Полный текст (7 288 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
(محَاسِن لَيْسَ ترْضى عَن نديم ... إِذا لم يقْض واجبها بشكر)
وَمِنْه من السَّرِيع
(قد وَقد الزهر مصابيحه ... وصير القضب فوانيسا)
(فأغن بِالرَّاحِ ندامى غدوا ... من المسرات مفاليسا)
(مَا دَامَ قد صَار نعام الرِّبَا ... من نعم السحب طواويسا)
وَمِنْه من السَّرِيع
(أهيف يستعطف لحظ القنا ... إِن كنت غضباناً بأعطافه)
(إِذا التثني عصفت رِيحه ... تلاطمت أمواج أردافه)
وَمِنْه من السَّرِيع
(قد كَانَ جمراً خَدّه فالتحى ... فَصَارَ كالجمر إِذا مَا انطفا)
وَمِنْه من الْكَامِل المجزوء
(الأقحوان غصونه ... بيض النواصي والمفارق)
(ومراود الأمطار قد ... كحلت بهَا حدق الحدائق)
وَمِنْه من الْبَسِيط
(لنا العطايا الَّتِي قدت أزمتها ... من المكارم والتعجيل سائقها)
(وَنحن إِن نصبت شطرنج معركة ... رخاخها وأعادينا بياذقها)
(لَوْلَا ندى من ندانا للظنون ذوت ... وللأماني اخضرت حدائقها)
(قوم نُجُوم عطاياهم مغاربها ... أَيدي العفاة وأيديهم مشارقها)
وَمِنْه من السَّرِيع
(ستائر الأوراق مَنْصُوبَة قيانها ... قيانها من خلفهَا الْوَرق)
(فَاشْرَبْ على ألحانها واسقني ... شمساً لَهَا من كاسها شَرق)
(فالجو فِي عاتق نفاطه ... زرقة نيرانها الْبَرْق)
وَمِنْه من المنسرح)
стр. 5777
(منعم حلية اللحاظ إِذا ... أقبل تجْرِي إِلَيْهِ فِي طلق)
(كَأَنَّمَا وَجهه لِكَثْرَة مَا ... فِيهِ من الْحسن موسم الحدق)
وَمِنْه من الطَّوِيل
(وأوحشت من رُؤْيَاك طرفِي وَلم تزل ... تنزهه فِي ورد وجنتك الغض)
(فَإِن كنت تخشى من لِسَان بكائه ... فَمَا الرَّأْي إِلَّا أَن تبرطل بالغمض)
وَمِنْه من الْبَسِيط
(إِنِّي لآنف من ثغر أقبله ... إِن لم يكن ثغر مَا مِنْهُ لي عوض)
(لأنني لست أرْضى لثم مبتسم ... إِن لم يكن لي فِي إغريضه غَرَض)
وَمِنْه من السَّرِيع
(أنر بصبح الْوَصْل عيشي فقد ... صيره ليل القلى مظلما)
(وآرث لمن أفلاك أجفانه ... تطلع من أدمعه أنجما)
وَمِنْه من الطَّوِيل
(ألذ مودات الرِّجَال مذاقةً ... مَوَدَّة من إِن ضيق الدَّهْر وسعا)
(فَلَا تلبس الود الَّذِي هُوَ ساذج ... إِذا لم يكن بالمكرمات مرصعا)
وَمِنْه من الْبَسِيط
(يَا طاعناً بعتابي كَاد ينقذني ... لَو لم أكن لابساً درعاً من الأمل)
(إخلع عَليّ جَدِيدا من رضاك فقد ... رقعت بالعذر مَا خرقت بالزلل)
وَمِنْه من الْبَسِيط
(ناحت فواخت سحب وَكرها الْفلك ... بكاؤها لطواويس الربى ضحك)
(وأنجم النبت تجلا فِي ملابسها ... جيد السَّمَاء الَّتِي أقمارها البرك)
(والورد مَا بَين أَنهَار مدرجةٍ ... كَأَنَّهُ شفق من حوله حبك)
стр. 5778
(فسقنا من عصير الْكَرم صَافِيَة ... كَأَنَّهَا الذَّهَب الإبريز منسبك)
(يُبْدِي المزاج على حافاتها حبباً ... كَأَنَّهُ من حَرِير أَبيض شَبكَ)
وَمِنْه من الْخَفِيف
(رشأ تنعم الْعُيُون بِمَا فِي ... خَدّه من شقائق النُّعْمَان)
)
(مَا التقى حسنه بِنَا قطّ إِلَّا ... ردنا عَن محجة السلوان)
وَمِنْه من مخلع الْبَسِيط
(قُم فاقبل الكاس فَهِيَ حُبْلَى ... للراح فِي بَطنهَا جَنِين)
(وَمن مهود الرِّبَا ثبات ... من كل وجهٍ لَهَا عُيُون)
(وانعم بِإِسْقَاط كل هم ... من قبل أَن تسْقط الغصون)
وَمِنْه من الْخَفِيف
(جعلت مهجتي الْفِدَاء لغصن ... إِن تثنى ثنى الْقُلُوب لَدَيْهِ)
(كلما لَاحَ وَجهه فِي مَكَان ... كثرت زحمة الْعُيُون عَلَيْهِ)
وَمِنْه من الْكَامِل
(خلص بجاه الْوَصْل قلب متيم ... غمر الصدود عَلَيْهِ أعوان الضنى)
وَمِنْه من المنسرح
(قطع قلبِي بمدية التيه ... وذر من ملح صده فِيهِ)
(ولفه فِي رقاق جفوته ... وَقطع البقل من تجنيه)
(وَقَالَ لي كل فَقلت آكل مَا ... أمرض قلبِي بِهِ وأوذيه)
وَمِنْه من الْبَسِيط
(نَحن المحاسن للدنيا إِذا سفرت ... حَتَّى إِذا ابتسمت كُنَّا ثناياها)
(عِصَابَة مَا رأى جيد الزَّمَان لَهُ ... قلائداً هِيَ أبهى من سجاياها)
стр. 5779
(لم يخلق الله شَيْئا قطّ أَكثر من ... حاجات قصادها إِلَّا عطاياها)
وَقَالَ مزدوجةً يمدح بهَا الصبوح مناقضاً لعبد الله بن المعتز وَقد تقدّمت مزدوجة ابْن المعتز فِي تَرْجَمته من الرجز
(وَلَيْلَة أيقظني معانقي ... والبدر قد أشرق فِي الْمَشَارِق)
(وَقد بَدَت فِي إثره الثريا ... فَلم أزل أنظرها مَلِيًّا)
(كَأَنَّهَا فِي سَاعَة الطُّلُوع ... بنان خود بَان للتوديع)
(يَوْم النَّوَى من كم ثوب أَزْرَق ... أَو هودج يطوي السرى فِي الْمشرق)
(فصوص بلور على فيروزج ... تشرق فِي الجو بِنور مبهج)
)
(وَجَاء بالشيراز والبواري ... ضدين مثل الْوَصْل والهجران)
(كَأَن هذاك بذا إِذا خلط ... صبح مشيب بدجى شعر وَخط)
(ثمَّ لنا جدي قُرَيْش مشرق ... كَأَنَّمَا أهابه مخلق)
(ثمَّ لنا فرخ إوز يبتهج ... فِي قدر جوذاب لَهَا تصبو المهج)
(رطب نضيج فائق لذيذ ... يقوم فِي الدّهن بِهِ السميذ)
(شبهته بمرضع فِي مهد ... عَلَيْهِ ثوب أَحْمَر كالورد)
(وَقد حكت فِي قدرهَا الجوذابه ... سبيكةً من ذهب مذابه)
(ويعد هَذَا نرجسيةً سبت ... بحسنها عَقْلِي لما أَن بَدَت)
(كَأَنَّهَا فِي زيها عروس ... قد فتنت بحسنها النُّفُوس)
(شبهتها لما أَتَت فِي قدرهَا ... بروضة زاهية بزهرها)
(كَأَنَّمَا الفستق واللوز مَعًا ... فصوص مَا زهر ودر جمعا)
(أَو أقحوان للعيون يسحر ... أَو نرجس فِي وسط زهر يزهر)
(والجبن لونان فقان قد قلي ... وناصح يبهر عين المجتلي)
(وَالْبيض مفقوص بهَا ينجم ... كَأَنَّهُ لما علاها أنجم)
(مَا بَين زيتون وعناب مزج ... لَاحَ لنا مِنْهُ عقيق وسبج)
(مثل شوابير لجين وَذهب ... نيطت بسرسيق أنيق كالرطب)
(ثمَّ لنا من بعد هَذَا مسمع ... من كل ذِي طبع مليح أطبع)
(يشدو فيحيي صَوته القلوبا ... وَيذْهب الأحزان والكروبا)
(كَأَنَّهُ بدر على قضيب ... تميله الرِّيَاح فِي كثيب)
стр. 5780
(كَأَنَّمَا طلعته وطرته ... صبح وليل قد أناخت ظلمته)
(كَأَنَّمَا عذاره وخده ... ضدان لاحا وَصله وصده)
(كَأَنَّمَا رضابه عقار ... كَأَنَّمَا خداه جلنار)
(حَتَّى إِذا مَالَتْ إِلَى الْغُرُوب ... شبهتها بالقدح المكبوب)
(والبدر فِي وسط النُّجُوم زَاهِر ... كالملك قد حفت بِهِ العساكر)
(كَأَنَّمَا عُطَارِد لما طلع ... أدْركهُ وَقد بدا الْبَدْر الْجزع)
)
(فَهُوَ من الخيفة مِنْهُ يرتعد ... كقلب صب راعه الْحبّ بصد)
(وقابل المريخ فِي الْأُفق زحل ... كَأَنَّهُ شهَاب نَار تشتعل)
(ولاحت الزهرة وَهِي تزهر ... فنوره لكل نجم يبهر)
(فَلم أزل لكل نجم أرصد ... حَتَّى تولى للغروب الفرقد)
(وَسَار للغرب الظلام يطْلب ... كَأَنَّهُ من الصَّباح يهرب)
(ثمَّ بدا الصُّبْح بِوَجْه مُسْفِر ... وَغَابَتْ الجوزاء إِثْر المُشْتَرِي)
(وانهزمت عَسَاكِر اللَّيْل وَلم ... يبْق الصَّباح إِذْ بدا على الظُّلم)
(وهتكت ستر الدجا أنواره ... وأسبلت على الورى أستاره)
(وَلم يكن فِي الأَرْض نور للقمر ... حَتَّى كَأَن لم يَك لِليْل أثر)
(فَقلت يَا مولى الْعقيلِيّ أجب ... عَبدك فِي نومك ذَا لما طلب)
(وقم بِنَا بِلَا خلاف نصطبح ... فيومنا يَوْم سرُور وَفَرح)
(قد غَابَتْ الأحزان عَنهُ فاغتنم ... غَفلَة صرف الدَّهْر مَا مولى الْأُمَم)
(فقد أَتَى الطاهي لنا قبل السحر ... بجونة فِيهَا جَمِيع مَا حضر)
(وَذَاكَ أَنِّي عِنْد بَدْء الحندس ... قلت لَهُ إيت بهَا فِي الْغَلَس)
(فجَاء الصُّبْح بهَا كَمَا طلع ... كَأَنَّهُ لما استنار ولمع)
(شيب بدا فِي عَارض الظلام ... يلوح أَو كصفحة الحسام)
(مثل عروس للجلا مزينه ... وَهِي بأنواع الطَّعَام مشحنه)
(قد ألبست من الرقَاق الناعم ... غلائلاً لذيذة المطاعم)
(وَالْبيض والجبن مَعَ الزَّيْتُون ... والنعنع الْمَخْلُوط بالطوخون)
стр. 5781
(مقطع مَعَ الكرفس الْمصْرِيّ ... كَمثل هداب ثِيَاب خضر)
(على خروف وافر مدور ... كَأَنَّهُ مرصع بالجوهر)
(والخل وَالْملح فَمَا نسيهما ... علما بِأَنِّي مِنْهُ اشتهيهما)
(كَأَنَّمَا يسفر عَن صياح ... كَأَنَّمَا يبسم عَن أقاحي)
(وَذَات عقد أبرزت من خدرها ... لَا تدْرك الْأَيَّام حصر عمرها)
(زفت فَمَا تدْرك بالعيان ... لطول مَا أفنت من الزَّمَان)
)
(تكَاد تخفي رقةً عَن كاسها ... تبدو فيخفى الكاس عَن جلاسها)
(بكر عروس ذَات نور يلمع ... وَذَات أنفاس كمسك يسطع)
(كَأَنَّهَا فِي كاسها إِذْ مزجت ... عقيقة فِي درة قد أسرجت)
(أَو كالشقيق الغض أَو كالنار ... أَو كنضار فِي لجين جَار)
(يَحْكِي عَلَيْهَا حِين يَعْلُو الحبب ... نُجُوم در فِي سَمَاء من ذهب)
(أَو كدموع فَوق خد جؤذر ... أَو كرداء فَوق خد أَحْمَر)
(فَهُوَ على دور الْإِنَاء حَائِل ... كَأَنَّهُ إِذْ أرَاهُ الناهل)
(منْطقَة من لُؤْلُؤ قد نظمت ... أَو مقل بِلَا جفون قد رنت)
(مدامة تسلب باللطف الحجى ... ونورها يهتك أَسْتَار الدجا)
(تكَاد أَيدي الشّرْب مِنْهَا تختضب ... لَوْلَا المزاج أشفقوا أَن تلتهب)
(أطيب من طيب الْحَيَاة شربهَا ... مُمكن من النُّفُوس حبها)
(مُعينَة النَّفس على لذاتها ... وراحة الْأَرْوَاح من علاتها)
(وملجأ من كل هم وترح ... مُنْتَهى كل سرُور وَفَرح)
(يُغني عَن الْمسك الفتيق نشرها ... وَعَن جَمِيع مَا يسر ذكرهَا)
(قد فَازَ من واصلها وَلم يخب ... لِأَنَّهَا أجلب شَيْء للطرب)
(يسْعَى بهَا رَود كغصن البان ... كَأَنَّهَا وكاسها شمسان)
(فللكثيب حِين تبدو ردفها ... وللغزال جيدها وطرفها)
(وللقضيب لينها وقدها ... وللرحيق والشقيق خدها)
(فِي رَوْضَة تزهى بزهر زَاهِر ... وَحسن نوار وَنبت ناضر)
стр. 5782
(جَادَتْ عَلَيْهَا أدمع السَّحَاب ... حَتَّى كستها حلل العتابي)
(يُبْدِي لنا ريحانها جماجماً ... حمراً وخضراً قد حكت عَمَّا بهَا)
(والنرجس البزري زهر مونق ... مثل عُيُون لعيون ترمق)
(أَو كنجوم فِي ذرى الأغصان ... أَو دُرَر تَبَسم عَن عقيان)
(وَقد ترَاءى الْقطر فِي الشَّقِيق ... كلؤلؤ رطب على عقيق)
(كَأَنَّهُ فِي وسط روض معشب ... مَا بَين شيح كمشيب الأشيب)
)
(خد أسيل سَالَ فِيهِ سالف ... لَيْسَ لَهُ غير اللحاظ قاطف)
(كَأَنَّمَا الْورْد أنيق المنظر ... مداهن من العقيق الْأَحْمَر)
(كَأَنَّمَا بهارها إِذْ طلعا ... تبر بِهِ فيروزج قد رصعا)
(كَأَن آذريونها لما ابتدر ... والياسمين حوله مثل الدُّرَر)
(يزهى على الزهر برياه الأرج ... كؤوس تبر فِي أقاصيها سبج)
(كَأَنَّمَا منثورها لما انتثر ... جَوَاهِر تبددت على حبر)
(ناصعة تزهر بَين الخيري ... كَمثل صلبان من البلور)
(سوسنها يَحْكِي لكل عين ... روس بوقات من اللجين)
(وَقد تبدى أَزْرَق البنفسج ... كالقرص فِي خد غرير غنج)
(أَو لازورد فَوق وشي قد نثر ... يهدي فتيق الْمسك رياها الْعطر)
(وَقد بدا فِي الرَّوْض نشر العنبر ... يغشى الرِّبَا من برك النيلوفر)
(كَأَنَّهُ أسنة من عسجد ... مودعة غلفًا من الزمرد)
(إِن جَاءَت الشَّمْس عَلَيْهِ وَانْفَتح ... وهام كل نَاظر من الْفَرح)
(شبهه ذُو النَّاظر المبهوت ... لَهُ بطاسات من الْيَاقُوت)
(حَتَّى إِذا مَا غَابَتْ الشَّمْس انطبق ... وَغَابَ للْوَقْت كصب ذِي أرق)
(جد على تغريقه لمهجته ... فِي اللج من لوعته وحسرته)
(لما أَزَال الهجر عَنهُ حسه ... غمض عَيْنَيْهِ وأخفى نَفسه)
(كَأَنَّمَا أنهارها أراقم ... كَأَنَّمَا غدرانها دَرَاهِم)
(وَقد زها تفاحها المضرج ... لما بدا لفاحها المدبج)
стр. 5783
(وَقد علا ليمونها اصفراره ... كمستهام خانه اصطباره)
(كَأَنَّهُ فِي القضب الموايل ... كرات عاج أَو نضال نَازل)
(كَأَنَّمَا النارنج مَا بَين الثَّمر ... إِذا بدا للناظرين فِي الشّجر)
(نُجُوم تبر فِي سَمَاء سندس ... لحسنه يحدث طيب الْأَنْفس)
(وَقد بدا الأترج فِي الْأَشْجَار ... مثل قناديل من النضار)
(وَقد زها رمانها مَعَ مَا زها ... لما حوى حسنا وطيباً وَبهَا)
)
(فَهُوَ كأحقاق على الأغصان ... قد أدعت حبا من المرجان)
(والسرو مَا بَين مياه تجْرِي ... كَمثل غيد فِي ثِيَاب خضر)
(وَالنَّخْل مَا بَين الرِّيَاح باسق ... وَالطير فِي أوكارها نواطق)
(والقبج والدراج والشحرور ... والصعو والشفنين والزرزور)
(والغر والفاخت والطاووس ... كَأَنَّهُ بَينهمَا عروس)
(والبط وَالسمان بَين النعنيط ... بَعضهم ببعضهم قد اخْتَلَط)
(تلهيك مِنْهُم نَغمَة القماري ... عَن نغمات الناي والأوتار)
(فبعضهم كَأَنَّهُ يُحَاسب ... وَبَعْضهمْ كَأَنَّهُ يُطَالب)
(وَبَعْضهمْ كَأَنَّهُ يفكر ... وَبَعْضهمْ على الغصون يصفر)
(فَقَالَ لي أقصر عَن الْوَصْف فقد ... وصفت مَا لست ترَاهُ من أحد)
(وَأَنت مَعَ ذَا للصبوح عاشق ... وأنني إِلَى الغبوق تائق)
(فَقلت خُذ مَا فِي الغبوق من نكد ... واسمع وَكن لما أَقُول مُعْتَقد)
(إِن كَانَ صعلوكاً وَكَانَ فِي الشتا ... وَأَقْبل اللَّيْل عَلَيْهِ وأتى)
(وَلم يعره حيطة جِيرَانه ... وَبَات فِي منزله إخوانه)
(فَلم يزل فِي لَذَّة وقصف ... وَفِي جَمِيع مَا يفوت وصفي)
(من حادثات الدَّهْر فِي أَمَان ... وَفِي سرُور ونعيم دَان)
(وبعضنا لبعضنا مؤات ... حَتَّى رمانا الدَّهْر بالشتات)
стр. 5784
(وَخَربَتْ صروفه مَا عمرا ... فَالْحَمْد لله على مَا قدرا)
قلت كَذَا وجدت هَذِه المزدوجة مثبتة فِي ديوَان العقي وَالظَّاهِر أَن النَّاسِخ لما وصل إِلَى آخر قَوْله وَبَات فِي منزله إخوانه قلب الورقة فَانْقَلَبَ مَعَه ورقتان وَلم يعلم فَكتب مَا ظهر لَهُ لِأَن الْكَلَام هُنَا أَبيض لِأَنَّهُ يلْزمه أَن يذكر عُيُوب الغبوق كَمَا ذكر محَاسِن الصبوح وَفِي هَذِه المزدوجة أَلْفَاظ لَا يجوز اسْتِعْمَالهَا عِنْد الفصحاء تظهر لِذَوي الْأَلْبَاب
قَاضِي الْقُضَاة الزَّيْنَبِي عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس أَبُو)
الْقَاسِم بن أبي طَالب الزَّيْنَبِي من بَيت مَشْهُور بالنقابة والتقدم والرياسة ولاه المسترشد قَضَاء الْقُضَاة فِي الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وَخمْس مائَة وَكَانَ صَدرا مهيباً ذَا ثبات وصيانة ونزاهة وديانة وعفة وغزارة فضل سمع من أَبِيه وَعَمه طراد وَأبي الْخطاب ابْن البطر وَأبي عبد الله ابْن البشري وَأبي الْحسن ابْن العلاف وَأبي الْقَاسِم ابْن بَيَان وَغَيرهم ولد سنة سبع وَسبعين وَأَرْبع مائَة وَتُوفِّي يَوْم الْأَضْحَى سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة
قيل إِنَّه رَآهُ رجل فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي ثمَّ أنْشد من الطَّوِيل
(وَإِن امْرَءًا ينجو من النَّار بَعْدَمَا ... تزَود من أَعماله لسَعِيد)
ابْن قرطاميز عَليّ بن الْحُسَيْن أَبُو الْحسن الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بِابْن قرطاميز كَانَ هُوَ وَإِخْوَته أَرْبَعَة قصاراً متشابهي القدود فَقَالَ فيهم بركَة بن الْمُقَلّد أَمِير بني عقيل من المتقارب
(بَنو قطرميز قصار الخطا ... بحاتر أشباه جعلان)
(أَرْبَعَة لَو وصلوا كلهم ... لم يبلغُوا قامة إِنْسَان)
من شعر أبي الْحسن الْمَذْكُور لغز كتبه لِابْنِ صاعد من الرجز
(مَا أسود لم ينش بَين الْعَرَب ... من غير أم حملت وَلَا أَب)
(ينعشنا بدمعه المنسكب ... يُوقن من أبصره بالسلب)
стр. 5785
(وَمَا لَهُ فِي سلبه من أرب ... أعجوبة تزري بِكُل الْعجب)
فَأجَاب وَهُوَ فِي حمام من الرجز
(سَأَلت عَن مستحسن مستغرب ... عِنْد الأعاريب الْكِرَام النجب)
(بِأَرْض نجد وَربَاع يعرب ... لكنه الحضري المعجب)
(بَيت سرُور ونعيم طيب ... بَيت يرى كالقائم المنتصب)
(وَتارَة كالنائم المحدودب ... نجومه طالعة لم تغب)
(مُقِيمَة فِي صَحبه والغيهب ... يجمع بَين مطفئ وملهب)
(مَا فاض من دمعه المنسكب ... فِيهِ انْتِفَاع للمسن وَالصَّبِيّ)
(يحسن فِيهِ الدَّهْر ترك الْأَدَب ... وَيَسْتَوِي الْفَقِير مَعَ ذِي النشب)
(فِيهِ أنَاس بمدى كالقضب ... حربهم فِيهِ لغير الْحَرْب)
)
(بِلَا دم من الجسوم مسرب ... ناهيك يَا صَاح بذا من عجب)
ابْن شيخ العوينة عَليّ بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن مَنْصُور بن عَليّ هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْفَاضِل المتبحر الْمُفْتِي الْعَلامَة الأصولي الْفَقِيه النَّحْوِيّ الْكَامِل زين الدّين أَبُو الْحسن ابْن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الشَّيْخ شمس الدّين ابْن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الشَّيْخ زين الدّين شيخ العوينة الْموصِلِي كَانَ هَذَا الشَّيْخ زين الدّين الْأَعْلَى من أهل الثروة والسعادة بالموصل فآثر الِانْقِطَاع وَالْعُزْلَة فأوى إِلَى الْجَبانَة بِبَاب الميدان ظَاهر الْموصل وَلَا مَاء هُنَاكَ إِلَّا من آبار محفورة طول الْبِئْر خَمْسُونَ ذِرَاعا وَسِتُّونَ ذِرَاعا وَأكْثر وَأَقل وَكَانَ الشَّيْخ زين الدّين الْمَذْكُور يتَوَجَّه كل يَوْم إِلَى الشط ويملأ إبريقين ويحملهما وَيَجِيء بهما لأجل شربه ووضوئه فَمَكثَ على ذَلِك مُدَّة وَهُوَ يقاسي مشقة لبعد الْمسَافَة فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَة رأى النَّبِي ﷺ أَو الإِمَام عليّ بن أبي طَالب ﵁ يَقُول لَهُ إحفر عنْدك حفيرة يظْهر لَك المَاء فَلَمَّا انتبه استبعد ذَلِك لِأَن الْآبَار هُنَاكَ بعيدَة الْغَوْر ولبث مُدَّة فَرَأى تِلْكَ الرُّؤْيَا فاستبعد ذَلِك ولبث مُدَّة ثمَّ رأى تِلْكَ الرُّؤْيَا وَقَالَ لَو حفرت بعكازك طلع لَك المَاء فَقص ذَلِك على بعض أَصْحَابه وحفر فِي ذَلِك الْمَكَان تَقْدِير ثَلَاثَة أَذْرع أَو أَكثر فَأجرى الله تَعَالَى لَهُ هُنَاكَ عينا وَهِي مَشْهُورَة هُنَاكَ فَمن ثمَّ قيل لَهُ شيخ العوينة وَكَانَ من الصلحاء
стр. 5786
الْكِبَار
وَأما الشَّيْخ زين الدّين صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة فَإِنِّي اجْتمعت بِهِ بِدِمَشْق فِي شهر شَوَّال سنة خمسين وَسبع مائَة بِالْمَدْرَسَةِ القليجية وَقد حضر مُتَوَجها إِلَى الْحجاز مَعَ بَيت صَاحب ماردين فرأيته حسن الشكل نير الْوَجْه أَحْمَر الْخَدين نقي الشيب يعلوه بهاء ورونق وَسَأَلته عَن مولده فَقَالَ بالموصل ثَانِي عشر شهر رَجَب سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وست مائَة قَرَأَ الْقُرْآن فِي بَغْدَاد على الشَّيْخ عبد الله الوَاسِطِيّ الضَّرِير لعاصم من طَرِيق أبي بكر وَشرح الشاطبية على الشَّيْخ شمس الدّين ابْن الْوراق الْموصِلِي وَحفظ الْحَاوِي الصَّغِير وَشَرحه على أقضى الْقُضَاة عز الدّين أبي السعادات عبد الْعَزِيز بن عدي الْبَلَدِي وَشَرحه أَيْضا على السَّيِّد ركن الدّين أَيْضا وَقَرَأَ أصُول الدّين والمعقولات على السَّيِّد ركن الدّين أَيْضا وَقَرَأَ ألفية ابْن معط على الشَّيْخ شمس الدّين المعيد الْمَعْرُوف بِابْن عَائِشَة وَقَرَأَ اللمع أَيْضا لِابْنِ جني بِبَغْدَاد على مهذب الدّين النَّحْوِيّ وعَلى شمس الدّين الحجري بِفَتْح الْحَاء وَالْجِيم التبريزي مدرس الْعَرَبيَّة)
فِي المستنصرية وَقَرَأَ الْحساب على القَاضِي عز الدّين الْمَذْكُور آنِفا وَقَرَأَ عَلَيْهِ الطِّبّ أَيْضا
وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ تَاج الدّين ابْن بلدجي الْحَنَفِيّ وَسمع عَلَيْهِ بعض جَامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير وَكَانَ يرويهِ عَن الحامض عَن المُصَنّف وَسمع أَكثر شرح السّنة لِلْبَغوِيِّ على الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الله بن الْمعَافى وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ شمس الدّين ابْن الْوراق الْموصِلِي الْحَنْبَلِيّ وَقدم إِلَى دمشق سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَسمع على الشَّيْخ جمال الدّين الْمزي صَحِيح البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ ومسند الشَّافِعِي وأجزاء كَثِيرَة وعَلى الشَّيْخ شمس الدّين السلاوي صَحِيح مُسلم وعَلى الشَّيْخ زين الدّين عَمْرو بن تَيْمِية التنوخي النَّسَائِيّ وعَلى الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ سنَن ابْن ماجة وَسمع على الشَّيْخ شمس الدّين ابْن النَّقِيب قَاضِي حلب بعض سنَن الدَّارَقُطْنِيّ وَأَجَازَهُ الْبَاقِي وَسمع على الشَّيْخ علم الدّين البرزالي كتاب علم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح وَأَجَازَ الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن شكاره الْمُؤَدب الْموصِلِي المقامات الحريرية
وروى مصنفات الشَّيْخ موفق الدّين الكواشي عَن الشَّيْخ شمس الدّين ابْن عَائِشَة عَن السَّيِّد ركن الدّين عَن المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى وَله من التصانيف تَفْسِير بنج الْحَمد وَهُوَ خمس سور من الْقُرْآن الْكَرِيم أول كل سُورَة ألحمد وَشرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي مُجَلد وَشرح البديع لِابْنِ الساعاتي الْحَنَفِيّ وَشرح مُخْتَصر المعالمين للسَّيِّد ركن الدّين وَكتاب تَنْقِيح الأفهام فِي جملَة الْكَلَام اخْتِصَار مَقَاصِد السول فِي علم الْأُصُول للسَّيِّد ركن الدّين ونظم الْحَاوِي الصَّغِير فِي دون الْخَمْسَة آلَاف بَيت وَشرح الْمَنْظُومَة الأسعردية فِي الْحساب شرح التسهيل لِابْنِ مَالك وَلم يكمل
стр. 5787
وَشرح قصيدة فِي الْفَرَائِض للشَّيْخ عبد الله الْجَزرِي وَله كتاب عرف العبير فِي عرف التَّعْبِير
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ مَا كتب بِهِ إِلَى الشَّيْخ شمس الدّين الحيالي من الوافر
(سَلام مثل أنفاس العبير ... على من حبه زَاد الْمسير)
(ونهج سَبيله حرز الْأَمَانِي ... ومصباح الْهِدَايَة للبصير)
(عوارفه لأهل الْكَشْف قوت ... وإحياء لعلمهم الغزير)
(إِشَارَته النجَاة لمن وعاها ... ومنطقه شِفَاء للصدور)
(تَحِيَّة من ذريعته إِلَيْهِ ... خُلَاصَة نِيَّة وَصفا ضمير)
(وَفِي جمل الْفُصُول لَهُ مثير ... إِلَى الْمَقْصُور فِي تِلْكَ الْقُصُور)
)
(وَلَو واتاه تيسير وَفَوْز ... بتكميل الْمَقَاصِد وَالسُّرُور)
(وَقَائِل سره وَجه التهاني ... ولاح طوالع السعد الْمُنِير)
(سعى وَرمى جمار الْبعد عَنهُ ... وَطَاف بكعبة الْحرم الخطير)
(وَلم يقنع بتحفة بنت فكر ... وَلَا اعتاض السطور عَن الْحُضُور)
وأنشدني لنَفسِهِ يمدح رَسُول الله ﷺ وأنشدها فِي الْحرم الشريف سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة من الطَّوِيل
(دَعَاهَا تواصل سَيرهَا بسراها ... وَلَا تردعاها فالغرام دَعَاهَا)
(وَلَا تخشيا مِنْهَا كلالاً من السرى ... وحقكما أَن الكلال عَداهَا)
(فَإِن مل حاديها وحار دليلها ... هداها إِلَى تِلْكَ القباب سناها)
(عَسى يَنْقَضِي فِي مَسْجِد الْخيف خوفها ... وتلقى مناها فِي نزُول مناها)
(وتجزع من مَاء الأجيرع شربة ... وتنقع من حر الذميل صداها)
(مَتى مَا تخللت النخيل بِيَثْرِب ... عدمت تثريبها وعناها)
(وَلم يبْق من أكوارها فِي ظُهُورهَا ... ظُهُور إِذا مَا بطن مر حواها)
(إِلَيْك رَسُول الله سعي عِصَابَة ... تعد خطاها فِيك محو خطاها)
(أَتَت وقراها موقر بذنوبها ... فَأحْسن كعادات الْكِرَام قراها)
стр. 5788
(وَلَيْسَ لَهَا عِنْد الْإِلَه وَسِيلَة ... سواك إِذا مَا النَّار شب لظاها)
وأنشدني مَا كتبه لصَاحب مادرين يودعه وَقد توجه لِلْحَجِّ سنة خمسين وَسبع مائَة من الْكَامِل
(ودعتكم وَتركت قلبِي عنْدكُمْ ... ورحلت بالمخلوق من صلصال)
(فالقلب فِي الفردوس يشْهد حسنكم ... والجسم فِي نَار التَّفَرُّق صال)
وكتبت إِلَيْهِ لما قدم إِلَى دمشق مُتَوَجها إِلَى الْحجاز سنة خمسين وَسبع مائَة سؤالاً كنت كتبته إِلَى الشَّيْخ نجم الدّين دَاوُد بن عَليّ القحفيزي وَهُوَ من الطَّوِيل
(أَلا إِنَّمَا الْقُرْآن أكبر معجز ... لأَفْضَل من يهدى بِهِ الثَّقَلَان)
(وَمن جملَة الإعجاز كَون اختصاره ... بإيجاز أَلْفَاظ وَبسط مَعَاني)
(ولكنني فِي الْكَهْف أَبْصرت آيَة ... بهَا الْفِكر فِي طول الزَّمَان عناني)
(وَمَا ذَاك إِلَّا استطعما أَهلهَا فقد ... نرى استطعماهم مثله بِبَيَان)
)
(فَمَا الْحِكْمَة الغراء فِي وضع ظَاهر ... مَكَان ضمير إِن ذَاك لشان)
فَأَجَابَنِي الشَّيْخ زين الدّين نظماً ونثراً من الطَّوِيل
(سَأَلت لماذا استطعما أَهلهَا أَتَى ... عَن استطعماهم إِن ذَاك لشان)
(وَفِيه اخْتِصَار لَيْسَ ثمَّ وَلم تقف ... على سَبَب الرجحان مُنْذُ زمَان)
(فهاك جَوَابا رَافعا لنقابة ... يصير بِهِ الْمَعْنى كرأي عيان)
(إِذا مَا اسْتَوَى الحالان فِي الحكم رجح الض ... مير وَأما حِين يَخْتَلِفَانِ)
(بِأَن كَانَ فِي التَّصْرِيح إِظْهَار حِكْمَة ... كرفعة شَأْن أَو حقارة جَان)
(كَمثل أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول ذَا ... وَمَا نَحن فِيهِ صوحوا بِأَمَان)
(وَهَذَا على الإيجاز وَاللَّفْظ جَاءَ فِي ... جوابي منثوراً بِحسن بَيَان)
(فَلَا تمتحن بالنظم من بعد عَالما ... فَلَيْسَ لكل بالقريض يدان)
(وَقد قيل أَن الشّعْر يزري بهم فَلَا ... تكَاد ترى من سَابق برهَان)
(وَلَا تنسني عِنْد الدُّعَاء فإنني ... سأبدي مزاياكم بِكُل مَكَان)
(وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم لما طَغى ... بِهِ قلمي أَو طَال فِيهِ لساني)
وَالْجَوَاب الْمَبْسُوط بالنثر فَهُوَ
стр. 5789
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سَأَلَ بعض الْفُضَلَاء عَن الْحِكْمَة فِي فَاسْتَطْعَمَا أَهلهَا دون فاستطعماهم مَعَ أَنه أخصر قلت وَالله الْمُوفق إِنَّه لما كَانَت الْأَلْفَاظ تَابِعَة للمعاني لم يتحتم الْإِضْمَار بل قد يكون التَّصْرِيح أولى بل رُبمَا يكَاد يصل إِلَى حد الْوُجُوب كَمَا سنبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَيدل على الْأَوْلَوِيَّة قَول أَرْبَاب علم الْبَيَان مَا هَذَا ملخصه لما كَانَ للتصريح عمل لَيْسَ للكناية كَانَ إِعَادَة اللَّفْظ من الْحسن والبهجة والفخامة مَا لَيْسَ لرجوع الضَّمِير انْتهى كَلَامهم فقد يعدل إِلَى التَّصْرِيح إِمَّا للتعظيم وَإِمَّا للتحقير وَإِمَّا للتشنيع والنداء بقبح الْفِعْل وَإِمَّا لغَيرهم فَمن التَّعْظِيم قَوْله تَعَالَى قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد دون هُوَ وَقَوله تَعَالَى وبالحق أَنزَلْنَاهُ وبالحق نزل وَلم يقل وَبِه وَقَوله الْحَج أشهر مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج فقد كرر لفظ الْحَج مرَّتَيْنِ دون أَن يُقَال فَمن فَرْضه فِيهِنَّ وَلَا جِدَال فِيهِ إعلاماً بعظامه صدلر هَذِه الْعِبَادَة من حَيْثُ أَنَّهَا فَرِيضَة الْعُمر وفيهَا شبه عَظِيم بِحَال الْمَوْت والبعث)
فَنَاسَبَ حَال تَعْظِيمه فِي الْقُلُوب التَّصْرِيح باسمه ثَلَاث مَرَّات وَمِنْه قَول الْخَلِيفَة أَمِير الْمُؤمنِينَ نرسم بِكَذَا دون إِنَّا إِمَّا لتعظيم ذَلِك الْأَمر أَو لتقوية دَاعِيَة الْمَأْمُور أَو نَحْوهمَا
وَقَول الشَّاعِر من الرجز نفس عصامٍ سودت عصاما وَقَول أبي تَمام من الْخَفِيف
(قد طلبنا فَلم نجد لَك فِي السؤ ... دَد وَالْمجد والمكارم مثلا)
فَإِن إِيقَاع الطّلب على الْمثل أوقع من إِيقَاعه على ضَمِيره لَو قَالَ طلبنا لَك مثلا فَلم نجده
وَقَول بعض أهل الْعَصْر من الطَّوِيل
(إِذا برقتْ يَوْمًا أسرة وَجهه ... على النَّاس قَالَ النَّاس جلّ الْمنور)
وَأما مَا يكَاد يصل إِلَى حد الْوُجُوب فَمثل قَوْله تَعَالَى يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك إِلَى قَوْله وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها إِن عدل عَن الْإِضْمَار إِلَى التَّصْرِيح وَكرر اسْمه ﷺ تَنْبِيها على أَن تَخْصِيصه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 5790
بِهَذَا الحكم أَعنِي النِّكَاح بِالْهبةِ عَن سَائِر النَّاس لمَكَان النُّبُوَّة وَكرر اسْمه ﷺ تَنْبِيها على عَظمَة شَأْنه وجلالة قدره إِشَارَة إِلَى عِلّة التَّخْصِيص وَهِي النُّبُوَّة
وَمن التحقير فبدل الَّذين ظلمُوا مِنْهُم قولا غير الَّذِي قيل لَهُم فأنولنا على الَّذين ظلمُوا دون عَلَيْهِم وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف بل لعنهم الله بكفرهم أضمر هُنَا ثمَّ لما أُرِيد الْمُبَالغَة فِي ذمهم صرح فِي الْآيَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة بكفرهم فَقيل لعنة الله على الْكَافرين ووللكافرين عَذَاب مهين وَأَمْثَاله كثير إِذا تقرر هَذَا الأَصْل فَيَقُول لما كَانَ أهل الْقرْيَة موصوفين بالشح الْغَالِب واللؤم اللازب بِدَلِيل قَوْله ﷺ كَانُوا أهل قَرْيَة لِئَامًا وَقد صدر مِنْهُم فِي حق هذَيْن الْعَبْدَيْنِ الكريمين على الله تَعَالَى مَا صدر من الْمَنْع بعد السُّؤَال كَانُوا حقيقين عَلَيْهِم بِسوء الصنع فَنَاسَبَ ذَلِك التَّصْرِيح باسمهم لما فِي لفظ الْأَهْل من الدّلَالَة على الكره مَعَ حرمَان هذَيْن الفقيرين من خير لَهُم مَعَ استطعامهما إيَّاهُم وَلما دلّ عَلَيْهِ حَالهم من كدر قُلُوبهم وعمى بصائرهم حَيْثُ لم يتفرسوا فيهمَا مَا تفرسه صَاحب السَّفِينَة فِي قَوْله أرى وُجُوه الْأَنْبِيَاء هَذَا مَا يتَعَلَّق بِالْمَعْنَى وَأما مَا يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ فَلَمَّا فِي جمع الضميرين فِي كلمة وَاحِدَة من استثقال فَلهَذَا كَانَ قَلِيلا فِي الْقُرْآن الْمجِيد وَأما)
قَوْله تَعَالَى فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَقَوله أنلزمكوها فَإِنَّهُ لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل لِأَنَّهُ عدُول عَن الِانْفِصَال إِلَى الِاتِّصَال الَّذِي هُوَ أخصر وَعند فك الضَّمِير لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّصْرِيح باسم ظَاهر بل يُقَال فسيكفيك إيَّاهُم الله وأنلزمكم إِيَّاهَا فَكَانَ الِاتِّصَال الأولي لِأَنَّهُ أخصر
ومؤداهما وَاحِد بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا ثمَّ هُنَا سُؤَالَات فَالْأول مَا الْفرق بَين الاستطعام والضيافة فَإِن قلت إنَّهُمَا بِمَعْنى قلت فَلم خصصهما بالاستطعام والأهل بالضيافة
وَالثَّانِي فَلم قيل فَأَبَوا أَن دون فَلم مَعَ أَنه أخصر
الثَّالِث لم قيل أَتَيَا أهل قَرْيَة دون أَتَيَا قَرْيَة وَالْعرْف بخلافة تَقول أتيت إِلَى الْكُوفَة دون أهل الْكُوفَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ادخُلُوا مصر وَالْجَوَاب عَن الأول أَن الاستطعام وضيفة السَّائِل والضيافة وضيفة المسؤول لِأَن الْعرف يقْضِي بذلك فيدعو الْمُقِيم إِلَى منزله القادم يسْأَله ويحمله إِلَى منزله وَعَن الثَّانِي أَن فِي الإباء من قُوَّة الْمَنْع مَا لَيْسَ فِي فَلم لِأَنَّهَا تقلب الْمُضَارع إِلَى الْمَاضِي وسفيه فَلَا يدل على أَنهم لم يضيفوهم فِي الِاسْتِقْبَال بِخِلَاف الإباء المقرون ب أَن فَإِنَّهُ يدل على النَّفْي مُطلقًا وآبنه ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره أَي حَالا واستقبالاً وَعَن الثَّالِث أَنه مَبْنِيّ على أَن مُسَمّى الْقرْيَة مَاذَا
стр. 5791
أهوَ الجدران وَأَهْلهَا مَعًا حَال كَونهم فِيهَا أم هِيَ فَقَط أم هم فَقَط وَالظَّاهِر عِنْدِي أَنه يُطلق عَلَيْهَا مَعَ قطع النّظر إِلَى وجود أَهلهَا وعدمهم بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على عروشها سَمَّاهَا قَرْيَة وَلَا أهل وَلَا جِدَار قَائِما وَلعدم تنَاول لفظ الْقرْيَة إيَّاهُم فِي البيع إِذا كَانَت الْقرْيَة وَأَهْلهَا ملكا للْبَائِع وهم فِيهَا حَالَة البيع وَلَو كَانَ الْأَهْل داخلين فِي مسماها لدخلوا فِي البيع ولبدت المعايرة بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ذكر الْأَهْل لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُود من سِيَاق الْكَلَام دون الجدران لِأَنَّهُ بمعرض حِكَايَة مَا وَقع مِنْهُم من اللوم فَإِن قلت فَمَا نصْنَع بقوله تَعَالَى وَكم أهلكنا من قَرْيَة بطرت معيشتها وَكم من قَرْيَة أهلكناها فَجَاءَهَا بأسنا بياتاً أَو هم قَائِلُونَ
وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة إِلَى آخِره واسأل الْقرْيَة فَإِن المُرَاد فِي هَذِه الْآيَات وأمثالها الْأَهْل والجدران قلت هُوَ من بَاب الْمجَاز بِالْقَرِينَةِ لِأَن الإهلاك إِنَّمَا ينْسب إِلَيْهِم دونهَا بِدَلِيل أَو هم قَائِلُونَ فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف وبطرت معيشتها والاستحالة السُّؤَال من غير الْأَهْل على أَنا نقُول لَو تصور وُقُوع الْهَلَاك على نفس الْقرْيَة بالخسف والحريف والغريق وَنَحْوه لم تتَعَيَّن الْحَقِيقَة لما ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم وَهَذَا عجالة الْوَقْت وَنحن على جنَاح)
السّفر
وَمن شعر الشَّيْخ زين الدّين الْمشَار إِلَيْهِ يمدح الْملك الصَّالح صَاحب مادرين من الطَّوِيل
(إلهي إِن الصَّالح المصلح الَّذِي ... بدا عزة فِي آل أرتق تزهر)
(وألبسته من نور وَجهك حلَّة ... تكَاد لأبصار الْخَلَائق تبهر)
(إِذا برقتْ يَوْمًا أسرة وَجهه ... على النَّاس قَالَ النَّاس جلّ الْمنور)
(وَقَالُوا كَمَا قَالَت صَوَاحِب يُوسُف ... أذا ملك أم آدَمِيّ مُصَور)
(يؤمل أَن أَدْعُوك ظنا بأنني ... لديك وجيه مستجاب موقر)
(إلهي فَلَا تخلف بِي الظَّن عِنْده ... وَإِن لم أكن أَهلا فحلمك يستر)
(وهذي يَدي مَرْفُوعَة بتضرع ... فيسر عَلَيْهِ كلما يتعسر)
(وآمنه من خوف فقد أَمن الورى ... بهيبته مِمَّا يخَاف ويحذر)
(وَأحسن لَهُ العقبى وبلغه بَيْتك ... الْحَرَام على وَجه تحب وتؤثر)
(وَحط ملكه حَتَّى يؤوب مُسلما ... وَقد حطت الأوزار وَهُوَ مطهر)
(فَمَا فِي اعتقادي فِي السلاطين مثله ... وَأَنت بِمَا يخفى ويعلن أخبر)
стр. 5792
(فَإِن لم يكن فاجعله حَيْثُ ظننته ... فَأَنت على قلب الْحَقَائِق أقدر)
ابْن بِشَارَة الْحَنَفِيّ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن بِشَارَة الْفَاضِل أَبُو الْحسن الشبلي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ ولد سنة تسعين وست مائَة فِي غَالب الظَّن وَتُوفِّي ﵀ فِي شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة
وَسمع كثيرا من اليونيني وَسمع بِنَفسِهِ وَكتب وَأعَاد وتأهل للفتيا
الملجكاني الْمروزِي عَليّ بن الحكم بن ظبْيَان الْمروزِي الملجكاني روى عَنهُ البُخَارِيّ وروى النَّسَائِيّ عَن رجلٍ عَنهُ وَأحمد بن حَنْبَل وَتُوفِّي فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
الأودي الْكُوفِي عَليّ بن حَكِيم الأودي الْكُوفِي روى عَنهُ مُسلم وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وروى البُخَارِيّ عَنهُ فِي كتاب الْأَدَب وَقَالَ أَبُو حَاتِم صَدُوق وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
الْكَرْخِي الشَّاعِر)
عَليّ بن الحليل هُوَ بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح اللَّام الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَلَام ثَانِيَة هَكَذَا وجدته مُقَيّدا بخطوط جمَاعَة من الْفُضَلَاء فِي النّسخ الْمُعْتَبرَة وَقد وهم فِيهِ محب الدّين ابْن النجار وَذكره فِي حرف الْخَاء فِي الْآبَاء توهمه الْخَلِيل وَكَانَ عَليّ الْمَذْكُور كرخياً شَاعِرًا وَمن شعره من السَّرِيع
(لَا أظلم اللَّيْل وَلَا أَدعِي ... أَن نُجُوم اللَّيْل لَيست تَزُول)
(ليلِي كَمَا شَاءَت قَصِيرا إِذا ... جَادَتْ وَإِن ضنت فليلي يطول)
قلت أَخذه عَليّ بن بسام بعده فَقَالَ من السَّرِيع
(لَا أظلم اللَّيْل وَلَا أَدعِي ... أَن نُجُوم اللَّيْل لَيست تغور)
стр. 5793
(ليلِي كَمَا شَاءَت فَإِن تَجِد ... طَال وَإِن جَادَتْ فليلي قصير)
وَأورد الصولي لِابْنِ الحليل من الطَّوِيل
(يَقُولُونَ طَال اللَّيْل وَاللَّيْل لم يطلّ ... وَلَكِن من يهوى من الشوق يسهر)
(أَنَام إِذا مَا الْوَصْل مهد مضجعي ... وأفقد نومي حِين أجفى وأهجر)
(فكم لَيْلَة طَالَتْ عَليّ لصدها ... وَأُخْرَى ألاقيها بوصل فتقصر)
حسام الدّين الْحَاجِب نَائِب خلاط عَليّ بن حَمَّاد الْأَمِير حسام الدّين الْحَاجِب مُتَوَلِّي خلاط نِيَابَة عَن الْأَشْرَف مُوسَى كَانَ بطلاً شجاعاً خَبِيرا سايساً أرسل الْأَشْرَف مَمْلُوكه عز الدّين أيبك وَأمره بِالْقَبْضِ على حسام الدّين وَقَتله غيلَة قَالَ ابْن الْأَثِير وَلم نعلم شَيْئا يُوجب الْقَبْض عَلَيْهِ وَكَانَ مشفقاً عَلَيْهِ ناصحاً لَهُ حسن السِّيرَة وَحمى خلاط من جلال الدّين خوارزم شاه حفظا يعجز عَنهُ غَيره وَبنى بخلاط جَامعا وبيمارستاناً فَلم يُمْهل الله أيبك بل ورد عَلَيْهِ خوارزم شاه ونازله وَأخذ خلاط وَأسر هُوَ وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء فَلَمَّا اتّفق هُوَ والأشرف أطلق الْجَمِيع وَقيل بل قتل أيبك وَكَانَت قَتله حسام الدّين سنة سِتّ وَعشْرين وست مائَة
عماد الدّين الجيزاني عَليّ بن حَمَّاد بن مُحَمَّد الْفَقِيه عماد الدّين أَبُو الْحسن الجيزاني نقلت من خطّ شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ بخلاط سنة سِتّ وست مائَة من الرجز
(مهلا بهَا فَمَا لَهَا وللسرى ... من بعد مَا لَاحَ لَهَا وَادي الْقرى)
)
(لَا تعرفن بالوجى لحومها فقد بَرى ... أشباحها جذب البرى)
(أما ترَاهَا كالقسي نحلا ... قداحها ركبانها أما ترى)
(راحت وَقد راحت نسيم رَاحَة ... تسوف من رياه مسكاً أذفرا)
(كَأَنَّمَا تكْتب من حبر الدجا ... أخفافها من الغرام أسطرا)
(لَاحَ لَهَا على العذيب بارق ... وَبَرقَتْ أبصارها لما سرى)
стр. 5794
(كَأَنَّهُ لما أَضَاء بالدجا ... يفتر عَن ثغر الشهَاب سحرًا)
٣ - (عَليّ بن حَمْزَة)
الْكسَائي عَليّ بن حَمْزَة بن عبد الله بن فَيْرُوز الْأَسدي مَوْلَاهُم الْكُوفِي إِنَّمَا قيل لَهُ الْكسَائي لِأَنَّهُ دخل الْكُوفَة وأتى حَمْزَة بن حبيب الزيات وَهُوَ ملتف بكساء فَقَالَ حَمْزَة من يقْرَأ فَقيل لَهُ صَاحب الكساء فَبَقيَ علما عَلَيْهِ وَقيل بل أحرم فِي كسَاء شيخ الْقُرَّاء وَأحد السَّبْعَة وَإِمَام النُّحَاة نزل بَغْدَاد وأدب الرشيد ثمَّ أَوْلَاده قَرَأَ الْقُرْآن على حَمْزَة الزيات أَربع مَرَّات وَقَرَأَ على مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى عرضا وروى عَن جَعْفَر الصَّادِق وَالْأَعْمَش وَسليمَان بن أَرقم وَأبي بكر ابْن عَيَّاش وَاخْتَارَ لنَفسِهِ قِرَاءَة صَارَت إِحْدَى الْقرَاءَات السَّبع
وَتعلم النَّحْو على كبر سنه وجالس الْخَلِيل فِي الْبَصْرَة وَكَانُوا يكثرون عَلَيْهِ حَتَّى لَا يضبطهم
وَكَانَ يجمعهُمْ وَيجْلس على كرْسِي وَيَتْلُو الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره وهم يسمعُونَ ويضبطون عَنهُ حَتَّى المقاطع والمبادئ مَاتَ مَعَ الرشيد فِي قَرْيَة زنبويه وَمَات مَعَه مُحَمَّد بن الْحسن فَقَالَ الرشيد لما عَاد إِلَى الْعرَاق دفنت النَّحْو وَالْفِقْه بزنبويه وَذَلِكَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة
وزنبويه بِالريِّ وَلم يكن لَهُ فِي الشّعْر يَد حَتَّى قيل إِنَّه لَيْسَ فِي عُلَمَاء الْعَرَبيَّة أَجْهَل مِنْهُ بالشعر
اجْتمع يَوْمًا بِمُحَمد بن الْحسن فِي مجْلِس الرشيد فَقَالَ الْكسَائي من تبحر فِي علم يهدى إِلَى جَمِيع الْعُلُوم فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن الْحسن مَا تَقول فِي من سَهَا فِي سُجُود السَّهْو هَل يسْجد مرّة أُخْرَى فَقَالَ الْكسَائي لَا قَالَ لماذا قَالَ لِأَن النُّحَاة يَقُولُونَ التصغير لَا يصغر وَقيل إِن هَذِه جرت لمُحَمد بن الْحسن وَالْفراء النَّحْوِيّ فَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن فَمَا تَقول فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِالْملكِ قَالَ لَا يَصح قَالَ لم قَالَ لِأَن السَّيْل لَا يسْبق الْمَطَر وَسَيَأْتِي ذكر مَا)
جرى لَهُ مَعَ سِيبَوَيْهٍ فِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكتب إِلَى الرشيد يشكو الْعزبَة من الْكَامِل
(قل للخليفة مَا تَقول لمن ... أَمْسَى إِلَيْك بِحرْمَة يُدْلِي)
стр. 5795
(مَا زلت مذ صَار الْأمين معي ... عَبدِي يَدي ومطيتي رجْلي)
(وعَلى فِرَاشِي من ينهنهني ... من نومتي وقيامه قبلي)
(أسعى بِرَجُل مِنْهُ ثَالِثَة ... موفورة مني بِلَا رجل)
(وَإِذا ركبت أكون مرتدفاً ... قُدَّام سرجي رَاكِبًا مثلي)
(فَامْنُنْ عَليّ بِمَا يسكنهُ ... عني وأهد الغمد للنصل)
فَأمر لَهُ الرشيد بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَجَارِيَة حسناء وخادم وبرذون وَجَمِيع مَا تحْتَاج الْجَارِيَة إِلَيْهِ
وَحكي أَنه كَانَ يشرب الشَّرَاب وَيَأْتِي الغلمان قيل إِنَّه أَقَامَ غُلَاما مِمَّن عِنْده فِي الْكتاب يفسق بِهِ وَجَاء بعض الْكتاب ليسلم عَلَيْهِ فَرَآهُ الْكسَائي وَلم يره الْغُلَام فَجَلَسَ الْكسَائي فِي مَكَانَهُ وَبَقِي الْغُلَام قَائِما مبهوتاً فَلَمَّا دخل الْكَاتِب قَالَ مَا شَأْن هَذَا الْغُلَام قَائِما قَالَ وَقع الْفِعْل عَلَيْهِ فانتصب ذكر ذَلِك ياقوت فِي مُعْجم الأدباء
وأشرف الرشيد عَلَيْهِ يَوْمًا وَهُوَ لَا يرَاهُ فَقَامَ الْكسَائي ليلبس نَعْلَيْه فابتدر الْأمين والمأمون فوضعاها بَين يَدَيْهِ فَقبل رؤوسهما وأيديهما وَأقسم عَلَيْهِمَا أَن لَا يعاودوا ذَلِك أبدا فَلَمَّا جلس الرشيد مَجْلِسه قَالَ أَي النَّاس أكْرم خدماً قَالُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله تَعَالَى فَقَالَ بل الْكسَائي يَخْدمه الْأمين والمأمون وَحَدَّثَهُمْ الحَدِيث
وَقَالَ الْفراء مدحني رجل من النَّحْوِيين فَقَالَ لي مَا اختلافك إِلَى الْكسَائي وَأَنت مثله فِي النَّحْو فأعجبتني نَفسِي فَأَتَيْته فناظرته مناظرة الْأَكفاء وَكَأَنِّي كنت طائراً يغْرف من الْبَحْر بمنقاره وَقَالَ الْفراء مَاتَ الْكسَائي وَهُوَ لَا يدْرِي حد نعم وَبئسَ وَلَا حد أَن الْمَفْتُوحَة وَلَا حد الْحِكَايَة وَلم يكن الْخَلِيل يحسن حد النداء وَلَا كَانَ سِيبَوَيْهٍ يدْرِي حد التَّعَجُّب
وَكَانَ سَبَب تعلم الْكسَائي النَّحْو أَنه جَاءَ إِلَى قوم من الهباريين وَقد أعيى فَقَالَ قد عييت فَقَالُوا لَهُ أتجالسنا وتلحن فَقَالَ كَيفَ لحنت فَقَالُوا إِن كنت أردْت من انْقِطَاع الْحِيلَة والتحير فِي الْأَمر فَقل عييت مخففاً وَإِن كنت أردْت من التَّعَب فَقل أعييت فَأَنف من هَذِه)
الْكَلِمَة ثمَّ قَامَ من فوره وأتى إِلَى معَاذ الهراء ولازمه حَتَّى أَخذ مَا عِنْده وَخرج إِلَى الْبَصْرَة فَأتى الْخَلِيل وَجلسَ فِي حلقته فَقَالَ لَهُ رجل من الْإِعْرَاب تركت أَسد الْكُوفَة وتميماً وَعِنْدهَا الفصاحة وَجئْت إِلَى الْبَصْرَة فَقَالَ الْخَلِيل من أَيْن أخذت علمك هَذَا فَقَالَ من بوادي الْحجاز ونجد وتهامة فَخرج وَرجع وَقد أنفذ خمس عشرَة قنينة حبرًا فِي الْكِتَابَة عَن الْعَرَب سوى مَا حفظ فَلم يكن لَهُ هم غير الْبَصْرَة والخليل فَوجدَ الْخَلِيل قد مَاتَ وَجلسَ فِي مَوْضِعه
стр. 5796
يُونُس النَّحْوِيّ فمرت بَينهمَا مسَائِل أقرّ لَهُ يُونُس فِيهَا وصدره مَوْضِعه
وَلما أَتَى حَمْزَة الزيات وَتقدم ليقْرَأ عَلَيْهِ رمقه الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ وَقَالُوا إِن كَانَ حائكاً فسيقرأ سُورَة يُوسُف وَإِن كَانَ ملاحاً فسيقرأ سُورَة طه فسمعهم فَقَرَأَ بِسُورَة يُوسُف فَلَمَّا بلغ إِلَى قصَّة الذِّئْب قَرَأَ فَأَكله الذيب بِغَيْر همزٍ فَقَالَ لَهُ حَمْزَة الذِّئْب بِالْهَمْز فَقَالَ لَهُ الْكسَائي وَكَذَلِكَ أهمز الْحُوت فالتقمه الْحُوت قَالَ لَا قَالَ فَلم همزت الذِّئْب وَلم تهمز الْحُوت وَهَذَا فَأَكله الذِّئْب وَهَذَا فالتقمه الْحُوت فَرفع حَمْزَة بَصَره إِلَى خَلاد الْأَحول وَكَانَ أجمل غلمانه فَتقدم إِلَيْهِ جمَاعَة من الْمجْلس فناظروا فَلم يصنعوا شَيْئا فَقَالَ أفدنا رَحِمك الله فَقَالَ الْكسَائي تفهموا عَن الحائك تَقول إِذا نسبت الرجل إِلَى الذِّئْب قد استذأب الرجل وَلَو قلت قد استذاب بِغَيْر همز لَكُنْت إِنَّمَا نسبته إِلَى الهزال أَي استذاب شحمه بِغَيْر همز وَإِذا نسبته إِلَى الْحُوت تَقول قد استحات الرجل أَي كثر أكله لِأَن الْحُوت يَأْكُل كثيرا لَا يجوز فِيهِ الْهَمْز فلتلك الْعلَّة همز الذِّئْب وَلم يهمز الْحُوت وَفِيه معنى آخر لَا يسْقط الْهَمْز من مفرده وَلَا من جمعه وأنشدهم من الْخَفِيف
(أَيهَا الذِّئْب وَابْنه وَأَبوهُ ... أَنْت عِنْدِي من أذؤب ضاريات)
قَالَ سَلمَة كَانَ عِنْد الْمهْدي ولد يُؤَدب وَلَده الرشيد فَدَعَاهُ الْمهْدي يَوْمًا وَهُوَ يستاك فَقَالَ لَهُ كَيفَ تَأمر من السِّوَاك فَقَالَ إستك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الْمهْدي إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
ثمَّ قَالَ التمسوا لنا من هُوَ أفهم من هَذَا فَقَالُوا رجل يُقَال لَهُ عَليّ بن حَمْزَة الْكسَائي من أهل الْكُوفَة قدم من الْبَادِيَة قَرِيبا فَأمر بإحضاره من الْكُوفَة فساعة دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ يَا عَليّ بن حَمْزَة قَالَ لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ كَيفَ تَأمر من السِّوَاك قَالَ سك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَحْسَنت وأصبت وَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
وَقَالَ الْكسَائي حججْت مَعَ الرشيد فَقدمت لبَعض الصَّلَوَات فَصليت فَقَرَأت ذُرِّيَّة ضعافاً)
خَافُوا عَلَيْهِم فَأَمْلَتْ ضعافاً فَلَمَّا سلمت ضربوني بِالْأَيْدِي وَالنعال وَغير ذَلِك حَتَّى غشي عَليّ واتصل الْخَبَر بالرشيد فَوجه بِمن استنفذني فَلَمَّا جِئْته قَالَ لي مَا شَأْنك فَقلت قَرَأت لَهُم بِبَعْض قراءات حَمْزَة الرَّديئَة فَفَعَلُوا بِي مَا بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ بئس مَا صنعت ثمَّ إِن الْكسَائي ترك كثيرا من قراءات حَمْزَة
وَقَالَ أحضرني الرشيد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَأخرج إِلَيّ مُحَمَّد الْأمين وَعبد الله الْمَأْمُون كَأَنَّهُمَا بدران فَقَالَ امتحنهما بِشَيْء فَمَا سألتهما عَن شَيْء إِلَّا أحسنا الْجَواب عَنهُ فَقَالَ لي كَيفَ تراهما فَقلت من الطَّوِيل
стр. 5797
(أرى قمري أفق وفرعي بشامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد)
(يسدان آفَاق السَّمَاء بهمة ... يؤيدهما حزم ورأي وسؤدد)
(سليلي أَمِير الْمُؤمنِينَ وحائزي ... مَوَارِيث مَا أبقى النَّبِي مُحَمَّد)
(حَيَاة وخصب للْوَلِيّ وَرَحْمَة ... وَحرب لأعداء وَسيف مهند)
ثمَّ قلت فرع زكا أَصله وطاب مغرسه وتمكنت فروعه وعذبت مشاربه وأوراق غصنه وأينع ثمره وزكا فَرعه إِذا هما ملك أغر نَافِذ الْأَمر وَاسع الْعلم عَظِيم الْحلم أعلاهما فعلوا وسما بهما فسموا فهما يتطاولان بطولة ويستضيئان بنوره وينطقان بِلِسَانِهِ فأمتع الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بهما وبلغه الأمل فيهمَا فَقَالَ الرشيد تعهدهما فَكنت أختلف إِلَيْهِمَا فِي الْأُسْبُوع طرفِي نهارهما وَمن شعر الْكسَائي من الرمل
(إِنَّمَا النَّحْو قِيَاس يتبع ... وَبِه فِي كل أَمر ينْتَفع)
(فَإِذا مَا أبْصر النَّحْو الْفَتى ... مر فِي الْمنطق مرا فاتسع)
(فاتقاه كل من جالسه ... من جليس نَاطِق أَو مستمع)
(وَإِذا لم يبصر النَّحْو الْفَتى ... هاب أَن ينْطق حينا فَانْقَطع)
(فتراه يرفع النصب وَمَا ... كَانَ من خفض وَمن نصب رفع)
(يقْرَأ الْقُرْآن لَا يعرف مَا ... صرف الْإِعْرَاب فِيهِ وصنع)
(وَالَّذِي يعرفهُ يقرأه ... فَإذْ مَا شكّ فِي حرف رَجَعَ)
(نَاظرا فِيهِ وَفِي إعرابه ... فَإِذا مَا عرف اللّحن صدع)
(كم وضيع رفع النَّحْو وَكم ... من شرِيف قد رَأَيْنَاهُ وضع)
)
(فهما فِيهِ سَوَاء عنْدكُمْ ... لَيست السّنة فِينَا كالبدع)
وَحضر مجْلِس الْكسَائي أَعْرَابِي وهم يتحاورون فِي النَّحْو فأعجبه ذَلِك ثمَّ تنَاظرُوا فِي التصريف فَلم يهتد إِلَى مَا يَقُولُونَ ففارقهم وَقَالَ من الْبَسِيط
(مَا زَالَ أَخذهم فِي النَّحْو يُعجبنِي ... حَتَّى تعاطوا كَلَام الزنج وَالروم)
(بمفعلٍ فعل لَا طَابَ من كلمٍ ... كَأَنَّهُ زجل الْغرْبَان والبوم)
وَله من التصانيف كتاب مَعَاني الْقُرْآن كتاب مُخْتَصر فِي النَّحْو كتاب الْقرَاءَات كتاب الْعدَد كتاب النَّوَادِر الْكَبِير كتاب النَّوَادِر الْأَوْسَط كتاب النَّوَادِر الصَّغِير كتاب اخْتِلَاف الْعدَد كتاب الهجاء كتاب مَقْطُوع الْقُرْآن وموصوله كتاب
стр. 5798
المصادر كتاب الْحُرُوف كتاب أشعار المعاياه وطرائقها كتاب الهاءات المكني بهَا فِي الْقُرْآن
وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ أسمعني أَبُو بكر عَن بعض مشايخه أَن الْكسَائي كَانَ يقوم فِي الْمِحْرَاب يؤم فتشذ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة حَتَّى لَا يقوم بِقِرَاءَة الْحَمد لله رب الْعَالمين ثمَّ ينحرف فَيقبل عَلَيْهِم فيملي الْقُرْآن حفظا وَتَفْسِيره بمعانيه وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد اليزيدي يرثيه ويرثي مُحَمَّد بن الْحسن من الطَّوِيل
(تصرمت الدُّنْيَا فَلَيْسَ خُلُود ... وَمَا قد ترى من بهجة ستبيد)
(سيفنيك مَا أفنى الْقُرُون الَّتِي مَضَت ... فَكُن مستعداً فالفناء عتيد)
(أسيت على قَاضِي الْقُضَاة مُحَمَّد ... فأذريت دمعي والفؤاد عميد)
(وَقلت إِذا مَا الْخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يَوْمًا وَأَنت فقيد)
(وأوجعني موت الْكسَائي بعده ... وكادت بِي الأَرْض الفضاء تميد)
(وأذهلني عَن كل عَيْش وَلَذَّة ... وأرق عَيْني والعيون هجود)
(هما عالمانا أوديا وتخرما ... وَمَا لَهما فِي الْعَالمين نديد)
الإصبهاني عَليّ بن حَمْزَة بن عمَارَة بن حَمْزَة بن يسَار بن عُثْمَان أَبُو الْحسن الإصبهاني كَانَ أحد الأدباء الْمَشْهُورين بِالْعلمِ وَالْفضل وَالشعر شَائِع الذّكر صنف كتبا مِنْهَا كتاب الشّعْر كتاب فقر البلغاء كتاب قلائد الشّرف فِي مفاخر إصبهان وَمن شعره من الْخَفِيف
(قد عزمنا على الصبوح فبادر ... قبل أَن تضحي السَّمَاء المخيله)
)
(فَلِذَا الدجن يَا خليلي إِمَام ... لم أزل مذ عقلت أَمْرِي خَلِيله)
(وَهُوَ يَوْم أغر أَبْلَج يهمي ... بحياً يستمد مِنْهُ سيوله)
(وَدَعَانِي إِلَيْهِ أدهم داج ... قد رحمنا بكاءه وعويله)
أَبُو الْحسن الأديب عَليّ بن حَمْزَة أَبُو الْحسن الأديب مُصَنف رِسَالَة الحمارية قدم دمشق ومدح بهَا أَبَا الْفَتْح صَالح بن أَسد الْكَاتِب وَتُوفِّي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبع مائَة روى عَنهُ عَليّ بن عبد السَّلَام الصُّورِي وَتُوفِّي بطرابلس
стр. 5799
أَبُو النَّعيم اللّغَوِيّ عَليّ بن حَمْزَة أَبُو النَّعيم الْبَصْرِيّ اللّغَوِيّ كَانَ من أَعْيَان الْفُضَلَاء العارفين بِصَحِيح اللُّغَة وسقيمها لَهُ ردود على جمَاعَة من أهل اللُّغَة كَابْن دُرَيْد وَابْن الْأَعرَابِي والأصمعي وَغَيرهم
وَلما ورد أَبُو الطّيب إِلَى بَغْدَاد كَانَ بهَا وَفِي دَاره نزل توفّي سنة خمس وَسبعين وَثَلَاث مائَة وَمن تصانيفه كتاب الرَّد على أبي زِيَاد الْكلابِي كتاب الرَّد على أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فِي نوادره كتاب الرَّد على أبي حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات كتاب الرَّد على أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي المُصَنّف كتاب الرَّد على ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق كتاب الرَّد على ابْن ولاد فِي الْمَقْصُور والممدود كتاب الرَّد على الجاحظ فِي كتاب الْحَيَوَان كتاب الرَّد على ثَعْلَب فِي الفصيح قَالَ ياقوت رَأَيْت هَذِه الْكتب كلهَا بِمصْر
ابْن طَلْحَة علم الدّين الْكَاتِب عَليّ بن حَمْزَة بن طَلْحَة بن عَليّ الرَّازِيّ الأَصْل الْبَغْدَادِيّ المولد توفّي بِمصْر سنة تسع وَتِسْعين وَخمْس مائَة وكنيته أَبُو الْحُسَيْن ويلقب بِعلم الدّين ولي حجبة الْبَاب أَيَّام المستضيء ثمَّ نِيَابَة الْمقَام بِبَغْدَاد وسافر إِلَى الشَّام وَهُوَ صَاحب الْخط الْمليح على طَريقَة ابْن البواب خُصُوصا قلم الْمَصَاحِف فَإِنَّهُ لم يَكْتُبهُ أحد مثله مِمَّن تقدم وَكَانَ يتقعر فِي كَلَامه وَيسْتَعْمل السجع وحوشي اللُّغَة
ابْن القبيطى عَليّ بن حَمْزَة بن فَارس بن مُحَمَّد بن عبيد أَبُو الْحسن ابْن القبيطى التَّاجِر الْحَرَّانِي قدم بَغْدَاد سنة عشر وَخمْس مائَة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَقد تجَاوز)
الثَّمَانِينَ وَقَرَأَ لأبي عَمْرو على أبي الْعِزّ القلانسي وَسمع من أبي بكر المزرفي وَأبي غَالب أَحْمد وَيحيى ابْني الْحسن بن أَحْمد بن الْبناء وَأبي بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا صَالحا عفيفاً نزهاً وَمن شعره من الرمل
стр. 5800
(نَاظر السخط كذوب أبدا ... عِنْده تبر الْمَعَالِي شبه)
(فاستعر لي مقلة أكحلها ... بِالرِّضَا كَيْمَا تَزُول الشّبَه)
وَمِنْه من الْخَفِيف
(أَتَمَنَّى والعمر أقصر من أَن ... أتهنى لَو نلْت مَا أَتَمَنَّى)
ابْن حمشاذ النَّيْسَابُورِي عَليّ بن حمشاذ بن سختويه بن نصر أَبُو الْحسن النَّيْسَابُورِي الْمعدل الإِمَام صنف الْمسند الْكَبِير فِي أَربع مائَة جُزْء وَعمل الْأَبْوَاب فِي مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ جُزْءا وَالتَّفْسِير فِي مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ جُزْءا وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة
أَبُو نصر الْقرشِي الشَّامي عَليّ بن أبي حَملَة أَبُو نصر الْقرشِي مَوْلَاهُم الشَّامي قَرَأَ الْقُرْآن على عَطِيَّة بن قيس وَرَأى وائلة بن الْأَسْقَع وَقيل أدْرك مُعَاوِيَة وَهُوَ من عُلَمَاء دمشق وَكَانَ نَاظرا على دَار الضَّرْب بِدِمَشْق أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز وَتُوفِّي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة
النَّاصِر الْأَمِير أَبُو الْحسن عَليّ بن حمود بن مَيْمُون بن أَحْمد بن عَليّ بن عبيد الله بن عمر بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب بَقِي فِي الإمرة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين شهرا وَقَتله غلمانه الصقالبة فِي الْحمام سنة ثَمَان وَأَرْبع مائَة وتلقب النَّاصِر وَكَانَ قد ملك قرطبة وَغَيرهَا بَعْدَمَا التقى هُوَ والمستعين الْأمَوِي وَكسر المستعين وَجِيء بِهِ إِلَى ابْن حمود الْمَذْكُور فَضرب عُنُقه وعنق أَبِيه وعنق أَخِيه وَولي بعد النَّاصِر عَليّ بن حمود أَخُوهُ الْقَاسِم بن حمود وَسَيَأْتِي ذكره مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف الْقَاف
стр. 5801
ابْن الصّباغ الْعَارِف عَليّ بن حميد بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف الزَّاهِد الْعَارِف الْكَبِير أَبُو الْحسن ابْن الصّباغ توفّي بقنا من صَعِيد مصر سنة اثْنَتَيْ عشرَة وست مائَة وَدفن برباطه لَقِي الْمَشَايِخ وَالصَّالِحِينَ وانتفع)
بِهِ جمَاعَة وَظَهَرت بركاته على الَّذين صحبوه وَهدى الله بِهِ خلقا كثيرا وَكَانَت لَهُ أَحْوَال ومقامات وَعنهُ أَخذ مَشَايِخ إقليم الصَّعِيد وَلَو لم يكن من أَصْحَابه إِلَّا الشَّيْخ أَبُو يحيى بن شَافِع لكفاه قَرَأَ الْقُرْآن على الْفَقِيه ناشي وَسمع من الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عمر الْقُرْطُبِيّ وَمن كَلَامه الْعقل القامع قل من يؤتاه وَقَالَ يرْزق العَبْد من الْيَقِين بِقدر مَا يرْزق من الْعقل وَسُئِلَ عَن التَّوْحِيد فَقَالَ إِثْبَات الذَّات بِنَفْي الْجِهَة وَإِثْبَات الصِّفَات بِنَفْي التَّشْبِيه
وَمن شعره من قصيدة طَوِيلَة من الطَّوِيل
(تجردت من دنياي وَالسيف لم يكن ... ليبلغ نجح السَّعْي حَتَّى يجردا)
وَمن شعره أَيْضا من الْبَسِيط
(عَلَيْك يَا هَذَا بِعلم الْوَاحِد الْأَحَد ... تجني ثمار جنان الْخلد لِلْأَبَد)
(واجمع همومك فِيهِ لَا تفرقها ... لَعَلَّ أَنَّك تحظى مِنْهُ بِالرشد)
الْمروزِي عَليّ بن خشرم الْمروزِي ابْن أُخْت بشر الحافي روى عَنهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ توفّي سنة سبع وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
٣ - (عَليّ بن الْخطاب)
المحدثي الشَّافِعِي عَليّ بن الْخطاب بن مقلد أَبُو الْحسن الْفَقِيه الشَّافِعِي
стр. 5802
المحدثي من سَواد وَاسِط الْمُقْرِئ الضَّرِير كَانَ بارعاً فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف درس وَأعَاد وَأفَاد وَكَانَ يقْرَأ فِي شهر رَمَضَان تسعين ختمة وَفِي بَاقِي السّنة كل يَوْم ختمة وَكَانَ قيمًا بِعلم الْعَرَبيَّة أَقبلت الدُّنْيَا عَلَيْهِ آخر عمره وجالس الْمُسْتَنْصر بِاللَّه فَأَقَامَ عِنْده نَحْو خَمْسَة أشهر لتعليم بعض الْجَوَارِي الْقُرْآن
وَوَصله بإنعام كثير ثمَّ أَصَابَهُ فالج يَوْمَيْنِ وَمَات سنة سِتّ وَعشْرين وست مائَة وَكَانَ قد قَرَأَ على أبي بكر عبد الله بن مَنْصُور الباقلاني وَسمع من أبي طَالب مُحَمَّد بن عَليّ ابْن الكتاني وَأبي الْعَبَّاس ابْن الجلخت وَغَيرهمَا وَقَرَأَ الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول على أبي الْقَاسِم ابْن فضلان وَأبي عَليّ ابْن الرّبيع
ابْن بطال الْأَشْعَرِيّ عَليّ بن خلف بن عبد الْملك بن بطال أَبُو الْحسن الْقُرْطُبِيّ وَيعرف أَيْضا بِابْن اللجام بِالْجِيم الْمُشَدّدَة قَالَ ابْن بشكوال كَانَ من أهل الْعلم والمعرفة والفهم مليح الْخط حسن الضَّبْط عني بِالْحَدِيثِ الْعِنَايَة التَّامَّة وَشرح صَحِيح البُخَارِيّ فِي عدَّة مجلدات وَرَوَاهُ النَّاس عَنهُ وَكَانَ ينتحل الْكَلَام على طَريقَة الْأَشْعَرِيّ وَتُوفِّي سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة
٣ - (عَليّ بن خَليفَة)
ابْن المنقى الْموصِلِي النَّحْوِيّ عَليّ بن خَليفَة بن عَليّ أَبُو الْحسن ابْن المنقى الْموصِلِي النَّحْوِيّ كَانَ إِمَامًا فَاضلا تأدب عَلَيْهِ أَكثر أهل عصره من بَلَده توفّي على مَا ذكره الشَّيْخ شمس الدّين سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَقَالَ ياقوت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَكَانَ يجلس بِالْمَسْجِدِ الْمَعْرُوف بِمَسْجِد النَّبِي ﵇ بالموصل وصنف مُقَدّمَة فِي النَّحْو سَمَّاهَا المعونة وَكَانَ زاهداً ورعاً مقداماً ذَا سَوْرَةٍ وَغَضب دخل إِلَيْهِ رجل فَقَالَ لَهُ من أَيْن أَقبلت قَالَ من عِنْد عَلامَة الدُّنْيَا يَعْنِي سعيد بن الدهان فَقَالَ ارتجالاً من الوافر
(وَقَالُوا الْأَعْوَر الدهان حبر ... يفوق النَّاس فِي أدب وكيس)
стр. 5803
(فَقلت بحيس خير مِنْهُ علما ... وَإِن الْكَلْب خير من بحيس)
قلت أحسن مِنْهُ قَول الآخر من الْخَفِيف
(خير من فيهم الْخَطِيب وجعس ال ... كلب خير من ذَلِك الْمَذْكُور)
وَقَالَ وَقد طلب مِنْهُ ملك النُّحَاة حلاوةً بعد كَلَام جرى بَينهمَا فِي مجْلِس تَاج الدّين ابْن الشهرزوري من السَّرِيع
(عِنْدِي للشَّيْخ مليك النحاه ... رمح شناج سكنت فِي خصاه)
(لَا عسل عِنْدِي وَلَا سكر ... فليعذر الشَّيْخ وَيَأْكُل خراه)
وَقَالَ وَقد عتب عَلَيْهِ جمال الدّين الاصبهاني الْوَزير فِي ترك ك التَّرَدُّد إِلَيْهِ فَجَاءَهُ بعد ذَلِك فَمَنعه البواب من غير أَن يعرفهُ من الْكَامِل
(إِنَّنِي أَتَيْتُك زَائِرًا وَمُسلمًا ... كَيْمَا أقوم بِبَعْض حق الْوَاجِب)
(فَإِذا ببابك حَاجِب متبرطم ... فعمود دَارك فِي حرَام الْحَاجِب)
(وَلَئِن رَأَيْتُك رَاضِيا بفعاله ... فَجَمِيع ذَلِك فِي جر آم الصاحب)
رشيد الدّين ابْن أبي أصيبعة الطَّبِيب عَليّ بن خَليفَة بن يُونُس ابْن أبي الْقَاسِم الْعَلامَة رشيد الدّين الْأنْصَارِيّ الخزرجي ابْن أبي أصيبعة الطَّبِيب نَشأ بِالْقَاهِرَةِ وبرع فِي الطِّبّ وَالْحكمَة وَكَانَ رَأْسا فِي الموسيقى وَلعب الْعود وَكَانَ طيب الصَّوْت وَقَرَأَ الْأَدَب على الْكِنْدِيّ واشتغل بالطب وَله خمس وَعِشْرُونَ)
سنة وحظي عِنْد أَوْلَاد الْعَادِل وَتُوفِّي سنة سِتّ عشرَة وست مائَة وَهُوَ شَاب لَهُ سبع وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ يتَكَلَّم بالتركي والعجمي وينظم بالعجمي ويشعر ويترسل وَلبس خرقَة التصوف من شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين ابْن حمويه بِدِمَشْق وَله كتاب الموجز الْمُفِيد فِي الْحساب أَربع مقالات وَضعه للْملك الأمجد كتاب المساحة كتاب فِي الطِّبّ كتاب طب السُّوق أَلفه لبَعض تلاميذه مقَالَة فِي نِسْبَة النبض وموازنته للحركات الموسيقارية مقَالَة فِي السَّبَب الَّذِي خلقت لَهُ الْجبَال كتاب الأسططسات تعاليق وتجارب فِي الطِّبّ وَطول ابْن أبي أصيبعة تَرْجَمته فِي تَارِيخ الْأَطِبَّاء وَمن شعره من المجتث
(يَا صَاح قد ضَاعَ نسكي ... مذ صرت فِي بعلبك)
(وَكَيف يسلم ديني ... بعد افتتاني وهتكي)
стр. 5804
(بِكُل أهيف لدن ال ... قوام للبدر يَحْكِي)
(يرنو بصارم لحظ ... مَا زَالَ إِلَّا لفتك)
(كَأَن فِي فِيهِ خمرًا ... شيبت بشهد ومسك)
(جذلان يضْحك تيهاً ... إِذا رَآنِي أبْكِي)
٣ - (عَليّ بن دَاوُد)
الشَّيْخ نجم الدّين القحفازي النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ عَليّ بن دَاوُد بن يحيى بن كَامِل بن يحيى بن جبارَة بن عبد الْملك بن يحيى بن عبد الْملك بن مُوسَى بن جبارَة بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّاء بن كُلَيْب بن جميل بن عبد الله بن مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الفريد الْكَامِل نجم الدّين أَبُو الْحسن ابْن القَاضِي عماد الدّين الْقرشِي الْأَسدي الزبيرِي القحفازي بِالْقَافِ والحاء الْمُهْملَة وَفَاء بعْدهَا ألف وزاي الْحَنَفِيّ شيخ أهل دمشق فِي عصره خُصُوصا فِي الْعَرَبيَّة قَرَأَ عَلَيْهِ الطّلبَة وانتفع بِهِ الْجَمَاعَة وَله النّظم والنثر وَالْكِتَابَة المليحة القوية المنسوبة وَله التندير الحلو والتنديب الرَّائِق يكثر من ذَلِك فِي كَلَامه ويشحن أشغاله الطّلبَة بالزوائد ويورد لَهُم النَّوَادِر والحكايات الظريفة والوقائع الغريبة المضحكة
سمعته يَوْمًا يَقُول لمنصور الكتبي رَحمَه الله تَعَالَى يَا شيخ مَنْصُور هَذَا أَوَان الْحجَّاج اشْتَرِ لَك مِنْهُم مِائَتي جراب وارمها خلف ظهرك إِلَى وَقت موسمها تكسب فِيهَا جملَة فَقَالَ لَهُ وَالله الَّذِي يشْتَغل عَلَيْك فِي الْعلم يحفظ مِنْك حرافاً قدره عشر مَرَّات
وَحكى لي نور الدّين عَليّ بن إِسْمَاعِيل الصَّفَدِي قَالَ أنْشد الشَّيْخ نجم الدّين يَوْمًا لغزاً للْجَمَاعَة وهم بَين يَدَيْهِ فِي الْحلقَة يشتغلون وَهُوَ فِي مجزوء الْكَامِل
(يَا أَيهَا الحبر الَّذِي ... علم الْعرُوض بِهِ امتزج)
(إبني لنا دَائِرَة ... فِيهَا بسيط وهزج)
ففكر الْجَمَاعَة فِيهَا زَمَانا فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم هَذِه الساقية فَقَالَ لَهُ دورت فِيهَا زَمَانا حَتَّى ظَهرت لَك يُرِيد أَنه ثَوْر يَدُور فِي الساقية
وَجئْت إِلَيْهِ فِي سنة سبع عشرَة وَسبع مائَة وَسَأَلته فِي أَن أَقرَأ عَلَيْهِ المقامات الحريرية فَقَالَ وَالله أَنا قَلِيل الْأَدَب وَهُوَ فِي ذَلِك كُله يَقُول بانبساط وَسُرْعَة
стр. 5805
وَقيل لي إِنَّه لنما عمر الْأَمِير سيف الدّين تنكر ﵀ الْجَامِع الَّذِي لَهُ بِدِمَشْق كَانَ قد عينوا لَهُ شخصا من الْحَنَفِيَّة يلقب الكشك ليَكُون خَطِيبًا فَلَمَّا كَانَ يَوْم وَهُوَ يمشي فِي الْجَامِع الْمَذْكُور أجري لَهُ ذكر الشَّيْخ نجم الدّين ومجموع فضائله وَأَنه فِي الْحَنَفِيَّة مثل الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني فِي الشَّافِعِيَّة فَأحْضرهُ وَاجْتمعَ بِهِ وتحدثا ثمَّ قَالَ لَهُ وهم فِي الْجَامِع)
يَمْشُونَ أيش تَقول فِي هَذَا الْجَامِع فَقَالَ مليح وصحن مليح لَكِن مَا يَلِيق أَن يكون فِيهِ كشك
فأعجب ذَلِك الْأَمِير سيف الدّين تنكز وَأمر لَهُ بخطابه الْجَامِع الْمَذْكُور ثمَّ بعد مُدَّة رسم لَهُ بتدريس الركنية فباشرها مديدة ثمَّ نزل عَنْهَا وَقَالَ لَهَا شَرط لَا أقوم بِهِ ومعلومها فِي الشَّهْر جملَة تَركه تورعاً
وَهُوَ مَعَ هَذِه الْعُلُوم يعرف الإسطرلاب جيدا وَيحل التقاويم فِيمَا أَظن وَهُوَ فريد عصره يشغل فِي الْمُخْتَصر لِابْنِ الْحَاجِب وَفِي مذْهبه الْحَنَفِيّ وَفِي الحاجبية والمقرب ويعرفهما جيدا إِلَى الْغَايَة وَفِي ضوء الْمِصْبَاح وَغَيره من كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان مولده ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وست مائَة نقلت مولده وَنسبه من خطه وَمن شعره فِي مليحة اسْمهَا قُلُوب من السَّرِيع
(عَاتَبَنِي فِي حبكم عاذل ... يزْعم نصحي وَهُوَ فِيهِ كذوب)
(وَقَالَ مَا فِي قَلْبك اذكره لي ... فَقلت فِي قلبِي الْمَعْنى قُلُوب)
وَمِنْه فِي مليح نحوي من السَّرِيع
(أضمرت فِي الْقلب هوى شادنٍ ... مشتغلٍ فِي النَّحْو لَا ينصف)
(وصفت مَا أضمرت يَوْمًا لَهُ ... فَقَالَ لي الْمُضمر لَا يُوصف)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ من أَبْيَات كتبهَا جَوَابا إِلَى الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الْبَاقِي الْيَمَانِيّ من المديد
(بِأبي بكر خصصت بهَا ... من أخي الْأَفْضَل والمنن)
(أَقبلت تختال فِي حلل ... وشيها من صَنْعَة اليمني)
(فرعها يملي خلاخلها ... مَا يَقُول القرط فِي الْأذن)
وكتبت إِلَيْهِ لما وضعت هَذَا المعجم أطلب مِنْهُ مَا أستعين بِهِ على تَرْجَمته الْعَادة فِي مثل ذَلِك وَمِنْه من الْخَفِيف
(يَا مُفِيد الورى مَعَاني الْمَعَالِي ... وَإِمَام الْأَنَام فِي كل علم)
стр. 5806
(إِن لي معجماً كأفق فسيح ... أشتهي أَن يزان مِنْك بِنَجْم)
فَتَأَخر جَوَابه فَكتبت إِلَيْهِ ثَانِيًا من الطَّوِيل
(ظَفرت بوعد مِنْك بَلغنِي المنى ... وجودك نجم الدّين لَيْسَ يحول)
)
(وَقد طَال ليلِي لانتظار وُرُوده ... ولي الَّذِي يرْعَى النُّجُوم طَوِيل)
وكتبت مَعَه سؤالاً يتَعَلَّق بالمعاني فِي قَوْله تَعَالَى حَتَّى إِذا أَتَيَا أهل قَرْيَة استطعما أَهلهَا وَهُوَ من الطَّوِيل
(أَلا إِنَّمَا الْقُرْآن أكبر معجز ... لأَفْضَل من يهدى بِهِ الثَّقَلَان)
(وَمِنْه جملَة الإعجاز كَون اختصاره ... بإيجاز أَلْفَاظ وَبسط معَان)
(ولكنني فِي الْكَهْف أَبْصرت آيَة ... بهَا الْفِكر فِي طول الزَّمَان عناني)
(وَمَا ذَاك إِلَّا استطعما أَهلهَا فقد ... نرى استطعما هم مثله بِبَيَان)
(فَمَا الْحِكْمَة الغراء فِي وضع ظَاهر ... مَكَان ضمير إِن ذَلِك لشان)
فَكتب إِلَيّ بِخَطِّهِ مجيباً عَن الأول وَالثَّانِي من مجزوء الرجز على الله توكلت
(يَا سائلي عَن نسبي ... ومولدي وأدبي)
(وَمَا قَرَأت فِي الْعُلُوّ ... م من شرِيف الْكتب)
وَمَا أخذت ذَاك عَنهُ من شُيُوخ مذهبي
(وَغَيرهم مِمَّن حوى ... سر كَلَام الْعَرَب)
(وَمَا الَّذِي سمعته ... عَن النَّبِي الْعَرَبِيّ)
(صلى عَلَيْهِ الله مَا اح ... لولك جنح غيهب)
(وَذكرت شَيْئا صغته ... من شعري الْمُنْتَخب)
(وَمَا الَّذِي صنفته ... من كتب وخطب)
(لَوْلَا وجوب حُرْمَة ال ... قصد ورعي الرتب)
(مَا قلت ذَاك خشيَة ... من حَاسِد مؤنب)
(يَقُول إِنِّي قلته ... مفتخراً بحسبي)
(لكنما الْبُخْل بِمَا ... سُئِلت لَا يحسن بِي)
стр. 5807
(والمقتضى مني لَهُ ... لَا يأتلي فِي الطّلب)
(وَهُوَ خَلِيل فِي الرخا ... وعدة فِي الكرب)
(وهمه فِي جمع شم ... ل الْفضل لَا فِي الشنب)
)
(وَمَا صَلَاح الدّين إل ... افي اقتناء الْقرب)
(هَذَا الَّذِي أوجب لي ... يَا صَاح كشف الْحجب)
(عَن محتدي ومولدي ... وفضلي المحتجب)
(فَقلت غير آمن ... من عائب مندب)
(مُخْتَصرا مُقْتَصرا ... معتذراً من رهبي)
(مَا ستراه وَاضحا ... مرتسماً عَن كثب)
(لَا زلت للفضل حمى ... ولبنيه كَالْأَبِ)
(تجمع شَمل ذكرهم ... مخلداً فِي كتب)
أما الْعُلُوم وَمن أخذت عَنهُ فالقرآن الْعَزِيز عَن الشَّيْخ عَلَاء الدّين ابْن الْمُطَرز وَكَانَ قد أَخذ الْقرَاءَات السَّبع عَن عماد الدّين بن وهران الْموصِلِي قَرَأت عَلَيْهِ رِوَايَة أبي عَمْرو من طَرِيق الدوري والسوسي إفراداً وجمعاً وَأما الْفِقْه فَعَن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن الحريري قبل أَن يُبَاشر الحكم ثمَّ عَن قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين قبل أَن يُبَاشر الحكم أَيْضا مَعَ الْفَرَائِض
وَأما أصُول الْفِقْه فَعَن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة فَإِنَّهُ كَانَت لَهُ عناية بمختصر ابْن الْحَاجِب وَعَن الشَّيْخ جلال الدّين الْخَبَّازِي الْحَنَفِيّ وَأما أصُول الدّين فَحفِظت فِيهِ عقيدة الطَّحَاوِيّ واعتنيت بحلها وبمطالعة كتب الْأُصُول لأَصْحَاب أبي حنيفَة وَغَيرهم وَأما علم النَّحْو فَعَن الشَّيْخ شرف الدّين الْفَزارِيّ ثمَّ عَن الشَّيْخ مجد الدّين التّونسِيّ مَعَ علم التصريف
وَأما علم البلاغة فَعَن الشَّيْخ بدر الدّين ابْن النَّحْوِيّ الْحَمَوِيّ حِين جَاءَ إِلَى دمشق فِي سنة تسع وَتِسْعين مَعَ الجفال وَنزل بالباذرائية قَرَأت عَلَيْهِ فِي كِتَابه ضوء الْمِصْبَاح وَفِي شَرحه الَّذِي سَمَّاهُ إسفار الصَّباح عَن ضوء الْمِصْبَاح وَأما الْمنطق وَعلم الجدل فَعَن الشَّيْخ سراج الدّين الرُّومِي الْحَنَفِيّ مدرس الفرخشاتية والسفينة بالجامع الْأمَوِي وَأما علم الْوَقْت فَعَن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة فِي مقدمته الَّتِي صنفها فِي علم الاصطرلاب ثمَّ عَن الشَّيْخ بدر الدّين ابْن دانيال بِمَدِينَة الكرك حِين جفل جمَاعَة من الْأَعْيَان إِلَيْهَا خوفًا من الْعَدو المخذول سنة سبع مائَة فِي مقدمته الَّتِي صنفها فِي علم الاصطرلاب وَهِي مُطَوَّلَة مفيدة وَأما علم الْعرُوض فَمن الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي ذَلِك وَأما حل المترجم فَوجدت فِي بعض الْكتب فِيهِ كلَاما غير شافي ثمَّ أَخَذته بِالْقُوَّةِ حَتَّى كتب لي فِيهِ
стр. 5808
)
إِن زرزوراً ووزة زودا دَاوُد زادا وحللته مَعَ قلَّة مَا يسْتَدلّ بِهِ فِيهِ وَأما الَّذين سَمِعت عَلَيْهِم الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة على قَائِلهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فالشيخ برهَان الدّين ابْن الدرجي وَكَانَ معمراً سَمِعت أَجزَاء كَثِيرَة عَلَيْهِ فِيمَا حول سنة ثَمَانِينَ وست مائَة وقاضي الْقُضَاة جمال الدّين الْمَالِكِي سَمِعت مِنْهُ موطأ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى وَالشَّيْخ نجم الدّين الشقراوي الْحَنْبَلِيّ وَغَيرهم مِمَّن لم يحضرني اسْمه الْآن
وَسمعت مُخْتَصر الرِّعَايَة للمحاسبي على قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين ابْن الْبَارِزِيّ قَاضِي حماه حِين قدم إِلَى دمشق قَاصِدا الْحَج
وَأما الرِّوَايَة فَإِنِّي لم أسمح لأحد بِأَن يروي عني مسموعاتي لصعوبة مَا شَرطه أَصْحَابنَا فِي الضَّبْط بِالْحِفْظِ من حِين سمع إِلَى حِين روى وَأَن الْكتب الَّتِي سَمعتهَا لم تكن مَحْفُوظَة عِنْدِي فضلا عَن حفظ مَا سمعته وَأما مَا صنفته من الْكتب فَإِنِّي رغبت عَن ذَلِك لمواخذتي للمصنفين فَكرِهت أَن أجعَل نَفسِي غَرضا لمن يَأْخُذ عَليّ غير أَنِّي جمعت منسكاً لِلْحَجِّ أفردت فِيهِ أَنْوَاع الْجِنَايَات وَمَعَ كل نوع مَا يجب من الْجَزَاء على من وَقع فِيهِ ليَكُون أسهل فِي الْكَشْف ومعرفته وَكَانَ ذَلِك بسؤال امْرَأَة صَالِحَة لَا أعلم فِي زَمَاننَا أعبد مِنْهَا وانتفع بِحسن الْقَصْد فِيهِ وبركتها خلق كثير وَأما مَا سمحت بِهِ القريحة الجامدة والفكرة الخامدة فَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ إِلَى عماد الدّين بن مزهر وَقد كَانَ يجْتَمع مَعنا فِي ليَالِي الشتَاء عِنْد بعض الْأَصْحَاب فَلَمَّا مَاتَ عَمه تزوج جَارِيَته وَانْقطع عَنَّا فَقلت من الْخَفِيف
(إِن يكن خصك الزَّمَان بخودٍ ... ذَات قدٍ لدنٍ وخدٍ أسيل)
(فَلَقَد فزت بالسعادة والرح ... ب وفارقتنا بِوَجْه جميل)
وَقلت متذكراً لزيارة الْكَعْبَة وزيارة سيد الْمُرْسلين عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام من الْبَسِيط
(يَا ربة السّتْر هَل لي نَحْو مغناك ... من عودة أجتلي فِيهَا محياك)
(أم هَل سَبِيل إِلَى لقياك ثَانِيَة ... لمغرم مَا مناه غير لقياك)
(لَهُ نوازع شوق بَات يضرمها ... بَين الجوانح والأحشاء ذكراك)
(لم ننس طيب لياليك الَّتِي سلفت ... وَكَيف ينساك صب بَات يهواك)
(يَا ربة الْخَال كم قد طل فِيك دم ... فَمَا أجل بِعرْض البيد قتلاك)
(أسرت بالْحسنِ ألباب الْأَنَام فَمَا ... أعز فِي ذل ذَاك الْأسر أسراك)
)
(مَاذَا عساها ترى تنأى الديار بِنَا ... لَو كنت فِي مسْقط الشعرى لجئناك)
стр. 5809
(وَلَو تحجبت بالسمر الذوابل عَن ... زوار ربعك يَا سمرا لزرناك)
(ذلت لعزك أَعْنَاق الْمُلُوك فَمَا ... أعلاك يَا مُنْتَهى سولي وأغلاك)
(تهتكت فِيك أَسْتَار الْهوى وَلها ... لما بدا خلال السّتْر معناك)
(يَا هَل ترى يسمح الدَّهْر المشت بِمَا ... أرجوه من قرب مغناك لمضناك)
(واجتلى من محياك الْجَمِيل ضحى ... مَا بَات يحكيه لي من حسنك الحاكي)
(من بعد حط رحالي فِي حمى أرج ... إِلَّا رجا بالمصطفى الْهَادِي الرضي الزاكي)
(خير الْخَلَائق طراً عِنْد خالقه ... وَخَاتم الرُّسُل ماحي كل إشراك)
(سباق غايات أقْصَى الْفضل والشرف ... الْأَعْلَى وراقي الْعلَا من غير إِدْرَاك)
(مهْدي المعارف مبدي كل غامضة ... مسدي العوارف مردي كل فتاك)
(مُحَمَّد ذِي الْمقَال الصَّادِق الْحسن ... المصدوق فِي القَوْل مقصي كل أفاك)
(يَا نفس إِن بلغتك العيس حجرته ... وصافحت يمن ذَاك الرّبع يمناك)
(ونلت مأمولك الْأَقْصَى بلثم ثرى ... أعتابه وَبَلغت الْقَصْد من ذَاك)
(وَقمت بَين يَدَيْهِ للسلام على ... أَقْدَام ذَلِك تذري الدمع عَيْنَاك)
(وَقد مددت يَد الإملاق طالبةً ... سُؤَاله لَك عفوا عِنْد مَوْلَاك)
(فقد بلغت المنى والسول فاجتهدي ... هُنَاكَ واستنجدي لي طرفك الباكي)
(عساك أَن ترزقي عطفا عَلَيْك فَإِن ... رزقت ذَاك فيا وَالله بِشِرَاك)
(وليهنك السعد إِذْ حطت رحالك فِي ... ربع بِهِ لم تزل تحدي مطاياك)
(فثم أندى الورى كفا وأعظمهم ... جاهاً وأرحبهم صَدرا لملقاك)
(وَخَيرهمْ لنزيل فِي حماه وأو ... فاهم ذماماً وأملاهم بجدواك)
(واحر قلباه من شوقي لرُؤْيَته ... فقد تقادم عهد الشيق الشاكي)
(بِاللَّه يَا نفس كوني لي مساعدة ... حاشاك أَن تخذليني الْيَوْم حاشاك)
(وجددي الْعَزْم فِي ذَا الْعَام واجتهدي ... عَسى بذلك تخبو نَار أحشاك)
(فَإِن حرمت لقاه تِلْكَ معذرة ... وَإِن ظَفرت بِهِ يَا نجح مسعاك)
(صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش مَا قطعت ... كواكب الْأُفق لَيْلًا برج أفلاك)
)
стр. 5810
وَقلت عِنْد قدوم الْحَاج فِي بعض السنين أبياتاً وأنشدني بدار الحَدِيث الأشرفية من الْخَفِيف
(يَا نياق الحجيج لَا ذقت سهداً ... بعْدهَا لَا وَلَا تجشمت وخدا)
(لَا فدينا سواك بِالروحِ منا ... أَنْت أولى من بَات بِالروحِ يفدى)
(يَا بَنَات الذميل كَيفَ تركتن ... شعاب الغضا وسلعاً ونجدا)
(مرْحَبًا مرْحَبًا وَأهلا وسهلاً ... بِوُجُوه رَأَتْ معالم سعدى)
وَلم يحضرني بَاقِيهَا
وَلما ظفر قازان سنة تسع وَتِسْعين ثمَّ جَاءَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبع مائَة فَكسر وَقيل لي إِن قازان عِنْدهم اسْم للقدر قلت من الرجز
(لما غَدا قازان فخاراً بِمَا ... قد نَالَ بالْأَمْس وأغراه البطر)
(جَاءَ يرجي مثلهَا ثَانِيَة ... فَانْقَلَبَ الدست عَلَيْهِ فانكسر)
وَلما ذهب بدر الدّين ابْن بضحان مَعَ الجفال إِلَى مصر وَأقَام هُنَاكَ كتبت إِلَيْهِ من الْكَامِل
(يَا غَائِبا قد كنت أَحسب قلبه ... بسوى دمشق وَأَهْلهَا لَا يعلق)
(إِن كَانَ صدك نيل مصر عَنْهُم ... لَا غرو فَهُوَ لنا الْعَدو الْأَزْرَق)
وَكَانَ من فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة شخص يُقَال لَهُ شهَاب الدّين التعجيزي ينظم شعرًا فِي زعله فَعمل أبياتاً فِي شخص كَانَ يُحِبهُ وكتبها لي أَولهَا
(أيا المعرض لَا عَن سَببا ... أصلحك الله وصالي الأربا)
وَفِي هَذَا مَا يُغني عَن بَاقِيهَا فَكتبت إِلَيْهِ من الْخَفِيف
(يَا شهاباً أهْدى إِلَيّ قريضاً ... خَالِيا عَن تعسف الألغاز)
(جَاءَنِي مُؤذنًا برقة طبع ... حِين رشحته بِبَاب الْمجَاز)
(إِن تكن رمت عَنهُ مني جَزَاء ... فأقلني فلست مِمَّن يجازي)
وَمن خطب فَاتِحَة خطْبَة رَأس السّنة الْحَمد لله الَّذِي لَا تدْرك كنه عَظمته ثواقب الأفهام وَلَا يُحِيط بمعارف عوارفه خطرات الأوهام وَلَا تبلغ مدى شكر نعْمَة محامد الْأَنَام الَّذِي طرز بعسجد الشَّمْس حَوَاشِي الْأَيَّام ورصع بجواهر النُّجُوم حلَّة الظلام وَفصل بلجين الْأَهِلّة عُقُود الشُّهُور والأعوام
أَحْمَده على نعمه الجلائل الْعِظَام ومننه الشوامل الجسام واشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا)
شريك لَهُ شَهَادَة لَا ينقص لَهَا تَمام وَلَا يخفر لَهَا ذمام وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ وسوق الْبَاطِل قد قَامَ ومحب الضلال قد هام وطرف الرشد قد نَام وأفق
стр. 5811
الْحق قد غام فَجرد سيف الْعَزْم وشام وعنف على الغي وَلَام واقتاد الْخَلِيفَة إِلَى السَّعَادَة بِكُل زِمَام
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الْخيرَة الْكِرَام صَلَاة لَا انْفِصَال لمتتابعها وَلَا انفصام
وَقلت فِي فَاتِحَة عيد الْأَضْحَى الْحَمد لله الْعَظِيم شانه الْعَزِيز سُلْطَانه الْقَدِيم إحسانه العميم غفرانه الَّذِي دعت عوارف إحسانه إِلَى عَرَفَات عزماته من كل طَرِيق فلبتها قُلُوب أولي الْإِنَابَة مسرعة فِي الْإِجَابَة وأمتها من كل فج عميق أَحْمَده على نعمه الَّتِي أحلّت مغنى الْغنى فتحلت بفرائدها الأجياد ومننه الَّتِي بلغت مني المنى وكل الْأَيَّام بهَا أعياد واشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة لَا يخلق الملوان جديدها وَلَا تنَال يَد الشَّك مشيدها وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ رَحْمَة للبرايا ومحذراً من شَرّ عواقب الْخَطَايَا فطهر من رجسها السجايا وسَاق إِلَى محلهَا الْهَدَايَا وَبعث الهمم على الضَّحَايَا صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله المبرإين من الدنايا صَلَاة لَا تنفك بتعاهد معاهدهم فِي البكور والعشايا
وَأما خطب الأصدقة فكثير وَكَذَا مَا كتبته لمن عرض عَليّ كتابا مِمَّا يُنَاسب اسْمه وَكتابه كثيرا أَيْضا وَمن عَجِيب مَا اتّفق فِي ذَلِك من براعة الاستهلال مَا كتبته للْمولى الْمَالِك شهَاب الدّين أَحْمد ابْن الْمولى شرف الدّين ابْن الْمولى شمس الدّين ابْن المرحوم شهَاب الدّين مَحْمُود أعزه الله تَعَالَى ورحم سلفه حِين عرض عَليّ مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل شرف الْعلم مَنُوطًا بشرف الدّين فَحق لمن تحلى بهما أَن يكون جده مَحْمُودًا وعاقبته أَحْمد وَفِي ذكره طول وَهُوَ عِنْد الْمولى شهَاب الدّين أَحْمد الْمَذْكُور
وَمِمَّا يلْحق بالشعر الْمُتَقَدّم مَا كتبته للْمولى الْمَالِك جمال الدّين ابْن المرحوم عَلَاء الدّين بن غَانِم حِين جَاءَنِي توقيع بتدريس العذراوية بِخَطِّهِ وإنشائه وَقد تصدق بهَا ملك الْأُمَرَاء تغمده الله برحمته من غير سُؤال من المجتث
(وافى إِلَيّ كتاب ... حُلْو من الدّرّ حَالي)
(صاغته فكرة سَار ... إِلَى العلى غير سالي)
(يسري وَرَاء سراة ... تشتاقهن الْمَعَالِي)
)
(مرصع بلآل ... مشرف بمثال)
стр. 5812
(من عِنْد أكْرم مولى ... يُعْطي بِغَيْر سُؤال)
(فَمَا رَآهُ صديق ... من الصُّدُور الموَالِي)
(إِلَّا وَقَالَ سَرِيعا ... هَذَا بديع الْجمال)
وَأما الْجَواب عَن إِعَادَة لَفظه الْأَهْل فِي قَوْله تَعَالَى حَتَّى إِذا أَتَيَا أهل قَرْيَة استطعما أَهلهَا وَلم يقل استطعماهم وَالْمحل مَحل الْإِضْمَار وَفِيه الإيجاز فقد علم أَن البلاغة لَا تخْتَص بالإيجاز وَإِنَّمَا هُوَ نوع من أَنْوَاعهَا وَأَن مدَار حسن الْكَلَام وارتفاع شَأْنه فِي الْقبُول بإيراده مطابقاً لمقْتَضى الْحَال فَإِن كَانَ مُقْتَضى الْحَال خليقاً ببسط الْكَلَام تعلّقت البلاغة ببسطه وَإِن كَانَ حَقِيقا بالإيجاز كَانَت البلاغة فِي إِيرَاده كَذَلِك ثمَّ قد يعرض للبليغ أُمُور يحسن مَعهَا إِيرَاد الْكَلَام على خلاف مُقْتَضى الظَّاهِر فَينزل غير السَّائِل منزلَة من يسْأَل إِذا كَانَ قد لوح لَهُ بِمَا يَقْتَضِي السُّؤَال وَينزل غير الْمُنكر منزلَة الْمُنكر إِذا ظَهرت عَلَيْهِ مخايل الْإِنْكَار
ويوقع الْمُضمر فِي مَوضِع الظَّاهِر وَالظَّاهِر فِي مَوضِع الْمُضمر إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الْمَذْكُورَة فِي علم البلاغة وَالَّذِي حسن إِيقَاع الظَّاهِر موقع الْمُضمر فِي الْآيَة الْكَرِيمَة أَن الظَّاهِر أدل على الْمَعْنى الَّذِي وضع اللَّفْظ لَهُ من الْمُضمر لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ بِنَفسِهِ والمضمر يدل عَلَيْهِ بِوَاسِطَة مَا يفسره وَقصد الْمُتَكَلّم هُنَا الْإِخْبَار عَن الَّذين طلب مِنْهُم الْإِطْعَام أَنهم أهل الْقرْيَة لِأَن من غشية الضَّيْف فِي منزله وَلم يعْتَذر بِعُذْر عَن إكرامه بل قابله بِالْمَنْعِ مَعَ ظُهُور حَاجته الَّتِي أوجبت لَهُ أَن يسْأَل مِنْهُ ذَلِك لِأَن الْمَسْأَلَة آخر أَسبَاب الْكسْب يعلم بذلك أَن الْحَامِل لَهُ على الِامْتِنَاع من إِضَافَته لؤم الطَّبْع وَاتِّبَاع مَذْمُوم الْبُخْل وَالشح المطاع كَمَا قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
(حَرِيص على الدُّنْيَا مضيع لدينِهِ ... وَلَيْسَ لما فِي بَيته بمضيع)
حَتَّى روى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانُوا أهل قَرْيَة لِئَامًا وَمن كَانَت هَذِه سجيته وَهَذَا حَاله كَانَ حرياً بِالْإِعْرَاضِ عَنهُ وَعدم مُقَابلَته بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ إصْلَاح الْخضر ﵇ لجدار مشرف على السُّقُوط فِي الْقرْيَة الَّتِي هَؤُلَاءِ أَهلهَا من غير طلب أجر على ذَلِك مِنْهُم مَعَ الْحَاجة إِلَى ذَلِك عجب من ذَلِك وَأنْكرهُ حَتَّى كَأَنَّهُ نسي مَا قدمه من وعده إِيَّاه بِالصبرِ وبعدم المصاحبة إِن سَأَلَهُ عَن شَيْء بعد ذَلِك)
مَعَ حرصه على صحبته والتعلم مِنْهُ وَكَانَ فِي إِعَادَة لَفظه الْأَهْل فِي الْآيَة الْكَرِيمَة إِقَامَة لعذر مُوسَى ﵇ فِي الِاعْتِرَاض فِي هَذِه الْحَالة لِأَنَّهَا حَالَة لَا يصبر عَن الِاعْتِرَاض فِيهَا لِأَن حَالهم يَقْتَضِي بذل الْأُجْرَة فِي إصْلَاح أَمر دنياوي لحرصهم وشحهم فَترك طلب الْأُجْرَة
стр. 5813
على إصْلَاح ذَلِك مَعَ الضَّرُورَة وَالْحَاجة وَقع إحساناً إِلَى أَهلهَا الَّذين قابلوهما بِالْمَنْعِ عَن الضِّيَافَة
وَكَانَت البلاغة مُتَعَلقَة بِلَفْظِهِ الْأَهْل الَّتِي هِيَ الحاملة على الْإِعْرَاض ظَاهرا فأطلعه الْخضر ﵇ بِأَن الْجِدَار إِنَّمَا كَانَ ليتيمين من أَهلهَا واليتيم مَحل الرَّحْمَة وَلَيْسَ محلا لِأَن يطْلب مِنْهُ أُجْرَة إِمَّا لعَجزه لفقره وَهُوَ الظَّاهِر أَو لِأَنَّهُ لَا يجوز تصرفه فِي مَاله وَلِهَذَا قَالَ رَحْمَة من رَبك وَلم يكن لأَهْلهَا الَّذين أَبَوا أَن يضيفونا وَالله أعلم قلت جَوَاب الشَّيْخ نجم الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي غَايَة الْحسن وَهُوَ كَلَام عَارِف بِهَذَا الْفَنّ جَار على الْقَوَاعِد وَالَّذِي قَالَه الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْجَواب عَن ذَلِك ملخصه أَنه إِنَّمَا أعَاد اللَّفْظ بِلَفْظ الظَّاهِر لأمرين أَحدهمَا أَن استطعم صفة ل قَرْيَة فَلَو قَالَ استطعماها لَكَانَ مجَازًا إِذْ الْقرْيَة لَا تستطعم فَلَا بُد من ذكر الضَّمِير وَلَا يُمكن ذكره وَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ إِلَّا بِذكر الْمُضَاف وَلَا يُمكن ذكر الْمُضَاف مضمراً فَتعين ذكره مظْهرا وَلَا يرد عَلَيْهِ أَن استطعما جَوَاب ل إِذا لَا صفة ل قَرْيَة لأَنا نقُول لقَوْله فِي الْقِصَّة الْأُخْرَى حَتَّى إِذا لقيا غُلَاما فَقتله فَقَالَ هَا هُنَا جَوَاب إِذا مُتَعَيّن وَلَا يَسْتَقِيم أَن يكون فَقتله جَوَابه إِذْ الْمَاضِي الْوَاقِع فِي جَوَاب إِذا لَا يكون بِالْفَاءِ فَتعين فِيهِ قَالَ وَالظَّاهِر أَن الْجَواب فِي الْقِصَّة الْأُخْرَى هَكَذَا لِأَنَّهَا فِي مساق وَاحِد
الثَّانِي أَن الْأَهْل لَو أضمر لَكَانَ مَدْلُوله مَدْلُول الأول وَمَعْلُوم أَنه جمع الْأَهْل أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت أتيت أهل قَرْيَة كَذَا إِنَّمَا تَعْنِي وصلت إِلَيْهِم فَلَا خُصُوصِيَّة لبَعْضهِم والاستطعام فِي الْعَادة إِنَّمَا يكون لمن يَلِي النَّازِل بهم وهم بَعضهم فَوَجَبَ أَن يُقَال استطعما أَهلهَا لِئَلَّا يفهم أَنهم استطعموا جَمِيع الْأَهْل وَلَيْسَ كَذَلِك وَقد أجابني عَن هَذَا السُّؤَال أَيْضا مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو الْحسن عَليّ السُّبْكِيّ أمتعنا الله بفوائده بِجَوَاب طَوِيل نظم ونثر وَقد كتبته بخطي وقرأته عَلَيْهِ وَهُوَ مُثبت فِي التَّذْكِرَة
الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن)
عَليّ بن دَاوُد بن يُوسُف بن عمر بن عَليّ بن رَسُول السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد أَبُو يحيى سيف الْإِسْلَام ابْن الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين ابْن الْملك المظفر ابْن الْملك الْمَنْصُور نور الدّين هُوَ صَاحب الْيمن قد تقدم ذكر وَالِده دَاوُد وَسَيَأْتِي
стр. 5814
ذكر جده يُوسُف وَذكر جد أَبِيه عمر فِي مكانيهما
ولد الْملك الْمُجَاهِد تَقْرِيبًا سنة إِحْدَى وَسبع مائَة بتعز وَولي الْملك بعد وَالِده وَجَرت لَهُ حروب وكروب ذكرتها مُخْتَصرا فِي تَرْجَمَة وَالِده قَرَأَ الْقُرْآن وختمه وَحفظ التَّنْبِيه وَبحث وَشرح وَتخرج على أَشْيَاخ مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الصَّنْعَانِيّ وتأدب على الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الْبَاقِي الْيَمَانِيّ وَأخذ بَقِيَّة الْعلم عَن الْأَشْيَاخ بِالْيمن وَعَن الغرباء الْفُضَلَاء الداخلين إِلَى الْيمن
وَنظر فِي الْعُلُوم وناظر وشارك وَله فهم وذوق فِي الْأَدَب
أَخْبرنِي الشَّيْخ الإِمَام صدر الدّين سُلَيْمَان بن دَاوُد بن عبد الْحق وَقد تقدم ذكره أَنه عِنْده ذكاء مفرط وَأَنه قَرَأَ عَلَيْهِ الْمَنْظُومَة بحثا وفهماً وَكِتَابَة وضبطاً وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا الْمِصْبَاح لِابْنِ مَالك قَالَ ويلعب بِالرُّمْحِ وَيَرْمِي بالنشاب جيدا وَقَالَ إِنَّه برز وَحده لسبع مائَة نفر من مماليك وَالِده وجماعته لما خرج عَلَيْهِ النَّاصِر بعد وَالِده بزبيد وَوصف لي من لطفه وآدابه مَعَ من يحاضره وَيخْتَص بِهِ شَيْئا كثيرا وَقَالَ إِن فِيهِ كرماً ومحبة لأهل الْعلم وللفقراء وكتابته أَنا رَأَيْتهَا وَهِي فِي غَايَة الْقُوَّة والسرعة وقفت أَنا عَلَيْهَا فِي عدَّة مراسلات إِلَى صدر الدّين الْمَذْكُور وأنشدني الشَّيْخ صدر الدّين قَالَ كتبت إِلَى الْملك الْمُجَاهِد لما طلع من زبيد سنة إِحْدَى وَخمسين وَسبع مائَة وَقد ركب فِي شختور فِي الْبَحْر وَتصدق وأغدق من الطَّوِيل
(وَلم أنس يَوْم الشرم وَالْبَحْر سَاكن ... وَقد سَار شختور وَفِي وَسطه الْبَدْر)
(عَليّ بن دَاوُد الَّذِي حَيْثُمَا سرى ... سرى الْجُود وَالْإِحْسَان والبشر واليسر)
(تملك كل الأَرْض قهرا بِسَيْفِهِ ... وَأدنى عطاياه الصواهل والدر)
(عجبت لشختور الْمُجَاهِد إِذْ سرى ... وَمن فَوْقه بَحر وَمن تَحْتَهُ بَحر)
قَالَ فَأَجَابَنِي عَن ذَلِك من الطَّوِيل
(لقد جَاءَ صدر الدّين بالنظم فاخراً ... وأوجز مَا يحْكى بِمَا بَين الشّعْر)
(حكايات ليل النَّحْل لَا كَانَ وَاديا ... لقد تعبت مِنْهُ القوائم وَالظّهْر)
(وَقد زَاد قبحاً بِالسُّيُوفِ فغيرت ... بِهِ طرقاً قد حَار فِي وصفهَا الْفِكر)
)
(وَلَكِن تسلينا عَن الْهم كُله ... تعز حماها الله وأسعدها الدَّهْر)
وَمن شعر الْملك الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن
(عَجِيب على ذَا الْقلب من جنبو ... فِي عشق من لَا فِي الْهوى جن بو)
стр. 5815
(وَمن يرحمو من يتحفو حج بو ... من جور من شخصو عَلَيْهِ حجبو)
(للنجم يُمْسِي مسامر ... على أهيل شعب عَامر)
فالحب ناهي وآمر
(هجرو وبعدو يَا رفاق اتعبو ... وَأَن عاتبو خلو فَهُوَ يعتبو)
(حكم عَليّ الْحبّ أبقى كَذَا ... مَا حيلتي ساآصبر لهَذَا وَذَا)
(من ذَا يلمني فِي هواكم هذى ... فمذهبي فِي الْعِشْق غير مذهبو)
(مَا حول آنا عَن ودادي ... لَو أطالوا بعادي)
واحسرتي وافؤادي
(فَلَيْسَ وَالله من يخن صاحبو ... وآن لم يطيعو كلما صَاح بو)
(الْأَمر أمرو وَمَا اشْتهى فِيهِ أَمر ... وآن قَالَ أذْنب فمثلو غفر)
(العَبْد يعرف سيدو من قدر ... عَفا وَقَالَ الذَّنب لَا أطلبو)
(فاصفحوا يَا موَالِي ... فانا الْمُحب الموَالِي)
وارحموا ضعف حَالي
(قُولُوا نعم نعفو الَّذِي اذنبو ... فَمن رضانا قد معو اذن بو)
(بالخيف والمسعى أطيل الْغَزل ... واشتاق من فِيهِ طيبَة قد نزل)
(على مديح الْمُصْطَفى لم أزل ... من قاب قوسين الْإِلَه قربو)
(يَا هاشمي يَا مُشَفع ... نرجو بك الرب ينفع)
مَا نخشى بك ندفع
(يَا سَاكِنا فِي طيبَة مَا أطيبو ... مذ حل فِي الشّعْر وَمَا أعذبو)
وكتبت أَنا إِلَى الشَّيْخ صدر الدّين وَقد ورد من الْحجاز سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسبع مائَة إِلَى دمشق وَقصد الْعود إِلَى الْيمن فَسَأَلَهُ الْإِقَامَة أَهله وَأَصْحَابه فَأبى عَلَيْهِم وصمم وَذكر من إِحْسَان الْملك الْمُجَاهِد إِلَيْهِ مَا أوجب أَن أسلمنَا إِلَيْهِ المقادة وَتَرَكْنَاهُ وَمَا أَرَادَهُ من الْبَسِيط)
(يَا من أباع دمشق الشَّام بِالْيمن ... وَقد السّير لَا يلوي على سكن)
(مَا كنت أَحسب إنْسَانا سواك رأى ... جنَّات عدن فعداها إِلَى عدن)
(هَذَا وَكم نلْت من ساحاتها وطراً ... وَكم عمرت بهَا فِي اللَّهْو من وَطن)
следующие страницы →