Полный текст (1 978 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
(وَلَيْسَ فِيمَا سواهُ منتفع ... وكل من فِي فُؤَاده وجع)
(يطْلب شَيْئا يسكن الوجعا ... )
(أصعب من حرقة على ولد ... بعد أَسِير يبيت فِي صفد)
(مَا هجعت عينه وَمَا هجعوا ... فَارق أحبابه فَمَا انتفعوا)
(بالعيش من بعده وَمَا انتفعا ... )
(أقصوه علن أَهله وتربته ... وقاطعوه من بعد صحبته)
(فَهُوَ يُنَادي لفط كربته ... يَقُول فِي نأيه وغربته)
(عدل من الله كل مَا وَقعا ... )
وَقَوله مخمسا الأبيات الَّتِي يُقَال أَنَّهَا مَكْتُوبَة على سيف بخت نصر وَهِي
(الْجُود مَا اخْتصَّ بِهِ حَاتِم ... وكل سرّ قله كاتم)
(والحرّ لَا يخفضة شاتم ... لله فِي عالمه خَاتم)
(تجْرِي الْمَقَادِير على نقشه ... )
(فَازَ امْرُؤ كَانَ لَهُ مرتقى ... يرقى بِهِ أوج العلى والتقى)
(أكْرم بِهِ أَن زَالَ عَنهُ الشقا ... وَأَنت ان لم ترج أَو تتقى)
(كالميت مَحْمُولا على نعشه ... )
(أياك وَإِلَّا جدر فِي سربه ... فالشرّ كل الشَّرّ فِي قربه)
(وَأَنت لَا تقوى على حربه ... لَا تنبش الشَّرّ فتبلى بِهِ)
(وَاحْذَرْ على نَفسك من نبشه ... )
(أهل الولايات لَهُم مشرع ... بِكُل مَا يُولى الثنا مسرع)
(لَهُم إِلَى نيل الْعلَا مهرع ... ودولة البغى لَهَا مصرع)
(تنزل السُّلْطَان من عَرْشه ... )
(احذر ظلوما أَن طَغى أَو بغى ... وجاهلا فِي عرض حر لَغَا)
(مَا بعد نصح قَتله مبتغي ... أما رَأَيْت الْكَبْش لما طَغى)
(أدرج رَأس الْكَبْش فِي كرشه ... )
стр. 107
وَكتب إِلَى النَّجْم الْغَزِّي ملغزا
(يَا نجم يَا ابْن الْبَدْر يَا شمس الْهدى ... يَا من ضِيَاء وَجهه يجلو الْغَلَس)
(مَا اسْم حُرُوف لَفظه إِن عددت ... فحمسة وَإِن تصحف فَهُوَ بس)
فَأَجَابَهُ رحمهمَا الله
(يَا ملغزا فِي اسْم عَلَيْهِ رَبنَا ... صلى وَأَدْنَاهُ إِلَيْهِ فِي الْغَلَس)
(وَجَاء فِي التَّنْزِيل تَنْزِيل اسْمه ... تَحت سبا وفاطر فَوق عبس)
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(حليفة موت كفنت ثمَّ ألحدت ... بِغَيْر صَلَاة بينوا الحكم تؤجروا)
فَأَجَابَهُ
(يصلى عَلَيْهَا وَهِي فِي اللَّحْد سِيمَا ... وَقد غسلت هَذَا جَوَاب مُحَرر)
وَرَأى لبَعض الْفُقَهَاء هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ملغزا
(مَا آن مُنْفَرد أَن كل مِنْهُمَا ... يجْرِي بِالِاسْتِعْمَالِ فِي التَّطْهِير)
(كل طهُور وَحده حَتَّى إِذا ... جمعا يعود الْكل غير طهُور)
فَأجَاب عَنْهُمَا بقوله
(مَاء تغير فِي الْمَمَر أَو الْمقر ... يجوز زَمَنه الْأَخْذ للتطهير)
(وَإِذا خلطت بِهِ الطّهُور وَقد نما ... التَّغْيِير عَاد الْكل غير طهُور)
وَمن أحاجيه قَوْله محاجيا فِي بلقين
(أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي لَو كتبنَا ... بعض فضل لَهُ لعز المداد)
(قل لنا أَي قَرْيَة ذَات طلع ... أطلعت كَامِلا إِلَيْهِ الرشاد)
(لَو أردنَا بهَا نحاجي لقلنا ... أرق المَاء أَيهَا الْحداد)
وَقَوله محاجيا فِي عواصف
(وَكم رمت وَصفا للحبيب فلامني ... عذولي وَلم يعلم بكنه محبتي)
(فَمن لي بحبر فِي الأحاجي يَقُول لي ... إِذا رمت نعتا لائقا نبح انعت)
وَقَوله محاجيا فِي قسام
(لَو ذعى الزَّمَان فقت عَليّ ... كل إِمَام علت معارفه)
(أجب العَبْد منعما وَأَجد ... طرح الْمَوْت مَا يرادفه)
وَقَوله محاجيا فِي أخلاط
(لَئِن كنت رب الحجى ... وَذَا فكرة جائشة)
(فَمَا مثل قَول الْفَتى ... شَقِيق أَتَى الْفَاحِشَة)
وَمن دو بيتانه قَوْله
(إِبْلِيس وجنده أَتَوا مشتدين ... يَا رب لفتتني غدوا معتدين)
стр. 108
(إِن كنت أَطَعْت أَمرهم عَن خطأ ... رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين)
وَقَوله يخرج مِنْهُ اسْم دِينَار بطرِيق التعمية
(اللوم دَعوه أَيهَا اللوام ... لله حَقًا فِي الورى أَحْكَام)
(الْعِشْق مَوَاطِن الشقا من قدم ... من لَام تحطه بهَا الْأَيَّام)
وَقَوله يخرج مِنْهُ اسْم رَمَضَان
(يَا لقلب أسر قتلتي محبوبي ... يَا دمع سل وَيَا حشاي ذوبي)
(إِن أوجب مَا أسٍ ر يَا حَاجِبه ... كن حَاجِبه بقوسك المجذوب)
وَله الْقطعَة من حمل زجل على وزان يَا غائبين عني مَا ترجعوا من نعشقو بالهجر قلبِي قلا لما قلا وَحين على جمر الفضالي سلا عني سلا وَزَاد على قلبِي العنا والبلا وأمسيت بِلَا جليس أنيس عانى وجودي عدم سَكرَان فِرَاق هاثم نديمي النَّدَم وَقد سقاني الْبَين بكاسه جرع دلَّنِي كَيفَ أصنع والعذول بِي شنع وَامْتنع عني الَّذِي أَهْوى وظهري انقسم حظي مسود فَاحم مَا رَأَيْت لي رَاحِم أَو لفمي آس أهيم فِي النواح ورى فِي النواح فِي جحيم مَا تخمد وَأمسى جفني الرمد من تجني قَاس قلت وَلَو ذكرت مَاله من الْفُنُون السَّبْعَة لطال الْكَلَام غير أَنِّي على ذكر هَذِه الْفُنُون وَرَأَيْت أَن أتعرض للْكَلَام عَلَيْهَا بِمَا يُفِيد مَعْرفَتهَا وَهِي فَائِدَة خلا أَكثر كتب الْأَدَب عَنْهَا وزبدة القَوْل عَنْهَا أَنَّهَا الأريب فِي كَونهَا خَارِجَة من الشّعْر لِأَنَّهُ يُطلق على أَبْيَات كل من القصيد وَالرجز والقريض وَيخْتَص بِمَا قَابل الرجز وَإِنَّمَا هِيَ دَاخِلَة فِي النّظم وَأول من نظم الموشح المغاربة وهذبه القَاضِي الْأَجَل هبة الله ابْن سناء الْملك وتداوله النَّاس إِلَى الْآن وسمى موشحاً لِأَن خرجاته وأغصانه كالوشاح لَهُ وَسبب تقدمه على مَا بعده لإعرابه كالشعر لَكِن يُخَالِفهُ بِكَثْرَة أوزانه وَتارَة يُوَافق أوزان الشّعْر وَتارَة يُخَالِفهُ وَالِد وَبَيت أول من اخترعه الْفرس ونظموه بلغتهم وَمَعْنَاهُ بيتان وَيُقَال لَهُ الرباعي لأربعة مصاريعه وَقد اشْتهر بإعجام داله وَهُوَ تَصْحِيف وَهُوَ ثَلَاثَة أَقسَام يكو بِأَرْبَع قواف كالمواليا وأعرج بِثَلَاث قواف ومردوفاً بِأَرْبَع أَيْضا وَكله على وزن وَاحِد وَتقدم على مَا بعده لإعرابه أَيْضا وَأول من اخترع الزجل رجل اسْمه رَاشد وَقيل أَبُو بكر قزمان المغرساني وَهُوَ فِي اللُّغَة الصَّوْت وسمى زجلاً لِأَنَّهُ يلتذ بِهِ وَيفهم مقاطيع أوزانه وَلُزُوم قوافيه حَتَّى يغنى بِهِ ويصوت وَهُوَ خَمْسَة أَقسَام مَا تضمن الْغَزل والزهر وَالْخمر وحكاية الْحَال يخْتَص
стр. 109
بالزجل وَمَا تضمن الْهزْل والخلاعة يُقَال لَهُ بليق وَمَا تضمن الهجو والنكت يُقَال لَهُ الحماق وَمَا بعض أَلْفَاظه معربة وَبَعضهَا ملحونة قاسمه مزبلح وَمَا تضمن الحكم والمواعظ فاسمه الْمُكَفّر بِكَسْر الْفَاء الْمُشَدّدَة وَالْأول أصعب هَذِه الْخَمْسَة وَقَالَ مخترعه قزمان لقد جردته من الاعراب كَمَا يجرد السَّيْف من القراب وَسبب تقدمه على مَا بعده كَثْرَة أوزانه وصعوبة نظمه وقربه من الموشح فِي أغصانه وخرجانه وَأول من اخترع المواليا أهل وَاسِط وَهُوَ من بَحر الْبَسِيط اقتطعوا مِنْهُ بَيْتَيْنِ وقفُوا شطر كل بَيت بقافية ونظموا يه الْغَزل والمديح وَسَائِر الصَّنَائِع على قَاعِدَة القريض وَكَانَ سهل التَّنَاوُل تعلمه عبيدهم المتسلمون عماوتهم والغلمان وصاروا يغنون بِهِ فِي رُؤْس النّخل وعَلى سقِِي الْمِيَاه وَيَقُولُونَ فِي آخر كل صَوت يَا مواليا إِشَارَة إِلَى ساداتهم فَسُمي بِهَذَا الِاسْم وَلم يزَالُوا على هَذَا الأسلوب حَتَّى اسْتَعْملهُ البغداديون فلطفوه حَتَّى عرف بهم دون مخترعيه ثمَّ شاع وَسبب تقدمه على مَا بعده لِأَنَّهُ من بَحر القريض بِحَيْثُ ينظم معرباً على قَاعِدَته وَأما الْمَكَان وَكَانَ لَهُ نظم وَاحِد وقافية وَاحِدَة وَلَكِن الشّطْر الأول من الْبَيْت أطول من الثَّانِي وَلَا تكون قافيته إِلَّا مردوفة وَأول من اخترعه البغداديون وَسبب تَسْمِيَته بِهَذَا الِاسْم أَنهم لَا ينظمون فِيهِ سوى الحكايات والخرافات فَكَانَ قَائِله يحْكى مَا كَانَ إِلَى أَن ظهر لَهُم مثل الإِمَام الْجَوْزِيّ والواعظ شمس الدّين الْكُوفِي وَغَيرهمَا من فضلاء بَغْدَاد فنظموا فِيهِ المواعظ وَالْحكم وَسبب تقدمه على مَا بعده لِأَنَّهُ ينظم بعض أَلْفَاظه معربة وَأما القوما فَلهُ وزنان اول مركب من أَرْبَعَة أقفال ثَلَاثَة مُتَسَاوِيَة فِي الْوَزْن والقافية وَالرَّابِع أطول مِنْهَا وزنا وَهُوَ مهمل بِغَيْر قافية وَالثَّانِي من ثَلَاثَة أقفال مُخْتَلفَة الْوَزْن متفقة القافية يكون القفل الأول مِنْهَا أقصر من الثَّانِي وَالثَّانِي أقصر من الثَّالِث وَأول من اخترعه البغداديون أَيْضا فِي الدولة العباسية برسم السّحُور فِي رَمَضَان وَسمي بِهَذَا الِاسْم من قَول المغنين بَعضهم لبَعض قوما لنسحر قوما فغلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم ثمَّ شاع ونظموا فِيهِ الزُّهْرِيّ والخمري والعتاب وَسَائِر الْأَنْوَاع وَأول من اخترعه أَبُو نقطة للخليفة النَّاصِر وَكَانَ يُعجبهُ ويطرب لَهُ وَجعل لأبي نقطة عَلَيْهِ وَظِيفَة فِي كل سنة فَلَمَّا توفّي أَبُو نقطة كَانَ لَهُ ولد صَغِير ماهر فِي نظم القوما فَأَرَادَ أَن يعرف الْخَلِيفَة بِمَوْت وَالِده ليجريه على مفروضه فَتعذر عَلَيْهِ ذَلِك إِلَى رَمَضَان ثمَّ جمع أَتبَاع وَالِده ووقف أول لَيْلَة مِنْهُ تَحت الطيارة وغنى القوما بِصَوْت رَقِيق فأصغى الْخَلِيفَة وطرب لَهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَن
стр. 110
ينْصَرف قَالَ
(يَا سيد السادات ... لَك بِالْكَرمِ عادات)
(أَنا ابْن أبي نقطة ... تعيش أبي قد مَاتَ)
فأعجب الْخَلِيفَة من هَذَا الِاخْتِصَار فَأحْضرهُ وخلع عَلَيْهِ وَجعل لَهُ ضعف مَا كَانَ لِأَبِيهِ والقوما والكان وَكَانَ لَا يعرفهما سوى أهل الْعرَاق وَرُبمَا تكلّف غَيرهم فنظمهما وكل بَيت من القوما قَائِم بِنَفسِهِ وَأما تَأْخِيره فلعدم إعرابه انْتهى وَقد أطلنا الْمقَال لَكِن مَا خلونا من فَائِدَة تناسب فِي هَذَا المجال وَكَانَت وَفَاة الْعمريّ فِي أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَقد درج التسعين وَقَالَ عمر بن الصَّغِير شيخ الْأَدَب بعده فِي تَارِيخ وَفَاته
(يَا شيخ دمشق بالناظم الزاهي ... بِشِرَاك بجنة سناها باهي)
(الْهَاتِف من ألهمني تَارِيخا ... لي قَالَ أَبُو بكر عَتيق الله)
والعمري نِسْبَة إِلَى العقيبي الْحَمَوِيّ الَّذِي ورد إِلَى دمشق خَليفَة من جِهَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ علوان وَكَانَ مَسْكَنه بمحلة العقيبة خَارج دمشق بِالْقربِ من جَامع التَّوْبَة وَكَانَ العقيبي الْمَذْكُور أُمِّيا غير أَنه كَانَ ماهراً فِي الْكَلَام على الخواطر وَله مكاشفات وكرامات شَتَّى ذكره النَّجْم فِي الْكَوَاكِب السائرة وَأطَال فِي تَرْجَمته وَكَانَ مَنْصُور وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة من جماعته الملازمين لَهُ فنسب إِلَيْهِ كَذَا ذكره البوريني فِي تَرْجَمته وَالله تَعَالَى أعلم
السَّيِّد أَبُو بكر بن السَّيِّد هِدَايَة الله الْحُسَيْنِي الكوراني الْكرْدِي الْمَشْهُور بالمصنف ذكره الْأُسْتَاذ الْكَبِير الْعَالم الْعلم إِبْرَاهِيم بن حسن الْكرْدِي نزيل الْمَدِينَة المنورة فِي كِتَابه الْأُمَم لايقاظ الهمم فِي تَرْجَمَة الْمَشَايِخ الَّذين روى عَنْهُم فَقَالَ إِمَام عَلامَة لَهُ مؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا شرح الْمُحَرر فِي الْفِقْه فِي ثَلَاث مجلدات انْتفع بِهِ أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَله كِتَابَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ أَحدهمَا سراج الطَّرِيق يشْتَمل على خمسين بَابا وَالْآخر رياض الخلود ويشتمل على ثَمَانِيَة أَبْوَاب وَكَانَ من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى كثير الِاجْتِمَاع بالخضر على نَبينَا وَعَلِيهِ السَّلَام وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وَعَلِيهِ تخرج وَلَده المنلا عبد الْكَرِيم شيخ المنلا إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو بكر الْكرْدِي الْعِمَادِيّ الشَّافِعِي نزيل دمشق ذكره النَّجْم فِي الذيل وَقَالَ فِي تَرْجَمته كَانَ فَاضلا بارعاً قانعاً عفيفاً وَله مَعَ ذَلِك بشاشة وَحسن فهم واستماع حَرِيصًا على الْفَائِدَة وَرُبمَا علق وحشى إِلَّا أَنه خطه كَانَ سقيماً وَذكر مبدأه أَنه ورد
стр. 111
دمشق مَعَ خَاله وَكَانَ دون الْبلُوغ وَتَركه خَاله بهَا ورحل فجاور فِي الْمدرسَة الكلاسة فِي جَانب الْجَامِع الْأمَوِي وَكَانَ يسْقِي المَاء بالجامع الْمَذْكُور ويتقوت بِمَا يَدْفَعهُ النَّاس وخدم الْعَلامَة أَحْمد الْكرْدِي الْعِمَادِيّ الْآتِي ذكره وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَبِه تخرج وتفقه بالشهاب العيثاوي وَالشَّمْس الميداني وَأخذ الحَدِيث عَن الشَّمْس الدَّاودِيّ نزيل دمشق ولازم مَجْلِسه وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة والتصريف عَليّ الْحسن البوريني والنجم الْغَزِّي وبرع فِي الْفِقْه وَغَيره ثمَّ حصلت لَهُ بقْعَة تدريس بالجامع الْأمَوِي فتصدر وانتفعت بِهِ الطّلبَة سنوات مَعَ وجود مشايخه وَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ لكَمَال العيثاوي وَتزَوج فَبَقيَ متأهلاً نَحْو سنتَيْن مَعَ القناعة وَذكر الْغَزِّي عَنهُ حِكَايَة رُؤْيا رَآهَا عَجِيبَة قَالَ أَخْبرنِي أَنه رأى أَنه كَانَ فِي الْجَامِع الْأمَوِي وكل من فِيهِ نَصَارَى قَالَ فاغتظت لذَلِك وأنكرته وَإِذا رجل يَقُول ادخل إِلَى الشَّيْخ محيى الدّين بن عَرَبِيّ إِلَى دَاخل الْجَامِع فاشك إِلَيْهِ ذَلِك قَالَ فَدخلت فَوجدت الشَّيْخ ابْن عَرَبِيّ جَالِسا فِي محراب الْمَقْصُورَة وَبَين يَدَيْهِ جمَاعَة قَليلَة وَهُوَ يدرس وهم يقرؤن عَلَيْهِ فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي أما ترى هَؤُلَاءِ النَّصَارَى ملؤا الْمَسْجِد كَيفَ لَا تنكر ذَلِك وَمن هَؤُلَاءِ فَقَالَ لي لَا تحزن هَؤُلَاءِ النَّصَارَى هم الَّذين ضلوا بمطالعة كتبي وَأما هَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ بَين يَدي فهم الَّذين انتفعوا بكلامي وهم قَلِيلُونَ كَمَا تراهم وَالَّذين هَلَكُوا بكلامي كثير كَمَا تراهم وَكَانَت وَفَاة أبي بكر صَاحب التَّرْجَمَة لَيْلَة الِاثْنَيْنِ حادي عشرى محرم سنة سِتّ بعد الْألف عَن نَحْو ثَلَاثِينَ سنة وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
الشَّيْخ أَبُو بكر المعصراني المجذوب الصَّالح قَالَ الْغَزِّي فِي تَرْجَمته كَانَ فِي مبدائه يتكسب بعصر السمسم وَكَانَ يحب مجَالِس الذّكر فَحَضَرَ مَجْلِسا فِيهِ جمَاعَة اجْتَمعُوا على ذكر الله تَعَالَى مِنْهُم الْأَخ الشهَاب الْغَزِّي وَالشَّيْخ سُلَيْمَان الصَّواف وَالِد الشَّيْخ أَحْمد بن سُلَيْمَان وَبَات تِلْكَ اليلة عِنْدهم فَلَمَّا كَانَ وَقت الذّكر لاحت لَهُ بوارق الْحق فتوله وتعرى مَا دون عَوْرَته ثمَّ انجلت عَنهُ تِلْكَ الْحَالة بعد أشهر ثمَّ كَانَت تعاوده فِي كل سنة ثَلَاثَة أشهر أَو أَرْبَعَة يغيب فِيهَا عَن إحساسه ويحلق لحيته ويستأصلها ويتعرى ويكاشف فِي حَالَته تِلْكَ من يرَاهُ وَيسْأل النَّاس فِي تِلْكَ الْحَالة فَلَا يردهُ أحد وَيُعْطِيه قِطْعَة وَرُبمَا طلب أَكثر وَكَانَ يصرف مَا يجمعه على الْفُقَرَاء وَلم يطْلب من أحد شَيْئا وَيكون خَالِيا من الدَّرَاهِم وَكَانَ كشفه ظَاهر إِلَّا شُبْهَة فِيهِ وَله فِيهِ وقائع مشهوره ثمَّ كَانَ إِذا سرت عَنهُ الْحَالة لَازم الصمت وَالْعِبَادَة وَلَا يخرج من الْجَامِع الْأمَوِي إِلَّا
стр. 112
للْوُضُوء وَنَحْوه ويمسك على لحيته قَالَ وَكَانَت بَيْننَا وَبَينه صُحْبَة أكيدة وأخذته حَالَة فِي آخر أمره فلازمني وَكَانَ يبيت عِنْدِي ويكلمني فِي حَالَته تِلْكَ بِلِسَان غير اللسن الَّذِي يكلم بِهِ أَكثر النَّاس فَهُوَ مُسْتَغْرق عَنْهُم فِي نظرهم وَهُوَ حَاضر معي غير مُسْتَغْرق إِلَّا أَنه رُبمَا يظْهر مِنْهُ تخريف وَأَقْبل عَليّ مرّة فِي حَالَته وَهُوَ يشارر النَّاس ويشاتمهم وَكَانَ لَا يشْتم أحدا إِلَّا بِمَا فِيهِ تَأْوِيل ظَاهر فخطر لي مَا يقاسيه فِي حَالَته من الشدَّة وَالْبَلَاء فَلَمَّا حاذاني وقف عي ضَاحِكا مُسْتَبْشِرًا وَقَالَ لي يَا فلَان
(لَا تحسب الْمجد تَمرا أَنْت آكله ... لن تبلغ الْمجد حَتَّى تلعق الصبرا)
قَالَ وَسَأَلت الله أَن يكْشف لي عَن مقَامه فرأيته فِي تِلْكَ اليلة فِي الْمَنَام فِي صُورَة أَسد ثمَّ تحول إِلَى صورته فَظهر لي بذلك أَنه من الْإِبْدَال فَلَمَّا كَانَ آخر النَّهَار رَأَيْته وَهُوَ فِي حَالَته تِلْكَ فَضَحِك وَقَالَ كَيفَ رَأَيْتنِي البارحة وَكَانَت وَفَاته بَين الْعشَاء من لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة أَربع عشرَة بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو بكر السندي الشَّافِعِي المجاور بالطواشية شَرْقي الْجَامِع الْأمَوِي تَحت المنارة الشرقية نَحْو عشر سِنِين المنلا الْمُحَقق الفهامة كَانَ بارعاً فِي المعقولات نَافِعًا للطلبة صَالحا دينا مُبَارَكًا آثر الخمول والقناعة وَكَانَت تخطبه الدُّنْيَا ويأبى إِلَّا الْفِرَار مِنْهَا ملازماً على الْعِبَادَة وَالصَّلَاة بِالْجَمَاعَة يسْرد الصَّوْم دَائِم الصمت حسن الِاعْتِقَاد متواضعاً لَا يرغب فِي الْحُكَّام وَلَا يجْتَمع بهم ملازم الطّلبَة وملازموه وانتفعوا بِهِ فِي المعقولات وَغَيرهَا مَاتَ مطعوناً وَهُوَ صَائِم فِي يَوْم السبت ثَالِث ربيع الأول سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَدفن بتربة الغرباء بمقبرة الفراديس قَالَ النَّجْم وَمَات قبله بأيام صَاحبه المنلا مُحَمَّد الْهِنْدِيّ وَكَانَا متلازمين فِي الْحَيَاة وَفِي الْمَمَات فَإِن قَبره إِلَى جَانب قَبره وَقلت ملحاً
(عجبت لطاعون أَصَابَت نباله ... وأربت على الخطى والصارم الْهِنْدِيّ)
(سَطَا فِي دمشق الشَّام عَاما وآخراً ... تبسط فِي الْهِنْدِيّ وَمَا ترك السندي)
أَبُو بكر الطرابلسي الْحَنَفِيّ شيخ الإقراء بِالشَّام أَخذ القراآت عَن الْمقري الْكَبِير إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْعِمَادِيّ الْمَعْرُوف بِابْن كسباي الْمُقدم ذكره وبرع فِي علومها وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة فِي غَيرهَا من الْفُنُون وَكَانَ يعسر عَلَيْهِ الْأَدَاء كشيخه ابْن كسباي وَكَانَ دينا صَالحا وقوراً منزوياً عَن النَّاس وَتَوَلَّى إِمَامَة السياغوشية دَاخل بَاب الشاغور وَهُوَ آخر المقرئين بِدِمَشْق مَاتَ يَوْم تَاسِع أَو عَاشر شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين وَألف
стр. 113
وَدفن بِبَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْبَقَاء بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحْمَن الصفوري الأَصْل الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي أحد صُدُور دمشق كَانَ ذَا وجاهة ومروءة وَإِلَيْهِ مرجع أهل دائرته فِي الْأُمُور وَبلغ من الْعِزّ ونفوذ الْكَلِمَة مَا قصر عَنهُ أهل عصره وَفِيه يَقُول الْأَمِير منجك بن مُحَمَّد المنجكي قصيدته الْمَشْهُور ة
(من لي بِهِ وَالسحر ملْء جفوته ... رشأ يغار الْبَدْر من تكوينه)
يَقُول فِيهَا
(عاطيته بنت الدنان وَقد شدا ... قمري روض اللَّهْو فَوق غصونه)
(وَاللَّيْل معتكر ومعترك الحيا ... يزهو بوفد رذاذه وهتونه)
(والبرق فِي خلل السَّحَاب كَأَنَّهُ ... سيف تقلبه أكف قيونه)
(وكأنما الْقَمَر الْمُنِير ضياؤه ... من وَجه مخدون الْعلَا وقرينه)
(اعنى بِهِ الْمولى الْأَجَل أَبَا البقا ... من ظَنّه فِي الدَّهْر مثل يقينه)
(شرس يعد الْخطب لين خطابه ... والنصل شدّة بأسه فِي لينه)
(قد أودع الله السِّيَادَة والتقى ... فِي بردتيه وآدَم فِي طينه)
(من ذَا يقيس بِهِ الْبَريَّة رفْعَة ... أَن الزَّمَان وَأَهله من دونه)
(يفنى الزَّمَان وَلَيْسَ يبلغ وَصفه ... شعر وَلَو بالغت فِي تحسينه)
كَانَ أَولا شافعيا وَصَارَ كَاتبا للصكوك بمحكمة الصالحية وناب فِي الْقَضَاء بمحكمة الْكُبْرَى ثمَّ سَافر إِلَى الرّوم مَرَّات ولازم على قاعدتهم وتحنف وَتَوَلَّى الْقَضَاء فِي عدَّة مناصب مثل صفد وصيدا وبيروت وحماة وَأَقْبل عَلَيْهِ آخر أمره بعض الوزراء الْعِظَام وَكَانَ قد بشره بالوزارة الْعُظْمَى فصيره من الموَالِي وَأَعْطَاهُ رُتْبَة قَضَاء الْقُدس وقرية الريحان بِالْقربِ من حرستا على طَرِيق التأييد وَرجع إِلَى دمشق وَأقَام بالصالحية وَعمر بهَا قصرا وَهُوَ إِلَى الْآن من أحسن المنتزهات بهَا وَيعرف بِهِ وَفِيه يَقُول الْأَمِير المنجكي فِي آخر قصيدته الْمُتَقَدّمَة
(أَقْسَمت بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وَمَا حوت ... بطحاؤه من حجره وحجونه)
(مَا ضمت الدُّنْيَا كقصرك منزلا ... كلا وَلَا سمحت بِمثل قطينه)
وَكَانَ يعرف علم النُّجُوم والرمل والزاير جاحق الْمعرفَة وَرُبمَا رمى بِالسحرِ إِلَّا أَنه كَانَ فِي غير ذَلِك جَاهِلا وَفِيه يَقُول الأديب أَحْمد الشاهيني هاجيا لَهُ
(أَبَا الْبَقَاء لحاك الله من رجل ... فِيك الطبيعة قد قدّت من الْحجر)
стр. 114
(كم تدعى بعلوم النَّجْم معرفَة ... وَلَيْسَ تفرق بَين النَّجْم وَالْقَمَر)
وَكَانَت لَهُ أَحْوَال وقصص وأخبار وَوَقع لَهُ من الإتفاقات إِنَّه لما قدم مُحَمَّد باشا نَائِب الشَّام عوضا عَن محافظها الْوَزير الْمَعْرُوف بالخناق وَقد كَانَ الخناق يحب صَاحب التَّرْجَمَة فَبلغ مُحَمَّد باشا محبته لَهُ فَلَمَّا خرج لإستقباله على عَادَة أهل الشَّام أهانه اهانة بليغة فَأتى إِلَى بَيته واختلى فِيهِ وَأخذ يَتْلُو بعض الْأَسْمَاء فاتفق بعد ثَمَانِيَة أَيَّام إِن مَاتَ مُحَمَّد باشا الْمَذْكُور وطلع أَبُو الْبَقَاء فِي جنَازَته مَعَ بَقِيَّة الْقَوْم وَأخذ يتبجح بقتْله فَسَمعهُ الشاهيني الْمَذْكُور وَهُوَ يتجاهر بذلك فَقَالَ لَهُ تقتلون الْقَتِيل وتمشون فِي جنَازَته وَهَذِه الْقِصَّة الْمَشْهُورَة وتروى على أنحاء مُخْتَلفَة وملخصها مَا ذكرته وَله غير ذَلِك من الوقائع مِمَّا هُوَ مستفيض مَشْهُور وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي نَهَار الْجُمُعَة حادى عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالسليمية وَدفن بالسفح وَقيل فِي تَارِيخه
(أودي مُسَيْلمَة الكذوب ... السَّاحر النحس الْمرَائِي)
(ألهمت فِي تَارِيخه ... مَاتَ الشقي أَبُو الْبَقَاء)
الشَّيْخ أَبُو الْجُود بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة ابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم ابْن أبي الْيمن البتروني الْحلَبِي الْحَنَفِيّ مفتي حلب وعالم ذَلِك الْقطر ومحط أهل دائرته وَكَانَ عَلامَة محققا بارعا ف الْمَذْهَب وَالتَّفْسِير فَارِسًا فِي الْبَحْث نظارا هَاجر بِهِ أَبوهُ وبأخويه إِلَى الْيمن وَمُحَمّد إِلَى حلب بِإِشَارَة الشَّيْخ علوان الْحَمَوِيّ وَصَارَ أبوهم واعظا وخطيبا بِجَامِع حلب وَكَانَ هُوَ وَولده أَبُو الْجُود يتعممان بالعمامة الصُّوفِيَّة واشتغل أَبُو الْجُود على عُلَمَاء عصره وَولي بعد أَبِيه الْوَعْظ والخطابة بالجامع وَكَانَ يقْرَأ الدُّرُوس فِي الرواق الشَّرْقِي ثمَّ ولي الأفناء وتقاعد عَن قَضَاء الْقُدس ثمَّ عَن قَضَاء الْمَدِينَة ونال من الرُّتْبَة مَا لم ينله أحد مِمَّن تقدمه وَكَانَ لَهُ سخاء ومروءة وحمية ومدحه شعراء عصره وخلدوا مدائحه فِي دواوينهم فَمنهمْ حُسَيْن الْجَزرِي وَفتح الله بن النّحاس وحسين بن جاندار البقاعي وَفِيه يَقُول بعض شعراء حلب
(أبي الْجُود فِي الدُّنْيَا سواك لِأَنَّهُ ... تفرع من جود وَأَنت أَبُو الْجُود)
(وأضدادك الْوَادي لَهُم سَالَ واستوت ... سفينة بَحر الْعلم مِنْك على الجودى)
وَذكره البديعي فِي ذكري حبيب وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَقَالَ فِي تَرْجَمته دخل مرّة على بعض الوزراء الْعِظَام ومجلسه غاص بالخاص وَالْعَام بعد غضب يمْنَع لَذَّة
стр. 115
الهجود وَمن ذَا يقر على زئير الْأسود فخاطبه بجرس جَهورِي وَلَفظ جوهري يزِيل الأحن من الْقُلُوب وَتغْفر بِمثلِهِ الذُّنُوب بِمَا نَصه نَام أَعْرَابِي لَيْلَة عَن جمله فَفَقدهُ فَلَمَّا طلع الْقَمَر وجده فَرفع إِلَى الله يَده وَقَالَ أشهد أَنَّك أعلينه وَجعلت السَّمَاء بَيته ثمَّ نظر إِلَى الْقَمَر وَقَالَ إِن الله صورك ونورك وعَلى البروج دورك فَإِذا شَاءَ قدرك وَإِذا شَاءَ كورك فَلَا أعلم مزيدا أسأله لَك الدَّوَام وَلَئِن أهديت إِلَى قلبِي سروره لقد أهْدى الله إِلَيْك نوره فَأَنا ذَلِك الْأَعرَابِي والوزير ذَلِك الْقَمَر الْمُضِيّ لقد أَعلَى الله قدره وأنفذ أمره وَنظر أليه وَإِلَى الَّذين يحسدونه فَجعله فَوْقهم وجعلهم دونه فَلَا أعلم مزيدا أَدْعُو لَهُ إِلَّا الدَّوَام فَالله يديم لَهُ ظلال النِّعْمَة ومجال الْقُدْرَة ومساق الدولة ووقفت على تفريظ كتبه على مؤلف الْعَلامَة الطرابلسي الدِّمَشْقِي الَّذِي شرح بِهِ فَرَائض ملتقى الأبحر وَهُوَ أمعنت النّظر فِي هَذَا التَّحْرِير وأجلت الْفِكر فِيمَا حواه من التَّصْوِير والتقرير فرأيته الْبَحْر الْمُحِيط إِلَّا أَنه ثجاج والوبل الغزير خلا أَنه مواج وجزمت بِأَنَّهُ السحر الْحَلَال والكمال الَّذِي لَا يحكيه فِي فنه كَمَال لأزالت شموس فَوَائِد مؤلفة مشرقة وَلَا بَرحت أَغْصَان فَوَائده مورقة مَا زينت أَقْلَام الْعلمَاء الْأَعْلَام بوشي سطورها وجنات الطروس فأشرقت لذَلِك صُدُور الصُّدُور وإشراق الشموس وَكَانَت وَفَاته غرَّة صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد ناهز التسعين وَهُوَ فِي نشاط أَبنَاء الْعشْرين وَقيل فِي تَارِيخ مَوته
(إِن أَبَا الْجُود الَّذِي فاق الورى ... وروج الْعلم وساد سؤددا)
(أدْركهُ الْمَوْت الَّذِي تَارِيخه ... الْعلم مَاتَ بعده وأرقدا)
ورثاه السَّيِّد مُحَمَّد بن عمر العرضي بقصيدة عَجِيبَة ذكرتها برمتها ميلامني لشعر هَذَا السَّيِّد وَكَذَا أفعل فِي كل آثاره وَهِي
(بفقدك قَامَت نواعي الحكم ... وَقد فل بعْدك حد الْقَلَم)
(أَقَامَت مآتمها المشكلات ... عَلَيْك وسود وَجه الرقم)
(فتبا ليومك من طَارق ... نسخت بِهِ لذتي بالألم)
(ورثت بِهِ حالكات الهموم ... كَمَا ورث ابْنك عز النعم)
(ورعيا لدهر أثر نابه ... نَقِيع المباحث فِي المزدحم)
(نجاذب أطرافها ساعيين ... إِلَى حلبة السَّبق سعي الْقدَم)
(صراح الزَّمَان صراح النكال ... عَلَيْك وَحقّ لَهُ بِالْعدمِ)
стр. 116
(فقد كنت سدة ثلمانة ... وَآخر نعماءه للأمم)
(وعذرا لأبنائه إِنَّهُم ... ذنُوب لَهُم بل صروف النقم)
(فقدتك فقدان روق الشَّبَاب ... وَشعب الْأَمَانِي بِهِ ملتئم)
(ليبكيك دَار الضُّحَى والأصيل ... وَدَار الصَّباح وَدَار الظُّلم)
(لبست عَلَيْك ثِيَاب الْحداد ... وشبت غضارة دمعي بِدَم)
(لقد ثكلت كل من لم تَلد ... نظيرك فِي خيمه والشيم)
(حنانيك عَن مهجة رعتها ... ولبيك عَن كبد تضطرم)
(أَبَا الْجُود قُرَّة عين الْعلَا ... وغرة جبهتها فِي الْقدَم)
(لقد خَابَ بعْدك من ينتضي ... سيوف معاليك فِي الملتطم)
(أيصفر فِي الجو بعد العتاة ... وشهب البزاة بغاث الرخم)
(دفنت بدفنك فِي خاطري ... مبَاحث علم غَدَتْ كالرمم)
(قضيت وَلم تقض مِنْك المنى ... لباناتها والقضا محتتم)
(فَإِن كَانَ قبرك دون الثرى ... فقدرك فَوق عوالي الهمم)
(يعز عَليّ بِأَن ينطوي ... بِسَاط الدُّرُوس وَنشر الحكم)
(فقد شدت مجْلِس أهل الْعلم ... وَلَكِن بأيدي الْمنون انْهَدم)
(سقى جدثا أَنْت ثاوبه ... رخى السُّيُول مفاض الديم)
أَبُو الْحسن بن الزبير السجلماسي المغربي عَالم الْمغرب وَإِمَام نحاته فِي عصره ومحقق علمائه أجمع أهل الْمغرب على جلالته وتمسكنه فِي الْعُلُوم الْعَرَبيَّة وَكَانَ كثير الْحِفْظ لشواهد الْعَرَب والإطلاع على أخبارهم وَله المهارة القوية فِي اللُّغَة وَكَانَ إِذا أورد الْمسَائِل النحوية يُورد لَهَا شَوَاهِد عديدة لَا يجدونها فِي الْكتب المتداولة وَكَانَ يحفظ التسهيل وغالب شروحه وَكَانَ فصيح الْعبارَة حسن التَّقْرِير عَظِيم الهيبة وَهُوَ من أجل نشر الْعُلُوم الْعَرَبيَّة بفاس وَعلمهَا الطّلبَة وَكَانَ إِذا قرر المسئلة لَا يزَال يكررها بعبارات مُخْتَلفَة حَتَّى تظهر بَادِي الرَّأْي فَلذَلِك كثر الآخذون عَنهُ من أقطار الغرب الْأَقْصَى على كَثْرَة علمائه أذذاك أَخذ عَن إِمَام النُّحَاة أبي يزِيد عبد الرَّحْمَن بن قَاسم بن مُحَمَّد بن عبد الله المكناسي وكثيرين مِمَّن أَخذ عَنهُ الشَّيْخ أَحْمد بن عمرَان وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر بن عَليّ الفاسي وَمُحَمّد بن أبي بكر الدلائي وَمُحَمّد بن نَاصِر الدراوي وَغَيرهم من الشُّيُوخ الْكِبَار وَكَانَت وَفَاته بفاس فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ
стр. 117
وَألف رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو السرُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عوض بن عبد الْخَالِق بن عبد الْمُنعم بن يحيى بن الْحسن بن مُوسَى بن يحيى بن يَعْقُوب بن نجم بن عِيسَى بن شعْبَان بن عوض بن دَاوُد بن مُحَمَّد بن نوح بن طَلْحَة بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق ﵁ وعنهم هَذَا نسب السَّادة البكرية سَادَات مصر من جِهَة الْآبَاء وَلَهُم من جِهَة الْأُمَّهَات سيادة وَأَبُو السرُور هَذَا أحد أَوْلَاد الاستاذ مُحَمَّد بن الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي ولد فِي دولة أَبِيه وتربى فِي حجر الْفضل وَالصَّلَاح وَكَانَ لَهُ الذَّوْق الصَّحِيح فِي معارف الصُّوفِيَّة والبلاغة الْكَامِلَة فِي التَّقْرِير وَهُوَ أنبل إخْوَته وأفضلهم وَأَكْثَرهم مداومة على الإفادة والقاء الدُّرُوس وَكَانَ لَهُ اتساع فِي الدُّنْيَا ومخالطة الْحُكَّام ومداخلة فِي أُمُور كَثِيرَة ودرس بالخشابية بعد موت شيخ الشَّافِعِيَّة الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ شَارِح الْمِنْهَاج وَله مؤلفات مِنْهَا مُخْتَصر فِي فضل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان من كتاب النبذة لجده أبي الْحسن وَشَرحه وَسَماهُ فيض المنان وقرظه الشَّيْخ عبد الله الدنوشري فَقَالَ
(هَذَا كتاب منَازِل الْعرْفَان ... ومهذب الْأَلْبَاب والأذهان)
(فَالْزَمْ قِرَاءَته ولازم درسه ... إِذْ ذَاك فيض الْوَاحِد المنان)
(تأليف مَوْلَانَا وحافظ عصره ... من نسل صديق النَّبِي العدنان)
(لَا زَالَ يرقى فِي جناب سيادة ... مَا غرد الْقمرِي على الأغصان)
وَوجدت فِي بعض التعليقات أَنه عمل رِسَالَة تتَعَلَّق بمباحث آيَات السَّبع المثاني حاك برود طروسها على منوال التَّحْقِيق وطرز حَوَاشِي سطورها ببنان التدقيق وَبعث بهَا من الديار المصرية إِلَى دَار السلطنة الْعلية تَتَضَمَّن طلب منصب إِفْتَاء الشَّافِعِيَّة بِالْقَاهِرَةِ المعزية وَكَانَ أَمر الْفَتْوَى يَوْمئِذٍ مَنُوطًا بشيخ مصر على الْإِطْلَاق وعلامتها الْمَشْهُور فِي الْآفَاق صَاحب التصانيف العديدة والتآليف المتداولة المفيدة شمس الْملَّة وَالدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الرَّمْلِيّ وعد ذَلِك الطّلب مِنْهُ على الْمحبَّة ذَنبا وَاحِد لكنه شنيع وخطبا عِنْد فضلاء الْأَمْصَار والأعصار ظليع على أَن لِسَان حَاله أنْشد معتذرا مبرزاً من الضَّمِير مَا كَانَ مستتراً
(وَإِذا الحبيب أَتَى بذنب وَاحِد ... جَاءَت محاسنه بِأَلف شَفِيع)
وَكَانَ ينظم الشّعْر وشعره لطيف فَمِنْهُ مَا كتب بِهِ فِي صدر رِسَالَة إِلَى الرّوم للْمولى يحيى
стр. 118
ابْن كَمَال الدّين الدفتري يعاتبه على انْقِطَاع مراسلاته عَنهُ
(لَو أذنتم لطيب من نسيم ... بِسَلام يحيى فؤاد السقيم)
(لتلقاه من فُؤَادِي قبُول ... قَانِع من شذاكم بشميم)
(وَلَو أَن الرَّسُول وافي برقم ... لمحب من شوقه فِي جحيم)
(كَانَت النَّار مثل نَار خَلِيل ... تنطفي بِالسَّلَامِ وَالتَّسْلِيم)
(حِين جَاءَ الأخوان مِنْكُم طروس ... نظمها فائق كدر نظيم)
(ثمَّ جَاءَ الْأَنَام نحوي سعياً ... يسْأَلُوا الصب عَن نباك الْعَظِيم)
(هَل تناسى الْأَمِير مِنْك وداداً ... أَو ثناه الخسيس بالتلويم)
(قلت كلا فَإِن ود أَمِيري ... مُحكم النَّص كالكتاب الْقَدِيم)
(إِن يحيى الْأَمِير أعظم مولى ... لَا يُبَالِي بغادر وزنيم)
(إِنَّمَا الْكتب للمباعد مضى ... يَكْتَفِي بالرقوم أهل الرسوم)
وَذكره الخفاجي فِي كِتَابه وَقَالَ فِيهِ وَلم يزل سمح السجية بسام العشية لَا تلين قناته لغامز وَلَو صيره زَاد الْمنية إِلَى أَن أَصَابَت الرزايا بَنَات فُؤَاده بسهام المنايا فنضبت جداوله واستراحت حساده وعواذله وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى
ابْن السُّعُود بن أَحْمد بن أبي السُّعُود الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن الْكَاتِب كَانَ جده أَبُو السُّعُود هَذَا من كبار التُّجَّار المياسير بِدِمَشْق وَله رياسة وَتقدم بَين أَبنَاء نَوعه وَجمع أَمْوَالًا كَثِيرَة وَكَانَ لَهُ أوقاف دارة وإحسانات افرة وَولده أَحْمد كَانَ أَيْضا على أَثَره وَتزَوج بابنة الْعَلامَة مُحَمَّد الجوخي الْآتِي ذكره وجاءه مِنْهَا أَبُو السُّعُود المترجم وَنَشَأ فِي عز باهر ونعمة طائلة وَقَرَأَ وتنبل وابتلى بمحبة غُلَام وَأنْفق عَلَيْهِ مَالا كثيرا وَكَانَ الْغُلَام كثير التجني عَلَيْهِ وَاتفقَ أَن أهل صَاحب التَّرْجَمَة أَكْثرُوا فِي لومه وتعنيفه فَلم يرجع عَمَّا كَانَ فِيهِ وَأَدَّاهُ ولهه وغرامه إِلَى قتل نَفسه قيل أَنه أكل سَبْعَة دَرَاهِم من الأفيون وعولج فَلم يفد علاجه وَمَات من ليلته وَهُوَ الَّذِي أحدث هَذِه الفعلة بِدِمَشْق وَكَانَ النَّاس عَنْهَا غافلين وَبعد ذَلِك تبعه فِي فعلهَا أنَاس واشتهر هَذَا الْأَمر وَهَذِه الْقِصَّة مَشْهُورَة حَتَّى صَارَت بَين أهالي دمشق مدَار التَّمْثِيل بهَا فِي أغراض كَثِيرَة وَبِالْجُمْلَةِ فقد فتح مبدعها بَابا شنيعاً وارتكب امراً فظيعاً وَكَانَت وَفَاته فِي يرمضان سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير وعمره خمس
стр. 119
وَعِشْرُونَ سنة
أَبُو السُّعُود بن تَاج الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن زكي الدّين البعلي الأَصْل الدِّمَشْقِي المولد والوفاة الخزرجي الشَّافِعِي البارع المفنن كَانَ فَاضلا مشاركاً فِي عدَّة فنون وَله محاضرات وآداب وَكَانَ مطلعاً على فَوَائِد كَثِيرَة وَله مواظبة على طلب الْعلم لَا يفتر وَلَا يمل إِلَّا الْقَلِيل تفقه بالشيخ مُحَمَّد الخباز الْمَعْرُوف بالبطنيني وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة وَبَقِيَّة فنون الْأَدَب على شَيخنَا مُحَقّق الْوَقْت إِبْرَاهِيم بن مَنْصُور الفتال الْمُقدم ذكره ولازم دروسه مُدَّة مديدة وَحج كثيرا وَأخذ عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ وَدخل الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا عَن خَاتِمَة الْعلمَاء النُّور على الشبرملسي وَغَيره ودرس بالجامع الْأمَوِي بَين العشاءين فِي الشِّفَاء للْقَاضِي عِيَاض وَكَانَ يُبْدِي أبحاثاً مَقْبُولَة واستنابه آخرا الشَّيْخ يُونُس الْمصْرِيّ فِي درس قبَّة النسْر الْمَشْهُور فِي الشَّام لما توجه إِلَى الرّوم فدرس شَهْرَيْن وأياماً وحمدت طَرِيقَته وَكَانَ لطيف المحاورة حسن الْعشْرَة حمولاً لنكات يَقْصِدهُ بهَا بعض الأخوان مغضياً عَنْهَا فَمن ذَلِك مَا وَقع لَهُ أَن بَعضهم كتب إِلَيْهِ يسْأَله وَكَانَ ظرفاء الطّلبَة تواطأ وَأَعْلَى تلقيبه بالتركيب المزجي بِعَارِض نسبته إِلَى بعلبك
(أيا عُلَمَاء الشَّام مَا هِيَ لَفْظَة ... مركبة بِالنَّقْصِ لَا شكّ تُوصَف)
(وَيُعْطى لَهَا حكم الْفَتى كل حَالَة ... وَلَا ضَرَر يدعى لذَلِك وَيعرف)
(وَإِن ظهر الْمَقْصُود فَأتوا بِحجَّة ... تبين لي فرقا جلياً وأنصفوا)
فَأجَاب بقوله قرر النُّحَاة أَن الْمركب المزجي قد يُضَاف أول جزأيه إِلَى ثَانِيهمَا تَشْبِيها بالمركب الاضافي فيعرب الْجُزْء الأول بِحَسب العوامل ويجر الثَّانِي بِالْإِضَافَة ثمَّ إِن كَانَ فِي الْجُزْء الثَّانِي مَا يمْنَع صرفه كالمعجمة فِي رام هُرْمُز منع من الصّرْف والأصرف كحضرموت وَإِن كَانَ آخر الْجُزْء اول يَاء كمعدي كرب وقالي قلافانه تقدر فِيهِ الحركات الثَّلَاث وَلَا تظهر فِيهِ الفتحة قَالَ فِي النكت بِلَا خلاف استصحاباً لحكمها حالتي الْبناء وَمنع الصّرْف وَعلله شَارِح التَّوْضِيح يشبه الفتحة بِالْألف لِأَن من الْعَرَب من يسكن مثل هَذِه الْيَاء فِي النصب مَعَ الْأَفْرَاد فألزم فِي التَّرْكِيب لزِيَادَة الثّقل مَا كَانَ جَائِزا فِي الْأَفْرَاد فَحِينَئِذٍ يكون المنقوص وَهُوَ معدي كرب مثلا كالمقصور رأى فِي حكم التَّقْدِير فِي الْحَالَات الثَّلَاث لَا أَنه يكون معرباً بالتقدير على الْألف كَمَا يرشد إِلَيْهِ قَول السَّائِل وَيُعْطى لَهُ حكم الْفَتى دون قَوْله إِعْرَاب الْفَتى فَللَّه دره هَذَا هُوَ الْمُرَجح فِي المسئلة كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَاقْتصر عَلَيْهِ أَبُو حَيَّان وَنَصّ عَلَيْهِ أَبُو عَليّ وَعبد القاهر وَغَيرهمَا
стр. 120
وَقَالَ بَعضهم بِفَتْح فِي النصب ويسكن فِي الرّفْع والجر على أصل قَاعِدَة المنقوص كقاضي الْقَوْم فَتبين بِهَذَا إِيضَاح مَا الغزه هَذَا السَّائِل وَظهر الْمَقْصُود وَالْحجّة واتضحت بِهِ الْحجَّة انْتهى مَا قَالَه فِي الْجَواب وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْخَمِيس بعد الْعَصْر عَاشر رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو السُّعُود بن عبد الرَّحِيم بن عبد المحسن بن عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الْمصْرِيّ قَاضِي الْقُضَاة الشعراني أحد أَفْرَاد الدَّهْر فِي المعارف الآلهية وَكَانَ فِي هَذَا الْعَصْر الْأَخير من محاسنه الباهرة جمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ لأهل الرّوم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ من بَيت الْولَايَة وَالصَّلَاح وَعم وَالِده الْعَارِف الْكَبِير عبد الْوَهَّاب صَاحب العهود والطبقات وَالْمِيزَان وَغَيرهمَا وفضله أشهر من أَن يذكر وَأما أَبوهُ عبد الرَّحِيم فقد أفردت لَهُ تَرْجَمَة خَاصَّة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَبُو السُّعُود ولد بِمصْر وَدخل الرّوم مَعَ وَالِده وَهُوَ صَغِير وَذكر شَيخنَا إِبْرَاهِيم الخياري الْمدنِي فِي رحلته عِنْد تَرْجَمته لَهُ وَأَنه أَخذ عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والنور الزيَادي قَالَ وَأَخْبرنِي عَن جمَاعَة من بعض أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الصَّالِحين المتصرفين من أهل الطَّرِيقَة وَهُوَ بالروم أَنه قَالَ لرجل مِنْهُم مالنا مَعكُمْ حِصَّة فَقَالَ لَهُ بلَى وَلَكِن تنْزع جَمِيع عَلَيْك من الثِّيَاب ثمَّ تخرج من بَاب أدرنه إِلَى حَضْرَة أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ فَقلت الْآن قَالَ لَا بعد أَيَّام فعاودته بعد أَيَّام فَقلت الْآن قَالَ نعم فنزعت ثِيَابِي إِلَّا السَّرَاوِيل وَقلت لَهُ أتأذن لي فِي إبقائه حفظا لِمِيزَانٍ الشَّرِيعَة فَأذن ثمَّ أخذت فِي السّير إِلَى أَن وصلت إِلَى الْبَاب الْمَذْكُور فَلَمَّا جاوزته مَرَرْت بالمقبرة فكشف لي عَن أَحْوَال أهل الْقُبُور وَمَا هم عَلَيْهِ وَلم أزل كَذَلِك إِلَى أَن وصلت أَبَا أَيُّوب فزرته وَرجعت وَكَانَ مَا كَانَ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ صَاحب قدم راسخة فِي الْولَايَة وأطبق أهل عصره على ديانته وعفته وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب وفنونه يَد طولي وَله شعر مِنْهُ قَوْله
(أَقُول للقلب لَا تجزع لفائتة ... إِن الزَّمَان مُطِيع أَمر من أمره)
(قد يسكن الدَّار وَحقا غير ساكنها ... ويسكن الْبَيْت حَقًا غير من عمره)
وَقَوله
(اصبر فَإِن الصَّبْر مِفْتَاح الصعاب ... واشكر فَإِن الشُّكْر مدرار السَّحَاب)
(وَاعْلَم بِأَن الله يولي عَبده ... أَنْوَاع لطف وَهُوَ لَا يدْرِي الصَّوَاب)
وَذكره وَالِدي المرحوم وَأَطْنَبَ فِي تَرْجَمته ثمَّ قَالَ لَازم من شيخ الْإِسْلَام صنع الله بن جَعْفَر الْمُفْتِي ودرس بمدارس قسطنطينية إِلَى أَن وصل إِلَى إِحْدَى مدارس السُّلْطَان
стр. 121
سُلَيْمَان وَولي مِنْهَا قَضَاء القضاه بِالشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا ثمَّ عزل وَحكى لي بعض الثِّقَات نَاقِلا عَنهُ أَنه بعد عَزله عزم على الرحلة إِلَى الرّوم فطلع إِلَى زِيَارَة الاستاذ ابْن عَرَبِيّ فخاطبه من دَاخل قَبره بالتربص وَأَنه يَأْتِيهِ فِي يَوْم كَذَا وَقت كَذَا منصب كَذَا فَوَقع لَهُ أَن جَاءَهُ فِي الْوَقْت الْمعِين المنصب الْمعِين وَهُوَ قَضَاء الْقُدس ثمَّ بعد ذَلِك ولي قَضَاء بروسه وأدرنه وقسطنطينية وَأعْطى آخرا رُتْبَة قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي قَالَ وَالِدي روح الله روحه وتشرفت بِهِ فِي يسفرتي الثَّانِيَة إِلَى الرّوم سنة ثَلَاث وَسبعين والف ثمَّ لَزِمته وَكنت إِذا اجْتمعت بِهِ يتنور باطني وظاهري من مخاطبته وينشرح لسَمَاع فَوَائده صَدْرِي من محاضرته وأنشدته مرّة قولي وَأَنا فِي شدَّة من الْحَال
(الْحَال غَدا يكل عَنهُ الشَّرْح ... من سكرته مَتى زماني يصحو)
(أَبْوَاب مطالبي جَمِيعًا سدت ... مولَايَ عَسى يكون مِنْك الْفَتْح)
فأنشدني لنَفسِهِ قَوْله
(فَلَا تحزن إِذا مَا سد بَاب ... فَإِن الله يفتح ألف بَاب)
وَكنت تَرْجَمته فِي كتابي النفحة وغيرت تَرْجَمته إِلَى قالب آخر حَسْبَمَا التزمته فِيهَا من الالتزامات فَمَا عَليّ أَن أذكر المعدول عَنهُ إِذْ فِيهِ على كل حَال تطرية فَقلت فِيهِ وَقد ذكرته بعد أَبِيه هُوَ جَار مَعَ أَبِيه فِي ميدانه آخذ من فَضله بعنانه متحل بنعته متخلق بسمته ولد فِي طالع السخاء وغذي فِي حجور الكرماء ومارس البلاغة ممارسة كشفت لَهُ عَن أسرارها وأظفرته بكنوز جواهرها إِذْ لم يظفر غَيره بأحجارها وَكَانَت أوقاته مقسمة بَين عارفة ينيلها أَو ملمة يزيلها ومساءة من الْمسَاوِي يسرها وصنيعة من الصَّنَائِع بدخرها ومجلسه أَوله ثَنَاء جميل وَآخره عَطاء جزيل وَبَينهمَا ترحيب وتأهيل إِذا قَالَ فتحت لثنائه الأفواه وَإِذا روى تحدثت بفضله الرواه وَله من دُرَر المكارم وغرر المآثر مَا يسْتَغْرق نظم كل ناظم ونثر كل ناثر وأنشدت لَهُ تخميسه الْمَشْهُور وَهُوَ فِي صَاحب الْبَهْجَة والنور
(يَا حادي العيس إِن حفت بك الكرب ... ألحق هديب بركب سَاقه الطَّرب)
(وَقل لصب غَدا بالشوق يلتهب ... لمهبط الْوَحْي حَقًا ترحل النجب)
(وَعند هَذَا المرجى يَنْتَهِي الطّلب ... )
(أَعنِي الرَّسُول الَّذِي قد شرف الأمما ... ونال سائله فَوق السما قسما)
(يلقى العفاة بِمَا يرجون مُبْتَسِمًا ... بِهِ تحط رحال السَّائِلين فَمَا)
(لسائل الدمع مَا يَقْضِيه مَا يجب ... )
стр. 122
(إِن رمت كشف العنا وَالْحوب والنوب ... كَذَا الْخَلَاص من الأكدار وَالنّصب)
(وَكنت حَقًا سعيداً غير مكتئب ... قف وَقْفَة الذل والإطراق ذَا أدب)
(فَعِنْدَ حَضرته يسْتَلْزم الْأَدَب ... )
وَهَذَا التخميس جيد جدا وأظن أَن الأَصْل أَيْضا لَهُ وَله بَقِيَّة اكتفينا عَنْهَا بنبذة نقية وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف بقسطنطينية والشعراني نِسْبَة إِلَى قَرْيَة أبي شعرًا بِمصْر
أَبُو السُّعُود بن عَليّ الزين الْمَعْرُوف بالقسطلاني الْمَكِّيّ الْمَالِكِي الشَّيْخ الإِمَام رَأَيْت تَرْجَمته بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي وَصفه عَالم عَامل وناسك بركته غيث هامل وَإِمَام بِمثلِهِ يَقْتَدِي وطود بنجوم هَدْيه يَهْتَدِي عَلامَة فِي عُلُوم الْعَرَبيَّة ومثابر على خدمَة خَالق الْبَريَّة كَانَ متلقداً بقلائد العفاف متخلياً عَمَّا يزِيد على الكفاف ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم واشتغل بِالْعلمِ مُدَّة سِنِين تقَارب الْعشْرين وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الْعَلامَة عَليّ بن جَار الله وَالشَّيْخ يحيى بن الْحطاب وَغَيرهمَا وَعنهُ أَخذ الْعَلامَة عبد الله بن سعيد باقشير والفاضل حنيف الدّين المرشدي وَغَيرهمَا وَلم يزل ملازماً لخدمة الْعلم وإفادته منهمكاً على مطالعته ومذاكرته مكباً على إِفَادَة الطّلبَة وَله مؤلفات مِنْهَا الْفَتْح الْمُبين فِي شرح أم الْبَرَاهِين وفوح الْعطر بترجيح صِحَة الْفَرْض فِي الْكَعْبَة وَالْحجر وأملى على الأجرومية شرحاً لطيفاً وَله منظومة فِي مسوغات الِابْتِدَاء بالنكرة وَله شعر حسن مِنْهُ قَوْله
(أَلا ثمَّ الْقَوْم حَتَّى أَن أرى رجلا ... أَخا مذاكرة للْعلم ينتسب)
(أَقَامَ ذكر عهود بالحمى فَلهُ ... أحن الفاو بالمألوف انتسب)
(كأنني هَل إِذا فعل بحيرها ... حنت إِلَيْهِ وَأهل الْعلم تصطحب)
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكره النحويون من أَن هَل مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ إِذا كَانَ فِي حيزها فَلَا يجوز هَل زيد خرج لِأَن أَصْلهَا أَن تكون بِمَعْنى قد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين﴾ وَقد مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ فَكَذَا هَل لَكِنَّهَا لما كَانَت بِمَعْنى همزَة الِاسْتِفْهَام انحطت رتبتها عَن قد فِي اختصاصها بِالْفِعْلِ فاخصت بِهِ فِيمَا إِذا كَانَ فِي حيزها لِأَنَّهَا إِذا رَأَتْهُ فِي حيزها تذكرت عهوداً بالحمى وحنت إِلَى الْألف المألوف وَلم ترض بافتراق الِاسْم بَينهمَا وَإِذا لم تره فِي حيزها تسلت عَنهُ وذهلت وَمَعَ وجوده إِن لم يشْتَغل بضمير لم تقنع بِهِ مُقَدرا بعْدهَا وَإِلَّا قنعت بِهِ فَلَا يجوز فِي الِاخْتِيَار هَل زيدا رَأَيْت بِخِلَاف
стр. 123
هَل زيدا رَأَيْته وأنشدني الْفَاضِل الأديب على النجاري الْمَكِّيّ فِي معنى قَول الْقُسْطَلَانِيّ
(إِذا غَابَ كَانَ الْميل مني لغيره ... ون لَاحَ كَانَ الْميل مني لَهُ حتما)
(كَأَنِّي هَل فِي النَّحْو وَالْفِعْل حسنه ... وكل الورى أَن لَاحَ محبوبي الأسمى)
(وَلأبي السُّعُود أَيْضا ... )
(فَبَيْنَمَا الشَّخْص يمشي وَهُوَ فِي فَرح ... إِذْ صَار فِي النعش مَحْمُولا على الْكَتف)
(فعد زاداً هُوَ التَّقْوَى وَكن حذرا ... واكثر من الذّكر وَالْأَحْزَان والأسف)
وَله أَيْضا
(أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... بروضة من بِالصّدقِ كَانَ يَقُول)
(وَهل أبصرن تِلْكَ الْمعَاهد والربى ... وَهل يقعن لي نظرة وَقبُول)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بالمعلاة بِمَكَّة المشرفة رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو السُّعُود بن مُحَمَّد الْحلَبِي الْمَعْرُوف بالكوراني الأديب الشَّاعِر الْفَائِق كَانَ لطيف الطَّبْع جيد الفكرة وَله محاضرة رائقة ومفاكهة فائقة مَعَ حَدَاثَة سنه وطراوة عوده وشعره عَلَيْهِ طلاوة وَفِيه عذوبة وقفت لَهُ على قصيدة غرا فريده زهراً ومطلعها
(أجل إِنَّهَا الآرام شيمتها الْغدر ... فَلَا هجرها ذَنْب وَلَا وَصلهَا عذر)
(ففر سالما من ورطة الْحبّ واتعظ ... بحالي فَإِن الْحبّ أيسره عسر)
(وقدها جنى فِي الأيك صدح مغرد ... بِهِ حلت الأشجان وارتحل الصَّبْر)
(يذكرنِي تِلْكَ اللَّيَالِي الَّتِي انْقَضتْ ... بلذة عَيْش لم يشب حلوه مر)
(سقيت ليَالِي الْوَصْل مزن غمامة ... فقد كَانَ عيشي فِي ذراك هُوَ الْعُمر)
(فكم قد نعمنا فِيك مَعَ كل أغيد ... رَقِيق الْحَوَاشِي دون مبسمه الزهر)
(لقد خطّ ياقوت الْجمال بخده ... جداول من مسك صحيفتها الدّرّ)
(وَروض بِهِ جر الْغَمَام ذيوله ... فَخر لَهُ وجدا على رَأسه النَّهر)
(وَقد أرقص الأغصان تغريد ورقه ... وأضحك ثغر الزهر لما بَكَى الْقطر)
(وَضاع بِهِ نشر الخزامى فعطرت ... نسيم الصِّبَا مِنْهُ وَيَا حبذا الْعطر)
(بَدَائِع من حسن البديع كَأَنَّهَا ... إِذا مَا بَدَت أَوْصَاف سيدنَا الغر)
وَمن مقاطيعه قَوْله
(كَأَنَّمَا الْوَجْه وَالْخَال الْكَرِيم بِهِ ... مَعَ العذار الَّذِي اسودت غدائره)
стр. 124
(بَيت الْعَتِيق الَّذِي فِي رُكْنه حجر ... قد أسبلت من أعاليه ستائره)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بحلب سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَأَبوهُ مُحَمَّد شَاعِر مثله حسن السبك دَقِيق الملاحظة وَلَقَد سَأَلت عَن وَفَاته كثير من الحلبيين فَلم أظفر بهَا فَلهَذَا لم أفرده فِي هَذَا الْكتاب بترجمة وذكرته هُنَا رَغْبَة فِي تطريز هَذَا التَّارِيخ بِشعرِهِ وَمَا أوردهُ لَهُ قد ذكر غالبه البديعي وَلم يوفه فِي تَرْجَمته حَقه فَمَا أوردهُ لَهُ قَوْله
(بدر أدَار على النُّجُوم براحة ... شمسا فنارت فِي كؤوس رحيقه)
(شمس إِذا طلعت كَانَ وميضها ... برق تلألأ عِنْد لمع بريقه)
(يسقى وَإِن عزت عَلَيْهِ ورام أَن ... يشفى لداء محبه وحريقه)
(فيديرها من مقلتيه وَتارَة ... من وجنتيه وَتارَة من رِيقه)
وَقَوله
(عجبت لما أبداه وَجه معذبي ... من الْحسن كالسحر الْحَلَال وأسحر)
(بوجنته ياقوت نَار توقدت ... عَلَيْهَا عذار كالزمرد أَخْضَر)
وَقَوله مضمناً
(مليك جمال أنبت الْعِزّ خَدّه ... نباتاً لَهُ كل المحاسن تنْسب)
(فكررت لثم الخد مِنْهُ لطيبه ... وكل مَكَان ينْبت الْعِزّ طيب)
وَقَوله
(ومهفهف لدن القوام وَوَجهه ... قمر تقمص بالعذار الْأَخْضَر)
(فتق العذار بخده فَكَأَنَّمَا ... فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر)
أَبُو السُّعُود بن الشّرف يحيى بن أَحْمد بن أبي السُّعُود بن تَاج الدّين بن أبي السُّعُود ابْن جمال الدّين بن القَاضِي الْجمال مُحَمَّد بن أَحْمد صفي الدّين ابْن مُحَمَّد بن روزبة بن أبي الثَّنَاء مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الكازروني الْمدنِي الزبيرِي نِسْبَة إِلَى الزبير بن الْعَوام ﵁ الشَّافِعِي إِمَام الشَّافِعِيَّة بِطيبَة الطّيبَة كَانَ فَاضلا ذَا همة عالية وَنَفس مطمئنة ومحاضرة لَطِيفَة وجاه عريض مَعَ خشيَة الله تَعَالَى والتورع فِي كثير من أُمُور الدُّنْيَا والتقلل مِنْهَا وَالتَّعَفُّف عَنْهَا خطبَته المناصب السّنيَّة فأباها وَرفعت لَهُ عَن نقاب زخرفها فَنَهَاهَا وَكَانَ لَهُ همة عَظِيمَة فِي النّسخ لم يضيع أوقاته بِلَا شَيْء مِنْهُ فَجمع بذلك كتبا نفيسة بِخَطِّهِ وَكَانَ ملازماً لورد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي أَحْمد ابْن مُوسَى العجيل كَمَا أوصاه بِهِ وَالِده من حِين خرج من الْمكتب إِلَى وَفَاته وَأوصى هُوَ بِهِ وَلَده الْفَاضِل الْخَطِيب عبد الرَّحْمَن وَكَانَ يَقُول إِنَّه دِرْهَم الْكيس وَحفظ الْقُرْآن وجوده وَحفظ كتبا فِي الْفِقْه والأصلين وألفية ابْن مَالك والشاطبية والرحبية وَغَيرهَا وَقَرَأَ على كثير من الْمَشَايِخ كالسيد حُسَيْن السَّمرقَنْدِي الْمدنِي
стр. 125
وَأخذ عَن عَمه الإِمَام مُحَمَّد تَقِيّ الدّين الكازروني الْمِنْهَاج وَشَرحه لِابْنِ حجر وَعَن خَاتِمَة الْمُحَقِّقين عبد الْملك العصامي ومولات الْمَالِكِي وَأحمد بن مَنْصُور وَالْإِمَام عبد الرَّحْمَن الخياري وَغَيرهم وَلزِمَ الإفادة وَصَلَاة الْجَمَاعَة بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ بِحَيْثُ لايفوته فرض إِلَّا لعذر وَكَانَ لَا يخرج من الْمَسْجِد إِلَّا آخر النَّاس خُصُوصا بعد صَلَاة الْعشَاء وَيَقُول أحب أَن أكون آخر النَّاس خُرُوجًا أَوَّلهمْ دُخُولا وَكَانَ وَالِده يلْزمه وَهُوَ مراهق بِحُضُور صَلَاة الصُّبْح مَعَ الْجَمَاعَة وَحُضُور قِرَاءَة الْوَظَائِف وَاسْتمرّ على ذَلِك وَمن عَادَة أهل الْمَدِينَة غَالِبا إِذا جَاءَ وَقت الصَّيف يخرجُون إِلَى النّخل قَالَ وَكَانَ لوالدي نخل بالمقصرة عِنْد الْميل الْأسود فطلع هُوَ وطلعنا مَعَه وَالْوَقْت صيف فانتبهت لَيْلَة من النّوم وَكَانَت مُقْمِرَة فتوهمت أَن النَّهَار أَسْفر وفاتني حُضُور الْجَمَاعَة فانزعجت ثمَّ تَوَضَّأت وَفتحت بَاب النّخل وَذَهَبت إِلَى أَن وصلت مَحل الدَّاعِي بِبَاب الْجُمُعَة فَإِذا الريس أول مَا ابْتَدَأَ فِي التهليل على المنارة فتحيرت حِينَئِذٍ وَعرفت أَنِّي قد اغتريت بالقمر وَأَن اللَّيْل بَاقٍ وَلَا يمكنني الرُّجُوع إِلَى الْمحل لِأَنِّي أهاب الدُّخُول بَين تِلْكَ النخيل وَلَا أجد قدرَة على الدُّخُول فِي البقيع فِي تِلْكَ السَّاعَة لكَون الْمحل مهاباً عَادَة ثمَّ ألهمني الله تَعَالَى وقوى جناني إِلَى أَن عزمت على التَّقَدُّم إِلَى البقيع فِي تِلْكَ السَّاعَة فتقدمت باسم الله إِلَى أَن جَلَست على بَاب عمات النَّبِي
واتكأت على بَاب الْقبَّة وَوضعت العباءة على رَأْسِي فَبعد سَاعَة لم أشعر لَا بفانوس أقبل من جِهَة سيدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ حَتَّى وقف بِهِ حامله بِالْقربِ مني وَمَعَهُ جمَاعَة مبيضون ثمَّ بعد سَاعَة أقبل فانوس آخر من جِهَة قبَّة الْعَبَّاس ﵁ ووقف بِهِ حامله بِالْقربِ من بَاب الْجُمُعَة وَمَعَهُ جمع مبييضون أَيْضا ثمَّ بعد سَاعَة أقبل جمَاعَة كَثِيرُونَ من الدَّرْب الَّذِي أتيت مِنْهُ إِلَى الْمحل الَّذِي أَنا بِهِ من درب الْغنم وَمَعَهُمْ فانوس وَلَهُم حَرَكَة عَظِيمَة فَسلم وَاحِد على الْجمع الأول فَردُّوا سَلَامه فقصدوا بَاب السيدة فَاطِمَة ﵂ فَإِذا هُوَ مَفْتُوح فَدَخَلُوا فَدخلت مَعَهم وقصدوا جِهَة الصَّحَابَة فَأَرَدْت الدُّخُول مَعَهم فَوقف لي رجل مِنْهُم وَقَالَ لي هَهُنَا حدك فوقفت عِنْد قبر السيدة فَاطِمَة أتهجد سَاعَة ثمَّ خَرجُوا وَخرجت مَعَهم فَخَرجُوا من بَاب الْجَبْر ثمَّ من بَاب الْجُمُعَة فَخرجت مَعَهم فوقفوا هُنَاكَ بعد أَن توجهوا إِلَى الْقبْلَة ودعوا وَأَنا مَعَهم فَالْتَفت إِلَى رجل مِنْهُم وضيء وَقَالَ لي من أَنْت قلت أَبُو السُّعُود بن يحيى الكازروني فَرفع يَده وطبطب بهَا بَين كَتِفي وَقَالَ
стр. 126
بَارك الله فِيك حصلت لَك الْعِنَايَة ولذريتك ثمَّ تفَرقُوا على أسْرع مَا يكون حَتَّى كَأَنَّهُ لم يكن وَالْوَقْت بَاقٍ فَرَجَعت إِلَى الْمَكَان الَّذِي كنت فِيهِ بَقِيَّة لَيْلَتي فَبعد هنيهة إِذا بحس قافلة مقبلة أسمع وَلَا أرى ثمَّ بعد ذَلِك رَأَيْت رجلا مُقبلا من جِهَة درب الْجَنَائِز يَقُود جملا عَلَيْهِ شقدف عَلَيْهِ ثوب أَبيض وَرجل من خلف الْجمل يَسُوقهُ وهما فِي صفة يمانيين بازار فَقَط فَقلت هَذِه قافلة لبَعض أهل الحارة تحط هُنَا أتونس بهَا إِلَى أَن يفتح الْبَاب فَإِذا هما طلعا إِلَى البقيع وأخذا فِي السّير فَبَقيت مُتَعَجِّبا من هذَيْن الرجلَيْن من أَيْن وَإِلَى أَيْن إِلَى العريض فَمَا هُوَ وقته أوالي العوالي فَمَا اتّفق أَن أحدا يذهب إِلَيْهِ بشقدف فَإِذا هم قصدُوا جِهَة بِالْقربِ من سيدنَا إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله
فبركوا الْجمل ثمَّ أخذُوا فِي الْحفر أَرَاهُم أخرجُوا من ذَلِك الْقَبْر شَيْئا وأدخلوه فِي الشقدف وأخرجوا من الشقدف شَيْئا وأدخلوه ذَلِك الْقَبْر ثمَّ دفنوه وَأَنا أنظر إِلَيْهِم من مَكَاني وَبعد سَاعَة أناروا الْجمل فَقَامَ وَإِذا بالشقدف وَعَلِيهِ ثوب مسود بعد ذَلِك الْبيَاض الأول ومروا عَليّ فَلَمَّا جاوزوني قُمْت فمسكت قَائِد الْجمل من يَده وَقلت لَهُ من تَكُونَا فَقَالَ إِلَيْك عَنَّا نَحن الْمَلَائِكَة النقالة فتأخرت واقشعر جلدي وَذهب لبي ثمَّ أذن الريس للصبح وَفتح الْبَاب فَكنت أول من دخل فقصدت الْمَسْجِد وزرت الحضرة الشَّرِيفَة وَصليت سنة الْفجْر ثمَّ قَامَت الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فَصليت مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ حضرت وظائفي فقرأتها مَعَ أَصْحَابِي وَرجعت للنخل وأخبرت وَالِدي بذلك كُله فَقَالَ لَا بقيت تذْهب وَأَنا أقيم فِي وظائفك نَائِبا عَنْك وناب عني انْتهى وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم ونثر ثابتان فِي مجاميعه وَله تذكرة لَطِيفَة جمع فِيهَا من كل غَرِيبَة ونادرة وَلما وقف عَلَيْهَا عَليّ بن غرس الدّين الخليلي الْمدنِي قَالَ مادحاً لَهُ
(لله در بارع ... أتحفنا بتذكره)
(حوت علوماً جمة ... على التقى مذكره)
(تغنى عَن المغنى فِي ... نَحْو لما قد ذكره)
(وفقهها يَكْفِي الْفَقِيه ... عَن كتاب حَرَّره)
(وشعرها رب الشُّعُور ... من كَلَام الْخيرَة)
(عروضها يعرض أَن ... يدعى لَهُ بالمغفرة)
(فِيهَا أَحَادِيث عَن الْمولى ... عَليّ حيدره)
(أبي الْحُسَيْن من زكا ... أصلا وضاءت زهره)
стр. 127
(وَكم حَدِيث ثَابت ... عَن حَافظ قد قَرَّرَهُ)
(وطرفة طريفة ... بظرفها مخدره)
(ونكتة بديعة ... على العدا مظفره)
(وتحفة نفيسة ... بروضها مسطره)
(قد نقلت عَن مُسْند ... من صحف مطهره)
(وَكتب مَرْفُوعَة ... بَين الورى محبره)
(لَا سِيمَا وَهُوَ على ... أَيدي كرام برره)
(وُجُوههم وجيهة ... على الدَّوَام مسفرة)
(مبيضة من التقى ... ضاحكة مستبشرة)
(وَقد أنار سلكها ... بدرّة وجوهرة)
(من نظمه البديع مَعَ ... نثر لَهُ قد نثره)
(أَبُو السُّعُود الْفَاضِل المفضال ... نجل الخيره)
(أعنى الحواريين وَالصديق ... نعم المدره)
(وَهُوَ الإِمَام للورى ... فِي طيبَة المطهره)
(فدام مَحْفُوظًا مَعَ ... النجل وَأبقى عمره)
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِالْمَدِينَةِ وَتُوفِّي بهَا فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وَصلى عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ بعد صَلَاة الْعَصْر وَدفن ببقيع الْغَرْقَد بِقرب تربة وَالِده وأسلافه عِنْد قبر سيدنَا إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله
أَبُو سعيد بن أسعد بن مُحَمَّد سعد الدّين ابْن حسن جَان القسطنطيني المولد والمنشأ والوفاة شيخ الْإِسْلَام بن شيخ الْإِسْلَام بن شيخ الْإِسْلَام وعلامة الْعلمَاء الْأَعْلَام الَّذِي ابتهجت بِهِ الْأَيَّام والليالي وافتخرت بِهِ وببيته الْمَرَاتِب العوالي مفتي السلطنة العثمانية وأوحد كبراء الدولة الخاقاقية جمع الْفَضَائِل كلهَا وحوى المحاسن دقها وجلها فَمَا من فَضِيلَة إِلَّا فِيهِ أَصْلهَا ومقرها وَلَا مِدْحَة إِلَّا وَصِفَاته الْعلية أَصْلهَا ومستقرها دَانَتْ لَهُ اللَّيَالِي فَجلى ظلمَة الحنادس وتدانت لَهُ سَمَاء الْمَعَالِي فصافح يَد الثريا وَهُوَ جَالس وَبِالْجُمْلَةِ فحلالة قدره وسمو فخره غنيان عَن التَّعْرِيف وهما مِمَّا يشرفان التوصيف وَكَانَ عَالما فَاضلا أديب كَامِلا بليغ الْخطاب كثير الْآدَاب لَهُ يشوبه فِي المدحة شائب وَجَمِيع صِفَاته حَسَنَة أطايب وَله الْوَقار الَّذِي
стр. 128
يرجح على الْجبَال الرواسِي والسكون الَّذِي تتعظ بِهِ الْقُلُوب القواسي وَكَانَ مثابرا على الْعِبَادَة الصَّدقَات ملازما للأوراد الْأَذْكَار فِي الخلوات والجلوات اشْتغل فِي مبدأ أمره وبرع ونظم الشّعْر التركي وَله شعر عَرَبِيّ أَيْضا إِلَّا أَنه قَلِيل أورد مِنْهُ وَالِدي ﵀ فِي تَرْجَمته قطعتين استحسنت أَحدهمَا وَهِي هَذِه وكتبت بهَا على مؤلف الْعَلَاء الطرابلسي فِي الْفَرَائِض
(كتاب نَفِيس للفوائد جَامع ... مُفِيد لطلاب الْمسَائِل نَافِع)
(على حسن تَرْتِيب تجلى مُجملا ... فقرت عُيُون الورى ومسامع)
(بدا معجيا إِذْ لم تَرَ الْعين مثله ... بِهِ نور آثَار الْفَضَائِل لامع)
(لجامعه فَخر الْأَئِمَّة سودد ... لرايات أنوار المكارم رَافع)
(أَفَاضَ عَلَيْهِ الرب من سحب جوده ... فَإِن غمام الْفضل مِنْهُ لوامع)
وَكَانَ لَازم على عَادَة عُلَمَاء الرّوم من عَمه شيخ الْإِسْلَام الْمولى مُحَمَّد وَلم يزل يترقى فِي الْمدَارِس حَتَّى صَار قَاضِي قُضَاة الشَّام ودخلها نَهَار الْأَرْبَعَاء سادس عشر الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ألف وَكَانَ وَالِده مفتي الدولة وَقَالَ الأديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي فِي تَارِيخ قدومه
(أَهلا بأكمل فَاضل ... رب الحجى المتكامل)
... يَا مرْحَبًا بقدوم غيث ... فِي مقَام ماحل)
(لما أَتَاهَا حَاكما ... رب الْعَطاء الشَّامِل)
(تَارِيخ مقدمه أَتَى ... فِي بَيت شعر كَامِل)
(زهيت معالم جلق ... بِأبي سعيد الْعَادِل)
وَهُوَ أجل من ولي الشَّام من الْقُضَاة وأعفهم وأعظمهم قدرا وَقد سَار سيرة فِي أَحْكَامه أنست من تقدمه وأتعبت مَا جَاءَهُ بعده وَجَاء الْخَبَر وَهُوَ قَاض أَن السُّلْطَان عُثْمَان بن السُّلْطَان أَحْمد قد تزوج بأخته فَجمع إِلَى سعوده سَعْدا وَبعد ذَلِك بِمدَّة جزئية ورد عَلَيْهِ خبر مقتل السُّلْطَان وعزل وَالِده عَن الْفتيا ثمَّ عزل هُوَ أَيْضا عَن قَضَاء الشَّام ورحل إِلَى الرّوم فِي سادس عشرى شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ بعد وُصُوله الرّوم بِمدَّة ولى قَضَاء بروسه والغلطة ثمَّ قَضَاء قسطنطينة وعزل مِنْهَا ثمَّ أُعِيد إِلَيْهَا ثَانِيًا وَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء الْعَسْكَر بأناطولي ثمَّ نقل إِلَى روم إيلي وعزل عَنْهَا وأعيد ثَانِيًا ثمَّ صَار مفتي التخت ثَلَاثًا وَكَانَ كلما أُعِيد إِلَيْهَا تَلا قَوْله تَعَالَى هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا وَكَانَ يكْتب فِي الفتاوي الَّتِي ترفع إِلَيْهِ فَوق السُّؤَال
стр. 129
الله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَأول من غير مختارات الْمُفْتِينَ من كتابتهم اللَّهُمَّ يَا ولي الْعِنَايَة والتوفيق نَسْأَلك الْهِدَايَة إِلَى أقوم طَرِيق جده سعد الدّين كَانَ يكْتب اللَّهُمَّ يَا مُجيب كل سَائل نَسْأَلك تسهيل الْوَسَائِل إِلَى حل مشكلات الْمسَائِل ثمَّ تبعه ابْنه أسعد وَالِد أبي سعيد فَكَانَ يكْتب الله الْهَادِي عَلَيْهِ اعتمادي وَأُصِيب فِي آخر تولياته للْفَتْوَى بِنَهْب دَاره وَأخذ لَهُ أَشْيَاء لَا يُمكن حصرها وَكَانَ سَبَب ذَلِك قيام الْعَسْكَر على الْوَزير الْأَعْظَم أبشير وَبعد وُقُوع هَذِه الْحَالة اختفى مُدَّة ثمَّ أَمر بالتوجه نَحْو بِلَاد أناطولي وَأعْطِي قَضَاء قونية فَلم يفعل وَأرْسل إِلَيْهِ قَضَاء الشَّام فَلم يقبله ثمَّ أَمر بِالْعودِ إِلَى وَطنه وَبَقِي فِي الاختفاء مُدَّة مديدة إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف وَتُوفِّي فِي ذِي الْقعدَة سنّ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة أجداده بِالْقربِ من تربة أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ وَبَنُو سعد الَّذين هَؤُلَاءِ يُقَال لَهُم بَيت الخوجا لِأَن جدهم الْمَذْكُور كَانَ معلم السُّلْطَان مُرَاد بن سليم من كبراء الْعلمَاء فِي الدولة كَانَ جدهم حسن جَان الْمَذْكُور عِنْد السُّلْطَان سليم الْأَكْبَر لَهُ الحظوة التَّامَّة وَهُوَ من كبراء دولته الْعلية وَولد لَهُ سعد الدّين وَهُوَ الَّذِي عظم بِهِ قدر بَيتهمْ وسما وتشعبت أبناءه حَتَّى تزينت بهم المحافل والرتب وخلدت مآثرهم فِي دواوين السّير وَالْأَدب وَقد خرج مِنْهُم فذ بعد فذ تطرب المسامع بِذكر اوصافه وتلتذ وكل مِنْهُم عرف بمزيه واختص بفضيلة سنية وفضلهم وَقدم صدارتهم مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى إِيضَاح بل هُوَ أشهر فِي الخافقيني من الصَّباح وَسَيَأْتِي فِي كتَابنَا هَذَا مِنْهُم جمَاعَة كل مِنْهُم مُنْفَرد بترجمة مُسْتَقلَّة
أَبُو السماع الْبَصِير الْمصْرِيّ الشَّاعِر البديهي أعجوبة الزَّمَان وَأحد الْأَفْرَاد فِي البديهة وارتجال الشّعْر وَكَانَت طَرِيقَته إِذا أَرَادَ الارتجال أَن يبْدَأ بإنشاد قصيدة من كَلَام أحد الشُّعَرَاء الْمُتَقَدِّمين بِصَوْت شجي وَفِي أثْنَاء إنشاده يبتدر على وزن تِلْكَ القصيدة فِي أَي بَاب كَانَ من أَبْوَاب الشّعْر مدحا كَانَ أَو غزلا أَو غَيرهمَا وَورد دمشق فِي أَوَائِل شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف فأنزله أديب الزَّمَان أَحْمد الشاهيني عِنْده وَأَقْبَلت عَلَيْهِ أَعْيَان الشَّام وأدباؤها لغرابة حَاله وتفوقه فِي شَأْنه وَمِمَّا قَالَ فِيهِ اشاهيني الْمَذْكُور
(إِن هَذَا أَبَا السماع لشيخ ... فاق فِي الارتجال كل الرِّجَال)
(فَهُوَ ثَانِي الْأَفْرَاد فِي كل عصر ... وَهُوَ فَرد الرِّجَال فِي الارتجال)
стр. 130
وَقَالَ فِيهِ الأديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمي من أَبْيَات
(فَخر لفخر فِي الزَّمَان بديع ... مَا حازه فِي الغابري من بديع)
(وَحَدِيثه فَلَقَد أَتَانِي ذكره ... متواترا حَتَّى انْتَفَى مَوْضُوع)
(صدقت مَا خبرته من فنه ... صَحَّ السماع فَصدق المسموع)
(ندب على غير القياسي قد أَتَى ... أَهلا بِهِ فالعمر مَعَه ربيع)
وَكَانَ مُشَوه الْخلقَة قَبِيح المنظر فَقَالَ فِيهِ بعض الأدباء
(أَبُو السماع اسْمَع بِهِ وَلَا تره ... فوصفه نَاقض فِيهِ مخبره)
(شَيْئَانِ فِيهِ موجبان قسوره ... عمى وخلقه لَدَيْهِ منكره)
وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وودع علماءها ونجباءها هَاشم ثمَّ رَحل إِلَى طرابلس قَاصد أقاضيها الأديب البارع عبد اللَّطِيف الْمَعْرُوف بأنسي الرُّومِي وَحصل مِنْهُ عطايا طائلة ورحل إِلَى مصر قَالَ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى وَلما كنت بِمصْر زارني مرّة وَأَنا نَائِب الصالحية فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف فرأيته فِي حَالَة ردية حَتَّى كدت أنكرهُ ثمَّ تعرفت مَعَه وذكرته بأيامه بِدِمَشْق فَبكى بكاء شَدِيدا ثمَّ طفق ينشد الأبيات الْمَشْهُورَة لسيدي عَليّ وفا ﵀ وَهِي
(قد كنت أَحسب أَن وصلك يَشْتَرِي ... بعظائم الْأَمْوَال والأرواح)
(وَعلمت حَقًا أَن وصلك هَين ... تفنى عَلَيْهِ نفائس الأشباح)
(لما رَأَيْتُك تجتبي وتخص من ... أجتبيته بلطائف الأمناح)
(أيقنت أَنَّك لَا تنَال بحيلة ... فَجعلت رَأْسِي تَحت طي جناحي)
(وَجعلت فِي عش الغرام إقامتي ... فِيهِ غدوى دَائِما ورواحي)
وَبعد مَا أتمهَا نسج على منوالها قصيدة مدحني بهَا وَانْصَرف وَسَأَلت من لَهُ بعض معرفَة عَن سَبَب تبدل حَاله فَذكر لي أَنه حصل لَهُ مقت من جَانب السادات بني الوفا وَكَانَ هُوَ فِي الأَصْل من أتباعهم فطردوه انْتهى قلت وَلَقَد سَأَلت كثيرا مِمَّن لَقيته من أهل مصر وَأهل بَلْدَتنَا عَن وَفَاة أبي السماع فَلم أظفر بهَا لَكِن ذكر لي بَعضهم على وَجه الظَّن أَن وَفَاته كَانَت فِي حُدُود سنة خمس أَو سِتّ وَسِتِّينَ وَألف
أَبُو الصفاء بن مَحْمُود بن أبي الصفاء الأسطواني الدِّمَشْقِي وَهُوَ جدي لأمي ولد بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا وَكَانَ حنبليا على مَذْهَب أسلافه وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي فقه مَذْهَبهم وَغَيره وَقَرَأَ فِي آخر أمره فقه الْحَنَفِيَّة على الْعَلامَة رَمَضَان بن عبد الْحق العكاري
стр. 131
وَكَانَ من جملَة الرؤساء وفضلاء الْكتاب ولي خدماً كَثِيرَة من كتابات الخزينة والأوقاف وَكَانَ كَاتبا بليغاً كَامِل الْعقل حسن الرَّأْي مَيْمُون النقيبة ورزق دنيا طائلة وسعة وَكَانَ كثير التنعم وافر الْخَيْر محظوظاً فِي الدُّنْيَا وَبلغ من الْعُمر كثيرا وَهُوَ فِي نشاط الشبَّان وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن كَانَ مِمَّن توفرت لَهُ الدَّوَاعِي ونال من الْأَيَّام حَظه وَكَانَ مَعَ ذَلِك سمح الْكَفّ دَائِم الْبشر وَكَانَت صدقاته على الْفُقَرَاء دارة وخيراته واصلة وانتفع بِهِ جمَاعَة وَمِنْه أثروا وَبِه استفادوا وَالْحَاصِل أَنه كَانَ من محَاسِن دهره وأكارم عصره وَكَانَت وَفَاته فِي شهر ربيع الأول سنة سِتِّينَ ألف وَدفن بمقبرة الفراديس فِي تربة الغرباء رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو طَالب بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن علوي بن أبي بكر الحبشي ابْن عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد أَسد الله ابْن حسن بن عَليّ بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم ولد بِمَدِينَة مريمه من أَرض حَضرمَوْت واشتغل بالفنون وَجمع الله تَعَالَى لَهُ بَين حسن الْحِفْظ والفهم ثمَّ رَحل إِلَى أَرض السواحل وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة ثمَّ رَحل إِلَى الديار الْهِنْدِيَّة وَأخذ بهَا عَن بعض الْفُضَلَاء وَكَانَ كثير الاستحضار للمستحسنات من الْأَشْعَار والحكايات وَله نظم ونثر ثمَّ وَفد على بعض مُلُوك الْهِنْد فَوَقع عِنْده موقعاً عَظِيما وَجلسَ عِنْده للتدريس الْعَام وَكَانَ عَالما بِعلم الْفَرَائِض والحساب وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْأَدَب ثمَّ ترك ذَلِك كُله واشتغل بِالْعبَادَة وَلزِمَ الطَّرِيقَة الموصلة وَرجع إِلَى وَطنه فَركب الْبَحْر فَقدر الله تَعَالَى أَن سقطوا على أَرض عمان وَأقَام بهَا مُدَّة حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَخمسين وَألف وَدفن بِأَرْض عمان فَلَمَّا فرغوا من دَفنه فِي لحده سمعُوا هزة وطلع مِنْهَا نور لحق عنان السَّمَاء فنبشوا عَلَيْهِ فَلم يَجدوا جثته وَلَا الْكَفَن رَحمَه الله تَعَالَى
الشريف أَبُو طَالب بن حسن بن أبي نمى مُحَمَّد بن بَرَكَات بن مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن ابْن عجلَان بن رمية بن أبي نمى مُحَمَّد بن أبي سعيد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة بن إِدْرِيس ابْن مطاعن بن عبد الْكَرِيم بن عِيسَى بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن مُوسَى بن عبد الله الْمُحصن ابْن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵃ صَاحب مَكَّة والحجاز كَانَ من أمره أَنه لما كبر أَبوهُ فوض أَولا نِيَابَة الْإِمَارَة لِابْنِهِ الشريف حُسَيْن فَلم يطلّ أمره فِيهَا فَمَاتَ فولاها شقيقه الشريف مَسْعُود وَكَانَ مَوْصُوفا بالشجاعة وَالْقُوَّة لَكِن لم يسْلك فِيهَا مسلكاً
стр. 132
مرضياً وَتُوفِّي وَهُوَ شَاب فآلت إِلَى أبي طَالب صَاحب التَّرْجَمَة وَكَانَ ذَا فكر صائب وشجاعة عَظِيمَة وفضيلة باهرة وفَاق سَائِر إخْوَته وَبعد مَا حكم بالنيابة عَن أَبِيه مُدَّة أَمر أَبوهُ أُمَرَاء الْحجاز أَن يلبسوه الخلعة الْكُبْرَى وألبسوا وَلَده عبد الْمطلب الخلعة الثَّانِيَة فلبساهما ثمَّ جهز من أَتْبَاعه الْأَمِير بهْرَام بهدية سنية إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة فِي هَذَا الْخُصُوص وَالْتمس من السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بن السُّلْطَان مُرَاد تقريراً بذلك فَأُجِيب إِلَى ملتمسه وَرجع بهْرَام بالتقارير وَصُورَة منشورة مَذْكُورَة فِي رَيْحَانَة الخفاجي وَهُوَ من إنشائه لكنه مطول أَعرَضت عَن كِتَابَته لطوله ويعجبني مِنْهُ مَحل وَهُوَ قَوْله فِي مُخَاطبَة الشريف حسن وَقد ورد من جنابه رَسُول تَلقاهُ من سدتنا نسيم الْقبُول إِذْ جاب الفيافي من خزنها وسهلها وَأدّى الْأَمَانَات إِلَى أَهلهَا وَكَانَ كالميل سلك بَين الجفون فأجاد ومتع الْعُيُون بإثمد الصّلاح والسداد وَمَعَهُ منشور أرق من نسيم السحر مُعرب عَن الْعين بالأثر فَأخْبر أَن مرسله أَرَادَ الْفَرَاغ وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ وتضمن منشوره الْمَذْكُور أَنه أَرَادَ الاسْتِرَاحَة من نصب المناصب والتقاعد عَمَّا بهَا من الْمَرَاتِب رَغْبَة عَن زخرف الْحَيَاة إِلَى خدمَة سَيّده ومولاه وَأَن نجله النجيب الْجَلِيل الحسيب النَّاشِئ فِي حجر الشّرف الباهر الْمُسْتَخْرج من أطيب العناصر لَيْث غابة بيض الصفاح وَسمر العسالة الرماح عَلَيْهِ أَمارَة الْإِمَارَة ومخايل النجابة والصدارة
(بلغ السِّيَادَة فِي ابْتِدَاء شبابه ... إِن الشَّبَاب مَطِيَّة للسودد)
وَسَأَلَ أَن نقلده صارم إِمَارَة تِلْكَ الديار وَمَا يتبعهَا من الْبلدَانِ والأقطار على مَا جرت بِهِ عَادَة سلفه الَّذِي سلف وقانون من خَلفه من الْخلف فأجبناه إِلَى مُرَاده وأمددناه بإسعافه وإسعاده لِأَنَّهُ إِنَّمَا نزع صارمه من يَده إِلَى يَده الْأُخْرَى وَجعله من بعد يمن الْيُمْنَى فِي يسَار الْيُسْرَى فسارت الْإِمَارَة من حرم إِلَى حرم وَلم تخرج من جيران نجد وَذي سلم وخلعنا عَلَيْهِ حللاً تأنق واشيها ورقت حواشيها ونظرنا إِلَيْهِ بنظرنا الَّذِي هُوَ اكسير أَن يحسن فِي الْعَمَل وَالتَّدْبِير وَينظر إِلَى الرعايا بِعَين الرِّعَايَة ويصونهم عَن أهل الضَّلَالَة والغواية ويؤمن تِلْكَ الْمَنَاسِك ويحرس تِلْكَ المسالك ويختار من قومه من يحرسها من الْأَعْدَاء ويحميها من كل قَاصِر فِي فعله تعدى وَيبْطل مَا فِيهَا من المكوس والمظالم وَيُقِيم الْحُدُود على مستحقيها من كل بَاغ وظالم ليخلد فِي صَحَائِف تِلْكَ الْبِلَاد الْحَسَنَات ويمحو مَا فِيهَا من آثَار السَّيِّئَات ويتصرف
стр. 133
فِي بندر جدة على الْعَهْد الْقَدِيم وَمن جاور ذَلِك الْمقَام فليسعفه بالنعيم الْمُقِيم وَمن يرد فِيهِ بالحاد بظُلْم نذفه من عَذَاب أَلِيم ويحرس الوافدين إِلَى ذَلِك الْبَلَد الْأمين بِإِقَامَة شَعَائِر شرائع الدّين ويحمي بحمايته من ورد أَو صدر ويحرس مواردهم الصافية من الكدر ويلاحظ مَا للتحليل
من صَالح الدَّعْوَات فِي قَوْله وَاجعَل هَذَا الْبَلَد آمنا وارزق أَهله من الثمرات ثمَّ ليعلم كل من كحل بَصَره باثمد منشورنا الْكَرِيم وشنف مسامعه بِلَا آلىء لَفظه الْعَظِيم مِمَّن فِي دارة تِلْكَ الديار وهالة تِلْكَ الأقطار وانتظم فِي سلك سكان الْقرى والأمصار من السادات الْكِرَام والقضاة والحكام وولاة الْأُمُور من الْأَعْيَان والوافدين على تِلْكَ الديار والسكان أَن إِمَارَة تِلْكَ الْمعَاهد وَمَا فِيهَا من العساكر وَمَا أحاطت بِهِ من الأصاغر والأكابر وَسَائِر الْوَظَائِف والمناصب والجهات والمراتب مفوضة إِلَى السَّيِّد السَّنَد أبي طَالب نَاظرا بِعَين الْإِنْصَاف متجنباً سَبِيل الاعتساف وَيصرف الْمُسْتَحقّين بِحسن التصريف وَيصرف من لَا يسْتَحق بِرَأْيهِ الشريف أقمناه مقَام نفسنا فِي ذَلِك الْمقَام وفوضنا إِلَيْهِ النَّقْض والأبرام والعلامة السُّلْطَانِيَّة حجَّة لما فِيهِ مرقوم مُحَققَة لما فِيهِ من مَنْطُوق وَمَفْهُوم فليتحقق من وقف على هَذَا الْخطاب وَمن عِنْده علم الْكتاب من أهل مَكَّة وَمن فِي جوارها وطيبة الطّيبَة وَسَائِر أقطارها وَبَقِيَّة الثغور الباسمة لدولتنا بمباسم السرُور من حاضرها وباديها أَنا أعطينا الْقوس باريها فَلم تَكُ تصلح الإ لَهُ وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا سدد الله سِهَام رَأْيه فِي أغراض الصَّوَاب وَفتح لَهُ بمفاتيح السمر كل مغلق من الْأَبْوَاب مَا سَقَطت من كف الثريا الْخَوَاتِم ورقت على مَنَابِر الأغصان خطباء الحمائم وَالسَّلَام وَاسْتمرّ أَبُو طَالب تَحت مُرَاعَاة وَالِده إِلَى أَن مَاتَ أَبوهُ فِي سنه عشرَة بعد الْألف ولحقه أَخُوهُ عبد الْمطلب فاستقل بِالْملكِ من غير شريك فِيهِ وهناه الله تَعَالَى بِمَا صَار إِلَيْهِ وَأصْلح الله تَعَالَى بِهِ أُمُور الْبِلَاد والعباد وَقَامَ بأعباء الْملك وَأظْهر السطوة وقهر الأكابر والأعيان على الانقياد لأوامره والانزجار لزواجره فهابته النُّفُوس وأنصف فِي أَحْكَامه وَسَار السِّيرَة المرضية وَكَانَ حسن الْهَيْئَة شَدِيد الهيبة فَإِذا حضر النَّاس مَجْلِسه سكتوا لمهابته وَكَانَت تخافه الْبَوَادِي وَأهل النوادي وَكَانَ سخياً ندي الْكَفّ مِمَّا يحْكى من كرمه أَنه زار النَّبِي
قبل أَن يَلِي أَمر مَكَّة فَلَمَّا أَمْسَى نزل فِي وَاد هُنَاكَ هُوَ وَمن مَعَه فأضافه رجل من أهل الْوَادي يُقَال لَهُ
стр. 134
السوداني فذبح الذَّبَائِح وَمد الموائد وقدمها ثمَّ بلغه أَن الشريف أَبَا طَالب لم يَأْكُل من ذَلِك الطَّعَام وَلم يحضرهُ لشغل عرض لَهُ فَعمد السوداني إِلَى أَربع أَو خمس دجاجات فذبحهن وطبخهن وقدمهن على كيلتين من الْعَيْش فِي زبدية كَبِيرَة من الصيني وَجَاء بهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي هَذَا عشَاء عَبدك أجبر خاطره جبر الله خاطرك فَغسل الشريف يَده وَأكل من تِلْكَ الزبدية لقيمات ودعالة فَلَمَّا اسْتَقل بِالْولَايَةِ وَفد عَلَيْهِ السوداني بعد سنة فَقَالَ لَهُ الشريف الزبدية الَّتِي تعشينا فِيهَا عنْدك فَقَالَ نعم فَقَالَ اثْنَتَيْ بهَا فَمَلَأ هاله ذَهَبا وَله كثير من هَذَا الْقَبِيل وَلأَهل عصره فِيهِ مدائح كَثِيرَة فَمِنْهَا قَول الإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ مهنئا لَهُ فِي بعض غَزَوَاته
(بسمر القنا وبيض الصوارم ... تنَال العلى وتنال المكارم)
(وبالمرسلات بُلُوغ المنى ... وبالعاديات نوال الْغَنَائِم)
(وَلَو لم يحل ليل ذَا العجاج ... لما أشرقت شمس تِلْكَ المعالم)
(ولي سيد مَاله فِي الوغى ... شَبيه سوى جده ذِي العزائم)
(يجيل الحروب ويجلو الكروب ... وينفي اللغدب ويزري بحاتم)
(لقد أذكرتنا فتوحاته ... مغازي الْأَئِمَّة من آل هَاشم)
(لَهُ النَّصْر بِالرُّعْبِ من أشهر ... وَمن شَأْنه قسم مَال الْغَنَائِم)
(إِذا مَا بُد اللعدا جحفل ... وَلم يَك فِيهِ فَكل مقاوم)
(وَإِن قيل فِيهِ أَبُو طَالب ... فَمن ذَا يلاقيه إِلَّا مسالم)
(ترَاهُ يَخُوض بحور النحور ... بجرد تجاذب جذب الطرايم)
(هِيَ الْبَرْق فِي السَّبق لَو لم تكن ... لَهَا غزوات بِتِلْكَ الحماحم)
(يحِق لَهَا الزهو بِابْن النَّبِي ... سليل الصفى على المعالم)
(من اتخذ الدرْع تعويذة ... وَطول النجاد تَمام التمائم)
(سناء النُّبُوَّة فِي وَجهه ... كفى شرفا عَن طراز العمائم)
(وأوصافه الغربين الْأَنَام ... بهَا غنية عَن طوال التراجم)
(فَمَا حاول الْخطب الأوكان ... لَهُ الْفَتْح والنصر عبدا وخادم)
(فيا سيد أسدت كل الْمُلُوك ... من الخلص الْعَرَب ثمَّ الْأَعَاجِم)
(فَهَل ملك أَنْت فِي الارض أم ... مليك فعدلك أنسى الْمَظَالِم)
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من سراة الْأَشْرَاف ومشاهير وُلَاة الْحجاز قَالَ الشلي وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة
стр. 135
خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لعشر بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة بعد الْألف بِمحل يُقَال لَهُ العشة من جِهَة الْيمن وَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة وَبنى عَلَيْهِ قبَّة كَبِيرَة يزار بهَا
أَبُو الطّيب بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مفرج بن بدر بن بَدْرِي ابْن عُثْمَان بن جَابر بن ثَعْلَب بن صنوى الْغَزِّي ابْن شَدَّاد بن عَاد بن مفرج بن لَقِيط ابْن جَابر بن وهب بن ضباب بن جحيش بن مغيفر بن عَامر بن لؤَي بن غَالب العامري يتَّصل نسبه بعامر بن لؤَي واليه أَشَارَ جده الرضي حَيْثُ قَالَ
(وَأَبُو الْفضل كنيتي وانتسابي ... من قُرَيْش لعامر بن لؤَي)
الدِّمَشْقِي المولد الْفَاضِل الأديب الشَّاعِر المفنن الْمَشْهُور أوحد الزَّمَان ونادرة الْعَصْر والأوان كَانَ فِي زَمَانه أبلغ الشُّعَرَاء وأدقهم نظرا وشعره من أَجود الشّعْر رونقاً وديباجة وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي سبك الْمعَانِي وَاسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ الشائقة وَلم يكن شعره مَعَ جودته مَقْصُورا على أسلوب وَاحِد بل كَانَ يتفنن فِيهِ وَيدخل فِي أساليب مُخْتَلفَة وَكَانَ غزير الْمَادَّة من الْأَدَب مطلعاً على مُعظم شعر الْعَرَب الخلص وَغَيرهم وَكَانَ يكْتب الْخط المدهش وَهُوَ من أذكياء الْعَالم وفضلائه الْمَشْهُود لَهُم بالتفوق والبراعة قَرَأَ فِي مبدأ أمره كثيرا وَضبط وبرع ومعظم انتفاعه فِي عُلُوم الْأَدَب بجدي المرحوم القَاضِي محب الدّين فَإِنَّهُ بِهِ عرف وَعَلِيهِ تخرج وتفقه بالشهاب العيثاوي ورحل إِلَى مصر فِي حُدُود الْألف وَأخذ عَن علمائها وَرجع إِلَى دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ القصاعية الشَّافِعِيَّة ثمَّ تفرغ عَنْهَا وَعرض لَهُ فِي سنة خمس عشرَة وَألف عَارض سوداوي فَطلق زَوجته وَفرق ثِيَابه على كثير من أَصْحَابه وَكَانَ مَعَ هَذَا الْحَال يكْتب تَفْسِير الْمولى أبي السُّعُود كِتَابَة صَحِيحَة مليحة إِلَى الْغَايَة من غير نُقْصَان وَلَا تَبْدِيل وَذكره البديعي فِي كِتَابه ذكرى حبيب وَقَالَ وَمد نظم فِي سلك ذَوي الأفضال اعترته آفَة الْكَمَال بِسَبَب مَا اعتراه من عَارض الْجُنُون وَصَبره ثَالِث خَالِد وَالْمَجْنُون وَلم يزل بعد تِلْكَ الْجنَّة يَأْتِي بِكُل معنى شارد ويساعده شَيْطَانه المارد فِي الشّعْر على كل طريف من الْأَدَب وتالد وَله من الشّعْر مَا ينفث عقد السحر ثمَّ أورد لَهُ مَا ذكره الخفاجي فِي كِتَابه وَذَلِكَ قَوْله من قصيدة
(مؤنبي لَا بَرحت فِي عذلي ... فحبذا حبه عَليّ ولى)
(غُصْن دلال أغر طلعته ... شمس ضحى فَوق ناعم خضل)
стр. 136
(يجول فِي عطفة الدَّلال إِذا ... تحمل حقْوَيْهِ فَتْرَة الكسل)
(رقمت فِي طرس خَدّه قبلا ... فظل يمحو بنانه قبلي)
(وأخجل الْورْد فِي نضارته ... شَقِيق خد فِي وردتي خجل)
وَمِنْهَا
(لله قلب ينوبه كلفا ... مطال مثر إِلَى ملام خلي)
(كَأَنَّهُ فِي يديهما كرة ... فَمن هِلَال الدجى إِلَى زحل)
وَأنْشد لَهُ الخفاجي قَوْله وَهُوَ من أحسن الشّعْر وَأخذ بِمَجَامِع الْقُلُوب
(صادفته وَالْحسن حليته ... كالريم لَا رعثا وَلَا قلبا)
(والعيد للألحاظ أبرزه ... والبدر أيسر مِنْهُ لي قربا)
(أَهْوى لتهنئتي ومديدا ... وفْق الْهوى وَتَنَاول القلبا)
قَالَ وَمد الْيَد الْمُعْتَاد للمصافحة فِي الأعياد مسنون لإِظْهَار الْقرب والاتحاد فَجَعلهَا لأخذ الْفُؤَاد معنى بديع وَمثله مَا قلته فِي مد الْيَد الْمَأْمُور بِهِ فِي الدُّعَاء وَهُوَ مِمَّا لم أسبق إِلَيْهِ فَإِن أَمر السَّائِل بِمد الْيَد بِمَعْنى خُذ مَا طلبت وأزيد وَهُوَ
(أما آن من نجم الشجون غرُوب ... وَحَتَّى مَتى ريح الْفُنُون تؤوب)
(تكلفني من بعد سلوان صبوتي ... شمال تعنى مهجتي وجنوب)
(سهرت لَهَا نائي الْمضَاجِع فانبرى ... لَهَا بَين أحناء الضلوع لهيب)
(إِذا ركدت ريح وقر نسيمها ... أَبى مِنْهُ إِلَّا أَن يعود هبوب)
(لحى الله قلبِي كم تنازعه الردى ... لحاظ لَهَا فِي صفحتيه ندوب)
(يلذ الْهوى لأدر در أبي الْهوى ... وحسبك مِنْهُ زفرَة ونحيب)
(أدرح أنفاسي مَخَافَة كاشح ... وأطرق كَيْمَا لَا يُقَال مريب)
(أدين بكتمان الْهوى فيذيعه ... فؤاد وطرف خافق وسكوب)
(عدتنا عواد بَيْننَا وخطوب ... وحالت قفار بَيْننَا وسهوب)
(لَعَلَّ صَرِيح الود يَنْمُو على النَّوَى ... فيهتاج شوق أَو تشق جُيُوب)
(وَلَو أنني وفيت حبك حَقه ... لشاب عذارى حِين لات مشيب)
стр. 137
(وَلَو أنني أسْتَغْفر الله كلما ... ذكرتك لم تكْتب على ذنُوب)
لله دره مَا أَعلَى هَذِه الحشوة وَهِي قَوْله وَأَسْتَغْفِر الله وَأهل الْبَيَان يسمون هَذَا النَّوْع حَشْو اللوز ينج وَمِنْهَا
(لانت على غيظ الوشاة محبب ... وَأَنت على شط المزار قريب)
(أمرت الْهوى مَا شِئْت فِي وشاءه ... ونظمت فِيك الدّرّ وَهُوَ رطيب)
(بقيت على الْأَيَّام تختلس النهى ... وجادك غيث الْحسن حَيْثُ يَنُوب)
(وَلَا زلت بَدْرًا لَا يغيب الضيالة ... علينا شروق مرّة وغروب)
وَمن شعره الْبَهِي قَوْله
(عاطيته حلب الْعصير وَلَا سوى ... زهر النُّجُوم تجاه حول الْمجْلس)
(أنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ متبرم ... مِمَّا تغازله عُيُون النرجس)
(وَكَأن صفحة خَدّه ياقوتة ... وَكَأن عَارضه خميلة سندس)
وَمثله لِابْنِ هاني الأندلسي
(عاطيته كأسا كَانَ شعاعا ... شمس النَّهَار يضيئه إشراقها)
(أنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ متنصل ... بجفونه مِمَّا جنت أحداقها)
(وَكَأن صفحة خَدّه وعذاره ... تفاحة حفت بهَا أوراقها)
وَقَوله أَيْضا
(خالسته نظرا وَكَانَ موردا ... فازداد حَتَّى كَانَ أَن يتلهبا)
(أنظر إِلَيْهِ كَأَنَّهُ متنصل ... بحفونه من طول مَا قد أذنبا)
(وَكَأن صفحة خَدّه وعذاره ... تفاحة رميت لتقتل عقربا)
وَلأبي الطّيب أَيْضا
(وَشرب اداموا الْورْد من اكؤس الطلا ... وَقد أنفوا الأصدار عَن ذَلِك الْورْد)
وَقَوله
(أنسأني الْوَصْل فهنيته ... مِيقَات مُوسَى فَاتَ بالصد)
(لَا بُد من بَين على غرَّة ... مَا أَنْت إِلَّا زمن الْورْد)
وَقَوله
(لقد علقت يَا فُؤَادِي ... بالحسين ذِي الوسن)
(فَإِن ظمئت فاؤشفن ... ريق الْحُسَيْن وَالْحسن)
وَمِمَّا اشْتهر من شعره وَجرى مجْرى الْأَمْثَال قَوْله
(لنا نفوس إِذا هِيَ انصدعت ... بلمح طرف تقوم ساعتها)
стр. 138
(عزت فَعَاشَتْ بفقرها رغدا ... وَفِي اعتزال الْأَنَام راحتها)
وَمِمَّا اشْتهر انه من شعر عبد الْمطلب جد النَّبِي
فِي مَعْنَاهُ
(لنا نفوس لنيل الْمجد طالبة ... وَإِن تسلت أسلناها على الأسل)
(لَا ينزل الْمجد إِلَّا فِي مَنَازلنَا ... كالنوم لَيْسَ لَهُ مأوى سوى الْمقل)
قد تَرْجمهُ الخفاجي فِي كِتَابيه لَكِن اخْتلفت تَرْجَمته لَهُ كثيرا وَالَّذِي حررته وَصَحَّ مَا نَقله وَالِدي من خطّ الشهَاب من نُسْخَة الخبايا حَيْثُ قَالَ من ذَوي الْبيُوت الشامخة الرتب الْمُزَاحمَة للنيرات فِي منازها بالركب وَله أدب غض نَقده نض وَشعر يتساقط فِي أندية الْكِرَام تساقط الدّرّ أسلمه النظام ألطف من شمائل الشمَال وَأحب من دَلَائِل الدَّلال وأرق من دموع السَّحَاب وأصفى من مَاء المزن والشباب وَبَينهمَا هُوَ رحيب الصَّدْر صلب قناة الصَّبْر لم تعقد حبار أيه بِغَيْر يَد الحزم وَلم تحل الْأَيَّام عقد رَأَيْته الأبراحة الْعَزْم إِذْ غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فأعجز داؤه الدَّوَاء فبدلت جُنُون الْفُنُون بفنون الْجُنُون وَفتحت مغلق قفله وحلت عقلة عقلة فَظهر تشَتت باله ونادى لِسَانه حَاله
(تقضي زمَان لعبنا بِهِ ... زهذا زمَان بِنَا يلْعَب)
فَمَا رويت من شعره قَوْله
(ترامت نَحْوهَا الْإِبِل ... وشامت برقها الْمقل)
(فتاة من بني مُضر ... يجاذب خصرها الكفل)
(فَمَا الخطار إِن خطرت ... وَمَا الميالة الذبل)
(تكنفها لُيُوث وغى ... يحاذر بأسها الأسل)
(لَئِن شط المزار بهَا ... وأقفر دونهَا الطلل)
(بِمِثْلِهَا الْفُؤَاد بِهِ ... ويدينها لَهُ الأمل)
(وَكم لي يَوْم كاظمة ... فؤاد خافق وَجل)
(وطرف بعد بعدهمْ ... بميل السهد مكنحل)
(علقت بهَا غَدَاة غَدَتْ ... وموطئ نعلها الْمقل)
(فَإِن سَارَتْ بأخمصها ... تداعى الوابل الهطل)
(وَإِن قرت تقر الْعين ففينا بِضَرْب الْمثل ... )
قلت وَجل شعره يشْتَمل على معَان عَذَاب لَطِيفَة الْموقع وَكَانَت وَفَاته فِي ربيع الأول
стр. 139
سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة الشَّيْخ ارسلان قدس الله سره الْعَزِيز
الشَّيْخ أَبُو الْغَيْث بن مُحَمَّد شجر القديمي وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى الشريف القديمي ابْن الشّجر بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي بكر العربادي ابْن عَليّ بن مُحَمَّد النجيب ابْن حسن بن يُوسُف بن حسن بن يحيى بن سَالم بن عبد الله بن حُسَيْن بن آدم بن إِدْرِيس بن حُسَيْن بن مُحَمَّد التقي الْجواد ابْن عَليّ الرِّضَا ابْن مُوسَى الكاظم ابْن جَعْفَر الصَّادِق ابْن مُحَمَّد الباقر ابْن عَليّ زين العابدين ابْن الْحُسَيْن السبط ابْن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ هَكَذَا نقل نسب السَّادة بني القديمي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أبي بكر الأشخر فِي رسَالَته قَالَ وَأكْثر ذُرِّيَّة الشريف شجر من وَلَده الشريف القديمي فَإِنَّهُ أعقب عمر وَالشَّجر وَالْحسن وَأَبا الْقَاسِم وَأحمد الْمسَاوِي وَعز الدّين وَلكُل من هَؤُلَاءِ عقب مَشْهُورُونَ كَانَ صَاحب التَّرْجَمَة من أكَابِر أَوْلِيَاء عصره الْمَشْهُورين لَهُ الجاه الْوَاسِع عِنْد مُلُوك مَكَّة الحسينيين وأمراء الأروام وَالْخَاص وَالْعَام وَكَانَ صَاحب كشف عَظِيم وَيُحب الطّيب وَيحيى زواره بِهِ ويتصرف فِي النَّاس وَيَأْخُذ مَا شَاءَ مِنْهُم ويصل بِهِ الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والمنقطعين وَكَانَ تَارَة يلبس لِبَاس الْمُلُوك وَتارَة يَنْزعهُ ويبيعه وَيطْعم بِثمنِهِ الْفُقَرَاء ويلبس لِبَاس الْفُقَرَاء وَكَانَت تجار الْيمن وَغَيرهم يستغيثون بِهِ فِي شَدَائِد الْبَحْر ومضايق الْبر فيجدون بركَة الاستغاثة بِهِ فِي الْحَال وينذرون لَهُ وَإِذا حصل لَهُم الْفرج وَالْغَرَض وفوه وَكَانَ يعْمل المولد بِالْحرم فِي الْمَوْسِم وَغَيره على طَريقَة أهل الْيمن وَيعْمل أشغالهم ويلحن ألحانهم بِنَفسِهِ وَله رياضة واجتهاد فِي الْعِبَادَة وَهُوَ الْمَشْهُور الْآن عِنْد المكيين بِأبي الْغَيْث بن جميل وَمن كراماته أَنه وقف فِي الْمَوْسِم فِي الْمَكَان الَّذِي يفرق فِيهِ الصر السلطاني بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَقَالَ للْكتاب أعطوني مِنْهُ مَا يخصني فَقَالَ لَهُ بَعضهم إِن كنت رجلا كَامِلا فهات لنا تَقْرِير سلطانياً بِمَا ترومه ونعطيه لَك فَمَا مَضَت سَاعَة إِلَّا وأتاهم تَقْرِير من سُلْطَان عصره مُحَمَّد بن مُرَاد بجامكية وَغَيرهَا فدفعوا لَهُ مَا هُوَ مَكْتُوب فِي المرسوم السلطاني وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد الْمَذْكُور من اولياء الله تَعَالَى وَمن أهل الخطوة وَيُقَال إِن صَاحب التَّرْجَمَة بعد أَن فَارق الْكتاب الْمَذْكُورين دخل الطّواف فَرَأى السُّلْطَان مُحَمَّد فِي المطاف وَهُوَ مختف فأمسكه وَقَالَ لَهُ إِن لم تكْتب لي تَقْرِير الصر يكون لي ولأولادي وَإِلَّا فضحتك ين النَّاس فَكتب لَهُ مرسوماً فِي تِلْكَ السَّاعَة بمطلوبه فَأتى بِهِ إِلَيْهِم فأمضوه على مَا ذَكرْنَاهُ وَكَانَت وَفَاته فِي الْمحرم سنة أَربع عشرَة
стр. 140
وَألف بِمَكَّة وَدفن بِالشعبِ الْأَعْلَى من المعلاة بِالْقربِ من ضريح سيدتنا خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂
الشَّيْخ أَبُو الْغَيْث الْمَعْرُوف بالقشاش المغربي التّونسِيّ الْأُسْتَاذ الْعَالم الْوَلِيّ الرحلة الْكَبِير الْقدر قطب الأقطاب ولسان الحضرة الْمُتَصَرف فِي الْأَسْمَاء والحروف الْكَامِل فِي الْخَلَائق والنعوت كَانَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى الباهرة رحْلَة تتعنى إِلَيْهِ الْوُفُود وتستقي من بَحر كرمه العطاش وَله الْجَلالَة الَّتِي مَا رزقها أحد والكرامات الَّتِي مَا نالها وَاحِد من الخليقة ومآثره وَصِفَاته الْحَسَنَة وأحواله العجيبة الغريبة مِمَّا لَا يُحِيط بهَا وصف واصف وَلَا مدح مادح وَلم أر من ذكره إِلَّا ابْن نَوْعي فِي ذيله التركي فَجَمِيع مَا ترَاهُ إِلَّا الْقَلِيل مِمَّا ذكرته فِي تَرْجَمته مترجم مِمَّا قَالَه فِي حَقه فَأَقُول أَنه ولد بِمَدِينَة تونس وساح فِي ابْتِدَاء حَاله لتَحْصِيل الْعلم وادب فَأخذ عَن عُلَمَاء عصره الْفُنُون المتداولة حَتَّى مهر فِي علم التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْأُصُول وَالْفُرُوع وأحاط بهَا وَصَارَ فِي علم الْأَدَب شيخ الْفَنّ ثمَّ حصل لَهُ جذف الهي فساح فِي أَطْرَاف الْجَبَل الْمَعْرُوف بجبل الزَّعْفَرَان وانْتهى إِلَى خدمَة الشَّيْخ مُحَمَّد الجديدي وَكَانَ من كبار أهل الْإِرْشَاد فَحصل من تلمذته لَهُ على فيوضات عَجِيبَة فَلَمَّا انْتقل شَيْخه الْمَذْكُور بالوفاة إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى أَتَى بنية الْحَج إِلَى وَطنه تونس وَجمع جملَة من المريدين الصلحاء وَأقَام هُوَ وإياهم بقريهم تَارَة أَنْوَاع الْعُلُوم وَتارَة يذكر هُوَ وإياهم ويتواجدون مَعَه وَكَانَ أَكثر لياليه يحيها هُوَ وإياهم فِي ذكر وتسبيح وَكَانَ إِذْ ذَاك حسن الملبس فَهبت عَلَيْهِ نفحة من صوب الفناء فمزق مَا عَلَيْهِ من الثِّيَاب وتجرد وَخرج مُنْفَردا بنية أَدَاء الْحَج فأداه وجاور بِالْمَدِينَةِ مِقْدَار سنة ثمَّ لبس ثيابًا خشنة وقفل إِلَى وَطنه وَأقَام مُدَّة قَليلَة مشتغلاً بإفادة الْعُلُوم وَالْعِبَادَة ثمَّ تَغَيَّرت أطواره وَظَهَرت مِنْهُ حركات متغيرة وكلمات متنافية فَكَانَ تَارَة يَقُول إِنَّه الْمهْدي صَاحب الزَّمَان وَتارَة يَدعِي الْأَخْبَار عَن الْغَيْب فيبسط مدعاه فِي الْحَوَادِث الْآتِيَة وَيخرج فِي ذَلِك عَن طور الْعقل فَتَبِعَهُ خلق كثير وَقَامُوا بنصرته وترويج مدعاه وأفضى تشعب الْأَمر فِيهِ أَن اجْتمعت عُلَمَاء الْبَلَد وَاتَّفَقُوا على إِيقَاع أَمر بِهِ يمنعهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ فَذَهَبُوا إِلَى حَاكم تونس رَمَضَان باشا وطلبوا مِنْهُ إِحْضَاره ليقيموا عَلَيْهِ بِمحضر من القَاضِي دَعْوَى بِمَا أبرموا أَمرهم عَلَيْهِ فتكرر إِحْضَاره إِلَى مجْلِس الْحَاكِم الْمَذْكُور وقاضي الْبَلَد وتكرر مِنْهُم السُّكُوت وَعدم النُّطْق مهابة مِنْهُ حَتَّى أدّى أَمر الْجَمِيع إِلَى تَركه وَمَا
стр. 141
يصنع رَأْسا فَبَقيَ متلون الْأَحْوَال ينْتَقل من طور إِلَى طور فَتَارَة يلبس عِمَامَة الْعلمَاء الْكِبَار ولباسهم ويعقد حَلقَة درس يُفِيد فِيهَا الطلاب وَتارَة يسوح فِي الْجبَال عُريَانا مغلوب الْحيرَة فِي زِيّ المجانين إِلَى أَن ترك التلون وَاخْتَارَ السّكُون والتمكن وَأَنْشَأَ جَامعا وخانقاه وتكية واشتهر بِأَنَّهُ مِمَّن ينْفق من الْغَيْب أَو من صَنْعَة الكيميا ثمَّ ترقى بِهِ الْحَال إِلَى أَن أنشأ اثنيها وَثَلَاثِينَ موضعا زَوَايَا ومساجد وجوامع وَبنى مَالا يعد من الْمدَارِس الرفعية والقناطر المنيعة ووقف على كل أثر مِنْهَا أوقافاً عَظِيمَة وَعين للمقيمين والمسافرين نفقات وَكَانَ يبْذل فِي فكاك أسرى الْمُسلمين أَمْوَالًا كَثِيرَة وَكَانَ فِي شهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان يعْقد مَجْلِسا لقِرَاءَة التَّفْسِير وَالْبُخَارِيّ وَكَانَ يمِيل إِلَى تَحْصِيل نسخ مُتعَدِّدَة من البُخَارِيّ وَكَانَ من ملتزماته أَنه لَا يقبل هَدِيَّة من أحد إِلَّا إِذا أهْدى لَهُ البُخَارِيّ فَكَانَ يقبله ويقابل مهديه بأنواع الْإِحْسَان وَجمع من نفائس الْكتب مَالا يعد وَلَا يُحْصى وَمن جملَة مَا وجد فِي خزانَة كتبه ألف نُسْخَة من البُخَارِيّ وَقس عَلَيْهِ الْبَاقِي وَكَانَ مفرط السخاء مبذول الْعَطاء وَأكْثر مَا كَانَ ينْفق مَاله على أسرى الْمُسلمين حكى أَنه أوصى يَوْمًا خُدَّامه أَن يجلبوا لَهُ مَا يَكْفِي كسْوَة سَبْعمِائة نفس من ثوب وقميص وشاش وحزام قاسومة فامتثلوا وَصيته وأحضروا ذَلِك وَلم يدروا السِّرّ فِي ذَلِك فَمَا تمّ جمع مَا طلب إِلَّا وصل الْخَبَر أَن ثَلَاث غلايين من غلايين الفرنج قد انْكَسَرت فِي قرب سَاحل تونس وفيهَا سَبْعمِائة أَسِير من الْمُسلمين فخلصوا جَمِيعًا وأحضروا إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ فألبسهم مَا أعد لَهُم من اللبَاس وَأكْرمهمْ وحياهم وَحكى أَن رجلا من الْجند مر لَيْلَة بِمحل فِي نواحي تونس فَرَأى حجرا عَظِيما قد ارْتَفع وانفتحت تَحْتَهُ مغارة فَرَأى المغارة ملآنة بِالذَّهَب المسكوك فَدَخلَهَا وملأ جيبه وذيله مِنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج رأى الْبَاب قد انسد فَذهب عقله ثمَّ وضع الدَّنَانِير الَّتِي أَخذهَا مَكَانهَا وَتوجه نَحْو الْبَاب فَرَآهُ مَفْتُوحًا فكرر الْأَخْذ وتكرر انسداد الْبَاب فَعِنْدَ ذَلِك قنع بالتفرج وَخرج ثمَّ بعد أَيَّام مر بذلك الْمحل فَرَأى رجلا قد دخل وعبى عبه مَعَه من ذَلِك الذَّهَب وَخرج ثمَّ حمله على بغل كَانَ مَعَه فَسَأَلَهُ العسكري من أَنْت فَقَالَ أَنا خَادِم شيخ الشُّيُوخ أبي الْغَيْث وَهَذِه الخزينة نصِيبه إِذا أَمرنِي بِنَقْل شَيْء مِنْهَا جِئْت فَأرى الْبَاب مَفْتُوحًا فَأدْخل وآخذ مِنْهَا مِقْدَار مَا يُعينهُ لي ثمَّ أخرج وَلَيْسَ لأحد غَيره فِيهَا نصيب وَنقل أَنه كَانَ إِذا قع خِيَانَة فِيهَا من أحد فَفِي الْحَال يَنْقَلِب الذَّهَب فحماً أسود وَاتفقَ لبَعض النَّاس أَنه أبرم على الْخَادِم مرّة فِي تنَاول شَيْء مِنْهَا
стр. 142
فَمَلَأ لَهُ جيبه وذيله فَلَمَّا وصل إِلَى بَيته فَإِذا هُوَ فَحم أسود وَمن كراماته المأثورة عَنهُ أَن شخصا من النَّاس فقد زَوجته من فراشها فتحقق أَن ذَلِك من فعل الْجِنّ فَذهب إِلَى الشَّيْخ وَأخْبرهُ الْخَبَر فَكتب لَهُ قرطاساً وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى تونس العتيقة وأقم ثمَّة حَتَّى إِذا مضى ثلث اللَّيْل يمر بك جند فأعط هَذَا القرطاس لملكهم تنَلْ مطلوبك فَمضى إِلَى الْمَكَان الْمَذْكُور وَقعد ينظر فَلَمَّا صَار نصف اللَّيْل ظهر لَهُ قوم روحانيون فَسَأَلَ عَن ملكهم فَقيل لَهُ هَا هُوَ ذَا فَنَاوَلَهُ القرطاس فَنظر الْملك فِيهِ ثمَّ قَالَ سمعا وَطَاعَة ثمَّ أَمر بإحضار الْمَرْأَة وَسلمهَا لزَوجهَا وَأمره بِأَن يبلغ سَلَامه إِلَى الشَّيْخ وَحكى ابْن نَوْعي قَالَ أَخْبرنِي الْأَمِير عَليّ الْمَعْرُوف ببك زَاده أَنه لما كَانَ أَبوهُ مُتَوَلِّيًا تونس وعزل فِي مُدَّة قَليلَة وابتلى بفقر وفاقة لَا يعبر عَنْهَا بمقال قَالَ وتكدر حَالنَا لأَجله فاتفق أَن جَاءَ الْعِيد وَلَيْسَ مَعَه مَا يُنْفِقهُ وَإِذا بِأحد خدام الشَّيْخ جَاءَ إِلَى أبي بهدية من الشَّيْخ وَهِي مائَة تفاحة وَاعْتذر عَن قلتهَا كل الِاعْتِذَار قَالَ فَأخذ أبي تفاحة وشقها نِصْفَيْنِ فَخرج من وَسطهَا دِينَار فشق الْجَمِيع وَأخرج مَا فِيهَا فَكَانَ مائَة دِينَار فأنفقها وَتوسع بهَا وَله من هَذَا الْقَبِيل كرامات شَتَّى وَبِالْجُمْلَةِ فقد اتّفقت الْكَلِمَة على علو شَأْنه وسمو قدره وَفِيه يَقُول شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا وَقد ورد أحد خلفائه إِلَى الرّوم وَطلب تقريظ إجَازَة أجَازه بهَا الشَّيْخ قدس الله سره
(أَبُو الْغَيْث غيث المستغيثين كلهم ... بهمته نَالَ الورى فك أسرهم)
(فهمته العلياء غيث بِهِ ارتوى ... رياض أَمَان اللائذين بأسرهم)
وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل رَجَب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن فِي زاويته الْمَعْرُوفَة بِهِ وعمره مَا جَاوز الْخمسين بِكَثِير
أَبُو الْفرج بن عبد الرَّحِيم السَّيِّد الشريف الْحُسَيْنِي الْمَعْرُوف بالسمهودي الْمدنِي الْفَاضِل الأديب الْكَامِل كَانَ من فضلاء وقته ونبلاء عصره واشتغل وَحصل وَصَارَ أحد الخطباء والمدرسين بِالْحرم النَّبَوِيّ ونبل وتفوق وَكَانَ بَينه وَبَين شَيخنَا الْعَلامَة إِبْرَاهِيم الخياري الْمدنِي صُحْبَة أكيدة ومحبة قديمَة وَذكره فيرحلته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِالشَّام شَهِيدا فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير ورثاه شَيخنَا الْمَذْكُور بقصيدة طَوِيلَة استحسنت مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَار فأوردته وَذَلِكَ
(أأخي أجب إِنِّي لفقدك واله ... مَعَ أنني للقادحات حمول)
стр. 143
(فقدتك نفس طَال مَا سيرتها ... وَبكى لفقدك صَاحب وخليل)
(وبكاك مِنْبَر جدك السَّامِي الذري ... ولفقدك الْمِحْرَاب مِنْهُ عويل)
(يحْكى حنين الْجذع لما فَاتَهُ ... قرب النَّبِي وساءه التبديل)
أَبُو الْفضل بن مُحَمَّد العقاد الْمَكِّيّ الشَّاعِر ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة وَقَالَ فِيهِ هُوَ وَإِن لقب بالعقاد لكنه حَلَال مشكلات القريض بذهنه الْوَقَّاد سَار مسير الشَّمْس من الْمشرق إِلَى الْمغرب منتجعا سُلْطَانه الْمَنْصُور بِشعرِهِ المطرب فوفد على حَضرته السامية وَورد مناهل كرمه الطامية فصدح بِشعرِهِ شاديا فِي نَادِيه ونال بِهِ مَغَانِم من أياديه وَقد وتفت على خَبره العبقري من كتاب نفح الطّيب للشَّيْخ أَحْمد الْمقري إِذْ قَالَ عِنْد ذكر موشحات أهل الْعَصْر مِنْهَا قَول أحد الوافدين من أهل مَكَّة على عتبَة السُّلْطَان مَوْلَانَا الْمَنْصُور هُوَ رجل يُقَال لَهُ أَبُو الْفضل بن مُحَمَّد العقاد وَهَذَا هُوَ الموشح الَّذِي ذكره مادحا بِهِ الْمَنْصُور
(لَيْت شعري هَل أروي ذَا الظما ... من لمى ذَاك الثغير الألعس)
(وَترى عَيْنَايَ ربات الْحمى ... باهيات بقد ودميس)
(فَلَقَد طَال بعادي والهوى ... ملك الْقلب غراما وَأسر)
(هَذ من ركن اصْطِبَارِي والقوى ... مبدلا أجفان عَيْني بالسهر)
(حِين عز الْوَصْل من وَادي طوى ... هملت أدمع عَيْني كالمطر)
(فعساكم أَن تجودوا كرما ... بلقاكم فِي سَواد الحندس)
(عله يسفى كليما مغرما ... من جراحات الْعُيُون النعس)
(كلما جن ظلام الغسق ... واعتراني من جفاكم قلقي)
(هزني الشوق إِلَيْكُم شغفا ... وتذكرت جيادا والصفا)
(وَتَنَاهَتْ لوعني من حرق ... ثمَّ أغرى الوجد بِي والتلفا)
(فانعموا إِلَيّ ثمَّ جودوا لي بِمَا ... يُطْفِئ الْيَوْم لهيب الْقُدس)
(إِنَّنِي أرْضى رضاكم مغنما ... لبقا نَفسِي ومحيا نَفسِي)
(كنت قبل الْيَوْم فِي زهو وتيه ... مَعَ أحبابي بسلع أَلعَب)
(وَمَعِي ظَبْي بِإِحْدَى وجنتيه ... مشرق الشَّمْس وَأُخْرَى الْمغرب)
(فَرَمَانِي بسهام من يَدَيْهِ ... قاسي الْقلب فقلبي مُتْعب)
(لست أَرْجُو للقاهم سلما ... غير مدحي للْإِمَام إِلَّا رَأس)
стр. 144
(أَحْمد الْمَحْمُود حَقًا من سما ... الشريف ابْن الشريف الأكيس)
وَلم يُورد لَهُ غير ذَلِك وَقد نسج هَذَا الموشح على منوال موشح الْوَزير أبي عبد الله بن الْخَطِيب شَاعِر الأندلس الَّذِي أَوله
(جادك الْغَيْث إِذا الْغَيْث هما ... يَا زمَان الْوَصْل بالأندلس)
وَهُوَ عَارض بِهِ موشحة ابْن سهل الَّتِي مطْلعهَا
(هَل درى ظَبْي الْحمى أَن قد حمى ... قلب صب حلّه عَن مكنس)
وَحكى الْمقري فِي كِتَابه الْمَذْكُور أَنه اجْتمع بالحضرة المنصورية أَبُو الْفضل العقاد الْمَكِّيّ الْمَذْكُور والشريف الْمدنِي وَهُوَ رجل وَافد من أهل المدنية انْتَمَى إِلَى الشّرف وَالشَّيْخ الإِمَام إِمَام الدّين الخليلي الْوَافِد على حَضرته من بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ إِمَام الدّين هَذَا للمنصور يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال شدّ أَهلهَا إِلَيْك الرّحال هَذَا مكي وَذَاكَ مدى وَأَنا مقدسي انْتهى وَكَانَت وَفَاة أبي الْفضل فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ بِالظَّنِّ المقارب لما اسْتُفِيدَ من أَحْوَاله وَالله أعلم رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي الْقَاسِم بن عمر بن عَليّ الأهدل الْوَلِيّ الْمَشْهُور شهر على أَلْسِنَة الْعَالم بقائد الوحوش لِأَن الله تَعَالَى سخرها لَهُ كَرَامَة يسلطها على من أَذَاهُ أَو قطعه عَادَة التزمها بطرِيق النّذر وَنَحْوه وشهرة حَالَة واعتقاده بَين الْعَالم تغني عَن وَصفه وتفصيل سيرته وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الْعشْر بَقينَ من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف فِي المحط من أَعمال رمع وذفن بهَا قبيل طُلُوع الْفجْر قَالَ وَلَده السَّيِّد أَبُو بكر وَلَقَد شاهدنا مِنْهُ فِي حَال احتضاره وغسله مَا يدل على حسن حَاله وفضله واطلعنا لَهُ عقب وَفَاته على مَنَاقِب كَثِيرَة تشهد بِأَنَّهُ كَانَ ذَا ولَايَة كَبِيرَة رَحمَه الله تَعَالَى
أَبُو الْقَاسِم بن الزبير المصباحي المغربي القصري الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم التقى كَانَ جليل الْقدر محافظا على رسوم الشَّرِيعَة مَعَ تغفل فِي دُنْيَاهُ لَا يُنكر من أَحْوَاله شَيْء وَله منازلات ومكاشفات أَخذ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْحسن بن عِيسَى المصباحي من أكَابِر أَصْحَاب القيرواني وَعَن وَلَده أبي مُحَمَّد عِيسَى بن الْحسن وَعَن أبي عبد الله الطَّالِب وَارِث القيرواني وَعنهُ عَالم الْمغرب الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاسي وَكَثِيرًا مَا كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ بِالْقصرِ قبل رحلته إِلَى فاس وَكَانَت وَفَاته فِي مستهل الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف
стр. 145
أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد المغربي السُّوسِي الْمَالِكِي نزيل دمشق ومفتي الْمَالِكِيَّة بهَا كَانَ إِمَامًا بزاوية المغاربة خَارج بَاب الشاغور وَمحل مرقد ولي الله الشَّيْخ مَسْعُود يُقَال أَن الدُّعَاء عِنْد قَبره مستجاب كَانَ يُصَلِّي بهَا الْأَوْقَات الْخَمْسَة وَكَانَ حَافِظًا لقِرَاءَة السَّبع وَالْعشر وَشرح الشاطبية والنشر شرحا لطيفا وَكَانَ لَهُ مكتب يعلم فِيهِ الْأَطْفَال وَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا فتح عَلَيْهِ لشدَّة مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْفَتْح وَكَانَ وحيد عصره فِي الْفتيا بعد مشايخه الْعِظَام بِدِمَشْق كَأبي الْفَتْح الْمَالِكِي وَغَيره وَكَانَ شهما غيورا على الدّين تهابه الْقُضَاة والحكام وغالب أهل دمشق يرجعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمُشَاورَة للأمور وَحدث بالجامع الْأمَوِي فحضره خلق كثير وَأخذ عَلَيْهِ جمَاعَة وانتفعوا بِهِ مِنْهُم الشَّيْخ عَليّ المكتبي وَولده مُحَمَّد الْآتِي ذكرهمَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان أَو تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من ضريح سيدنَا بِلَال الحبشي ﵁
أَبُو اللطف بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن أبي اللطف الحصكفي الأَصْل الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي وَالِد الْعَلامَة السَّيِّد عبد الرَّحِيم مفتي الْحَنَفِيَّة الْآن بالقدس الشريف كَانَ فَقِيها حسن المطارحة وَفِيه لطف طبع ومروءة وَولي إِفْتَاء الشَّافِعِيَّة وتدريس الْمدرسَة الصالحية وَكَانَ ينظم الشّعْر ووقفت لَهُ على تَارِيخ صنعه لكتابة نُسْخَة من ديوَان الرضى فأثبته لَهُ وَهُوَ قَوْله
(خطّ ذَا الدِّيوَان عبد عَاجز ... بِأبي اللطف تسمى ورضى)
(لمن الدِّيوَان أَن تسْأَل وَمَا ... عَام حر رناه أرج للرضى)
وجدد الْأَمِير مصطفى بن بَاقِي بيك فِي جَامع جدة لَا لَا مصطفى باشا بقرية جينين خلْوَة فَقَالَ فِيهَا مؤرخا
(بِجَامِع جينين تجدّد خلْوَة ... بهَا جلوة للواردين ذَوي الصَّفَا)
(بناها ابْن بنت الْبَحْر بَاقِي فأرخوا ... أساس على التَّقْوَى بِنَاء لمصطفى)
وَلما وجهت فَتْوَى الشَّافِعِيَّة عِنْد للسَّيِّد مجمد الْأَشْعَرِيّ سَافر إِلَى الرّوم لتقريرها فَمَاتَ باسكدار وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ عَاشر شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بِالْقربِ من تكية الشَّيْخ مَحْمُود الأسكداري
أَبُو الْمَوَاهِب مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أحد أَوْلَاد الْأُسْتَاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن الْأُسْتَاذ أبي الْحسن وَتَقَدَّمت بَقِيَّة نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه أبي
следующие страницы →