← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يصنع رَأْسا فَبَقيَ متلون الْأَحْوَال ينْتَقل من طور إِلَى طور فَتَارَة يلبس عِمَامَة الْعلمَاء الْكِبَار ولباسهم ويعقد حَلقَة درس يُفِيد فِيهَا الطلاب وَتارَة يسوح فِي الْجبَال عُريَانا مغلوب الْحيرَة فِي زِيّ المجانين إِلَى أَن ترك التلون وَاخْتَارَ السّكُون والتمكن وَأَنْشَأَ جَامعا وخانقاه وتكية واشتهر بِأَنَّهُ مِمَّن ينْفق من الْغَيْب أَو من صَنْعَة الكيميا ثمَّ ترقى بِهِ الْحَال إِلَى أَن أنشأ اثنيها وَثَلَاثِينَ موضعا زَوَايَا ومساجد وجوامع وَبنى مَالا يعد من الْمدَارِس الرفعية والقناطر المنيعة ووقف على كل أثر مِنْهَا أوقافاً عَظِيمَة وَعين للمقيمين والمسافرين نفقات وَكَانَ يبْذل فِي فكاك أسرى الْمُسلمين أَمْوَالًا كَثِيرَة وَكَانَ فِي شهر رَجَب وَشَعْبَان ورمضان يعْقد مَجْلِسا لقِرَاءَة التَّفْسِير وَالْبُخَارِيّ وَكَانَ يمِيل إِلَى تَحْصِيل نسخ مُتعَدِّدَة من البُخَارِيّ وَكَانَ من ملتزماته أَنه لَا يقبل هَدِيَّة من أحد إِلَّا إِذا أهْدى لَهُ البُخَارِيّ فَكَانَ يقبله ويقابل مهديه بأنواع الْإِحْسَان وَجمع من نفائس الْكتب مَالا يعد وَلَا يُحْصى وَمن جملَة مَا وجد فِي خزانَة كتبه ألف نُسْخَة من البُخَارِيّ وَقس عَلَيْهِ الْبَاقِي وَكَانَ مفرط السخاء مبذول الْعَطاء وَأكْثر مَا كَانَ ينْفق مَاله على أسرى الْمُسلمين حكى أَنه أوصى يَوْمًا خُدَّامه أَن يجلبوا لَهُ مَا يَكْفِي كسْوَة سَبْعمِائة نفس من ثوب وقميص وشاش وحزام قاسومة فامتثلوا وَصيته وأحضروا ذَلِك وَلم يدروا السِّرّ فِي ذَلِك فَمَا تمّ جمع مَا طلب إِلَّا وصل الْخَبَر أَن ثَلَاث غلايين من غلايين الفرنج قد انْكَسَرت فِي قرب سَاحل تونس وفيهَا سَبْعمِائة أَسِير من الْمُسلمين فخلصوا جَمِيعًا وأحضروا إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ فألبسهم مَا أعد لَهُم من اللبَاس وَأكْرمهمْ وحياهم وَحكى أَن رجلا من الْجند مر لَيْلَة بِمحل فِي نواحي تونس فَرَأى حجرا عَظِيما قد ارْتَفع وانفتحت تَحْتَهُ مغارة فَرَأى المغارة ملآنة بِالذَّهَب المسكوك فَدَخلَهَا وملأ جيبه وذيله مِنْهَا فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج رأى الْبَاب قد انسد فَذهب عقله ثمَّ وضع الدَّنَانِير الَّتِي أَخذهَا مَكَانهَا وَتوجه نَحْو الْبَاب فَرَآهُ مَفْتُوحًا فكرر الْأَخْذ وتكرر انسداد الْبَاب فَعِنْدَ ذَلِك قنع بالتفرج وَخرج ثمَّ بعد أَيَّام مر بذلك الْمحل فَرَأى رجلا قد دخل وعبى عبه مَعَه من ذَلِك الذَّهَب وَخرج ثمَّ حمله على بغل كَانَ مَعَه فَسَأَلَهُ العسكري من أَنْت فَقَالَ أَنا خَادِم شيخ الشُّيُوخ أبي الْغَيْث وَهَذِه الخزينة نصِيبه إِذا أَمرنِي بِنَقْل شَيْء مِنْهَا جِئْت فَأرى الْبَاب مَفْتُوحًا فَأدْخل وآخذ مِنْهَا مِقْدَار مَا يُعينهُ لي ثمَّ أخرج وَلَيْسَ لأحد غَيره فِيهَا نصيب وَنقل أَنه كَانَ إِذا قع خِيَانَة فِيهَا من أحد فَفِي الْحَال يَنْقَلِب الذَّهَب فحماً أسود وَاتفقَ لبَعض النَّاس أَنه أبرم على الْخَادِم مرّة فِي تنَاول شَيْء مِنْهَا

стр. 142

فَمَلَأ لَهُ جيبه وذيله فَلَمَّا وصل إِلَى بَيته فَإِذا هُوَ فَحم أسود وَمن كراماته المأثورة عَنهُ أَن شخصا من النَّاس فقد زَوجته من فراشها فتحقق أَن ذَلِك من فعل الْجِنّ فَذهب إِلَى الشَّيْخ وَأخْبرهُ الْخَبَر فَكتب لَهُ قرطاساً وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى تونس العتيقة وأقم ثمَّة حَتَّى إِذا مضى ثلث اللَّيْل يمر بك جند فأعط هَذَا القرطاس لملكهم تنَلْ مطلوبك فَمضى إِلَى الْمَكَان الْمَذْكُور وَقعد ينظر فَلَمَّا صَار نصف اللَّيْل ظهر لَهُ قوم روحانيون فَسَأَلَ عَن ملكهم فَقيل لَهُ هَا هُوَ ذَا فَنَاوَلَهُ القرطاس فَنظر الْملك فِيهِ ثمَّ قَالَ سمعا وَطَاعَة ثمَّ أَمر بإحضار الْمَرْأَة وَسلمهَا لزَوجهَا وَأمره بِأَن يبلغ سَلَامه إِلَى الشَّيْخ وَحكى ابْن نَوْعي قَالَ أَخْبرنِي الْأَمِير عَليّ الْمَعْرُوف ببك زَاده أَنه لما كَانَ أَبوهُ مُتَوَلِّيًا تونس وعزل فِي مُدَّة قَليلَة وابتلى بفقر وفاقة لَا يعبر عَنْهَا بمقال قَالَ وتكدر حَالنَا لأَجله فاتفق أَن جَاءَ الْعِيد وَلَيْسَ مَعَه مَا يُنْفِقهُ وَإِذا بِأحد خدام الشَّيْخ جَاءَ إِلَى أبي بهدية من الشَّيْخ وَهِي مائَة تفاحة وَاعْتذر عَن قلتهَا كل الِاعْتِذَار قَالَ فَأخذ أبي تفاحة وشقها نِصْفَيْنِ فَخرج من وَسطهَا دِينَار فشق الْجَمِيع وَأخرج مَا فِيهَا فَكَانَ مائَة دِينَار فأنفقها وَتوسع بهَا وَله من هَذَا الْقَبِيل كرامات شَتَّى وَبِالْجُمْلَةِ فقد اتّفقت الْكَلِمَة على علو شَأْنه وسمو قدره وَفِيه يَقُول شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا وَقد ورد أحد خلفائه إِلَى الرّوم وَطلب تقريظ إجَازَة أجَازه بهَا الشَّيْخ قدس الله سره (أَبُو الْغَيْث غيث المستغيثين كلهم ... بهمته نَالَ الورى فك أسرهم) (فهمته العلياء غيث بِهِ ارتوى ... رياض أَمَان اللائذين بأسرهم) وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَائِل رَجَب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن فِي زاويته الْمَعْرُوفَة بِهِ وعمره مَا جَاوز الْخمسين بِكَثِير أَبُو الْفرج بن عبد الرَّحِيم السَّيِّد الشريف الْحُسَيْنِي الْمَعْرُوف بالسمهودي الْمدنِي الْفَاضِل الأديب الْكَامِل كَانَ من فضلاء وقته ونبلاء عصره واشتغل وَحصل وَصَارَ أحد الخطباء والمدرسين بِالْحرم النَّبَوِيّ ونبل وتفوق وَكَانَ بَينه وَبَين شَيخنَا الْعَلامَة إِبْرَاهِيم الخياري الْمدنِي صُحْبَة أكيدة ومحبة قديمَة وَذكره فيرحلته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِالشَّام شَهِيدا فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير ورثاه شَيخنَا الْمَذْكُور بقصيدة طَوِيلَة استحسنت مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَار فأوردته وَذَلِكَ (أأخي أجب إِنِّي لفقدك واله ... مَعَ أنني للقادحات حمول)

стр. 143

(فقدتك نفس طَال مَا سيرتها ... وَبكى لفقدك صَاحب وخليل) (وبكاك مِنْبَر جدك السَّامِي الذري ... ولفقدك الْمِحْرَاب مِنْهُ عويل) (يحْكى حنين الْجذع لما فَاتَهُ ... قرب النَّبِي وساءه التبديل) أَبُو الْفضل بن مُحَمَّد العقاد الْمَكِّيّ الشَّاعِر ذكره السَّيِّد عَليّ بن مَعْصُوم فِي السلافة وَقَالَ فِيهِ هُوَ وَإِن لقب بالعقاد لكنه حَلَال مشكلات القريض بذهنه الْوَقَّاد سَار مسير الشَّمْس من الْمشرق إِلَى الْمغرب منتجعا سُلْطَانه الْمَنْصُور بِشعرِهِ المطرب فوفد على حَضرته السامية وَورد مناهل كرمه الطامية فصدح بِشعرِهِ شاديا فِي نَادِيه ونال بِهِ مَغَانِم من أياديه وَقد وتفت على خَبره العبقري من كتاب نفح الطّيب للشَّيْخ أَحْمد الْمقري إِذْ قَالَ عِنْد ذكر موشحات أهل الْعَصْر مِنْهَا قَول أحد الوافدين من أهل مَكَّة على عتبَة السُّلْطَان مَوْلَانَا الْمَنْصُور هُوَ رجل يُقَال لَهُ أَبُو الْفضل بن مُحَمَّد العقاد وَهَذَا هُوَ الموشح الَّذِي ذكره مادحا بِهِ الْمَنْصُور (لَيْت شعري هَل أروي ذَا الظما ... من لمى ذَاك الثغير الألعس) (وَترى عَيْنَايَ ربات الْحمى ... باهيات بقد ودميس) (فَلَقَد طَال بعادي والهوى ... ملك الْقلب غراما وَأسر) (هَذ من ركن اصْطِبَارِي والقوى ... مبدلا أجفان عَيْني بالسهر) (حِين عز الْوَصْل من وَادي طوى ... هملت أدمع عَيْني كالمطر) (فعساكم أَن تجودوا كرما ... بلقاكم فِي سَواد الحندس) (عله يسفى كليما مغرما ... من جراحات الْعُيُون النعس) (كلما جن ظلام الغسق ... واعتراني من جفاكم قلقي) (هزني الشوق إِلَيْكُم شغفا ... وتذكرت جيادا والصفا) (وَتَنَاهَتْ لوعني من حرق ... ثمَّ أغرى الوجد بِي والتلفا) (فانعموا إِلَيّ ثمَّ جودوا لي بِمَا ... يُطْفِئ الْيَوْم لهيب الْقُدس) (إِنَّنِي أرْضى رضاكم مغنما ... لبقا نَفسِي ومحيا نَفسِي) (كنت قبل الْيَوْم فِي زهو وتيه ... مَعَ أحبابي بسلع أَلعَب) (وَمَعِي ظَبْي بِإِحْدَى وجنتيه ... مشرق الشَّمْس وَأُخْرَى الْمغرب) (فَرَمَانِي بسهام من يَدَيْهِ ... قاسي الْقلب فقلبي مُتْعب) (لست أَرْجُو للقاهم سلما ... غير مدحي للْإِمَام إِلَّا رَأس)

стр. 144

(أَحْمد الْمَحْمُود حَقًا من سما ... الشريف ابْن الشريف الأكيس) وَلم يُورد لَهُ غير ذَلِك وَقد نسج هَذَا الموشح على منوال موشح الْوَزير أبي عبد الله بن الْخَطِيب شَاعِر الأندلس الَّذِي أَوله (جادك الْغَيْث إِذا الْغَيْث هما ... يَا زمَان الْوَصْل بالأندلس) وَهُوَ عَارض بِهِ موشحة ابْن سهل الَّتِي مطْلعهَا (هَل درى ظَبْي الْحمى أَن قد حمى ... قلب صب حلّه عَن مكنس) وَحكى الْمقري فِي كِتَابه الْمَذْكُور أَنه اجْتمع بالحضرة المنصورية أَبُو الْفضل العقاد الْمَكِّيّ الْمَذْكُور والشريف الْمدنِي وَهُوَ رجل وَافد من أهل المدنية انْتَمَى إِلَى الشّرف وَالشَّيْخ الإِمَام إِمَام الدّين الخليلي الْوَافِد على حَضرته من بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ إِمَام الدّين هَذَا للمنصور يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الَّتِي تشد إِلَيْهَا الرّحال شدّ أَهلهَا إِلَيْك الرّحال هَذَا مكي وَذَاكَ مدى وَأَنا مقدسي انْتهى وَكَانَت وَفَاة أبي الْفضل فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ بِالظَّنِّ المقارب لما اسْتُفِيدَ من أَحْوَاله وَالله أعلم رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي الْقَاسِم بن عمر بن عَليّ الأهدل الْوَلِيّ الْمَشْهُور شهر على أَلْسِنَة الْعَالم بقائد الوحوش لِأَن الله تَعَالَى سخرها لَهُ كَرَامَة يسلطها على من أَذَاهُ أَو قطعه عَادَة التزمها بطرِيق النّذر وَنَحْوه وشهرة حَالَة واعتقاده بَين الْعَالم تغني عَن وَصفه وتفصيل سيرته وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الثُّلَاثَاء الْعشْر بَقينَ من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف فِي المحط من أَعمال رمع وذفن بهَا قبيل طُلُوع الْفجْر قَالَ وَلَده السَّيِّد أَبُو بكر وَلَقَد شاهدنا مِنْهُ فِي حَال احتضاره وغسله مَا يدل على حسن حَاله وفضله واطلعنا لَهُ عقب وَفَاته على مَنَاقِب كَثِيرَة تشهد بِأَنَّهُ كَانَ ذَا ولَايَة كَبِيرَة رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْقَاسِم بن الزبير المصباحي المغربي القصري الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم التقى كَانَ جليل الْقدر محافظا على رسوم الشَّرِيعَة مَعَ تغفل فِي دُنْيَاهُ لَا يُنكر من أَحْوَاله شَيْء وَله منازلات ومكاشفات أَخذ عَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الْحسن بن عِيسَى المصباحي من أكَابِر أَصْحَاب القيرواني وَعَن وَلَده أبي مُحَمَّد عِيسَى بن الْحسن وَعَن أبي عبد الله الطَّالِب وَارِث القيرواني وَعنهُ عَالم الْمغرب الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاسي وَكَثِيرًا مَا كَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ بِالْقصرِ قبل رحلته إِلَى فاس وَكَانَت وَفَاته فِي مستهل الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف

стр. 145

أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد المغربي السُّوسِي الْمَالِكِي نزيل دمشق ومفتي الْمَالِكِيَّة بهَا كَانَ إِمَامًا بزاوية المغاربة خَارج بَاب الشاغور وَمحل مرقد ولي الله الشَّيْخ مَسْعُود يُقَال أَن الدُّعَاء عِنْد قَبره مستجاب كَانَ يُصَلِّي بهَا الْأَوْقَات الْخَمْسَة وَكَانَ حَافِظًا لقِرَاءَة السَّبع وَالْعشر وَشرح الشاطبية والنشر شرحا لطيفا وَكَانَ لَهُ مكتب يعلم فِيهِ الْأَطْفَال وَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا فتح عَلَيْهِ لشدَّة مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْفَتْح وَكَانَ وحيد عصره فِي الْفتيا بعد مشايخه الْعِظَام بِدِمَشْق كَأبي الْفَتْح الْمَالِكِي وَغَيره وَكَانَ شهما غيورا على الدّين تهابه الْقُضَاة والحكام وغالب أهل دمشق يرجعُونَ إِلَيْهِ فِي الْمُشَاورَة للأمور وَحدث بالجامع الْأمَوِي فحضره خلق كثير وَأخذ عَلَيْهِ جمَاعَة وانتفعوا بِهِ مِنْهُم الشَّيْخ عَليّ المكتبي وَولده مُحَمَّد الْآتِي ذكرهمَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان أَو تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير بِالْقربِ من ضريح سيدنَا بِلَال الحبشي ﵁ أَبُو اللطف بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن أبي اللطف الحصكفي الأَصْل الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي وَالِد الْعَلامَة السَّيِّد عبد الرَّحِيم مفتي الْحَنَفِيَّة الْآن بالقدس الشريف كَانَ فَقِيها حسن المطارحة وَفِيه لطف طبع ومروءة وَولي إِفْتَاء الشَّافِعِيَّة وتدريس الْمدرسَة الصالحية وَكَانَ ينظم الشّعْر ووقفت لَهُ على تَارِيخ صنعه لكتابة نُسْخَة من ديوَان الرضى فأثبته لَهُ وَهُوَ قَوْله (خطّ ذَا الدِّيوَان عبد عَاجز ... بِأبي اللطف تسمى ورضى) (لمن الدِّيوَان أَن تسْأَل وَمَا ... عَام حر رناه أرج للرضى) وجدد الْأَمِير مصطفى بن بَاقِي بيك فِي جَامع جدة لَا لَا مصطفى باشا بقرية جينين خلْوَة فَقَالَ فِيهَا مؤرخا (بِجَامِع جينين تجدّد خلْوَة ... بهَا جلوة للواردين ذَوي الصَّفَا) (بناها ابْن بنت الْبَحْر بَاقِي فأرخوا ... أساس على التَّقْوَى بِنَاء لمصطفى) وَلما وجهت فَتْوَى الشَّافِعِيَّة عِنْد للسَّيِّد مجمد الْأَشْعَرِيّ سَافر إِلَى الرّوم لتقريرها فَمَاتَ باسكدار وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ عَاشر شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف وَدفن بِالْقربِ من تكية الشَّيْخ مَحْمُود الأسكداري أَبُو الْمَوَاهِب مُحَمَّد بن عَليّ الْبكْرِيّ الصديقي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي أحد أَوْلَاد الْأُسْتَاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن الْأُسْتَاذ أبي الْحسن وَتَقَدَّمت بَقِيَّة نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه أبي

стр. 146

السرُور وَسَيَأْتِي من بَيتهمْ جمَاعَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَبُو الْمَوَاهِب هَذَا ولد فِي حَيَاة أَبِيه وَنَشَأ فِي عزة وافيه ونعمة ضافية وَكَانَ فِي بداية أمره مائلا إِلَى الخلاعة وَكَانَت مجالسه مشحونة بأنواع الطَّرب من المسمعين وصنوف الملاهي وَكَانَ لما مَاتَ وَالِده جرى بَينه وَبَين اخوته منافسات وَأُمُور تسكب عِنْدهَا العبرات حَتَّى اسْتَقر الْأَمر لزين العابدين إِلَى أَن وَقع قبله وَكَانَ أَبُو السرُور مَاتَ قبله فَسَمت الرُّتْبَة إِلَى أبي الْمَوَاهِب وَهُوَ كَمَا قَالَ الشهَاب الخفاجي فِي وَصفه مسك الختام وفذلكة أُولَئِكَ الْأَعْلَام فَظهر بمظهر أسلافه من الْفَضَائِل والمعارف وتصدر للتدريس وإملاء التَّفْسِير وَكَانَ بَينه وَبَين الشَّيْخ عَليّ صَاحب السِّيرَة مَوَدَّة أكيدة وباسمه ألف السِّيرَة وَوَصفه بِذِي البداهة المطاوعة والفضائل البارعة والفواضل الْكَثِيرَة النافعة من إِذا سُئِلَ عَن أَي معضلة أشكلت على ذَوي الْمعرفَة وَالْوُقُوف لَا نرَاهُ يتَوَقَّف وَلَا يخرج عَن صَوَاب الصَّوَاب وَلَا يتعسف وَلَا أخبر فِي كثير من الْأَوْقَات عَن شَيْء من المغيبات وَكَاد أَن يتَخَلَّف ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَة الْمَشْرُوطَة لَا علم عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة تلقاها عَن وَالِد زَوجته الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ شَارِح الْمِنْهَاج وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله ديوَان يشْتَمل على دقائق ورقائق فَمِنْهُ قَوْله من أَبْيَات (قطعت قلبِي فِي الْهوى أفلاذا ... من سيف جفنك فاتك فولاذا) (رفقا بصب فِي الغرام موله ... بجمالكي يَا منيتي قد لاذا) (عجبا لقلبك لَا يرق كصخرة ... والجسم لينًا لَا يُطيق اللاذا) وَمِنْه قَوْله من أَبْيَات (نَفسِي الْفِدَاء لورد خُذ عندمى ... قانيه يروي فِي الصبابة من دمي) (يَا ربربا حَاز الْجمال بأسره ... يَا من بِهِ زَاد الغرام تألمي) (إِنِّي لأرضى كل مَا ترْضى بِهِ ... يَا روح جثماني علمت وَإِن لم) وَمِنْه من أَبْيَات (ناعس الجفن مَا إِلَيْهِ وُصُول ... بجفون بهَا عَليّ يصول) (أسمر الْقد أببض الْوَجْه ظَبْي ... ذُو جمال والطرف مِنْهُ كحيل) (غُصْن بَان يمِيل تيهاً وعجباً ... فعساه مَعَ الْهَوَاء يمِيل) وَمِنْه قَوْله فِي التبغ ومضمنا (هَات اسْقِنِي التبغ إِن تبغي الصَّفَا سحرًا ... حَتَّى أخدر مِنْهُ وهوا غشاء) (واستحل أنوار شمع من يَدي رشأ ... قد زانه قامة بالْحسنِ هيفاء)

стр. 147

(بدر غَدا كَوْكَب الإسعاد فِي يَده ... طَوْعًا لَهُ فَهُوَ ماضي الْأَمر نهاء) (سَاق لنا قلبه قَاس وَكَيف دنا ... من لين عطفيه والأضداد أَعدَاء) (لَعَلَّ نَار أسى بالبعد قد وقدت ... يَوْمًا يكون لَهَا بِالْقربِ إطفاء) (فاملأ كؤس رحيق كالحريق فقد ... أغتنك إِذْ وصفت ياللطف صهباء) (ودع ملام طَبِيب عابها سفها ... وداوني بِالَّتِي كَانَت هِيَ الدَّاء) وَكتب إِلَى الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن المرشدي مفتي مَكَّة المشرفة فِي صدر كتاب (أروم الصَّفَا والقرب من جيرة الْمَسْعَى ... وَأَجْعَل أجفاني لَا قدامهم مسعى) (فَنَار الغضى فِي مهجتي وأضالعي ... هِيَ المنحنى وَالْعين أرْسلت الدمعا) (أَلا يَا حمام الأيك هيجت لوعتي ... إِلَى جَانب الجرعا وَمن حل بالجرعا) (بلَى وعَلى أفق السَّمَاء محلهَا ... أحن إِلَيْهَا وَالَّذِي أخرج المرعى) (وفيهَا إِمَام عَالم عَامل على ... تقى نقى أتقن الأَصْل والفرعا) (ذخيرة أهل الْعلم كنز أولى التقى ... لَهُ يَا إِلَه الْخلق فِي نعْمَة فارعا) (فَمَا هُوَ إِلَّا مرشد وَابْن مرشد ... بِهِ رَبنَا للنَّاس قد أوجد النفعا) (فيا عَابِد الرَّحْمَن يَا خير سيد ... بإتقانه وَالله قد أحكم الشرعا) (يراعك علم النَّحْو أصبح متقنا ... فَلَا عجب أَن يعْمل الْخَفْض والرفعا) (وَوَاللَّه شوقي زَائِد ومضاعف ... وحبي لكم بَين الورى لم يزل طبعا) (بَقِيتُمْ مَعَ النجل الْكَرِيم بغبطة ... وَلَا بَرحت كل الْوُفُود لكم تسْعَى) (ويحفظ رب الْعَالمين كريمكم ... لكم رَبنَا الرَّحْمَن من فَضله يرْعَى) (بجاه رَسُول الله أفضل مُرْسل ... ترى الْأسد فِي الغابات من خَوفه صرعى) (عَلَيْهِ صَلَاة الله ثمَّ سَلَامه ... وَأَصْحَابه والآل أجمعهم جمعا) وَبعدهَا نثر مِنْهُ الْإِخْلَاص فِيمَا بَيْننَا فاتحه الْكتاب وإختصاص أشهر النَّاس من فلق الصُّبْح الظَّاهِر لأولي الْأَلْبَاب فوالعصر إِنَّك مفرده وسعده ومضده وسيده تبت يدا أعداك فهم الْكَافِرُونَ للنعم وويل لكل فِي موقف الحشرة من التغابن عِنْد زلَّة الْقدَم تبَارك الَّذِي جعلك الْإِنْسَان الْكَامِل وَأظْهر لَك الْبناء الَّذِي خليت بِهِ من عُمُوم الْعَامِل وخصوص أَبنَاء طه وَيس فِي صُدُور المحافل واختارك للطالبين مرشدا وَأَنت الْمُسْتَعَان المستغاث فِي حَالَة الندا أهديك تحيات إعرابها مَبْنِيّ على الضَّم وَالْجمع وتسليمات تحرّك سواكن الأشواق وَتطلق هوامع الدمع كَيفَ لَا

стр. 148

وَأَنت الْمولى الَّذِي لم يتَّخذ الْقلب عَن عطفك بَدَلا وَأصْبح تأسيس تَأْكِيد الْحبّ الصَّادِق عنْدك يجتلي أبقال الله راقياً فِي معارج مدارج الْمجد ومناهج مباهج السعد ومروضاً روض الْأَبَد بوابل فَضله وجامعاً فِي البلاغة كل شكل إِلَى شكله مَعَ عمر مديد يطاول الْأَدَب ومنح تستغرق الأمد فِي عزة تقاصر عَنْهَا مقاصير الْعلمَاء ومجد تطامن لَهُ رُؤْس العظماء وَعلم نسيق القنا مشحوذ القواضب وَفهم تحيط بِهِ فَوق فرق السهى معاقد الْمجد ومقاعد الْمَرَاتِب حَيْثُ تخفق بنود الْعُلُوم وتقذف أنوار الفهوم ويتضح الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم وينفخ إسْرَافيل اللَّوْح الالهي فِي أصوار الْأَسْرَار أَرْوَاح الإلهام وَيَتْلُو جِبْرِيل التَّنْزِيل على الْأَعْلَام فِي ذَلِك الْمقَام آيَات الْأَعْلَام فيأيها الْبَحْر الَّذِي ملك زِمَام البلاغة وانقادت بِيَدِهِ أزمة البراعة المشحون بالمعقول وَالْمَنْقُول والمفتي الَّذِي فَتَاوَاهُ جَامِعَة للفروع وَالْأُصُول والفصيح الَّذِي سد على ذَوي الفصاحة الطّرق وَجَاء بِالنَّجْمِ مصفداً من الْأُفق والفرد الَّذِي لم تَبْرَح شمايل أخلاقه العاطرة تتأرج وعقائل أَوْصَافه الفاخرة تتبرج وصل إِلَى كتابكُمْ المرقوم ودر خطابكم المنظوم الَّذِي هُوَ نور النبراس ومدارك الْحَواس وَلَذَّة السّمع ومقلة الدمع أَو نفحة الند أَو صبا نجد أَو نسيم السحر أَو بُلُوغ الوطر أَو عُقُود الْآل أَو السحر الْحَلَال جمع لمنشيه فنون الْأَوَائِل والأواخر حلى الأجياد بقلائد العقيان والجواهر وَأورد لَهُ الخفاجي قَوْله فِي مليح اسْمه عبد النَّبِي (عبد النَّبِي قاتلي ... بِعَيْنِه وحاجبه) (وَاعجَبا لعَبْدِهِ ... يقتل نجل صَاحبه) قَالَ الخفاجي قَوْله بِعَيْنِه وحاجبه هَذَا من اسْتِعْمَال الْمُحدثين فيوهم أَن الْعين فِيهِ بِمَعْنى الْجَارِحَة وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى الذَّات يُقَال فِي التوكيد جَاءَنِي فلَان نَفسه وعينه وبنفسه وبعينه فيراد بِعَيْنِه ذَاته وَمن الأول قَول الْبَدْر الدماميني (بدا وَقد كَانَ اختفى ... وَخَافَ من مراقبه) (فَقلت هَذَا قاتلي ... بِعَيْنِه وحاجبه) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة السبت سَابِع عشر شَوَّال سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن صَبِيحَة الْأَحَد بتربة آبَائِهِ بالقرافة وَكَانَ ابْتِدَاء مَرضه من سَابِع عشر شعْبَان بِمَرَض الصرع رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْوَفَاء بن عمر بن عبد الْوَهَّاب ابْن إِبْرَاهِيم بن مَحْمُود بن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد

стр. 149

ابْن الْحُسَيْن الشَّافِعِي الْحلَبِي العرضي مفتي الشَّافِعِيَّة بحلب وَابْن مفتيها وَأحد أَعْيَان الْعلمَاء فِي الْمعرفَة والاتقان وَالْحِفْظ والضبط وَكَانَ إِمَامًا عَالما خيرا متواضعاً حسن السمت لطيف تأدية الْكَلَام واعظاً إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي التفهم وجودة الأسلوب روى الْعُلُوم النقلية والعقلية عَن وَالِده وَلزِمَ الْعَلامَة أَبَا الْجُود البتروني وَغَيره من الشُّيُوخ واستجاز كثيرا وتصدر للإقراء مُدَّة حَيَاته فِي دَار الْقُرْآن الحبشية المنسوبة إِلَى أبي العشائر المطل شباكها على الْجَامِع الْكَبِير بحلب وَله شعر حسن ونثر بارع واعتنى بِجمع تَارِيخ سَمَّاهُ معادن الذَّهَب فِي الْأَعْيَان المشرفة بهم حلب رَأَيْت مِنْهُ قِطْعَة ونقلت مِنْهَا بعض تراجم لزمني ذكرهَا وَله رسائل كَثِيرَة وتآليف مِنْهَا كتاب طَرِيق الْهدى فِي التصوف وَشرح على ألفية ابْن مَالك وحاشية على شرح الْمِفْتَاح للسَّيِّد وحاشية عَليّ الْبَيْضَاوِيّ وحاشية على شرح الْمِنْهَاج للمحلي وَشرح البديعيات وَشرح سُورَة الضُّحَى على لِسَان الْقَوْم وَله لامية تضاهي لامية الْعَجم ومطلعها قَوْله (جلالة الْفضل تَنْفِي زلَّة الرجل ... وذلة الْجَهْل توهي صولة البطل) مِنْهَا (وَاضْرِبْ على الْعقل أسوار مُحصنَة ... تقيك فتْنَة أَحْدَاث أولى حيل) (وَلَا يروقك مَاء احسن قطره ... نَار الْحيَاء على الْخَدين كالشعل) (وَلَا حلاوة ثغر حشوه دُرَر ... فكامن السم الْعَسَّال وَالْعَسَل) وَذكره البديعي فِي ذكرى حبيب وَقَالَ فِي وَصفه عَالم الشَّهْبَاء وَابْن عالمها وَمن شدّ بالفضائل دعائم معالمها وَهُوَ فِي الزّهْد كأويس وَعُرْوَة وللسادة الصُّوفِيَّة قدوه وَنعم بِهِ من قدوه اشْتغل بالتصنيف والتدريس والافتاء على مَذْهَب الإِمَام مُحَمَّد ابْن إِدْرِيس وَهُوَ الْآن لناظرها بصر وَلنَا ضرها نور وثمر يعظ النَّاس فِي كل يَوْم جُمُعَة بعد صَلَاة الْعَصْر بزواجر لَو استقضى بهَا أهل الضلال لما كَانَ مضل فِي الْعَصْر وَله أَخْلَاق تخلقت مِنْهَا نسمات الأسحار وسجايا تنسمت عَنْهَا نفحات الأزهار وَقد حوى زِمَام مَكَارِم الْأَخْلَاق من طارف وَتَلِيدُ فَأصْبح مصداق قَول أبي عبَادَة الْوَلِيد (شجو حساده وغيظ عداهُ ... أَن يرى مبصر وَيسمع واعي) ثمَّ ذكر لَهُ طرفا من النثر وَأورد لَهُ شَيْئا من الشّعْر فَمن ذَلِك قَوْله (عودا لأرالك قَالَ خوف حَاسِد ... لما ارتوى من رشف ثغر عابق) (إِن الَّذِي قد شاقني من ثغرها ... ذكر العذيب والنقا وبارق)

стр. 150

وَمثله لِلشِّهَابِ بن تمراس (أَقُول لمسواك الحبيب لَك الهنا ... برشف فَم مَا ناله ثغر عاشق) (فَقَالَ وَفِي أحشائه حرق النَّوَى ... مقَالَة صب للديار مفارق) (تذكرت أوطاني فقلبي كَمَا ترى ... أعلله بَين العذيب وبارق) وَله أَيْضا (سَأَلتك يَا عود الأراكة أَن تعد ... إِلَى ثغر من أَهْوى فَقبله مشفقا) (ورد من ثناياه العذيب فمنهلا ... تسلسل مَا بَين الأبيرق والنقا) وَقَوله (أسر النَّاس باللحاظ حبيب ... كل مضني بسجنه مَحْبُوس) (فَكَانَ الْقُلُوب منا حَدِيد ... وعيون الحبيب مغناطيس) وَيقرب مِنْهُ قَول بَعضهم (مغنطيس الْخَال فِي خَدّه ... يجذب بِالسحرِ حَدِيد الْعُيُون) وَمِنْه (نصب الْحمام لقوتي شرك الردى ... فِي غرَّة وأنابه لَا أعلم) (فطفقت ألقط حَبَّة الأمل الَّذِي ... راودته والشيب منى يبسم) فِيهِ شمة من قَول أبي تَمام (وَلَا يروعك إيماض المشيب بِهِ ... فَإِن ذَاك ابتسام الرَّأْي وَالْأَدب) وَمِنْه فِيمَن دق على يدبه بالزرقة (الْبَدْر حِين حكى ضِيَاء جَبينه ... فاحمر من غضب على هفواته) (شفق وَمن جِهَة الْيَمين سماؤه ... فأرتك زرقتها على حَافَّاته) وَأنْشد لَهُ الخفاجي قَوْله (بورد الخدر ريحَان مُحِيط ... وتركي حبه لَا أَسْتَطِيع) (وَقلت النَّفس خضرًا يَا عذولي ... كَمَا قد قيل والزمن الرّبيع) قَالَ وَهَذَا مثل عَامي يَقُولُونَ النَّفس خضراء تشْتَهي كل شَيْء وَقَوْلهمْ تشْتَهي إِلَى آخِره جملَة مفسرة لخضراء وَكَانَ أَصله مَا ورد فِي الحَدِيث أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي أَجْوَاف طيور خضر ترتع فِي الْجنَّة انْتهى والأصوب أَن يُقَال أَن أَصله ثَلَاثَة تذْهب عَنْك الْحزن المَاء والخضرة وَالْوَجْه الْحسن وَمعنى أَن النَّفس خضراء أَي تميل إِلَى الخضرة بالطبع وَمن لطائفه فِي حق رجل يدعى منصورا رذيل الْمَرْء مَا نَهَضَ بِهِ حَظه الْحر مقهور والعلق مَنْصُور وَذكره الْحسن البوريني فِي تَارِيخه وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر أَنه اجْتمع بِهِ فِي مُنْصَرفه إِلَى حلب فِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف

стр. 151

وَذكر قصيدة كتب بهَا أَبُو الْوَفَاء إِلَيْهِ مطْلعهَا قَوْله (شموس العلى من فَوق مجدك تشرق ... وغصن النقى من فيض فضلك يورق) فَأَجَابَهُ عَنْهَا بقصيدة مطْلعهَا (فؤاد بِأَسْبَاب الْهوى يتَعَلَّق ... ودمع لَهُ رسم على الخد مُطلق) والقصيدتان فِي غَايَة الطول فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى إيرادهما وظفرت لَهُ بقصيدة قَالَهَا مادحاً بهَا السَّيِّد أَحْمد النَّقِيب استحسنتها أوردتها وَهِي (من النَّوَى من مجيري ... يَا رَحْمَة المستجير) (وَالصَّبْر جد ارتحالا ... على نياق الْمسير) (يَوْم الْوَدَاع أضاعوا ... حشاشتي من ضميري) (يَا لَيْت شعري فُؤَادِي ... هَل سَار لَا بشعوري) (يقفو حداة المطايا ... فِي ظعنهم كالأسير) (رفقا بقلب كوته ... أَيدي النَّوَى بسعير) (والجسم كلت قواه ... من حادثات الدهور) (وهدربع التسلي ... مغيب أنس الْحُضُور) (قديم حكم قضته ... حوادث التَّقْدِير) (والشوق يغلو ضراماً ... بدمع جفن مطير) (أجْرى عقيق دموعي ... جد أَولا كالبحور) (نهرت سَائل جفني ... عَن نوء دمع غزير) (فَفَاضَ مَاء عيوني ... وفاض كالتنور) (غوثاه من ذَا التنائي ... من شَره المستطير) (وَمن فِرَاق مثير ... للوعة وزفير) (من حَاكم فِي فُؤَادِي ... يعثو عَلَيْهِ بجور) (وارحمه لمشوق ... إِلَى التداني فَقير) (يهزه كل برق ... ايماضه كالثغور) (إِن فاح نشر الخزامى ... أوضاع عرف العبير) (يكسو الرياض فتجلى ... فِي نورها والنور) (يهيج كامن وجد ... بَين الحشا وَالضَّمِير)

стр. 152

(يذكر الصب عَيْشًا ... صفا الصفاء النمير) (أَوْقَات أنس أَضَاءَت ... كالبدر فِي الديجور) (نجني ثمار الْمعَانِي ... من روض مجد نضير) (والمشكلات علينا ... تجلى بِغَيْر ستور) (ندير رَاح الخفايا ... على سَرِير السرُور) (وَحَيْثُ غَابَ غزال ... الْحمى وَأنس الْحُضُور) (مولَايَ أَحْمد تَاج ... الْعلَا وَصدر الصُّدُور) (كشاف مُشكل بحث ... بِرَأْيهِ المستنير) (السَّابِق الْقَوْم فهما ... فِي حومة التَّقْرِير) (أقلامه فِي جِدَال ... تطول بالتحرير) (فذ بتوأم فضل ... بالنظم والمنثور) (قد فاق كل لَبِيب ... وعالم نحرير) (يَا مُفردا فِي ... جَمِيع الْعُلُوم لَا بنظير) (لَهُ بلاغة سحبان ... بل نظام جرير) (آدابه فِي انسجام ... تفوق وشى الْحَرِير) (مدى الزَّمَان سلامي ... مَعَ الدُّعَاء الْكثير) (يهدي إِلَيْك ويبدو ... فِي طيه المنشور) (خلوص حب صفا من ... شوائب التكدير) (سلساله العذب يَحْكِي ... معتقات الْخُمُور) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ المسفر صباحها عَن عيد الْأَضْحَى من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي فِي الْيَوْم الرَّابِع من الْمحرم سنة إِحْدَى وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْوَفَاء بن مُحَمَّد بن عمر السَّعْدِيّ الْحلَبِي الشَّافِعِي الْمَشْهُور بِابْن خَليفَة الزكي ذكره أَبُو الْوَفَاء العرضي الْمَذْكُور قبله فِي تَارِيخ الْمَعَادِن وَقَالَ فِيهِ من أَعْيَان الْمَشَايِخ السعدية المنسوبين فِي الْخلَافَة إِلَى الشَّيْخ سعد الدّين الجباوي خَلفه وَالِده الشَّيْخ مُحَمَّد وَخلف الشَّيْخ مُحَمَّد وَالِده الشَّيْخ عمر المدفونان فِي زاويتهم خَارج بَاب النَّصْر أما وَالِده الشَّيْخ مُحَمَّد فَلَقَد كَانَ فَاضلا كَامِلا صَالحا صَاحب كرامات كَانَ رجل يُقَال لَهُ

стр. 153

عبد الرَّحْمَن بن الصّلاح ذَا ثروة وَمَال وَعَلِيهِ هَيْبَة ووقار وَكَانَ يدْخل فِي حَلقَة ذكر أبي الْوَفَاء بَين أَقوام وعوام غالبهم فلاحون وَبَعض جماعات من ذَوي الهيئات فَقلت مَا السَّبَب أَنكُمْ تدخلون إِلَى حَلقَة الذّكر مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فَقَالَ كنت شَابًّا وَاقِفًا أنظر إِلَى فُقَرَاء وَالِد الشَّيْخ وفا وَهُوَ الشَّيْخ مُحَمَّد وَأَنا فِي ضميري أستهزىء بِالذكر لأَنهم يَقُولُونَ مَا لَا يفهم مَعْنَاهُ فَقلت فِي ضميري مَا مُرَادهم بقَوْلهمْ هام هام فَخرج الشَّيْخ من الْحلقَة وَفرق الازدحام وجذبني من ثِيَابِي وَقَالَ نقُول الله الله فَوَقَعت مغشياً عَليّ ثمَّ لم أزل على اعْتِقَادهم وَكَانَ فِي بني دِرْهَم وَنصف رجل من الْفُضَلَاء يُقَال لَهُ المنلا يستهزىء بهم ويحقرهم فَأَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخ مُحَمَّد تأدب تأدب فَوَقع مصروعاً فوقعوا على الشَّيْخ واستمروا مُدَّة طَوِيلَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ حَتَّى صفح وَعَفا وتواتر على الْمَذْكُور الشفا كل ذَلِك ببركة الشَّيْخ مُحَمَّد وَكَانَ لَهُ خطّ حسن حَتَّى ألف كتابا اسْمه المحمدية ذكر فِيهِ مواعظ وكرامات الْأَوْلِيَاء واستطرد إِلَى ذكر الشَّيْخ سعد الدّين الجباوي وَهُوَ أستاذه وَكَذَلِكَ صنف مجَالِس وعظ تشْتَمل على آيَات قرآنية وَأَحَادِيث نبوية وَمَعَان مهذبة ومسائل مرتبَة وَكَذَلِكَ وَالِده الشَّيْخ عمر ألف كتابا سَمَّاهُ العمرية ذكر فِيهِ مَنَاقِب الشَّيْخ سعد الدّين وَله حَلقَة ذكر فِي الْجَامِع الْكَبِير بحلب يَوْم الْجُمُعَة فِيهَا مائَة رجل وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يلبس الْعِمَامَة الْكَبِيرَة الخضراء وَالثيَاب المتسعة الأكمام الطَّوِيلَة الأذيال وَقد لبسوا الْأَخْضَر قبيل الْألف بِمدَّة قَليلَة أثبتوا أنسابهم بِوَاسِطَة الْحُسَيْن وَكَانَ من عَادَة الْأَشْرَاف يربون لَهُم الشُّعُور فِي رَأْسهمْ وَكتب لَهُم نسب ومحضر شهد لَهُم بِالنّسَبِ غَالب الْأَعْيَان بحلب وَلما مَاتَ وَالِده كَانَ شَابًّا لَهُ حِدة مزاج فَكَانَ بعض الْأَعْيَان بِبَاب النَّصْر تشاجر مَعَه فَذهب إِلَى دمشق وَأخْبر الشَّيْخ سعد الدّين وَالِد الشَّيْخ مُحَمَّد وَكَانَ الْمَذْكُور مجذوباً لَا يتمهل فِي الْأُمُور فَذكر لَهُ أَن الشَّيْخ أَبَا الوفا كَانَ مَعَ بعض نسَاء أجانب فَقبض عَلَيْهِ حَاكم الْبَلدة وَأخذ مِنْهُ مَالا لَيْلًا وَأَنه لَا يَلِيق بالخلافة وَعِنْدنَا رجل صَالح عَالم يُقَال لَهُ الشَّيْخ عبد الرَّحِيم اجْعَلْهُ خَليفَة واعزل الشَّيْخ أَبَا الوفا واكتب للاعيان مكاتيب بعزله فَكتب للشَّيْخ عبد الرَّحِيم أَنِّي جعلتك خَليفَة وعزلت أَبُو الوفا وَكتب للْقَاضِي بذلك وَأَن يمْنَع أَبَا الوفا من الذّكر مَعَ الْفُقَرَاء فَأحْضرهُ القَاضِي وَأظْهر لَهُ الْمَكْتُوب فَقَالَ أَنا لست بخليفة لَهُ وَإِنَّمَا أخذت الْخلَافَة عَن وَالِدي ووالدي عَن وَالِده ثمَّ ورد مَكْتُوب من الشَّيْخ سعد الدّين إِلَى المريدين والنقباء أَن من تبع أَبَا الوفا فَهُوَ

стр. 154

مطرود من طريقتي وَمن تبع الشَّيْخ عبد الرَّحِيم فَهُوَ مَقْبُول عِنْد الله وَعِنْدِي وَمَعَ ذَلِك استمرت الْفُقَرَاء غَالِبا عِنْده ثمَّ بعد مُدَّة توجه أَبُو الوفا بِهَدَايَا إِلَى الشَّيْخ سعد الدّين وَمَعَهُ الْفُقَرَاء المريدون فسبقه الشَّيْخ مَسْعُود أَخُو الشَّيْخ عبد الرَّحِيم وَقَالَ للشَّيْخ سعد الدّين إِن خلفت أَبَا الوفا يخْتل أمرنَا فَقَالَ لَا أخلفه فجَاء أَبُو الوفا فَأكْرمه الشَّيْخ سعد الدّين ثمَّ قَالَ لَهُ جِئْت تطلب الْخلَافَة فَقَالَ أَنا خَليفَة وَالِدي عَن وَالِده عَن جده عَن أجدادكم وَجئْت لتأدية حقكم فَحسب فَإِن أذنتم فِيهَا وَإِلَّا فقد فعلت مالكم من الاحترام وَلم يبرم ثمَّ رَجَعَ إِلَى حلب واستمرت حَلقَة ذكره قَائِمَة لَكِن حَلقَة الشَّيْخ عبد الرَّحِيم كثرت جدا بِسَبَب السخاء وبذل الْقرى وَكَانَت حَلقَة الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بِبَاب الْمَقْصُورَة ملاصقة حَلقَة الشَّيْخ أبي الوفا بِحَيْثُ يلتحمون وَلَا شَيْء حاجز بَينهم وَكَانَ يَقع بَينهم من الْفِتَن والاثارات والشتم أَشْيَاء كَثِيرَة إِلَى أَن مقت النَّاس الْفَرِيقَيْنِ فَلَمَّا قدم الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ سعد الدّين إِلَى حلب ألزم الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بالتحول إِلَى الْمِحْرَاب الْأَصْغَر حَتَّى انطفت تِلْكَ النيرَان وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد أَخطَأ وَالِدي فِي تَفْرِيق الْكَلِمَة بَينهم وَكَانَ أَبُو الوفا تولى مدرسة الفردوس وَتَوَلَّى نقابة طرابلس وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِع الزكي وَأما مَاله وَولي مدرسة البيرامية وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشرَة بعد الْألف وَدفن فِي نفس زاويتهم وَقد قَارب الْخمسين أَبُو الوفا بن مَعْرُوف الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي الخلوتي الطَّرِيقَة ذكره الشَّيْخ عمر العرضي وَالِد أبي الْوَفَاء الْمُتَقَدّم ذكره فِي تَارِيخ أَلفه وَذكر فِيهِ عُلَمَاء اجْتمع بهم وَأخذ عَنْهُم أَو صحبهم وقفت عَلَيْهِ وجردت مِنْهُ تراجم أنَاس مِنْهُم أَبُو الوفا فَقَالَ فِي تَرْجَمته صاحبنا الْفَاضِل الزَّاهِد قَرَأَ بحماة على الشَّيْخ أبي بكر اليمني الزَّاهِد فِي الْفِقْه ثمَّ لما مَاتَ الشَّيْخ أَبُو بكر هَاجر الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء إِلَى مصر فَقَرَأَ على فضلائها كالرملي الصَّغِير وَالشَّيْخ حمدَان وَأخذ الحَدِيث عَن النَّجْم الغيطي والعربية عَن الشهَاب ابْن قَاسم والشنواني ثمَّ قدم حماه بِفضل وافر فَلبس الْخِرْقَة الخلوتية من شَيخنَا الشَّيْخ أَحْمد بن الشَّيْخ عبدو القصيري وَهَاجَر إِلَى قريته الْقصير وَدخل الْخلْوَة وتهذب وتزكت نَفسه ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده فَركب مَنَابِر الْوَعْظ ونصح وَأطَال اللِّسَان وأعتقده النَّاس سِيمَا فِي أَوَاخِر عمره فَإِنَّهُ أَسْفر عَن أَخْلَاق مرضية وتلمذ لَهُ جمَاعَة من فضلائها وَصَارَ شيخها وقدوتها وحمده النَّاس وَقدم علينا حلب مَرَّات فِي أغلبها يبادرنا بالزيارة وَلَو أَنه تربص لسعينا لَهُ وزرته وَمَا لحُصُول بركته

стр. 155

وَالِانْتِفَاع بِثَوَاب زيارته قَالَ أَبُو الْوَفَاء العرضي ابْن الْمَذْكُور فِي تَرْجَمَة صَاحب التَّرْجَمَة أَنه دخل إِلَى الْقَاهِرَة بِإِذن من شَيْخه الشَّيْخ أَحْمد القصيري وَحكى أَنه نزل فِي مصر عِنْد الْأُسْتَاذ أبي الْحسن الْبكْرِيّ وَالِد الاستاذ مُحَمَّد قَالَ فَقَرَأت عَلَيْهِ بعض كتب من بعض عُلُوم فَلَمَّا وجدني على أسلوب الصَّالِحين من مُلَازمَة الأوراد وَالْقِيَام على قدم التَّهَجُّد طلب مني أَن يتخذني مرِيدا لَهُ ويعطيني الْعَهْد فَكنت أتغافل فَإِنِّي لمزيد اعتقادي فِي الشَّيْخ أَحْمد مَا أردْت أَن أعتاض عَنهُ بِغَيْرِهِ وراودني فِي ذَلِك مَرَّات قَالَ فَبينا أَنا فِي الْحُجْرَة لَيْلًا وَإِذا بالشيخ أبي الْحسن أقبل عَليّ وَعَلِيهِ قنباز من جوخ أَحْمَر وعَلى رَأسه عِمَامَة صَغِيرَة منامية فَجَلَسَ وَبسط يَده إِلَيّ وَقَالَ هَات يدك حَتَّى أُبَايِعك على طريقتنا الشاذلية فَسكت وَإِذا بالجدار انْشَقَّ وَخرج مِنْهُ شَيخنَا الشَّيْخ أَحْمد فَقَالَ للشَّيْخ أبي الْحسن لَا تتعرض لمريدي قَالَ هَذَا مريدي فَوَقَعت بَينهمَا المشاجرة وَإِذا بِهِ نظر إِلَى الْبكْرِيّ نظرة هائلة خرج من عينه خيط نَار وصلت إِلَى الْبكْرِيّ فتباعد عني وَإِذا بِرَجُل آخر أصلح بَينهمَا وَقَرَأَ الْفَاتِحَة لَهما فَسَأَلت هُنَاكَ وَاحِدًا من هَذَا الَّذِي أصلح بَينهمَا فَقيل لي إِنَّه الْخضر ﵇ وَفِي صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم تَوَجَّهت من مصر قَاصِدا بِلَاد الْقصير خوفًا من الشَّيْخ أبي الْحسن وَمن الرِّجَال فَلم أزل على قدم السّفر حَتَّى وصلت إِلَى الشَّيْخ أَحْمد وَهُوَ حَيّ فَقبلت يَدَيْهِ فَضَحِك وَقَالَ سلسلتنا إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا تَنْقَطِع قَالَ العرضي وعَلى مَا قيل كَانَ الشَّيْخ أَبُو الوفا الْمَذْكُور ينْفق من الْغَيْب كَانَ خادمه يَسْتَوْفِي لَهُ أجور حوانيته نَحْو الْأَرْبَعَة عشر قِطْعَة يَضَعهَا تَحت الْجلد وَلَا يزَال ينْفق مِنْهَا وَهِي بَاقِيَة بِعَينهَا وَرُبمَا خرج فِي الْيَوْم نَحْو القرش وَكَانَ لَهُ نظم مَقْبُول مِنْهُ قَوْله (كل من فِي الْحمى ينادم سلمى ... غير أَنِّي لهجرها لَا تسل مَا) (فاعذروا هائماً عليلاً سقيماً ... وارحوا العاشق الَّذِي مَاتَ غما) (لَا مني عاذلي بصبري عَلَيْهِم ... مَا أُنَاسًا مَعَ العاذل مهما) (مذ تجلى الحبيب زَاد سقامي ... وَدَعَانِي لحانة الْأنس لما) (قَالَ مَا أسمى فَقلت الله رَبِّي ... طَابَ شربي عِنْد اللقا بِالْمُسَمّى) ثمَّ قَالَ عجبا يتجلى المحبوب فتنكشف الكروف فَكيف يزْدَاد السقام وتتضاعف الآلام اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تكون فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ كَمَا قَالَ

стр. 156

(صَارَت جبالي دكاً من هَيْبَة المتجلي ... ) (فصرت مُوسَى زماني ... مذ صَار بعضى كلي) أَو لَعَلَّ النُّسْخَة زَالَ بِاللَّامِ وَكَانَت وَفَاته عَن سنّ يزِيد على الثَّمَانِينَ فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف بحماة قلت وَهَذَا وَالِد الشَّيْخ الْمَعْرُوف وَكَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور زوج أُخْت جدى القَاضِي محب الدّين وَكَانَ عَالما فَاضلا على طَريقَة وَالِده خلوتيا وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة تُوجد فِي أَيدي النَّاس ويغلب عَلَيْهَا الصِّحَّة أَبُو الْهدى العليمي الْقُدسِي الْوَلِيّ الصَّالح قطب وقته ذكره النَّجْم فِي ذيله وَأحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ كثيرا وَهُوَ من ذُرِّيَّة الْوَلِيّ الشهير سَيِّدي عَليّ بن عليم قدس الله سره قَالَ النَّجْم أَخْبرنِي صاحبنا أَحْمد بن الْمُغيرَة وَهُوَ ثِقَة وَشهد جنَازَته بِبَيْت الْمُقَدّس أَنه مَاتَ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن شعْبَان سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَلم يتَأَخَّر عَن جنَازَته أحد من أهل الْقُدس رَحمَه الله تَعَالَى أَبُو الْيمن بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَهُوَ وَالِد إِبْرَاهِيم البتروني الْحلَبِي الْمُقدم ذكره وَقد ذكرنَا تَتِمَّة نسبه هُنَاكَ فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره هُنَا وَكَانَ أَبُو الْيمن هَذَا مفتي الخنفية بحلب بعد أَخِيه أَبُو الْجُود الْمَار ذكره وَكَانَ فَاضلا فَقِيها متواضعا حسن الْخلق جواد ممدوحا نَشأ فِي الْجد وَالِاجْتِهَاد وَقَرَأَ وَأخذ عَن عُلَمَاء عصره ودرس بِالْمَدْرَسَةِ العادلية وأفنى مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ لَهُ شَأْن رفيع وَلأَهل حلب عَلَيْهِ إقبال زَائِد لِسَلَامَةِ طبعه وتودده وكرم أخلاقه وَدخل دمشق حَاجا فِي سنة أَربع بعد الْألف فصادف قبولا وافر وَأكْرم نزله جدي القَاضِي محب الدّين لسابق مَوَدَّة بَينه وَبَين أَخِيه أَبُو الْجُود وَذكره البديعي فِي ذكري حبيب وَقَالَ أَدْرَكته وَقد خلق عمره وانطوى عيشه وَبلغ سَاحل الْحَيَاة ووقف على ثنية الْوَدَاع وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا أنفاس معدوده وحركات محدودة وَمُدَّة قانية وعدة متناهية وَهُوَ بَحر علم وطود حلم وَاحِد الْآفَاق فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق وَمن لطائفه قَوْله فِي مَكْتُوب أرْسلهُ إِلَى شيخ الْإِسْلَام صنع الله بن جَعْفَر مفتي التخت السلطاني عِنْد ذكر اسْمه صنع الله الَّذِي أتقن كل شَيْء وَمَا كتبه فِي صدر كتاب إِلَى الْمولى فيض الله قَاضِي العساكر الرومية قَوْله (لتهن الْعلَا إِذْ صرت حَقًا لَهَا بدار ... وزين عقد الْفضل مِنْك لَهَا النحرا) (فحمدا لَك اللَّهُمَّ قد سعد الورى ... وَصَارَ بفيض الله نهر الندى بحرا) وَمن شعره قَوْله فِي مجْرى اسْمه عبد اللَّطِيف

стр. 157

(عبد اللَّطِيف للطفه ... سبق الَّذِي جاراه) (فَكَأَنَّهُ ريح الصِّبَا ... يحيي الْقُلُوب سراء) وَقَوله فِي الْغَزل مضمنا (وَبِي رشأ أحوى إِذا مَاس فِي الربى ... وهز قواما مِنْهُ تحتجب القضب) (علقت بِهِ حَتَّى هَلَكت صبَابَة ... وَمن ذَا يرى هَذَا الْجمال وَلَا يصبو) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف وَبلغ من الْعُمر ثَمَانِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد نظام الدّين بن إِبْرَاهِيم بن سَلام الله بن عماد الدّين مَسْعُود بن صدر الدّين مُحَمَّد بن غياث الدّين مَنْصُور الشِّيرَازِيّ الحسني أحد أكَابِر الْمُحَقِّقين وأجلاء المدققين كَانَ يلقب بسُلْطَان الْحُكَمَاء وَسيد الْعلمَاء وَكَانَت لَهُ بالعجم شهرة عَظِيمَة ومكانة جسيمة ومؤلفات كَثِيرَة مِنْهَا إِثْبَات الْوَاجِب وَهُوَ ثَلَاث نسخ كَبِير وصغير ومتوسط وَغير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خمس عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي أَخُوهُ الْأَمِير نصير الدّين سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَكَانَا يشبهان بالشريفين الرضى والمرتضى رحمهمَا الله تَعَالَى أَحْمد بن إِبْرَاهِيم المنعوت شهَاب الدّين الصديقي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي النقشبندي الْمَعْرُوف بِابْن عَلان وتكملة نسبه إِلَى الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَذْكُورَة فِي أَبْيَات لَهُ وَهِي قَوْله (أيا سائلي عَن نسبتي كَيفَ حَالهَا ... جدودي إِلَى الصّديق عشرُون فاعدد) (خَلِيل وعلان وَعبد مليكهم ... عَليّ عَليّ ذُو النَّعيم المؤبد) (مبارك شاه حاوي الْمجد بعده ... أَبُو بكر الْمَحْمُود نجل مُحَمَّد) (ووالده قد جَاءَ يكنى باسمه ... فطاهر حنون الَّذِي هُوَ مهتدي) (وعلان ثَان جَاءَ وَهُوَ حسينهم ... عفيف أَتَى فيهم وَيُونُس ذواليد) (ويوسف إِسْحَاق وَعمْرَان قد أَتَى ... وَزيد بِهِ كل الْخَلَائق تقتدي) (وَمن بعده حاوي الفخار مُحَمَّد ... وَالِده الصّديق ذخري ومنجدي) وَكَانَ الشهَاب الْمَذْكُور أَمَام التصوف فِي زَمَانه وَهُوَ من الْعلم فِي الْمرتبَة السامية أَخذ عَن الشَّيْخ تَاج الدّين النقشبندي وانتفع بِهِ خلق كثير وَله التآليف الجمة مِنْهَا شرح قصيدة السودي الَّتِي أَولهَا (لَيْسَ عِنْد الْخلق من خبر ... ) وقصيدة ابْن بنت

стр. 158

الميلق (من ذاق طعم شراب الْقَوْم يدريه ... ) وَشرح (مَا لَذَّة الْعَيْش إِلَّا صُحْبَة الفقرا ... ) وَشرح رِسَالَة الشَّيْخ أرسلان الَّتِي أَولهَا (كلك شرك خَفِي ... ) وَشرح حكم أبي مَدين شرحاً مُفِيدا وَشرح قصيدة الشهرزوري الَّتِي مطْلعهَا (لمعت نارهم وَقد عسعس اللَّيْل ... ومل الْحَادِي وحار الدَّلِيل) وَله رِسَالَة فِي طَرِيق السَّادة النقشبندية جمع فِيهَا الْآدَاب واللوازم وَذكر فِيهَا جماعات من مَشَايِخ الطَّرِيق بَدَأَ بشيخه الشَّيْخ تَاج الدّين وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ من الْعلمَاء الفحول وَكَانَت وَفَاته فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بالمعلاة بِالْقربِ من قبر أم الْمُؤمنِينَ السيدة خَدِيجَة أَحْمد بن أبراهيم الْمَعْرُوف بِابْن تَاج الدّين الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي التاجي كَانَ أحد صُدُور الشَّام وَمن كملائها الْمَشْهُورين بِحسن المصاحبة ولطف البداهة وَكَانَ وجيهاً صَاحب إقدام فِي الْأُمُور وَله معرفَة باللغة التركية وَكَانَ بِيَدِهِ وقف أجداده بني تَاج الدّين وَهَذَا الْوَقْف من الْأَوْقَاف الْكَبِيرَة بِدِمَشْق وَكَانَ شَرِيكا لخاله شيخ شُيُوخ الشَّام عبد الْقَادِر بن سُلَيْمَان فِي خدمَة مَزَار حَضْرَة الشَّيْخ أرسلان وَكَانَت بَينهمَا نِصْفَيْنِ وسافر إِلَى الرّوم ولازم على قاعدتهم ودرس ثمَّ صَار قَاضِيا بالركب الشَّامي فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَعَاد إِلَى الرّوم وَصَارَ قَاضِيا بفوة فِي إقليم مصر وَبعد مَا عزل مِنْهَا توجه إِلَى الرّوم ثَالِث مرّة فِي رَجَب سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وَترك طَرِيق الْقَضَاء وأبدله بالتدريس وَولي تدريس الْمدرسَة الأحمدية بالمشهد الشَّرْقِي بِجَامِع بني أُميَّة الْمَعْرُوفَة بدار الحَدِيث الَّتِي كَانَ جددها أَحْمد باشا الْحَافِظ أَيَّام حكومته بِالشَّام وَكَانَت وجهت إِلَيْهِ برتبة الْخَارِج ثمَّ أعطي رُتْبَة الدَّاخِل وَأخذ الْمدرسَة العذراوية عَن عَالم دمشق وخطبها أَحْمد بن يحيى البهنسي الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلم يتَصَرَّف بهَا وقررت على البهنسي لكَون أَخذهَا لم يُصَادف محلا وناب فِي قَضَاء دمشق عَن قَاضِي الْقُضَاة أبي السُّعُود الشعراني الْمُقدم ذكره وأثرى فِي آخر عمره وتصدر وَكَثُرت حَوَاشِيه وعَلى كل حَال فَهُوَ مَعْدُود من الصُّدُور وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة سبع بعد الْألف وَتُوفِّي فِي سَابِع شعْبَان سنة سِتِّينَ وَألف وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ القلجية تَحت قدمي بانيها الْأَمِير سيف الدّين قلج الأصفلا رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن أبي بكر بن عبد الله بن ابي بكر بن علوي بن عبد الله بن علوي بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم جد الْجمال مُحَمَّد الشلي وَالِد وَالِده أَبُو بكر الْمُقدم ذكره حفيد

стр. 159

الْجمال فِي تَارِيخه الْمُسَمّى نفائس الدُّرَر فِي أَشْرَاف الْقرن الْحَادِي عشر وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن واشتغل وَصَحب من أكَابِر عصره كثيرين وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الإِمَام أَحْمد بن علوي باجحدر وَالشَّيْخ شهَاب الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن السقاف وَأدْركَ الْمُحدث الْكَبِير مُحَمَّد بن عَليّ خرد صَاحب الْغرَر وأخاه القَاضِي أَحْمد شرِيف وَحج وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة وَلبس خرقَة التصوف من وَالِده وَغَيره وَكَانَ كثير السُّؤَال عَمَّا يَقع لَهُ من أُمُور الدّين من الأشكال وافر التَّحَرِّي فِي أُمُور الْعِبَادَة كثير المداومة على عمل الْبر والاوراد والأذكار وَكَثْرَة الْقيام والتلاوة وَأخذ عَنهُ جمع كَثِيرُونَ مِنْهُم ابْنه أَبُو بكر وَالشَّيْخ عبد الله بن سهل بَافضل وَآخَرُونَ وَكَانَ عَالما بالفقه وأصوله لَكِن غلب عَلَيْهِ علم التصوف والاشتغال بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله وَكَانَ كثير الْخَوْف والبكاء وأثنت عَلَيْهِ مشايخه وأكابر عصره وَكَانَ زاهداً فِي الدُّنْيَا قانعاً مِنْهَا بالكفاف وَظَهَرت مِنْهُ كرامات مِنْهَا أَن السَّيِّد الْجَلِيل عمر بن أَحْمد مقرّ لما حفر بئره الْمَشْهُور تَحت تريم اعترضت دون المَاء صَخْرَة عَظِيمَة فتعب لذَلِك فَلَمَّا علم صَاحب التَّرْجَمَة بِأَنَّهُ قصد بهَا وَجه الله وَأَن فِيهَا نفعا للْمُسلمين كتب فِي حِجَارَة صَغِيرَة وَرمى بهَا على تِلْكَ الصَّخْرَة الْكَبِيرَة فانهارت كالتراب ونبع المَاء وَمِنْهَا أَنه لما سَافر إِلَى الْحَج فِي طَرِيق الشط حصل للركب الَّذِي هُوَ فِيهِ عَطش شَدِيد وَمحل المَاء بعيد عَنْهُم فَأخذ قربَة وتوارى فِي جبل صَغِير وَرجع والقربة مَمْلُوءَة مَاء فراتاً وَكَانَ يُقَال أَنه يعلم الِاسْم الْأَعْظَم وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة أَربع بعد الْألف وَدفن بمقبرة زنبل بِقرب قبر وَالِده وجده رَحِمهم الله تَعَالَى أَحْمد بن أبي بكر النَّسَفِيّ الخزرجي الْمَالِكِي الشهير بقعود الإِمَام البارع الْكَبِير الماهر فِي كثير أَنا الْفُنُون كَانَ أحد الْعلمَاء الْمَشَاهِير بِمصْر حسن النّظم والنثر أَخذ عَن النَّجْم الغيطي والناصر اللَّقَّانِيّ وَمن فِي طبقتهما وَألف مؤلفات كَثِيرَة نظماً ونثراً مِنْهَا منظومة فِي النَّحْو ومنظومة فِي الزخافات والعلل العروضية وَتَذْكِرَة جمع فِيهَا من لقِيه من الشُّيُوخ وَمن عاصره وَكَثِيرًا من نظمه البديع وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْعلمَاء وانتفعوا بِهِ مِنْهُم وَلَده أَبُو بكر والشهاب أَحْمد الخفاجي وَذكره فِي كِتَابه فَقَالَ فِي وَصفه بليغ سحب ذيل بلاغته على سحبان وَروض أدب فِي كل ورقة خطها بُسْتَان أَلْفَاظه أرق من دمع السَّحَاب وأطرب من كأس

стр. 160

يضْحك بالحباب سطور شعره قضب عَلَيْهَا من قوافيه حمام وعصره وَأَن تَأَخّر لمدام الْأَدَب مسك ختام أَن ورى فالكلمات النباتية لحيائها ذَات توارى أوزف أبكار أفكاره فالكنس لشبها جواري وَهُوَ من أَعْيَان مر فضلا وأدبا وَمِمَّنْ مَال لرقته كل نسيم وصبا وَله مَكَارِم أَخْلَاق تُؤثر مآثر الْجُود فِي الْآفَاق كَمَا قَالَ فِيهِ تِلْمِيذه يحى الْأصيلِيّ (لله در شهَاب الدّين مرتقيا ... فِي الْجُود وَالنّسب السَّامِي على السّلف) (من رام سعى تقى أَو منتقى نسب ... قَالَت فضائله فِي ذَا وَذَا ستفي) وَمَعَ كَون طبعه يهزأ بالشمال والشمول أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب فاعتكف فِي زَوَايَا الخمول وَمن شعره قَوْله (يَا صَاحِبي اتركا معنى ... أَو فاعذلاه وعارضاه) (فاتطيقان رشد غاو ... بِمَا يلاقي وعي رِضَاهُ) (سبي حشاه وَالْعقل مِنْهُ ... عينا غزال وعارضاه) (يَا جمع من صيروا التصابي ... فِي الْحسن عارا بالعارضا هوا) وَقَوله (لي حبيب من هِجْرَة زَاد كسْرَى ... وسلوى هَوَاهُ أقبح ذَنْب) (جَاءَنِي دَاعيا وَقَالَ ائْتِ إِنِّي ... أولم الْيَوْم قلت قلب الْمُحب) وَقَوله من قصيدة (تفت فُؤَادك الْأَيَّام فتا ... وتنحت جسمك السَّاعَات نحتا) (وتدعوك الْمنون دُعَاء صدق ... أَلا يَا صَاح أَنْت أُرِيد أنتا) وَمِنْهَا فِي الْعلم (وكنز لَا تخَاف عَلَيْهِ نهبا ... خَفِيف الْحمل يُوجد حَيْثُ كنتا) (ستجني من ثمار الْجَهْل شوكا ... وتصغر فِي الْعُيُون وَإِن كبرتا) وَقَوله (هم بابنة البن فقد ودها ... للطفهارب الحجى والدها) (مذ سادت العنبر لونا شدا ... لَا تدعني إِلَّا بيا عَبدهَا) وللقيراطي مضمنا (فِي خد من أحببته شامة ... مَا الند فِي نكهته ندها) (والعنبر ارطب غَدا قَائِلا ... لَا تدعني إِلَّا بياعبدها) وَهُوَ تضمين لقَوْل الشَّاعِر

стр. 161

(لَا تدعني إِلَّا بياعبدها ... فَإِنَّهُ أشرف أسمائي) يُشِير إِلَى شرف مقَام الْعُبُودِيَّة وَلذَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ وَمثله قَول الآخر (وَمِمَّا زادني شرفا وتيها ... وكدت باخمصي أَطَأ الثريا) (دخولى تَحت قولاك ياعبادي ... وجعلك خير خلقك لي نَبيا) انْتهى مَا أوردهُ لَهُ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع بعد الْألف وَسبب شهرته بقعود أَنه حج صُحْبَة الْأُسْتَاذ مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ فأركبه الشَّيْخ قعُودا كَانَ هُوَ يركبه لأجل الْمَنَام فِي الطَّرِيق فاتفق لما وصلا إِلَى الْمَدِينَة بعد تَمام الْحَج أَن الْجمال جاءها وأخبرهما أَن الْقعُود مَاتَ فَاغْتَمَّ صَاحب التَّرْجَمَة حِينَئِذٍ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ لَا تغتم نركبك أحسن مِنْهُ فَلم يفده فَذهب وَهُوَ متغير الْحَال إِلَى النَّبِي وَذكر ذَلِك تجاه الضريح وَإِذا بالجمال رَجَعَ مُتَعَجِّبا إِلَى الشَّيْخ يُخبرهُ أَن الْقعُود حَيّ فاشتهر من ذَلِك الْخَبَر بقعود هَكَذَا رَأَيْته بِخَط بعض المصريين أَحْمد بن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن اليمني من الكمل الْمَشْهُورين ولد بقرية عينان وَنَشَأ بهَا واشتغل على أَبِيه ثمَّ أمره أَبوهُ بِالسَّفرِ إِلَى تريم لزيارة من فِيهَا وللأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد بن علوي وَكَذَا إخوانه أَمرهم أبوهم أَبُو بكر بِالْأَخْذِ عَن بني علوي وَسُئِلَ عَنْهُم فَأثْنى عَلَيْهِم خيرا وَقَالَ أزهدهم أَحْمد وَحج أَحْمد مرَّتَيْنِ وَلَقي جمَاعَة من العارفين وَلزِمَ الطَّاعَة وَدخل بندر عدن لزيارة أبي بكر وَمن بِهِ من بني العيدروس ثمَّ قصد زِيَارَة الشَّيْخ أَحْمد ابْن عمر العيدروس إِلَى دَاره فَخرج الشَّيْخ أَحْمد للقائه وَلما رأى كل مِنْهُم صَاحبه وقف تِلْقَاء وَلم يكن بَينهمَا مصاحبة وَلم يكلم أحد مِنْهُمَا صَاحبه وَلما سُئِلَ صَاحب التَّرْجَمَة عَن ذَلِك قَالَ حَال بَيْننَا نور منعنَا أَن نتكلم بِلِسَان الْمقَال وَرجع كل مِنْهُمَا إِلَى مَحَله ورحل صَاحب التَّرْجَمَة من عدن إِلَى بندر الشحر فَأَقَامَ بِهِ وطار صيته وقصده النَّاس من كل مَكَان وَعم نَفعه وَظهر لَهُ كرامات وخوارق مِنْهَا أَنه لما دخل مَكَّة أَتَى لزيارة الشريف إِدْرِيس بن حسن بن أبي نمى فَقَالَ لَهُ ستلى أَمر الْحجاز بعد أَخِيك أَبى طَالب وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَمِنْهَا مَا أخبر بِهِ الشَّيْخ الْعَارِف مُحَمَّد بن علوي أَن الشَّيْخ أَبَا بكر الشهير بقعود الْمصْرِيّ حصل بَينه وَبَين صَاحب التَّرْجَمَة محبَّة شَدِيدَة وَلما خرج من مَكَّة خرج قعُود مَعَه للموادعة وَلما رَجَعَ فقد خَاتمه وَكَانَ فِيهِ وفْق عَظِيم وَكَانَ لَهُ

стр. 162

معرفَة تَامَّة بِعلم اوقاف والأسماء كَمَا تقدم فتعب لفقده تعباً شَدِيدا ونام تِلْكَ اللَّيْلَة فِي غَايَة التَّعَب لذَلِك فَرَأى صَاحب التَّرْجَمَة فِي نَومه وَهُوَ يَقُول لَهُ تعبت لأجل الْخَاتم هَذَا خاتمك وَألبسهُ إِيَّاه فَلَمَّا أصبح وجد الْخَاتم فِي يَده ففرح فَرحا شَدِيدا وَمِنْهَا أَن بعض آل كثير قتل قَاتل أَبِيه وَخَافَ من السُّلْطَان عمر بن بدر أَن يقْتله بِهِ فَاسْتَجَارَ بِصَاحِب التَّرْجَمَة فَأمر السُّلْطَان عمر بِإِخْرَاجِهِ من دَار الشَّيْخ فهجم الْعَسْكَر الدَّار وفتشوا جَمِيع الْمنَازل فَلم يظفروا بِهِ ثمَّ أخرجه لَيْلًا والعسكر مُحِيطَة بِالدَّار وَلأَهل حَضرمَوْت والشحر وَالِد وَعَن السواحل ومقدشوه فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم ويأتون بالنذور الْكَثِيرَة إِلَيْهِ وَظهر لكثيرين مِنْهُ كرامات كَثِيرَة وانتفع بِصُحْبَتِهِ جم غفير ولبسوا مِنْهُ الْخِرْقَة وَكَانَ ملْجأ للوافدين وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشْرين وَألف ببندر الشحر وازدحم الْخلق على جنَازَته رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن أبي بكر بن أَحْمد بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي بكر بن علوي بن عبد الله ابْن عَليّ بن عبد الله بن علوي بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْأَجَل الْمَعْرُوف بالشلي وَهُوَ أَخُو مُحَمَّد الْجمال صَاحب التَّارِيخ وَأحد مشايخه ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن على الْمعلم الْكَبِير مُحَمَّد باعيشه وجوده عَلَيْهِ وَحفظ الجزرية والعقيدة الغزالية وَالْأَرْبَعِينَ النووية والاجرومية وَأكْثر الْإِرْشَاد وورقات الْأُصُول وقطر الندى لِابْنِ هِشَام وَأخذ عَن وَالِده وتفقه بالعلامة مُحَمَّد الْهَادِي بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَالْقَاضِي الْأَجَل أَحْمد بن حُسَيْن وَأخذ عَن الشَّيْخ أبي بكر وأخيه شهَاب الدّين ابْني عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين الْأَصْلَيْنِ وَغَيرهمَا من عُلُوم الدّين وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله باهارون وَالشَّيْخ زين العابدين العيدروس وأخيه عبد الرَّحْمَن السقاف بن مُحَمَّد العيدروس والفقيه فضل وَالشَّيْخ أَحْمد بَافضل الشهير بالسودي وَأخذ عَن غَيرهم مِمَّن يطول ذكرهم وبرع فِي الْفِقْه والْحَدِيث والعربية وَأَجَازَهُ غير وَاحِد من مشايخه وَألبسهُ الْخِرْقَة ثمَّ رَحل إِلَى الْهِنْد وَأخذ بهَا عَنهُ جمَاعَة عُلُوم الْأَدَب وَأخذ عَن السَّيِّد الْأَجَل الشَّيْخ شيخ بن عبد الله العيدروس عُلُوم الصُّوفِيَّة وَصَحب الشَّيْخ الْكَبِير السَّيِّد أَبَا بكر بن أَحْمد العيدروس وَالسَّيِّد الْكَبِير الشَّيْخ جَعْفَر العيدروس السَّيِّد عمر بن عبد الله باشيبان ولازمه فِي دروسه وَأخذ عَنهُ الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والفنون الأدبية وعلوم الْعَرَبيَّة واتصل بِالْملكِ عنبر فَأحْسن إِلَيْهِ واختص بِهِ بعض مُلُوك تِلْكَ الديار فأجلسه فِي أَعلَى مراتبه ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه فلازم

стр. 163

القَاضِي أَحْمد بن حُسَيْن وَقَرَأَ عَلَيْهِ فتح الْجواد وإحياء عُلُوم الدّين وَقَرَأَ على الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف فِي الْعَرَبيَّة والْحَدِيث وَكتب الصُّوفِيَّة ثمَّ رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ عَن الشَّيْخ الْعَارِف مُحَمَّد بن علوي وَالشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عَليّ بن عَلان وَالشَّيْخ سعيد باقشير وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطَّائِفِي وَالسَّيِّد أَحْمد بن الْهَادِي والعارف أَحْمد بن مُحَمَّد القشاشي الْمدنِي وَأَجَازَهُ أَكْثَرهم بِجَمِيعِ مروياتهم ومؤلفانهم ثمَّ رَجَعَ إِلَى وَطنه وَكَانَ أديباً باهراً حسن الْخط ثَابت الذِّهْن عَجِيب الْفَهم مطلعاً على اللُّغَة والمفاكهات وَكَانَت لَهُ قدرَة على كشف الغوامض وَمَعْرِفَة تَامَّة بِالْحِسَابِ والفرائض ودرس وأجاد وانتفع بِهِ كثير من الطّلبَة وَكَانَ نير السريرة طيب الرَّائِحَة لطيف الثِّيَاب دَائِم الْبشر لَا يتْرك قيام اللَّيْل كثير التَّحَمُّل للبلايا صبوراً على من أَذَاهُ وَكَانَ يحب الْفُقَرَاء وَكَانَ يَقُول كل من ابتلاه الله بالفقر فِي هَذَا الزَّمَان حقيق بِأَن يعْتَقد وَكَانَ حسن الْأَدَب مَعَ النَّاس قَالَ أَخُوهُ فِي تَرْجَمته ومنذ صحبته مَا أذكر أَنه غضب يَوْمًا من الْأَيَّام وَلَا اغتاب أحدا وَلَو أَذَاهُ وَلم يزل على حَالَته إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع عشرَة وَألف وَتُوفِّي فِي سنة سبع وَخمسين وَألف بِمَدِينَة تريم وَدفن بمقبرة زنبل وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن أبي بكر بن سَالم بن أَحْمد بن شَيْخَانِ بن عَليّ بن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله باعلوي وَتقدم رفع نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده أبي بكر الشهابالمقدم فِي الْعُلُوم الْمُنْفَرد بالفنون الأدبية إِلَى مَكَارِم شيم وأخلاق وصفاء بَاطِن وَظَاهر ولد بِمَكَّة المشرفة فِي رَجَب سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وَبهَا نَشأ وتربى فِي كنف وَالِده وَحفظ الْقُرْآن والإرشاد وَبَعض الْمنْهَج وألفية الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ فِي أصُول الحَدِيث وألفية ابْن مَالك وَغير ذَلِك من الرسائل ولازم أَبَاهُ وَعنهُ أَخذ الطَّرِيق المسلسل وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة الشَّرِيفَة وتلقن الذّكر والمصافحة والمشابكة ولازم الشَّيْخ عبد الله باسعيد باقشير فِي درسه وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ عَليّ بن الْجمال وَأحمد بن عبد الرؤف وَعبد الله بن الطَّاهِر العباسي وَحضر دروس الْعَلامَة عِيسَى المغربي وَأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن المغربي وَألبسهُ الْخِرْقَة ثمَّ لَازم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان مُلَازمَة تَامَّة وأتقن عدَّة فنون مِنْهَا الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول والعربية والفرائض والحساب والميقات والمعاني وَالْبَيَان وَالْعرُوض وَأمره

стр. 164

شَيْخه ابْن سُلَيْمَان بالتدريس فَجَلَسَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَأخذ عَن الشَّيْخ أَحْمد البشبيشي لما قدم مَكَّة فِي حجَّته الأولى وَأَجَازَهُ وَكَانَت لَهُ همة تزاحم الأفلاك ونثر وإنشاء ونظم وَألف عدَّة رسائل وتعاليق وَاخْتصرَ تَارِيخ الْقُرْطُبِيّ الْمُسَمّى بالبرق الْيَمَانِيّ وَزَاد فِيهِ زيادات وَلَكِن لم تطل مدَّته وَمن شعره قَوْله فِي مليح اسْمه بكري (ياغزالا مرعاه وسط فُؤَادِي ... وحبيبا مَا زَالَ دمعي يذري) (أَنْت أولى الملاح بِالْملكِ حَقًا ... بنصوص السماع إِذْ أَنْت بكري) وَقَوله مقتبسا فِي مليح اسْمه مبارك (بِي مُرْسل الألحاظ مَعَ فترتها ... مُقَيّد الْأَوْصَاف وَهُوَ مُطلق) (يَا أمة الْعِشْق هلموا أَنه ... مبارك فَاتَّبعُوهُ وَاتَّقوا) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف وَدفن بالمعلاة بالحوطة عِنْد أسلافه رَحمَه الله تَعَالَى الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْفَتْح الملقب شهَاب الدّين الْحكمِي الْمقري نزيل مَكَّة الشَّيْخ الإِمَام رفيع الشَّأْن كَانَ من كبراء الْعلمَاء إِذا مهابة وجلالة وَكَانَ من أَرْبَاب الْأَحْوَال ذكر مبدأ أمره فِي رِسَالَة لَهُ سَمَّاهَا نسيمات الأسحار فِي ذكر بعض أَوْلِيَاء الله الأخيار وَذكر مشايخه الَّذين تلقى عَنْهُم بِأَرْض الْيمن ومنتهى سَنَده إِلَى الْحكمِي والبحلي أَصْحَاب عواجة وعواجة بَلْدَة مَعْرُوفَة بِأَرْض الْيمن بلد الْحكمِي والبجلي فَأَما مشايخه فهم سَبْعَة الصّديق بن مُحَمَّد الشهير بالبلاط وَالشَّيْخ أَحْمد بن المقبول الْأَسدي الْمَشْهُور بِأبي الْفَضَائِل وَالشَّيْخ عُثْمَان بن السهل الْمَشْهُور بالأقرع تلميذ الشَّيْخ الْكَبِير الرباني المربى الصُّوفِي الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي الشَّيْخ شيخين بن أبي الْفَتْح الْحكمِي وَالشَّيْخ الْأمين بن أبي الْقَاسِم شَافِع وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر الحلوي وَالشَّيْخ مُحَمَّد يَعْقُوب النمازي وَذكر مَا قَرَأَهُ عَلَيْهِم من الْكتب وَهِي كَثِيرَة وَله شيخ ثامن وَهُوَ الْعَالم الرباني الشَّيْخ الْكَبِير عبد الْقَادِر بن أَحْمد الْحكمِي الْمَشْهُور بِأبي الرسائل أَخذ عَنهُ الطَّرِيق وتلقن عَنهُ ورده من الْقُرْآن بِإِشَارَة مِنْهُ قَالَ وَقَالَ لي يَا أَحْمد اقْرَأ من الْقُرْآن كل يَوْم سبع الْقُرْآن بِتَقْدِيم السِّين على الْبَاء وَقَالَ لي يَا أَحْمد لَا تتْرك هَذَا السَّبع من الْقُرْآن كل يَوْم إِلَّا لعذر يُبِيح ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وتلقى عَنهُ ورده فِي تَهَجُّده بِالْقُرْآنِ فِي جَوف اللَّيْل بِإِشَارَة مِنْهُ قَالَ وَقَالَ لي يَا أَحْمد تهجد فِي جَوف اللَّيْل بِقدر جُزْء من الْقُرْآن وَلَا تتْرك التَّهَجُّد فِي الْقُرْآن فِي جَوف

стр. 165

اللَّيْل إِلَّا لعذر وَقَالَ أَنا ملازم لذَلِك وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي علم التصوف كتاب الرسَالَة للشَّيْخ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَأذن لَهُ أَن يَرْوِيهَا عَنهُ بروايته لَهَا عَن شَيْخه وجده الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْفَتْح الْحكمِي وَهُوَ يَرْوِيهَا عَن وَالِده أبي الْفَتْح بن الصّديق وَهُوَ عَن شَيْخه وجده الشَّيْخ الْكَبِير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَيِّدي الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر الْحكمِي وَهُوَ يَرْوِيهَا عَن شَيْخه وجده الْكَبِير عمر بن عمر الْحكمِي ولقبه زخم الدَّاريْنِ وَهُوَ عَن شَيْخه وجده الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي صَاحب عواجة وَهَذَا مُنْتَهى سَنَد الشهَاب صَاحب التَّرْجَمَة لرِوَايَة الرسَالَة ويروي الْعُلُوم من طَرِيق الشَّيْخ عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني نزيل مَكَّة وَهِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والأصلان والنحو وَالصرْف والقراآت عَن الْمَشَايِخ السَّبْعَة الْمُقدم ذكرهم بسندهم إِلَى أَحْمد بن مُوسَى العجيل وَالشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ وهما يرويان عَن الْحكمِي والبجلي أَصْحَاب عواجة وَقَالَ وَقد جمعني الْحَضَر على هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الْخَمْسَة يغظة وهم الشَّيْخ عبد الله بن أسعد اليافعي وَالشَّيْخ أَحْمد بن مُوسَى العجيل وَالشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن حُسَيْن البجلى أصجاب عواجة وَقَالَ لي تقدم واقرأ على شيخك وَجدك الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي فَقَالَ لي الشَّيْخ هَلُمَّ إِلَيّ فَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لي اقْرَأ فَإِذا الْكتاب الَّذِي فِي يَدي كتاب الرسَالَة لأبي الْقَاسِم الْقشيرِي فَقَرَأت عَلَيْهِ الْكتاب الْمَذْكُور فِي مجْلِس وَاحِد من أَوله إِلَى آخِره هَذَا مَا ذكره فِي رسَالَته قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته أَخذ عَنهُ كَثِيرُونَ مِنْهُم شَيخنَا على بن الْجمال الْأنْصَارِيّ الْمَكِّيّ وَشَيخنَا عبد الله ابْن سعيد باقشير وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ من الضنائن المخدرين أهل الدَّلال المحبوبين وَكَانَ يمِيل بالطبع إِلَى السماع وينخلع إِذا سمع عَن بشريته المحكومة للطباع وَيظْهر مِنْهُ حالات رضية لمن لَهُ بالحواس السليمة أَدْرَاك وروى أَنه رَحل من مَكَّة لزيارة الحضرة المحمدية فِي الرَّابِع عشر من رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَقدم الْمَدِينَة فَمَرض فِي الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب الْمَذْكُور وَدفن فِي يَوْمه ببقيع الْغَرْقَد وَهُوَ فِي سنّ الْخمسين الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْوَفَاء بن مُفْلِح الْحَنْبَلِيّ الدِّمَشْقِي الإِمَام الْكَبِير الْفَقِيه الْمُحدث الْوَرع الزَّاهِد الْحجَّة الثبت الْخَيْر كَانَ أحد الْعلمَاء بِالشَّام الملازمين على تَعْلِيم الْعلم والفتيا وَكَانَ لَهُ المتانة الْكَامِلَة فِي الْفِقْه والعربية والفرائض والحساب والتاريخ

стр. 166

وَلأَهل دمشق فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ مَحَله وَأَهله وَكَانَ متجنباً غَالب النَّاس وَله مداومة على تِلَاوَة الْقُرْآن وَالْعِبَادَة أَخذ عَن الأجلاء من مَشَايِخ عصره مِنْهُم جدنا الْعَلامَة إِسْمَاعِيل النابلسي الشَّافِعِي وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَقِيه الْكَبِير مُوسَى بن أَحْمد بن أَحْمد الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بالحجازي صَاحب الاقناع وَأخذ عَن الشَّمْس مُحَمَّد ابْن طولون الصَّالِحِي وبرع فِي أَنْوَاع الْعُلُوم ودرس بعدة مدارس مِنْهَا دَار الحَدِيث بصالحية دمشق بِالْقربِ من الْمدرسَة الأتابكية وَكَانَ لَهُ بقْعَة تدريس بالجامع الْأمَوِي وَعرض عَلَيْهِ قَضَاء الْحَنَابِلَة بمحكمة الْبَاب لما مَاتَ القَاضِي مُحَمَّد سبط الرجيحي الْحَنْبَلِيّ فِي زمن قَاضِي القضة الْمولى مصطفى بن حُسَيْن بن الْمولى سِنَان صَاحب حَاشِيَة التَّفْسِير فَامْتنعَ وَبَالغ القَاضِي وَمن كَانَ عِنْده من كبار الْعلمَاء فِي طلبه فَلم ينخدع وَاعْتذر بثقل السّمع وَأَنه لَا يسمع مَا يَقُوله المتداعيان بسهولة وَذَلِكَ يَقْتَضِي صعوبة فصل الْأَحْكَام وَلم يزل يتلطف بِالْقَاضِي حَتَّى عَفا عَنهُ وَكَانَت فَاتَهُ فِي ثامن عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وَبَنُو مُفْلِح من الْبيُوت الْمَعْرُوفَة بِالْعلمِ والرياسة بِالشَّام وردوا فِي الأَصْل من قَرْيَة راميم من وَادي الشّعير تَابع نابلس ونزلوا صالحية دمشق وتفرعوا بطوناً فَأَحْمَد هَذَا من نسل نظام الدّين وَأما ابْن عَمه القَاضِي مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالأكمل الْآتِي ذكره فِي حرف الْمِيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَهُوَ من نسل إِبْرَاهِيم وهما أَخَوان الأديب أَحْمد بن أَحْمد المكني بِأبي العنايات ابْن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الْكَرِيم النابلسي الأَصْل الْمَكِّيّ المولد نزيل دمشق الشَّاعِر الْمَشْهُور بالعناياتي أحد بلغاء عصره جمع شعره بَين جودة السبك وَحسن الْمَعْنى وَعَلِيهِ طلاوة رائقة وبهجة فائقة وديوان شعر مَشْهُور وَكَانَ يدْخل فِي جَمِيع طرق الشّعْر من بديع وهجو وعزل ونسيب وَله فِي فنون النّظم السِّت الَّتِي ابتدعها الْمُتَأَخّرُونَ الباع الطَّوِيل وَكَانَ أَبوهُ رَحل من نابلس وقطن مَكَّة مُدَّة وَتزَوج بهَا فولد لَهُ أَحْمد هَذَا بهَا وَكَانَ أسمر اللَّوْن وينطق بنطق أهل مَكَّة ونبابه وَطنه أَيَّام شبابه فَفَارَقَ الْمقَام وقوض الْخيام وتقاذفت بِهِ ديار الغربة وَكَانَ ينْتَقل ويجول فِي كل ديار لَكِن كَانَت سياحته مَقْصُورَة على الْبِلَاد الشامية وَدخل دمشق آخرا فِي سنة سِتّ أَو سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَألقى بهَا عَصا ترحاله فسكن مرّة فِي جَامع هِشَام بن عبد الْملك فِي جِهَة سوق جقمق ثمَّ ارتحل إِلَى الْمدرسَة الباذرائية وَاسْتمرّ بهَا مجاوراً فِي حجرَة من حجراتها

стр. 167

إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ يتعمم بالصوف الَّذِي يُقَال لَهُ المئزر وَوصف البديعي هَيئته فَقَالَ رث الشَّمَائِل وسخ الأثواب كَأَنَّمَا بكرت عَلَيْهِ مُغيرَة الْأَعْرَاب خلق الجلابيب والأردان كَأَنَّمَا اتخذ عمَامَته منديل الخوان فزيه غَرِيب وطليسان ابْن حَرْب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ قشيب وَكَانَ متقللاص فِي الْمطعم واللباس منقبضاً فِي الْغَالِب عَن المخالطة وَلم يتَزَوَّج فِي عمره وَكَانَ يكْتب الْخط الْحسن الْمَنْسُوب وينظم من الشّعْر مَا يزري بزهر الخمائل وَكَانَ فِي الْغَالِب يقْضِي أوقاته فِي بيُوت القهوة وَرُبمَا كَانَ يبيت هُنَاكَ وَكَانَ قَلِيل التكسب بالشعر وَإِذا مدح أحدا يُرْسل مدحه إِلَى بعض توابعه ويرجو بِالْإِشَارَةِ بعض جدواه وَقد وصف بعض حَاله فِي قصيدة لَهُ حَيْثُ قَالَ (إِذا لم أعز فَمن ذَا يعز ... وفقري وقنعي كنز وحزر) (لبست من الْيَأْس فِي النَّاس ثوبا ... عَلَيْهِ من الْعقل وَالْفضل طرز) (وَلست أرى الذل إِلَّا إِذا ... كَانَ فِي الْحبّ والذل فِي الْحبّ عز) (ومثلي حر عباه غناهُ ... إِذا استعبد النَّاس خَز وبز) وَوصف خطه وحظه فَقَالَ (زَاد خطي وَقل حظي فَمن لي ... نقل نقط من فَوق خاء لطاء) (وبشعري الغالي ترخص سعري ... وبطب الْفُنُون مت بدائي) وَهَذَا مَسْبُوق إِلَيْهِ فِي قَول بَعضهم (لَا تحسبوا أَن حسن الْخط يسعدني ... وَلَا سماحة كف الحاتم للطائي) (وَإِنَّمَا أَنا مُحْتَاج لوَاحِدَة ... لنقل نقطة حرف الْخَاء للطاء) وَذكر الْحسن البوريني فِي تَرْجَمته أَنه كَانَ مَعَ ظُهُوره بِصُورَة الْفقر يتهم بِمَال كثير ظَهرت لَهُ بعض آثَار حَيْثُ أحب بعض أَحْدَاث دمشق وَشك عَلَيْهِ بمبلغ يقرب من مائَة دِينَار ذَهَبا وَكَانَ القَاضِي حِينَئِذٍ المرحوم الْعَلامَة محب الدّين الْحَمَوِيّ فَلَمَّا وقف العناياتي بَين يَدَيْهِ وَأقر الْحَدث بِالْحَقِّ لَدَيْهِ طلب حَبسه وَاقْتضى مِنْهُ ديناره وفلسه فَقَالَ لَهُ القَاضِي يَا شيخ أَحْمد تحبسه عنْدك فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا أَنا فِي حبس حبه وَهُوَ فِي حبس مَالِي فَحِينَئِذٍ لَا لَهُ وَلَا لي قلت وَكَانَ لجدي الْمَذْكُور مَعَه مداعبات ألطف من نسمات الرياض وأخفى سحرًا من الحدق المراض وألطف مَا سمعته مِنْهَا أَنه كَانَ يهوى غُلَاما اسْمه أصلان وَكَانَ الْغُلَام يحترف فِي دكان بِبَعْض أسواق دمشق وَكَانَ العناياتي يَأْتِي إِلَى دكان أَمَامه وَيجْلس لأجل مشاهدته فَمر بِهِ الْجد يَوْمًا وَهُوَ

стр. 168

جَالس فَسَأَلَهُ عَن سَبَب جُلُوسه فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا لَهُ أصل فَقَالَ بل أصلان وأخبار العناياتي كَثِيرَة ونوادره شهيرة وَمِمَّا يستجاد من شعره قَوْله (لَو كنت شَاهده وَقد غسق الدجى ... ودموعه فِي خَدّه تتحدر) (لرثيت يَا مولَايَ للْعَبد الَّذِي ... شوقاً إِلَيْك فُؤَاده يتفطر) وزار الْحسن البوريني مرّة فِي الْمدرسَة الناصرية الجوانية وَكَانَ مجاوراً بهَا للْقِرَاءَة على مدرسها أستاذه الْعِمَادِيّ الْحَنَفِيّ فَلم يجده فَكتب لَهُ على بَابهَا معاتباً (يزِيد لكم جفاكم من ودادي ... وذنبي عنْدكُمْ تِلْكَ الزياده) (لكم مني مقَال أبي فراس ... ولي مِنْكُم مقَال أبي عباده) أَرَادَ بقول أبي فراس (أَسَاءَ فزادته الاساءة حظوة ... حبيب على مَا كَانَ فِيهِ حبيب) وَبقول أبي عبَادَة (إِذا محاسني اللَّاتِي أدل بهَا ... صَارَت ذنوباً فَقل لي كَيفَ أعْتَذر) وزاره أُخْرَى فَوَجَدَهُ نَائِما فَكتب على بَاب الْحُجْرَة قَوْله (جَاءَ محب إِلَيْك بعد سنه ... رآك محتجباً عَنهُ بسنه) (يَا حسنا جَاءَهُ الْمُحب فَمَا ... أبصره سوء حَظه حسنه) ثمَّ زَارَهُ أُخْرَى فَلم يجده فَكتب أَيْضا على الْجِدَار قَوْله (قد كَاد من فَرح يطير إِلَيْك فِي ... مثنى ثَلَاثًا مذاليك تشوقا) (فَأَعَادَهُ حاشاك فقدك خائباً ... لاذقت طعم رُجُوعه صفر اللقا) وَكتب إِلَى بعض من يهواه وَقد اتّفق أَنه زَاد فِي جفاه وَأسْندَ إِلَيْهِ أقاويل لم تصدر مِنْهُ وَإِنَّمَا جعلهَا سَببا للتقاطع عَنهُ قَوْله (إِن الْمُحب عناؤه لَا يبرح ... فِي الْقرب والأبعاد فَهُوَ مبرح) (الْقلب بالشوق الشَّديد مجرح ... والطرف بالدمع المديد مقرح) (وَإِلَى مَتى هَذَا الهوان من الْهوى ... وَالله إِن الْمَوْت مِنْهُ أروح) (قد كَانَ جرح الصد مِنْك نكاية ... فَأتى فِرَاق بِالَّذِي هُوَ اجرح) (مَا أَنْت إِلَّا الرّوح إِن حجبت فَمَا ... للجسم غير الرّوح شَيْء يصلح) فيا مولَايَ من أَيْن قيض لنا هَذَا الْحجاب وأتانا من الْبعد بِعَذَاب لم يكن فِي حِسَاب فولله أَنِّي مُنْذُ سَمِعت هَذِه الْأَخْبَار لم يقر لقلبي قَرَار وَلَا وجدت هدى وَلَا هُدُوا

стр. 169

على هَذِه النَّار بل أَخَذَنِي التبلد وَلم أجد ذرة من التجلد وصرت كالذاهل الحيران الغارق فِي بحار الأشجان لَا أعرف مَا أَقُول وَلَا ينْصَرف فكري إِلَى مَعْقُول وَلَا مَنْقُول وَمَا ذكرت السَّبَب إِلَّا تحدر دمعي على الخد وانسكب وَعلمت أَن الشَّرّ كُله من عشرَة غير الْجِنْس مكتسب سِيمَا هَذَا الْجِنْس الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مروه وَلَا أخوة تمنع أنفسهم من النَّقْص وَلَا فتوة وَأَنت وَالله غلطان فِي تقريب بَعضهم وَأوجب حبك لَهُم ومنعك مطلوبهم مَكْرُوه بغضهم وَأَنت تعلم صانك الله من الأغيار ووقاك كيد الْفجار الأشرار أَن الْحر الْكَرِيم لَا يقوى أَن يسمع فِي عرضه كَلَام من يسوى وَمن لَا يسوى وَمَا وَحقّ من يعلم السِّرّ والنجوى بذلت لَك هَذِه النَّصِيحَة إِلَّا لتعلم أَن محبتي سليمَة صَحِيحَة وصفاء ودي لَا يتكدر وجوهر عشقي على مدى الْأَيَّام لَا يتَغَيَّر لَكِن يَا روحي السارية مسرى الدَّم فِي الأعضا وشفاء الْقُلُوب المرضى الَّتِي لَا تُرِيدُ غَيره طَبِيبا وَلَا ترْضى أَنْت تعلم أَن مَاء الْجمال تكدره نواظر الفواسق وصونه بِصُورَة الْجلَال مَحْمُود عِنْد ذَوي الْحَقَائِق فَإِن ترك مَالا يصلح أصلح والاقبال على من تنْتَفع بعقله أصوب وأرجح لِأَن من وَقع عَلَيْهِ نظر المفلح أَفْلح فاتعظ بِهَذِهِ الْوَاقِعَة عَلَيْك وَلَا تركن بإحسانه إِلَيْك لكنني أَقُول مقَال الْمُحب المغرم الَّذِي يتظلم من أَن لَا يظلم (رويدك إِن الْهوى معرك ... يعْدم فِيهِ الْأجر والمغنم) (فَإِنَّمَا تأويلنا أَنه ... يحل للْمُضْطَر مَا يحرم) (من ذَا الَّذِي أفتى عُيُون المها ... بِأَن مَا تتْلف لَا تغرم) (يستعذبوا ظلمي من اجلهم ... أسْتَغْفر الله لمن يظلم) وَقُلْنَا فِي مثل هَذَا الْحَال سَابِقًا وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى كَمَا ترَاهُ لائقاً (وَأَنا الَّذِي لَا ذَنْب لي وللذتي ... بِالْعَفو عني قلت إِنِّي مذنب) (إِن لم يكن ذَنْب فحلمك وَاجِب ... أَو كَانَ لي ذَنْب فحلمك أوجب) (وَلَقَد صبرت على الشدائد كلهَا ... إِلَّا بعادك عَنهُ صبري يعزب) (فَارْجِع وعد عود الْكِرَام لعادة ... عودتها فَالْأَصْل أصل طيب) وَلَو أَنِّي بثثتك عشر مَا عِنْدِي من الأشواق لفنيت الأقلام والمحابر والأوراق وَلكنهَا نفثة مصدور أصبح مَهْجُورًا وَكَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطوراً وَأهْدى إِلَى مليح وردتين وَهُوَ مُقيم بصالحية دمشق عِنْد بعض خلانه للتنزه وَكتب مَعَهُمَا قَوْله (متعت طرفِي من سنا وَجهه ... ووجنتيه بجنى الجنتين)

стр. 170

(فاقتطف الطّرف وُرُود الحيا ... إِذْ عز فِي ذَلِك قطف الْيَدَيْنِ) (وجئته أهْدى لَهُ من يَدي ... عَن ناظري عَن خَدّه وردتين) (واحتجب الْخَال فعوضته ... نقط زباد عوض الشامتين) (وَقلت للقلب الشجي قرطه ... ذَا ملك يحكم فِي الْخَافِقين) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فِي عشرى القعدى أَو حادي عشريه سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَقد تجَاوز الثَّمَانِينَ وَقَالَ أَبُو بكر الْعمريّ الْمُقدم ذكره فِي تَارِيخ مَوته (مَاتَ العناياتي شمس الخجى ... وَالْمَوْت طبعا بالعناياتي) (قَالَ لِسَان الْحَال من بعده ... تَارِيخه مَاتَ العناياتي) وَرَآهُ بعض فضلاء دمشق فِي مَنَامه بعد وَفَاته فَقَالَ لَهُ قل لي مَا فعل الله بك فأنشده بَيْتَيْنِ وأفاق الرجل وَهُوَ حافظهما وهما قَوْله (كلوني للرحيم وخلفوني ... طريحاً أرتجي عَفْو الْكَرِيم) (لِأَنِّي عَاجز عبد حقير ... وَإِن الله ذُو فضل عَظِيم) قلت وَوَقع مثل هَذَا كثيرا ويعجبني لَهُ فِي بَابه مَا نَقله ابْن خلكان قَالَ رَأَيْت فِي بعض المجاميع قَالَ الْوَزير أَبُو الْقَاسِم بن المغربي رَأَيْت الْخَطِيب بن نباتة فِي الْمَنَام بعد مَوته فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ وَقع لي رقْعَة بالأحمر (قد كَانَ أَمن لَك من قبل ذَا ... وَالْيَوْم أضحى لَك أمنان) (والصفح لَا يحسن عَن محسن ... وَإِنَّمَا يحسن عَن جاني) والعناياتي نِسْبَة إِلَى أَبِيه أبي العنايات هَكَذَا ذكره البوريني رحمهمَا الله تَعَالَى أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد أقيت ابْن عمر بن عَليّ بن يحيى بن كذالة بن مكي بن نيق بن لف بن يحيى بن تشت بن تنفر بن حيراي بن النجر بن نصر بن أبي بكر بن عمر الصنهاجي الماسي السوداني يعرف بَابا صَاحب كتاب الديباج قد ترْجم نَفسه فِي آخِره فَقَالَ مولدِي كَمَا وجدته بِخَط وَالِدي لَيْلَة الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة ختام عَام ثَلَاث وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ونشأت فِي طلب الْعلم فَحفِظت بعض الْأُمَّهَات وقرأت النَّحْو على عمي أبي بكر الشَّيْخ الصَّالح وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول والعربية وَالْبَيَان والتصوف وَغَيرهَا على شَيخنَا الْعَلامَة مُحَمَّد يفيع ولازمته سِنِين وقرأت عَلَيْهِ جَمِيع مَا تقدم عني فِي ترجمتي وَأخذت عَن وَالِدي الحَدِيث سَمَاعا والمنطق وقرأت الرسَالَة ومقامات الحريري تفقهاً على غَيرهم

стр. 171

واشتهرت بَين الطّلبَة بالمهارة على كلال ومهل فِي الطّلب وألفت عدَّة كتب تزيد على أَرْبَعِينَ تأليفا كشرحي على مُخْتَصر خَلِيل من أول الزَّكَاة إِلَى أثْنَاء النِّكَاح ممزوجا محررا وحواشي على مَوَاضِع مِنْهُ والحاشية الْمُسَمَّاة منن الرب الْجَلِيل فِي مهمات تَحْرِير خَلِيل يكون فِي سفرين وفوائد النِّكَاح على مُخْتَصر كتاب الوشاح للسيوطي وَغَيرهَا قَالَ الثِّقَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الأديب المراكشي فِي فهرسته فِي ترجمتي كَانَ أخونا أَحْمد بَابا من أهل الْعلم والفهم والإدراك التَّام الْحسن حسن التصنيف كَامِل الْحَظ من الْعُلُوم فقها وحديثا وعربية وأصلين وتاريخا مليح الاهتداء لمقاصد النَّاس مثابرا على التَّقْيِيد والمطالعة مطبوعا على التَّأْلِيف ألف تآليف مفيدة جَامِعَة فِيهَا أبحاث عقليات ونقليات وَهِي كَثِيرَة كوضعه على مُخْتَصر خَلِيل من الزَّكَاة إِلَى أثْنَاء النِّكَاح فِي سفرين وتنبيه الْوَاقِف على تَحْرِير نِيَّة الْحَالِف فِي كراس وَتَعْلِيق على أَوَائِل الألفية سَمَّاهُ النكت الوفية بشرح الألفية وَآخر سَمَّاهُ النكت الزكية لم يكملا ونيل الأمل فِي تَفْضِيل النِّيَّة على الْعَمَل وَغَايَة الإجادة فِي مُسَاوَاة الْفَاعِل للمبتدأ فِي شَرط الإفادة فِي كراسين وَآخر سَمَّاهُ النكت المستجادة فِي مساواتهما فِي شَرط الإفادة والتحديث والتأنيس فِي الِاحْتِجَاج بِابْن إِدْرِيس يُرِيد بألفاظه على الْعَرَبيَّة فِي وَرَقَات وجلب النِّعْمَة وَدفع النقمَة بمجانبة الظلمَة أولى الظلمَة فِي كراسين وَشرح الصُّغْرَى للسنوسي فِي أَرْبَعَة كراريس ومختصر تَرْجَمَة السنوسي فِي ثَلَاثَة كراريس ونيل الابتهاج بالذيل على الديباج وَالْمطلب والمأرب فِي أعظم أَسمَاء الرب تَعَالَى فِي كراسة وترتيب جَامع اليعاد للونشريشي كتب مِنْهُ كراريس وَله أسئلة فِي المشكلات ثمَّ امتحن فِي طَائِفَة من أهل بَيته بثقافهم فِي بلدهم فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف عَليّ مَحْمُود بن زرقون لما استولى بِلَادهمْ وَجَاء بهم أُسَارَى فِي الْقُيُود فوصلوا مراكش أول رَمَضَان من الْعَام واستقروا مَعَ عِيَالهمْ فِي حكم الثقاف إِلَى أَن أحجم أَمر المحنة فسرحوا يَوْم الْأَحَد الْحَادِي وَالْعِشْرين لرمضان سنة أَربع بعد الْألف فَفَرِحت قُلُوب الْمُؤمنِينَ بذلك جعلهَا الله لَهُم كَفَّارَة لذنوبهم ثمَّ ذكر مقروآته على صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ وَكَانَ من أوعية الْعلم صان الله مهجته انْتهى قَالَ المترجم وَلم ألق بالمغرب أثبت مِنْهُ وَلَا أوثق وَلَا أصدق وَلَا أعرف بطرِيق الْعلم مِنْهُ وَلما خرجنَا من المحنة طلبوني للإقراء فَجَلَست بعد الإباءة بِجَامِع الشرفاء بمراكش من أنوه جَامعهَا أقرى كتبا ثمَّ قَالَ وازدحم الْحلق على واعيان طلبتها ولازموني

стр. 172

بالإقراء على قضاتها كقاضي الْجَمَاعَة بفاس الْعَلامَة أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم الغساني وَهُوَ كَبِير ينيف على سِتِّينَ وَكَذَا قَاضِي مكناس الرحلة مؤلف صَاحب أبي الْعَبَّاس بن القَاضِي المكناسي لَهُ رحْلَة للشرق لَقِي فِيهَا النَّاس وَهُوَ أسن منى ومفتي مراكش الرجراجي وَغَيرهم وأفتيت بهَا لفظا وكتبا بِحَيْثُ لَا تتَوَجَّه الْفَتْوَى فِيهَا غَالِبا إِلَّا إِلَى وعينت إِلَى مرَارًا فابتهلت إِلَى الله تَعَالَى أَن يصرفهَا عني واشتهر اسْمِي فِي الْبِلَاد من سوس الْأَقْصَى إِلَى بجاية والجزائر وَغَيرهمَا وَقد قَالَ لي بعض طلبته لما قدم علينا مراكش لَا نسْمع فِي بِلَادنَا إِلَّا بإسمك فَقَط انْتهى هَذَا مَعَ قلَّة التَّحْصِيل وَعدم الْمعرفَة وَإِنَّمَا ذَلِك كُله مصداق قَوْله أَن الله لَا ينْزع الْعلم الحَدِيث وَقد ناهزت الْآن خمسين سنة بتاريخ يَوْم الجعة مستهل صفر عَام اثنى عشر بعد الْألف انْتهى كَلَامه قلت وَمن لطائفه مَا نَقله عَنهُ بعض الشُّيُوخ إِذا حضر صالب الْعلم مجْلِس الدَّرْس غدْوَة وَلم يفْطر نَادِي مُنَاد من قَعْر جَوْفه الصَّلَاة على الْمَيِّت الْحَاضِر وَكَانَت وَفَاته فِي سَابِع شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن شيخ أَحْمد موَالِي الرّوم الْمَعْرُوف بشيخ زَاده قَاضِي قُضَاة الشَّام ذكره النحم فِي ذيله وَقَالَ فِي تَرْجَمته ولي قَضَاء الشَّام من دَار الحَدِيث السليمانية فَدَخلَهَا فِي أَوَائِل شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَكَانَ عَلامَة فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَله المام تَامّ بعلوم البلاغة فَاضلا فِي الْفِقْه وَكَانَ يُبَاشر الْأَحْكَام بِنَفسِهِ ويتحرى الْحق فِيهَا متصلبا فِي الْحق يتَرَدَّد إِلَيْهِ الْخُصُوم وَإِلَى نوابه المره بعد الْمرة فَلَا يَأْخُذ مِنْهُم شَيْئا حَتَّى تَنْتَهِي الدَّعْوَى فَيَأْخُذ مِنْهُم بِرِفْق وَكَانَ مقتصدا فِي أَحْوَاله وَيَقُول الإقتصاد خير من الْجور على النَّاس وَكَانَ لَهُ إِنْكَار على مَا يرَاهُ من الْمَنَاكِير حَتَّى أَمر بِإِزَالَة عشة اليمانية غربي الْجَامِع الْأمَوِي بَعْدَمَا كَانَ وَضعهَا أحد رُؤَسَاء الْجند بالدق والمسمار وَقَالَ التحجير فِي الْمَسْجِد لَا يجوز وَلم يسْتَطع أحد إِلَّا التَّسْلِيم لأَمره لموافقته الشَّرْع وأعيدت بعد عَزله بسنوات وَكَانَ متقيدا بأوقاف الْجَوَامِع والمساجد بِدِمَشْق مشددا على متوليها وينكر على النَّاس سكناهم فِي الْمدَارِس وَكَانَ يحضر بالجامع الْأمَوِي للْجَمَاعَة فِي أَكثر الْأَوْقَات وَيَطوف كل يَوْم بعد صَلَاة الصُّبْح بالجامع وَينظر فِيمَا فِيهِ وحواليه وَكَانَ يواجه أَحْمد باشا الْحَافِظ نَائِب الشَّام بالإنكار عَلَيْهِ والنصيحة وَكَانَ الْحَافِظ بكرمه ويجله إِلَى أَن وصل خبر عَزله عَن قَضَاء الشَّام

стр. 173

وإعطائه قَضَاء مَكَّة فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس جُمَادَى الْآخِرَه سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَكَانَت تَوليته بهَا نَحْو عشرَة أشهر انْتهى قَالَ البوريني وَوصل خبر عَزله إِلَى دمشق بعد خُرُوجه مِنْهَا وَكَانَ عَازِمًا على الْحَج فاستأجروا لَهُ ساعيا وَأَرْسلُوا لَهُ الْأَمر السلطاني بتوليته قَضَاء مَكَّة ورحل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وزار الْمعَاهد الَّتِي هُنَاكَ وَأقَام قَلِيلا ثمَّ توجه إِلَى مصر يُرِيد أَن يعبر مِنْهَا إِلَى السويس وَمِنْه إِلَى مَكَّة المشرفة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق مَعَ الْحَاج فِي سنة خمس وَعشْرين وَألف وسافر إِلَى الرّوم وتقاعد عَن الْقَضَاء بتدريس دَار الحَدِيث سنوات حَتَّى وَجه إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّاء عِنْدَمَا صَار مفتيا قَضَاء أدرنة فوليها سِتَّة أشهر واستعفى مِنْهَا فانفصل مِنْهَا باختباره فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ ورد الْخَبَر بِمَوْتِهِ إِلَى دمشق سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن أَحْمد الْمصْرِيّ الملقب شهَاب الدواخلي الْفَقِيه الشَّافِعِي الْوَرع الزَّاهِد الناسك إِمَام الْفُقَهَاء والمحدثين فِي عصره كَانَ إِمَامًا جَلِيلًا صَدرا ورعامها بالإيخاف فِي الله لومة لائم ملازما لإقراء الْعلم غير مشتغل بِشَيْء غَيره صارفا أوقاته فِي الطَّاعَة ملازما للْجَمَاعَة وَكَانَ عَظِيم الهيبة كثير الفكرة ترَاهُ دَائِما مطرقا من خشيَة الله تَعَالَى ومراقبته حَتَّى قَالَ بعض الشُّيُوخ فِي شَأْنه مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء أخوف لله تَعَالَى مِنْهُ سالكا طَريقَة السّلف الصَّالح من التقشف فِي الْأكل وَالشرب والملبس لَا يرى متكلما إِلَّا فِي مجْلِس علم أَو جَوَاب عَن سُؤال أَخذ عَن النُّور الزيَادي وَمَنْصُور الطبلاوي وَسَالم الشبشيري وَالشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي وَالشَّيْخ يس الْمحلي الْمَالِكِي والبرهان اللَّقَّانِيّ قَالَ العجمي فِي مشيخته سَمِعت عَن تقاسيم شرح الْمنْهَج مَعَ حَاشِيَة الزيَادي وَشرح الْمِنْهَاج للشمس الرَّمْلِيّ والشهاب ابْن حجر الهيثمي وسيرة ابْن سيد النَّاس وحاشيتها نور النبراس وَكَثِيرًا من الشِّفَاء وشروحه للدلجي وَالسَّيِّد الصفوي والشمني والتلمساني والمواهب اللدنية وَكَثِيرًا من الْجَامِع الصَّغِير مَعَ شروحه للعلقمي والمناوي وَكَثِيرًا وَمن صَحِيح مُسلم مَعَ شروحه للنووي والأبي والسيوطي وتلوت عَلَيْهِ الْقُرْآن مدارسة مرَارًا لَا أحصيها وأجازني بِجَمِيعِ مَا ذكر وَبِمَا سَمعه من اللَّقَّانِيّ من الْمَوَاهِب وَتَذْكِرَة الْقُرْطُبِيّ والشمايل لِلتِّرْمِذِي وسيرة ابْن هِشَام وَالْأَرْبَعِينَ النووية وَكتب لي ذَلِك بِخَطِّهِ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر رَمَضَان سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَأخذ عَنهُ جهابذ الْعلمَاء مِنْهُم مَنْصُور الطوخي وَأحمد الْبَنَّا

стр. 174

الدمياطي وَأحمد البشبيشي وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته غريقا فِي بَحر الَّيْلِ وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن فِي سنة خمس وَخمسين وَألف والدواخلي نِسْبَة لمحلة الدواخلي من الغربية بِمصْر وَالله سُبْحَانَهُ أعلم الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد الْخَطِيب الشَّوْبَرِيّ الْمصْرِيّ الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْعَالم الْكَبِير الْحجَّة شيح الْحَنَفِيَّة فِي زَمَانه كَانَ إِمَامًا فِي الفقة والْحَدِيث والتصوف والنحو كَامِل الْفَضَائِل ولد بِبَلَدِهِ ورحل مَعَ أَخِيه الشَّمْس إِلَى الشيح أَحْمد بن عَليّ الشناوي بمنية روح وأخذا عَنهُ عُلُوم الطَّرِيق وَبِه تخرجا فِي عُلُوم الْقَوْم ثمَّ قدم مصر وجاور بالأزهر سِنِين وروى الْفِقْه وَغَيره عَن الإِمَام عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي وَعبد الله التحريري وَعمر بن نجيم وبهم تفقه وَأخذ عَن شيخ الشَّافِعِيَّة الشَّمْس مُحَمَّد الرَّمْلِيّ شَارِح الْمِنْهَاج وَعَن غَيره وَحكى البشبيشي أَنه أخبرهُ أَنه سمع البُخَارِيّ على الشَّمْس مُحَمَّد المحبي الْحَنَفِيّ وَكَانَ إِذا فَاتَهُ سَماع درس مِنْهُ يذهب إِلَيْهِ لبيتته فيقرؤه عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ كثير من شُيُوخه وتصدر وَعم نَفعه لأهل عصره بِحَيْثُ أَن جَمِيع عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة من أهل مصر وَالشَّام مَا مِنْهُم إِلَّا وَأخذ عَنهُ وَكَانَ يلقب بِمصْر بِأبي حنيفَة الصَّغِير وَأَخُوهُ مُحَمَّد كَانَ يلقب بالشافعي الصَّغِير وَكَانَ أَحْمد مَشْهُور بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَالْبركَة لمن قَرَأَ عَلَيْهِ منعكفا فِي بَيته منعزلا عَن جَمِيع النَّاس جَامعا بَين الشَّرِيعَة والحقيقة مُعْتَقدًا للصوفية وجيها مهابا لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد مجللا كثير الْبكاء والخشية من الله تَعَالَى صَاحب أَحْوَال وكرامات قلت وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ فَقِيه الشَّام وبارعها إِسْمَاعِيل بن عبد الْغَنِيّ النابلسي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ صَاحب الْأَحْكَام شرح الدُّرَر فِي الْفِقْه الْآتِي ذكره وَغَيره ولقيه وَالِدي المرحوم فِي مُنْصَرفه إِلَى الْقَاهِرَة سنة سبع وَخمسين وَألف وَذكره فِي رحلته الَّتِي ألفها فَقَالَ فِي وَصفه قُرَّة عين الإِمَام الْأَعْظَم وصاحبيه من انْتَهَت رياسة الْحَنَفِيَّة بِالْقَاهِرَةِ المعزية إِلَيْهِ سراح الْمَذْهَب وطرازه الْمَذْهَب قَرَأت عَلَيْهِ بِحُضُور بعض أفاضل الطلاب من أَوَائِل الْهِدَايَة وأجازني يماله من رِوَايَة ودراية وَهَا إِجَازَته بِخَطِّهِ مضبوطة عِنْدِي بضبطه وَذكره الشلي فِي عقد الْجَوَاهِر والدرر قَالَ وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وَالْبركَة وَالْغَالِب عَلَيْهِ العزله لَا يتَرَدَّد إِلَى أحد وَكَانَ مجللا عِنْد النَّاس مَقْبُول الْكَلِمَة مُعْتَقدًا للصوفية والصلحاء وَله كرامات ومكاشفات حكى أَن السّري مُحَمَّد بن مُحَمَّد الدروري الْآتِي ذكره وَهُوَ من أَعْيَان الْعلمَاء كَانَ ينقصهُ وينكر عَلَيْهِ فَبَلغهُ ذَلِك فَقَالَ لبَعض أَصْحَابه قل لَهُ

стр. 175

الْمشَاهد بَيْننَا فَلم يفهم السرى ذَلِك فاتفق أَنَّهُمَا مَاتَا فِي شهر وَاحِد وَكَانَت جَنَازَة السّري كجنازة آحَاد النَّاس وجنازته حافلة لم يتَخَلَّف عَنْهَا أحد من الْحُكَّام بالأمراء وَالْعُلَمَاء وأسف النَّاس لفقده وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ الشَّيْخ الإِمَام الشَّمْس مُحَمَّد بالرميلة والشوبرى بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْبَاء وَبعدهَا نِسْبَة إِلَى قَرْيَة بِمصْر وَالله تَعَالَى أعلم الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن سَلامَة الْمصْرِيّ القليوبي الشَّافِعِي الإِمَام الْعَالم الْعَامِل الْفَقِيه الْمُحدث أحد رُؤَسَاء الْعلمَاء الْمجمع على نباهته وعلو شَأْنه وَكَانَ كثير الْفَائِدَة نبيه الْقدر أَخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ ولازمه ثَلَاث سِنِين هُوَ منطقع ببيته ولازم النُّور الزيَادي وَسَالم الشبشيري وعليا الْحلَبِي والسبكي وَغَيرهم من مشاهير الشُّيُوخ وَعنهُ مَنْصُور الوخي وَإِبْرَاهِيم الْبرمَاوِيّ وَشَعْبَان الفيومي وَغَيرهم من أكَابِر الشُّيُوخ وَكَانَ مهابلاً لَا يَسْتَطِيع أحد أَن يتَكَلَّم بَين يَدَيْهِ إِلَّا وَهُوَ مطرق رَأسه وجلا مِنْهُ وخوفا وَلَا يتَرَدَّد أحد من الكبراء وَيُحب الْفُقَرَاء وَلَا يقبل من أحد صَدَقَة مُطلقًا بل كَانَ فِي غَالب أوقاته يرى متصدقاً وَلَيْسَ لَهُ وظائف وَلَا معاليم وَمَعَ ذَلِك كَانَ فِي أرغد عَيْش وَأطيب نعيم وَكَانَ متقشفاً ملازماً للطاعات وَلَا يتْرك الدَّرْس جَامعا للعلوم الشَّرْعِيَّة متضلعاً من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَأما مَعْرفَته بِالْحِسَابِ والميقات والرمل فأشهر من أَن تذكر وإمامته فِي الْعُلُوم الحرفية وتصرفه فِي الأوفاق والزابرجا وَغير ذَلِك من الْفُنُون فَذَلِك أَمر مَشْهُور وَكَانَ فِي الطِّبّ ماهراً خَبِيرا وَكَانَ حسن التَّقْرِير ويبالغ فِي تفهيم الطّلبَة ويكرر لَهُم تَصْوِير الْمسَائِل وَالنَّاس فِي درسه كَأَن على رُؤْسهمْ الطير وَألف مؤلفات كَثِيرَة عَم نَفعهَا مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْمِنْهَاج للجلال الْمحلي وحاشية على شرح التَّحْرِير لشيخ الْإِسْلَام وحاشية على شرح أبي شُجَاع لِابْنِ قَاسم الْغَزِّي وحاشية على شرح الأزهرية وحاشية على شرح الشَّيْخ خَالِد على الأجرومية وحاشية على شرح ايساغوجي لشيخ الْإِسْلَام ورسالة فِي معرفَة الْقبْلَة بِغَيْر آلَة وَكتاب فِي الطِّبّ جَامع ومناسك الْحَج وَغير ذَلِك من الرسائل والتحريرات المفيدة وَكَانَت وَفَاته فِي أَوَاخِر شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ والقليوبي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون اللَّام وَضم الْيَاء الْمُثَنَّاة من تحتهَا وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى بليدَة صَغِيرَة بَينهَا وَبينا لقاهرة مِقْدَار فرسخين أَو ثَلَاث فراسخ ذَات بساتين كَثِيرَة وَالله أعلم

стр. 176

الشَّيْخ أَحْمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالعجمي الشَّافِعِي الوفائي الْمصْرِيّ الإِمَام المفنن اللوذعي كَانَ من أجلاء عُلَمَاء مصر لَهُ الْفضل الباهر والحافظة القوية والذهن الثاقب وَكَانَ صَدُوقًا حسن الْعشْرَة والمحاضرة واليه النِّهَايَة فِي معرفَة التَّارِيخ وَأَيَّام الْعَرَب ونسابهم مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَيْهِ من معرفَة بَقِيَّة الْفُنُون وَكَانَ مرجعاً لأفاضل الْعَصْر فِي مُرَاجعَة الْمسَائِل المشكلة لطول بَاعه وسعة اطِّلَاعه وَكَثْرَة الْكتب الَّتِي جمعهَا وَذكره شَيخنَا الخياري فِي رحلته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وَقَالَ فِي آخر تَرْجَمته وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ مستجمع للْعلم والحلم والظرف ومستكمل فِي الْفضل الِاسْم وَالْفِعْل والحرف تفنن فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية الفرعية والأصلية فَأَخذهَا عَن أَهلهَا وأوصل الْأَمَانَة إِلَى محلهَا وَقد جمع من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي سَائِر الْعُلُوم والفنون فأوعى وحصلها بِسَائِر أقسامها فصلا وجنساً ونوعاً بِحَيْثُ أصبح بِمصْر خزانَة الْعلم الَّذِي عَلَيْهِ فِي النَّقْل يعول واليه فِي ذَلِك يشار وعمدة الْفُضَلَاء الَّذين يردون من معِين كتبه الْبحار انْتهى وَذكر لي بعض الآخذين عَنهُ أَن لَهُ من التَّأْلِيف شرح ثلاثيات البُخَارِيّ ورسالة فِي الْآثَار النَّبَوِيَّة وَجمع لنَفسِهِ مشيخة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه ونقلت مِنْهَا فِي كتابي هَذَا كثيرا من وفيات عُلَمَاء مصر الَّذين أَخذ عَنْهُم وَهُوَ فِي الْغَالِب يَسْتَوْفِي أَخْبَار أشياخه وذكرنه فِي مبدأ أمره اجْتمع بِالنورِ الزيَادي صُحْبَة وَالِده أَحْمد مرَّتَيْنِ وَحل نظره عَلَيْهِ ثمَّ ابْتَدَأَ الِاشْتِغَال فِي سنة سبع وَعشْرين وَألف فَقَرَأَ على الشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي صَاحب السِّيرَة والبرهان اللَّقَّانِيّ والشهاب الغنيمي وقاضي الْقُضَاة الشهَاب الخفاجي وَالشَّمْس الشَّوْبَرِيّ وسلطان المزاحي وَالشَّمْس البابلي والعلا الشبراملسي وَغَيرهم وَكَانَ الشبراملسي مَعَ جلالته يحترمه ويثني عَلَيْهِ ويراجعه فِي كثير من الْمسَائِل وَأَسْمَاء الرِّجَال وَأخذ طَرِيق السَّادة الوفائية عَن أبي الإسعاد يُوسُف الوفائي الْآتِي ذكره وَألبسهُ الْخِرْقَة وَأَجَازَهُ فِي غير ذَلِك من الْعُلُوم وَكَانَ خصيصاً بِهِ وبأولاده إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ هُوَ عِنْدهم فِي غَايَة الحظوة وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم شَيخنَا الخياري الْمَذْكُور وصاحبنا الْفَاضِل إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الجينيني ثمَّ الدِّمَشْقِي وَغَيرهمَا قَرَأت فِي مشيخته أَن وِلَادَته كَانَت فِي ثَالِث عشر رَجَب سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين وَرَآهُ الشهَاب البشبيشي وَهُوَ كَأَنَّهُ فِي درسه

стр. 177

لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد ثَمَانِيَة أَيَّام من وَفَاته وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وَهُوَ فِي مجْلِس حافل فِيهِ جمع من النَّاس يَتلون الْقُرْآن عرف مِنْهُم الْمُحدث الْكَبِير الشَّمْس البابلي وَمُحَمّد بن خَليفَة الشويري رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن أَسد البقاعي الأَصْل الصَّفَدِي الصُّوفِي العابد الزَّاهِد المرشد كَانَ وَالِده من قَرْيَة حمارا من عمل الْبِقَاع خرج مِنْهَا إِلَى دمشق وَأخذ الطَّرِيق عَن الاستاذ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن عراق ثمَّ ارتحل إِلَى صفد وَأقَام بدير فِي سفح جبل بِالْقربِ من قَرْيَة البعنة وَكَانَ قَدِيما يعرف بدير الْخضر وَكَانَ مسكن النَّصَارَى فَأخْرجهُمْ مِنْهُ السُّلْطَان سُلَيْمَان وَأمر أسداً بِالْإِقَامَةِ بِهِ مَعَ أَوْلَاده وَأَتْبَاعه فقطن فِيهِ إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة فَنَشَأَ وَلَده أَحْمد هَذَا على الْعِبَادَة وانتقل إِلَى صفد وَأخذ بهَا زَاوِيَة وَكَانَت تعرف قَدِيما بِجَامِع الصَّدْر وَاسْتمرّ بَقِيَّة إخْوَته مقيمين بالدير وَلَهُم ورد خَاص بهم نقلوه عَن أستاذ والدهم الْمَذْكُور يقرؤنه مَعَ جَمَاعَتهمْ عقب الصَّلَوَات الْخمس وَنشر أَحْمد طريقتهم فِي صفد وَأخذ عَنهُ جماعات وَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن النَّاس لَا يُفَارق تِلَاوَة الْقُرْآن وَلَا يفتر عَن الْعِبَادَة وَكَانَ لَهُ خطّ حسن وعبارات رشيقة وفضيلة مَقْبُولَة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم ذكره البوريني وَقَالَ فِي تَرْجَمته أَخْبرنِي ابْن أَخِيه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أَن وِلَادَته كَانَت فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَلم يؤرخ وَفَاته وَقد كتب لي صاحبنا الأديب الْفَائِق أَحْمد بن مُحَمَّد الصَّفَدِي إِمَام الدرويشية بِالشَّام فِي جملَة مَا كتب لي من وَفَاة الصفديين أَن وَفَاة أَحْمد الْأَسدي كَانَت فِي سنة عشرَة بعد الْألف وَدفن بزاويته فِي صفد وَسَيَأْتِي ابْن أَخِيه عبد الرَّحِيم الْمَذْكُور والبقاعي بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْقَاف وَبعدهَا ألف ثمَّ عين مُهْملَة نِسْبَة إِلَى الْبِقَاع العزيزي والعزيزي نِسْبَة إِلَى الْعَزِيز عكس الذَّلِيل وَكَأَنَّهُ نِسْبَة إِلَى الْملك الْعَزِيز ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب قَالَ فِي التَّعْرِيف ومقر ولَايَته كرك نوح ﵇ وَأما الْبِقَاع البعلبكي فَهُوَ نِسْبَة إِلَى بعلبك لقُرْبه مِنْهَا قَالَ فِي التَّعْرِيف وَلَيْسَ لَهُ مقرّ ولَايَة وَهَاتَانِ الولايتان منفصلتان عَن بعلبك لحَاكم غير حاكمها أَحْمد بن اسكندر الرُّومِي الْكَاتِب نزيل دمشق وحيد وقته فِي صناعَة الْإِنْشَاء وَكَانَت لَهُ الشُّهْرَة التَّامَّة بالذكاء وَسُرْعَة الفطانة وَكَانَ يكْتب الْعرُوض المهمه من رَأس الْقَلَم من غير تسويد وَيكون مَقْبُولًا إِلَى الْغَايَة عِنْد الْعَارِف بِهَذَا

стр. 178

الْفَنّ مَعَ حسن الْخط الْفَائِق حلاوة وطلاوة وَسبب تفوقه فِي هَذِه الصِّنَاعَة أَنه أتقن الألسن الثَّلَاثَة الْعَرَبِيّ والفارسي والتركي اتقاناً كَامِلا والمقبول من إنْشَاء التركية مَا كَانَ مرصعاً من الألسن الثَّلَاثَة ورد دمشق فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة مَعَ قَاضِي الْقُضَاة مصطفى بن بُسْتَان وَكَانَ أحد جماعته الَّذين ينوبون عَنهُ فِي الْقَضَاء ونال مِنْهُ حظاً عَظِيما بِحَيْثُ أَنه يمْضِي غَالب الْأُمُور بإشاراته وَكَانَ يكْتب لَهُ الْعرُوض ثمَّ قطن دمشق وَبَقِي بعد عَزله استاذه وابتنى بَيْتا كَانَ تربة فِي مُقَابلَة دَار الحَدِيث الأشرفية بِالْقربِ من قلعة دمشق ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الجوهرية ودأب فِي تَحْصِيل الْعُلُوم والمعارف فَقَرَأَ على الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الْملك الْبَغْدَادِيّ الْحَنَفِيّ علم الْكَلَام والهيئة وَغَيرهمَا وَقَرَأَ على الْحسن البوريني من الشَّرْح الْمُخْتَصر على التَّلْخِيص ومقامات الحريري وَمهر فِي جَمِيع الْفُنُون حَتَّى صَار من أَعْلَام وقته ومفردات عصره فِي التنقيب عَن كَلِمَات الْقَوْم الدقيقة وَكَانَ يُنكر على ابْن عَرَبِيّ وَابْن الفارض وأضرابهما ويحط عَلَيْهِمَا وانفلج فِي آخر عمره فَكَانَ يُقَال إِن ذَلِك بِسَبَب إِنْكَاره وَكَانَت وَفَاته بعد الْألف بِقَلِيل هَكَذَا ذكره النَّجْم فِي لطف السمر وَلم يزدْ على ذَلِك وَالله أعلم أَحْمد بن أكمل الدّين الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ رَئِيس المؤذنين بِجَامِع بني أُميَّة الْمَعْرُوف بالشراباتي كَانَ أعجوبة وقته ونادرة عصره جمع إِلَى الصّلاح حسن المعاشرة وَلَذَّة المخاطبة وَكَانَ حسن الصَّوْت عَارِفًا بالموسيقى وَله سخاء وإيثار وَكَانَ فِي مبدأ أمره مُؤذنًا بالجامع الْمَذْكُور وَلما توفّي الشَّيْخ مُحَمَّد المحملجي أحد رُؤَسَاء المؤذنين الثَّلَاثَة بِهِ وَجه إِلَيْهِ مَكَانَهُ وسافر إِلَى آمد مَعَ إِبْرَاهِيم باشا الدفتري بِالشَّام وَحج مَعَه لما صَار أَمِير الركب الشَّامي فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين والف وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي عصر نَهَار الْجُمُعَة آخر يَوْم من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَدفن من غده فِي مَقْبرَة بَاب الصَّغِير قَالَ وَالِدي ﵀ وَاتفقَ يَوْم وَفَاته أَن كَانَ يَوْم نوبَته فِي الترقية بَين يَدي الْخَطِيب فَنًّا وَله ساقي الْحمام فِي نوبَته رَحمَه الله تَعَالَى أَحْمد بن تَاج الدّين الدِّمَشْقِي الأَصْل الْمدنِي موقت الْحرم النَّبَوِيّ وَكَاتب الْإِنْشَاء للشريف سعد بن الشريف زيد الأعلم كَانَ وَاحِد عصره فِي معرفَة الْعُلُوم الغربية كالرياضي والنجوم والسمييا وماشا كلهَا وَله فِي وضع الْآلَات الفلكية الْيَد الطولي وَكَانَ كثير الْأَدَب جيد المحاضرة حسن التَّحْرِير لطيف النادرة أَخذ

стр. 179

الْفُنُون عَن الْأُسْتَاذ الْكَبِير مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربي نزيل مَكَّة المشرفة وَعَن غَيره وتفوق واشتهر وحبب إِلَى الخواطر وَكَانَ حسن الْإِنْشَاء وأظن أَن لَهُ نظما لكني لم أَقف لَهُ على شَيْء من منظومه وَمن لطائفه الأدبية مَا وجدته مَنْقُولًا بِخَطِّهِ فِي آخر صحيفَة ترْجم فِيهَا السَّيِّد جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْمدنِي الملقب بكبريت عِنْد ذكر اسْمه نَفسه فَكتب مَا صورته قَالَه عجلا وحرره خجلا من لم يكن وَكَانَ وسوف يَخْلُو مِنْهُ الْمَكَان المنوه باسمه فِي قَول الْقَائِل (وراكعة فِي ظلّ غُصْن منوطة ... بلؤلؤة لاحت بمنقار طَائِر) فرع من لوح باسمه الشَّاعِر بقوله (جَاءَت بقلب مُضَاف دَائِما أبدا ... للدّين فارتفعت بِاللَّه توقيرا) وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المشرفة فِي سنة إجدى وَثَمَانِينَ وَألف أَحْمد بن توفيق الكيلاني الأَصْل القسطنطيني المولد قَاضِي الْقُضَاة الْمَعْرُوف بتوفيقي زَاده أحد فضلاء الرّوم الْمَشْهُورين ونبلائها الْمَذْكُورين وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي التَّحْقِيق والذكاء والبراعة وفضله ونبله أشهر من أَن يُنَبه عَلَيْهِ ووالده المنلا توفيق قد أفردت لَهُ تَرْجَمَة ستأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف التَّاء نَشأ أَحْمد هَذَا وَقَرَأَ أَنْوَاع الْفُنُون وبرع ولازم من شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن سعد الدّين ودرس وَلَا زَالَ ينْتَقل من مدرسة إِلَى مدرسة حَتَّى وصل إِلَى دَار الحَدِيث السليمانية وَأعْطى مِنْهَا قَضَاء سلانيك وَبعد مُدَّة ولي قَضَاء الشَّام فِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف وَأقَام بهَا سَبْعَة أشهر وعزل وَكَانَ معتدل الْحُكُومَة غير أَن فِيهِ حِدة وشراسة أَخْلَاق ثمَّ ولي قَضَاء مصر ثمَّ أدرنة وَتُوفِّي بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أحدى وَخمسين وَألف أَحْمد بن حسام الدّين السيروزي الشهير بملاجق من أفاضل قُضَاة الرّوم ذكره ابْن نَوْعي وَقَالَ فِي تَرْجَمته لَازم من وَاحِد الدُّنْيَا الْمولى عبد الرَّحِيم الْمَعْرُوف بِابْن أخي واشتهر بِالْفَضْلِ الباهر ثمَّ سلك طَرِيق الْقَضَاء فولي قَضَاء الْبِلَاد الْكِبَار من أَرض الرّوم مثل تيمور وحصار وزغرة العتيقة وهزار غراد وسيروز وَفِي تَوليته هزار غراد خلف عطائي بن نَوْعي صَاحب الذيل الْمَذْكُور فِي شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وأضيف إِلَيْهِ مدرسة إِبْرَاهِيم باشا بهَا مَعَ خدمَة الْإِفْتَاء ثمَّ عزل فِي ختام السّنة وَأقَام بهَا لشدَّة الشتَاء فَمَرض وَمَات وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بحظيرة إِبْرَاهِيم باشا وَله تأليف ورسائل مِنْهَا رِسَالَة

стр. 180

على مَوَاطِن من التَّفْسِير وَالْهِدَايَة والتلويح وَله كتاب على المغلفات من فتاوي قَاضِي خَان وَشرع فِي كتاب القَوْل لمن فَلم تساعد الْأَيَّام على إِتْمَامه وَحكى عطائي الْمَذْكُور قَالَ أَخْبرنِي المترجم قَالَ لما تَوَجَّهت إِلَى هزار غراد مَرَرْت على أدرنه فابتليت بالحمى المحرقة فَلَمَّا اشْتَدَّ ضعْفي وغيبت حواسي رَأَيْت كَأَن الْملك الْمُوكل بِقَبض الْأَرْوَاح قد جَاءَ إِلَى عَليّ أحسن هَيْئَة فَانْطَلق لساني بِقَوْلِي لَهُ أَهلا وسهلا افْعَل مَا أمرت بِهِ فتردد هنيهة كَأَنَّهُ منتظر أمرا ثمَّ قَالَ لي أَن فِي عمرك بَقِيَّة وَهِي سِتَّة عشر شهرا ثمَّ ولي من حَيْثُ جَاءَ وَأخذت الْعَافِيَة تدب فِي آنافا نَا حَتَّى ذهب الْمَرَض عني قَالَ عطائي فَقلت لَهُ على طَرِيق التسلية لَعَلَّ مَا قَالَه سِتَّة عشر سنة وَأَنت فِي دهشتك سمعته يَقُول شهرا فَقَالَ هَيْهَات قد كَانَ مَا كَانَ فَلم يتَجَاوَز سِتَّة عشر شهرا حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى برحمته والسيروزي بِكَسْر السِّين ثمَّ يَاء مثناة من تَحت فراء مَضْمُونَة بعْدهَا وَاو ثمَّ زَاي نِسْبَة إِلَى بَلْدَة عَظِيمَة بِولَايَة روم إيلي بِالْقربِ من ينكى شهروا الْعَامَّة تَقول سرز بِفَتْح السِّين وَالرَّاء وَالصَّوَاب سيروز وَالله أعلم الإِمَام أَحْمد بن الْحسن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الرشيد بن أَحْمد بن الإِمَام الْحُسَيْن بن عَليّ بن عَليّ بن يحيى بن يُوسُف الملقب بالأشل ابْن الْقَاسِم بن الإِمَام يُوسُف الدَّاعِي ابْن الإِمَام مَنْصُور يحيى ابْن الإِمَام النَّاصِر احْمَد بن الإِمَام الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه إِمَام الْيمن الْعلم الشهير وَالْملك الْكَبِير كَانَ هُوَ ووالده وَأَخُوهُ مُحَمَّد أَعْيَان عصرهم وأئمة مصرهم (إِذا ركبُوا زانوا المواكب هَيْبَة ... وَإِن جَلَسُوا كَانُوا صُدُور الْمجَالِس) وَصَاحب التَّرْجَمَة من بَينهم متقلب فِي النعم مختال بَين الخول والخدم مَعْقُود عَلَيْهِ بالخناصر وَكَانَ يُقَال أَنه سيف آل الْمُقدم الإكابر ذُو جود ونوال وَإجَابَة للسؤال ومحاسن ومفاخر وَمَكَارِم ومآثر وَفعل خَيره وصوف وميل إِلَى جِهَات البرمعروف ولي الْإِمَامَة بعد عَمه الإِمَام إسمااعيل المتَوَكل الْآتِي ذكره ولقب نَفسه بالمهدي لدين الله فَقَامَ بأمرها أحسن قيام وانتظم بِهِ الْأَمر أحسن إنتظام وَكَانَ مهابا وَفِي أثْنَاء دَعوته دَعَا ابْن عَمه السَّيِّد الْقَاسِم بن الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد وخطب لَهُ على مَنَابِر الشرفين والأهنوم وشهارة وظليمة وَحجَّة وَأكْثر التهائم وَبعد أُمُور كَثِيرَة يطول شرحها حصل الإتفاق على إِمَامَة صَاحب التَّرْجَمَة وَاجْتمعت كلمة الْيمن إِلَيْهِ وَمن حِينَئِذٍ نفذت
следующие страницы →