمٍ جزئي وَإِنَّمَا يعلمهَا بعلمٍ كليٍّ وَقطع عُلَمَاء زَمَانه وَمن بعده الْأَئِمَّة الْمُعْتَبرَة أَقْوَالهم أصولاً) وفروعاً من الْحق بِكُفْرِهِ وبكفر أبي نصرٍ الفارابي بِهَذِهِ الْمسَائِل الثَّلَاث واعتقاده فِيهَا بِمَا يُخَالف اعْتِقَاد الْمُسلمين قلت وَكَانَ رَأْيه فِي الْفُرُوع رَأْي الإِمَام أبي حنيفَة ذكر تصانيفه كتاب الشِّفَاء جمع فِيهِ الْعُلُوم الْأَرْبَعَة وصنف طبيعياته وإلهياته فِي مُدَّة عشْرين يَوْمًا بهمذان وَلَا مزِيد لأحد على مَا فِيهِ من الْمنطق كتاب اللواحق يذكر أَنه شرحٌ للشفاء كتاب الْحَاصِل والمحصول صنفه أول عمره فِي قريب من وَعِشْرُونَ مجلدة كتاب الْبر وَالْإِثْم مجلدان كتاب الْإِنْصَاف جمع فِيهِ كتب أرسطو جَمِيعهَا وأنصف فِيهِ بَين المشرقيين والمغربيين ضَاعَ فِي نهب السُّلْطَان مَسْعُود وَهُوَ فِي عشْرين مجلداً كتاب الْمَجْمُوع وَيعرف بالحكمة العروضية صنفه لأبي حسن الْعَرُوضِي وعمره إِحْدَى وَعشْرين سنة كتاب القانون صنف بعضه بجرجان وتممه بِالريِّ وعول على أَن يعْمل لَهُ شرحاً قلت وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُسمى هَذَا القانون كتاب الشِّفَاء لكَونه فِي الطِّبّ وعلاج الْأَمْرَاض وَأَن يُسمى كتاب الشِّفَاء كتاب القانون لِأَن الشِّفَاء فِيهِ الْعُلُوم الْأَرْبَع الَّتِي هِيَ الْحِكْمَة والقانون هُوَ الْأَمر الْكُلِّي الَّذِي ينطبق على جَمِيع جزئيات ذَلِك الشَّيْء كتاب الْأَوْسَط الْجِرْجَانِيّ فِي الْمنطق كتاب المبدأ والمعاد فِي النَّفس كتاب الأرصاد الْكُلية كتاب الْمعَاد كتاب لِسَان الْعَرَب فِي اللُّغَة عشر مجلدات لم يَنْقُلهُ من الْبيَاض كتاب الإشارات والتنبيهات وَهُوَ آخر مَا صنف وأجوده وَقد سقت فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن مُحَمَّد الشرواني سنداً بِهَذَا الْكتاب كتاب الْهِدَايَة فِي الْحِكْمَة صنفه وَهُوَ مَحْبُوس بقلعة مردوخان لِأَخِيهِ عَليّ كتاب القولنج صنفه بِهَذِهِ القلعة كتاب الْأَدْوِيَة القلبية رِسَالَة حَيّ بن يقظان صنفها بِهَذِهِ القلعة وَقد عارضها جمَاعَة مِنْهُم ابْن رشد المغربي وَغَيره مقَالَة فِي النبض بِالْفَارِسِيَّةِ مقَالَة فِي مخارج

стр. 3247

الْحُرُوف مقَالَة فِي القوى الطبيعية رِسَالَة الطير مرموزة فِيمَا يُوصل إِلَى علم الْحق كتاب الْحُدُود كتاب عُيُون الْحِكْمَة يجمع الْعُلُوم الثَّلَاث مقَالَة فِي عكوس ذَوَات الْجِهَة الْخطْبَة التوحيدية فِي الإلهيات والموجز الْكَبِير فِي الْمنطق وَأما الموجز الصَّغِير فَإِنَّهُ منطق النجَاة القصيدة المزدوجة فِي الْمنطق مقَالَة فِي تَحْصِيل السَّعَادَة تعرف بالحجج الْعشْر مقَالَة فِي الْقَضَاء وَالْقدر مقَالَة فِي الهندباء مقَالَة فِي الْإِشَارَة إِلَى علم الْمنطق مقَالَة فِي تقاسيم الْعُلُوم وَالْحكمَة رِسَالَة فِي) السكنجبين مقَالَة فِي أَن لَا نِهَايَة تعاليق علقها عَنهُ بعض الأفاضل مقَالَة فِي خَواص خطّ الاسْتوَاء المباحثات سُؤال بهمنيار تِلْمِيذه وَجَوَابه لَهُ عشر مسَائِل أجَاب عَنْهَا لأبي الريحان البيروني جَوَاب سِتّ عشرَة مَسْأَلَة لأبي الريحان مقَالَة فِي هَيْئَة الأَرْض وَكَونهَا فِي الْوسط كتاب الْحِكْمَة المشرقية وَلم يتم مقَالَة فِي تعقب الْمَوَاضِع الجدلية الْمدْخل إِلَى صناعَة الموسيقى وَهُوَ غير الَّذِي فِي النجَاة مقَالَة فِي الأجرام السماوية مقَالَة فِي الْخَطَأ الْوَاقِع فِي التَّدْبِير الطبي مقَالَة فِي كَيْفيَّة الرصد ومطابقته مَعَ الْعلم الطبيعي مقَالَة فِي الْأَخْلَاق رِسَالَة فِي الكمياء مقَالَة فِي آلةٍ رصدية صنفها عِنْد عمل الرصد لعلاء الدولة مقَالَة فِي غَرَض قاطيغورياس الرسَالَة الأصحوية فِي الْمعَاد معتصم الشُّعَرَاء فِي الْعرُوض مقَالَة فِي حد الْجِسْم الْحِكْمَة العرشية وَهُوَ كَلَام متفرعٌ فِي الإلهيات عهدٌ لَهُ مَعَ الله عَاهَدَ بِهِ نَفسه مقَالَة فِي أَن علم زيد غير علم عَمْرو كتاب تَدْبِير الْجند والممالك والعساكر وأرزاقهم وخراج الممالك مناظرات جرت لَهُ مَعَ أبي عَليّ النَّيْسَابُورِي فِي النَّفس خطبٌ وتحميداتٌ وأسجاعٌ جَوَاب يتَضَمَّن الِاعْتِذَار عَمَّا نسب إِلَيْهِ فِي الْخطب مُخْتَصر أوقليدس مقَالَة الأرثماطيقي عشر قصائد وأشعار فِي الزّهْد وَوصف أَحْوَاله رِسَالَة بالفارسي والعربي مخاطبات ومكاتبات وهزليات تعاليق مسَائِل حنين فِي الطِّبّ قوانين ومعالجات طبية عشرُون مَسْأَلَة سَأَلَهَا أهل الْعَصْر مسَائِل عدَّة طبية مسَائِل ترجمها بالتذكير جَوَاب مسَائِل كَثِيرَة رِسَالَة إِلَى عُلَمَاء بَغْدَاد يسألهم الْإِنْصَاف بَينه وَبَين رجل ادّعى الْحِكْمَة رِسَالَة إِلَى صديق لَهُ يسْأَله الْإِنْصَاف بَينه وَبَين الهمذاني الَّذِي يَدعِي الْحِكْمَة كَلَام لَهُ فِي تَبْيِين مَاهِيَّة الْحُرُوف شرح كتاب النَّفس لأرسطو يُقَال إِنَّه من الْإِنْصَاف مقَالَة فِي النَّفس تعرف بالفصول مقَالَة فِي إبِْطَال علم النُّجُوم كتاب الْملح فِي النَّحْو فُصُول إلهية فِي إِثْبَات الأول فُصُول فِي النَّفس وطبيعيات رِسَالَة إِلَى أبي سعد بن أبي الْخَيْر فِي الزّهْد مقَالَة فِي أَنه لَا يجوز أَن يكون الشَّيْء جوهراً وعرضيا مسَائِل جرت بَينه وَبَين بعض الْفُضَلَاء فِي فنون الْعُلُوم تعليقات استفادها أَبُو الْفرج الطَّبِيب الهمذاني من مَجْلِسه وجوابات مقَالَة فِي الممالك وبقاع الأَرْض مُخْتَصر فِي أَن الزاوية الَّتِي من الْمُحِيط والمماس لَا كمية لَهَا كتاب تَعْبِير الرُّؤْيَا قَالَ ابْن أبي الدَّم وَرُوِيَ أَنه رُوِيَ بعد مَوته فَقيل لَهُ مَا الْخَبَر فَأَنْشد من السَّرِيع

стр. 3248

(أعوم فِي بحرك كَيْمَا أرى ... لَهُ على طول المدى قعرا) ) (فَلَا أرى فِيهِ سوى لجةٍ ... تسلمني مِنْهَا إِلَى أُخْرَى) وَقَالَ ابْن خلكان كَانَ الشَّيْخ كَمَال الدّين بن يُونُس ﵀ يَقُول إِن مخدومه سخط عَلَيْهِ واعتقله وَمَات فِي السجْن وَكَانَ ينشد من المتقارب (رَأَيْت ابْن سينا يعادي الرِّجَال ... وبالحبس مَاتَ أخس الْمَمَات) (فَلم يشف مَا نابه بالشفا ... وَلم ينج من مَوته بالنجاة) يُرِيد بِالْحَبْسِ انحباس الْبَطن الَّذِي أَصَابَهُ وَمن شعر الرئيس أبي عَليّ بن سينا من الطَّوِيل (أَقَامَ رجَالًا فِي معارفه ملكي ... وأقعد قوما فِي غوايتهم هلكى) (نَعُوذ بك اللَّهُمَّ من شَرّ فتنةٍ ... تطوق من حلت بِهِ عيشةً ضنكا) (رَجعْنَا إِلَيْك الْآن فاقبل رجوعنا ... وقلب قلوباً طَال إعراضها عنكا) (فَإِن أَنْت لم تبرئ شكايا عقولنا ... وَتصرف عماياها إِذا فَلِمَنْ يشكى) (فقد آثرت نَفسِي رضاك وَقطعت ... عَلَيْك جفوني من جواهرها سلكا) وَمن شعره يصف النَّفس وَلم يكن لغيره مثلهَا من الْكَامِل (هَبَطت إِلَيْك من الْمحل الأرفع ... وَرْقَاء ذَات تعززٍ وتمنع) (وصلت على كرة إِلَيْك وَرُبمَا ... كرهت فراقك فَهِيَ ذَات تفجع) (محجوبةٌ عَن كل مقلة عارفٍ ... وَهِي الَّتِي سفرت وَلم تتبرقع) (أنفت وَمَا ألفت فَلَمَّا واصلت ... ألفت مجاورة الخراب البلقع) (وأظنها نسيت عهوداً بالحمى ... ومنازلاً بفراقها لم تقنع) (حَتَّى إِذا اتَّصَلت بهاء هبوطها ... من مِيم مركزها بِذَات الأجرع) (علقت بهَا ثاء الثقيل فَأَصْبَحت ... بَين الْمعلم والطلول الخضع) (تبْكي وَقد نسيت عهوداً بالحمى ... بمدامعٍ تهمي وَلما تقلع) (حَتَّى إِذا قرب الْمسير إِلَى الْحمى ... ودنا الرحيل إِلَى الفضاء الأوسع) (وغدت تغرد فَوق ذرْوَة شاهقٍ ... وَالْعلم يرفع كل من لم يرفع) (إِن كَانَ أهبطها الْإِلَه لحكمةٍ ... طويت عَن الفطن اللبيب الأروع) (فهبوطها لَا شكّ ضَرْبَة لازبٍ ... لتَكون سامعةً بِمَا لم تسمع) ) (وتعود عَالِمَة بِكُل خفيةٍ ... فِي الْعَالمين فخرقها لم يرقع) (فلأي شَيْء أهبطت من شاهقٍ ... سامٍ إِلَى قَعْر الحضيض الأوضع)

стр. 3249

(إِذْ عاقها الشّرك الكثيف فصدها ... قفصٌ عَن الأوج الفسيح الأرفع) (فَكَأَنَّهَا برقٌ تألق بالحمى ... ثمَّ انطوى فَكَأَنَّهُ لم يلمع) وَقد خمسها جمَاعَة ونظم فِي مَعْنَاهَا جمَاعَة وَتقدم فِي تَرْجَمَة شهَاب الدّين السهروردي مُحَمَّد بن حبش أبياتٌ قافية فِي هَذِه الْمَادَّة وينسب إِلَيْهِ البيتان اللَّذَان أوردهما الشهرستاني فِي أول نِهَايَة الْإِقْدَام وهما من الطَّوِيل (لقد طفت فِي تِلْكَ الْمعَاهد كلهَا ... وسيرت طرفِي بَين تِلْكَ المعالم) (فَلم أر إِلَّا وَاضِعا كف حائرٍ ... على ذقنٍ أَو قارعاً سنّ نادم) وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من الْكَامِل (خير النُّفُوس العارفات ذواتها ... وحقيق كميات ماهياتها) (وَبِمَ الَّذِي حلت ومم تكونت ... أَعْضَاء بنيتها على هيآتها) (نفس النَّبَات وَنَفس حسٍّ ركبا ... هلا كَذَاك سماته كسماتها) (يَا للرِّجَال لعظم رزءٍ لم تزل ... مِنْهُ النُّفُوس تخب فِي ظلماتها) وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من الْخَفِيف (هذب النَّفس بالعلوم لترقى ... وذر الْكل فَهِيَ للْكُلّ بَيت) إِنَّمَا النَّفس كالزجاجة وَالْعلم سراجٌ وَحِكْمَة الله زَيْت وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من الطَّوِيل (شربنا على الصَّوْت الْقَدِيم قديمَة ... لكل قديم أولٌ هِيَ أول) (وَلَو لم تكن فِي حيزٍ قلت إِنَّهَا ... هِيَ الْعلَّة الأولى الَّتِي لَا تعلل) وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من الرمل (نزل اللاهوت فِي ناسوتها ... كنزول الشَّمْس فِي أبراج يُوح) (قَالَ فِيهَا بعض من هام بهَا ... مثل مَا قَالَ النَّصَارَى فِي الْمَسِيح) (هِيَ والكأس وَمَا مازجها ... كأب متحدٍ وَابْن وروح) وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من الْكَامِل) (هَات اسقنا كأس الطلا كَدم الطلى ... يَا صَاحب الكأس الملا بَين الملا) (خمرًا تظل لَهَا النَّصَارَى سجدا ... وَلها بَنو عمرَان أخلصت الولا) (لَو أَنَّهَا قَالَت وَقد مَالَتْ بهم ... سكرا أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى) وَنسب إِلَيْهِ أَيْضا من مجزوء الرمل (صبها فِي الكأس صرفا ... غلبت ضوء السراج)

стр. 3250

(ظَنّهَا فِي الكأس نَارا ... فطفاها بالمزاج) قلت لَا يُقَال طفاه وَلَكِن أطفأه والرئيس يحاشى من ذَلِك وينسب إِلَيْهِ الأبيات الَّتِي يَقُولهَا بعض النَّاس عِنْد رُؤْيَة عُطَارِد عِنْد وَقت شرفه ويعتقد أَنَّهَا تفِيد علما وَخيرا وَهِي من الطَّوِيل (عُطَارِد قد وَالله طَال ترددي ... مسَاء وصبحاً كي أَرَاك فأغنما) (وَهَا أَنْت فامددني بِمَا أدْرك المنى ... وأحوي الْعُلُوم الغامضات تكرما) (ووقني الْمَحْذُور وَالشَّر كُله ... بِأَمْر مليكٍ خَالق الأَرْض والسما) وينسب إِلَيْهِ القصيدة الرائية وَهِي من الْكَامِل (احذر بني من الْقرَان الْعَاشِر ... وانفر بِنَفْسِك قبل نفر النافر) (لَا تشغلنك لذةٌ تلهو بهَا ... فالموت أولى بالظلوم الْفَاجِر) (واسكن بلاداً بالحجاز وقم بهَا ... واصبر على جور الزَّمَان الجائر) (لَا تركنن إِلَى الْبِلَاد فَإِنَّهَا ... سيعمها حد الحسام الباتر) (من فتيةٍ فطس الأنوف كَأَنَّهُمْ ... سيلٌ طما أَو كالجراد الناشر) (خزر الْعُيُون تراهم فِي ذلةٍ ... كم قد أبادوا من مليكٍ قاهر) (مَا قصدهم إِلَّا الدِّمَاء كَأَنَّهُمْ ... ثأرٌ لَهُم من كل ناهٍ آمُر) (وخراب مَا شاد الورى حَتَّى يرى ... قفراً عمارتهم برغم العامر) مِنْهَا بَعْدَمَا ذكر خراب الْبِلَاد (ويفر سفاك الدما مِنْهُم كَمَا ... فر الْحمام من الْعقَاب الكاسر) (فَهُوَ الْخَوَارِزْمِيّ يكسر جيشها ... فِي نصف شهرٍ من ربيع الآخر) (وَيَمُوت من كمدٍ على مَا ناله ... من ملكه فِي لج بَحر زاخر) ) مِنْهَا وَقد ذكر وَلَده (وَيكون آخر عمره فِي آمدٍ ... يسري إِلَيْهِ وَمَا لَهُ من سَائِر) (وَيعود عظم جيوشه مرتدةً ... عَنهُ إِلَى الْخصم الألد الْفَاجِر) (وديار بكر سَوف يقتل بَعضهم ... بِالسَّيْفِ بَين أصاغرٍ وأكابر) (وَالْوَيْل مَا تلقى النَّصَارَى مِنْهُم ... بالذل بَين أصاغرٍ وأكابر) (وَالْوَيْل إِن حلوا ديار ربيعةٍ ... مَا بَين دجلتها وَبَين الجازر) (ويخربون ديار بابل كلهَا ... من شهر زور إِلَى بِلَاد السامري) (وخلاط ترجع بعد بهجة منظرٍ ... قفراً تداس على اخْتِلَاف الْحَافِر)

стр. 3251

(هَذَا وتغلق إربلٌ من دونهم ... تسعا وتفتح فِي النَّهَار الْعَاشِر) (ولربما ظَهرت عَسَاكِر موصلٍ ... تبغي الْأمان من الخؤون الْكَافِر) (وَترى إِلَى الثرثار نهباً وَاقعا ... ودما تسيل وهتك ستر السَّاتِر) (ولربما ظَهرت عَلَيْهِم فتيةٌ ... من آل صعصعةٍ كرام عشائر) (تلقاهم حلبٌ بجيشٍ لَو سرى ... فِي الْبَحْر أظلم كالعجاج الثائر) (وَإِذا مضى حد الْقرَان رَأَيْتهمْ ... يردون جلق وَهِي ذَات عَسَاكِر) (يفنيهم الْملك المظفر مِثْلَمَا ... فنيت ثمودٌ فِي الزَّمَان الغابر) (ويبيدهم نجل الإِمَام مُحَمَّد ... بحسامه فيهلكهم حسام النَّاصِر) (ولربما أبقى الزَّمَان عِصَابَة ... مِنْهُم فيهلكهم حسام النَّاصِر) (فِي أَرض كنعان تظل جسومهم ... مرعى الذئاب وكل نسرٍ طَائِر) (وَكَذَا الْخَلِيفَة جعفرٌ سيظل فِي ... أرضٍ وَلَيْسَ لسبلها من خاطر) (وَكَذَا الْعرَاق قُصُورهَا وربوعها ... تِلْكَ النواحي بالمشيد العامر) (وَالروم تكسرهم وتكسر بعدهمْ ... عَاما وَلَيْسَ لكسرها من جَابر) (تمحى خِلَافَته وينسى ذكره ... بَين الورى من صنع ربٍّ قَادر) (فترى الْحُصُون الشامخات مهدةً ... لم يبْق فِيهَا ملجأٌ لمسافر) (وَترى قراها والبلاد تبدلت ... بعد الأنيس بِكُل وحشٍ نافر) قلت يُرِيد بالقران الْعَاشِر على مَا زَعمه المنجمون قرَان المُشْتَرِي بزحل فِي برج الجدي) وَهُوَ أنحس البروج لكَونه برج زحل وزحل نحسٌ أكبر وَقد طنطن ابْن أبي أصيبعة وأعجب بِصِحَّة مَا حكم فِيهَا وَالَّذِي أرَاهُ أَن الَّذِي نظم القصيدة العينية فِي النَّفس مَا ينظم مثل هَذِه القصيدة الساقطة الرَّكِيكَة السمجة التَّرْكِيب وَأَنَّهَا نظم بعض الْعَوام أَرَادَ أَن يَحْكِي مَا جرى وَلم تنظم هَذِه القصيدة وَالله أعلم إِلَّا بعد خراب بَغْدَاد وَلم يقل ابْن سينا مِنْهَا كلمة وَاحِدَة وَلَا عرف هَذِه الوقائع قبل حدوثها بمائتين وَثَلَاثِينَ سنة تَقْرِيبًا سلمنَا أَنه علم كلياتها من حِسَاب النُّجُوم وَلَا نسلم أَن هَذَا كَلَامه وَلَا نظمه إنَّ فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلبٌ وَلم أوردهَا إِلَّا لِأَن بعض النَّاس يطنب فِي أمرهَا ٣ - (ظهير الدّين الغوري) حُسَيْن بن عبد الله بن أبي بكر بن عَليّ ظهير الدّين الغوري بِضَم الْغَيْن الصُّوفِي الْحَنَفِيّ من كبار الصُّوفِيَّة بخانقاه السميساطي لَهُ معرفَة بالفقه والعربية

стр. 3252

ومشاركة فِي الحَدِيث والتاريخ وَلم يزل حَرِيصًا على الْعلم والتحصيل وَهُوَ وَالِد شمس الدّين مُحَمَّد الغوري تقدم ذكره فِي المحمدين وَتُوفِّي ظهير الدّين سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ٣ - (ابْن رَوَاحَة الْحَمَوِيّ) الْحُسَيْن بن عبد الله بن رَوَاحَة أَبُو عَليّ الْأنْصَارِيّ الْحَمَوِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي الشَّاعِر ابْن خطيب حماه ولد سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة سمع بِدِمَشْق من أبي المظفر الفلكي وَأبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْمرَادِي والصائن هبة الله وَجَمَاعَة وَوَقع فِي أسر الفرنج وَبَقِي عِنْدهم مُدَّة وَولد لَهُ بجزائر الْبَحْر عز الدّين عبد الله وَقدم بِهِ الْإسْكَنْدَريَّة وسَمعه الْكثير من السلَفِي وَكَانَ قد سَافر فِي الْبَحْر إِلَى الغرب فَأسر ثمَّ خلصه الله تَعَالَى وحصلت لَهُ الشَّهَادَة على عكا وَمن شعره من السَّرِيع (يَا قلب دع عَنْك الْهوى قسرا ... مَا أَنْت مِنْهُ حامداً أمرا) (أضعت دنياي بهجرانه ... إِن نلْت وصلا ضَاعَت الْأُخْرَى) وَعَكسه فَقَالَ من مجزوء الْكَامِل) (لاموا عَلَيْك وَمَا دروا ... أَن الْهوى سَبَب السعاده) (إِن كَانَ وصلٌ فالمنى ... أَو كَانَ هجرٌ فالشهاده) وَمن شعره من مخلع الْبَسِيط (إِن كَانَ يحلو لديك قَتْلِي ... فزد من الهجر فِي عَذَابي) (عَسى يُطِيل الْوُقُوف بيني ... وَبَيْنك الله فِي الْحساب) وَذكرت هُنَا مَا قلته فِي هَذَا الْمَعْنى من الْبَسِيط (زِدْنِي عذَابا وَلَا تتْرك لجارحةٍ ... مني حراكاً وَخذ روحي وجثماني) (عساك فِي الْحَشْر لما أَن يطول غَدا ... حسابنا تتملى مِنْك أجفاني) وَمن شعر ابْن رَوَاحَة من الْكَامِل (قل للروافض إِنَّكُم فِي سبكم ... أهل الْهدى فِي حبكم علم الْهدى) (مثل النَّصَارَى لَا نسب لأجلهم ... عِيسَى وَقد سبوا النَّبِي مُحَمَّدًا)

стр. 3253

وَمِنْه فِي مليح اسْمه إِبْرَاهِيم من الرمل (صدني بعد اقترابٍ وجفاني ... قمرٌ يخجل مِنْهُ القمران) (لست أَدْعُو باسمه ضناً بِهِ ... غير أَنِّي بِالَّذِي أخفيه دَان) (ظمئي فِيهِ ظما آخِره ... لَيْتَني أَوله مِمَّا عراني) وَمِنْه فِي مليح اسْمه مبارك من الطَّوِيل (وأغيد لَا تحكي الأسنة لحظه ... وَلَا يملك الخطى لينًا بقده) (تألفني قرب السقام لبعده ... خالفني وصل الغرام بصده) (صباحي إِذا مَا زارني فِيهِ مثله ... وعيشي إِذا مَا صد عني بضده) وَمِنْه فِي مليح اسْمه إلْيَاس من السَّرِيع (أتيت من أهواه عكس اسْمه ... فَلم أنل مِنْهُ سوى الِاسْم) (وَكلما أطمعني ضِدّه ... عَاد بِهِ التيه إِلَى الرَّسْم) وَمِنْه فِي هجو إِنْسَان بِمصْر من الْخَفِيف (أحكمت عرسه ضروب الأغاني ... من ثقيلٍ فِي رَأسه وخفيف) (وتمنت عَلَيْهِ كل الملاهي ... غَيره وَحده لِمَعْنى لطيف) ) (فقضيباً لاسمٍ وناياً لشكلٍ ... ورباباً للجر والتصحيف) وَمِنْه من الوافر (أيحسن بعد ظَنك حسن ظَنِّي ... وَأجْمع بَين يأسي وَالتَّمَنِّي) (وَمَا نفعي بعطفك بعد فوتٍ ... كرقة شامتٍ من بعد دفن) (أأطمع أَن أكون شَهِيد حبٍّ ... فأصحب مِنْك حورياً بعدن) (ملكت عَليّ أجفاني وقلبي ... فأبعدت الْكرَى والعذل عني) (فكم أرعيت غير اللوم سَمْعِي ... وَكم أرعيت غير النّوم جفني) (صددت وَمَا سوى إفراط وجدي ... لَك الدَّاعِي إِلَى فرط التجني) (لقد أبديت لي فِي كل حسنٍ ... ضروباً أبدعت لي كل حزن) (فكم فنٍّ من الْبلوى عراني ... لعشق الْوَصْف مِنْك بِكُل فن) (كَأَنَّك رمت أَن أسلوك حَتَّى ... أَقمت الشّبَه فِي بدرٍ وغصن) (فألبس وَجهك الأقمار تماً ... وَعلم قدك البان التثني) (رماني فِي هَوَاك طماح طرفِي ... إِلَى حسنٍ فأخلف فِيهِ ظَنِّي) (فكم دمعٍ حملت عَلَيْهِ عَيْني ... وَكم ندمٍ قرعت عَلَيْهِ سني)

стр. 3254

(غدرت وَمَا رَأَيْت سوى وفاءٍ ... فَهَلا قبل يغلق فِيك رهني) (أَقمت الْمَوْت لي رصداً فأخشى ... زيارته وَإِن يَك لم يزرني) وَخرج مِنْهَا إِلَى مدح السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَقَالَ يصف الأساطيل والسبايا من الوافر (لقد جلب الْجَوَارِي بالجواري ... يمدن بِكُل قدٍّ مرجحن) (يزيدهم اجْتِمَاع الشمل بؤساً ... فمرنانٌ ينوح على مرن) (فَمَا من ظبيةٍ تفدى بليثٍ ... وَلَا ليثٍ فدا رشأٍ أغن) قَالَ أَبُو سَالم ابْن الزَّاهِد الْوَاعِظ الوَاسِطِيّ كنت جَالِسا مَعَ ابْن رَوَاحَة بحماه وَإِذا قد مر غلامٌ حسن فَدَعَاهُ فَقَالَ يَا فلَان مَا حملك على جفَاء فلَان وسمى شخصا قد مَاتَ مَعَ معرفتك بحبه لَك فَقَالَ الْغُلَام إِنِّي نَدِمت بعد ذَلِك فأنشدني ابْن رَوَاحَة فِي الْحَال لنَفسِهِ من الوافر (يرق لمن يَمُوت بِهِ شَهِيدا ... ويهجر دَائِما أهل الْبَقَاء) ) (لتعلم أَنه من حور عدنٍ ... منال وصاله بعد الفناء) وَمن شعر ابْن رَوَاحَة فِي مليح يقْرَأ الْقُرْآن من الطَّوِيل (تَلا فَدَعَا قلبِي إِلَى حب وَصله ... وعهدي بِمَا يتلوه ينْهَى عَن الْحبّ) (فَكيف اصْطِبَارِي عَنهُ لَو كَانَ مسمعي ... غناء الغواني من مقبله العذب) ٣ - (عماد الدّين خطيب فوه) الْحُسَيْن بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عماد الدّين أَبُو عبد الله الْقرشِي الفوي بِضَم الْفَاء وَتَشْديد الْوَاو الشَّافِعِي خطيب فوه من بِلَاد مصر ولد سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ولي الْقَضَاء بِبَعْض الْأَعْمَال قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَأرْسل وَلَده شَيخنَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَسمع الخلعيات من ابْن عمار وَحدث عَن الْفَقِيه أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن سَلامَة وروى عَنهُ الْحَافِظ زكي الدّين شَيْئا من شعره ٣ - (أَبُو عبد الله الصَّيْرَفِي) الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الله الصَّيْرَفِي أَبُو عبد الله الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالنباتي صحب أَبَا نصر بن نباتة الشَّاعِر السَّعْدِيّ وَنسب نَفسه إِلَيْهِ وروى عَنهُ وَعَن الْملك الْعَزِيز أبي مَنْصُور بن بويه والوزير أبي الْقَاسِم الْحُسَيْن بن عَليّ المغربي وروى عَنهُ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز النديم العكبري توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَمن شعره

стр. 3255

٣ - (أَبُو عبد الله الْغَزِّي الشَّافِعِي) الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن مَحْبُوب الْأنْصَارِيّ الْغَزِّي أَبُو عبد الله الْفَقِيه أَصله من غَزَّة هاشمٍ وَولد بِبَغْدَاد وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعِي مُدَّة طَوِيلَة وَسمع الحَدِيث الْكثير من أبي غَالب مُحَمَّد بن الْحسن الباقلاني وَأبي سعد مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن خشيش وَأبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن العلاّف وَغَيرهم وَكتب بِخَطِّهِ الْكثير) وَكَانَ يورق للنَّاس وَكَانَ صَدُوقًا مرضِي الطَّرِيقَة مَحْمُود السِّيرَة ورعاً زاهداً صَابِرًا على الْفقر قانعاً باليسير توفّي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ٣ - (قَاضِي الْقُضَاة ابْن شأس) الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن شأس قَاضِي الْقُضَاة الْمَالِكِي تَقِيّ الدّين كَانَ عرافاً بِالْمذهبِ جيد النَّقْل عَلامَة لكنه كَانَ مَذْمُوم الْأَحْكَام متسرعاً سَمحا فِي التَّعْدِيل حدث عَن ابْن الجميزي وَغَيره وَهُوَ قَاضِي الديار المصرية توفّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة ٣ - (الزلازلي) الْحِين بن عبد الرَّحِيم بن الْوَلِيد بن عُثْمَان بن جَعْفَر الْكلابِي الْمَعْرُوف بالزلازلي الشَّاعِر الْمَعْرُوف بِأبي الزلازل توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وثلاثمائة أحد الأدباء الْفُضَلَاء الشُّعَرَاء المصنفين حدث عَن جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر ابْن جَعْفَر الخرائطي وَأَبُو يَعْقُوب النجيرمي وصنف كتاب الأسجاع وَهُوَ مَا جَاءَ من أَخْبَار الْعَرَب مسجوعاً وجود فِيهِ وَمن شعره من الْخَفِيف (عيد يمنٍ مؤكدٌ بِأَمَان ... من تصاريف طَارق الْحدثَان) (جعل الله عيد عامك هَذَا ... خير عيدٍ يجريه خير زمَان) ثمَّ لَا زلت فِي زَمَانك فِي يسر وَمن طيب عيشه فِي أَمَان قلت شعر نَازل ٣ - (الْجمل) الْحُسَيْن بن عبد السَّلَام أَبُو عبد الله الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالجمل توفّي

стр. 3256

بِمصْر سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَتَيْنِ كَانَ مدح الْمَأْمُون وَبني الْمُدبر والطولونية واكتسب مِنْهُم مَالا جماً وَلم يزل يَقُول الشّعْر من أَيَّام الرشيد إِلَى أَيَّام المعتصم وعلت سنه وَكَانَ نِهَايَة فِي الخلاعة وتشتهر نوادره وَكَانَ ابْن أبي دؤاد قد وعده أَن يدْخلهُ على الْمَأْمُون فَلم يفعل فَقَالَ من الوافر (سنفرغ للتضاحك من إياد ... وَلَا نبكي على حلق الرماد) ) (وَمن عجبٍ رجائي مِنْك خيرا ... وَلم تبصر نذالتك انتقادي) (عدمت مطامعا وقفت رجائي ... وآمالي على فقع الْبَوَادِي) (ألحت سَحَابَة فرجوت غيثاً ... وأغفلت الَّذِي صنعت بعاد) (فمعذرةً إِلَيْك بِأَن تراني ... أَعُود إِلَيْك يَا بَان أبي دؤاد) (مَتى ساقت إيادٌ يَوْم خيرٍ ... وَلَا سِيمَا قبيلك من إياد) ٣ - (الْخلال الإصبهاني) الْحُسَيْن بن عبد الْملك بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الإصبهاني الْخلال الأديب النَّحْوِيّ البارع الْمُحدث الأثري سمع من جماعةٍ وروى عَنهُ جماعةٌ وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ٣ - (الشهراباني) الْحُسَيْن بن عبد الْوَاحِد الشهراباني الْمعلم الْمَعْرُوف بِابْن عجاجة ذكره الْعِمَاد الْكَاتِب فِي الخريدة وَقَالَ أنشدت لَهُ فِي ابْن رزين من الْخَفِيف (قبح الله باخلاً لَيْسَ فِيهِ ... طمعٌ واقعٌ لمن يرتجيه) سفلَة إِن قصدته يتلقاك على فرسخٍ بكبرٍ وتيه (أحمقٌ رَأسه إِذا فتشوه ... وجدوه بضد اسْم أَبِيه) ٣ - (الغضائري) الْحُسَيْن بن عبيد الله بن إِبْرَاهِيم الغضائري كَانَ من كبار شُيُوخ الشِّيعَة وَكَانَ ذَا زهد وورع وَحفظ وَتُوفِّي سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة

стр. 3257

٣ - (جمال الدّين بن رَشِيق الْمَالِكِي) الْحُسَيْن بن عَتيق بن الْحُسَيْن بن عَتيق بن الْحُسَيْن بن رَشِيق بن عبد الله الْفَقِيه الْعَالم جمال الدّين أَبُو عَليّ الربعِي الْمَالِكِي الْمصْرِيّ شهد عِنْد قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين عبد الْملك بن درباس فَمن بعده وَأفْتى وصنف فِي الْمَذْهَب وتفقه بِهِ جمَاعَة وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ دينا ورعاً وروى عَنهُ الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ وَهُوَ من بَيت فضلاء) ٣ - (أَبُو عَليّ بن رَشِيق) الْحُسَيْن بن عَتيق بن الْحسن بن رَشِيق الربعِي الأندلسي أَخْبرنِي من لَفظه الإِمَام الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان قَالَ كَانَ بسبتة فِي كنف العرفيين يكنى أَبَا عَليّ لَهُ فنونٌ من المعارف وَله تصانيف وأدبٌ كثير قَالَ يمدح الرئيس أَبَا الْحسن عَليّ بن نصر صَاحب المرية من الْكَامِل (فعل النَّوَى ملغىً لبَعض نوالكا ... فاشف الخيال وَلَو بطيف خيالكا) (مَا ضرّ لَو سامحت مِنْهُ بزورةٍ ... أرد السراب بهَا مَكَان زلالكا) (مَا زورة الطيف المُرَاد وَإِنَّمَا ... صدق الْهوى يرضيه زور وصالكا) (يَا مَالِكًا رقي أما لَك رقةٌ ... أَو مَا ضياعة مهجتي من مَالِكًا) (حاشاك من إهمال عَبدك عِنْدَمَا ... ناداك مُضْطَرّا إِلَى إمهالكا) (أتظن قلبِي لست مَطْلُوبا بِهِ ... واللطخ من دَمه بصفحة خالكا) (كم ارتضي إذلال نَفسِي فِي الْهوى ... وأراك مرتكباً مدى إدلالكا) قلت قافية صعبة ٣ - (الْأَمِير نَاصِر الدّين القيمري) حُسَيْن بن عَزِيز بن أبي الفوارس الْأَمِير نَاصِر الدّين أَبُو الْمَعَالِي القيمري صَاحب الْمدرسَة القيمرية الْكُبْرَى الَّتِي بسوق الخريميين كَانَ من أعظم النَّاس وجاهةً وإقطاعاً وَكَانَ بطلاً شجاعاً وَهُوَ الَّذِي ملك النَّاصِر دمشق

стр. 3258

وَكَانَ أَبوهُ شمس الدّين من أجلاء الْأُمَرَاء وَتُوفِّي مرابطاً بالسَّاحل سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَكَانَ الظَّاهِر قد أقطعه إقطاعاً جيدا وَجعله مقدم العساكر بالسَّاحل فَمَاتَ بِهِ وَعمل عزاؤه بالجامع وَكَانَ يضاهي الْمُلُوك فِي مركبه وتجمله وغلمانه وحاشيته وَقيل إِنَّه غرم على السَّاعَات الَّتِي على بَاب مدرسته مَا يزِيد على أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم ٣ - (ابْن عَليّ بن أبي طَالب ﵄ الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵄ رَيْحَانَة رَسُول الله ﷺ وَابْن ابْنَته فَاطِمَة الزهراء ﵂ وَأحد سَيِّدي شباب أهل الْجنَّة هُوَ وَأَخُوهُ وَأمه وَأَبوهُ أهل الْبَيْت الَّذين أذهب الله عَنْهُم الرجس وطهرهم تَطْهِيرا حدث عَن النَّبِي ﷺ ووفد على مُعَاوِيَة ﵁ وَتوجه غازياً إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي الْجَيْش الَّذِي كَانَ أميره يزِيد بن مُعَاوِيَة ولد لليالٍ خلون من شعْبَان سنة أَربع من الْهِجْرَة وَقطع النَّبِي ﷺ سرته وتفل فِي فِيهِ وَسَماهُ حُسَيْنًا وَدفعه إِلَى أم الْفضل وَكَانَت ترْضِعه بِلَبن قثم وَقيل بَين الْحسن وَالْحُسَيْن طهرا وَاحِدًا وَقيل سنة وَعشرَة أشهر وَكَانَ عليٌّ سَمَّاهُ جعفراً وَقيل حَربًا فَغَيره رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الْحُسَيْن يشبه النَّبِي ﷺ فِي النّصْف الْأَسْفَل من جسده وَالْحسن ﵁ يشبه النّصْف الْأَعْلَى وَقَالَ رَسُول الله ﷺ حُسَيْن مني وَأَنا من حُسَيْن أحب الله من أحب حُسَيْنًا حُسَيْن سبطٌ من الأسباط من أَحبَّنِي فليحب حُسَيْنًا وَكَانَ يَقُول لفاطمة ادعِي لي ابْني فيشمهما ويضمهما إِلَيْهِ وَقد مرت الْأَحَادِيث الَّتِي يشْتَرك هُوَ وأخيه فِي فَضلهَا فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْحسن ﵄ وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ إِن ابْني هَذَا سيخرج من هَذَا الْأَمر وأشبه أَهلِي بِي الْحُسَيْن

стр. 3259

وَكَانَ الْحسن يَقُول للحسين وددت أَن لي بعض شدَّة قَلْبك فَيَقُول الْحُسَيْن وَأَنا وددت أَن يكون لي بعض مَا بسط لَك من لسَانك وَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَة لَو يعلم النَّاس مِنْك مَا أعلم لحملوك على رقابهم وَكَانَ على ميسرَة أَبِيه يَوْم الْجمل وَفِيه يَقُول الشَّاعِر من الْبَسِيط (مطهرون نقيات وُجُوههم ... تجْرِي الصَّلَاة عَلَيْهِم أَيْنَمَا ذكرُوا) وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد أخبر أَنه يقتل بِأَرْض الْعرَاق بالطف بكربلاء وَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ بتربة الأَرْض الَّتِي يقتل بهَا فشمها رَسُول الله ﷺ وَأَعْطَاهَا أم سَلمَة وَقَالَ لَهَا إِذا تحولت هَذِه التربة دَمًا فاعلمي أَن ابْني قتل ثمَّ جعلت تنظر) إِلَيْهَا وَتقول إِن يَوْمًا تحولين دَمًا ليومٌ عظيمٌ فَقتل يَوْم الْجُمُعَة وَقيل يَوْم السبت يَوْم عَاشُورَاء سنة سِتِّينَ أَو إِحْدَى وَسِتِّينَ أَو اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ وَله سِتّ وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَ أهل الْمَدِينَة قد نصحوه وَقَالُوا لَهُ تثبت فَإِن هَذَا موسم الْحَاج فَإِذا وصلوا اخْطُبْ فِي النَّاس وادعهم إِلَى نَفسك فنبايعك نَحن وَأهل هَذَا الْمَوْسِم ويتذكر بك النَّاس جدك ونمضي حينئذٍ فِي جُمْلَتهمْ فِي جمَاعَة ومنعةٍ وسلاحٍ وعدة فَلم يصبر فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق لقِيه الفرزدق الشَّاعِر فَقَالَ الْحُسَيْن يَا أَبَا فراس كَيفَ تركت النَّاس وَرَاءَك فَعلم عَن أَي شَيْء يسْأَله فَقَالَ يَا ابْن بنت رَسُول الله تركت الْقُلُوب مَعكُمْ وَالسُّيُوف مَعَ بني أُميَّة فَقَالَ هَا إِنَّهَا مملوءةٌ كتبا وَأَشَارَ إِلَى حقيبة كَانَت تَحْتَهُ ثمَّ كَانَ مَا كَانَ وَرُوِيَ عَن أبي سعيد المَقْبُري قَالَ وَالله لرأيت حُسَيْنًا وَإنَّهُ ليمشي بَين رجلَيْنِ يعْتَمد على هَذَا مرّة وَمرَّة على هَذَا حَتَّى دخل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يَقُول من الْخَفِيف لَا ذعرت السوام فِي غلس الصُّبْح مغيراً وَلَا دَعَوْت يزيدا (يَوْم أعطي مَخَافَة الْمَوْت ضيماً ... والمنايا يرصدنني أَن أحيدا) قَالَ فَعلمت عِنْد ذَلِك أَنه لَا يلبث إِلَّا قَلِيلا حَتَّى يخرج فَمَا لبث حَتَّى لحق بِمَكَّة لما أخذت الْبيعَة ليزِيد بن مُعَاوِيَة لم يبايعه الْحُسَيْن وَكَانَ أهل الْكُوفَة كتبُوا إِلَى الْحُسَيْن يَدعُونَهُ إِلَى الْخُرُوج زمن مُعَاوِيَة وَهُوَ يَأْبَى فَقدم قومٌ مِنْهُم ثمَّ غلب على رَأْيه فَخرج وَمَعَهُ من أهل الْمَدِينَة تِسْعَة عشر رجلا نسَاء وصبيان وَتَبعهُ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وأعلمه أَن الْخُرُوج لَيْسَ بِرَأْي فَأبى الْحُسَيْن فحبس محمدٌ وَلَده وَخرج من مَكَّة مُتَوَجها إِلَى الْعرَاق فِي عشر ذِي الْحجَّة فَكتب يزِيد إِلَى عبيد الله بن زِيَاد أَن حُسَيْنًا صائرٌ إِلَى الْكُوفَة وَقد ابْتُلِيَ بِهِ زَمَانك من بَين الْأَزْمَان وبلدك من بَين الْبلدَانِ وَعِنْدهَا تعْتق أَو تعود عبدا

стр. 3260

فندب لَهُ عبيد الله بن زِيَاد عمر بن سعد بن أبي وَقاص فَقَاتلهُمْ فَقَالَ الْحُسَيْن يَا عمر اختر مني إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا تتركني أرجع أَو تسيرني إِلَى يزِيد فأضع يَدي فِي يَده فَيحكم فِي مَا يرى فَإِن أَبيت فسيرني إِلَى التّرْك فأقاتلهم حَتَّى أَمُوت فَأرْسل عمر بذلك إِلَى ابْن زِيَاد فهم أَن يسيره إِلَى يزِيد فَقَالَ شمر بن ذِي الجوشن لَا أَيهَا الْأَمِير إِلَّا أَن ينزل على حكمك) فَأرْسل إِلَيْهِ فَقَالَ الْحُسَيْن وَالله لَا أفعل وَأَبْطَأ عمر عَن قِتَاله فَأرْسل إِلَيْهِ ابْن زِيَاد شمراً وَقَالَ إِن تقدم عمر وَقَاتل وَإِلَّا فاقتله وَكن مَكَانَهُ فقاتلوه إِلَى أَن أَصَابَهُ سهمٌ فِي حنكه فَسقط عَن فرسه فَنزل الشمر وَقيل غَيره فاحتز رَأسه إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَقتل مَعَه يَوْم عَاشُورَاء إخْوَته بَنو أَبِيه جَعْفَر وعتيق وَمُحَمّد وَالْعَبَّاس الْأَكْبَر بَنو عَليّ وَابْنه الْأَكْبَر عَليّ وَهُوَ غير عَليّ زين العابدين وَابْنه عبد الله بن الْحُسَيْن وَابْن أَخِيه الْقَاسِم بن الْحسن وَمُحَمّد بن عبد الله بن جَعْفَر ابْن أبي طَالب وَأَخُوهُ عون وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن ابْنا مُسلم بن عقيل ﵃ وَحمل رَأس الْحُسَيْن إِلَى يزِيد فَوَضعه فِي طستٍ بَين يَدَيْهِ وَجعل ينكت ثناياه بقضيبٍ فِي يَده وَيَقُول إِن كَانَ لحسن الثغر فَقَالَ لَهُ زيد ابْن أَرقم ارْفَعْ قضيبك فطالما رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يلثم مَوْضِعه فَقَالَ إِنَّك شيخ قد خرفت فَقَامَ زيدٌ يجر ثَوْبه وَعَن مُحَمَّد بن سوقة عَن عبد الْوَاحِد الْقرشِي قَالَ لما أُتِي يزِيد بِرَأْس الْحُسَيْن تنَاوله بقضيب فكشف عَن ثناياه فوَاللَّه مَا الْبرد بأبيض من ثناياه ثمَّ قَالَ من الطَّوِيل (نفلق هاماً من رجالٍ أعزةٍ ... علينا وهم كَانُوا أعق وأظلما) فَقَالَ لَهُ رجل كَانَ عِنْده يَا هَذَا ارْفَعْ قضيبك فوَاللَّه لربما رَأَيْت هُنَا شفتي رَسُول الله ﷺ فرفعه متذمماً عَلَيْهِ مغضباً وَذكر ابْن سعد أَن جسده دفن حَيْثُ قتل وَأَن رَأسه كَفنه يزِيد وأرسله إِلَى الْمَدِينَة فَدفن عِنْد قبر فَاطِمَة ﵄ وَقَالَ الشَّيْخ شمس الدّين ثمَّ علق الرَّأْس على مَا قيل بِدِمَشْق ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ مكث الرَّأْس فِي خَزَائِن السِّلَاح حَتَّى ولي سُلَيْمَان الْخلَافَة فَبعث فجيء بِهِ وَقد بَقِي عظما أَبيض فَجعله فِي سفطٍ وطيبه وكفنه وَدَفنه فِي مَقَابِر الْمُسلمين فَلَمَّا دخلت المسودة نبشوه وأخذوه وَالله أعلم بمكانه الْآن من ذَلِك الْوَقْت قلت وَبَعْضهمْ زعم أَن الْخُلَفَاء الفاطميين لما كَانُوا بِمصْر تَتبعُوهُ فوجدوه فِي علبة رصاص بعسقلان فَحَمَلُوهُ إِلَى مصر وجعلوه فِي الْمَكَان الَّذِي هُوَ الْيَوْم مَعْرُوف بمشهد الْحُسَيْن بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ ذَلِك عِنْدهم فِي دَاخل الْقصر يزورونه وَالله أعلم)
следующие страницы →